← Фикх общий

Фикх общий · id 18339

الأساس في السنة وفقهها - العبادات في الإسلام

سعيد حوى

Полный текст (3 246 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

- الرخصة في مسح الحصى لضرورة: ١٣٥٨ - * روى مالك عن أبي جعفر القارئ قال كنت أرى عبد الله بن عمر إذا أهوى ليسجد مسح الحصى لموضع جبهته مسحاً خفيفاً. ١٣٥٩ - * روى أبو داود عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كنت أصلي الظهر مع رسول الله ﷺ ، فآخذ قبضة من الحصى لتبرد في كفي أضعها لجبهتي، أسجد عليها لشدة الحر. في رواية النسائي (٣) قال: كنا نصلي معر سول الله ﷺ الظهر، فآخذ قبضة من حصى في كفي أبرده، ثم أحوله في كفي الآخر، فإذا سجدت وضعته لجبهتي. ١٣٦٠ - * روى الشيخان عن معيقيب ﵁ عن النبي ﷺ في الرجل يسوي التراب حيث يسجد، قال: "إن كنت فاعلاً فواحدة". ولمسلم (٥) قال: ذكر النبي ﷺ المسح في المسجد- يعني الحصباء- قال: "إن كنت لابد فاعلاًُ فواحدة". أقول: مر معنا أن الحركة القليلة لا تفسد الصلاة فإذا كانت لضرورة فإنها مباحة. وفي (النيل ٢/ ٣٨٧): الأحاديث المذكورة في الباب تدل على كراهة المسح على الحصى ... وحكى النووي في شرح مسلم اتفاق العلماء على كراهته وفي حكاية الاتفاق نظر فإن مالكاً لم ير به بأساً وكان ابن عمر وابن مسعود يفعلانه، وعن ابن مسعود أنه كان يفعله مرة واحدة وذهب أهل الظاهر إلى تحريم ما زاد على المرة ا. هـ باختصار.

стр. 842

- النهي عن الاختصار والتشبيك وفرقعة الأصابع في الصلاة: ١٣٦١ - * روى الجماعة إلا الموطأ عن أبي هريرة ﵁ يرفعه، قال: نهى الرجل أن يصلي مختصراً. وفي رواية (٢) نهى النبي ﷺ . وفي أخرى (٣): نهى عن الخصر في الصلاة. وفي أخرى (٤) نهى النبي ﷺ عن الاختصار في الصلاة. ١٣٦٢ - * روى البخاري عن عائشة ﵂: أنها كانت تكره أن يجعل يده في خاصرته، وتقول: إن اليهود تفعله. في رواية (٦) ذكرها رزين، قالت: نهى رسول الله ﷺ عن الاختصار في الصلاة وغيرها. ١٣٦٣ - * روى أبو داود عن زياد بن صبيح الحنفي قال: صليت إلى جنب ابن عمر، فوضعت يدي على خاصرتي، فلما صلى قال: هذا الصلب في الصلاة، وكان رسول الله ﷺ ينهى عنه، وفي رواية النسائي (٨)، قال: صليت إلى جنب ابن عمر، فوضعت يدي على

стр. 843

خصري، فقال لي: هكذا- ضربه بيده- فلما صليت، قلت لرجل: من هذا؟ قال: عبد الله بن عمر، قلت: يا أبا عبد الرحمن، ما رابك مني؟ قال: إن هذا الصلب، وإن رسول الله ﷺ نهانا عنه. أقول اشتهرت هذه الوقفة عن بعض كبار العسكريين وأصبح الناس يقلدونهم فيها، وفيها معنى الاعتداد بالنفس وعدم المبالاة بالآخرين، فهي لغير المصلي مكروهة، وللمصلي أشد كراهة قال الحنفية: التخصر في الصلاة مكروه تحريماً ويكره تنزيهاً خارج الصلاة وكل شيء فيه تصليب، فسنة الإسلام الابتعاد عنه. ١٣٦٤ - * روى الإمام أحمد وأبو داود عن عائشة ﵂: "أن رسول الله ﷺ كان لا يترك في بيته شيئاً فيه تصاليب إلا نقضه"، لذلك كره الصليب في ثوب وكرهت الصلاة في ثوب فيه صليب. ١٣٦٥ - * عن إسماعيل بن أمية قال: سألت نافعاً عن الرجل يصلي وهو مشبك يديه؟ فقال: سمعت ابن عمر يقول: تلك صلاة المغضوب عليهم. وزاد رزين (١): قال: ورأى ابن عمر رجلاً يتكئ على ألية يده اليسرى وهو قاعد في الصلاة، فقال له: لا تجلس هكذا، فإن هكذا يجلس الذين يعذبون. أقول تكره فرقعة الأصابع وتشبيكها ولو كان الإنسان ينتظر الصلاة أو يمشي إليها وكذلك ما دام في المسجد، فمن باب أولى أن تكون مكروهة في الصلاة. ١٣٦٦ - * روى أحمد عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: "إذا كان أحدكم في المسجد

стр. 844

فلا يشبكن فإن التشبيك من الشيطان وإن أحدكم لا يزال في صلاة ما دام في المسجد حتى يخرج منه". وقد اختلف في الحكمة في النهي عن التشبيك في المسجد كما في حديث أبي سعيد وغيره فقيل لما فيه من العبث وقيل لما فيه من التشبه بالشيطان. وظاهر النهي عن التشبيك التحريم لولا ما ورد عن ذي اليدين أنه ﵊ شبك أصابعه في المسجد وذلك يفيد عدم التحريم ولا يمنع الكراهة لكون فعله نادراً، قال العراقي: وفي معنى التشبيك بين الأصابع تفقيعها فيكره في الصلاة ولقاصد الصلاة. ١٣٦٧ - * روى ابن ماجه عن علي أن النبي ﷺ قال: "لا تفقع أصابعك في الصلاة". قال في "النيل": ويؤيده حديث أنس بن معاذ مرفوعاً (إن الضاحك في الصلاة والملتفت والمفقع أصابعه بمنزلة واحدة) وفي إسناده ابن لهيعة انظر (النيل ٢/ ٣٨١ - ٣٨٢) بتصرف.

стр. 845

- النهي عن المرور بين يدي المصلي: ١٣٦٨ - * روى أبو داود عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته: الحمار، ولامرأة، والكلب الأسود"، قلت: يا أبا ذر: ما الكلب الأسود، من الكلب الأحمر، من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي، سألت رسول الله ﷺ كما سألتني، فقال: "الكلب الأسود شيطان" وزاد الترمذي بعد قوله: كآخرة الرحل. أو كواسطة الرحل. وجعل عوض الأصفر الأبيض، وأول روايته قال: يقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه كقدر آخرة الرحل ... الحديث. أقول: حمل بعضهم قطع الصلاة هنا على نقص أجرها أما إذا أريد بالقطع البطلان فالعلماء يرون أن الحديث على هذا الفهم منسوخ إلا أن الحنابلة ذكروا من مبطلات الصلاة مرور الكلب الأسود الذي ليس في بدنه شيء سوى السواد بين يدي المصلي، وقد تحدثنا عن هذا الموضوع في بحث استقبال القبلة. ١٣٦٩ - * روى مالك عن عبد الله بن عباس قال: أقبلت راكباً على أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام والنبي ﷺ يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي الصف فنزلت، وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي أحد. زاد في

стр. 846

رواية "بمنى في حجة الوداع". ١٣٧٠ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "يقطع الصلاة: الكلب، والمرأة والحمار، ويقي من ذلك مثل مؤخرة الرحل". ١٣٧١ - * روى مسلم عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يصلي وأنا معترضة بينه وبين القبلة كاعتراض الجنازة. وفي أخرى (٣) قالت: كان النبي ﷺ يصلي صلاته من الليل كلها، وأنا معترضة بينه وبين القبلة، فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت. ولمسلم (٤) قالت عائشة: ما يقطع الصلاة؟ قال عروة: فقلنا: المرأة، والحمار، فقالت: إن المرأة لدابة سوء؟ لقد رأيتني بين يدي رسول الله ﷺ معترضة كاعتراض الجنازة وهو يصلي. وفي أخرى (٥) لهما: أن عائشة ذكر عندها ما يقطع الصلاة، فذكر الكلب والحمار والمرأة، فقالت: لقد شبهتمونا بالحمر والكلاب، والله لقد رأيت النبي ﷺ يصلي على السرير وأنا بينه وبين القبلة مضطجعة فتبدو لي الحاجة، فأكره أن أجلس فأوذي النبي ﷺ ، فأنسل من قبل رجليه. وفي أخرى (٦) لهما، قالت: عدلتمونا بالكلاب والحمر؟! لقد رأيتني مضطجعة على السرير، فيجيء رسول الله ﷺ فيتوسط السرير فيصلي، فأكره أن أسنحه، فأنسل من قبل رجلي السرير، حتى أنسل من لحافي. قال النووي (٤/ ٢٢٨): استدلت به عائشة ﵂ والعلماء بعدها على أن المرأة لا تقطع صلاة الرجل وفيه جواز صلاته إليها وكره العلماء أو جماعة منهم الصلاة إليها- أي

стр. 847

إلى المرأة- لغير النبي ﷺ لخوف الفتنة وتذكرها ... أما النبي ﷺ فمنزه عن هذا ا. هـ. ومن كلام النووي (٢/ ٢٢٧): والجمهور على أن المراد بالقطع نقص الصلاة لشغل القلب بهذه الأشياء وبعضهم قال بالنسخ. وقال أحمد يقطعها الكلب الأسود وفي قلبي من الحمار والمرأة شيء. ا. هـ. بتصرف وقد سبق عرض هذا الموضوع في بحث استقبال القبلة. أقول: إن حديث عائشة ﵂ يدل إما على صرف القطع عن ظاهره بأن يراد به نقصان الصلاة أو هو دليل على أن قطع الصلاة بشيء يمر بين يدي المصلي منسوخ، وهذا الحديث أصل كبير لما ذهب إليه الحنفية وغلط في فهمه الكثيرون، وهو أنه إذا عارض حديث الآحاد قواعد الشريعة، وروحها العامة المعروفة من نصوص قطعية فإن الحنفية لا يأخذون به، وقد يسمى هذا قياساً وهو غير القياس المتعارف عليه في أصول الفقه، بل هو من نوع القياس العقلي، ويلبس خصوم الحنفية على الناس فيقولون: إن الحنفية يقدمون القياس على الحديث الصحيح، وهذا ليس صحيحاً فالحنفية يقدمون الحديث الضعيف- إذا لم يوجد غيره- على القياس المتعارف عليه في أصول الفقه، ولكنهم يقدمون العمل بقطعيات الشريعة إذا تعارض مع أحاديث الآحاد، وقد يسمى هذا قياساً فيلتبس على الناس. ١٣٧٢ - * أبو داود عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقطع الصلاة شيء، وادرؤوا ما استطعتم، فإنما هو شيطان". وفي أخرى (١): أن حاجب بن سليمان قال: رأيت عطاء بن يزيد الليثي قائماً يصلي، فذهبت أمر بين يديه، فردني، ثم قال: حدثني أبو سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ قال: "من استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين قبلته أحد فليفعل" وفي رواية (٢) قال أبو صالح

стр. 848

السمان: رأيت أبا سعيد الخدري في يوم جمعة يصلي إلى شيء يستره من الناس، فأراد شاب من بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه، فدفع أبو سعيد في صدره، فنظر الشاب فلم يجد مساغاً إلا بين يديه، فعاد ليجتاز، فدفعه أبو سعيد أشد من الأولى، فنال من أبي سعيد، ثم دخل على مروان، فشكى إليه ما لقي من أبي سعيد، ودخل أبو سعيد خلفه على مروان، فقال: مالك ولابن أخيك يا أبا سعيد،؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس. فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان"، وأخرج مسلم (١) منه المسند، قال: إن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحداً يمر بين يديه، وليدرأه ما استطاع، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان" وأخرج الموطأ (٢) المسند منه فقط، وأخرج أبو داود (٣) في أخرى: "إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة، وليدن منها .. " وساق الحديث. وله في أخرى (٤) قال: مر شاب من قريش بين يدي أبي سعيد وهو يصلي، فدفعه، ثم عاد، فدفعه- ثلاث مرات- فلما انصرف قال: إن الصلاة لا يقطعها شيء، ولكن قال رسول الله ﷺ : "ادرؤوا ما استطعتم فإنه شيطان". وللنسائي (٥) عن عطاء بن يسار أنه رأى أبا سعيد كان يصلي، فأراد ابن لمروان أن يمر بين يديه، فدرأه، فلم يرجع، فضربه، فخرج الغلام يبكي، حتى أتى مروان فأخبره، فقال مروان لأبي سعيد:

стр. 849

لم ضربت ابن أخيك؟ قال: ما ضربته، إنما ضربت الشيطان، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا كان أحدكم في الصلاة، فأراد إنسان أن يمر بين يديه فليدرأه ما استطاع، فإن أبى فليقاتله، فإنه شيطان". أقول: إن قول ابن عمر لا يقطع الصلاة شيء هو الذي استقر عليه العمل، وأما درء المار بين يدي المصلي فقد قال الحنفية هو رخصة والأولى تركه، وأما الأمر بمقاتلة المار فكان في بدء الإسلام حين كان العمل في الصلاة مباحاً فهو منسوخ، والدفع عندهم يكون بالإشارة أو التسبيح أو الجهر بالقراءة ولا يزاد عليها، ويكره الجمع بين شيئين، وتدفع المرأة بالإشارة أو بالتصفيق ببطن الكف اليمنى على ظهر اليسرى، وقال المالكية يندب للمصلي أن يدفع المار بين يديه دفعاً خفيفاً فإن كثر بطلت صلاته، وقال الشافعية والحنابلة، يسن للمصلي أن يدفع المار بينه وبين سترته ولا يدرأ المار بين يدي المصلي في مكة والحرم. ١٣٧٣ - * روى الجماعة عن بسر بن سعيد أن زيد بن خالد أرسله إلى أبي جهيم يسأله: ماذا سمع من رسول الله ﷺ في المار بين يدي المصلي؟ قال أبو جهيم: قال رسول الله ﷺ : "لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه؟ لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه"- قال أبو النضر: لا أدري قال: أربعين يوماً، أو شهراً، أو سنة؟ وقال الترمذي (١): وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لأن يقف أحدكم مائة عام خير له من أن يمر بين يدي أخيه وهو يصلي".

стр. 850

أقول: لا خلاف أن للإنسان أن يمر بين يدي سترة المصلي، وقد رأينا أن بعضهم يعتبر الخط على الأرض سترة وأن المالكية حملوا المنع من المرور إذا مر الإنسان في موضع سجود الإنسان، والحنفية يرون أن المسجد إذا كانت مساحته أربعين ذراعاً فلا يصح المرور بين يدي المصلي، إذا لم يكن أمامه سترة زاد على ذلك أو كانت الصلاة في الصحراء فله المرور فيما بعد موضع سجوده. ١٣٧٤ - * روى أبو داود عن ابن عباس ﵁ قال: جئت أنا والفضل على أتان، فمررنا بين يدي رسول الله ﷺ بعرفة وهو يصلي المكتوبة، ليس شيء يستره يحول بيننا وبينه. ١٣٧٥ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يصلي، فذهب جدي يمر بين يديه، فجعل يتقيه. ١٣٧٦ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: هبطنا مع النبي ﷺ من ثنية أذاخر، فحضرت الصلاة- يعني [فصلى] إلى جدار- أو جدر- فاتخذه قبلة ونحن خلفه، فجاءت بهمة تمر بين يديه، فما زال يدارئها حتى ألصق بطنه بالجدار، ومرت من ورائه- أو كما قال مسدد.

стр. 851

- النهي عن الصلاة مع مغالبة النعاس: ١٣٧٧ - * روى الجماعة عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري: لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه". في رواية (٢) "إذا نعس أحدكم وهو يصلي فلينصرف، فلعله يدعو على نفسه وهو لا يدري". ١٣٧٨ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا نعس في الصلاة فلينم، حتى يعلم ما يقرأ". أقول: هذا محمول على صلاة النافلة، وأما صلاة الفريضة إذا ضاق وقتها فإنه يصليها مهما كان نعساً أو تعباً، وفي النصين إشارة للمربين أن يلحظوا حال الإنسان وقدرته واستعداده ونوع عمله فيما يكلفونه به من تكاليف. ١٣٧٩ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه، فلم يدر ما يقول، فليضطجع". أقول: أخذ أهل السلوك والتربية من هذا النص وأمثاله أنه إذا تعسر على الإنسان شيء

стр. 852

من باب المباحات فليتركه حتى يجد سهولة فيه، فإذا كان النص يأمرنا بما أمر به في قراءة القرآن فمن باب أولى غيره من المباحات. - النهي عن الصلاة لمعقوص الرأس: ١٣٨٠ - * روى الطبراني في الكبير عن أم سلمة أن النبي ﷺ نهى أن يصلي الرجل ورأسه معقوص. ١٣٨١ - * روى مسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه رأى عبد الله بن الحارث ورأسه معقوص من ورائه، فقام وراءه فجعل يحله، فلما انصرف أقبل إلى ابن عباس، فقال: مالك ورأسي؟ فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنما مثل هذا مثل الذي يصلي وهو مكتوف". وزاد أبو داود بعد قوله: فجعل يحله: فأقر له الآخر. ١٣٨٢ - * روى أبو داود عن أبي سعيد المقبري أن أبا رافع مولى رسول الله ﷺ مر بالحسن بن علي وهو يصلي قائماً، وقد غرز ضفر رأسه. وعند الترمذي (٤): وقد عقص ضفرة في قفاه، فحلها أبو رافع، فالتفت حسن إليه مغضباً، فقال أبو رافع: أقبل إلى صلاتك ولا تغضب، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ذلك كفل الشيطان"، يعني: مقعد الشيطان، يعني مغرز ضفره.

стр. 853

أقول: كراهة اللاة والشعر معقوص كراهة تنزيهية باتفاق العلماء. ١٣٨٣ - * روى الجماعة عن ابن عباس قال: أمر رسول الله ﷺ أن يسجد على سبعة أعضاء ولا يكف شعراً ولا ثوباً. - كراهية الصلاة بعد العصر: ١٣٨٤ - * روى أحمد عن عبد الله بن رباح عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ صلى العصر فقام رجل يصلي فرآه عمر فقال له اجلس فإنما هلك أهل الكتاب أنه لم يكن لصلاتهم فصل. فقال رسول الله ﷺ : "أحسن ابن الخطاب". أقول: هذا دليل على كراهة صلاة النافلة بعد أداء صلاة العصر، والظاهر أن مراد عمر بالفصل: الأوقات التي منعت بها الصلاة لتكون هناك فواصل لا يصلي فيها، وقد يحمله آخرون على غير هذا الفهم لنصوص أخرى وردت عن عمر ﵁ ولكن الظاهر أن المراد بهذا النص ما ذكرناه. وقد سبق أن تحدثنا عن هذا الموضوع في مواقيت الصلاة.

стр. 854

مسائل وفوائد - من مبطلات الصلاة عند الحنفية التكبير بنية الانتقال لصلاة أخرى فإنه يبطل الصلاة الأولى ولا يدخله في الصلاة الأخرى، فإذا أراد الانتقال إلى صلاة أخرى قطع الأولى بسلام وكلام ثم دخل في الثانية بنية وتكبيرة إحرام، ومن مبطلاتها مد الهمزة في التكبير سواء كانت همزة لفظ الجلالة أو همزة لفظ (أكبر). ومن مبطلاتها عدم إعادة الجلوس الأخير بعد أداء سجدة صلبية أو تلاوية تذكرها بعد الجلوس وعدم إعادة ركن أداه نائماً، وتقدم المأموم على الإمام بقدمه أما مساواته فلا تبطل، والمشهور عند المالكية أن تقدم المأموم على الإمام لا يبطل صلاته ولذلك يتوسع الناس في الصلاة في موسم الحج فيصلون أمام المسجد النبوي متقدمين على الإمام. - من مبطلات الصلاة عند المالكية طروء ناقض للوضوء وترك ثلاث سنن من سنن الصلاة سهواً مع ترك السجود لها حتى سلم وطال الأمر عرفاً، والاتكاء حال قيامه على حائط أو عصا بغير عذر بحيث لو أزيل عنه متكؤه لسقط، واختلاف نية المأموم والإمام. - قال فقهاء الحنفية لو نسي الإنسان القعود الأول في صلاة ثلاثية أو رباعية فإن كان القعود أقرب وتذكر قعد وتشهد وإن كان القيام أقرب وجب عليه متابعة القيام، فلو أنه تذكر فقعد بعد قيامه أو ذكره غيره فقعد بطلت صلاته، واستثنى الشافعية الناسي أنه في صلاة أو الجاهل بتحريم العود، فلا تبطل صلاتهما في الأصح عندهم. - ومن مبطلات الصلاة عند الشافعية طروء الحدث ولو بلا قصد، ولا تبطل الصلاة عندهم بالفعل الكثير إذا كان لشدة حرب، وتبطل الصلاة عندهم الردة والجنون في الصلاة، ومن مبطلات الصلاة عندهم تبين المصلي أنه يصلي وراء من لا تجوز الصلاة وراءه وتطويل ركن قصير عمداً بأن يزيد الاعتدال من الركوع على الدعاء الوارد فيه بقدر الفاتحة أو أن يزيد من الجلوس بين السجدتين على الدعاء الوارد فيه بقدر التشهد، ويستثنى من ذلك تطويل الاعتدال في الركعة الأخيرة لقنوت، وتطويل الجلوس بين السجدتين لصلاة التسابيح، ومن مبطلات الصلاة عندهم تكرير تكبيرة الإحرام مرة ثانية بنية الافتتاح.

стр. 855

- ومن مبطلات الصلاة عند الحنابلة الدعاء بملاذ الدنيا كأن يسأل عروساً في صلاته، وهو مبطل عند الحنفية كذلك. ومن كلامهم: ومن علم ببطلان الصلاة ومضى فيها أذنب، ومن كلام بعض الحنفية: أن من صلى بلا طهارة عامداً كفر. ملاحظة: قد ينسب إلى مذهب قول ويكون هناك من يشارك هذا المذهب في هذا القول، فليس نسبتنا قولاً إلى مذهب يفيد أن هذا القول خاص بالمذهب المنسوب إليه الكلام إلا إذا قيدنا ذلك وإنما توسعنا في هذا الموضوع لكثرة المشقة في تحقيق أقوال العلماء في كل مسألة وجمعها للاختصار.

стр. 856

الباب الخامس في المساجد والجماعة والجمعة وفيه مقدمة وفصول * المقدمة

стр. 857

مقدمة الباب مر معنا من قبل فضل الصلاة عامة وفضل الصلوات الخمس خاصة، ثم ذكرنا ما له علاقة بشروط الصلاة وهيئتها وما يتصل فيها من أركان وواجبات وسنن وآداب ومكروهات ومفسدات، وذلك ليس مرتبطاً بالصلوات الخمس فقط بل مرتبط كذلك بالنوافل والوتر وصلاة الجمعة وصلاتي العيدين وصلاة الاستسقاء وصلاة الاستخارة وصلاة الحاجة وصلاتي الخسوف والكسوف وصلوات أخرى، مع اختلاف بسيط سنراه في مناسباته. وقد شرع لنا الأذان والإقامة- وقد مرتا معنا- وهما مرتبطان بالصلوات الخمس، وصلاة الجمعة وهي إحدى الصلوات الخمس في يومها- إذا أديت بشروطها- وهي لمن صلاها تسقط عنه فريضة الظهر لأنها في حقها فريضة الوقت. والأذان في الأصل دعوة إلى الصلاة في المسجد جمعة وجماعة، ولذلك ستكون فصول الباب الخامس مخصصة للمساجد والجماعة والجمعة. فعمارة المساجد حساً ومعنى من أرقى عبادات الإسلام، قال تعالى: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله) (١). فمن اجتمعت له هذه الشؤون فهو الذي يعمر مساجد الله حقاً، ومن ليس كذلك فعمارته لمساجد الله ضعيفة. والعمارة تكون بتشييد المساجد، وبحضور الجماعة والجمعة فيها، وبحضور مجالس الذكر والعلم، وبإقامة ذلك كله. وعمارة المسجد بها حياة الإسلام وحيويته ولذلك فإن على أهل العلم والدعوة والتربية أن يركزوا عليها.

стр. 858

وتجربة العصور تقول: حيثما وجد الالتصاق بالمسجد والتربية المسجدية من قبل الربانيين فذلك مظنة الثقافة الإسلامية وسلامة السلوك ونظافة العقل وطهارة الجسد، وحيثما ابتعدت التربية والتعليم عن أجواء المساجد وعن العلماء الربانيين ضعف الأمر، لذلك فإنني أدعو أن يوجد لكل جامع ومسجد مجلس مهمته إحياء المسجد بالعلم والذكر. ولقد ذكرنا في كتابنا (تربيتنا الروحية) آيات: (الله نور السموات والأرض ...) (١) وذكرنا هناك أن ذلك النوع من القلوب المشار إليه في قوله تعالى: (المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة) (٢)، أن هذا النوع من القلوب مظنة وجوده رواد المساجد بدليل قوله تعالى: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار) (٣). والأصل أن تؤدى في المسجد الفرائض جماعة وصلاة الجمعة، وأما النوافل فالأصل فيها أن تؤدى في البيوت إلا تحية المسجد وصلاة الكسوف وصلاة التراويح. وأما صلاتا العيدين فالأصل فيهما الخروج إلى مصلى العيد فإن لم يكن ففي المسجد وبشكل عادي فإن صلوات المعتكف كلها تكون في المسجد. إن المساجد والأذان والإقامة والجمعة والجماعة من شعائر الإسلام، (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) (٤).

стр. 859

وهناك مساجد لها خصوصية هي المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى ومسجد قباء وسنتحدث عن هذا الموضوع في جزء الحج والعمرة. والمسجد والجمعة والجماعة مظاهر حيوية الإسلام واستمراره في الأمة الإسلامية ولذلك فلابد من العناية بالمساجد والاهتمام بصلاة الجماعة، والتركيز على صلاة الجمعة، والاستفادة بأقصى ما يكون من خطبة الجمعة. فلابد من بذل الجهود لتكثير المساجد ولحسن إقامتها ولحسن ترتيب أمورها الحسية والمعنوية وينبغي للهندسة الإسلامية أن تستفيد من تجارب العصور وتجارب الأقطار في إحسان بناء المساجد بحيث يتحقق في المسجد الجديد أرقى اجتهادات المسلمين في إقامة المساجد وتحسينها وتحسين مرافقها فيلحظ في المرافق إيجاد المراحيض العامة والحمامات وأن تكون بمعزل عن بناء المسجد وأن تهيأ لها وسائل الطهارة والنظافة من مياه وخراطيم ماء، وإحكام نظافة الخراطيم بأن يكون لها محل تعلق فيه، وأن يكون في كل مرحاض ورق وسلة مهملات، وأن يكون ماء المراحيض والحمامات يناسب فصول السنة، وأن يعتنى بمحل الوضوء في مياهه وراحة المتوضئ حين يتوضأ بأن يكون هناك مجالس من الحجارة يجلس عليها أثناء الوضوء، وأن تكون هناك مناشف يستفيد منها المتوضئ والمغتسل ويلحظ في بناء المسجد جماله وبهاؤه ومده واحتمال كثرة المقبلين عليه، فتهيأ لذلك الأروقة ويكون في كل رواق ما يمكن أن يمد به وان توجد مياه الشرب ووسائل التكييف، وهذا كله مع إتقان اختيار المؤذن والخدم والخطيب والإمام والمدرسين والدعاة إلى المسجد ودروسه، وأن يكون هناك ضبط للمواقيت بحيث يعرف رواد المسجد متى تقام الصلاة في كل وقت، وما هي مواعيد الدروس المنتظمة، ولابد من مراقبة دقيقة لحسن استعمال المسجد ومرافقه بحيث لا يستغل من أهل الفساد، وإذا كان بالإمكان على ضوء التجربة إيجاد نشاطات تتناسب مع مواعيد الإجازات والعطل، وأن يرافق هذه النشاطات نوع من الرحلات الهادفة، ولعله من المناسب أن يكون لكل مسجد مجلس يختار أعضاؤه من رواد المسجد والحريصين عليه، يتابعون هذه الأمور كما يقومون بزيارات منتظمة لمن هم في دائرة المسجد، كما يقومون بمتابعة بناء المكتبة المسجدية ذات الكتب الهادفة، ويكثرون من عدد النسخ التي يحتاجها

стр. 860

كل مسلم بدراسته المسجدية، وقد درجت بعض المساجد على أن تكون فيها أمكنة خاصة للنساء، وقاعات للمطالعة يمكن أن يستفاد منها في محاضرات أو دروس للعلوم الكفائية، وقد خصص بعض المسلمين في بعض المساجد غرفاً لأضياف المسجد كما خصصوا غرفاً لمريدي الاعتكاف والخلوات والأذكار، وخصص بعض بناة المساجد مرافق خاصة للقائمين بشؤون المسجد من إمام وخطيب، واعتنى بعضهم بإقامة مطعم يمكن أن يستفاد منه حين وجود الأضياف، ومن القديم فطن المسلمون إلى فكرة وجود الأوقاف التي تسد حاجات المسجد، وإنما نذكر هذا كله تذكيراً لأصحاب الإمكانات بأن يبذلوا جهوداً لإيجاد المسجد الذي يجمع بين المعاصرة وبين المركزية التي كانت للمسجد في كونه مركزاً لكل النشاطات الإسلامية الجادة، وقد ذهب بعضهم إلى أنه مما ينبغي أن يلحق بالمسجد المعاصر النادي الرياضي الإسلامي والنادي الكشفي الإسلامي، وأن يسهر المختصون على هذا كله بحيث يكون المسجد محضناً يتخرج فيه المسلم الكامل ثقافة وخصائصاً والتزاماً وتخصصاً في فرض من فروض الكفاية، ومن تتبع اجتهادات المسلمين في موضوع المساجد وفطنتهم للصغيرة والكبيرة مما يحتاجه المسجد ورواده يرى العجب، فبعض رواد المساجد نظموا جمع التبرعات والزكوات بحيث لا يضيع أحد في دائرة المسجد وما أجمل أن يقوم مجلس المسجد بالتهيئة لإحياء المناسبات والتحضير لمواسم العبادات كرمضان والحج، وعلى القائمين على شؤون المسجد أن يرتبوا لمشاركة الناس في أفراحهم وأتراحهم، فإذا ولد مولود زاروا أهله وقدموا الهدايا باسم المسجد، وإذا تزوج إنسان قاموا بشؤون الأفراح على الطريقة الإسلامية، وقدم الرجال والنساء الهدايا باسم المسجد، وإذا توفي إنسان قاموا بحقوق الميت وحقوق أهله، وما لا يدرك كله لا يترك جله. وإنما حياة المسجد بالجمعة والجماعة فعليهما يجب أن ينصب أكبر الاهتمام وعلى خطيب المسجد أن يجعل أسبوعه كله في خدمة الخطبة، فلقد رأينا خطباء لا يهتمون بالتحضير للخطبة فتفوتهم أشياء كثيرة بسبب ذلك، فلا هم يحسنون اختيار الموضوعات المتكاملة ولا هم يحسنون العرض، وكثيراً ما تفوتهم الدقة العلمية أو الفقهية، فيلقنون الناس الخطأ، فأصبحنا نستشعر أننا في العصر الذي كثر خطباؤه وقل علماؤه.

стр. 861

ولقد خصصنا هذا الباب للمسجد والجماعة والجمعة لارتباط هذه الأمور ببعضها وجعلنا لكل موضوع فصلاً، ففصول هذا الباب ثلاثة: الفصل الأول: في المساجد، والثاني في الجماعة، والثالث في الجمعة. فإلى الفصل الأول في هذا الباب:

стр. 862

الفصل الأول في المساجد وأحكامها وفيه عرض إجمالي وفقرات ومسائل وفوائد الفقرة الأولى: الاهتمام ببناء المساجد وخدمتها. الفقرة الثانية: في بعض ما ورد في مسجد الرسول ﷺ . الفقرة الثالثة: في بعض آداب وأحكام المسجد. الفقرة الرابعة: في صلاة المرأة في المسجد.

стр. 863

عرض إجمالي أفضل بقاع الأرض المساجد، وأفضل المساجد ثلاثة: المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى، وأفضل الثلاثة عند الجمهور مسجد مكة، وعند مالك مسجد المدينة، وقال الحنفية: مسجد أستاذه للعلوم له فضله، ومسجد الحي له حقه. ومن أحكام المساجد: حرمة دخول المساجد على الجنب والحائض والنفساء، وأباح الشافعية والحنابلة العبور من غير مكث ولا كراهة فيه، سواء أكان لحاجة أو لغيرها، ويكره تحريماً عند الحنفية اتخاذ المسجد طريقاً بغير عذر، ومن احتلم في المسجد وجب عليه الخروج منه إلا لعذر لخوف على نفسه أو ماله أو عجز عن الخروج لإغلاق المسجد، ولو أجنب خارج المسجد والماء في المسجد لم يجز أن يدخل ويغتسل فيه، ولو دخل للاستقاء لا يجوز أن يقف إلا قدر حاجة الاستقاء أما المحدث حدثاً أصغر فيجوز له الجلوس في المسجد بإجماع المسلمين، ويجوز النوم في المسجد بلا كراهة عند الشافعية، وقال الحنفية يكره إلا للغريب والمعتكف، وكره الحنابلة اتخاذ المسجد مبيتاً أو مقيلاً، ومنع المالكية دخول الكافر المسجد إلا لضرورة عمل كأن كان أقل أجرة أو أكثر إتقاناً، وأجاز أبو حنيفة للكافر دخول كل مسجد، واستثنى الشافعية المسجد الحرام وحرم مكة، ويجوز عندهم أن يبيت فيه ولو كان جنباً بإذن المسلمين، ويجوز الوضوء في المسجد إذا لم يؤذ بمائه والأولى أن يكون في إناء، وقال مالك وأبو حنيفة يكره الوضوء فيه تنزيهاً واستثنى الحنفية الوضوء في مكان أعد له، ولا بأس بالأكل والشرب ووضع المائدة فيه وغسل اليد فيه بشرط ألا يلوثه وأن ينظفه بعد ذلك، ويكره لمن أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً أو غيرها مما له رائحة كريهة وبقيت رائحته أن يدخل المسجد من غير ضرورة، ومن باب أولى أن يأكل هذه الأشياء داخل المسجد أو يدخل شيئاً كريه الرائحة إليه، وكل ذلك مكروه تحريماً عند الحنفية ومحرم عند المالكية، ويكره البصاق في المسجد على أرضه أو جدرانه إلا إذا دفن البصاق أو كان في شيء يحمله، ويحرم البول والفصد والحجامة في المسجد بغير إناء ويكره الفصد والحجامة فيه في إناء، ويكره إدخال نجاسة إلى المسجد، ولا يجوز عند الحنفية الاستصباح فيه بدهن نجس ولا تطيينه بنجس، ويحرم الوطء في المسجد أو على ظهره، ومن كان على بدنه نجاسة أو كان

стр. 864

به جرح، فإن خاف تلويث المسجد حرم عليه دخوله، وإن أمن لم يحرم، ولا يجوز بناء المسجد ولا تجصيصه بنجس. ويكره غرس الشجر في المسجد، ويكره حفر البئر فيه إلا لمصلحته، ولكن هذا بعد أن يكون مسجداً أما إذا كان الواقف قد جعل حيزاً من المسجد لمثل هذه الشؤون وغيرها فلا حرج، وتكره الخصومة في المسجد ورفع الصوت فيه ونشدان الضالة والبيع والشراء والإجارة ونحوها من العقود الدنيوية، ويحرم عند الحنابلة البيع والشراء في المسجد وإن وقع فهو باطل، ويكره رفع الصوت بالذكر إن شوش على المصلين عند الحنفية والحنابلة إلا للمتفقه، كما يكره عندهم الكلام، كلام اللغو الذي قد يجر إلى ما ليس مباحاً، أما الكلام المباح فلا يكره إن لم يشوش على المصلين ولا بأس عند الشافعية أن يعطى السائل في المسجد شيئاً، ولكن السؤال نفسه في المسجد مكروه عند الشافعية والمالكية والحنابلة، إلا أنهم يجيزون الإعطاء، وحرم الحنفية السؤال في المسجد وكرهوا الإعطاء، ويكره إدخال البهائم والمجانين والصبيان الذين لا يميزون المسجد عن غيره. ويكره أن يجعل المسجد مقعداً لحرفة كالخياطة مثلاً. أما نسخ العلم والعمل المؤقت فلا بأس به، ويجوز الاستلقاء في المسجد على القفا، ووضع إحدى الرجلين على الأخرى، وتشبيك الأصابع ونحوه إلا في حالات سنراها. ويستحب عقد حلق العلم والوعظ في المساجد، ويجوز التحدث بالحديث المباح في المسجد وبأمور الدنيا وغيرها من المباحات، وإن حصل فيه ضحك ونحوه ما دام مباحاً. ولا بأس بإنشاد الشعر في المسجد إذا كان مدحاً للنبوة والإسلام أو كان حكمة أو في مكارم الأخلاق أو الزهد أو نحو ذلك من أنواع الخير، أو كان فيه دفاع عن الإسلام وأهله أو هجاء للكفر والكافرين، أما الشعر المذموم كالذي فيه هجاء للمسلم أو تهييج على معصية أو كان فيه معصية كمدح الظالمين إلى غير ذلك فإنه غير جائز، ويسن كنس المسجد وتنظيفه وإزالة ما يرى فيه مما لا يليق فيه، وإذا دخل إنسان للمسجد ومعه سلاح يمكن أن يجرح فإنه يمسك على حده، ويسن للقادم من سفر أن يبدأ بالمسجد فيصلي فيه ركعتين وينبغي للجالس في المسجد أن ينوي الاعتكاف ما دام فيه، فإن له بذلك مزيد أجر،

стр. 865

والأصل ألا يغلق المسجد إلا لصيانة أو لحفظ أو لخوف مفسدة أو خوف من أن تنتهك حرمته. ويسن لداخل المسجد أن يصلي ركعتين تحية المسجد إلا إذا دخل في وقت لا تجوز فيه الصلاة أو تكره فيه صلاة النافلة عند من ذهب إلى ذلك من الفقهاء فعند الحنفية مثلاً لا تصلى تحية المسجد بعد صلاة الفجر أو العصر ولا في الأوقات التي لا تجوز فيها الصلاة: عند طلوع الشمس وقبيل الزوال وعند غروب الشمس. ولا ينبغي للقاضي أن يتخذ مجلساً للقضاء إلا ما يقع فيه صدفة، وقال الجمهور لا تقام الحدود في المساجد، وإذا وجد المسجد فيحرم أن يحفر فيه قبر، أما من دفن في مكان فبني بسبب ذلك مسجد ولم يكن يتوجه إلى القبر في صلاة، أو كان بينه وبين المصلين حاجز فالكراهة حاصلة ولكن لا حرمة في ذلك. وتكره الكتابة عند الشافعية والحنابلة والمالكية على جدران المسجد وسقوفه، وقال المالكية والحنابلة تكره الكتابة في القبلة ولا تكره فيما عدا ذلك. وحائط المسجد من دخله وخارجه وكذا سطحه ورحبته إذا كان عليها باب ومنارته التي تكون فيه أو التي بابها فيه من المسجد لها أحكام المسجد، وكذا كل ما زيد في المسجد مهما كثر له حكم أصل المسجد. ومن أراد دخول المسجد تفقد نعليه ومسح ما فيهما من الأذى قبل دخوله، ويستحب أن يدعو عند دخول المسجد بدعاء الدخول وبدعاء الخروج عند الخروج من المسجد كما سيمر معنا، ويقدم رجله اليمنى في الدخول واليسرى في الخروج. ولا يجوز أخذ شيء من أجزاء المسجد كحجر أو حصاة أو تراب إلا إذا كان من باب التنظيف، وينبغي أن يكثر المسلمون من بناء المساجد وعمارتها وتعهدها وإصلاح ما يطرأ عليها، قال الحنابلة يجب بناء المساجد في الأمصار والقرى والمحال ونحوها حسب الحاجة، وذلك فرض كفاية ويجوز بناء المسجد في موضع كان كنيسة أو بيعة أو مقبرة درست إذا أصلح ترابها.

стр. 866

ورخص الحنفية بتزيين المسجد وزخرفته مراعاة لما طرأ على أعراف الناس، فلا ينبغي أن يكون المسجد أقل جمالاً من بيوت رواده، وخاصة حيث يكون لذلك أثره في إثارة المشاعر بقوة الإسلام وعظمته أمام الآخرين، ويجب أن تكون النية في ذلك صالحة. ومصلى العيد الذي ليس مسجداً في الأصل، ليس له حكم المسجد فلا يحرم فيه المكث على الجنب والحائض. قال الحنابلة: يحرم الخروج من المسجد بعد الأذان إلا لعذر، أما الخروج بعذر فمباح، وقال الشافعية يكره الخروج من المسجد بعد الأذان بغير صلاة إلا لعذر. قال أبو حنيفة وصاحباه: يكره للنساء الشواب حضور الجماعة مطلقاً، وقال أبو حنيفة ولا بأس أن تخرج العجوز في الفجر والمغرب والعشاء، وأفتى متأخرو الحنفية بكراهة حضور النساء الجماعة مطلقاً ولو لجمعة وعيد ووعظ ولو عجوزاً، وقال المالكية: إن خروج المرأة محتمشة للمسجد ولجماعة العيد والجنازة والاستسقاء والكسوف والخسوف خلاف الأولى، وللشابة المأمونة الفتنة الخروج لمسجد وجنازة بشرط القرب من أهلها، أما التي تخشى منها الفتنة فلا يجوز لها الخروج مطلقاً، وقال الشافعية والحنابلة: يكره للحسناء أو ذات الهيئة شابة أو غيرها حضور جماعة الرجال وتصلي في بيتها، ويباح الحضور لغير الحسناء إذا خرجت تفلة بإذن زوجها، وبيتها خير لها. واستحب الشافعية جماعة النساء، وتقف الإمامة وسطهن، وقال الحنفية يكره تحريماً جماعة النساء وحدهن بغير الرجال وأجازوا لهن صلاة الجنازة جماعة وتقف الإمامة وسطهن. قال الحنفية: ولو خرب المسجد وليس له ما يعمر به أو استغنى الناس عنه ببناء مسجد آخر يبقى مسجداً إلى قيام الساعة، فلا يعود إلى ملك الباني وورثته، ولا يجوز نقله ونقل ماله إلى مسجد آخر. ولا يحل وضع جذوع على جدار المسجد ولو دفع أجرة، وقال محمد إذا انهدم الوقف وليس له من الغلة ما يعمر به يرجع إلى الباني أو إلى ورثته، وهذا الخلاف عند الحنفية

стр. 867

يسري على بسط المسجد وحصره وقناديله إذا استغني عنها، قال أبو يوسف: تنقل إلى مسجد آخر، وقال محمد ترجع إلى مالكه، والخلاف بين أبي يوسف ومحمد يسري على أنقاض المسجد، فأبو يوسف يفتي بنقله إلى مسجد آخر، ومحمد يعيده إلى ورثة الواقف وأبو حنيفة يمنع الاثنين. وإذا وقف واقف واحد وقفين على مسجد أحدهما لترميمه والآخر للإمام أو المؤذن أو المدرس فقل مخصص الإمام ونحوه فللحاكم أن يصرف من فاضل وقف المصالح والعمارة إلى الإمام والمؤذن بعد استشارة أهل الصلاح من أهل المحلة، أما إذا اختلفت الجهة التي كان عليها الوقف أو اختلف الواقف فلا يصح للحاكم نقل مخصص أحدهما للآخر. ويجوز للباني أو لصاحب الإذن جعل شيء من الطريق مسجداً لضيقه إذا وافق أهل المحلة والجهة ذات العلاقة، ولا يضر بالمارين ويجوز العكس وهو أن يوسع الطريق على حساب المسجد إذا اضطر لذلك المسلمون، وجاز في هذه الحالة للكافر أن يمر فيه ويتحاشى الجنب والحائض عن المرور فيه، ويجنب الدواب كذلك المرور فيه احتراماً للأصل. (انظر المجموع ٢/ ١٨٧ - ١٩٦)، (إعلام المساجد بأحكام المساجد للزركشي)، (الدر المختار ١/ ٤٤١ فما بعدها)، (الفقه الإسلامي ١/ ٣٩٢ فما بعدها).

стр. 868

الفقرة الأولى الاهتمام ببناء المساجد وخدمتها وفضلها ١٣٨٥ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أحب البلاد إلى الله المساجد، وأبغض البلاد إلى الله الأسواق". ١٣٨٦ - * روى الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ قال: "قدم رسول الله ﷺ المدينة، فنزل في علو المدينة، في حي يقال لهم: [بنو] عمرو بن عوف فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم إنه أرسل إلى ملأ بني النجار، فجاؤوا متقلدين بسيوفهم، قال: فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ على راحلته وأبو بكر ردفه، وملأ بني النجار حوله، حتى ألقى بفناء أبي أيوب. قال: وكان يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، ثم إنه أمر بالمسجد، قال: فأرسل إلى ملأ بني النجار، فجاؤوا، فقال: يا بني النجار، ثامنوني بحائطكم هذا، قالوا: لا والله، ما نطلب ثمنه إلا إلى الله، قال أنس: فكان فيه ما أقول، كان فيه نخل، وقبور المشركين، وخرب، فأمر رسول الله ﷺ بالنخل فقطع، وبقبور المشركين فنبشت، والخرب فسويت، قال: وصفوا النخل قبلة، وجعلوا عضادتيه حجارة، قال: فكانوا يرتجزون ورسول الله ﷺ وهم يقولون: اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة ... فانصر الأنصار والمهاجره وعند أبي داود "حرث" قال: وكان عبد الوارث يقول "خرب".

стр. 869

وفي رواية للبخاري (١) وأبي داود (٢) نحوه، وفيه: "فجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون". اللهم لا خير إلا خير الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة قال الحافظ: وفي الحديث جواز التصرف في المقبرة المملوكة بالهبة والبيع، وجواز نبش القبور الدراسة إذا لم تكن محترمة، وجواز الصلاة في مقابر المشركين بعد نبشها وإخراج ما فيها، وجواز بناء المساجد في أماكنها، قيل وفيه جواز قطع الأشجار المثمرة للحاجة أخذاً من قوله "وأمر بالنخل فقطع" وفيه نظر لاحتمال أن يكون ذلك مما لا يثمر إما بأن يكون ذكوراً وإما أن يكون طرأ عليه ما قطع ثمرته، ا. هـ (الفتح ١/ ٥٢٦). ١٣٨٧ - * روى البخاري عن عكرمة مولى ابن عباس قال: قال لي ابن عباس ﵄، ولابنه علي: "انطلقاً إلى أبي سعيد، فاسمعا من حديثه، فانطلقنا، فإذا هو في حائط يصلحه، فأخذ رداءه فاحتبى، ثم أنشأ يحدثنا حتى أتى على ذكر بناء المسجد، فقال: كنا نحمل لبنة لبنة، وعمار لبنتين لبنتين، فرآه النبي ﷺ ، فجعل ينفض التراب عنه ويقول: ويح عمار، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار، قال: ويقول عمار: أعوذ بالله من الفتن". ١٣٨٨ - * روى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "كان سقف المسجد من جريد النخل، فأمر عمر في خلافته ببناء المسجد وقال: أكن الناس من المطر، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس". أقول: تزيين المساجد ونقشها لا حرج فيه، وتورع عمر عن ذلك من سياسته في الأخذ بعزائم الأمور، والقرب من الفطرة، والبعد عن التكلف، وبعض الفقهاء بنوا على ذلك كراهة تزيين المساجد كما أخذوه من النصوص التي تذكر أن ذلك من علامات الساعة،

стр. 870

وقال بعضهم ليس كل علامة من علامات الساعة من باب المنكرات ومراعاة الزمان والمكان تقتضي الاعتناء ببناء المسجد على ألا يتجاوز الحد المتعارف عليه إذا كان يبنى بمال الوقف، أما إذا كان صاحبه يبنيه بماله فله أن يتوسع في ذلك بما شاء، وكذلك إذا كان المتبرعون ببناء المسجد راضين بخريطة المسجد كما يضعها المهندسون، وهذه قضية يشدد فيه سلباً أو إيجاباً بعض الناس، والأمر واسع، وقد درج أمراء المسلمين على أن يشيدوا أوابد المساجد دون نكير، بل كان يعتبر ذلك منهم اجتهاداً لإظهار عظمة الإسلام. ١٣٨٩ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "كان المسجد على عهد رسول الله ﷺ مبنياً باللبن، وسقفه بالجريد، وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئاً، وزاد فيه عمر، وبناه على بنائه في عهد رسول الله ﷺ باللبن والجريد، وأعاد عمده خشباً، ثم غيره عثمان وزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جدره بالحجارة المنقوشة والقصة، وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسقفه ساجاً" .. وفي رواية لأبي داود (٢) أيضاً "أن مسجد النبي ﷺ كان سواريه على عهد رسول الله ﷺ : من جذوع النخل، وأعلاه مظلل بجريد النخل، ثم إنها نخرت في خلافة أبي بكر، فبناها بجذوع النخل وجريد النخل، ثم إنها نخرت في خلافة عثمان، فبناها بالآجر، فلم تزل ثابتة حتى الآن". ١٣٩٠ - * روى أبو داود عن أنس أن النبي ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد". وفي رواية (٤) "أن من أشراط الساعة أن يتباهى الناس في المساجد".

стр. 871

١٣٩١ - * روى الشيخان عن عثمان بن عفان ﵁ قال: عند قول الناس فيه "حين بنى مسجد رسول الله ﷺ : إنكم أكثرتم، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من بنى مسجداً يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتاً في الجنة". أقول: أنكر بعض الناس على عثمان رضي الله تعالى عنه تحسين بناء المسجد وهو الخليفة الراشد الذي يعتبر عمله قدوة تتأسى به الأمة الإسلامية في الوقت الذي لم يفعل إلا خيراً، وهكذا فإن جميع ما أنكر على عثمان ﵁ كان من باب الاجتهاد من أهله وما كان على الناس من ضير لو أنهم سلموا له بل يكونون مأجورين. ١٣٩٢ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من بنى مسجداً- صغيراً كان أو كبيراً- بنى الله له بيتاً في الجنة" .. ١٣٩٣ - * روى النسائي عن عمرو بن عبسة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من بنى لله مسجداً، ليذكر الله فيه، بنى الله له بيتاً في الجنة". ولأحمد (٤) عن أسماء بنت يزيد: بيتاً أوسع منه .. ١٣٩٤ - * روى ابن ماجه عن أبي ذر رفعه: "من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة". وفي رواية ابن ماجه (٦) "ولو كمفحص قطاة أو

стр. 872

أصغر"، وفي رواية لأحمد (١) "ولو كمفحص قطاة لبيضها". ١٣٩٥ - * روى ابن خزيمة عن جابر بن عبد الله ﵁: عن رسول الله ﷺ قال: "من حفر ماء لم يشرب منه كبد حري من جن ولا إنس ولا طائر إلا آجره الله يوم القيامة. ومن بنى مسجداً كمفحص قطاة أو أصغر بنى الله له بيتاً في الجنة". قال يونس: من سبع ولا طائر، وقال: كمفحص قطاة. ١٣٩٦ - * روى أبو داود عن عثمان بن أبي العاص ﵁ "أن رسول الله ﷺ أمره: أن يجعل مسجد أهل الطائف حيث كانت طواغيتهم". ١٣٩٧ - * روى الطبراني عن زيد بن عيسى الخزاعي قال قال رسول الله ﷺ : "إذا بنيت مسجد صنعاء فاجعله عن يمين جبل يقال له ضين". ١٣٩٨ - * روى النسائي عن طلق بن علي ﵁ قال: "خرجنا وفداً إلى رسول الله ﷺ ، فبايعناه، وصلينا معه، وأخبرناه أن بأرضنا بيعة لنا، فاستوهبناه من فضل طهوره، فدعا بماء، فتوضأ وتمضمض، ثم صبه لنا في إداوة وأمرنا، فقال: "اخرجوا، فإذا أتيتم أرضكم فاكسروا بيعتكم، وانضحوا مكانها بهذا الماء، واتخذوا مسجداً، قلنا: إن البلد بعيد، والحر شديد، والماء ينشف، فقال: مدوه من الماء، لا يزيده إلا طيباً، فخرجنا حتى قدمنا بلدنا، فكسرنا بيعتنا، ثم نضحنا مكانها،

стр. 873

واتخذناها مسجداً، فنادينا فيه بالأذان. قال: والراهب رجل من طيء، فلما سمع الأذان، قال: دعوة حق، ثم استقبل تلعة من تلاعنا فلم نره بعد". ١٣٩٩ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أمرت بتشييد المساجد". قال ابن عباس (١): "لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى". المراد من التشييد: رفع البناء وتطويله ومنه قوله سبحانه (في بروج مشيدة) كذا في (شرح السنة ٢/ ٣٤٩). قوله ﵊: (ما أمرت بتشييد المساجد) لا ينفي جواز تشييدها، وقد بنى رسول الله ﷺ ما بناه على أبسط ما يمكن أن يكون البناء، وكان بناء الناس لبيوتهم وقت ذاك بسيطاً فلما تحسن الحال، وتحسن بناء البيوت أصبح الناس يحسنون في بناء المساجد وليس في ذلك من حرج إن شاء الله، ومن الأدلة على ذلك أن رسول الله ﷺ أمر ببناء المساجد في أمكنة الطواغيت، ومنه أخذ المسلمون تحويل الكنائس والبيع إلى مساجد إذا كان ذلك جزءاً من الصلح أو غلبوا على ذلك قهراً، فكان مما ورثوه كنائس فخمة حولوها إلى مساجد وصلى بها المسلمون دون نكير، ولم يكن المسجد الأموي ومسجد أيا صوفيا في الأصل إلا من هذا القبيل. وهذه خلاصة رأي المذاهب الأربعة في نقش المسجد من كتاب الفقه على المذاهب الأربعة (١/ ٢٨٧): وأما نقش المسجد وتزويقه بغير الذهب والفضة فهو جائز، أما نقشه بهما فهو حرام وهذا

стр. 874

حكم متفق عليه بين الشافعية والحنابلة أما المالكية فرأيهم يكره نقش المسجد وتزويقه ولو بالذهب والفضة سواء كان ذلك في محرابه أو غيره كسقفه وجدرانه أما تجصيص المسجد وتشييده فهو مندوب ورأي الحنفية يكره نقش المحراب وجدرانه من القبلة بجص ماء ذهب إذا كان النقش بمال حلال لا من مال الوقف فإن كان بمال حرام أو من مال الوقف حرم ولا يكره نقش سقفه وباقي جدرانه بالمال الحلال المملوك وإلا حرم ولا بأس بنقشه من مال الوقف إذا خيف ضياع المال في أيدي الظلمة أو كان فيه صيانة للبناء أو فعل الواقف ا. هـ. ١٤٠٠ - * روى الطبراني في الكبير عن ابن عباس أن امرأة كانت تلقط القذى من المسجد فتوفيت فلم يؤذن النبي ﷺ بدفنها فقال النبي ﷺ : "إذا مات لكم ميت فآذنوني وصلى عليها" وقال: "إني رأيتها في الجنة تلقط القذى من المسجد".

стр. 875

الفقرة الثانية في بعض ما ورد عن مسجد الرسول ١٤٠١ - * روى أبو داود عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: "كان بين منبر رسول الله ﷺ وبين الحائط كقدر ممر الشاة". وعند البخاري ومسلم (٢) قال: "كان جدار المسجد عند المنبر ما كادت الشاة تجوزه". وفي أخرى (٣) لمسلم "أن سلمة كان يتحرى موضع المصحف يسبح فيه، وذكر: أن النبي ﷺ كان يتحرى ذلك المكان، وكان بين المنبر والقبلة قدر ممر الشاة". وفي رواية (٤) لهما "كان سلمة يتحرى الصلاة عند الأسطوانة التي عند المصحف، فقلت له: يا أبا مسلم، أراك تتحرى الصلاة عند الأسطوانة؟ قال: رأيت النبي ﷺ يتحرى الصلاة عندها". قوله: مكان المصحف: هو المكان الذي وضع فيه صندوق المصحف في المسجد النبوي الشريف وذاك المصحف هو الذي سمي إماماً من عهد عثمان رضي الله تعالى عنه، وكان في ذلك المكان أسطوانة تعرف بأسطوانة المهاجرين وكانت متوسطة في الروضة المكرمة، انظر (صحيح مسلم ١/ ٣٦٤ و ٣٦٥). ذكر الحافظ العسقلاني أن المهاجرين من قريش كانوا يجتمعون عندها وروي عن الصديقة أنها كانت تقول لو عرفها الناس لاضطربوا عليها بالسهام وإنها أسرتها إلى ابن الزبير فكان يكثر الصلاة عندها. قوله يسبح فيه: التسبيح يعم صلاة النفل وتسمى صلاة الضحى بالسبحة.

стр. 876

١٤٠٢ - * روى أحمد عن سهل بن سعد أنه سمع النبي ﷺ يقول: "منبري على ترعة من ترع الجنة فقلت ما الترعة يا أبا العباس قال الباب". ١٤٠٣ - * روى البخاري عن السائب بن يزيد ﵁ قال: "كنت قائماً في المسجد، فحصبني رجل، فنظرت، فإذا عمر بن الخطاب ﵁، فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما، فقال: من أنتما؟ أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ ؟ ". ١٤٠٤ - * روى مالك عن عبد الله بن زيد ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة". ١٤٠٥ - * روى الترمذي عن علي وأبي هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة". ١٤٠٦ - * روى مالك عن أبي هريرة أو أبي سعيد ﵄ "أن النبي ﷺ قال:

стр. 877

"ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي". ١٤٠٧ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "دخلت على رسول الله ﷺ في بيت بعض نسائه، فقلت: يا رسول الله أي المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفاً من حصباء، فضرب به الأرض، ثم قال: هو مسجدكم هذا، لمسجد المدينة". وفي رواية الترمذي (١) والنسائي (٢) قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال رجل: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : هو مسجدي هذا". أخذه ﷺ الحصباء وضربه في الأرض المراد به المبالغة في الإيضاح لبيان أنه مسجد المدينة والحصباء الحصى الصغار. (النووي). وللمساجد الثلاثة ولمسجد قباء فضل وسنذكر ماله علاقة في ذلك في جزء الحج.

стр. 878

الفقرة الثالثة في بعض آداب المسجد وأحكام المسجد - النهي عن البيع والشراء ونشدان الضالة: ١٤٠٨ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد، فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا". وعند الترمذي قال: "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد ضالة، فقولوا: لا رد الله عليك". ١٤٠٩ - * روى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ "نهى عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تنشد فيه ضالة، وأن ينشد فيه شعر، ونهى عن الحلق قبل الصلاة يوم الجمعة". ١٤١٠ - * روى مسلم عن بريدة ﵁ "أن رجلاً نشد في المسجد، فقال: من

стр. 879

دعا إلى الجمل الأحمر؟ فقال رسول الله ﷺ : لا وجدت، إنما بنيت المساجد لما بنيت له". وفي رواية قال: "الواجد غيرك ... وذكره". أراد بقوله: من دعا إلى الجمل الأحمر: من وجد الجمل الأحمر فدعا إليه صاحبه ليأخذه. قال ابن رسلان: فيه دليل على جواز الدعاء على الناشد في المسجد بعدم الوجدان معاقبة له في ماله معاملة له بنقيض قصده. وقال: ويلحق بذلك من رفع صوته فيه بما يقتضي مصلحة ترجع إلى الرافع صوته قال وفيه النهي عن رفع الصوت بنشد الضالة وما في معناه من البيع والشراء والإجارة والعقود: قال جماعة من العلماء يكره رفع الصوت في المسجد بالعلم وغيره وأجاز أبو حنيفة ومحمد بن مسلمة من أصحاب مالك رفع الصوت فيه بالعلم والخصومة وغير ذلك مما يحتاج إليه الناس لأنه مجمعهم ولابد لهم منه: قوله "وإنما بنيت المساجد لما بنيت له" قال النووي معناه لذكر الله والصلاة والعلم والمذاكرة في الخير ا. هـ. وأما البيع والشراء فذهب جمهور العلماء إلى أن النهي محمول على الكراهة، قال العراقي: وقد أجمع العلماء على أن ما عقد من البيع في المسجد لا يجوز نقضه وهكذا قال الموردي ا. هـ ذهب (الشوكاني ٢/ ١٦٧) إلى أن النهي للتحريم. ١٤١١ - * روى ابن خزيمة عن أبي عثمان، قال: سمع ابن مسعود رجلاً ينشد ضالة في المسجد، فغضب وسبه، فقال له رجل: ما كنت فحاشاً يا ابن مسعود. قال: إنا كنا نؤمر بذلك. - إنشاد الشعر في المسجد: ١٤١٢ - * روى الشيخان عن أبي هريرة، قال: مر عمر بحسان وهو ينشد في المسجد

стр. 880

فلحظ إليه، فقال: قد كنت أنشد وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك الله أسمعت رسول الله ﷺ يقول: "أجب عني، اللهم أيده بروح القدس"،؟ قال: نعم. قال ابن حجر: وروح القدس المراد بها هنا جبريل بدليل حديث البراء عند البخاري (وجبريل معك) والمراد بالإجابة على الكفار الذين هجوا رسول الله ﷺ وأصحابه، وقال: وأما ما رواه ابن خزيمة في صحيحه والترمذي وحسنه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال "نهى رسول الله ﷺ عن تناشد الأشعار في المساجد" وإسناده صحيح إلى عمرو- فمن يصحح نسخته يصححه- وفي المعنى عدة أحاديث لكن في أسانيده مقال، فالجمع بينها وبين حديث الباب أن يحمل النهي على تناشد أشعار الجاهلية والمبطلين، والمأذون فيه ما سلم من ذلك. وقيل: المنهي عنه ما إذا كان التناشد غالباً على المسجد حتى يتشاغل به من فيه. ا. هـ (فتح الباري ١/ ٥٤٩) وانظر (النيل ٢/ ١٦٧). ١٤١٣ - * روى أبو داود عن حكيم بن حزام نهى النبي ﷺ أن يستقاد في المسجد وأن تنشد فيه الأشعار وأن تقام فيه الحدود. أقول: ورد في إباحة إنشاد الشعر في المسجد نصوص، وورد في النهي عنه نصوص. والأول محمول على الشعر الحسن والثاني محمول على الشعر القبيح من المحرم أو المكروه. وانظر (النيل ٢/ ١٦٩) وقال في (النيل ٢/ ١٦٦): والحديث يدل على تحريم إقامة الحدود في المساجد وتحريم الاستقادة فيها. ا. هـ.
следующие страницы →