١٤٠٢ - * روى أحمد عن سهل بن سعد أنه سمع النبي ﷺ يقول: "منبري على ترعة من ترع الجنة فقلت ما الترعة يا أبا العباس قال الباب".
١٤٠٣ - * روى البخاري عن السائب بن يزيد ﵁ قال: "كنت قائماً في المسجد، فحصبني رجل، فنظرت، فإذا عمر بن الخطاب ﵁، فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما، فقال: من أنتما؟ أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ ؟ ".
١٤٠٤ - * روى مالك عن عبد الله بن زيد ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة".
١٤٠٥ - * روى الترمذي عن علي وأبي هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة".
١٤٠٦ - * روى مالك عن أبي هريرة أو أبي سعيد ﵄ "أن النبي ﷺ قال:
стр. 877
"ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي".
١٤٠٧ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "دخلت على رسول الله ﷺ في بيت بعض نسائه، فقلت: يا رسول الله أي المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفاً من حصباء، فضرب به الأرض، ثم قال: هو مسجدكم هذا، لمسجد المدينة".
وفي رواية الترمذي (١) والنسائي (٢) قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال رجل: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : هو مسجدي هذا".
أخذه ﷺ الحصباء وضربه في الأرض المراد به المبالغة في الإيضاح لبيان أنه مسجد المدينة والحصباء الحصى الصغار. (النووي).
وللمساجد الثلاثة ولمسجد قباء فضل وسنذكر ماله علاقة في ذلك في جزء الحج.
стр. 878
الفقرة الثالثة
في بعض آداب المسجد وأحكام المسجد
- النهي عن البيع والشراء ونشدان الضالة:
١٤٠٨ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد، فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا".
وعند الترمذي قال: "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد ضالة، فقولوا: لا رد الله عليك".
١٤٠٩ - * روى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ "نهى عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تنشد فيه ضالة، وأن ينشد فيه شعر، ونهى عن الحلق قبل الصلاة يوم الجمعة".
١٤١٠ - * روى مسلم عن بريدة ﵁ "أن رجلاً نشد في المسجد، فقال: من
стр. 879
دعا إلى الجمل الأحمر؟ فقال رسول الله ﷺ : لا وجدت، إنما بنيت المساجد لما بنيت له".
وفي رواية قال: "الواجد غيرك ... وذكره".
أراد بقوله: من دعا إلى الجمل الأحمر: من وجد الجمل الأحمر فدعا إليه صاحبه ليأخذه.
قال ابن رسلان: فيه دليل على جواز الدعاء على الناشد في المسجد بعدم الوجدان معاقبة له في ماله معاملة له بنقيض قصده. وقال: ويلحق بذلك من رفع صوته فيه بما يقتضي مصلحة ترجع إلى الرافع صوته قال وفيه النهي عن رفع الصوت بنشد الضالة وما في معناه من البيع والشراء والإجارة والعقود: قال جماعة من العلماء يكره رفع الصوت في المسجد بالعلم وغيره وأجاز أبو حنيفة ومحمد بن مسلمة من أصحاب مالك رفع الصوت فيه بالعلم والخصومة وغير ذلك مما يحتاج إليه الناس لأنه مجمعهم ولابد لهم منه: قوله "وإنما بنيت المساجد لما بنيت له" قال النووي معناه لذكر الله والصلاة والعلم والمذاكرة في الخير ا. هـ.
وأما البيع والشراء فذهب جمهور العلماء إلى أن النهي محمول على الكراهة، قال العراقي: وقد أجمع العلماء على أن ما عقد من البيع في المسجد لا يجوز نقضه وهكذا قال الموردي ا. هـ ذهب (الشوكاني ٢/ ١٦٧) إلى أن النهي للتحريم.
١٤١١ - * روى ابن خزيمة عن أبي عثمان، قال: سمع ابن مسعود رجلاً ينشد ضالة في المسجد، فغضب وسبه، فقال له رجل: ما كنت فحاشاً يا ابن مسعود. قال: إنا كنا نؤمر بذلك.
- إنشاد الشعر في المسجد:
١٤١٢ - * روى الشيخان عن أبي هريرة، قال: مر عمر بحسان وهو ينشد في المسجد
стр. 880
فلحظ إليه، فقال: قد كنت أنشد وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك الله أسمعت رسول الله ﷺ يقول: "أجب عني، اللهم أيده بروح القدس"،؟ قال: نعم.
قال ابن حجر: وروح القدس المراد بها هنا جبريل بدليل حديث البراء عند البخاري (وجبريل معك) والمراد بالإجابة على الكفار الذين هجوا رسول الله ﷺ وأصحابه، وقال: وأما ما رواه ابن خزيمة في صحيحه والترمذي وحسنه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال "نهى رسول الله ﷺ عن تناشد الأشعار في المساجد" وإسناده صحيح إلى عمرو- فمن يصحح نسخته يصححه- وفي المعنى عدة أحاديث لكن في أسانيده مقال، فالجمع بينها وبين حديث الباب أن يحمل النهي على تناشد أشعار الجاهلية والمبطلين، والمأذون فيه ما سلم من ذلك. وقيل: المنهي عنه ما إذا كان التناشد غالباً على المسجد حتى يتشاغل به من فيه. ا. هـ (فتح الباري ١/ ٥٤٩) وانظر (النيل ٢/ ١٦٧).
١٤١٣ - * روى أبو داود عن حكيم بن حزام نهى النبي ﷺ أن يستقاد في المسجد وأن تنشد فيه الأشعار وأن تقام فيه الحدود.
أقول: ورد في إباحة إنشاد الشعر في المسجد نصوص، وورد في النهي عنه نصوص. والأول محمول على الشعر الحسن والثاني محمول على الشعر القبيح من المحرم أو المكروه.
وانظر (النيل ٢/ ١٦٩) وقال في (النيل ٢/ ١٦٦): والحديث يدل على تحريم إقامة الحدود في المساجد وتحريم الاستقادة فيها. ا. هـ.
стр. 881
- منع المشركين من المسجد الحرام:
١٤١٤ - * روى ابن خزيمة عن جابر بن عبد الله يقول في قوله تعالى:
(إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) (٢) قال: إلا أن يكون عبداً أو أحداً من أهل الذمة.
١٤١٥ - * روى الشيخان عن سعيد بن أبي سعيد أنه سمع أبا هريرة يقول "بعث رسول الله ﷺ خيلاً قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد".
قال ابن حجر (١/ ٥٦٠) وقد اختصر المصنف الحديث مقتصراً على المقصود منه، وفي دخول المشرك المسجد مذاهب: فعن الحنفية الجواز مطلقاً، وعن المالكية والمزني المنع مطلقاً، وعن الشافعية التفصيل بين المسجد الحرام وغيره للآية. وقيل: يؤذن للكتابي خاصة، وحديث الباب يرد عليه، فإن ثمامة ليس من أهل الكتاب.
- التصدق في المسجد:
١٤١٦ - * روى أبو داود عن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "هل منكم أحد أطعم اليوم مسكيناً؟ فقال أبو بكر: دخلت المسجد، فإذا أنا بسائل يسأل، فوجدت كسرة خبز في يد عبد الرحمن، فأخذتها فدفعتها إليه".
قال في (عون المعبود ٢/ ٥٣):
قال السيوطي: الحديث فيه استحباب الصدقة على من سأل في المسجد، ذكره النووي
стр. 882
في (شرح المهذب) وغلط من أفتى بخلافه، قال المنذري: قال أبو بكر البزار وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عبد الرحمن بن أبي بكر إلا بهذا الإسناد وذكر أنه روي مرسلاً وقد أخرجه مسلم في صحيحه والنسائي في سننه من حديث أبي حازم سلمان الأشجعي عن أبي هريرة بنحوه أتم منه اهـ، وانظر (نيل الأوطار ٢/ ١٧١ - ١٧٢).
وقال في كتاب الهدية العلائية- من كتب الحنفية- (٣٤٦): يكره إعطاء سائل المسجد إذا تخطى رقاب الناس أو مر بين يدي المصلين لأنه إعانة على أذى الناس وإلا لا يكره.
- منع الحائض والجنب من المسجد:
١٤١٧ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: "جاء رسول الله ﷺ ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: وجهوا هذه البيوت عن المسجد، ثم دخل رسول الله ﷺ ، ولم يصنع القوم شيئاً رجاء أن تنزل فيهم رخصة، فخرج إليهم بعد. فقال: وجهوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب".
- تنزيه المسجد عن غير الصلاة والذكر ونحو ذلك:
١٤١٨ - * روى الطبراني عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تتخذوا المساجد طرقاً إلا لذكر أو صلاة".
أقول: يستحب لمن دخل المسجد أن يصلي تحية المسجد ولو أراد المرور فيه إلا إذا كثر مروره ويستحب للإنسان ما لم يكن مضطراً أن لا يجعل المسجد طريقه إذا كان لا يصلي تحية المسجد.
١٤١٩ - * روى الطبراني عن أبي عمرو الشيباني "قال كان ابن مسعود يعس في المسجد
стр. 883
فلا يجد سواداً إلا أخرجه إلا رجلاً مصلياً".
أقول: ينبغي أن تكون هناك مراقبة دائمة للمساجد بحيث لا تستعمل فيما يخل بآدابها.
النهي عن البصاق في المسجد:
١٤٢٠ - * روى ابن خزيمة عن أبي ذر، قال: قال النبي ﷺ : "عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها فوجدت في محاسن أعمالها إماطة الأذى عن الطريق، ووجدت في مساوي أعمالها النخاعة في المسجد لا تدفن".
١٤٢١ - * روى الجماعة عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها".
وفي أخرى لأبي داود (١) قال: "التفل في المسجد خطيئة، وكفارته أن يواريه".
وفي أخرى (٢) له "النخاعة".
١٤٢٢ - * روى الطبراني عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: "من تنخع في
стр. 884
المسجد فلم يدفنه فسيئة وإن دفنه فحسنة".
١٤٢٣ - * روى أبو داود عن حذيفة بن اليمان ﵁ عن النبي ﷺ : "من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة وتفلته بين عينيه".
١٤٢٤ - * روى ابن حبان عن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ : "يجيء صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة وهي في وجهه".
١٤٢٥ - * روى مالك عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ رأى بصاقاً في جدار القبلة، فحكه، ثم أقبل على الناس، فقال: "إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه، فإن الله قبل وجهه إذا صلى".
وفي رواية (٤) قال: "رأى رسول الله ﷺ نخامة في قبلة المسجد فحكها بيده، وتغيط".
وفي رواية أبي داود (٥) قال: "بينما رسول الله ﷺ يخطب يوماً، إذ رأى نخامة في قبلة المسجد، فتغيظ على الناس، ثم حكها- قال: وأحسبه قال: ودعا بزعفران فلطخه به- ثم قال: إن الله تعالى قبل وجه أحدكم إذا صلى فلا يبصق بين يديه".
стр. 885
١٤٢٦ - * روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى نخامة في القبلة، فشق ذلك عليه، حتى رئي في وجهه، فقام فحكه بيده، فقال: "إن أحدكم إذا قام في الصلاة فإنما يناجي ربه، فإن ربه بينه وبين القبلة، فلا يبزقن أحدكم قبل قبلته، ولكن عن يساره أو تحت قدمه، ثم أخذ طرف ردائه، فبصق فيه، ثم رد بعضه على بعض، فقال: أو يفعل هكذا".
وفي رواية (٢) له ولمسلم (٣) قال: "إن المؤمن إذا كان في الصلاة، فإنما يناجي ربه، فلا يبزقن بين يديه، ولا عن يمينه، ولكن عن يساره، تحت قدمه".
وفي رواية للنسائي (٤) قال: "رأى رسول الله ﷺ نخامة في قبلة المسجد، فغضب، حتى احمر وجهه، فقامت امرأة من الأنصار فحكتها، وجعلت مكانه خلوقاً، قال رسول الله ﷺ : ما أحسن هذا! ".
قال في (سبل السلام ١/ ١٥٠):
الحديث نهى عن البصاق إلى جهة القبلة أو جهة اليمين إذا كان العبد في الصلاة وقد ورد النهي مطلقاً عن أبي هريرة وأبي سعيد- وسيرد بعد قليل حديثهما- وقد جزم النووي بالمنع في كل حالة داخل الصلاة وخارجها سواء كان في المسجد أو غيره.
١٤٢٧ - * روى الطبراني عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا مع عبد الله بن مسعود وأراد أن يبصق وما عن يمينه فارغ فكره أن يبصق عن يمينه وليس في صلاة.
١٤٢٨ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "أتى رسول الله
стр. 886
صلى الله عليه وسلم في مسجدنا هذا، وفي يده عرجون ابن طاب، فرأى في قبلة المسجد نخامة، فحكها بالعرجون، ثم أقبل علينا، فقال: "أيكم يحب أن يعرض الله عنه؟ فجشعنا، ثم قال: أيكم يحب أن يعرض الله عنه؟ قلنا: لا أينا يا رسول الله، قال: فإن أحدكم إذا قام يصلي، فإن الله قِبَل وجهه، فلا يبصق قبل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصقن عن يساره، أو تحت رجله اليسرى، فإن عجلت به بادرة، فليقل بثوبه هكذا- ثم لوى ثوبه بعضه على بعض- وقال: أروني عبيراً، فثار فتى من الحي يشتد إلى أهله، فجاء بخلوق في راحته، فأخذه رسول الله ﷺ ، فجعله على رأس العرجون، ثم لطخ به على أثر النخامة، قال جابر: فمن هناك جعلتم الخلوق في مساجدكم".
١٤٢٩ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فلا يبصق أمامه، فإنما يناجي الله، ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه، فإن عن يمينه ملكاً، وليبصق عن يساره أو تحت قدمه، فيدفنها".
١٤٣٠ - * روى أبو داود عن طارق بن عبد الله المحاربي ﵁ قال: "إذا قام الرجل إلى الصلاة- أو صلى أحدكم- فلا يبزق أمامه، ولا عن يمينه، ولكن تلقاء يساره، إن كان فارغاً، أو تحت قدمه اليسرى، ثم ليقل به هكذا- وبزق يحيى تحت رجله ودلكه-".
стр. 887
١٤٣١ - * روى ابن خزيمة عن سعد بن أبي وقاص، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا تنخم أحدكم في المسجد فليغيب نخامته أن يصيب جلد مؤمن أو ثوبه فيؤذيه".
١٤٣٢ - * روى الطبراني في الأوسط عن أنس قال: "رأيت النبي ﷺ يبزق في ثوبه في الصلاة فيفتله بأصبعيه".
١٤٣٣ - * روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ "رأى نخامة في جدار المسجد، فتناول حصاة فحتها، فقال: إذا تنخم أحدكم فلا يتنخمن قبل وجهه ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى".
١٤٣٤ - * روى أبو داود عن السائب بن خلاد ﵁ هو رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال: "إن رجلاً أم قوماً، فبصق في القبلة، ورسول الله ﷺ ينظر، فقال رسول الله ﷺ لقومه حين فرغ: لا يصلي لكم، فأراد بعد ذلك أن يصلي لهم، فمنعوه، وأخبروه بقول رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: نعم- أحسب أنه قال: إنك آذيت الله ورسوله".
١٤٣٥ - * روى الطبراني عن عبد الله بن عمرو قال: "أمر رسول الله ﷺ رجلاً يصلي بالناس الظهر فتفل في القبلة وهو يصلي للناس فلما كانت صلاة العصر أرسل إلى آخر، فأشفق الرجل الأول فجاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أنزل في؟ قال: "لا ولكنك تفلت بين يديك وأنت تؤم الناس فآذيت الله والملائكة".
стр. 888
- النوم في المسجد .
١٤٣٦ - * روى الدارمي عن أبي ذر قال "أتاني نبي الله ﷺ وأنا نائم في المسجد فضربني برجله قال: ألا أراك نائماً فيه قلت يا نبي الله غلبتني عيني".
١٤٣٧ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا نعس أحدكم وهو في المسجد، فليتحول من مجلسه ذلك إلى غيره".
١٤٣٨ - * روى البخاري عن عبد الله بن مر ﵄ "أنه كان ينام وهو شاب عزب لا أهل له في مسجد رسول الله ﷺ ".
وعند الترمذي "كنا ننام على عهد رسول الله ﷺ في المسجد ونحن شباب".
قال الترمذي (٢/ ١٣٩) وقد رخص قوم من أهل العلم في النوم في المسجد وقال ابن عباس لا يتخذه مبيتاً ولا مقيلاً وقوم من أهل العلم ذهبوا إلى قول ابن عباس اهـ.
وترجم البخاري للباب بقوله: باب نوم الرجال في المسجد، قال ابن حجر أي جواز ذلك وهو قول الجمهور وروي عن ابن عباس كراهته إلا لمن يريد الصلاة وعن ابن مسعود مطلقاً وعن مالك التفصيل بين من له مسكن فيكره وبين من لا مسكن له فيباح اهـ.
١٤٣٩ - * روى البخاري عن سهل بن سعد قال: "جاء رسول الله ﷺ بيت فاطمة فلم يجد علياً في البيت فقال: أين ابن عمك؟ قالت: كان بيني وبينه شيء فغاضبني فخرج فلم يقل عندي. فقال رسول الله ﷺ لإنسان: انظر أين هو؟ فجاء فقال: يا رسول الله هو في المسجد راقد. فجاء رسول الله ﷺ وهو مضطجع قد سقط رداؤه عن شقه وأصابه
стр. 889
تراب، فجعل رسول الله ﷺ يمسحه عنه ويقول: قم أبا تراب، قم أبا تراب".
قال ابن حجر قوله (هو راقد في المسجد) فيه مراد الترجمة، لأن حديث ابن عمر يدل على إباحته لمن لا مسكن له، وكذا بقية أحاديث الباب، إلا قصة علي فإنها تقتضي التعميم، لكن يمكن أن يفرق بين نوم الليل وبين قيلولة النهار. وفي حديث سهل هذا من الفوائد أيضاً جواز القائلة في المسجد، وممازحة المغضب بما لا يغضب منه بل يحصل به تأنيسه وفيه التكنية بغير الولد وتكنية من له كنية والتلقيب بالكنية لمن لا يغضب، وفيه مداراة الصهر وتسكينه من غضبه، ودخول الوالد بيت ابنته بغير إذن زوجها حيث يعلم رضاه، وأنه لا بأس بإبداء المنكبين في غير الصلاة. اهـ انظر (الفتح ١/ ٥٣٥ - ٥٣٦).
١٤٤٠ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: "أسلمت امرأة سوداء لبعض العرب، وكان لها حفش في المسجد، قالت: فكانت تأتينا، فتحدث عندنا، فإذا فرغت من حديثها قالت:
ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا ... على أنه من بلدة الكفر أنجاني
فلما أكثرت، قالت لها عائشة: وما يوم الوشاح؟ - وفي رواية: فقلت لها: ما شأنك؟ - قالت: خرجت جويرية لبعض أهلي وعليها وشاح من أدم، فسقط منها، فانحطت عليها الحديا- وهي تحسبه لحماً- فأخذته، فاتهموني، فعذبوني، حتى بلغوا من أمري أنهم طلبوا في قبلي، فبيناهم حولي، وأنا في كربي، إذ أقبلت الحديا، حتى وازت رؤوسنا، ثم ألقته، فأخذوه، فقلت لهم: هذا الذي اتهمتموني به، وأنا منه بريئة؟ ".
قال الحافظ في "الفتح": وفي الحديث إباحة المبيت والمقيل في المسجد لمن لا مسكن له من المسلمين رجلاً كان أو امرأة عند أمن الفتنة، وإباحة استظلاله فيه بالخيمة ونحوها وفيه
стр. 890
الخروج من البلد الذي يحصل للمرء فيه المحنة ولعله يتحول إلى ما هو خير له كما وقع لهذه المرأة، وفيه فضل الهجرة من دار الكفر وإجابة دعوة المظلوم ولو كان كافراً، لأن في السياق أن إسلامها كان بعد قدومها المدينة، والله أعلم.
١٤٤١ - * روى الشيخان عن عائشة قالت "أصيب سعد بن معاذ يوم الخندق، رماه رجل من قريش يقال له حبان بن العرقة، رماه في الأكحل، فضرب عليه رسول الله ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب".
والحديث يدل على جواز ترك المريض في المسجد وإن كان في ذلك مظنة لخروج شيء منه يتنجس به المسجد.
- اللعب بالحراب في المسجد:
١٤٤٢ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: "لقد رأيت رسول الله ﷺ يوماً على باب حجرتي والحبشة يلعبون في المسجد، ورسول الله ﷺ يسترني بردائه أنظر إليهم".
وفي رواية (٣) "والله لقد رأيت رسول الله ﷺ يقوم على باب حجرتي، والحبشة يلعبون بحرابهم في مسجد رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ يسترني بردائه، لكي أنظر إلى لعبهم، ثم يقوم من أجلي، حتى أكون أنا التي أنصرف".
قال ابن حجر: واللعب بالحراب ليس لعباً مجرداً بل فيه تدريب الشجعان على مواقع الحروب والاستعداد للعدو وقال المهلب المسجد موضوع لأمر جماعة المسلمين فما كان من الأعمال يجمع منفعة الدين وأهله جاز فيه وفي الحديث جواز النظر إلى اللهو المباح وفيه
стр. 891
حسن خلقه ﷺ مع أهله وكرم معاشرته، وفضل عائشة وعظيم محلها عنده. (فتح ١/ ٥٤٩).
- من آداب الذهاب إلى المسجد والجلوس فيه:
١٤٤٣ - * روى أبو داود عن أبي ثمامة الحناط أن كعب بن عجرة أدركه وهو يريد المسجد- أدرك أحدهما صاحبه- قال: فوجدني وأنا مشبك يدي، فنهاني عن ذلك، وقال: سمعت رسول الله ﷺ : يقول "إذا توضأ أحدكم، فأحسن وضوءه، ثم خرج عامداً إلى المسجد، فلا يشبكن يديه، فإنه في صلاة".
١٤٤٤ - * روى ابن خزيمة عن أبي هريرة، قال: قال أبو القاسم ﷺ : "إذا توضأ أحدكم في بيته ثم أتى المسجد كان في صلاة حتى يرجع فلا يقل هكذا: وشبك بين أصابعه".
١٤٤٥ - * روى الطبراني عن ابن مسعود أنه رأى قوماً قد أسندوا ظهورهم إلى قبلة المسجد بين أذان الفجر والإقامة فقال: لا تحولوا بين الملائكة وبين صلاتها.
١٤٤٦ - * روى أحمد عن مولى لأبي سعيد الخدري قال بينا أنا مع أبي سعيد وهو مع رسول الله ﷺ إذ دخلنا المسجد فإذا رجل جالس في وسط المسجد محتبياً مشبكاً أصابعه بعضها في بعض فأشار إليه رسول الله ﷺ فلم يفطن الرجل لإشارة رسول الله ﷺ ، فالتفت إلى أبي سعيد فقال: "إذا كان أحدكم في المسجد فلا يشبكن فإن التشبيك من الشيطان وإن أحدكم لا يزال في صلاة ما كان في المسجد حتى يخرج منه".
стр. 892
- الإكثار من اتخاذ المساجد:
١٤٤٧ - * روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: "أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب".
قال سفيان "بناء المساجد في الدور، يعني: في القبائل".
قوله: في الدور قال البغوي يريد المحال التي فيها الدور ... لأنهم كانوا يسمون المحلة التي اجتمعت فيها قبيلة داراً، وقال سفيان بناء المساجد في الدور يعني القبائل .. أي يبنى لكل قبيلة مسجد، فيستحب بناء المسجد من حجر أو لبن أو مدر ... في كل محلة يحلها المقيمون بها وكل بساتين مجتمعة.
وفي شرح المشكاة ذكر نحوها .. أو محمول على اتخاذ بيت للصلاة كالمسجد يصلي فيه أهل البيت وقال شارح المصابيح: يحتمل أن رسول الله ﷺ أذن أن يبني الرجل في داره مسجداً يصلي فيه أهل بيته. انظر (النيل ٢/ ١٦٠ - ١٦١).
١٤٤٨ - * روى أحمد عن سمرة بن جندب ﵁ كتب إلى بنيه "أما بعد: فإن رسول الله ﷺ كان يأمرنا أن نصنع المساجد في ديارنا، ونصلح صنعتها ونطهرها".
١٤٤٩ - * روى مالك عن عتبان بن مالك ﵁ قال: "يا رسول الله، إن السيول تحول بيني وبين مسجد قومي، فأحب أن تأتيني في مكان من بيتي أتخذه مسجداً، فقال رسول الله ﷺ : سنفعل، فلما دخل النبي ﷺ قال: أين تريد؟ فأشار إلى ناحية من البيت، فقام رسول الله ﷺ فصففنا خلفه، فصلى بنا ركعتين". وفي أخرى (٤):
стр. 893
قال: "فغدا علي رسول الله ﷺ وأبو بكر معه بعد ما اشتد النهار، فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلمن فأذنت له، فلم يجلس حتى قال: "أين تحب أن أصلي من بيتك؟ " فأشرت له إلى المكان الذي أحب أن يصلي فيه، فقام فصلى بنا، فصففنا خلفه، ثم سلم وسلمنا حين سلم".
- الإخلاص في عمارة المساجد:
١٤٥٠ - * روى أبو داود عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد".
وعند النسائي قال: "من أشراط الساعة: أن يتباهى الناس في المساجد".
أقول: إقامة المساجد وتزيينها للتفاخر والتباهي يتنافى مع الإخلاص، أما إقامتها وتشييدها وتكميل مرافقها بحيث يرتاح المصلون فيها حساً ومعنى بنية خالصة لله، فالرجاء من فضل الله أن يجعل لأصحاب ذلك من الأجر والفضل الكثير.
١٤٥١ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أتى المسجد لشيء، فهو حظه".
- الوضوء في المسجد:
١٤٥٢ - * روى أحمد عن أبي العالية عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: حفظت لك أن رسول الله صلى الله عليه سلم توضأ في المسجد.
стр. 894
- فضل الإقامة في المسجد:
١٤٥٣ - * روى البزار عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "المسجد بيت كل تقي وتكفل الله لمن كان المسجد بيته بالروح والرحمة والجواز على الصراط إلى رضوان الله إلى الجنة".
١٤٥٤ - * روى الشيخان عن أبي هريرة: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة الله ، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه".
١٤٥٥ - * روى الشيخان عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا ومعه نبل فليمسك أو ليقبض على نصالها بكفه: أن يصيب أحداً من المسلمين منها بشيء".
وفي رواية (٤): "إذا مر أحدكم في مجلس أو سوق وبيده نبل فليأخذ بنصالها، ثم ليأخذ بنصالها، قال: فقال أبو موسى الأشعري: والله ما متنا حتى سددناها بعضنا في وجوه بعض".
стр. 895
١٤٥٦ - * روى الشيخان عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "مر رجل بسهام في المسجد، فقال له رسول الله ﷺ : أمسك بنصالها".
وفي رواية (٢) "فأمره أن يأخذ بنصالها كيلا يخدش مسلماً".
وفي رواية لمسلم (٣) وأبي داود (٤) "أن النبي ﷺ أمر رجلاً كان ينصرف بالنبل في المسجد: أن لا يمر بها إلا وهو آخذ بنصالها".
١٤٥٧ - * روى ابن خزيمة عن جابر بن عبد الله: عن رسول الله ﷺ أنه أمر رجلاً كان يتصدق بالنبل في المسجد ألا يمر بها إلا وهو آخذ بنصالها.
- ما جاء في المحراب:
١٤٥٨ - * روى البزار عن عبد الله بن مسعود أنه كره الصلاة في المحراب وقال: إنما كانت للكنائس فلا تشبهوا بأهل الكتاب، يعني أنه كره الصلاة في الطاق.
أقول: هذا محمول على من دخل بجملته في المحراب أما من كان بارزاً إلى الناس وسجوده في المحراب فلا يدخل في النهي.
стр. 896
- تنزيه المسجد عن الرائحة الكريهة:
١٤٥٩ - * روى الستة عن جابر رفعه: "من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا أو ليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته، وأنه أتي بقدر فيه خضرات من بقول فوجد لها ريحاً فسأل: فأخبر بما فيها من البقول فقال: قربوها إلى بعض أصحابه فلما رآه كره أكلها: قال: كل فإني أناجي من لا تناجي".
وفي رواية (٢) نهى رسول الله ﷺ عن أكل البصل والكراث فغلبتنا الحاجة فأكلنا منها، فقال: "من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس".
أقول: لم يفهم الصحابة النهي على التحريم، بل فهموه على أنه خلاف الأولى أو فهموه على أنه مباح لكن يراعى به حق الغير من الملائكة والناس في عدم الإيذاء، وههنا قاعدة عظيمة في الإسلام وهي: أن المباح الذي تتأذى منه الملائكة يجوز للإنسان أن يفعله لأن حق المسلم في استعمال المباح مقدم والملائكة ﵈ لهم مندوحة في أن يتجنبوا ما يؤذيهم أو عليهم أن يتحملوه إذا كانوا مكلفين بصحبة المكلف.
قال النووي بعد أن ذكر حديث مسلم بلفظ "فلا يقربن المساجد" هذا تصريح بنهي من أكل الثوم ونحوه عن دخول كل مسجد وهذا مذهب العلماء كافة إلا ما حكاه القاضي عياض عن بعض العلماء أن النهي خاص بمسجد النبي ﵌ لقوله في رواية "مسجدنا" وحجة الجمهور فلا يقربن المساجد ...
ثم إن النهي إنما هو عن حضور المسجد لا عن أكل الثوم والبصل ونحوهما فهذه البقول
стр. 897
حلال بإجماع من يعتد به. وحكى القاضي عياض عن أهل الظاهر تحريمها لأنها تمنع عن حضور الجماعة وهي عندهم فرض عين "وحجة الجمهور" قوله ﵌ في أحاديث الباب "كل فإني أناجي من لا تناجي". وقوله ﷺ "أيها الناس ليس لي تحريم ما أحل الله ولكنها شجرة أكره ريحها" أخرجه مسلم وغيره. قال العلماء ويلحق بالثوم والبصل والكراث كل ما له رائحة كريهة من المأكولات وغيرها ...
قال القاضي: وقاس العلماء على هذا مجامع الصلاة غير المسجد كمصلى العيد والجنائز ونحوهما من مجامع العبادات وكذا مجامع العلم والذكر والولائم ونحوها ولا يلحق بها الأسواق ونحوها. انظر (النيل ٢/ ١٦١).
وإذا كان هذا الحكم بالنسبة للثوم والبصل وهما حلالان بالإجماع فكيف بالدخان وقد رجح كثير من العلماء أنه مكروه تحريماً، قال ابن عابدين:
(أقول ظاهر كلام العمادي أنه مكروه تحريماً ويفسق متعاطيه فإنه قال في فضل الجماعة: ويكره الاقتداء بالمعروف بأكل الربا أو شيء من المحرمات أو يداوم على شيء من البدع المكروهات كالدخان المبتدع في هذا الزمان ولا سيما بعد صدور منع السلطان.
ويؤخذ منه كراهة التحريم في المسجد للنهي الوارد في الثوم والبصل وهو ملحق بهما، والظاهر كراهة تعاطيه حال القراءة لما فيه من الإخلال بتعظيم كتاب الله تعالى) حاشية ابن عابدين (٥/ ٢٩٦).
١٤٦٠ - * روى ابن خزيمة عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا أو ليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته".
١٤٦١ - * روى أبو داود عن حذيفة رفعه: "من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة تفله بين عينيه ومن أكل من هذه البقلة الخبيثة فلا يقربن مسجدنا ثلاثاً".
стр. 898
ولأبي داود (١) وللشيخين (٢) عن ابن عمر: "فلا يقربن المساجد حتى يذهب ريحها".
أقول: ويقاس على الثوم والبصل كل ما من شأنه أن يؤذي المصلين أو يشوه نظافة المسجد وطهارته وريحه، فأمثال هؤلاء من يتأتى منه ذلك له أن يصلي خارج المسجد، وهذا يقتضي من رواد المساجد أن يلحظوا نظافتهم وطهارتهم وريحهم قياماً بحق المسجد، والقصد محمود والتعمق والتنطع والمطالبة بما يشق كل ذلك منفي وبعيد عن فطرية هذا الدين.
١٤٦٢ - * روى مسلم عن معدان: "أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب الناس يوم الجمعة، ثم قال: يا أيها الناس إنكم تأكلون شجرتين ما أراهما إلا خبيثتين، هذا الثوم، وهذا البصل، وقد كنت أرى الرجل يوجد ريحه فيؤخذ بيده فيخرج به إلى البقيع، ومن كان آكلهما فليمتهما طبخاً".
١٤٦٣ - * روى ابن خزيمة عن المغيرة: أكلت ثوماً، ثم أتيت النبي ﷺ ، فوجدته قد سبقني بركعة، فلما صلى قمت أقضي، فوجد ريح الثوم، فقال: "من أكل هذه البقلة، فلا يقربن مسجدنا حتى يذهب ريحها". فلما قضيت الصلاة، أتيته، فقلت: يا رسول الله- ﷺ إن لي عذراً، ناولني يدك، فوجدته سهلاً، فناولني يده، فأدخلتها
стр. 899
من كمي إلى صدري فوجدته معصوباً، فقال: "إن لك عذراً".
- النهي عن اتخاذ القبور مساجد:
١٤٦٤ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، قالت: ولولا ذلك لأبرز قبره، خشي أن يتخذ مسجداً".
وفي رواية (٢) "ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أني أخشى أن يتخذ مسجداً" ولم يذكر "قالت".
١٤٦٥ - * روى الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: "لما اشتكى النبي ﷺ ذكر بعض نسائه كنيسة، يقال لها: مارية، وكانت أم سلمة وأم حبيبة أتتا أرض الحبشة، فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها، فرفع رأسه، فقال: "أولئك قوم إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، ثم صوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار خلق الله".
قال ابن حجر: وقد استشكل ذكر النصارى فيه لأن اليهود لهم أنبياء بخلاف النصارى فليس بين عيسى وبين نبينا ﷺ نبي غيره وليس له قبر، والجواب أنه كان فيهم أنبياء أيضاً لكنهم غير مرسلين كالحواريين ومريم في قوله، أو الجمع في قوله "أنبيائهم" بإزاء المجموع من اليهود والنصارى، والمراد الأنبياء وكبار أتباعهم فاكتفى بذكر الأنبياء، ويؤيده قوله في رواية مسلم من طريق جندب "كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد" ولهذا لما أفرد النصارى في الحديث الذي قبله قال "إذا مات فيهم الرجل الصالح" ... أو المراد
стр. 900
بالاتخاذ أعم من أن يكون ابتداعاً أو اتباعاً فاليهود ابتدعت والنصارى اتبعت، ولا ريب أن النصارى تعظم قبور كثير من الأنبياء الذين تعظمهم اليهود. اهـ (فتح ١/ ٥٣٢) وفائدة النص على زمن النهي هي الإشارة إلى أنه من الأمر المحكم الذي لم ينسخ لكونه صدر في آخر حياته ﵊، كما قال الحافظ. (فتح ١/ ٥٢٥).
قال ابن حجر: وإنما فعل ذلك أوائلهم ليتأنسوا برؤية تلك الصور ويتذكروا أحوالهم الصالحة فيجتهدوا كاجتهادهم، ثم خلف من بعدهم خلوف جهلوا مرادهم ووسوس لهم الشيطان أن أسلافكم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها فعبدوها، فحذر النبي ﷺ عن مثل ذلك سداً للذريعة المؤدية إلى ذلك. وفي الحديث دليل على تحريم التصوير، وحمل بعضهم الوعيد على من كان في ذلك الزمان لقرب العهد بعبادة الأوثان، وأما الآن فلا. وقد أطنب ابن دقيق العيد في رد ذلك ...
وقال البيضاوي: لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيماً لشأنهم ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها واتخذوها أوثاناً لعنهم: ومنع المسلمين عن مثل ذلك، فأما من اتخذ مسجداً في جوار صالح وقصد التبرك بالقرب منه لا التعظيم له ولا التوجه نحوه فلا يدخل في ذلك الوعيد وفي الحديث جواز حكاية ما يشاهده المؤمن من العجائب، ووجوب بيان حكم ذلك على العالم به، وذم فاعل المحرمات، وأن الاعتبار في الأحكام بالشرع لا بالعقل. وفيه كراهية الصلاة في المقابر سواء كانت بجنب القبر أو عليه أو إليه (فتح ١/ ٥٢٥).
١٤٦٦ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء ومن يتخذ القبور مساجد".
١٤٦٧ - * روى مالك عن عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
стр. 901
- ما يقول إذا دخل المسجد وإذا خرج .
١٤٦٨ - * روى أبو داود عن حيوة بن شريح ﵀ قال: لقيت عقبة بن مسلم فقلت له: "بلغني أنك حدثت عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رسول الله ﷺ كان يقول إذا دخل المسجد: "أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم، قال: قد قلت؟ قال: نعم، قال: فإذا قال ذلك، قال الشيطان: حفظ مني سائل اليوم".
١٤٦٩ - * روى مسلم عن أبي أسيد، وأبي قتادة ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دخل أحدكم المسجد، فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك".
وزاد أبو داود (٣) في الدخول "فليسلم على النبي ﷺ ، ثم ليقل: اللهم افتح لي ... وذكره".
١٤٧٠ - * روى الترمذي عن فاطمة بنت الحسين رحمها الله عن جدتها فاطمة الكبرى قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم، وقال: رب اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج صلى على محمد وسلم: وقال: رب اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك".
قال إسماعيل بن إبراهيم: فلقيت عبد الله بن الحسين بمكة، فسألته عن هذا الحديث؟ فحدثني به، قال: "كان إذا دخل قال: رب افتح لي باب رحمتك، وإذا خرج، قال: رب افتح لي باب فضلك".
стр. 902
وهو حسن لشواهده، وفي رواية ابن ماجه (١): بسم الله والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي .. وساق الحديث، وإذا خرج: بسم الله والسلام على رسول الله ... وساق الحديث.
قال الشوكاني: وزيادة التسمية ثابتة عند ابن السني من حديث أنس ... فينبغي لداخل المسجد والخارج منه أن يجمع بين التسمية والسلام على رسول الله ﷺ والدعاء بالمغفرة والدعاء بالفتح لأبواب الرحمة داخلاً ولأبواب الفضل خارجاً، يزيد في الخروج سؤال الفضل ويضم إلى ذلك ما أخرجه أبو داود، وذكر حديث عمرو بن العاص السابق ذكر الذي رواه حيوة بن شريح .. (النيل ٢/ ١٦٣ - ١٦٤) بتصرف يسير.
١٤٧١ - * روى ابن خزيمة عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي، وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليسلم على النبي وليقل: اللهم أجرني من الشيطان الرجيم".
١٤٧٢ - * روى أحمد عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من خرج من بيته إلى الصلاة، فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق خروجي إليك، إنك تعلم أنه لم يخرجني أشر ولا بطر، ولا سمعة ولا رياء، خرجت هرباً وفراراً من ذنوبي إليك، خرجت رجاء رحمتك، وشفقاً من عذابك، خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار برحمتك، وكل الله به سبعين ألف ملك يستغفرون الله له، وأقبل الله عليه بوجهه حتى يفرغ من صلاته".
стр. 903
الفقرة الرابعة
في صلاة المرأة في المسجد
١٤٧٣ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، ولكن ليخرجن وهن تفلات".
قال النووي في (شرح مسلم ٤/ ١٦١) قوله ﷺ "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" هذا وشبهه من أحاديث الباب ظاهر في أنها لا تمنع المسجد ولكن بشروط ذكرها العلماء مأخوذة من الأحاديث وهو أن لا تكون متطيبة ولا متزينة ولا ذات خلاخل يسمع صوتها ولا ثياب فاخرة ولا مختلطة بالرجال ولا شابة ونحوها ممن يفتتن بها وأن لا يكون في الطريق ما يخاف به مفسدة ونحوها وهذا النهي عن منعهن من الخروج محمول على كراهة التنزيه إذا كانت المرأة ذات زوج أو سيد ووجدت الشروط المذكورة فإن لم يكن لها زوج ولا سيد حرم المنع إذا وجدت الشروط.
١٤٧٤ - * روى الشيخان عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: إن النبي ﷺ قال: "إذا استأذن أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها".
وفي رواية (٣) قال: فقال بلال بن عبد الله: "والله لنمنعهن، قال: فأقبل عليه عبد الله، فسبه سباً سيئاً، ما سمعت سبه مثله قط، وقال: أخبرك عن رسول الله ﷺ ، وتقول: والله لنمنعهن؟ ".
وفي أخرى (٤): أن النبي ﷺ قال: "إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن".
стр. 904
وفي أخرى (١) أنه قال: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله".
وفي أخرى (٢) قال: "كانت امرأة لعمر تشهد صلاة الصبح والعشاء في الجماعة في المسجد، فقيل لها: لم تخرجين وقد تعلمين أنه يكره ذلك ويغار؟ قالت: فما يمنعه أن ينهاني؟ قالوا: يمنعه قول رسول الله ﷺ : "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله".
وفي أخرى (٣) قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل".
وفي أخرى (٤) "ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد، فقال ابن له، يقال له واقد: إذن يتخذنه دغلا، قال: فضرب في صدره وقال: أحدثك عن رسول الله ﷺ ، وتقول: لا؟ ".
وفي أخرى (٥) "لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنكم، فقال بلال: والله لنمنعهن، فقال له عبد الله: أقول: قال رسول الله ﷺ ، وتقول أنت: لنمنعهن؟ ".
ولأبي داود (٦) "لا تمنعوا نساءكم المساجد، ودورهن خير لهن".
قال الحافظ في (الفتح ٢/ ٣٤٩) على قول بلال: (والله لنمنعهن):
وكأنه قال ذلك لما رأى من فساد بعض النساء في ذلك الوقت وحملته على ذلك الغيرة،
стр. 905
وإنما أنكر عليه ابن عمر لتصريحه بمخالفة الحديث، وإلا لو قال مثلاً إن الزمان قد تغير وإن بعضهن ربما ظهر منه قصد المسجد وإضمار غيره لكان يظهر أن لا ينكر عليه، وإلى ذلك أشارت عائشة بما ذكر في الحديث الأخير. وأخذ من إنكار عبد الله على ولده تأديب المعترض على السنن برأيه، وعلى العالم بهواه، وتأديب الرجل ولده وإن كان كبيراً إذا تكلم بما لا ينبغي له، وجواز التأديب بالهجران، فقد وقع في رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد عند أحمد "فما كلمه عبد الله حتى مات" وهذا إن كان محفوظاً يحتمل أن يكون أحدهما مات عقب هذه القصة بيسير.
١٤٧٥ - * روى ابن خزيمة عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: "إذا شهدت إحداكن المسجد، فلا تمس طيباً". وقال يحيى بن حكيم، قال: حدثني بكير، وقال: إنها سمعت النبي ﷺ .
١٤٧٦ - * روى ابن خزيمة عن أبي هريرة، قال: مرت بأبي هريرة امرأة وريحها تعصف، فقال لها: إلى أين تريدين يا أمة الجبار؟ قالت: إلى المسجد. قال: تطيبت؟ قالت: نعم: قال: فارجعي فاغتسلي، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يقبل الله من امرأة صلاة خرجت إلى المسجد وريحها تعصف حتى ترجع فتغتسل".
١٤٧٧ - * روى أبو داود عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها".
وللكبير نحوه موقوفاً على ابن مسعود واستثنى مسجد مكة والمدينة.
стр. 906
١٤٧٨ - * روى الطبراني عن ابن مسعود قال ما صلت امرأة في موضع خير لها من قعر بيتها إلا أن يكون المسجد الحرام أو مسجد النبي ﷺ إلا امرأة تخرج في منقليها يعني خفيها.
١٤٧٩ - * روى الطبراني عن ابن مسعود أنه كان يحلف فيبلغ في اليمين: ما من مصلى للمرأة خير من بيتها إلا في حج أو عمرة إلا امرأة قد يئست من البعولة وهي في منقليها، قلت: ما منقليها؟ قال: امرأة عجوز قد تقارب خطوها.
١٤٨٠ - * روى مالك عن عمرة [بنت عبد الرحمن] رحمها الله قالت: قالت عائشة ﵂: "لو رأى رسول الله ﷺ ما أحدث النساء، لمنعهن المسجد، كما منعه نساء بني إسرائيل، قيل لعمرة: أو منعن؟ قالت: نعم".
قال الحافظ في (فتح ٢/ ٣٥٠) وقد ورد في بعض طرق هذا الحديث وغيره ما يدل على أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، ... ووجه كون صلاتها في الإخفاء أفضل تحقق الأمن فيه من الفتنة، ويتأكد ذلك بعد وجود ما أحدث النساء من التبرج والزينة، ومن ثم قالت عائشة ما قالت، وتمسك بعضهم بقول عائشة في منع النساء مطلقاً وفيه نظر، إذ لا يترتب على ذلك تغير الحكم لأنها علقته على شرط لم يوجد بناء على ظن ظنته فقالت "لو رأى لمنع" فيقال عليه: لم ير ولم يمنع، فاستمر الحكم. حتى إن عائشة لم تصرح بالمنع وإن كان كلامها يشعر بأنها كانت ترى المنع. وأيضاً فقد علم الله سبحانه ما سيحدثن فما أوحى إلى نبيه بمنعهن، ولو كان ما أحدثن يستلزم منعهن من المساجد لكان
стр. 907
منعهن من غيرها كالأسواق أولى. وأيضاً فالإحداث إنما وقع من بعض النساء لا من جميعهن، فإن تعين المنع فليكن لمن أحدثت، والأولى أن ينظر إلى ما يخشى منه الفساد فيجتنب لإشارته ﷺ إلى ذلك بمنع الطيب والزينة، وكذلك التقيد بالليل كما سبق اهـ.
١٤٨١ - * روى ابن خزيمة عن امرأة أبي حميد الساعدي: أنها جاءت النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله ﷺ إني أحب الصلاة معك. فقال: "قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي". فأمرت، فبني لها مسجد في أقصى شيء من بيتها وأظلمه، فكانت تصلي فيه حتى لقيت الله .
١٤٨٢ - * روى ابن خزيمة عن أم سلمة زوج النبي ﷺ : عن النبي ﷺ ، قال: "خير مساجد النساء قعر بيوتهن".
١٤٨٣ - * روى الطبراني عن ابن مسعود قال: ما صلت امرأة من صلاة أحب إلى الله من أشد مكان في بيتها ظلمة.
١٤٨٤ - * روى ابن خزيمة عن عبد الله عن النبي ﷺ ، قال: "إن المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون من وجه ربها وهي في قعر بيتها".
١٤٨٥ - * روى الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال: إنما النساء عورة وإن المرأة
стр. 908
لتخرج من بيتها وما بها من بأس، فيستشرفها الشيطان فيقول إنك لا تمرين بأحد إلا أعجبته وإن المرأة لتلبس ثيابها فيقال أين تريدين؟ فتقول أعود مريضاً أو أشهد جنازة أو أصلي في مسجد وما عبدت امرأة ربها مثل أن تعبده في بيتها.
١٤٨٦ - * روى الطبراني عن أبي عمرو الشيباني أنه رأى عبد الله يخرج النساء من المسجد يوم الجمعة ويقول أخرجن إلى بيوتكن خير لكن.
١٤٨٧ - * روى أبو داود عن نافع عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لو تركنا هذا الباب للنساء؟ " قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات.
وفي رواية (١) عن نافع قال: قال عمر، وهو أصح.
стр. 909
مسائل وفوائد
- من أهم ما ينبغي أن يركز عليه في إحياء رسالة المسجد حلقات العلم والذكر، وفي حياة الرسول ﷺ والأصحاب ﵃ منارات كثيرة في هذا الشأن فلقد كان رسول الله ﷺ يخطب الجمعة ويتخول أصحابه بالموعظة، وكان تعليم القرآن وتحفيظه قائمين على قدم وساق في المسجد وخارج المسجد، وكان بعض الصحابة يلازمون رسول الله ﷺ ليأخذوا عنه مع القرآن السنة والحكمة والعلم والفقه، وكانوا أحياناً يتناوبون فيعلم الحاضر الغائب ثم يحضر الثاني ويغيب الأول فيعلمه بكل جديد ومن سنن الصحابة تقسيم الناس إلى حلقات، على كل حلقة عريف يعلمهم القرآن، وللجميع مرجع يرجعون إليه أو هو يطوف عليهم فيقعد مع كل حلقة ليختبر ويفيد، وفي التاريخ الإسلامي وجدت حلقات الوعظ، والحلقات الروحية، والدروس التخصصية كما وجدت المساجد المتخصصة، فهذا مسجد للفقه، وهذا مسجد للحديث، ولقد رأينا من سنن الأشياخ الذين عاصرناهم ما هو إحياء أو استمرار لما كان عليه السلف فلقد كان بعض الأشياخ يقيم حلقة يومية صباحاً للفقه كأصل، ويقرأ معه غيره أحياناً، كما أن له حلقة يومية بين المغرب والعشاء- ما عدا ليلة الجمعة- يدرس في يوم منها الحديث الشريف، وفي يوم السيرة النبوية ويخصص يومين للفقه، ويومين للتفسير، وكان بعض الأشياخ له جلسة يومية لقراءة الفقه، ويقرأ في آخر الجلسة التفسير، وكان لبعضهم حلقة يومية للفقه بعد العصر، وكان لبعضهم حلقة للفقه صباح كل جمعة، وحلقتن بعد صلاة العشاء كل أسبوع وكان لبعضهم حلقات يومية بعد صلاة الفجر، وكان بعضهم يتخصص لتعليم القرآن وتحفيظه، وكان بعضهم يتخصص لتعليم العربية وبعضهم يتخصص في علم من العلوم، وكان لبعضهم ترتيبات يوزع تلاميذه على حلقات صغيرة بعد المغرب مباشرة ثم يجتمع الجميع على درسه بعد ذلك، وكان بعضهم يقيم المدارس والمعاهد التي تدرس كل العلوم الشرعية وبعض العلوم الكونية، وكان بعضهم يقيم جلسة روحية يخصصها للأذكار المأثورة في الأسبوع مرة، ويقيم درساً جامعاً واعظاً في الأسبوع مرة واحدة، ومع هذا وهذا كان يوزع التلاميذ على حلقات خاصة، لكل حلقة عريف، ويأخذ من كل إنسان الوقت الذي يناسبه، ومع الحلقات الخاصة في المسجد،
стр. 910
فهناك حلقات البيوت ومع هذا كله فهناك المتخصصون بالتفسير أو بتحفيظ القرآن أو بالعربية وغير ذلك من العلوم، وكان يتخرج لذلك مسلمون مهديون وائمة هداة يقتدى بهم، وكان يقيم مع هذا كله دورات في علوم معاصرة للطلاب يخرجون بها متفوقين على غيرهم، وكان هناك متخصصون في المسجد في الرحلات الدعوية أو الرياضية، هذا مع القيام بنشاطات اجتماعية واسعة، فوجد بذلك نوع من التجديد نادر المثال.
وقد دعونا في كتاب (كي لا نمضي بعيداً عن احتياجات العصر) إلى القيام بحركة تعليمية تربوية تلحظ جميع العلوم التي يحتاجها المسلم المعاصر ليتخرج بذلك الوارث الكامل لرسولنا ﵊، ولنا رسالة أخرى تحدد ميادين العمل الذي يجب أن يقيمه العلماء الربانيون في عصرنا أسميناها (رسالة التعرف).
- من المعروف أن رحبة المسجد ومنارته وكل ما كان محيطاً في المسجد داخل سور المسجد الذي له باب فإن له حكم المسجد، وأحياناً تكون مرافق المسجد من حمامات ومراحيض وغرف داخل هذا السور وعلى مذهب الحنفية والمالكية فإنه يحرم على الجنب والحائض والنفساء الدخول إلى هذه المرافق ويسن عند الجميع لمن دخل دائرة المسجد أن يصلي تحية المسجد على خلاف في أوقات الكراهة، وأباح الشافعية والحنابلة العبور من غير مكث ولا كراهة سواء أكان لحاجة أم لغيرها، لكن الأولى ألا يعبر إلا لحاجة، وعلى هذا القول فبالإمكان لجميع الناس استعمال مراحيض المسجد إذا كانت داخل سوره، والأحوط ألا يفعل الإنسان ذلك مراعاة لمذهب المالكية والحنفية. وقد مر معنا أن الحنفية يجيزون للكافر دخول كل مسجد وعلى هذا فإنه يمكن للكافر أن يستعمل مرافق المسجد وأن يحضر دروسه ومحاضراته.
- الأصل أن تكون المراحيض داخل دائرة المسجد، والحنفية يرون الكراهة التحريمية في البول والتغوط والوطء في المسجد وعلى هذا لا ينبغي أن يكون داخل سور المسجد من المرافق ما تكون فيه هذه الأشياء، وتوسع بعضهم فأجاز ذلك إذا كان الواقف قد حدد بعض ما هو داخل السور وخارج بناء المسجد لمثل هذه الأشياء، ومراعاة للخلاف فالأولى أن تكون بعض المرافق خارج دائرة سور المسجد مراعاة للاجتهادات التي تحرم فعل بعض
стр. 911
الأشياء فيما يعتبر مسجداً.
- يرى فقهاء الحنفية أن المسجد مسجد إلى عنان السماء وإلى أعماق الأرض، وعلى هذا فما تحت المسجد وما فوقه له حكم المسجد عندهم، وبناءً على هذا فإنه لا يصح أن تقام بيوت أو محلات عمل أو تجارة فوق المسجد أو تحته لأنه لا يجوز للجنب والحائض والنفساء أن يدخلها ولا يجوز الوطء فيها، وكما أن النوم في المسجد مكروه عند الحنفية إلا للغريب والمعتكف، فكذلك حكم ما كان فوقه أو تحته، وكما يكره رفع الصوت في المسجد ونشدان الضالة والبيع والشراء والإجارة فكذلك يكره فيما فوقه أو تحته، وكما يكره أن يجعل المسجد مقعداً لحرفة فكذلك يكره لما فوقه أو تحته، وعلى هذا فإن الحنفية يرون أن يتمحض المسجد للمسجدية، فلا يبنى فوقه أو تحته ما يتنافى مع ذلك، بل إن أريد البناء تحته أو فوقه فليكن كل ذلك مسجداً وعلى هذا لا يصح أن يكون تحت المسجد مراحيض أو دكاكين ولا فوقه.
وقد ترخص بعض العلماء في هذه الشؤون لمصلحة الناس والمسجد، والأحوط ألا يكون ذلك وخاصة في المساجد القديمة التي يعاد بناؤها، فمثل هذه لا ينبغي أن يبنى فوقها أو تحتها إلا ما هو مسجد مراعاة لشرط الواقف.
(انظر رد المحتار على الدر المختار ١/ ٤٤١ فما بعدها).
стр. 912
الفصل الثاني
في صلاة الجماعة وما يتعلق بها
وفيه عرض إجمالي وفقرات
* الفقرة الأولى: فضل صلاة الجماعة والمشي إلى المساجد وانتظار الصلاة والترهيب من ترك الجماعة.
* الفقرة الثانية: أحكام الإمام والمأموم.
* الفقرة الثالثة: في أحكام الصفوف.
стр. 913
عرض إجمالي
الجماعة هي الارتباط الحاصل بين صلاة الإمام والمأموم، وقد شرعت الجماعة للصلوات الخمس ولصلاة الجمعة ولصلاتي العيدين ولصلوات أخرى سنراها.
وقد قال الحنفية والمالكية: الجماعة في الصلوات الخمس غير الجمعة سنة مؤكدة للرجال العاقلين القادرين عليها من غير حرج، فلا تجب على النساء والصبيان والمجانين والعبيد والمقعدين والمرضى والشيوخ الهرمين ومن قطعت يده ورجله من خلاف، أما الجمعة فإنها فريضة كما سنرى وقال الشافعية في القول الأصح عندهم: الجماعة فرض كفاية لرجال أحرار مقيمين فإن امتنعوا في بلد صغير أو كبير كلهم من إقامتها قاتلهم الإمام أو من له حكم الإمام، وقال الحنابلة: الجماعة واجبة وجوب عين لقوله تعالى: (واركعوا مع الراكعين) (١) ولكنهم قالوا بأن الجماعة ليست شرطاً لصحة الصلاة وأقل الجماعة عند الشافعية والحنابلة إمام ومأموم ولو كان المأموم صبياً، ولا تنعقد الجماعة مع صبي مميز عند المالكية، وتنعقد الجماعة مع صبي مميز عند الحنابلة في الفرض فقط وأفضل الجماعة ما كانت في المسجد إلا للمرأة والخنثى، فالبيت في حقهما أفضل ويفضل للمكلف أن يصلي في المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضوره أو إذا كان حضوره يشجع غيره على صلاة الجماعة ثم ما كان أكثر جماعة والمسجد الأبعد أفضل من الصلاة في الأقرب وإقامتها في الوقت المفضل على ما فصله الفقهاء أفضل من انتظار كثرة الجمع، وقال المالكية: لا نزاع في أن الصلاة مع العلماء والصلحاء وأهل الخير أفضل من غيرها، وقد فصل بعضهم في صلاة الجماعة بالنسبة للنساء في المسجد فالعجوز التي انقطعت حاجة الرجال منها فهذه تخرج للمسجد ولمجالس الذكر والعلم ولصلاة العيدين والاستسقاء والجنازة ولقضاء حوائجها أو حوائج غيرها بلا حرج وأما من قاربت الأولى في السن فهذه مثل الأولى تحتاط أكثر وأما الشابة التي لا تلفت
стр. 914
النظر فهذه تخرج للمسجد لصلاة الفرض جماعة وفي جنازة أهلها وأقاربها ولا تخرج لعيد ولا استسقاء ولا لمجالس ذكر أو علم إلا إذا كان هناك ضرورة بالنسبة للعلم، وأما الشابة التي تلفت النظر فعند الشافعية والحنابلة يكره لها حضور جماعة الرجال، والثواب الأكمل يحصل لمن أدرك الصلاة مع الإمام من أولها إلى آخرها فإن إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام فضيلة، ويدرك الإنسان فضيلة الجماعة ما لم يسلم الإمام وإن لم يقعد معه بأن انتهى سلام الإمام عقب تكبيره إحرامه، وقال المالكية: لا يدرك فضل الجماعة كاملاً إلا بإدراك ركعة كاملة مع الإمام والأجر حاصل لمن أدرك أقل من ركعة واتفق أئمة المذاهب على أن من أدرك الإمام راكعاً في ركوعه فإنه يدرك الركعة مع الإمام وشرط ذلك أن يكبر تكبيرة الإحرام وهو قائم أو أقرب إلى القيام فإن ركع بعد رفع الإمام رأسه من الركوع لم تحسب الركعة وفصل المالكية بأنه إذا وافق ركوع المأموم رفع الإمام وهو أقرب إلى الركوع جازت الركعة، وتجزئ تكبيرة الإحرام عن تكبيرة الركوع عند الحنابلة ولا تسقط سنية تكبيرة الانتقال عند الشافعية والمالكية بتكبيرة الإحرام، وقال المالكية: إذا خشي القادم إلى الصلاة أن تفوته الركعة فله أن يركع دون الصف إذا خاف فوات الركعة وقال الحنابلة وغيرهم: لا يركع دون الصف إلا إذا أتى آخر ووقف معه، والأصح عند الحنابلة أن الجماعة واجبة والسعي إلى المسجد سنة ويستحب عند العلماء لمن قصد الجماعة أن يمشي إليها وعليه السكينة والوقار وأجاز المالكية الإسراع المعتدل لإدراك الجماعة، ويبادر المصلي فيقتدي بالإمام سواء أكان الإمام قائماً أو راكعاً أو ساجداً وإذا أقيمت الصلاة لإمام راتب فقد قال المالكية يحرم على المتخلف أن يبتدئ صلاة منفرداً فريضة أو نافلة وإن أقيمت صلاة المسجد والمصلي في صلاة فريضة أو نافلة بالمسجد أو رحبته فإن خشي فوات ركعة مع الإمام قطع صلاته بسلام أو كلام بنية إبطال وإن لم يخش فوات الركعة فإن كانت الصلاة نافلة أتمها ركعتين وإن كان يصلي نفس صلاة الإمام ينصرف عن شفع إن كان في الشفع الأول ويقطعها ويلحق بالإمام وإن كان في الثالثة قبل كمالها بسجودها رجع للجلوس فتشهد وسلم، ودخل في صلاة الإمام، هذا إن كان في صلاة رباعية فإن كان في صلاة صبح أو مغرب فأقيمت قطع صلاته ودخل مع الإمام وإن أتم ثانية المغرب أو الثالثة أو ثانية الصبح كملها بنية الفريضة وقال الشافعية إن كان المصلي في صلاة نافلة ثم أقيمت الجماعة فإن لم يخش
стр. 915
فوات الجماعة أتم النافلة ثم دخل في الجماعة وإن خشي فوات الجماعة قطع النافلة وإن دخل في فرض الوقت ثم أقمت الجماعة فالأفضل أن يقطع ويدخل في الجماعة، وإن حضر وقد أقيمت الصلاة لم ينشغل عنها بنافلة وعند الحنابلة متى شرع مقيم الصلاة في إقامة الصلاة فلا يشرع الدخول في نفل مطلق ولا سنة راتبة في المسجد أو غيره فإن شرع في نافلة لم تنعقد وإن أقيمت الصلاة وهو في النافلة ولو كان خارج الصلاة أتمها خفيفة ولو فاتته ركعة ولا يزيد على ركعتين إلا إذا كان قد شرع في الركعة الثالثة فإنه يتمها أربعاً فإن سلم ولحق بالإمام جاز وإذا خشي المتنفل فوات الجماعة قطع نافلته.
وعند الحنفية إن شرع في سنة الظهر القبلية مثلاً فأقيمت الجمعة أو في سنة الجمعة فصعد الخطيب المنبر سلم بعد ركعتين ثم قضى السنة أربعاً بعد أداء الفرض والسنة البعدية وعند محمد يقضي قبل السنة البعدية ويكره عند الحنفية تكرار الجماعة بأذان وإقامة في مسجد محلة أما مسجد الطريق أو المسجد الذي لا إمام له ولا مؤذن فلا كراهة لو صلى الناس فيه فوجاً بعد فوج والأفضل أن يصلي كل فريق بأذان وإقامة على حدة، وقال المالكية يكره تكرار الجماعة في إمام له راتب وكذلك يكره إقامة الجماعة قبل الإمام الراتب ويحرم إقامة جماعة مع جماعة الإمام الراتب، ومن دخل المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى بعد صلاة الإمام الراتب يصلي منفرداً عند المالكية ويكره عندهم تعدد الأئمة الراتبين ويكره بأن يصلي أحدهم بعد الآخر ويكره تعدد الجماعات في وقت واحد ولا يكره عند الشافعية تكرار الجماعة في المسجد المطروق في ممر الناس أو في السوق أو فيما ليس له إمام راتب أو له إما مراتب وضاق المسجد عن الجميع أو خيف خروج الوقت وقال الحنابلة: يحرم إقامة جماعة في مسجد قبل إمامه الراتب إلا بإذنه كما يحرم إقامة جماعة أخرى أثناء صلاة الإمام الراتب ولا تصح الصلاة في تلك الحالتين ولا يكره أن يصلي الناس جماعة إذا تأخر الإمام الراتب لعذر أو ظن عدم حضوره أو ظن حضوره ولم يكن يكره صلاة غيره في حالة حضوره، ومن باب أولى ما إذا كان قد أذن، ولا يكره عندهم تكرار الجماعة بإمامة غير الراتب بعد انتهاء الإمام الراتب إلا في مسجدي مكة والمدينة فقط فإنه تكره إعادة الجماعة فيهما إلا لعذر كنوم ونحوه فمن فاتته صلاة الجماعة في المسجدين لعذر لا يكره له أن يصلي جماعة بعد صلاة