ولمسلم (١) وأبي داود (٢) قال: قال رسول الله ﷺ "لقد همت أن آمر فتيتي فيجمعوا لي حزماً من حطب، ثم آتي قوماً يصلون في بيوتهم ليست بهم علة، فأحرقها عليهم" قيل ليزيد- هو ابن الأصم-[يا أبا عوف]: الجمعة عني، أو غيرها؟ قال: صمتا أذناي إن لم أكن سمعت أبا هريرة يأثره عن النبي ﷺ ، ولم يذكر جمعة ولا غيرها.
أقول: دل النص على أن من به عاهة وكان عاجزاً تسقط عنه صلاة الجماعة، وذكر الفقهاء أن الجمعة كالجماعة ههنا.
١٥٣٦ - * روى الطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "لو أن رجلاً دعا الناس إلى عرق أو مرماتين لأجابوه وهم يدعون إلي هذه الصلاة في جماعة فلا يأتونها، لقد هممت أن آمر رجلاً أن يصلي بالناس في جماعة ثم أنصرف إلى قوم سمعوا النداء فلم يجيبوا فأضرمها عليهم ناراً إنه لا يتخلف عنها إلا منافق".
١٥٣٧ - * روى أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لينتهين رجال ممن حول المسجد لا يشهدون العشاء الآخرة في الجميع أو لأحرقن حول بيوتهم بحزم الحطب".
стр. 947
١٥٣٨ - * روى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال من سمع حي على الفلاح فلم يجب فقد ترك سنة محمد ﷺ .
١٥٣٩ - * روى الطبراني عن عبد الله بن عمر: "كنا إذا فقدنا الإنسان في صلاة العشاء الآخرة والصبح أسأنا به الظن".
١٥٤٠ - * روى أبو داود عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنها ستكون عليكم بعدي أمراء تشغلهم أشياء عن الصلاة لوقتها، حتى يذهب وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها، فقال رجل: يا رسول الله، أصلي معهم؟ قال: "نعم" وفي رواية (٤) "إن أدركتها أصليها معهم"؟ قال: "نعم إن شئت".
أقول: في هذا النص أبلغ رد على ناشئة نشأت في دار الإسلام يرون جواز الجمع بين صلاتين من غير عذر يبيح الجمع فخالفوا بذلك إجماع المسلمين الذي انعقد قبل وجود المخالف.
١٥٤١ - * روى ابن خزيمة عن عبد الله بن مسعود: قال رسول الله ﷺ : "لعلكم ستدركون أقواماً يصلون الصلاة لغير وقتها، فإن أدركتموهم، فصلوا في بيوتكم للوقت الذي تعرفون، ثم صلوا معهم واجعلوها سبحة".
стр. 948
١٥٤٢ - * روى أحمد عن أبي علي المصري قال سافرنا مع عقبة بن عامر الجهني فحضرتنا الصلاة فأردنا أن يتقدمنا قال إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أم قوماً فإن أتم فله التمام ولهم التمام وإن لم يتم فلهم التمام وعليه الإثم".
١٥٤٣ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين".
١٥٤٤ - * روى البزار عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ قال: "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين قالوا يا رسول الله لقد تركتنا نتنافس في الأذان بعدك فقال رسول الله ﷺ إنه يكون بعدي- أو بعدكم- قوم سفلتهم مؤذنوهم".
قال في النهاية: أراد بالضمان ها هنا الحفظ والرعاية، لا ضمان الغرامة لأنه يحفظ عليهم صلاتهم وقيل إن صلاة المقتدين به في عهدته وصحتها مقرونة بصحة صلاته فهو كالمتكفل لهم صحة صلاتهم.
أقول: وهذا القول هو مذهب الحنفية.
١٥٤٥ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا
стр. 949
أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" قال حماد: ثم لقيت عمرو بن دينار فحدثني به، ولم يرفعه.
١٥٤٦ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال أبو الشعثاء: "كنا قعوداً في المسجد مع أبي هريرة، فأذن المؤذن، فقام رجل يمشي، فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد. فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ ".
١٥٤٧ - * روى أحمد عن أبي هريرة قال: خرج رجل بعد ما أذن المؤذن فقال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ ثم قال أمرنا رسول الهل ﷺ : "إذا كنتم في المسجد فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي".
١٥٤٨ - * روى الطبراني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يسمع النداء في مسجدي هذا ثم يخرج منه إلا لحاجة ثم لا يرجع إليه إلا منافق".
- بعض الأعذار التي تبيح ترك الجماعة:
١٥٤٩ - * روى ابن ماجه عن أبي المليح: قال: خرجت في ليلة مظلمة إلى المسجد صلاة العشاء، فلما رجعت استفتحت، فقال أبي: من هذا؟، قالوا: أبو مليح، قال: لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ زمن الحديبية، وأصابتنا سماء لم تبل أسفل نعالنا، فنادى
стр. 950
منادي رسول الله ﷺ : أن صلوا في رحالكم".
أقول: في النص دليل على أن المطر يبيح ترك الجماعة.
١٥٥٠ - * روى أبو داود عن ابن عمر قال: كنا إذا كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فكانت ليلة ظلماء أو ليلة مطيرة أذن مؤذن رسول الله ﷺ ، أو نادى مناديه: أن صلوا في رحالكم.
أقول: في النص دليل على أن شدة الظلمة تبيح ترك الجماعة، ومن صلى جماعة كان له مزيد فضل.
١٥٥١ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر- قال: وما العذر؟ قال: خوف أو مرض- لم تقبل منه الصلاة التي صلى".
١٥٥٢ - * روى أبو داود عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن عبد الله بن الأرقم كان يسافر، فيصحبه قوم يقتدون به، قال: وكان يؤذن لأصحابه ويؤمهم. قال: فنودي بالصلاة يوماً، ثم قال: يؤمكم أحدكم، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا أراد أحدكم الخلاء وأقيمت الصلاة فليبدأ بالخلاء".
أقول: دل النص على أن من كان يدافعه الأخبثان البول أو الغائط ومثل ذلك الريح المؤذية فإن له ترك الجماعة ليتخفف ويتوضأ ويصلي مرتاحاً.
стр. 951
١٥٥٣ - * روى أحمد عن جابر بن عبد الله قال أتى ابن أم مكتوم النبي ﷺ فقال يا رسول الله إن منزلي شاسع وأنا مكفوف البصر وأنا أسمع الأذان قال: "فإن سمعت الأذان فأجب ولو حبواً أو زحفاً".
١٥٥٤ - * روى أحمد عن نعيم بن النحام قال نودي بالصبح في يوم بارد وأنا في مرط امرأتي فقلت ليت المنادي قال ومن قعد فلا حرج فإذا منادي النبي ﷺ في آخر أذانه قال ومن قعد فلا حرج.
١٥٥٥ - * روى أبو داود عن ابن أم مكتوم قال: يا رسول الله، إن المدينة كثيرة الهوام والسباع، وأنا ضرير البصر، فهل تجد لي من رخصة؟ قال: "تسمع حي على الصلاة، حي على الفلاح؟ " قال: نعم، فقال: "فحي هلا"، ولم يرخص.
١٥٥٦ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: "أتى رسول الله ﷺ رجل أعمى، فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له؟ فرخص له، فلما ولى دعاه، فقال: هل تسمع النداء
стр. 952
بالصلاة؟ قال: نعم، قال: فأجب".
١٥٥٧ - * روى مالك عن محمود بن الربيع الأنصاري "أن عتبان بن مالك كان يؤم قومه وهو أعمى، وأنه قال لرسول الله ﷺ : إنها تكون الظلمة والمطر والسيل، وأنا رجل ضرير البصر، فصل يا رسول الله في بيتي مكاناً أتخذه مصلى، فجاءه رسول الله ﷺ ، فقال: "أين تحب أن أصلي؟ فأشار له إلى مكان من البيت، فصلى فيه رسول الله ﷺ ".
أقول: الذي استقر عليه الأمر في عهد رسول الله ﷺ ، واتفق عليه الفقهاء أن الأعمى الذي لا يجد قائداً يرخص له في ترك الجماعة، إلا أن الفقهاء اختلفوا في الأعمى الذي يجد قائداً هل تسقط عنه صلاة الجماعة أو لا تسقط، قال أبو حنيفة تسقط عنه صلاة الجماعة لأن القادر بقدرة الغير لا يعتبر قادراً.
١٥٥٨ - * روى الطبراني عن عنبسة بن الأزهر قال تزوج الحارث بن حسان وكانت له صحبة وكان الرجل إذ ذاك إذا تزوج تخدر أياماً فلا يخرج لصلاة الغداة فقيل له أتخرج وإنما بنيت بأهلك في هذه الليلة؟ قال: والله إن امرأة تمنعني من صلاة الغداة في جمع لامرأة سوء".
стр. 953
الفقرة الثانية
أحكام الإمام والمأموم
- الأحق بالإمامة:
١٥٥٩ - * روى مسلم عن أبي مسعود البدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سناً، ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه" وفي رواية (٢) "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، وأقدمهم قراءة، ولا يؤمن الرجل الرجل في أهله، ولا في سلطانه" وذكر الباقي.
قال النووي في (شرح مسلم ٥/ ١٧٢): فيه دليل لمن يقول بتقديم الأقرأ على الأفقه وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد وبعض أصحابنا وقال مالك والشافعي وأصحابهما الأفقه مقدم على الأقرأ لأن الذي يحتاج إليه من القراءة مضبوط والذي يحتاج إليه من الفقه غير مضبوط وقد يعرض في الصلاة أمر لا يقدر على مراعاة الصواب فيه إلا كامل الفقه قالوا ولهذا قدم النبي ﷺ أبا بكر ﵁ في الصلاة على الباقين مع أنه ﷺ نص على أن غيره أقرأ منه وأجابوا عن الحديث بأن الأقرأ من الصحاية كان هو الأفقه لكن في قوله فإن كانوا في القراءة سواء أعلمهم بالسنة دليل على تقديم الأقرأ مطلقاً.
وقال (٥/ ١٧٣): قوله ﷺ "ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه" معناه ما ذكره أصحابنا وغيرهم أن صاحب البيت والمجلس وإمام المسجد أحق من غيره وإن كان ذلك الغير أفقه وأقرأ وأورع وأفضل منه وصاحب المكان أحق فإن شاء تقدم وإن شاء قدم من
стр. 954
يريده وإن كان ذلك الذي يقدمه مفضولاً بالنسبة إلى باقي الحاضرين لأنه سلطانه فيتصرف فيه كيف شاء قال أصحابنا فإن حضر السلطان أو نائبه قدم على صاحب البيت وإمام المسجد وغيرهما لأن ولايته وسلطنته عامة قالوا ويستحب لصاحب البيت أن يأذن لمن هو أفضل منه.
أقول: إن الذين قدموا الأعلم على الأقرأ في الإمامة- كالحنفية مثلاً- ربطوا العلم بالقراءة في العصر الأول، فكان الأعلم هو الأقرأ، وقد كان الصحابة يأخذون القرآن والعلم والعمل، فلما تخلف العلم بالقرآن عن حفظه، قدم الحنفية الأعلم لأنه هو الذي يستطيع أن يأتي بالصلاة على وجهها ويكفيه أن يحفظ شيئاً من القرآن وأن يتقن تلاوة ما يحفظ فلو سبقه إنسان بالحفظ فإنه لا يقدم عليه، والعبرة العلم بالإسلام عامة كي لا يكون على بدعة، وبأحكام الصلاة خاصة كي لا يأتي ناقضاً أو مكروهاً أو يترك ركناً.
١٥٦٠ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة: أقرؤهم".
١٥٦١ - * روى أحمد عن عمرو بن سلمة قال: كان يأتينا الركبان من قبل رسول الله ﷺ فيحدثونا أن رسول الله ﷺ قال: "ليؤمكم أكثركم قرآناً".
١٥٦٢ - * روى الطبراني عن إبراهيم قال: أتى عبد الله أبا موسى فتحدث عنده فحضرت الصلاة فلما أقيمت تأخر أبو موسى فقال له عبد الله: أبا موسى لقد علمت أن من السنة أن يتقدم صاحب البيت فأبى أبو موسى حتى تقدم مولى لأحدهما".
١٥٦٣ - * روى الشيخان عن مالك بن الحويرث ﵁ قال: "أتينا رسول الله
стр. 955
صلى الله عليه وسلم ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رسول الله ﷺ رحيماً رفيقاً، وظن أنا قد اشتقنا أهلنا، فسألنا عمن تركنا من أهلنا؟ فأخبرناه، فقال: ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم، وعلموهم ومرهم فليصلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، وإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم". وللبخاري "وصلوا كما رأيتموني أصلي" ولمسلم (١) مختصراً قال: "أتيت النبي ﷺ أنا وصاحب لي، فقال لنا: إذا حضرت الصلاة فأذنا، ثم أقيما، وليؤمكما أكبركما". وفي أخرى (٢) له نحوه قال: "أتاه رجلان يريدان السفر- زاد في رواية (٣) - قال: وكانا متقاربين في القراءة". وفي رواية (٤) النسائي مختصراً قال: قال: "أتيت أنا وابن عم لي- وقال مرة: أنا وصاحب لي- إلى النبي ﷺ ، فقال: إذا سافرتما فأذنا وأقيما، وليؤمكما أكبركما". وفي رواية الترمذي (٥) وأبي داود (٦) هذه المختصرة: قال الترمذي: "أنا وابن عم لي". وفي أخرى (٧) لأبي داود زيادة: قال: "وكنا متقاربين في العلم".
قال النووي في (شرح مسلم ٥/ ١٧٥): فيه الحث على الآذان والجماعة وتقديم الأكبر في الإمامة إذا استووا في باقي الخصال وهؤلاء كانوا مستوين في باقي الخصال لأنهم هاجروا جميعاً وأسلموا جميعاً وصحبوا رسول الله ﷺ ولازموه عشرين ليلة فاستووا في الأخذ عنه ولم يبق ما يقدم به إلا السن واستدل جماعة بهذا على تفضيل الإمامة على الأذان لأنه ﷺ قال: "يؤذن أحدكم" وخص الإمامة بالأكبر وفيه أن الأذان والجماعة مشروعان للمسافرين وفيه الحث على المحافظة على الأذان في الحضر والسفر وفيه أن الجماعة تصح بإمام ومأموم وهو
стр. 956
إجماع المسلمين وفيه تقديم الصلاة في أول الوقت. اهـ.
وقال في (فتح الباري ٢/ ١٧٢): وفي الحديث أيضاً فضل الهجرة ولارحلة في طلب العلم وفضل التعليم، وما كان عليه ﷺ من الشفقة والاهتمام بأحوال الصلاة وغيرها من أمور الدين، وإجازة خبر الواحد وقيام الحجة به اهـ.
فائدة: قال ابن حجر في (الفتح ٢/ ١٧١): اقتصار الصحابي على ذكر سبب الأمر برجوعهم بأنه الشوق إلى أهليهم دون قصد التعليم هو لما قام عنده من القرينة الدالة على ذلك، ويمكن أن يكون عرف ذلك بتصريح القول منه ﷺ وإن كان سبب تعليمهم قومهم أشرف في حقهم، لكنه أخبر بالواقع ولم يتزين بما ليس فيهم، ولما كانت نيتهم صادقة صادق شوقهم إلى أهلهم الحظ الكامل في الدين وهو أهلية التعليم كما قال الإمام أحمد في الحرص على طلب الحديث: حظ وافق حقاً. اهـ.
أقول: إن مراعاة النفس البشرية في المباحات من سياسات النبوة فكل عالم ينبغي أن يراعي النفس البشرية في المباح ويندبها إلى العزائم على أن لا يحملها على عزيمة تسبب فترة، فالإغراق في المباحات قد يؤدي إلى قسوة قلب كما أن حمل الناس على العزائم ومخالفة النفوس قد يؤدي إلى عكس المراد.
١٥٦٤ - * روى أبو داود عن أبي عطية العقيلي قال: "كان مالك بن الحويرث يأتينا إلى مصلانا يتحدث، فحضرت الصلاة يوماً، قال أبو عطية، فقلنا له: تقدم فصله، قال لنا: قدموا رجلاً منكم يصلي بكم، وسأحدثكم لم لا أصلي بكم؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من زار قوماً فلا يؤمهم، وليؤمهم رجل منهم".
أقول: في النص دليل على قضية سياسية هامة وهي مراعاة أن يكون لكل ولاية إسلامية أميرها ووزراؤها الذين هم من أهلها إذا وجدت الكفاءة والثقة، وهذا المعنى يلحظ في الولايات الأصغر ما أمكن لأن الأصل أن يبعث لكل قوم رسول منهم لأن ذلك أدعى
стр. 957
لمعرفة طبيعتهم ولأن يستسلموا له أكثر من الغريب عنهم، أما عموم رسالة محمد ﷺ فهذه خصوصية خص بها من بين الرسل، وأما تأمير الصحابة على الأنصار، فلفضل الصحبة، ولأن البلدان المفتوحة لم يكن يوجد من أهلها من فقه وقوي على تدبير أمور أهلها بالإسلام، وعلى هذا فينبغي لدعاة الإسلام أني حرصوا أن يكون لكل قطر مؤسساته الاصة به وأمراؤه الذين هم من أهله، ومهما استطعنا أن نعمم ذلك فيما دون ذلك فعلينا أن نفعل ما لم تترتب على ذلك مفسدة محققة أو تفوتنا بذلك مصلحة محققة.
١٥٦٥ - * روى البخاري عن عمرو بن سلمة ﵁ قال: "كنا بما ممر الناس، يمر بنا الركبان نسألهم: ما للناس، ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله، أوحى إليه كذا، فكنت أحفظ ذلك الكلام، فكأنما يغرى في صدري، وكانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح، فيقولون: ارتكوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي ﷺ حقاً فقال: صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآناً، فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآناً مني، لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم وأنا ابن ست، أو سبع سنين، وكانت علي بردة، كنت إذا سجدت تقلصت عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تغطوا عنا است قارئكم؟ فاشتروا، فقطعوا لي قميصاً، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص".
أقول: لا يجيز فقهاء الحنفية ومن وافقهم أني صلي غير البالغ إماماً بالبالغين لأنه غير مكلف، وهم مكلفون، ولا يعتبرون هذه الحادثة دليلاً لجواز صلاة الصبي بالبالغين، لأنه من تصرف القوم بناءً على نص عام مخصص بنصوص أخرى.
стр. 958
١٥٦٦ - * روى الترمذي عن أبي هريرة، قال: بعث رسول الله ﷺ بعثاً وهم نفر، فدعاهم رسول الله ﷺ ، قال: "ماذا معك من القرآن"؟ فاستقرأهم، حتى مر على رجل منهم وهو من أحدثهم سناً، قال: "ماذا معك يا فلان" قال: معي كذا وكذا، سوورة البقرة. قال: "معك سورة البقرة"؟ قال: نعم. قال: "اذهب فأنت أميرهم". فقال رجل هو من أشرفهم- والذي كذا وكذا يا رسول الله ما منعني أن أتعلم القرآن إلا خشية أن لا أقوم به. قال رسول الله ﷺ : "تعلم القرآن، فاقرأه وارقد، فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقام به كمثل جراب محشو مسكاً يفوح ريحه على كل مكان، ومن تعلمه ورقد وهو في جوفه كمثل جراب أوكئ على مس".
١٥٦٧ - * روى البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: "لما قدم المهاجرون الأولون نزلوا العصبة- موضعاً بقباء- قبل مقدم النبي ﷺ كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة، وكان أكثرهم قرآنا" وفي رواية (٣) "لما قدم المهاجرون الأولون المدينة كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة، وفيهم عمر، وأبو سلمة بن عبد الأسد" وفي أخرى (٤) نحوه وفيه "وفيهم عمر، وأبو سلمة، وزيد وعامر بن ربيعة".
- الصلاة خلف البر والفاجر.
١٥٦٨ - * روى البخاري عن عبيد الله بن عدي بن الخيار "أنه دخل على عثمان وهو محصور، فقال: إنك إمام العامة، ونزل بك ما ترى، ويصلي لنا إمام فتنة، ونتحرج من الصلاة معه؟ فقال: الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساؤوا فاجتنب إساءتهم".
стр. 959
- من أم قوماً وهم له كارهون:
١٥٦٩ - * روى الترمذي عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخ، وإمام قوم وهم له كارهون".
أقول: العبرة في كراهة إمامة إنسان كراهة العدول لإمامته.
- إمامة العبد .
١٥٧٠ - * روى البخاري عن عائشة ﵂ "كان يؤمها عبدها ذكوان من المصحف".
وقال الحافظ في "الفتح": وصله ابن أبي داود في "كتاب المصاحف" من طريق أيوب عن ابن أبي مليكة أن عائشة كان يؤمها غلامها ذكوان في المصحف، ووصله ابن أبي شيبة قال: حدثنا وكيع عن هشام بن عروة عن أبي بكر بن أبي مليكة عن عائشة أنها أعتقت غلاماً لها عن دبر فكان يؤمها في رمضان في المصحف، ووصله الشافعي وعبد الرزاق من طريق أخرى عن ابن أبي مليكة أنه كان يأتي عائشة بأعلى الوادي هو وأبوه وعبيد بن عمير والمسور بن مخرمة وناس كثير فيؤمهم أبو عمرو مولى عائشة وهو يومئذ غلام لم يعتق، وأبو عمرو المذكور هو ذكوان، وإلى صحة إمامة العبد ذهب الجمهور، وخالف مالك فقال: لا يؤم الأحرار إلا إن كان قارئاً وهم لا يقرؤون، فيؤمهم، إلا في الجمعة لأنها لا تجب عليه، وخالفه أشهب، واحتج بأنها تجزئه إذا حضرها.
أقول: أجاز بعض العلماء كبعض الحنابلة أن يقرأ الإمام من المصحف وهو يؤم القوم، بأن يمسكه أو يضعه في مكان يستطيع أني قرأ فيه، وخالفهم في ذلك الجمهور ومنهم الحنفية واعتبروا أن ذلك مذهب لصحابي، ومذهب الصحابي إذا لم يكن إجماعاً لا يعتبر حجة ملزمة.
стр. 960
- إمامة الأعمى:
١٥٧١ - * روى أبو داود عن أنس قال: "استخلف النبي ﷺ ابن أم مكتوم يؤم الناس وهو أعمى".
أقول: هذا دليل لمن ذهب إلى أنه لا كراهة في إمامة الأعمى وقيد بعضهم عدم الكراهة بأن يكون عالماً يحتاط لنظافته وطهارته.
١٥٧٢ - * روى أبو يعلى عن عائشة أن النبي ﷺ استخلف ابن أم مكتوم على المدينة يصلي بالناس.
١٥٧٣ - * روى الطبراني عن عبد الله بن عمير إمام بني خطمة أنه كان إماماً لبني خطمة على عهد رسول الله ﷺ وهو أعمى وغزا معه وهو أعمى.
- إمامة النساء:
١٥٧٤ - * روى ابن خزيمة عن أم ورقة: أن نبي الله ﷺ كان يقول: "انطلقوا بنا نزور الشهيدة". وأذن لها أن يؤذن لها، وأن تؤم أهل دارها في الفريضة، وكانت قد جمعت القرآن.
أقول: هذا النص محمول على الإذن للمرأة أن تؤم النساء، ولا يجوز باتفاق العلماء أن تؤم الرجال، وفي النص دليل على جواز جماعة النساء، وتقف المرأة التي تؤمهن في وسطهن بينهن متقدمة عليهن قليلاً لأن ذلك أكثر ستراً وأبعد عن التشبه بالرجال، وممن نص على ذلك فقهاء الحنفية.
стр. 961
- تخفيف الإمام الصلاة على العامة:
١٥٧٥ - * روى الشيخان عن جابر ﵁ قال: "كان معاذ بن جبل يصلي مع النبي ﷺ ، ثم يأتي فيؤم قومه، فصلى ليلة مع النبي ﷺ العشاء، ثم أتى قومه فأمهم، فافتتح بـ (سورة البقرة)، فانحرف رجل فسلم، ثم صلى وحده وانصرف، فقالوا له: أنافقت يا فلان؟ قال: لا والله، ولآتين رسول الله ﷺ فلأخبرنه، فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنا أصحاب نواضح نعمل بالنهار، وإن معاذاً صلى معك العشاء، ثم أتى فافتتح بـ (سورة البقرة)، فأقبل رسول الله ﷺ على معاذ، فقال: يا معاذ، أفتان أنت؟ اقرأ بكذا، واقرأ بكذا، قال سفيان: فقلت لعمرو [بن دينار]: إن أبا الزبير حدثنا عن جابر أنه قال: اقرأ (والشمس وضحاها) (والضحى) (والليل إذا يغشى) و (سبح اسم ربك الأعلى) فقال عمرو نحو هذا"، وفي رواية (٢) للبخاري أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ: "فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة". وفي رواية (٣) لأبي داود قال: فقال: "يا معاذ لا تكن فتاناً، فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة والمسافر".
أقول: لا يجيز فقهاء الحنفية ومن وافقهم أن يصلي المتنفل إماماً بالمفترض، وأجازه آخرون، وحمل فقهاء الحنفية هذا النص على أنه إما منسوخ وإما أن معاذاً وهو العالم الفقيه كان يصلي مع رسول الله ﷺ بنية النافلة، ويصلي فريضته إماماً بقومه.
قال في "إعلاء السنن": قال الشيخ ابن دقيق العيد في "شرح العمدة": اختلف الفقهاء في جواز اختلاف نية الإمام والمأموم على مذاهب، أوسعها الجواز مطلقاً، فيجوز أن يقتدي المفترض بالمتنفل وعكسه، والقاضي بالمؤدي وعكسه سواء اتفقت الصلاتان أم لا إلا أن
стр. 962
تختلف الأفعال الظاهرة، وهذا مذهب الشافعي رحمه الله تعالى. الثاني مقابله وهو أضيقها أنه لا يجوز اختلاف النيات حتى لا يصلي المتنفل خلف المفترض، والثالث أوسطها أنه يجوز اقتداء المتنفل بالمفترض لا عكسه، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك رحمهما الله، ومن نقل عن مذهب مالك مثل المذهب الثاني فليس بجيد فليعلم ذلك اهـ (٢: ٥٩). قلت أي صاحب الإعلاء وخير الأمور أوساطها. قال الزيلعي: وبقولنا قال أحمد ومالك اهـ (٢: ٥٢). وقال أحمد في رواية بما قال الشافعي: كذا في عمدة القارى (٢: ٧٧٣). واستدل الشافعي رحمه الله تعالى بما أخرجه البخاري ومسلم عن جابر "أن معاذاً كان يصلي مع رسول الله صلى الله علي وسلم عشاء الآخرة ثم يرجع إلى قومه، فيصلي بهم تلك الصلاة" لفظ مسلم. ولأصحابنا عنه أجوبة أحدها أن الاحتجاج به من باب ترك الإنكار من النبي ﷺ ، وشرط ذلك علمه بالواقعة، وجاز أن لا يكون علم بها، ويدل عليه ما رواه أحمد في مسنده عن معاذ بن رفاعة عن سليم رجل من بني سلمة "أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن معاذ بن جبل يأتينا بعد ما ننام، ونكون في أعمالنا بالنهار، فينادي بالصلاة فنخرج إليه، فيطول علينا، فقال له ﵇: "يا معاذ! لا تكن فتاناً، إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف على قومك"، فدل على أنه كان يفعل أحد الأمرين في علمه، ولم يكن يجمعهما، لأنه قال: "إما أن تصلي معي" أي ولا تصل بقومك، "وإما أن تخفف على قومك" أي ولا تصل معي. وقال الشيخ ابن تيمية في المنتقى: وقوله ﵇: "إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف عن قومك" ظاهر في منع اقتداء المفترض بالمتنفل، لنه يدل على أنه متى صلى معه امتنعت إمامته لقومه، وبالإجماع لا يمتنع إمامته بصلاة النفل معه، فعلم أنه أراد به صلاة الفرض، وأن الذي كان يصليه معه كان ينويه نفلاً، كذا في نصب الراية للزيلعي (٢: ٥٣).
وفي كلام الشيخ ابن تيمية إشارة إلى احتمال آخر هو أن يكون معاذ كان يجعل صلاته معه ﵇ نفلاً ليتعلم سنة القراءة، وأفعال الصلاة. وأجاب الحافظ في الفتح (٢/ ١٩٧) عن الاحتمال الأول بأن للمخالف أن يقول بل التقدير إما أن تصلي معي فقط إذا لم تخفف وإما أن تخفف بقومك فتصلي معي وهو أولى من التقدير الأول ورد العيني على
стр. 963
ابن حجر هذا الاحتمال اهـ ثم في الموضوع نقاش طويل انظره في (الفتح ٢/ ١٩٦ - ١٩٧)، (إعلاء السنن ٤/ ٢٥٧ - ٢٦٤).
وسئل أحمد عن رجل صلى في جماعة أيؤم بتلك الصلاة؟ قال: لا، ومن صلى خلفه يعيد، قيل له: فحديث معاذ؟ قال فيه اضطراب، إذا ثبت فله معنى دقيق لا يجوز مثله اليوم. (طبقات الحنابلة ص ٥٣ نقلاً عن نصب الراية ٢/ ٥٢).
وفي حديث الباب من الفوائد أيضاً استحباب تخفيف الصلاة مراعاة لحال المأمومين، وأما من قال لا يكره التطويل إذا علم رضاء المأمومين فيشكل عليه أن الإمام قد لا يعلم حال من يأتي فيأتم به بعد دخوله في الصلاة كما في حديث الباب، فعلى هذا يكره التطويل مطلقاً إلا إذا فرض في مصل بقوم محصورين راضين بالتطويل في مكان لا يدخله غيرهم. وفيه أن الحاجة من أمور الدنيا عذر في تخفيف الصلاة، وجواز خروج المأموم من الصلاة لعذر، وأما بغير عذر فاستدل به بعضهم وتعقب، وقال ابن المنير: لو كان كذلك لم يكن لأمر الأئمة بالتخفيف فائدة، وفيه نظر لأن فائدة الأمر بالتخفيف المحافظة على صلاة الجماعة، ولا ينافي ذلك جواز الصلاة منفرداً، وهذا كما استدل بعضهم بالقصة على وجوب صلاة الجماعة وفيه نحو هذا النظر. وفيه جواز صلاة المنفرد في المسجد الذي يصلي فيه بالجماعة إذا كان بعذر. وفيه الإنكار بلطف لوقوعه بصورة الاستفهام، ويؤخذ منه تعزير كل أحد بحسبه، والاكتفاء في التعزير بالقول، والإنكار في المكروهات، وأما تكراره ثلاثاً فللتأكيد، وقد تقدم في العلم أنه ﷺ كان يعيد الكلمة ثلاثاً لتفهم عنه. وفيه اعتذار من وقع منه خطأ في الظاهر، وجواز الوقوع في حق من وقع في محذور ظاهر وإن كان له عذر باطن للتنفير عن فعل ذلك، وأنه لا لوم على من فعل ذلك متأولاً، وأن التخلف عن الجماعة من صفة المنافق. اهـ.
١٥٧٦ - * روى مالك عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا
стр. 964
صلى أحدكم للناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء" وفي أخرى (١) "إذا صلى أحدكم للناس فليخفف، فإن في الناس الضعيف والسقيم وذا الحاجة" وفي أخرى (٢) بدل "السقيم": "الكبير" وفي أخرى (٣) "إذا أم أحدكم الناس فليخفف، فإن فيهم الصغير والكبير والضعيف والمريض، وإذا صلى وحده فليصل كيف شاء".
١٥٧٧ - * روى الشيخان عن أبي مسعود البدري ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا، فما رأيت النبي ﷺ غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ، فقال: "يا أيها الناس، إن منكم منفرين، فأيكم أم الناس فليوجز فإن من ورائه الكبير والصغير وذا الحاجة".
١٥٧٨ - * روى الطبراني عن الحارث بن سويد قال: كان عبد الله يقول تجوزوا في الصلاة فإن خلفكم الكبير ولاضعيف وذا الحاجة وكنا نصلي مع إمامنا الفجر وعلينا ثيابنا فيقرأ السورة من المائين ثم ننطلق إلى عبد الله فنجده في الصلاة.
١٥٧٩ - * روى أحمد عن أنس بن مالك قال: "لقد كنا نصلي مع رسول الله ﷺ صلاة لو صلاها أحدكم اليوم لعبتموها عليه".
стр. 965
١٥٨٠ - * روى أحمد عن عدي بن حاتم قال: "من أمنا فليتمم الركوع والسجود فإن فينا الضعيف والكبير والمريض والعابر سبيل وذا الحاجة هكذا كنا نصلي مع رسول الله ﷺ ".
١٥٨١ - * روى أحمد عن أبي واقد الكندي قال: كان رسول الله ﷺ أخف الناس صلاة بالناس وأطول الناس صلاة لنفسه".
١٥٨٢ - * روى أحمد عن ابن عمر ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ يأمرنا بالتخفيف، ويؤمنا بـ (الصافات) ".
١٥٨٣ - * روى أحمد عن مالك بن عبد الله قال: غزوت مع رسول الله ﷺ فلم أصل خلف إمام كان أوجز صلاة منه في تمام الركوع والسجود.
١٥٨٤ - * روى مسلم عن عثمان بن أبي العاص ﵁: أن رسول الله ﷺ قال له: "أم قومك، قال: قلت: يا رسول الله إني أجد في نفسي شيئاً، قال: ادنه، فأجلسني بين يديه، ثم وضع كفه في صدري بين ثديي، ثم قال: تحول، فوضعها في ظهري بين كتفي قال: أم قومك، فمن أم قوماً فليخفف، فإن فيهم الكبير، وإن فيهم المريض، وإن فيهم الضعيف، وإن فيهم ذا الحاجة، وإذا صلى أحدكم وحده فليصل كيف شاء".
стр. 966
وفي رواية (١) أبي داود والنسائي (٢) قال: "قلت: يا رسول الله، اجعلني إمام قومي، قال: "أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً".
١٥٨٥ - * روىلطبراني في الأوسط عن عثمان بن أبي العاص قال: قال لي رسول الله ﷺ حين بعثني إلى ثقيف تجوز في الصلاة يا عثمان وأم الناس بأضعفهم فإن فيهم الضعيف وذا الحاجة والحامل والمرض".
١٥٨٦ - * روى البزار عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال صليت خلف رسول الله ﷺ وخلف أبي بكر وخلف عمر وخلف عثمان وخلف علي ﵃ فلم يكن أحد منهم أخف صلاة من رسول الله ﷺ .
١٥٨٧ - * روى الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطيلها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي، مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه" وفي رواية (٣) قال: "كان رسول الله ﷺ يسمع بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة، فيقرأ بالسورة الخفيفة، أو بالسورة القصيرة" وفي رواية (٤): "وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف مخافة أن تفتتن أمه" وفي أخرى (٥) "ما صليت خلف أحد أوجز صلاة ولا أتم من رسول الله ﷺ ، وكانت صلاته متقاربة،
стр. 967
وصلاة أبي بكر متقاربة، فلما كان عمر مد في صلاة الصبح".
زاد عبد الرزاق من مرسل عطاء أو تتركه فيضيع. فتح (٢/ ٢٠٢).
قال في (الفيض ٣/ ١٧): قوله في بعض الطرق لمسلم كان يسمع بكاء الطفل مع أمه وفي معناه ما لو كان الصبي في بيت أمه وأمه في المسجد في الصلاة وهذا من كريم عوائده ومحاسن أخلاقه وشفقته على أمته (وكان بالمؤمنين رحيماً) وقد خصه الله من صفة الرحمة بأتمها وأعمها، وذكر الأم غالبي فإنه كان أرحم الناس بالصبيان فمثلها من قام مقامها كحاضنته أو أبيه مثلاً والقصد به بيان الرفق بالمقتدين وفيه إيذان بفرط رحمة المصطفى ﷺ وفيه أن الإمام إذا أحس بداخل وهو في ركوعه أو تشهده الأخير له انتظار لحوقه راكعاً ليدرك الركعة أو قاعداً ليدرك الجماعة لأنه إذا جاز له أن يقصر صلاته لحاجة غيره في أمر دنيوي فللعبادة أولى وفيه جواز صلاة النساء مع الرجال في المسجد وإدخال الصبيان وإن كان الأولى تنزيهه عنه والرفق بالمأموم والاتباع وإيثار تخفيف الصلاة لأمر حدث وإن كان الأفضل في تلك الصلاة التطويل كالصبح. اهـ.
١٥٨٨ - * روى البخاري عن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي، كراهية أن أشق على أمه".
الأمر بالسكينة والوقار في إتيان الصلاة.
١٥٨٩ - * روى الشيخان عن أبي قتادة ﵁ قال: "بينما نحن نصلي مع
стр. 968
رسول الله ﷺ إذ سمع جلبة رجال، فلما صلى قال: "ما شأنكم؟ قالوا: استعجلنا إلى الصلاة، قال: فلا تفعلوا، إذا أتيتم الصلاة، فعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا".
١٥٩٠ - * روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا" وفي رواية (١) قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وائتوها تمشون، وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا"، ولمسلم (٢) قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا ثوب بالصلاة، فلا يسع إليها أحدكم، ولكن ليمش وعليه السكينة والوقار، فصل ما أدركت، واقض ما سبقك" زاد في رواية (٣): "فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة".
١٥٩١ - * روى البخاري عن أبي قتادة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت، وعليكم بالسكينة".
- ماذا يفعل من دخل المسجد والإمام راكع:
١٥٩٢ - * روى البخاري عن أبي بكرة ﵁ "أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: زادك الله حرصاً،
стр. 969
ولا تعد"، وفي رواية (١) أبي دود "أنه دخل المسجد ورسول الله ﷺ راكع، قال: فركعت دون الصف، ومشيت إلى الصف، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قال: "أيكم الذي ركع دون الصف ثم مشى إلى الصف؟ قلت: أنا، قال: زادك الله حرصاً ولا تعد".
وفي حديث أبي بكرة دليل على أن إدراك الركعة بإدراك الركوع مع الإمام وكراهة صلاة المنفرد خلف الصف واستحباب دخول المسبوق مع الإمام على أي حال كان.
في سبل السلام: واختلف فيما إذا أدرك الإمام راكعاً، فيركع معه هل تسقط قراءة تلك الركعة عند من أوجب الفاتحة، فيعتد بها أو لا تسقط، فلا يعتد بها، فقيل: يعتد بها، لأنه قد أدرك الإمام قبل أن يقيم صلبه، وقيل: لا يعتد بها، لأنه فاتته الفاتحة، ورجح عندنا الإجزاء. اهـ (٢/ ٣٤).
أقول: بل لا يعتد بخلاف المخالف في هذا الأمر أما دلالة حديث أبي بكرة على كراهة الصلاة منفرداً لقوله: لا تعد أي لا تعد إلى الركوع دون الصف منفرداً والنهي محمول على التنزيه ولو كان للتحريم لأمر أبا بكرة بالإعادة وإنما نهاه عن العود إرشاداً إلى الأفضل وذهب أحمد وبعض الشافعية إلى التحريم لحديث وابصة أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد وفي رواية لابن خزيمة لا صلاة لمنفرد خلف الصف وأجاب الجمهور بأن المراد: لا صلاة كاملة. انظر (الإعلاء ٤/ ٢٩٩).
١٥٩٣ - * روى مالك عن مالك بن أنس ﵀ قال ك"كان ابن مسعود إذا أعجل يدب إلى الصف راكعاً، وزيد بن ثابت مثله".
١٥٩٤ - * روى الطبراني في الأوسط عن عطاء أنه سمع عبد الله بن الزبير على المنبر يقول: إذا دخل أحدكم المسجد والناس ركوع فليركع حين يدخل ثم يدب راكعاً حتى
стр. 970
يدخل في الصف فإن ذلك السنة، قال عطاء وقد رأيته يصنع ذلك، قال ابن جريج وقد رأيت عطاء يصنع ذلك.
أقول: من كان عالماً بكيفية الدبيب إلى الصف بحيث لا تكون خطواته متوالية بدون توقف ثم انطلاق بحيث لا يوالي ثلاث خطوات معاً فإن صلاته على شفا خطر ولذلك كان الأولى أن نأخذ بحديث أبي بكرة الذي فيه (زادك الله حرصاً ولا تعد) فليبق الإنسان ماشياً دون أن يدخل في الصلاة حتى يصل إلى الصف فيدخل في الصلاة وما فاته قضاه.
وقال في (الإعلاء ٤/ ٣١٠): لعل ابن الزبير لم يبلغه النهي عن ذلك وقد كان جائزاً قبل، فإن النهي لا يكون إلا بعد الإباحة فظن أن الحكم الأول باق وعزاه إلى السنة. اهـ.
- إقامة الصلاة إذا تأخر الإمام:
١٥٩٥ - * روى ابن خزيمة عن المغيرة بن شعبة أنه غزا مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك، قال المغيرة: فأقبلت معه حتى نجد الناس قد قدموا عبد الرحمن بن عوف، فصلى لهم، فأدرك رسول الله ﷺ إحدى الركعتين، فصلى مع الناس الركعة الأخيرة، فلما سلم عبد الرحمن قام رسول الله صلى الله عليه سولم يتم صلاته، فأفزع ذلك المسلمين فأكثروا التسبيح، فلما قضى النبي ﷺ صلاته، أقبل عليهم، ثم قال: "أحسنتم"، أو قال: "أصبتم". يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها.
قال ابن خزيمة: في الخبر دلالة على أن الصلاة إذا حضرت وكان الإمام الأعظم غائباً عن الناس، أو متخلفاً عنهم في سفر، فجائز للرعية أن يقدموا رجلاً منهم يؤمهم، إذ النبي ﷺ قد حسن فعل القوم أو صوبه، إذ صلوا الصلاة لوقتها بتقديمهم عبد الرحمن بن عوف ليؤمهم، ولمي أمرهم بانتظار النبي ﷺ . فأما إذا كان الإمام الأعظم حاضراً، فغير جائز أن يؤمهم أحد بغير إذنه، لأن النبي ﷺ قد زجر عن أن يؤم السلطان بغير أمره.
стр. 971
- وجوب متابعة الإمام:
١٥٩٦ - * روى ابن خزيمة عن أنس بن مالك، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم فلما انصرف من الصلاة، أقبل إلينا بوجهه، فقال: "أيها الناس إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود، ولا بالقيام ولا بالقعود، ولا بالانصراف، وإني أراكم خلفي، وأيم الذي نفسي بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً". قال، قلنا: يا رسول الله ﷺ وما رأيت؟ قال: "رأيت الجنة والنار".
١٥٩٧ - * روى مسلم عن حطان بن عبد الله الرقاشي قال: "صليت مع أبي موسى الأشعري صلاة، فلما كان عند القعدة قال رجل من القوم: أقرت الصلاة بالبر والزكاة؟ قال: فلما قضى أبو موسى الصلاة وسلم، انصرف فقال: أيكم القائل كلمة كذا وكذا؟ قال: فأرم القوم، ثم قال: أيكم القائل كلمة كذا وكذا؟ فأرم القوم، فقال: لعلك يا حطان قلتها؟ قال: ما قلتها، ولقد رهبت أن تبكعني بها، فقال رجل من القوم: أنا قلتها، ولم أرد بها إلا الخير، فقال أبو موسى: أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم؟ إن رسول الله ﷺ خطبنا فبين لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا، فقال: "إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا" .. وفي رواية (٣): "فإذا قرأ فأنصتوا" .. وإذا قال: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فقولوا: آمين: يجبكم الله، فإذا كبر وركع فكبروا واركعوا، فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم: فقال رسول الله ﷺ : "فتلك بتلك"، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد: يسمع الله لكم، فإن الله ﵎ قال على لسان نبيه ﷺ : "سمع الله لمن حمده"، وإذا كبر وسجد، فكبروا واسجدوا، فإن الإمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم، فقال رسول الله ﷺ : "فتلك بتلك"، وإذا كان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم: التحيات، الطيبات، الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى
стр. 972
عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله". وفي رواية (١) النسائي قال: "صلى بنا أبو موسى، فلما كان في القعدة دخل رجل من القوم، فقال: أقرت الصلاة بالبر والزكاة؟ فلما سلم أبو موسى أقبل على القوم، فقال: أيكم القائل هذه الكلمة؟. وذكر نحو رواية مسلم.
أقول: الكلمة هذه التي قالها الرجل في النص كلمة خارجة عن أفعال الصلاة وأذكارها وما يجوز فيها، ولذلك فإنها تبطل الصلاة وعلى صاحبها أن يعيد الصلاة وكل من قال كلاماً خارجاً عن أعمال الصلاة فإن صلاته تبطل بذلك حتى قال الحنفية ومن وافقهم من تنحنح بدون عذر فخرج معه حرفان أثناء التنحنح فإن صلاته تبطل بذلك، وبعض العلماء توسع في مثل التنحنح، ولكن الاحتياط أن يحفظ الإنسان صلاته عن كل كلام خارج عن ماهية الصلاة كأن يحفزه النفس فيقول: (آه) أو (إه) أو (هيه) أو غير ذلك، كي تكون صلاته مقبولة بإجماع الأئمة، لكن الشافعية أجازوا الكليمات اليسيرة للجاهل والناسي. انظر (المهذب ١/ ٨٧).
١٥٩٨ - * روى الشيخان عن أنس بن مالك ﵁ قال: "سقط رسول الله
стр. 973
صلى الله عليه وسلم عن فرس فجحش شقه الأيمن، فدخلنا عليه نعوده، فحضرت الصلاة، فصلى بنا قاعداً، فصلينا وراءه قعوداً، فلما قضى الصلاة قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعون" زاد بعض (١) الرواة "وإذا صلى قائماً فصلوا قياماً".
قال الحميدي: ومعاني سائر الروايات متقاربة. قال: وزاد في كتاب البخاري قوله: "إذا صلى جالساً فصلوا جلوساً" هو في مرضه القديم، وقد صلى في مرضه الذي مات فيه جالساً، والناس خلفه قيام، لم يأمرهم بالقعود، وإنما نأخذ بالآخر فالآخر من أمر النبي ﷺ .
قال في (إعلاء السنن): الأمر بجلوس القوم بجلوس الإمام منسوخ، هذا هو قول أبي حنيفة، والشافعي، وجمهور السلف أنه لا يجوز للقادر على القيام أن يصلي خلف القاعد إلا قائماً كذا في شرح مسلم للنووي (١: ١٧٧).
وذهب أحمد وإسحاق والأوزاعي وابن المنذر، وداود وبقية أهل الظاهر إلى أن المأموم يتابع الإمام في الصلاة قاعداً وإن لم يكن المأموم معذوراً، وتمسكوا بما مر في قصة صلاته ﷺ حيث سقط عن الفرس، وبما روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن قيس بن فهد (٢) الأنصاري أن إمامهم اشتكى على عهد رسول الله ﷺ قال: فكان يؤمنا وهو جالس، ونحن جلوس، وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن أسيد بن حضير ﵁ أنه كان يؤم قومه، فاشتكى فخرج إليهم بعد شكواه، فأمروا أن يصلي بهم، فقال: إني لا أستطيع ان أصلي قائماً، فاقعدوا، فصلى بهم قاعداً وهم قعود اهـ وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن جابر أنه اشتكى، فحضرت الصلاة، فصلى بهم جالساً، وصلوا معه جلوساً، وعن أبي هريرة أنه أفتى بذلك، وإسناده صحيح أيضاً ذكر كله الحافظ في الفتح (٢) وقال: وقد ادعى ابن حبان الإجماع على العمل به، وكأنه أراد السكوتي، لأنه حكاه عن اربعة من الصحابة
стр. 974
الذين تقدم ذكرهم، وقال: إنه لا يحفظ عن أحد من الصحابة غيرهم، القول بخلافه لا من طريق صحيح ولا ضعيف، وكذا قال ابن حزم: أنه لا يحفظ عن أحد من الصحابة خلاف ذلك اهـ.
والجواب عنه ما قال الإمام الشافعي كما في الاعتبار للحازمي: بأنه محمول على أنه لم يبلغهم النسخ، وعلم الخاصة يوجد عند بعض، ويغرب عن بعض اهـ (١١٣) وأما دعوى ابن حبان الإجماع على ذلك، فقد حكى الخطابي في المعالم، والقاضي عياض عن أكثر الفقهاء خلافه، وحكى النووي عن جمهور السلف خلاف ما حكى ابن حزم (وابن حبان) عنهم، وحكاه ابن دقيق العيد عن أكثر الفقهاء المشهورين، وقال الحازمي في الاعتبار ما لفظه: وقال أكثر أهل العلم: يصلون قياماً، ولا يتابعون الإمام في الجلوس كذا في "النيل" وقال الحافظ في الفتح تحت حديث عائشة الذي سيرد في موضوع صلاة الإمام قاعداً- واستدل به على نسخ الأمر بصلاة المأموم قاعداً إذا صلى الإمام قاعداً لكونه ﷺ أقر الصحابة على القيام خلفه وهو قاعد، هكذا قرره الشافعي، وبذلك يقول أبو حنيفة وأبو يوسف والأوزاعي. وحكاه الوليد بن مسلم عن مالك، وأنكر أحمد نسخ الأمر المذكور بذلك، وجمع بين الحديثين بتنزيلهما على حالتين إحداهما إذا ابتدأ الإمام الراتب الصلوة قاعداً لمرض يرجى برؤه، فحينئذ يصلون خلفه قعوداً، وثانيتهما إذا ابتدأ الإمام الراتب قائماً لزم المأمومين أن يصلوا خلفه قياماً اهـ.
وقد نوقش في ذلك انظر (الإعلاء ٤/ ٢٣٩ - ٢٤٢).
١٥٩٩ - * روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا تلا (غير المغضوب عليهم، ولا الضالين) قال: "آمين"، حتى يسمع من يليه من الصف الأول".
стр. 975
قال في (الإعلاء ٢/ ٢١١): في حديث أبي هريرة "إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم" إلخ. دلالة الحديث على قول المأموم "آمين" بعد قول الإمام "ولا الضالين" ظاهرة، ويستفاد منه الإمام يخفي بها لأن تأمين الإمام لو كان مشروعاً بالجهر لما علق النبي ﷺ تأمينهم بقوله: "ولا الضالين" بل علق بقوله "آمين". فإن قلت: قد جاء في الحديث "إذا أمن الإمام فأمنوا" وفيه علق تأمين المأمومين بتأمينه إلا أن يسمعوا. قلت: أجاب عنه في "التعليق الحسن" بأن الجمهور حملوا قوله إذا آمن على المجاز للجمع بينه وبين قوله ﷺ : إذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين، قالوا: بأن المراد إذا أراد التأمين وهذا كما قال الله تعالى (إذا قمتم إلى الصلاة) أي إذا أردتم إقامة الصلاة. قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": قالوا فالجمع بين الروايتين يقتضي حمل قوله إذا أمن على المجاز اهـ. وقال السيوطي في "تنوير الحوالك": والجمهور على القول الأخير لكن أولوا قوله إذا أمن على أن المراد إذا أراد التأمين ليقع تأمين الإمام والمأموم معاً فإنه يستحب فيه المقارنة. قلت: فإذا كان معناه إذا أراد التأمين لا يستفاد منه الجهر بالتأمين للإمام اهـ (١ - ٩١). وفي "الجوهر النقي" (١ - ١٣٢): ذكر ذلك (الحديث) شارح "العمدة" (يعني العلامة ابن دقيق العيد الشافعي) أنه يدل على أن الإمام يؤمن ثم قال: دلالته على الجهر أضعف من دلالته على نفس التأمين قليلاً لأنه قد يدل دليل على تأمين الإمام من غير جهر اهـ.
١٦٠٠ - * روى الترمذي عن علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدكم الصلاة والإمام على حال، فليصنع كما يصنع الإمام".
١٦٠١ - * روى أبو داود عن معاوية بن أبي سفيان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تبادروني بركوع ولا بسجود، فإني مهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني
стр. 976
به إذا رفعت، إني قد بدنت". في رواية (١) للنسائي عن أبي هريرة: "وإذا قرأ- الإمام- فأنصتوا".
١٦٠٢ - * روى الطبراني عن أبي الأحوص أن ابن مسعود قال: إذا كنت خلف الإمام فلا تركع حتى يركع ولا تسجد حتى يسجد ولا ترفع رأسك قبله وإذا فرغ الإمام ولم يقم ولم ينحرف وكانت لك حاجة فاذهب ودعه فقد تمت صلاتك".
١٦٠٣ - * روى البزار عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "الذي يخفض ويرفع قبل الإمام إنما ناصيته بيد شيطان".
١٦٠٤ - * روى الستة عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أما يخشى أحدكم- أو ألا يخشى أحدكم- إذا رفع رأسه من ركوع أو سجود قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار؟ ".
١٦٠٥ - * روى الشيخان عن البراء بن عازب ﵁ قال: "كنا نصلي خلف
стр. 977
النبي ﷺ ، فإذا قال: سمع الله لمن حمده، لم يحن أحد منا ظهره حتى يضع النبي ﷺ جبهته على الأرض". ولمسلم (١) قال: "كنا مع النبي ﷺ لا يحني أحد منا ظهره حتى نراه قد سجد" زاد في رواية (٢) "ثم نخر من ورائه سجداً" وفي رواية (٣) أبي داود "أنهم كانوا إذا رفعوا رؤوسهم من الركوع مع رسول الله ﷺ قاموا قياماً، فإذا رأوه قد سجد سجدوا" وفي أخرى (٤) له "أنهم كانوا يصلون مع رسول الله ﷺ ، فإذا ركع ركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، لم نزل قياماً حتى نراه قد وضع جبهته بالأرض، ثم يتبعونه" وفي أخرى (٥) له "كنا نصلي مع النبي ﷺ ، فلا يحنو أحد منا ظهره حتى نرى النبي ﷺ يضع".
١٦٠٦ - * روى مسلم عن مرو بن حريث ﵁ قال: "صليت خلف رسول الله ﷺ الفجر، فسمعته يقرأ: (فلا أقسم بالخنس، الجوار الكنس) وكان لا يحني رجل منا ظهره حتى يستتم ساجداً".
- الفتح على الإمام:
١٦٠٧ - * روى النسائي عن شبيب بن نعيم أبي روح: عن رجل من أصحاب النبي ﷺ عن النبي ﷺ "أنه صلى صلاة الصبح، فقرأ (الروم) فالتبس عليه، فلما صلى قال: "ما بال أقوام يصلون معنا، لا يحسنون الطهور؟ وإنما يلبس علينا القرآن أولئك"".
стр. 978
أقول: هذا دليل على أن نقص حال مسلم يؤثر على من سواه، فإذا كان هذا في الصلاة فغيرها يقاس عليها، ومن ههنا كان على المسلمين أن يبذلوا جهداً في أن يكمل بعضهم بعضاً، وأن على المتآخين في الله أني بذلوا جهداً لتكميل أنفسهم وتكميل بعضهم وتكميل غيرهم، فإذا لم يفعلوا تأثر الجميع بجريرة البعض.
١٦٠٨ - * روى أبو داود عن المسور بن يزيد المالكي ﵁ أن رسول الله ﷺ وربما قال: شهدت رسول الله ﷺ يقرأ في الصلاة، فيترك شيئاً لم يقرأه، فقال له رجل: يا رسول الله، تركت آية كذا وكذا، قال: "فهلا أذكرتنيها؟ ". زاد في رواية (٢) قال: "كنت أرى أنها نسخت".
أقول: هذا دليل على أنه يجوز لمن كان وراء الإمام أن يصحح له أو يذكره أو يفتح عليه إذا نسي إلا أنه يستحب للإمام إذا نسي ألا يحوج المأمومين إلى الفتح عليه وذلك إما بأن ينتقل إلى سورة أخرى أو بأن يركع، ولا حرج على المأمومين لو أنهم سكتوا إذا نسي الإمام آية فانتقل إلى ما بعدها إذا لم يكن ذلك مؤثراً على المعنى، وكذلك لا حرج عليهم إذا لم يصوبوا خطأه إذا لم يكن ذلك مؤثراً على صحة الصلاة.
١٦٠٩ - * روى أبو داود عن عبد الله بن عمر ﵄ "أن النبي ﷺ صلى صلاة، فقرأ فيها، فلبس عليه، فلما انصرف قال لأبي: "أصليت معنا؟ قال: نعم، قال: فما منعك".
والحديثان يدلان على مشروعية الفتح على الإمام، قال الحافظ ابن حجر: وقد صح عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: قال علي: إذا استطعمك الإمام فأطعمه.
١٦١٠ - * روى الطبراني عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ صلى صلاة فالتبس عليه فيها
стр. 979
فلما انصرف قال لأبي بن كعب "أصليت معنا قال نعم قال فما منعك أن تفتح علي".
- القراءة خلف الإمام:
١٦١١ - * روى الطبراني عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: "من قرأ خلف الإمام فليقرأ بفاتحة الكتاب".
أقول: القراءة وراء الإمام بفاتحة الكتاب قضية خلافية، وقد تعرضنا إليها من قبل.
١٦١٢ - * روى الطبراني عن حميد بن هلال قال جاء هشام بن عامر إلى الصلاة فأسرع المشي فدخل في الصلاة وقد حفزه النفس فجهر بالقراءة خلف الإمام فلما قضى صلاته قيل له أتقرأ خلف الإمام قال إنا لنفعل.
أقول: في قولهم (أتقرأ خلف الإمام): دليل على أن الشائعة المعروفة بين الصحابة عدم القراءة وراء الإمام، ولذلك أنكروا على هشام بن عامر فعله. وفي إجابته ما يدل على أنه منذ الصدر الأول كان يرى بعضهم القراءة وراء الإمام، فالخلاف في هذا الموضوع مستمر منذ عصر الصحابة.
١٦١٣ - * روى مالك عن جابر ﵁ قال: "من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فلم يصل، إلا أن يكون وراء الإمام".
١٦١٤ - * روى أبو يعلى عن أنس أن رسول الله ﷺ صلى بأصحابه فلما قضى صلاته
стр. 980
أقبل عليهم بوجهه فقال: "أتقرؤون في صلاتكم خلف الإمام والإمام يقرأ؟ " فسكتوا قالها ثلاث مرات. فقال قائل: أو قال قائلون: إنا لنفعل قال "فلا تفعلوا ليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه".
أقول: فسر الذين لا يرون القراءة وراء الإمام القراءة بالنفس أي بالقلب وذلك في غير الصلاة الجهرية والقراءة بالقلب لا تعتبر قراءة.
١٦١٥ - * روى أحمد عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : "لعلكم تقرؤون والإمام يقرأ" قالها ثلاثاً قالوا إنا لنفعل ذلك قال "فلا تفعلوا إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه".
١٦١٦ - * روى أحمد عن عبد الله بن بحينة وكان من أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: "هل قرأ أحد منكم معي آنفاً؟ قالوا: نعم قال: إني أقول مالي أنازع القرآن". فانتهى الناس عن القراءة معه حين قال ذلك.
١٦١٧ - * روى أحمد عن عبد الله بن مسعود قال كانوا يقرؤون خلف النبي ﷺ فقال خلطتم علي القرآن.
١٦١٨ - * روى الطبراني عن أبي وائل قال جاء رجل إلى ابن مسعود فقال أقرأ خلف الإمام؟ قال: أنصت للقرآن فإن في الصلاة شغلا وسيكفيك ذلك الإمام.
стр. 981
١٦١٩ - * روى النسائي عن أبي الدرداء ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ : أفي كل صلاة قراءة؟ قال: "نعم".
قال رجل من الأنصار: وجبت هذه، فالتفت إلي وكنت أقرب القوم منه، فقال: "ما أرى الإمام إذا أم القوم إلا قد كفاهم" قال النسائي: هذا عن رسول الله ﷺ خطأ، إنما هو قول أبي الدرداء.
١٦٢٠ - * روى أبو داود عن عبادة بن الصامت ﵁، قال نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري: "أبطأ عبادة بن الصامت عن صلاة الصبح، فأقام أبو نعيم المؤذن الصلاة، فصلى أبو نعيم بالناس، وأقبل عبادة بن الصامت وأنا معه، حتى صففنا خلف أبي نعيم وأبو نعيم يجهر بالقراءة، فجعل عبادة يقرأ بـ (أم القرآن)، فلما انصرف قلت لعبادة: سمعتك تقرأ بـ (أم القرآن) وابو نعيم يجهر؟ قال: أجل، صلى بنا النبي بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة، قال: فالتبست عليه القراءة، فلما انصرف أقبل علينا بوجهه، وقال: هل تقرؤون إذا جهرت بالقراءة؟ فقال بعضنا: إنا لنصنع ذلك، قال: فلا تفعلوا، وأنا أقول: مالي أنازع القرآن؟ فلا تقرؤون بشيء من القرآن إذا جهرت إلا بـ (أم القرآن) "، وفي رواية الترمذي (٣) وأبي داود (٤) قال: صلى رسول الله ﷺ الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: إني أراكم تقرؤون وراء إمامكم، قال: قلنا: يا رسول الله، إي والله، قال: فلا تفعلوا، إلا بـ (أم القرآن) فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" وفي رواية النسائي (٥) قال: صلى رسول الله ﷺ بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة، فقال: "لا يقرأن أحد منكم إذا جهرت بالقراءة إلا بـ (أم القرآن) ".
стр. 982
١٦٢١ - * روى مالك عن أبي هريرة ﵁ "أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ معي أحد منكم آنفاً؟ فقال رجل: نعم، فقال رسول الله ﷺ : أنا أقول: مالي أنازع القرآن؟ قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما يجهر فيه حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ "، وفي أخرى (٢) لأبي داود قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة- نظن أنها الصبح- بمعناه- إلى قوله: مالي أنازع القرآن؟ " قال أبو داود: قال معمر: "فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر به رسول الله ﷺ " وفي أخرى (٣) قال أبو هريرة: "فانتهى الناس". وفي أخرى (٤): أن قوله: "فانتهى الناس" من كلام الزهري.
أقول: أخذ بعض الفقهاء بهذه الرواية فلم يروا القراءة وراء الإمام فيما يجهر به الإمام ورأوا القراءة وراءه فيما يسر به الإمام، والأمر واسع، وما دام الإنسان على مذهب إمام من أئمة الاجتهاد، فهو على خير، ولكن عليه أن يتفقه في مذهبه لأن هناك دقائق في فقه المذاهب لا تعرف إلا من خلال التفقه الجيد في المذهب.
١٦٢٢ - * روى مسلم عن عمران بن حصين ﵁ "أن النبي ﷺ صلى الظهر، فجعل رجل يقرأ خلفه بـ (سبح اسم ربك) فلما انصرف قال: أيكم قرأ، أو أيكم القارئ؟ قال رجل: أنا، فقال: قد ظننت أن بعضكم خالجنيها" وفي رواية (٦):
стр. 983
صلاة الظهر- أو العصر- بالشك"، وفي رواية أبي داود (١) والنسائي (٢) قال: قد عرفت أن بعضكم خالجنيها.
أقول: هذا النص دليل لمن ذهب إلى أنه لا قراءة وراء الإمام في سرية ولا جهرية. ومن قال بالقراءة قال هذا نهي عما سوى الفاتحة أو نهي عن التشويش في القراءة.
١٦٢٣ - * روى مالك عن عبد الله بن عمر ﵄ "كان إذا سئل: هل يقرأ أحد خلف الإمام؟ قال: إذا صلى أحدكم خلف الإمام فحسبه قراءة الإمام، وإذا صلى وحده فليقرأ، قال: وكان ابن عمر لا يقرأ خلف الإمام".
أقول: إنما أوردنا هذه النصوص والآثار ههنا في القراءة خلف الإمام استكمالاً لأبحاث أحكام الإمام والمأموم وكنا قد تعرضنا لهذا الموضوع في الباب الثالث في أركان الصلاة وأفعالها في مبحث القراءة باستيفاء أشمل.
- التأمين خلف الإمام:
١٦٢٤ - * روى الترمذي عن وائل بن حجر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ "قرأ: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فقال: آمين، ومد بها صوته- وفي رواية (٣): وخفض بها صوته". وفي رواية (٤) أبي داود "كان رسول الله ﷺ إذا قرأ (ولا الضالين) قال: آمين: ورفع بها صوته". وفي رواية (٥) "أنه صلى خلف رسول الله ﷺ فجهر بآمين، وسلم عن يمينه، وعن شماله، حتى رأيت بياض خده".
وقد تكلم العلماء على رواية وخفض بها صوته قال في (الإعلاء ٢/ ٢١٦): قال
стр. 984
الدارقطني: هكذا قال شعبة وأخفى بها صوته ويقال إنه وهم فيه لأن سفيان الثوري ومحمد بن سلمة بن كهيل رووه عن سلمة فقالوا ورفع بها صوته وهو الصواب اهـ. وطعن صاحب "التنقيح" في حديث شعبة هذا بأنه قد روي عنه خلافه كما أخرجه البيهقي في "سننه" عن أبي الوليد الطيالسي ثنا شعبة عن سلمة بن كهيل سمعت حجراً أبا عنبس يحدث عن وائل الحضرمي "أنه صلى خلف النبي ﷺ فلما قال: ولا الضالين قال: آمين رافعاً بها صوته". قال: فهذه الرواية توافق رواية سفيان. وقال البيهقي في "المعرفة": إسناد هذه الرواية صحيح وكان شعبة يقول سفيان أحفظ، وقال يحيى القطان ويحيى بن معين إذا خالف شعبة سفيان فالقول قول سفيان. قال: وقد أجمع الحفاظ البخاري وغيره على أن شعبة أخطأ فقد روى من غير أوجه فجهر بها انتهى.
ثم قال في (الإعلاء ٢/ ٢١٩) بعد كلام طويل: فنقول: حديث الخفض عندنا أرجح رواية ودراية أما بحسب الرواية فلكون شعبة أحفظ من سفيان وأبعد من التدليس وهو أمير المؤمنين في الحديث، وأما بحسب الدراية فلأن آمين دعاء والأصل في الدعاء الإخفاء، قال تعالى: (ادعوا ربكم تضرعاً وخفية) وقال البخاري في "صحيحه" وقال عطاء: آمين دعاء اهـ.
ثم قال: قال الطبري: وروي ذلك عن ابن مسعود ﵁ وروي عن النخعي والشعبي وإبراهيم التيمي: كانوا يخفون "بآمين" والصواب أن الخبرين بالجهر والمخافتة صحيحان وعمل بكل من فعليه جماعة من العلماء وإن كنت مختاراً خفض الصوت بها إذ كان أكثر الصحابة والتابعين ﵃ على ذلك اهـ. فتلك وجوه تقتضي ترجيح حديث شعبة من حيث الدراية. وحديث سفيان بلفظ "مد بها صوته" عندنا محمول على أنه تكلم بها على لغة المد دون القصر من جهة اللفظ لأن مذهب سفيان الثوري خفض الصوت بآمين دون الجهر بها، وما قال بعضهم أن رواية من قال "رفع بها صوته" تبعد هذا الاحتمال اهـ ففيه أن هذه الروايات كلها لا يخلو من كلام كما سنبين ذلك ولو سلم صحتها فهي محمولة على أن الجهر كان تعليماً للمأمومين كما جهر عمر بن الخطاب ﵁ بالثناء عند الافتتاح تارة وأبو هريرة بالتعوذ أورد في (الإعلاء ٢/ ٢٢٠ - ٢٢٣) أدلة من قال بالجهر
стр. 985
بالتأمين وناقشها جميعاً فانظره.
١٦٢٥ - * روى أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين فإن الملائكة تقول آمين وإن الإمام يقول آمين فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه".
قال في "إعلاء السنن": فيه قوله ﷺ : "وإن الإمام يقول آمين". قلت: فيه دلالة ظاهرة على الإخفاء بآمين للإمام وإلا لم يحتج إلى إظهار فعله بقوله وإن الإمام يقول آمين كما يخفي. قلت: وفي قوله ﷺ "إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم" إلخ. دلالة على أن المأموم لا يقرأ الفاتحة وإلا كان الأنسب أن يقول: إذا قال أحدكم غير المغضوب عليهم إلخ. واورد عليه الحافظ في "الفتح" بأنه قد يدل على أن المأموم لا يقرأ الفاتحة حال قراءة الإمام لها لا أنه لا يقرؤها أصلاً اهـ. قلت: وفيه ما فيه فتأمل. وقال: الأمر في قوله "فأمنوا" للندب عند الجمهور صرح به الحافظ في "الفتح" وثبتت السنية بمواظبته ﷺ عليها ودليل المواظبة مرسل ابن شهاب ومراسيله وإن كانت ضعيفة ولكنه اعتضد بالموصول.
١٦٢٦ - * روى أبو داود عن بلال بن رباح ﵁ قال "يا رسول الله لا تسبقني بآمين".
استمهل بلال الرسول ﷺ في التأمين ليوافق تأمينه تأمين رسول الله ﷺ حتى ينال