← Общие книги

Общие книги · id 1833

عدالة الصحابة رضى الله عنهم ودفع الشبهات

عماد السيد محمد إسماعيل الشربينى

Полный текст (143 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وصدقت أم المؤمنين عائشة ﵄ ما كَانَ خُلُق أَبْغضَ إلى أصحاب رسول الله ﷺ من الكذب (١) . ... وعلى هذا: فإذا ورد على لسان أحد من الصحابة نفى ما رواه نظيره، أو قوله فى مثيله: كذب فلان ...، أو نحو هذا من العبارات، فالمراد به أنه أخطأ أو نسى؛ لأن الكذب عند أهل السنة هو الإخبار عن الشئ بخلاف ما هو عليه عمداً أو نسياناً أو خطأ، ولكن الإثم يختص بالعامد، كما جاء فى الحديث: " من كذب علىَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار " (٢) . قال الإمام النووى (٣) : بعد تعريفه للكذب عند أهل السنة: "وقالت المعتزلة، شرطة العمدية ودليل خطاب هذه الأحاديث لنا، فإن قيده ﵇ بالعمد، لكونه قد يكون عمداً، وقد يكون سهواً، مع أن الإجماع والنصوص المشهورة فى الكتاب والسنة متوافقة متظاهرة على أنه لا إثم على الناسى والغالط، فلو أطلق ﷺ الكذب لتوهم أنه يأثم الناسى أيضاً فقيده وأما الروايات المطلقة، فمحمولة على المقيدة بالعمد (٤) . أ. هـ.

стр. 72

الرد على زعم أعداء السنة المطهرة بأن لفظة "متعمداً" فى حديث "من كذب علىّ" مختلقة: زعم أعداء السنة بأن لفظة "متعمداً" مختلقة، وأدرجها العلماء ليسوغوا بها، وضع الحديث على رسول الله ﷺ حسبة من غير عمد، كما كان يفعل الصالحون من المؤمنين ويقولون "نحن نكذب له لا عليه " أو يتكئ عليها الرواة فيما يروونه عن غيرهم على سبيل الخطأ، أو الوهم أو سوء الفهم ... إلخ" (١) . ... الجواب: هذا زعم كله كذب لأن " لفظة متعمداً " أخرجها البخارى فى صحيحه فى أكثر رواياته (٢) ،واتفق معه الإمام مسلم فى تخريجها فى صحيحه (٣) . وأفاض الحافظ ابن حجر فى بيان ثبوتها (٤) ، ورغم ذلك يكذب محمود أبو رية بذكره للبخارى وابن حجر ضمن من لا يثبتون هذه الزيادة (٥) .

стр. 73

يقول فضيلة الدكتور محمد أبو شهبة: ولا أحد يدرى - كيف يجتمع الوضع حسبة مع عدم التعمد؟ إن معنى الحسبة أن يقصد الواضع وجه الله، وثوابه، وخدمة الشريعة – على حسب زعمه – بالترغيب فى فعل الخير والفضائل، وهم قوم من جهلة الصوفية، والكرامية، جوزوا الوضع فى الترغيب والترهيب، وربما تمسكوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (١) . وقوله ﷺ "من كذب علىَّ ليضل به الناس" (٢) . فكيف يجامع قصد الوضع، عدم التعمد؟! وتفسير الحسبة بأنها عن غير عمد غير مقبول ولا مسلم. ثم إن رفع إثم الخطأ أو السهو ليس بهذه الكلمة، وإنما ثبت بأدلة أخرى، وقد تقرر فى الشريعة أنه لا إثم على المخطئ والناسى، ما لم يكن بتقصير منه فذكر الكلمة لا يفيد هؤلاء الرواة شيئاً ما دام هذا أمراً مقرراً.

стр. 74

و السر فى ذكرها أن الحديث لما رتب وعيداً شديداً على الكاذب، والمخطئ، والساهى، والناسى، لا إثم عليهم، كان من الدقة والحيطة فى التعبير التقييد بالعمد، وذلك لرفع توهم الإثم على المخطئ والغالط والناسى، وهو ما نقله الإمام النووى عن مذهب أهل السنة والمعتزلة أيضاً. على أن أئمة الحديث وإن قالوا برفع الإثم عن المخطئ، والناسى، والغالط، فقد جعلوا ما ألحق بالحديث غلطاً، أو سهوا ً، أو خطأً، من قبيل الشبيه بالموضوع فى كونه كذباً فى نسبته إلى الرسول ﷺ ، ولا تحل روايته إلا مقروناً ببيان أمره، وإلى هذا ذهب الأئمة، الخليلى، وابن الصلاح، والعراقى، وغيرهم، وقد اعتبره بعض أئمة الجرح - كابن معين، وابن أبى حاتم - من قبيل الموضوع المختلق، وذهب بعض الأئمة إلى أنه من قبيل المدرج، ومهما يكن من شئ فقد جعلوا هذا النوع من الغلط أو الوهم مما يطعن فى عدالة الراوى وضبطه (١) أ. هـ. ... فأين هذا الذى يقرره الجهابذة من المحدثين مما يزعمه الأفاكون أمثال محمود أبو رية، فى قوله كلمة "متعمداً" "يتكئ عليها الرواة فيما يروونه عن غيرهم على سبيل الخطأ، أو الوهم أو سوء الفهم ... إلخ"؟!! .

стр. 75

يقول الشيخ المعلمى اليمانى: "ولا يتوهمن أحد أن كلمة "متعمداً" تخرج من حدث جازماً وهو شاك، كلا فإن هذا متعمد بالإجماع، ولا نعلم أحداً من الناس حتى من أهل الجهل والضلالة زعم أن كلمة "متعمداً" تخرج هذا، وإنما وجد من أهل الجهل والضلال من تشبث بكلمة " علىَّ " فقال: نحن نكذب له لا عليه. فلو شكك محمود أبو ريه، ومن قال بقوله، فى كلمة " علىَّ " لكان أقرب (١) .أهـ والله ﵎ أعلى وأعلم المبحث الخامس: سنة الصحابة ﵃ حجة شرعية ... إذا كان أعداء الإسلام يشككون فى عدالة الصحابة ﵃ فهم أيضاً يشككون فى سنتهم، وسنة الخلفاء الراشدين. يقول محمد شحرور (٢) : "فإذا سألنى سائل الآن ألا يسعك ما وسع الصحابة فى فهم القرآن؟ فجوابى بكل جرأة ويقين هو: كلا لا يسعنى ما وسعهم، لأن أرضيتى العلمية تختلف عن أرضيتهم، ومناهج البحث العلمى عندى تختلف عنهم، وأعيش فى عصر مختلف تماماً عن عصرهم والتحديات التى أواجهها تختلف عن تحدياتهم " (٣) .

стр. 76

.. والحق أن هذا كلام من يرى الشريعة الإسلامية قرأناً وسنة غير صالحة لكل زمان ومكان، فكلامه هو وغيره من أعداء السنة المطهرة فى سنة الصحابة لا قيمة له. لأن سنة الصحابة وهى ما جاء عنهم من قول أو فعل أو تقرير إذا كان مما لا يقال من قبل الرأى، ومما لا مجال للإجتهاد فيه، فله حكم المرفوع المسند تحسيناً للظن بهم، وجزم بذلك الرازى فى المحصول، وغير واحد من أئمة الأصول والحديث (١) . وإذا كانت سنتهم فى غير ذلك، فقد اختلف العلماء فى ذلك. والراجح من هذا الخلاف (٢) : أن سنتهم كسنة الرسول يعمل بها ، ويرجع إليها، وانتصر لهذا الرأى غير واحد من أئمة الأصول، منهم الشاطبى ﵀ فبعد أن ذكر الآيات والأحاديث الدالة على عدالتهم قال: "فيصح أن يطلق على الصحابة أنهم خير أمة بإطلاق، وأنهم وسط أى عدول بإطلاق، وإذا كان كذلك فقولهم معتبر، وعملهم مقتدى به. ثم استدل الشاطبى لما رجح بأدلة منها:

стр. 77

١- ما جاء فى الحديث من الأمر باتباعهم، وأن سنتهم فى طلب الإتباع كسنة النبى ﷺ لقوله ﷺ : " فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ " (١) . ٢- أن جمهور العلماء قدموا الصحابة عند ترجيح الأقاويل، فقد جعل طائفة قول أبى بكر وعمر حجة ودليلاً، وبعضهم عد قول الخلفاء الأربعة دليلاً، وبعضهم يعد قول الصحابى على الإطلاق حجة ودليلاً، ولكل قول من هذه الأقوال متعلق من السنة وهذه الآراء - وإن ترجح عند العلماء خلافها - ففيها تقوية تضاف إلى أمر كلى هو المعتمد فى المسألة، وذلك أن السلف والخلف من التابعين ومن بعدهم، يهابون مخالفة الصحابة، ويتكثرون بموافقتهم، وأكثر ما تجد هذا المعنى فى علوم الخلاف الدائرة بين الأئمة المعتبرين، فتجدهم إذا عينوا مذاهبهم قوَّوها بذكر من ذهب إليها من الصحابة، وما ذاك إلا لما اعتقدوا فى أنفسهم وفى مخالفيهم من تعظيمهم، وقوة مآخذهم دون غيرهم، وكبر شأنهم فى الشريعة، وأنهم مما يجب متابعتهم وتقليدهم فضلاً عن النظر معهم فيما نظروا فيه. ... ويؤيد هذا ما جاء عن السلف الصالح، من تزكيتهم والحث على متابعتهم.

стр. 78

فعن ابن مسعود ﵁ قال: "من كان مستناً فليستن (١) بأصحاب محمد ﷺ فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفا، وأقومها هدياً، وأحسنها حالاً، قوماً اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم فى آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم " (٢) . ... وقال عمر بن عبد العزيز: " سن رسول الله ﷺ ، وولاة الأمر بعده سننا ً، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، من عمل بها مهتدٍ، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم، وساءت مصيراً. ... وفى رواية بعد قوله - وقوة على دين الله - ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر فى رأى خالفها، من اهتدى بها مهتد ... الحديث" (٣) .

стр. 79

فقال مالك فأعجبنى عزم عمر على ذلك" (١) والآثار فى هذا المعنى يكثر إيرادها، وقد استوعب كثيراً منها الإمام ابن قيم الجوزية فى كتابه أعلام الموقعين عن رب العالمين (٢) . ... ويقول الإمام الشاطبى فى موضع آخر من كتابه مبيناً أن بيان الصحابى حجة، قال: "وأما بيان الصحابة، فإن أجمعوا على ما بينوه، فلا إشكال فى صحته أيضاً، كما أجمعوا على الغسل من التقاء الختانين المبين لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٣) وهذا الإجماع حجة موجبة للعلم،ولا يعتد بخلاف من خالفهم،كما حكاه السرخسى (٤) ،عن أبى حازم القاضى (٥) . وإن لم يجمعوا عليه فهل يكون بيانهم حجة أم لا؟ هذا فيه نظر وتفصيل. ولكنهم يترجح الإعتماد عليهم فى البيان، من وجهين: أحدهما: معرفتهم باللسان العربى، فإنهم عرب فصحاء، لم تتغير ألسنتهم، ولم تنزل عن رتبتها العليا فصاحتهم، فهم أعرف فى فهم الكتاب والسنة من غيرهم، فإذا جاء عنهم قول أو عمل واقع موقع البيان صح اعتماده من هذه الجهة.

стр. 80

ثانيهما: مباشرتهم للوقائع والنوازل، وتنزيل الوحى بالكتاب والسنة، فهم أقعد فى فهم القرائن الحالية، وأعرف بأسباب التنزيل، ويدركون ما لا يدركه غيرهم بسبب ذلك، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب، فمتى جاء عنهم تقييد بعض المطلقات، أو تخصيص بعض العمومات، فالعمل عليه صواب، وهذا إن لم ينقل عن أحد منهم خلاف فى المسألة، فإن خالف بعضهم فالمسالة اجتهادية " (١) . ويقول فى كتابه الإعتصام: "الصحابة هم المتقلدون لكلام النبوة، المهتدون للشريعة، الذين فهموا أمر دين الله بالتلقى من نبيه مشافهة على علم، وبصيرة بمواطن التشريع، وقرائن الأحوال، بخلاف غيرهم: فإذا كل ما سنوه، فهو سنة، من غير نظير فيه، بخلاف غيرهم، فإن فيه لأهل الاجتهاد مجالاً للنظر رداً وقبولاً " (٢) . سنة الصحابة مصدراً للأحكام الدستورية: يقول المستشار الدكتور على حريشة بعد أن رد اعتراضات المنكرين لحجية مذهب الصحابى (٣) ، قال: وسنة الصحابة يمكن أن تكون مصدراً للأحكام الدستورية: ولقد كان نظام الخلافة وليد اجتهاد الصحابة فضرورة البيعة - وهى مظهر رضا المسلمين - كانت عليها سنة الصحابة، فلم يل أحدهم دون بيعة، ولم يكن الإستخلاف بالنسبة لمن استخلفوا إلا ترشيحاً، واستمرار الخلافة مدى حياة الخليفة ... كان سنة للصحابة، تحقق بها ميزات عجز عنها كل من النظام الجمهورى، والنظام الملكى على السواء، فقد وفرت الثبات الذى ينقص الأنظمة الجمهورية، ونفت التوارث الذى يعيب الأنظمة الملكية.

стр. 81

وهكذا يتبين أن سنة الخلفاء كانت مصدراً لكثير من الأحكام الدستورية؛على غير ما يذهب إليه بعض "المجتهدين" "المحدثين " (١) أ. هـ. والله ﵎ أعلى وأعلم

стр. 82

المبحث السادس: من أراد معاوية ﵁ فإنما أراد الصحابة جميعاً ﵃ يحرص أعداء السنة النبوية من غلاة الرافضة وأذيالهم، فى الطعن فى صحة إسلام سيدنا معاوية ﵁، وأنه فتح باب الوضع فى السنة النبوية، وعلى هذا الزعم بنى نيازى عز الدين كتابه (دين السلطان) فهو يعنى بالسطان معاوية بن أبى سفيان ﵁، وسيدنا معاوية فى زعمه هو الذى فتح باب الروايات بالأحاديث المفتراة لتحل محل القرآن، وأصبحت ديناً، وساعده على ذلك جنوده من الفقهاء، والمحدثين، وفى ذلك يقول: "والتاريخ الإسلامى يحدثنا أن معاوية كان من دهاة العرب ... فأعاد عقلية الجاهلية بتوقيفه أحكام القرآن، من خلال فتح باب الروايات بالأحاديث المفتراة لتحل محل القرآن. وقد وجد كثيراً من المساعدين من بين أصحاب المصالح من علماء السوء، والحساد، والمنافقين من أعداء الإسلام " (١) . ... وبنفس هذا الزعم تقول الرافضة طاعنين بذلك فى عقيدة أهل السنة.

стр. 83

يقول صالح الوردانى بعد أن ذكر نماذج من الأحاديث السابقة وما فى معناها قال: "إن هذه الروايات، وهذه العقيدة، هى التى خلقت فقهاء السلاطين، وخلقت الحكام الطغاة الظالمين فى تاريخ المسلمين ... ولولا هذه الروايات وهذه العقيدة ما هيمنت القبلية، والأموية، والعباسية، على واقع المسلمين. فإن جميع الحكومات التى قامت من بعد الرسول ﷺ ، اعتمدت هذه الروايات فى دعم سلطانها ونفوذها وإضفاء المشروعية عليها " (١) . ... ويقول رافضى آخر زكريا عباس داود: "إننا عندما نبحث فى أسباب الوضع نلاحظ أن الجانب السياسى، كان دافعاً قوياً لمعاوية كى يوظف السنة لخدمة أهدافه ...، ولذا عمد لاستخدام مجموعة من الصحابة، والتابعين، كى يضعوا أحاديث تبرر له أعماله، وتضفى الشرعية الدينية على ملكه (٢) .

стр. 84

.. وممن قال بذلك أيضاً: عبد الحسين شرف الدين (١) ، ومرتضى العسكرى (٢) ، ومحمود أبو رية (٣) ، ومحمد نجيب (٤) ، وعلى الشهرستانى (٥)

стр. 85

، وعلى الوردى (١) ، وجمال البنا (٢) ، وعبد الجواد ياسين (٣) ، وإدريس الحسينى (٤) ، والسيد صالح أبو بكر (٥) . والناظر فيما قاله أعداء السنة سابقاً يرى أنهم يطعنون فى:

стр. 86

صحة إسلام معاوية ﵁، ووصفهم له بأنه كان منافقاً اعتماداً على ما ورد من أنه أسلم يوم الفتح، وكان من الطلقاء المؤلفة قلوبهم، وأنه فتح باب الوضع فى السنة، وصرح بذلك الرافضة السابق ذكرهم، وتبعهم على ذلك دعاة الفتنة، وأدعياء العلم. الجواب عن الطعن فى صحة إسلام سيدنا معاوية ﵁ ، وأنه فتح باب الوضع فى السنة النبوية. ما طعن به أعداء السنة المطهرة فى صحة إسلام سيدنا معاوية ﵁، دافع عنه فضيلة الأستاذ الدكتور محمد أبو شهبة بقوله: "وقد غاب عن أعداء الإسلام أن الكاتبين فى تاريخ الصحابة ذكروا عن الواقدى، وابن سعد، أنه أسلم بعد الحديبية قبل الفتح، وأنه أخفى إسلامه مخافة أهله، وأنه كان فى عمرة القضاء مسلما ً، وإذا كان هو وأبوه من المؤلفة قلوبهم فى رأى البعض، ففى رأى الكثيرين أنه ليس من المؤلفة قلوبهم، قال ابن عبد البر: "معاوية وأبوه من المؤلفة قلوبهم، ذكره فى ذلك بعضهم "، وهو يشعر بأن الكثيرين لا يرون هذا الرأى، ولذا نجد الحافظ المحقق ابن حجر لم يذكر فى ترجمته شيئاً من هذا، وإنما ذكر فى ترجمة أبيه أنه من المؤلفة قلوبهم (١) .

стр. 87

قلت: ومهما يكن من شئ فقد أسلم وحسن إسلامه، وحتى لو كان ممن أسلموا يوم الفتح، فلا يقدح ذلك فى عدالته وصحبته، بعد تزكية رب العزة لمن أسلموا بعد الفتح أيضاً قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١) . وكيف يصح الطعن فى صحة إسلامه ﵁، وقد كان أحد كتبة الوحى بين يدى النبى ﷺ (٢) . يدل على ذلك ما روى عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ بعث إلى معاوية ليكتب له، فقال: إنه يأكل، ثم بعث إليه، فقال: إنه يأكل، فقال رسول الله ﷺ : " لا أشبع الله بطنه " (٣) . ...

стр. 88

يقول الأستاذ محب الدين الخطيب (١) ﵀: " قد يستغل بعض الفرق من أعداء الإسلام (٢) . هذا الحديث ليتخذوا منه مطعناً فى معاوية ﵁ وليس فيه ما يساعدهم على ذلك، كيف وفيه أنه كان كاتب النبى ﷺ ؟! . فالظاهر أن هذا الدعاء منه ﷺ غير مقصود، بل هو مما جرت به عادة العرب فى وصل كلامها بلا نية كقوله ﷺ : ماله تربت يداه (٣) ، وثكلتك أمك يا معاذ (٤) . ونحو ذلك.

стр. 89

ويمكن أن يكون ذلك منه ﷺ بباعث البشرية التى أفصح عنها هو نفسه ﷺ فى أحاديث كثيرة متواترة: منها حديث عائشة – رضى الله عنها – مرفوعاً: "... أَوَ مَاَ عَلِمْتِ مَا شَرَطْتُ عَلَيْهِ رَبِىِّ؟ قُلْتُ: اللَّهُمَّ "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَىُّ المُسْلِمِينَ لَعَنْتُهُ أَوْ سَبَبْتُهُ، فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاَةً وَأَجْرا ً" (١) . ولم تعرف عن معاوية ﵁ دخلة فى إيمانه، ولا ريبة فى إخلاصه لإسلامه، ولا فى إمارته. يقول القاضى أبو بكر بن العربى (٢)

стр. 90

: مبيناً ما اجتمع فى معاوية من خصال الخير إجمالاً قال: " معاوية اجتمعت فيه خصال: وهى أن عمر جمع له الشامات كلها وأفرده بها، لما رأى من حسن سيرته، وقيامه بحماية البيضة وسد الثغور، وإصلاح الجند، والظهور على العدو، وسياسة الخلق. وقد شهد له فى صحيح الحديث بالصحبة والفقه، فيما رواه البخارى فى صحيحه بسنده عن ابن أبى مليكه قال: "أوتر معاوية بعد العشاء بركعة وعنده مولى لابن عباس، فأتى ابن عباس، فقال: دعه؛ فإنه صحب رسول الله ﷺ . وفى رواية أخرى قيل لابن عباس: هل لك فى أمير المؤمنين معاوية؛ فإنه ما أوتر إلا بواحدة، قال: إنه فقيه (١) . ... يقول ابن العربى: "وشهد بخلافته فى حديث أم حرام – رضى الله عنها (٢)

стр. 91

- فيما رواه أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ نام عندها القيلولة ثم استيقظ وهو يضحك؛ لأنه رأى ناساً من أمته غزاة فى سبيل الله يركبون ثبج البحر - أى وسطه ومعظمه - ملوكاً على الأسرة. ثم وضع رأسه فنام واستيقظ وقد رأى مثل الرؤيا الأولى فقالت له أم حرام: أدع الله أن يجعلنى منهم، فقال، أنت من الأولين"، فركبت أم حرام البحر فى زمن معاوية فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر. فهلكت" (١) . قال الحافظ ابن كثير: يعنى بالأول جيش معاوية حين غزا قبرص ففتحها سنة ٢٧ أيام عثمان بن عفان، بقيادة معاوية، عقب إنشائه الأسطول الإسلامى الأول فى التاريخ، وكانت معهم أم حرام فى صحبة زوجها عبادة بن الصامت. ومعهم من الصحابة أبو الدرداء وأبو ذر وغيرهم. وماتت أم حرام فى سبيل الله، وقبرها بقبرص إلى اليوم.

стр. 92

قال ابن كثير: ثم كان أمير الجيش الثانى يزيد بن معاوية فى غزوة القسطنطينية. قال: وهذا من أعظم دلائل النبوة (١) فى الشهادة لسيدنا معاوية، وابنه يزيد بالفضل، والمغفرة والجنة كما جاء فى حديث أم حرام مرفوعاً: " أول جيش من أمتى يركبون البحر قد أوجبوا (٢) . وأول جيش من أمتى يغزون مدينة قيصر مغفور لهم. فقلت: أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: لا " (٣) . ... يقول الإمام ابن تيمية: "لم يكن من ملوك المسلمين ملك خيراً من معاوية، ولا كان الناس فى زمان ملك من الملوك خيراً منهم فى زمن معاوية، إذا نسبت أيامه إلى أيام من بعده، وإذا نسبت إلى أيام أبى بكر وعمر ظهر التفاضل. ... وقد روى أبو بكر بن الأثرم - ورواه ابن بطه من طريقه عن قتادة قال: "لو أصبحتم فى مثل عمل معاوية لقال أكثركم: هذا المهدى ". وروى ابن بطه بإسناده الثابت من وجهين عن الأعمش عن مجاهد قال: لو أدركتم معاوية لقلتم هذا المهدى. وروى الأثرم عن أبى هريرة المكتب قال: كنا عند الأعمش فذكروا عمر بن عبد العزيز وعدله، فقال الأعمش، فكيف لو أدركتم معاوية؟ قالوا فى حلمه؟ قال: لا والله، بل فى عدله. وعن أبى إسحاق السبيعى أنه ذكر معاوية فقال: لو أدركتموه أو أدركتم أيامه لقلتم: كان المهدى.

стр. 93

وهذه الشهادة من هؤلاء الأئمة الأعلام لأمير المؤمنين معاوية صدى استجابة المولى لدعاء سيدنا رسول الله ﷺ ، لهذا الخليفة الصالح يوم قال ﷺ : " اللهم اجعله هادياً، مهدياً، واهد به " (١) . وقبل أن أنهى الكلام على شهادات الصحابة، والتابعين، وآراء العلماء، فى معاوية، أنقل رأياً طريفاً للمؤرخ العلامة ابن خلدون فى اعتبار معاوية من الخلفاء الراشدين قال: "إن دولة معاوية وأخباره كان ينبغى أن تلحق بدول الخلفاء الراشدين وأخيارهم فهو تاليهم فى الفضل والعدالة والصحبة (٢) .

стр. 94

ويقول أيضاً فى مقدمته: مدافعاً عن إيثاره ابنه يزيد بالعهد، دون من سواه قال: " إنما هو مراعاة المصلحة فى اجتماع واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه حينئذ من بنى أمية ... وهم عصابة قريش (١) وأهل الملة أجمع، وأهل الغلب منهم، فآثره بذلك دون غيره ... حرصاً على الإتفاق، واجتماع الأهواء الذى شأنه أهم عند الشارع، ولا يظن بمعاوية غير هذا فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك وحضور أكابر الصحابة لذلك وسكوتهم عنه، دليل على انتفاء الريب فيه، فليسوا ممن يأخذهم فى الحق هوادة، وليس معاوية ممن تأخذه العزة فى قبول الحق فإنهم كلهم أجل من ذلك وعدالتهم مانعة منه " (٢) .

стр. 95

.." نذكر جميع هذه الشهادات، وقبلها الأحاديث النبوية فى فضل معاوية (١) ، مع اعترافنا - يشهد الله تعالى - بفضل على بن أبى طالب ﵁، وأنه أفضل منه والحق غالبه معه، وكل كان مجتهدا ً (٢) . وقد جاء فى الحديث الصحيح: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب؛ فله أجران، وإذا حكم فاجتهد، ثم اخطأ؛ فله أجر" (٣) . وقد أوردت هذه الأمثلة القليلة التى لا يسع المقام لأكثر منها؛ ليعلم الناس أن الصورة الحقيقية لمعاوية ﵁ تخالف الصورة الكاذبة التى يصورها الزنادقة من الرافضة ومن تابعهم من أعداء الإسلام، والسنة المطهرة، تلك الصورة التى تنكر ما جاء فى السنة المطهرة عن رسول الله ﷺ ، وعن الصحابة، والتابعين، من الشهادة له بالصحبة، والفقه، والملك العادل، وحسن السيرة، حتى شهد له من أدركه كمجاهد والأعمش بأنه المهدى.

стр. 96

.. فهل من كان هذا حاله يكون له دخل أو حتى رضا بالوضع فى السنة المطهرة، سواء فى فضائله، وفضائل الشام، أو فى وضع ما يثبت ملكه، أو غير ذلك مما يزعمه أعداء الإسلام من الرافضة ومن شايعهم؟! نعم إذا لم تستح فاصنع ما شئت.... وأخيراً: " إنما الإسلام كدار لها باب، فباب الإسلام الصحابة، فمن آذى الصحابة؛ إنما أراد الإسلام، كمن نقر الباب - أى نقبه - إنما يريد دخول الدار، قال: فمن أراد معاوية فإنما أراد الصحابة " (١) . والله ﵎ أعلى وأعلم المبحث السابع: شبهات حول راوية السنة الأول (أبو هريرة ﵁ والرد عليها لهج أعداء الإسلام، وأعداء السنة المطهرة، قديماً وحديثاً، وشغفوا بالطعن فى أبى هريرة وتشكيك الناس فى إسلامه، وفى صدقه وروايته، وما إلى ذلك أرادوا! ؛ وإنما أرادوا أن يصلوا إلى التشكيك فى راوية السنة الأول، وأحفظ من رواها فى دهره، فأبو هريرة ﵁ على رأس السبعة المكثرين من الرواية الذين عناهم من أنشد: سبع من الصحب فوق الألف قد نقلوا*** ... من الحديث عن المختار خير مضر أبو هريرة، سعد، جابر، أنس ... ***صديقة، وابن عباس، كذا ابن عمر فأبو هريرة هو أكثرهم حديثاً فقد روى (٥٣٧٤) حديثاً، ثم عبد الله بن عمر روى (٢٦٣٠) حديثاً، ثم أنس بن مالك روى (٢٢٨٦) حديثاً، ثم عائشة أم المؤمنين روت (٢٢١٠) حديثاً، ثم ابن عباس روى (١٦٦٠) حديثاً، ثم جابر بن عبد الله روى (١٥٤٠) حديثاً، ثم أبو سعيد الخدرى (سعد بن مالك) روى (١١٧٠) حديثاً (٢) .

стр. 97

و ما اتهم به أبو هريرة ﵁، من أكاذيب وافتراءات من قبل أرباب الأهواء قديماً وحديثاً، سندهم فيه إما روايات مكذوبة أو ضعيفة، وإما روايات صحيحة لم يفهموها على وجهها، بل تأولوها تأويلاً باطلاً يتفق وأهواءهم. وقد تصدى للرد على تلك الطعون رهط من علماء الإسلام. على رأسهم أبى هريرة نفسه، وصدق على دفاعه - على ما سيأتى - كبار الصحابة، والتابعين، فمن بعدهم من أئمة المسلمين، منهم الحاكم فى المستدرك، وابن عساكر فى تاريخه، وابن كثير فى البداية والنهاية، وابن قتيبة فى تأويل مختلف الحديث، وعبد المنعم صالح العلى فى كتابه دفاع عن أبى هريرة، والدكتور محمد السماحى فى كتابيه "أبو هريرة فى الميزان"، والمنهج الحديث فى علوم الحديث، والدكتور السباعى فى كتابه "السنة ومكانتها فى التشريع، والدكتور عجاج الخطيب فى كتابيه السنة قبل التدوين، وأبو هريرة راوية الإسلام، والشيخ عبد الرحمن المعلمى فى كتابه (الأنوار الكاشفة) ، والدكتور أبو زهو فى الحديث والمحدثون، والدكتور أبو شهبة فى دفاع عن السنة، والدكتور عبد الوهاب عبد اللطيف فى كتابه "المختصر فى علم رجال الأثر" وفى مقدمة كتاب الصواعق المحرقة لابن حجر الهيتمى وغيرهم.

стр. 98

وأكتفى هنا بترجمة للصحابى الجليل لنتعرف بها على مكانته فى الإسلام، وبراءته مما نسب إليه من أكاذيب. وذلك بعد أن نتعرف على أصناف الطاعنين فيه ، والذين ذكرهم الإمام ابن خزيمة (١) بقوله: "إنما يتكلم فى أبى هريرة لدفع أخباره من قد أعمى الله قلوبهم فلا يفهمون معانى الأخبار. ١- إما معطل جهمى يسمع أخباره التى يرونها خلاف مذهبهم الذى هو كفر، فيشتمون أبا هريرة، ويرمونه بما الله تعالى قد نزهه عنه، تمويهاً على الرعاء، والسفل أن أخباره لا تثبت بها الحجة. ٢- وإما خارجى يرى السيف على أمة محمد ﷺ ، ولا يرى طاعة خليفة ولا إمام، إذا سمع أخبار أبى هريرة ﵁ عن النبى ﷺ خلاف مذهبهم الذى هو ضلال لم يجد حيلة فى دفع أخباره بحجة وبرهان، كان مفزعة الوقيعة فى أبى هريرة. ٣- أو قدرى اعتزل الإسلام وأهله، وكفر أهل الإسلام الذين يتبعون الأقدار الماضية التى قدرها الله تعالى، وقضاها قبل كسب العباد لها، إذا نظر إلى أخبار أبى هريرة التى قد رواها عن النبى ﷺ فى إثبات القدر لم يجد حجة يؤيد صحة مقالته التى هى كفر وشرك، كانت حجته عند نفسه أن أخبار أبى هريرة، لا يجوز الاحتجاج بها.

стр. 99

٤- أو جاهل يتعاطى الفقه، ويطلبه من غير مظانة، إذا سمع أخبار أبى هريرة فيما يخالف مذهب من قد اجتبى مذهبه، وأخباره تقليداً بلا حجة ولا برهان، تكلم فى أبى هريرة، ودفع أخباره التى تخالف مذهبه، ويحتج بأخباره على مخالفته إذا كانت أخباره موافقة لمذهبه، وقد أنكر بعض هذه الفرق على أبى هريرة أخباراً لم يفهموا معناها " (١) . قلت: والله إن من يتكلم فى أبى هريرة فى عصرنا لا يخرج فى عقيدته، ومذهبه عما ذكرهم الإمام ابن خزيمة - رحمه الله تعالى -. أبو هريرة ﵁، إسلامه وصحبته: قدم أبو هريرة مهاجراً من اليمن إلى المدينة ليالى فتح خيبر فى المحرم سنة سبع من الهجرة، وكان قد أسلم على يد الطفيل بن عمرو (٢) فى اليمن، وشهد هذه الغزوة مع رسول الله ﷺ ، ولازمه إلى آخر حياته يخدمه، ويتلقى العلم عنه ﷺ . ويتحدث هو عن ذلك لما سأله مروان بن الحكم قائلاً له: " إن الناس قد قالوا إنك أكثرت على رسول الله ﷺ الحديث، وإنما قدمت قبل وفاة النبى ﷺ بيسير، فقال أبو هريرة: نعم! قدمت ورسول الله ﷺ بخيبر سنة سبع، وأنا يومئذ قد زدت على الثلاثين سنة سنوات، وأقمت معه حتى توفى، أدور معه فى بيوت نسائه وأخدمه، وأنا والله يومئذ مقل (أى فقير) ، وأصلى خلفه، وأحج، وأغزو معه، فكنت والله أعلم الناس بحديثه، قد والله سبقنى قوم بصحبته والهجرة إليه من قريش والأنصار، وكانوا يعرفون لزومى له فيسألونى عن حديثه، منهم عمر، وعثمان، وعلى، وطلحة والزبير، فلا والله ما يخفى على كل حديث كان بالمدينة.

стр. 100

قال: فوالله ما زال مروان يقصر عن أبى هريرة، ويتقيه بعد ذلك، ويخافه، ويخاف جوابه (١) . وفيما سبق رد على دعوى الرافضة ومن قال بقولهم: " إن أبا هريرة لم يصاحب النبى ﷺ إلا سنة وتسعة أشهر (٢) ، فالمعروف أن أبا هريرة أسلم عام خيبر، وخيبر كانت فى جمادى الأولى سنة سبع (٣) . وبين خيبر ووفاة النبى ﷺ أربع سنوات، إلا شهرين تقريباً فإن الوفاة كانت فى ربيع الأول سنة ١١هـ (٤) . خلقه وتقواه: كان ﵁، صادق اللهجة، خفيف الروح محبباً إلى الصحابة، وكان ﵁ تقياً ورعاً كثير التعبد، شديد الخشية لله تعالى، وكان يقول: "وأيم الله لولا آية فى كتاب الله ما حدثتكم بشئ أبداً، ثم يتلو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (٥) .

стр. 101

وكان صواماً قواماً يتناوب قيام الليل، هو وزوجته، وخادمه، فيما رواه عنه أبو عثمان النهدى (١) ﵁ قال: "تضيفت أبا هريرة سبعاً، فكان هو وامرأته، وخادمه يتعقبون الليل أثلاثاً: يصلى هذا، ثم يوقظ الآخر فيصلى، ثم يوقظ الثالث " (٢) . وقد أرسله النبى ﷺ مع العلاء بن الحضرمى (٣) إلى البحرين لينشر الإسلام، ويفقه المسلمين فى الدين (٤) . كما استعمله الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ على البحرين فترة ثم عزله، وبعد ذلك دعاه عمر ليوليه فلم يقبل أبو هريرة وقال: "أخشى أن أقول بغير علم، وأقضى بغير حلم، وأن يضرب ظهرى، وينزع مالى، ويشتم عرضى " (٥) . يقول الإمام الجوينى: "وهذا مما يتمسك به فى أبى هريرة ﵁ فعمر مع تنزهه عن المداراة والمداجاة والمداهنة، اعتمده وولاه فى زمانه أعمالاً جسيمة، وخطوباً عظيمة، وكان يتولى زماناً على الكوفة وكان يبلغه روايته عن رسول الله ﷺ ، فلو لم يكن من أهل الرواية، لما كان يقرره عمر ﵁ مع العلم بإكثاره (٦) . ...

стр. 102

ولم يشترك أبو هريرة فى الفتن التى حدثت بعد استشهاد الخليفة عثمان بن عفان ﵁ بل اعتزلها. ولم يفارق الحجاز منذ استعمله عمر على البحرين ثم عزله. ولم يزل يسكن المدينة، وبها كانت وفاته. ... وفى هذا رد على الرافضة ومن قال بقولهم. من اشتراك أبى هريرة فى الفتنة بين على ومعاوية ﵄: " فكان يأكل مع معاوية فإذا حضرت الصلاة صلى خلف على ﵁، فإذا قيل له فى ذلك قال: مضيرة (١) معاوية أدسم،والصلاة خلف علىّ أفضل" (٢) . ... فهذه القصة التى بنى عليها الرافضى محمود أبو رية تسمية كتابه "شيخ المضيرة أبو هريرة " هذه القصة لا يصدقها عاقل، والأحداث التاريخية تكذبها. يقول الدكتور محمد أبو شهبة: "كيف يصح هذا فى العقول، وعلىّ كان بالعراق، ومعاوية كان بالشام، وأبو هريرة كان بالحجاز، إذ الثابت أنه بعد أن تولى إمارة البحرين فى عهد عمر ﵁ لم يفارق الحجاز (٣) . وقال الإمام ابن عبد البر: استعمله عمر على البحرين ثم عزله، ثم أراده على العمل، فأبى عليه، ولم يزل يسكن المدينة وبها كانت وفاته (٤) . وبهذا يتبين لنا كذب ادعاءاتهم، ويظهر لنا مدى حقدهم، اللهم إلا إذا كانت الشيعة ترى أن أبا هريرة أعطى بساط سيدنا سليمان ﵇ أو كانت الأرض تطوى له طياً!!! (٥) .

стр. 103

.. وعودة إلى خلقه وتقواه ﵁: فقد اشتهر ﵁ بالتواضع، والمرح، فكان يداعب الأطفال، ويمازح الناس ويلاطفهم، ومن ذلك أنه كان يمر فى السوق، يحمل الحزمة من الحطب على ظهره- وهو يومئذ أمير مروان على المدينة فيقول: أوسعوا الطريق للأمير (١) . فمعاوية ﵁ استعمله فى عهده على المدينة ثم عزله وولى عليها مروان، ثم استخلفه مروان عليها حين توجه إلى الحج " (٢) . قوة ذاكرته وروايته: لقد لازم أبو هريرة رسول الله منذ قدم عليه مهاجراً، ينهل من عمله، ويتلقى عنه أحاديثه ويحفظها، واجتهد فى ذلك حتى صار أحفظ أصحابه، وأكثرهم رواية للحديث، فقد روى (٥٣٧٤) خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثاً نبوياً - كما فى مسند بقى ابن مخلد- اتفق الشيخان البخارى ومسلم على (٣٢٥) ثلاثمائة وخمسة وعشرين حديثاً منها، وانفرد البخارى بثلاثة وتسعين، ومسلم بمائة وتسعة وثمانين (٣) ،وقيل غير ذلك. ... وهذه الروايات التى زادت على خمسة آلاف هى بالمكرر. وذكر الدكتور الأعظمى فى كتابه: أبو هريرة فى ضوء مروياته (٤) أن أحاديثه فى المسند والكتب الستة هى ١٣٣٦ حديثاً فقط، وذلك بعد حذف الأسانيد المكررة. وهذا القدر يستطيع طالب عادى أن يحفظه فى أقل من عام، فما بالك بمن كان حفظه من معجزات النبوة " (٥) .

стр. 104

ويقول الدكتور أبو شهبة: "وأحب ألا يعزب عن بالنا أن هذه الخمسة آلاف والثلاثمائة والأربعة والسبعون حديثاً، الكثير منها لا يبلغ السطرين أو الثلاثة، ولو جمعتها كلها لما زادت عن جزء فأى غرابة فى كثرة مروياته مع حداثة صحبته، مع أن السنين الأربع ليست بالزمن القصير فى عمر الصحبة (١) ، ولا سيما ما توافر له دون غيره من الصحابة من أمور كانت سبباً فى تفوقه فى الرواية وكثرة مروياته منها: أسباب كثرة مروياته: أولاً: شدة ملازمته للنبى ﷺ منذ قدم مهاجراً إليه سنة سبع من الهجرة يدور معه فى بيوت نسائه يخدمه، ويصلى خلفه، ويحج، ويغزو معه كما حدث عن نفسه، ومما أعانه على التفرغ لذلك أنه كان فقيراً، ولم تكن له زوجه، ولا أولاد حينئذ - ونحو ذلك مما يشغل، مع شدة حرصه على تلقى الحديث عن النبى ﷺ ، وشهد له النبى ﷺ بهذا الحرص.

стр. 105

ومن الآثار الدالة على ذلك: ما جاء فى الصحيح عنه ﵁ قال: "يقولون: إن أبا هريرة قد أكثر والله الموعد. ويقولون: ما بال المهاجرين والأنصار لا يتحدثون مثل أحاديثه؟ وسأخبركم عن ذلك: إن إخوانى من الأنصار كان يشغلهم عمل أراضيهم. وإن إخوانى من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق. وكنت ألزم رسول الله ﷺ على ملئ بطنى فأشهد إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا، ولقد قال رسول الله ﷺ يوماً: "أيكم يبسط ثوبه فيأخذ من حديثى هذا، ثم يجمعه إلى صدره، فإنه لن ينس شيئاً سمعه، فبسطت بردة على حتى فرغ من حديثه، ثم جمعتها إلى صدرى، فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئاً حدثنى به. ولولا آيتان أنزلهما الله فى كتابه ما حدثت شيئاً أبداً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (١) .

стр. 106

ثانياً: دعاء رسول الله ﷺ له بالحفظ وعدم النسيان، ومما يدل على ذلك الرواية السابقة، وما رواه الحاكم فى المستدرك عن زيد بن ثابت، أن رجلاً جاء إليه فسأله عن شئ فقال له زيد: عليك بأبى هريرة، فإنه بينما أنا وأبو هريرة فى المسجد وفلان فى المسجد ذات يوم ندعوا الله تعالى، ونذكر ربنا خرج علينا رسول الله ﷺ حتى جلس إلينا قال: فجلس وسكتنا. فقال عودوا للذى كنتم فيه، قال زيد فدعوت أنا وصاحبى قبل أبى هريرة، وجعل رسول الله ﷺ يؤمن على دعائنا قال: ثم دعا أبو هريرة فقال: اللهم إنى أسألك مثل الذى سألك صاحباى هذان وأسألك علماً لا ينسى، فقال رسول الله ﷺ : آمين"فقلنا يا رسول الله! ونحن نسأل الله علماً لا ينسى؛ فقال:"سبقكما بها الدوسى" (١) . ثالثاً: إن أبا هريرة تميز بقوة ذاكرته وحفظه وحسن ضبطه، خاصة بعد أن دعا له الرسول بالحفظ وعدم النسيان - كما سبق - فكان حافظاً متقناً ضابطاً لما يرويه.

стр. 107

.. ويدل على ذلك قصة امتحان مروان له فيما رواه الحاكم عن أبى الزُّعَيْزِعَة (١) كاتب مروان بن الحكم، أن مروان بن الحكم دعا أبا هريرة فأقعدنى خلف السرير، وجعل يسأله وجعلت أكتب حتى إذا كان عند رأس الحول، دعا به فأقعده وراء الحجاب فجعل يسأله عن ذلك، فما زاد ولا نقص، ولا قدم ولا آخر" (٢) وقد نقل هذه القصة الذهبى فى سير أعلام النبلاء، ثم عقب بقوله: "قلت هكذا فليكن الحفظ" (٣) . ... وهذه القصة نقلها أيضاً ابن حجر فى الإصابة (٤) ، وابن كثير فى البداية (٥) ، وهى تدل على قوة حفظه وإتقانه، كما شهد له بذلك الصحابة، والتابعون فمن بعدهم من أئمة المسلمين إلى يومنا هذا على ما سيأتى بعد قليل. ... وكان ﵁ يراجع ما يسمعه من النبى ﷺ تأكيداً لحفظه، فقد روى عنه أنه قال: "جزأت الليل ثلاثة أجزاء: ثلثاً أصلى، وثلثاً أنام، وثلثاً أذكر فيه حديث رسول الله ﷺ (٦) . رابعاً: أدرك أبو هريرة كبار الصحابة، وروى عنهم كثيراً من الأحاديث فتكامل علمه بها واتسع أُفُقُهُ فيها.

стр. 108

خامساً: امتداد عمره ﵁ بعد وفاة رسول الله ﷺ ، حيث عاش بعده نحو سبعة وأربعين عاماً، واحتياج الناس إليه فكان يحدثهم ويبث بينهم ما يحفظه من أحاديث، وأعانه على ذلك: ابتعاده عن الفتن وغيرها من المشاغل ووجوده فى المدينة، والناس يفدون إليها، وكانت له حلقة فى مسجد الرسول يحدث الناس فيها بالأحاديث النبوية، فساعد ذلك على انتشار مروياته وتداولها، وكثرة أتباعه وتلامذته، حتى بلغوا نحو ثمانمائة من الصحابة والتابعين كلهم يجلونه ويثقون به ويثنون عليه على ما سيأتى بعد قليل. ... قال الإمام البخارى ﵀: "روى عنه نحواً من ثمانمائة رجل أو أكثر من أهل العلم، من الصحابة والتابعين وغيره" (١) . ومن أشهر من روى عنه من الصحابة: زيد ابن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وعائشة، وأبو أيوب الأنصارى. ومن أشهر من روى عنه من التابعين: مروان بن الحكم، والحسن البصرى، وسعيد بن المسيب، وعامر الشعبى، وعروة ابن الزبير، وهمام بن منبه - وقد كتب عنه الصحيفة المشهورة (٢) . وغيرهم كثير.

стр. 109

شهادة الرسول ﷺ والصحابة ﵃ ومن بعدهم من أهل العلم بقوة حفظه وإتقانه وكثرة سماعه وحرصه على الحديث ١- روى عنه ﵁ أنه قال ذات يوم: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ : "لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألنى عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتى يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو نفسه (١) . ٢- وعن ابن عمر ﵄ أنه مر بأبى هريرة ﵁، وهو يحدث عن النبى ﷺ : من تبع جنازة فله قيراط، فإن شهد دفنها فله قيراطان أعظم من أحد. فقال ابن عمر: يا أبا هريرة انظر ما تحدث عن رسول الله ﷺ ، فقام إليه أبو هريرة حتى انطلق إلى عائشة رضى الله عنها فقال لها: يا أم المؤمنين أنشدك الله أسمعت رسول الله ﷺ يقول: "من تبع جنازة فصلى عليها فله قيراط، وإن شهد دفنها فله قيراطان؟ فقالت: اللهم نعم، فقال أبو هريرة: إنه لم يكن يشغلنا عن رسول الله ﷺ عرس ولا صفق بالأسواق، إنما كنت أطلب من رسول الله ﷺ كلمة يعلمنيها أو أكلة يطعمنيها. ... فقال ابن عمر: يا أبا هريرة كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ وأعلمنا بحديثه (٢) . وكان ابن عمر يترحم عليه فى جنازته ويقول: "كان يحفظ على المسلمين حديث رسول الله ﷺ (٣) . ...

стр. 110

وعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رجل لابن عمر: إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ فقال ابن عمر: أعيذك بالله أن تكون فى شك مما يجئ به، ولكنه اجترأ وجبنا " (١) ومعنى "اجترأ" هنا أى على سؤال النبى ﷺ والتعلم منه، فى حين كانوا يهابون سؤال النبى ﷺ . يدل على ذلك ما رواه الحاكم عن أبى بن كعب ﵁ قال: كان أبو هريرة جريئاً على النبى ﷺ يسأله عن أشياء لا نسأله عنها (٢) . وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شئ فكان يعجبنا أن يجئ الرجل من أهل البادية العاقل. فيسأله ونحن نسمع ... الحديث" (٣) .
следующие страницы →