← Акыда

Акыда · id 18381

الفتوى الحموية الكبرى

ابن تيمية

Полный текст (369 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ثم قال: في باب الإيمان بالنزول.

стр. 177

[قوله في النزول] : قال: ومن قول أهل السنة إن الله ينزل إلى السماء الدنيا، ويؤمنون بذلك من غير أن يَحدُّوا فيه حَدًّا. وذكر الحديث من طريق مالك وغيره إلى أن قال: وأخبرنا وهب عن ابن

стр. 178

وضاح عن زهير بن عباد قال: «من أدركت من المشائخ ـ مالك وسفيان الثوري وفُضَيْل بن عياض وعيسى وابن المبارك ووَكِيع ـ كانوا يقولون: النزول حق» .

стр. 179

قال ابن وَضَّاح: سألت يوسف بن عَدِيّ عن النزول، قال: «نعم أؤمن به ولا أحِدّ فيه حدًا» . وسألت عنه ابن معين فقال: «أُقرُّ به ولا أحِدّ فيه حدًا» . [ذكره لبعض أدلة العلو] : قال محمد: وهذا الحديث يُبيِّن أن الله على عرشه في السماء دون الأرض، وهو أيضًا بَيِّنٌ في كتاب الله وفي ما غير حديث عن رسول الله ﷺ قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ

стр. 180

ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥] ، وقال تعالى: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ • أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٦ـ١٧] ، وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] ، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨] ، وقال تعالى: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥] ، وقال تعالى: ﴿بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨] . وذكر من طريق مالك قول النبي ﷺ للجارية: «أين الله؟» . قالت: في السماء. قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله. قال: «فأعتقها، فإنها مؤمنة» . قال: «والأحاديث مثل هذه كثيرة جدًا، فسبحان من عِلْمُه بما في السماء كعِلْمِه بما في الأرض لا إله إلا هو العلي العظيم» .

стр. 181

[قوله في الأسماء والصفات جملة] : وقال قبل ذلك «باب في الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه» قال: واعلم بأن أهل العلم بالله وبما جاءت به أنبياؤه ورسله يرون الجهل بما لم يخبر به تعالى عن نفسه علمًا، والعجز عن ما لم يدع إليه إيمانًا، وأنهم إنما ينتهون من وصفه بصفاته وأسمائه إلى حيث انتهى في كتابه، وعلى لسان نبيه. وقد قال الله تعالى ـ وهو أصدق القائلين ـ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام:١٩] ، وقال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٣٠] ، وقال: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ [ص:٧٢] ، وقال: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨] ، وقال: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٩٣] ، وقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] ، وقال تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:٦٧] ، وقال:

стр. 182

﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٦٤] ، وقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] ، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور:٣٥] ، وقال تعالى: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، وقال تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد:٣] ومثل هذا في القرآن كثير. فهو ﵎ نور السماوات والأرض، كما أخبرعن نفسه وله وجه ونفس وغير ذلك مما وصف به نفسه، ويسمع ويرى ويتكلم، الأول ولا شيء قبله، والآخر الباقي إلى غير نهاية ولا شيء بعده، والظاهر العالي فوق كل شيء والباطن بطن علمه بخلقه، فقال: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٩] ، حي قيوم لا تأخذه سِنَةٌ ولا نوم. وذكر أحاديث الصفات، ثم قال: فهذه صفات ربنا التي وصف بها نفسه في كتابه، ووصفه بها نبيه، وليس في شيء منها تحديد ولا تشبيه ولا تقدير ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، لم تره العيون فتحده كيف هو، ولكن رأته القلوب في حقائق

стр. 183

الإيمان» اهـ] . وكلام الأئمة في هذا الباب أطول وأكثر من أن تسع هذه الفتيا عشره، وكذلك كلام الناقلين لمذهبهم. [قول الإمام الخطابي] : مثل ما ذكره أبو سليمان الخطابي في رسالته المشهورة في «الغنية

стр. 184

عن الكلام وأهله» قال: «فأما ما سألت عنه من الصفات، وما جاء منها في الكتاب والسنة، فإن مذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله، وحققها قوم من المثبتين، فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف، وإنما

стр. 185

القصد في السلوك الطريقة المستقيمة بين الأمرين، ودين الله تعالى بين الغالي فيه والمقصر عنه. والأصل في هذا: أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، يحتذى في ذلك حذوه وأمثاله، فإذا كان معلومًا أن إثبات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات

стр. 186

صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف. فإذا قلنا: يد وسمع وبصر وما أشبهها، فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه، ولسنا نقول: إن معنى اليد القوة أو النعمة، ولا معنى السمع والبصر العلم، ولا نقول: إنها جوارح، ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح وأدوات للفعل، ونقول

стр. 187

إنما وجب إثبات الصفات لأن التوقف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنه لأن الله ليس كمثله شيء، وعلى هذا جرى قول السلف في أحاديث الصفات» .اهـ. هذا كله كلام الخطابي. وهكذا قال أبو بكر الخطيب الحافظ

стр. 188

في رسالة له أخبر فيها أن مذهب السلف على ذلك.

стр. 189

وهذا الكلام الذي ذكره الخطابي قد نقل نحوًا منه من العلماء ما لا يحصى، مثل: أبي بكر الإسماعيلي، والإمام يحيى بن عمار السجزي

стр. 190

شيخُ شيخِ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري الهروي ومثل: أبي عثمان الصابوني شيخ الإسلام، وأبي عمر بن عبد البر النمري إمام المغرب وغيرهم.

стр. 191

[قول أبي نعيم الأصبهاني] : وقال أبو نعيم الأصبهاني صاحب «الحلية» في عقيدة له في أولها: «طريقتنا طريق المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة، قال: «فمما اعتقدوه أن الأحاديث التي ثبتت عن النبي ﷺ في العرش واستواء الله

стр. 192

يقولون بها ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه، وأن الله بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم، وهو مستوٍ على عرشه في سمائه دون أرضه وخلقه» . [وقال الحافظ أبو نعيم في كتاب «محجة الواثقين ومدرجة الوامقين» تأليفه: «وأجمعوا أن الله فوق سماواته، عالٍ على عرشه مستوٍ عليه، لا مستولٍ عليه كما تقول الجهمية إنه بكل

стр. 193

مكان، خلافًا لما نزل في كتابه: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك:١٦] ، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] ، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، له العرش المستوي عليه والكرسي الذي وسع السماوات والأرض، وهو قوله وتعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، وكرسيه جسم، والسماوات السبع والأرضون السبع عند الكرسي كحلقة في أرض فلاة، وليس كرسيه علمه كما

стр. 194

قالت الجهمية، بل يوضع كرسيه يوم القيامة لفصل القضاء بين خلقه، كما قاله النبي ﷺ ، وأنه تعالى وتقدس يجيء

стр. 195

يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده والملائكة صفًّا صفًّا كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] ، وأنه تعالى وتقدس يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده، فيغفر لمن يشاء من مذنبي الموحدين، ويعذب من يشاء؛ كما قال تعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ﴾ [آل عمران:١٢٩] » اهـ. [قول معمر بن أحمد الأصبهاني] : وقال الإمام العارف معمر بن أحمد الأصبهاني ـ شيخ الصوفية في حدود المائة الرابعة في بلاده ـ قال: «أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السنة وموعظة من الحكمة، وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والأثر، وأهل المعرفة والتصوف من المتقدمين والمتأخرين. قال فيها: وأن الله استوى على عرشه بلا كيف، ولا تشبيه، ولا

стр. 196

تأويل، والاستواء معقول والكيف فيه مجهول، وأنه بائن من خلقه، والخلق منه بائنون بلا حلول ولا ممازجة، ولا اختلاط ولا ملاصقة، لأنه المنفرد البائن من خلقه، الواحد الغني عن الخلق. وأن الله سميع، بصير، عليم، خبير، يتكلم، ويرضى، ويسخط، ويضحك، ويعجب، ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكًا، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء فيقول: «هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر» ، ونزول الرب إلى السماء بلا كيف ولا تشبيه، ولا تأويل، فمن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال، وسائر الصفوة من العارفين على هذا» . [قول الفضيل بن عياض] : [وقال الشيخ الإمام أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال

стр. 197

في كتاب «السنة» حدثنا أبو بكر الأثرم، حدثنا إبراهيم بن الحارث ـ يعني العبادي ـ حدثنا الليث بن يحيى، قال: سمعت إبراهيم بن الأشعث، قال أبو بكر ـ وهو صاحب الفضيل ـ قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: «ليس لنا أن نتوهم في الله كيف هو؛ لأن الله تعالى وصف نفسه فأبلغ، فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ • اللَّهُ الصَّمَدُ • لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ • وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص] فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه. وكل هذا: النزول، والضحك، وهذه المباهاة، وهذا

стр. 198

الاطلاع كما يشاء أن ينزل، وكما يشاء أن يباهي، وكما يشاء أن يضحك، وكما يشاء أن يطلع. فليس لنا أن نتوهَّم كيف وكيف. فإذا قال الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه. فقل: بل أؤمن برب يفعل ما يشاء» . ونقل هذا عن الفضيل جماعة، منهم البخاري في «خلق أفعال العباد» .

стр. 199

ونقله شيخ الإسلام بإسناده في كتابه «الفاروق» فقال: حدثني يحيي بن عمار، ثنا أبي ثنا يوسف بن يعقوب، ثنا حَرَميّ بن على البخاري، وهانئ بن النضر عن الفضيل. [قول عمرو بن عثمان المكي] : وقال عمرو بن المكي في كتابه الذي سماه

стр. 200

«التعرف بأحوال العباد والمتعبدين» قال: «ما يجيء به الشيطان للتائبين» وذكر أنه يوقعهم في القنوط، ثم في الغرور وطول الأمل، ثم في التوحيد، فقال: من أعظم ما يوسوس في التوحيد بالتشكيك أو في صفات الرب بالتمثيل والتشبيه، أو بالجحد لها والتعطيل. فقال بعد ذكر حديث الوسوسة: واعلم ـ رحمك الله تعالى ـ أن كُلَّ ما

стр. 201

توهمه قلبك، أو سَنَح في مجاري فكرك، أو خطر في معارضات قلبك من حسن أو بهاء، أو ضياء أو إشراق، أو جمال، أو شبح مائل، أو شخص متمثل: فالله تعالى بغير ذلك، بل هو تعالى أعظم وأجل وأكبر،

стр. 202

ألا تسمع إلى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] أي لا شبيه ولا نظير ولا مساوٍ ولا مثل، أَوَلَمْ تعلم أنه تعالى لما تجلَّى للجبل تدكدك لعظم هيبته، وشامخ سلطانه، فكما لا يتجلى لشيء إلا اندك، كذلك لا توهمه أحد إلا هلك، فرُدّ بما بين الله في كتابه من نفيه عن نفسه التشبيه والمثل والنظير والكفؤ. فإن اعتصمت به وامتنعت منه أتاك من قبل التعطيل لصفات الرب ﵎ وتقدس في كتابه وسنة رسوله محمد ﷺ فقال لك: إذا كان موصوفًا بكذا أو وصفته، أوجب له التشبيه فأكذبه، لأنه اللعين إنما يريد أن يستزلك ويغويك ويدخلك في صفات الملحدين الزائغين الجاحدين لصفة الرب تعالى. فاعلم رحمك الله تعالى أن الله واحد لا كالآحاد فرد صمد لم

стр. 203

يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد ـ إلى أن قال ـ: خلصت له الأسماء السَّنِيَّة فكانت واقعة في قديم الأزل بصدق الحقائق، لم يستحدث تعالى صفة كان منها خليًا، أو اسمًا كان منه بريًا ﵎، فكان هاديًا سيهدي، وخالقًا سيخلق، ورازقًا سيرزق، وغافرًا سيغفر، وفاعلًا سيفعل، لم يحدث له الاستواء إلا وقد كان في صفة أنه سيكون ذلك الفعل فهو يسمى به في جملة فعله كذلك، قال الله تعالى: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] بمعنى أنه سيجي، فلم يستحدث الاسم بالمجيء، وتخلف الفعل لوقت المجيء، فهو جاء سيجيء، ويكون المجيء منه موجودًا بصفة لا تلحقه الكيفية ولا التشبيه، لأن ذلك فعل

стр. 204

الربوبية، فتحسر العقول وتنقطع النفس عن إرادة الدخول في تحصيل كيفية المعبود، فلا تذهب في أحد الجانبين لا معطلاً، ولا مشبهًا، وارضَ لله بما رضي به لنفسه، وقف عند خبره لنفسه مسلمًا، مستسلمًا، مصدقًا؛ بلا مباحثة التنفير ولا مناسبة التنقير. إلى أن قال: فهو ﵎ القائل: ﴿أَنَا اللَّهُ﴾ [القصص:٣٠] لا الشجرة، الجائي قبل أن يكون

стр. 205

جائيًا لا أمره المتجلي لأوليائه في الميعاد؛ فتبيَضُّ به وجوههم، وتَفْلُج به على الجاحدين حجتهم، المستوي على عرشه بعظمة جلاله فوق كل مكان ﵎، الذى كلم موسى تكليمًا، وأراه من آياته، فسمع موسى كلام الله؛ لأنه قَرَّبَه نَجِيًّا، تقدس أن يكون كلامه مخلوقًا أو محدثًا أو مربوبًا، والوارث لخلقه، السميع لأصواتهم،

стр. 206

الناظر بعينه إلى أجسادهم، يداه مبسوطتان، وهما غير نعمته خلق آدم ونفخ فيه من روحه ـ وهو أمره ـ تعالى وتقدس أن يحل بجسم، أو يمازج بجسم أو يلاصق به تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا، الشائي له المشيئة، العالم له العلم، الباسط يديه بالرحمة، النازل كل ليلة إلى سماء الدنيا، ليتقرب إليه خلقه بالعبادة، وليرغبوا إليه بالوسيلة، القريب في

стр. 207

قربه من حبل الوريد، البعيد في علوه من كل مكان بعيد، ولا يشبه بالناس. إلى أن قال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ القائل: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ • أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك:١٦ـ١٧] تعالى وتقدس أن يكون في الأرض كما في السماء جل عن ذلك علوًا كبيرًا» . ا. هـ. [قول الحارث المحاسبي] : وقال الإمام أبو عبد الله الحارث بن إسماعيل بن أسد المحاسبي

стр. 208

في كتابه المسمى: «فَهْم القرآن» قال في كلامه على ـ الناسخ والمنسوخ وأن النسخ لا يجوز في الأخبار ـ قال: «لا يحل لأحد أن يعتقد أن مدح الله وأسمائه وصفاته يجوز أن ينسخ منها شيء. إلى أن قال: وكذلك لا يجوز إذا أخبر أن صفاته حسنة عليا أن يخبر بعد ذلك أنها دنية سفلى، فيصف نفسه بأنه جاهل ببعض الغيب

стр. 209

بعد أن أخبر أنه عالم بالغيب وأنه لا يبصر ما قد كان، ولا يسمع الأصوات، ولا قدرة له، ولا يتكلم ولا الكلام كان منه، وأنه تحت الأرض لا على العرش جل وعلا عن ذلك. فإذا عرفتَ ذلك واستيقنته: علمتَ ما يجوز عليه النسخ وما لا يجوز، فإن تلوت آية في ظاهر تلاوتها تحسب أنها ناسخة لبعض أخباره؛ كقوله عن فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ﴾ [يونس:٩٠] ، وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد:٣١] . وقال: قد تأول قوم أن الله عنى أن ينجيه ببدنه من النار إذ قد آمن عند الغرق، وقالوا: إنما ذكر الله قوم فرعون يدخلون النار

стр. 210

دونه، وقال: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود:٩٨] ، وقال: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٥] ، ولم يقل بفرعون، وقال: وهكذا الكذب على الله، لأن الله تعالى يقول: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ [النازعات:٢٥] ، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [العنكبوت:٣] فأقر التلاوة على استئناف العلم من الله عن أن يستأنف علمًا بشيء، لأنه من ليس له علم بما يريد أن

стр. 211

يصنعه لم يقدر عليه أن يصنعه نجده ضرورة. قال: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] ، قال: وإنما قوله ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ﴾ إنما يريد حتى نراه، فيكون معلومًا موجودًا، لأنه لا جائز أن يكون يعلم الشيء معدومًا من

стр. 212

قبل أن يكون، ويعلمه موجودًا كان قد كان، فيعلم في وقت واحد معدومًا موجودًا وإن لم يكن، وهذا المحال. وذكر كلامًا في هذا في الإرادة. إلى أن قال: وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء:١٥] ليس معناه أن يحدث له سمعًا، ولا تكلف لسمع ما كان من قولهم وقد ذهب قومٌ من

стр. 213

أهل السنة أن لله استماعًا حادثًا في ذاته، فذهبوا إلى أن ما يعقل من الخلق أنه يحدث منهم علم سمع لما كان من قوله؛ لأن المخلوق إذا سمع حدث له عقد فهم عما أدركته أذنه من الصوت، وكذلك قوله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:١٠٥] ، لا يستحدث بصرًا محدثًا في ذاته، وإنما يحدث الشيء فيراه مكونًا كما لم يزل يعلم قبل كونه. [قول المحاسبي في العلو] : إلى أن قال: وكذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨] ، وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، وقوله: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء﴾ [الملك:١٦] ، وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ

стр. 214

الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] ، وقال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥] ، وقال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤] ، وقال لعيسى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥] ، وقال تعالى: ﴿بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف:٢٠٦] . وذكر الآلهة أن لو كان آلهة لابتغوا إلى ذي العرش سبيلًا إلى طلبه حيث هو، فقال: ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٢٤] ، وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] . قال أبو عبد الله: فلن ينسخ ذلك أبدًا. كذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤] ، وقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] ، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ﴾ [الأنعام:٣] ،

стр. 215

وقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] ، فليس هذا بناسخ لهذا، ولا هذا ضد لذلك. واعلم أن هذه الآيات ليس معناها أن الله أراد الكون بذاته فيكون في أسفل الأشياء، أو يتنقل فيها لاستفالها، ويتبعض فيها على أقدارها، ويزول عنها عند فنائها، جل وعز عن ذلك، وقد نزغ بذلك بعض أهل الضلال، فزعموا أن الله تعالى في كل شيء بنفسه كائنًا، كما هو في العرش، ولا فرق بين ذلك عندهم ثم أحالوا في
следующие страницы →