وثالثًا: أنَّ (الوليد بن شُجَاع السَّكُوني الكوفي): ثقة. كما خلص إليه الحافظ الذَّهَبِيُّ في "المغني" (٢/ ٧٢٢) وفي "معرفة الرواة المتكلَّم فيهم بما لا يوجب الرَّدّ" ص ١٨٥ رقم (٣٥٨)، والحافظ ابن حَجَر في "التقريب" (٢/ ٣٣٣). وانظر تفصيل الأقوال فيه في "التهذيب" (١١/ ١٣٥ - ١٣٦).
وقد روى البخاري في "صحيحه" في كتاب الطب، باب الحبَّة السوداء (١٠/ ١٤٣) رقم (٥٦٨٨)، ومسلم في "صحيحه" في كتاب السلام، باب التداوي بالحبَّة السوداء (٤/ ١٧٣٥) رقم (٢٢١٥)، عن أبي هريرة مرفوعًا: "في الحبَّةِ السَّوْدَاءِ شفاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ، إلَّا السَّامَ". قال ابن شِهَاب: "والسَّامُ: الموتُ. والحبّة السوداء: الشُّونِيزُ".
غريب الحديث:
قوله: "اقْتَمَحَ": أي اسْتَفَّ. "النهاية" (٤/ ١٠٧).
قوله: "الشُّونِيز": أي الحبَّة السَّوْدَاء. و (الشُّونِيز) هي لغة الفرس. وهي الكَمُّون الأسود، وتسمى الكَمُّون الهِنْدي. انظر: "زاد المعاد" (٤/ ٢٩٧)، و"فتح الباري" (١٠/ ١٤٥).
* * *
٩٢ - أخبرنا أبو الحسن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الكِلَابي الزاهد قال: أنبأنا أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي صالح البغدادي -بِبَلْخ- قال: نبأنا أبو شعيب عبد اللَّه بن الحسن بن أحمد الحَرَّاني قال: نبأنا خَلَف بن هشام البزَّار قال: نبأنا حَزْم (١) بن أبي حَزْم القُطَعِيّ قال: سمعت الحسن يقول:
стр. 352
سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "أتدرون أيُّ القرآن أعظم"؟ قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ" إلى آخر الآية [سورة البقرة: الآية ٢٥٥].
(١/ ٣٤٥ - ٣٤٦) في ترجمة (محمد بن أحمد بن محمد بن أبي صالح البغدادي أبو بكر).
مرتبة الحديث:
إسناده ضعيف. والحديث صحيح من طرق أخرى.
ففيه صاحب الترجمة (محمد بن أحمد بن محمد بن أبي صالح البغدادي أبو بكر) نقل الحافظ الخطيب عن عبد العزيز النَّخْشَبِيّ قوله فيه: "كان واهيًا عند أهل بَلْخ، تكلَّم فيه أبو إسحاق المُسْتَمْلي وغيره".
وترجم له الذَّهَبِيُّ في "الميزان" (٣/ ٤٥٧) فقال: "حدَّث عن أبي شعيب الحَرَّاني، متكلَّمٌ (١) فيه. واهٍ أتي بخبر منكر". ومثله في "اللسان" (٥/ ٣٨).
وباقي رجال الإسناد حديثهم حسن.
و (الحسن) هو (ابن أبي الحسن يَسَار البَصْري): الإمام التابعي الفقيه الثقة المشهور. وتقدَّمت ترجمته في حديث (٨٦).
التخريج:
لم يروه غير الخطيب فيما وقفت عليه.
وعزاه في "الدُّرِّ المنثور" (٢/ ٦) إلى الخطيب وحده عن أنس.
ومَتْنُ الحديث صحيح، رواه عدد من الصحابة. انظر مروياتهم في: "فضائل القرآن" لابن الضُّرَيْس ص ٥٣ وما بعد، و"شُعَب الإيمان" للبيهقي (٥/ ٣٢٣ -
стр. 353
٣٣٣)، و"جامع الأصول" (٨/ ٤٧٤ - ٤٧٥)، و"مجمع الزوائد" (٦/ ٣٢١ - ٣٢٣)، و"الدُّر المنثور" (٢/ ٤ - ٨).
ومن ذلك ما رواه مسلم في صلاة المسافرين، باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي (١/ ٥٥٦) رقم (٨١٠) -واللفظ له-، وأبو داود في الصلاة، باب ما جاء في آية الكرسي (٢/ ١٥١) رقم (١٤٦٠)، وأحمد في "المسند" (٥/ ١٤٢)، وعبد الرزاق في "مصنفه" (٣/ ٣٧٠)، والطَّيَالسي في "مسنده" ص ٧٤ رقم (٥٥٠)، وعبد بن حُمَيْد في "المنتخب من مسنده" (١/ ١٩٩) رقم (١٧٨)، وابن الضُّرَيْس في "فضائل القرآن" ص ١٥٣ رقم (١٨٧)، والبيهقي في "شُعَب الإيمان" (٥/ ٣٢٣ - ٣٢٤) رقم (٢١٦٨ و ٢١٦٩)، والحاكم في "المستدرك" (٣/ ٣٠٤)، والبَغَوي في "شرح السُّنَّة" (٤/ ٤٥٩) رقم (١١٩٥)، عن أُبيّ بن كعب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يا أبا المُنْذِرِ (١)! أتدري أيُّ آيةٍ من كتاب اللَّه معك أعظمُ؟ قال قلت: اللَّهُ ورسولُهُ أعلم. قال: يا أبا المنذر! أتدري أيُّ آيةٍ من كتاب اللَّه معك أعظمُ؟ قال قلت: اللَّهُ لا إلهَ إلّا هو الحيُّ القَيَّومُ. قال: فضرب في صدري وقال: واللَّه لِيَهْنِكَ (٢) العِلْمُ أبا المنذر".
* * *
٩٣ - أخبرنا أبو نُعَيْم الحافظ قال: نبأنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد المُفِيد قال: نبأنا أحمد بن عبد الرحمن السَّقَطِيّ قال: نبأنا يزيد بن هارون قال: أنبأنا عاصم الأَحْوَل،
عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الموتُ كَفَّارَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ".
(١/ ٣٤٧) في ترجمة (محمد بن أحمد بن محمد المُفيد البغدادي أبو بكر).
стр. 354
مرتبة الحديث:
إسناده تالف. وللحديث طرق عدَّة معلولة كلّها.
ففيه صاحب الترجمة (محمد بن أحمد بن محمد المُفيد البغدادي أبو بكر) قال الذَّهَبِيُّ عنه في "المغني" (٢/ ٥٥٠): "محدِّثٌ مشهور، مُجْمَعٌ على ضعفه، واتُّهم". وستأتي ترجمته في حديث (١٦٠٩).
كما أنَّ فيه (أحمد بن عبد الرحمن السَّقَطِيّ) وقد ترجم له في:
١ - "تاريخ بغداد" (٤/ ٢٤٤) وقال: "ليس بمعروف عند أهل النقل". وقال الخطيب أيضًا في "تاريخه" (١/ ٣٤٦) في ترجمة (محمد بن أحمد المُفيد): والسَّقَطِيُّ مجهول. وقال في (١/ ٣٤٧) منه: "لا أعلم أحدًا من البغداديين ولا غيرهم عرف أحمد بن عبد الرحمن السَّقَطِيّ هذا، ولا روى عنه سوى المُفيد".
٢ - "ميزان الاعتدال" (١/ ١١٦) وقال: "شيخ لا يُعْرَفُ إلّا من جهة المُفيد، يروي عن يزيد بن هارون، عن حُمَيْد، عن أنس، فذكر حديثًا موضوعًا".
أقول: الحديث الموضوع الذي أشار إليه الذَّهَبِيُّ هو حديث الخطيب المتقدِّم، وقد ذكره ابن حَجَر في "اللسان" (١/ ٢١١) عقب كلام الذَّهَبِيّ هذا. لكن وقع عند الذَّهَبِيّ قوله: "عن حميد"، والصواب: "عن عاصم". وقد جاء على الصواب في "اللسان".
٣ - "اللسان (١/ ٢١١ - ٢١٢) وقال: "وجدت بِخَطِّ من يوثق به من المتأخرين: أنَّ الأَزْدِيّ وَهَّاهُ".
التخريج:
أقول: له عن أنس طرق:
الطريق الأول: عن أبي بكر محمد بن أحمد المُفيد، عن أحمد بن عبد الرحمن السَّقَطِيّ، عن يزيد بن هارون، به.
стр. 355
رواه أبو نُعَيْم في "الحِلْية" (٣/ ١٢١)، والبيهقي في "شُعَب الإيمان" (٧/ ١٧١) رقم (٩٨٨٦) -ط بيروت-.
وعن أبي نُعَيْم رواه الخطيب، وعن الخطيب ابن الجَوْزي في "الموضوعات" (٣/ ٢١٨).
ورواه ابن حَجَر في "اللسان" (١/ ٢١١) في ترجمة (أحمد بن عبد الرحمن السَّقَطِيّ) عن أبي نُعَيْم من طريقه.
وهو إسناد تالف كما تقدَّم في مرتبة الحديث.
الطريق الثاني: عن مُفَرِّج بن شُجَاع، عن يزيد بن هارون، به.
رواه الدَّارَقُطْنِيُّ في "المُؤْتَلِف والمُخْتَلِف" (٤/ ٢١٧٣ - ٢١٧٤)، والخطيب في "تاريخه" (١/ ٣٤٧)، وعنه ابن الجَوْزي في "الموضوعات" (٣/ ٢١٨)، والقُضَاعي في "مسند الشِّهَاب" (١/ ١٣٣ - ١٣٥) رقم (١٧١ و ١٧٢).
وعزاه الحافظ ابن حَجَر في "اللسان" (١/ ٢١١) من هذا الطريق إلى الدِّيْنَوَريّ في "المُجَالَسة" عن أبي عليّ بن الصَّوَّاف، عن يزيد، به. وذكر أنَّه في "فوائد أبي عليّ بن الصَّوَّاف" أيضًا.
أقول: في إسناد هذا الطريق (مُفَرِّج (١) بن شُجَاع المَوْصِليّ)؛ فقد نقل الخطيب عقب روايته له، عن أبي الفتح الأَزْدِيّ قوله فيه: "واهي الحديث". وقال الخطيب: "مُفَرِّج في عداد المجهولين، والحديث عن يزيد شاذ".
وترجم له الذَّهَبِيُّ في "الميزان" (٤/ ١٦٦) ونقل ما تقدَّم عن أبي الفتح والخطيب وقال: "حدَّث عنه بشر بن موسى بخبر باطل". إشارةً منه إلى هذا
стр. 356
الحديث. حيث إنَّ الخطيب والقُضَاعي قد روياه من طريق بشر بن موسى عن مُفَرِّج بن شُجَاع، به.
الطريق الثالث: عن داود بن المُحَبَّر، عن نصر بن جميل (١)، عن حفص بن عبد الرحمن، عن عاصم الأَحْوَل، عنه، به.
رواه العُقَيْلي في "الضعفاء" (٤/ ٢٩٩) في ترجمة (نصر بن جميل)، وعنه القُضَاعي في "مسند الشهاب" (٢/ ١٣٥) رقم (١٧٣)، وابن الجَوْزي في "الموضوعات" (٣/ ٢١٩).
قال العُقَيْلي: "نصر بن جميل عن حفص بن عبد الرحمن، مجهولين بالنقل حديثهما غير محفوظ". ثم ساق الحديث من طريقهما، وقال: "ولا يُتَابَعُ عليه إلّا من طريق فيه ضعف".
ولفظ الحديث عندهم: "الموت كفَّارة للمؤمن".
وقال الذَّهَبِيُّ في "الميزان" (٤/ ٢٥٠) في ترجمة (نصر بن جميل): "لا يُعْرَفُ لا هو ولا شيخه".
أقول: فيه (داود بن المُحَبَّر الطَّائي الثَّقَفِي) وهو متروك. وقد كذَّبه أحمد وصالح جَزَرَة وابن حِبَّان. وستأتي ترجمته في حديث (١٢٦٤).
الطريق الرابع: عن محمد بن صالح بن شُعَيْب اليَمَاني، عن نصر (٢) بن عليّ الجَهْضَمِيّ، عن يزيد بن هارون، عن عاصم، عنه، به.
رواه أبو بكر الإسماعيلي في "معجمه" ص ٧٨ رقم ١٤٠، وعنه البيهقي في "شُعَب الإيمان" (٧/ ١٧١) رقم (٩٨٨٥) -ط بيروت-. وبلفظ "الموت كفَّارة لكلِّ مؤمن".
стр. 357
أقول: قال الحافظ الخطيب في "تاريخه" (١/ ٤٣٧) بعد أن أشار إلى رواية نصر بن عليّ الجَهْضَمِيّ عن يزيد هذه: "وليس بثابت عنه".
وقال الحافظ ابن حَجَر في "اللسان" (٥/ ٢٠١) في ترجمة (محمد بن صالح بن شُعَيْب اليَمَاني البَصْري أبو بكر) -وهو من زوائده على "الميزان"- عقب روايته له بإسناده إلى أبي بكر الإسماعيلي عن محمد بن صالح بن شُعَيْب اليَمَاني به: "رواته أثبات إلّا هذا -يعني شيخ أبي بكر الإسماعيلي: محمد بن صالح بن شُعَيْب اليَمَاني) - فما علمت حاله. وقال الخطيب: ليس بمحفوظ عن نصر بن عليّ".
الطريق الخامس: عن عَبْدَان بن أحمد، حدَّثنا محمد بن عيسى الأصبهاني، حدَّثنا أبو سعيد الجُعْفِي، وأبو مَعْمَر، قالا: حدَّثنا حفص بن غياث، عن عاصم الأَحْوَل، عنه، به.
رواه أبو نُعَيْم الأصبهاني في "تاريخ أصبهان" (٢/ ٢٣١).
أقول: في إسناده (محمد بن عيسى الأصبهاني أبو جعفر)، ترجم له أبو نُعَيْم في "تاريخ أصبهان" (٢/ ٢٣١) ولم يذكر فيه جرحًا أو تعديلًا. ولم أقف على من ذكره بذلك.
وكذلك (عَبْدَان بن أحمد) لم أقف على من ذكره فيما رجعت إليه.
و(أبو سعيد الجُعْفِي) هو (يحيى بن سليمان الكوفي المُقرئ) ترجم له في "التهذيب" (١١/ ٢٢٧) وقال: "قال أبو حاتم: شيخ. وقال النَّسَائي: ليس بثقة. وذكره ابن حِبَّان في "الثقات" وقال: ربما أغرب. . . وقال الدَّارَقُطْنِيُّ: ثقة. وقال مَسْلَمَة بن قاسم: لا بأس به. وكان عند العُقَيْلي ثقة. وله أحاديث مناكير". وقال في "التقريب" (١/ ٣٤٩): "صدوق يخطئ، من العاشرة"/ خ ت. وقال الذَّهَبِيُّ في "الكاشف" (٣/ ٢٢٦): "صويلح".
و(أبو مَعْمَر) هو (إسماعيل بن إبراهيم بن مَعْمَر الهُذَلي القَطِيعي الهَرَوي): ترجم له في "التقريب" (١/ ٦٥) وقال: "ثقة مأمون، من العاشرة"/ خ م د س.
стр. 358
وانظر ترجمته مطوَّلًا في "تهذيب الكمال" (٣/ ١٩ - ٢٣)، و"تهذيب التهذيب" (١/ ٢٧٣ - ٢٧٤).
و(حفص) و (عاصم): ثقتان.
الطريق السادس: عن حمَّاد بن قِيرَاط، عن أبي غياث، عن عاصم الأَحْوَل، عنه، به.
رواه أبو سعد المَالِيني في "مسند شيوخ الصوفية" -كما في "اللآلئ المصنوعة" (٢/ ٤١٥) -.
أقول: فيه (أبو غياث) وهو (أَصْرَم بن غياث النَّيْسَابُورِيّ): منكر الحديث. وستأتي ترجمته في حديث (٩٨٥).
وفيه (حَّماد بن قِيرَاط النَّيْسَابُورِيّ) ترجم له في "الميزان" (١/ ٥٩٩) وقال: "كان أبو زُرْعَة يمرض القول فيه. وقال ابن حِبَّان: لا تجوز الرواية عنه، يجيء بالطَّامات. وقال ابن عدي: عامّة ما يرويه فيه نظر".
وترجم له في "اللسان" (٢/ ٣٥٢) وذكر أنّ أبا زُرْعَة قال فيه: "صدوق"، وأنّ ابن حِبَّان ذكره في "الثقات" وقال: يخطئ، وأنّ أبا حاتم قال: "مضطرب الحديث يُكْتَبُ حديثه".
وللحديث طريق آخر أشار إليه الحافظ الخطيب عقب روايته للحديث بقوله: "ورواه إسماعيل بن يحيى بن عبيد اللَّه التَّيْمِي، عن الحسن بن صالح، عن عاصم الأَحْوَل، وإسماعيل كان كذَّابًا".
أقول: وهذا الحديث ممّا اختلفت أقوال العلماء فيه:
حيث صحَّحه القاضي أبو بكر بن العَرَبي في كتابه "سراج المُرِيدين".
وحسَّنه الحافظ العراقي في رسالته التي ردَّ فيها على الصَّغَاني ما جاء في كتابه
стр. 359
"الدُّر الملتقط" مِنْ حُكْمِه على بعض الأحاديث التي رواها القُضَاعي في "مسند الشهاب" بالوضع -وهي مطبوعة في آخر "مسند الشِّهاب" للقُضَاعي (٢/ ٣٦٠) - فإنَّه قال بعد أَنْ ذَكَرَ حُكْمَ ابن الجَوْزي والصَّغَاني عليه بالوضع: "وقد رويناه من حديث جماعة من الصحابة يحصل من مجموعها أنَّه حديث حسن. . . ورواه القاضي أبو بكر بن العَرَبي في "سراج المُرِيدين" وقال عقبه: إنَّه حديث حسن صحيح. وقد جمعت طرقه في جزء مفرد".
وقال الزُّرْقَاني في "مختصر المقاصد الحسنة" ص ٢٠١ رقم (١١٠٦): "حسن".
وقال السَّخَاوِيُّ في "المقاصد الحسنة" ص ٤٢٥: "قال شيخنا -يعني الحافظ ابن حَجَر-: إنَّه لا يتهيأ الحكم عليه بالوضع مع وجود هذه الطرق. قال: ومع ذلك ليس هو على ظاهره، بل هو محمول على موت مخصوص إنْ ثَبَتَ الحديثُ".
أقول: ويفهم من كلام السَّخَاوِيِّ أنَّ الحافظ ابن حَجَر ﵀ يذهب إلى تضعيفه واللَّه أعلم.
وقال بوضعه: ابن الجَوْزي في "الموضوعات" (٣/ ٢١٩) حيث يقول: "هذا حديث لا يصحُّ عن رسول اللَّه ﷺ ".
قال ابن حَجَر في "اللسان" (١/ ٢١١) بعد أن ذكر حكم ابن الجَوْزي عليه بالوضع: "وسبقه إلى ذلك ابن طاهر فبالغ في إنكاره".
وقال السيوطي في "الدُّرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة" ص ١٧٦: "وذكره ابن الجَوْزي في "الموضوعات" فأخطأ واللَّه أعلم".
كما تعقَّبه مطوَّلًا في "اللآلئ" (٢/ ٤١٤ - ٤١٥)، ولخَّصه عنه ابن عَرَّاق في "تنزيه الشريعة" (٢/ ٣٩٤).
стр. 360
وقال القَاري في "الموضوعات الكبرى" ص ٢٤٦ رقم (٩٧٦): "وذكره ابن الجَوْزي في "الموضوعات" ولم يُصب فيه".
كما قال بوضعه الإمام الصَّغَاني في "الدُّر الملتقط" ص ٢٠ رقم (٨)، وفي "الموضوعات" له ص ١٣ رقم (٦٢).
وقد تقدَّم عن الحافظ الذَّهَبِيِّ قوله ببطلانه أيضًا.
أقول: الذي يظهر لي من مجموع ما تقدَّم أنَّ الحديث ضعيف، واللَّه أعلم.
* * *
٩٤ - حدَّثنا القاضي أبو جعفر السِّمْنَاني -من حفظه، بعد أن كُفَّ بصره- قال: لَقَّنَنَا أبو القاسم نصر بن أحمد بن الخليل المَوْصِليّ المعروف بابن المَرْجي -بالمَوْصِل- قال: لَقَّنَنِي أبو يَعْلَى أحمد بن عليّ بن المثنَّى قال: لَقَّنَنِي شَيْبَان بن فَرُّوخ الأُبُلِّي قال: لَقَّنَنِي سعيد بن سُلَيْم قال:
لَقَّنَنِي أنس بن مالك، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "يقولُ اللَّه تعالى: إذا أخذتُ كَرِيَمَتَيْ العَبْدِ فصبرَ إيمانًا واحتسابًا لم أَرْضَ له ثوابًا دونَ الجنَّةِ". قبل يا رسول اللَّه: وإنْ كانت واحدةً؟ قال: "وإنْ كانت واحدةً".
(١/ ٣٥٥) في ترجمة (محمد بن أحمد بن محمد السِّمْنَاني القاضي أبو جعفر).
مرتبة الحديث:
إسناده ضعيف. والحديث دون قوله: "وإن كانت واحدة" صحيح من حديث أنس وغيره. وهذه الزيادة منكرة.
ففي إسناده: (سعيد بن سُلَيْم الضَّبِّيّ -ويقال: الضُّبَعِي- أبو عثمان) وهو ضعيف. قال ابن عدي عنه في "الكامل" (٣/ ١٢٣٨): "من أصحاب أنس الذين
стр. 361
يروون عنه ممن ليس هم معروفين (١)، ولا حديثهم بالمعروف الذي يتابعه أحد عليه. وهو في عداد الضعفاء الذين يروون عن أنس". وستأتي ترجمته في حديث (٩٧١).
التخريج:
رواه أبو يَعْلَى المَوْصِلي في "مسنده" (٧/ ٢٣٣ - ٢٣٤) رقم (٤٢٣٧). من الطريق التي رواها الخطيب عنه.
ورواه ابن عدي في "الكامل" (٣/ ١٢٣٨) في ترجمة (سعيد بن سُلَيْم الضُّبَعي)، عن أبي يَعْلَى وغيره، عن شَيْبَان، عن سعيد بن سُلَيْم، عنه، به.
ورواه الذَّهَبِيُّ في "الميزان" (٢/ ١٤٢ - ١٤٣) عن أبي يَعْلَى من طريقه أيضًا.
قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٣١٠): "رواه أبو يَعْلَى وفيه سعيد بن سُلَيْم الضَّبِّي ضعَّفه الأَزْدِيُّ، وذكره ابن حِبَّان في "الثقات" وقال: يخطئ".
وقال الحافظ ابن حَجَر في "المطالب العالية" (٢/ ٣٤٢) رقم (٢٤٢٧): "رواه البخاري من وجه آخر عن أنس دون قوله: وإن كانت واحدة إلى آخره. وهو زيادة منكرة. وسعيد فيه ضعف".
وقال البُوْصِيري -كما في حاشية محقق "المطالب العالية"-: "رواه أبو يَعْلَى بسند ضعيف".
أقول: والحديث عن أنسب من غير الزيادة المتقدِّمة، رواه البخاري في المرضى، باب فضل من ذهب بصره (١٠/ ١١٦) رقم (٥٦٥٣)، والتِّرْمِذِيّ في الزهد، باب ما جاء في ذهاب البصر (٤/ ٦٠٢) رقم (٢٤٠٠)، وأحمد في
стр. 362
"المسند" (٣/ ١٤٤ و ١٥٦ و ٢٨٣)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (١/ ١٨٦) رقم (٢٥٢).
وبدون تلك الزيادة روي عن عدد من الصحابة. انظر مروياتهم إن شئت في: "جامع الأصول" (٦/ ٤٣٣ - ٤٣٤)، و"الترغيب والترهيب" (٤/ ٣٤٢ - ٣٤٣)، و"مجمع الزوائد" (٢/ ٣٠٨ - ٣١١)، و"المطالب العالية" (٢/ ٣٤٢ - ٣٤٣). وسيأتي من حديث ابن عبَّاس برقم (٢١٦٨).
غريب الحديث:
قوله: "كَرِيمَتَيْ العبد": "يريد عَيْنَيْهِ: أي جارحتيه الكَرِيمتين عليه. وكُلُّ شيء يَكْرُمُ عليك فهو كَرِيمُكَ وكَرِيمتكَ". "النهاية" (٤/ ١٦٧).
* * *
٩٥ - أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن محمد بن عمر قال: أنبأنا أبو الفضل عبد اللَّه بن عبد الرحمن الزُّهْرِيّ، نبأنا جعفر بن محمد الفِرْيَابي، نبأنا قتيبة بن سعيد، نبأنا ابن لَهِيعة، عن مِشْرَح (١) بن هَاعَان،
عن عقبة بن عامر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أكثرُ مُنَافِقي أُمَّتي قُرَّاؤُها".
(١/ ٣٥٧) في ترجمة (محمد بن أحمد بن محمد المُعَدَّل أبو جعفر).
مرتبة الحديث:
صحيح بمجموع طرقه.
وإسناد الخطيب رجاله كلُّهم ثقات عدا (عبد اللَّه بن لَهِيعة المِصْري) فإنَّه ضعيف إلّا إذا روى العَبَادِلَةُ عنه: ابن المُبَارك، وابن وَهْب، والمُقْرِئ، فإنّ
стр. 363
حديثهم عنه صحيح عند بعض النُّقَّاد كما سيأتي تفصيله في ترجمته في حديث رقم (١٩٦). وسيأتي في التخريج أنّ كلًّا من عبد اللَّه بن المبارك وعبد اللَّه بن يزيد المُقْرِئ قد تابعا قتيبة بن سعيد في روايته له عن ابن لَهِيعة. كما أنَّ ابن لَهِيعة نفسه قد توبع كما سيأتي.
وعدا (مِشْرَح بن هَاعَان المَعَافِري المِصْري أبو مصعب) وقد ترجم له في:
١ - "تاريخ الدَّارِمي عن ابن مَعِين" ص ٢٠٤ رقم (٧٥٥) وقال: "ثقة". قال عثمان الدَّارمي: "ومِشْرَح ليس بذاك، وهو صدوق".
٢ - "الجرح والتعديل" (٨/ ٤٣١ - ٤٣٢) وفيه عن أحمد بن حنبل: "معروف".
٣ - "الثقات" لابن حِبَّان (٥/ ٤٥٢) وقال: "يخطئ ويخالف".
٤ - "المجروحين" (٣/ ٢٨) وقال: "يروي عن عقبة بن عامر أحاديث مناكير لا يُتَابَعُ عليها. . . والصواب في أمره ترك ما انفرد به من الروايات، والاعتبار بما وافق الثقات".
٥ - "الكامل" (٦/ ٢٤٦٠) وقال: "أرجو أنَّه لا بأس به".
٦ - "الكاشف" (٣/ ١٢٩) وقال: "ثقة".
٧ - "المغني" (٢/ ٦٥٩) وقال: "صدوق، لَيَّنَهُ ابن حِبَّان، ووثَّقه ابن مَعِين في رواية عثمان بن سعيد".
٨ - "التقريب" (٢/ ٢٥٠) وقال: "مقبول، من الرابعة"/ عخ د ت ق.
أقول: الظاهر أنَّه صدوق كما قال الذَّهَبِيُّ في "المغني". ولم يتفرَّد في روايته له عن (عقبة)، حيث تابعه (أبو عُشَّانَة حَيّ بن يُومِن) كما سيأتي.
стр. 364
التخريج: رواه أبو بكر الفِرْيَابي في "صفة المُنَافِق" ص ٥٥ رقم (٣٢)، وعنه ابن عدي في "الكامل" (٤/ ١٤٦٦) -في ترجمة (عبد اللَّه بن لَهِيعة) -، والذَّهَبِيُّ في "المعجم اللطيف" ص ٢٠ رقم (٢)، من الطريق التي رواها الخطيب عنه: قتيبة بن سعيد، عن ابن لَهِيعة، عن مِشْرَح، عنه، به.
وقال الذَّهَبِيُّ: "هذا حديث غاية في العُلِّو، لكنَّه ضعيف"! ! .
ورواه أحمد في "المسند" (٤/ ١٥٥)، والفِرْيَابي في "صفة المنافق" ص ٥٦ رقم (٣٤)، وابن قُتَيْبَة في "غريب الحديث" (١/ ٤٥٣)، من طريق عبد اللَّه بن يزيد المُقْرِئ أبي عبد الرحمن، عن ابن لَهِيعة، عن مِشْرَح، عنه، به.
ورواه الفِرْيَابي في "صفة المنافق" ص ٥٥ - ٥٦ رقم (٣٣)، وعنه الذَّهَبِيُّ في "سِيَر أعلام النبلاء" (٨/ ٣٥٠ - ٣٥١)، من طريق عبد اللَّه بن المبارك، عن ابن لَهِيعة، عن مِشْرَح، عنه، به.
ورواه أحمد في "المسند" (٤/ ١٥١)، من طريق أبي سعيد عبد الرحمن بن عبد اللَّه البَصْري مولى بني هاشم، عن ابن لَهِيعة، عن مِشْرَح، عنه، به.
و(أبو سعيد عبد الرحمن البَصْري) قال عنه في "الكاشف" (٢/ ١٥٢): "ثقة". وقال في "التقريب" (١/ ٤٨٧): "صدوق ربما أخطأ، من التاسعة"/خ صد س ق. وانظر "التهذيب" (٦/ ٢٠٩ - ٢١٠).
ورواه تمَّام الرَّازي في "فوائده" (١/ ٥٥٥) رقم (٩٦٠)، من طريق منصور بن عمار، عن ابن لَهِيعة، عن مِشْرَح، عنه، به.
و(منصور بن عمَّار الواعظ الخُرَاسَاني أبو السَّرِيّ): منكر الحديث. وستأتي ترجمته في حديث (٧٢٣).
ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٧/ ٣٠٥) رقم (٨٤١)، من طريق
стр. 365
أسد بن موسى، ويحيى بن إسحاق السَّيْلَحِيْنِي، وسعيد بن أبي مَرْيَم، قالوا: حدَّثنا ابن لَهِيعة، عن أبي عُشَّانَة، عن عقبة بن عامر به مرفوعًا.
و(أبو عُشَّانَة) هو (حَيّ بن يُومِن المَعَافِرِيّ): ثقة مشهور بكنيته. وستأتي ترجمته في حديث (١٩٦).
و(أسد بن موسى بن إبراهيم الأُمَوي) قال عنه في "التقريب" (١/ ٦٣): "أَسَدُ السُّنَّة، صدوق يُغْرِب، وفيه نَصْب، من التاسعة، مات سنة اثنتي عشرة -يعني ومائتين-، وله ثمانون"/ خت د س. وانظر ترجمته مطوَّلًا في: "تهذيب الكمال" (٢/ ٥١٢ - ٥١٤)، و"السِّيَر" (١٠/ ١٦٢ - ١٦٤) وقال: "الإِمام الحافظ الثقة".
و(يحيى بن إسحاق السَّيْلَحِيْنِي أبو زكريا -أو أبو بكر-) قال عنه في "التقريب" (٢/ ٣٤٢): "صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة عشر ومائتين"/ م ٤. وانظر ترجمته مفصَّلًا في: "السِّيَر" للذَّهَبِيّ (١١/ ٥٠٥ - ٥٠٧) وقال: "الحافظ الإِمام الثَّبْتُ"، و"التهذيب" (١١/ ١٧٦ - ١٧٧).
و(سعيد بن أبي مَرْيَم) هو (سعيد بن الحكم الجُمَحِيّ المِصْريّ أبو محمد) قال عنه في "التقريب" (١/ ٢٩٣): "ثقة ثَبْت فقيه، من كبار العاشرة، مات سنة أربع وعشرين -يعني ومائتين-، وله ثمانون سنة"/ ع. وانظر ترجمته مفصّلًا في: "تهذيب الكمال" (١٠/ ٣٩١ - ٣٩٥)، و"السِّيَر" (١/ ٣٢٧ - ٣٣٠).
ورواه أحمد في "المسند" (٤/ ١٥٥)، والبخاري في "خَلْق أفعال العباد" ص ١٩٤ - ١٩٥ رقم (٦١٤)، والفِرْيَابي في "صفة المنافق" ص ٥٦ رقم (٣٥)، والبيهقي في "شُعَب الإِيمان" (١٢/ ٢٨٢) رقم (٦٥٦١)، من طريق أبي سَلَمَة منصور بن سَلَمَة الخُزَاعي، عن الوليد بن المغيرة، عن مِشْرَح، عنه، به.
و(منصور بن سلمة الخُزَاعي) و (الوليد بن المغيرة) كلاهما ثقة. انظر "التقريب" (٢/ ٢٧٦) و (٢/ ٣٣٦)، و"التهذيب" (١٠/ ٣٠٨) و (١١/ ١٥٥).
стр. 366
قال الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٢٢٩): "رواه أحمد والطبراني وأحد أسانيد أحمد ثقات أثبات".
أقول: وللحديث شواهد من حديث: عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وابن عباس، وعِصْمَة بن مالك ﵃ أجمعين.
أمَّا حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص:
فقد رواه عبد اللَّه بن المبارك في "الزهد" ص ١٥٢ رقم (٤٥١)، وعنه الفِرْيَابي في "صفة المنافق" ص ٥٦ رقم (٣٦)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ٢٥٧)، والبيهقي في "شُعَب الإِيمان" (١٢/ ٢٨١) رقم (٦٥٦٠)، والبَغَوي في "شرح السُّنَّة" (١/ ٧٥)، عن عبد الرحمن بن شُرَيْح المَعَافِرِيّ، عن شَرَاحيل بن يزيد، عن محمد بن هَدِيَّة (١)، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص مرفوعًا.
ومن هذا الطريق: رواه أحمد في "المسند" (٢/ ١٧٥)، وابن أبي شَيْبَة في "مصنفه" (١٣/ ٢٢٨)، والبخاري في "خَلْق أفعال العباد" ص ١٩٤ رقم (٦١٣)، والفَسَويّ في "المعرفة والتاريخ" (٢/ ٥٢٨)، والبيهقي في "شُعَب الإِيمان" (١٢/ ٢٨١ - ٢٨٢) رقم (٦٥٥٩).
أقول: إسناده حسن.
والعجيب أنَّ الشيخ الألباني حفظه المولى في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (٢/ ٣٨٧) يقول: "هذا إسناد رجاله ثقات غير محمد بن هَدِيَّة، فلم أر من وثَّقه"! ! مع أنَّ العِجْلي ترجم له في "تاريخ الثقات" ص ٤١٥ رقم (١٥١٠) وقال: "مِصري تابعي ثقة". كما ترجم له ابن حِبَّان في "ثقاته" (٥/ ٣٨١). وذكره الفَسَويّ في "المعرفة والتاريخ" (٢/ ٥٢٨) في جملة ثقات التابعين من أهل مِصر. وترجم له الحافظ ابن حَجَر في "التهذيب" (٩/ ٤٩٥)، و"التقريب" (٢/ ٢١٤) وقال: "مقبول"! ! .
стр. 367
قال الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٢٣٠): "رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات، وكذلك رجال أحد إسنادي أحمد ثقات".
ورواه أحمد في "المسند" (٢/ ١٧٥) من طريق ابن لَهِيعة، عن درَّاج، عن عبد الرحمن بن جُبَيْر، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص مرفوعًا.
و(ابن لَهِيعة): ضعيف. و (دَرَّاج بن سَمْعَان السَّهْمِيّ أبو السَّمْح) فيه ضعف. وستأتي ترجمته في حديث (٤٩٣).
وأما حديث عبد اللَّه بن عبَّاس:
فقد رواه العُقَيْلي في "الضعفاء الكبير" (١/ ٢٧٤) في ترجمة (حفص بن عمر العَدَني)، من طريق حفص هذا، عن الحَكَم بن أَبَان، عن عِكْرِمَة، عن ابن عبَّاس مرفوعًا. وقال: "لا يُتَابَعُ على هذا أيضًا من حديث ابن عبَّاس. وقد رُوي عن عبد اللَّه بن عمرو عن النبيِّ ﵇ بإسناد صالح".
أقول: (حفص بن عمر بن ميمون العَدَني): ضعيف. وستأتي ترجمته في حديث (٧٨٤).
وأمَّا حديث عِصْمَة بن مالك:
فقد رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٧/ ١٧٩)، وابن عدي في "الكامل" (٦/ ٢٠٤١) في ترجمة (الفضل بن مختار البَصْري)، من طريق الفضل هذا، عن عبد اللَّه بن وهب، عن عِصْمَة بن مالك مرفوعًا.
قال ابن عدي: لا يُتَابَعُ عليه.
وقال الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٢٣٠): "رواه الطبراني وفيه الفضل بن المختار وهو ضعيف".
وقد أورد الإِمام الشَّوْكَانيُّ حديث: "أكثر منافقي أُمَّتي قراؤها" في "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" ص ٢٨٨، وعزاه لأحمد والطبراني. ولم
стр. 368
يصب في إيراده له في كتاب "الموضوعات". وقد علَّق عليه محققه العلَّامة اليَمَاني ﵀ بقوله: "بأسانيد في كلّ منها مَقَال". وقوله هذا موضع نظر كما يتبين من التخريج السابق.
معنى الحديث:
قال الإِمام البَغَوي في "شرح السُّنَّة" (١/ ٧٧): "هو أن يعتاد ترك الإِخلاص في العمل، كما جاء: "التَّاجِرُ فَاجِرٌ" (١)، وأراد: إذا اعتاد التاجر الكذب في البيع والشراء، لا أنّ نفس التجارة فجور، بل هي أمر مأذون فيه، مباح في الشرع".
وقال الإِمام ابن الأثير في "النهاية" (٤/ ٣١): "أي أنهم يحفظون القرآن نفيًا للتهمة عن أنفسهم، وهم معتقدون تضييعَهُ. وكان المنافقون في عصر النبيِّ ﷺ بهذه الصفة".
وقال الإِمام المُنَاوي في "فيض القدير" (٢/ ٨٠): "أي الذين يتأولونه على غير وجهه يضعونه في غير مواضعه، أو يحفظون القرآن تَقِيَّةً للتُّهْمَةِ عن أنفسهم وهم معتقدون خلافه، فكان المنافقون في عصر النبيّ ﷺ بهذه الصفة. ذكره ابن الأَثِير. وقال الزَّمَخْشَريُّ: أراد بالنفاق الرِّيَاء، لأنّ كلًّا منهما: إرادة ما في الظاهر خلاف ما في الباطن". ثم استفاض في ذكر تفصيل. ذلك نقلًا عن غيره، فانظره فإنه جيِّد.
* * *
٩٦ - أخبرنا أبو القاسم طلحة بن عليّ بن الصَّقْر الكَتَّاني قال: نبأنا محمد بن عبد اللَّه بن إبراهيم الشَّافِعِي قال: نبأنا محمد بن أحمد بن المهدي أبو عُمَارة قال: نبأنا أبو نافع أحمد بن كثير قال: نبأنا جعفر بن محمد العابد قال: نبأنا أبو يعقوب الأعمى، عن إسماعيل بن مَعْمَر، عن محمد بن عبد اللَّه الدَّغْشِيّ
стр. 369
-قَبِيلٌ من اليمن- قال: سمعت مُجَالِد بن سعيد يقول: سمعت مَسْرُوقًا يقول:
سمعت عبد اللَّه بن مسعود يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "القرآنُ كلامُ اللَّه ليس بخَالِقٍ ولا مَخْلُوقٍ، فمن زَعَمَ غير ذلك فقد كَفَرَ بما أَنْزَلَ اللَّهُ على محمّدٍ ﷺ ".
(١/ ٣٦٠ - ٣٦١) في ترجمة (محمد بن أحمد بن المهدي أبو عُمَارة).
مرتبة الحديث:
موضوع.
ففيه صاحب الترجمة (محمد بن أحمد بن المهدي أبو عُمَارة) وقد ترجم له في:
١ - "السنن" للدَّارَقُطْنِيّ (١/ ٢٠٥) وقال: "ضعيف جدًّا".
٢ - "تاريخ بغداد" (١/ ٣٦٠ - ٣٦١) وقال: "في حديثه مناكير وغرائب".
٣ - "الميزان" (٣/ ٤٥٦ - ٤٥٧) وفيه عن الدَّارَقُطْنِيّ: "متروك". وساق الحديث في ترجمته وقال: "هو موضوع على مُجَالِد".
وفيه (مُجَالِد بن سعيد الهَمْدَاني الكوفي) وهو ليس بالقويّ، وقد تغيَّر بأَخَرَةٍ كما قال ابن حَجَر. وستأتي ترجمته في حديث (١٠٢٣).
و(مسروق) هو (ابن الأَجْدَع الهَمْدَاني الوَادِعي): إمام ثقة مُخَضْرَم. وستأتي ترجمته في حديث (٣٤٦).
قال الخطيب عقب روايته له: "هذا الحديث منكر جدًّا. وفي إسناده غير واحد (١) من المجهولين. وقد رواه أحمد بن بشير الكوفي عن مُجَالِد. عنه، وهما موقوفان". ثم ساق إسناده إلى ابن مسعود موقوفًا عليه.
стр. 370
التخريج:
رواه ابن الجَوْزي في "الموضوعات" (١/ ١٠٨) عن الخطيب من طريقه المتقدِّم، ونقل قوله السابق.
وقال ابن الجوزي (١/ ١٠٩): "وقد رُوي في هذا الباب أحاديث عن رسول اللَّه ﷺ ليس فيها شيء يثبت عنه".
وذكره السيوطي في "اللالئ المصنوعة" (١/ ٤).
وقال الشَّوْكَانِيُّ في "الفوائد المجموعة" ص ٣١٣: "وذَكَرَ له -يعني السيوطي- شواهد، وأطال في غير طائل. فالحديث موضوع، تَجَارَأ على وضعه من لا يستحي من اللَّه تعالى. . . . ".
وذكره ابن عَرَّاق في "تنزيه الشريعة" (١/ ١٣٤ - ١٣٥)، وقال عقب نقله القول الذَّهَبِيِّ السابق: "هو موضوع على مُجَالِد": "يعني لأنَّ مُجَالِدًا روى له مسلم مقرونًا بغيره، واللَّه أعلم".
قال الحافظ السَّخَاويُّ في "المقاصد الحسنة" ص ٣٠٤: إنَّه "من جميع طرقه باطل. . . ورُوي عن معاذ وابن مسعود وجابر مرفوعًا ولا يصحُّ شيء من ذلك، أسانيده مظلمة لا ينبغي أَنْ يُحْتَجَّ بشيء منها، ولا أَنْ يُسْتَشْهَدَ بها".
* * *
٩٧ - أخبرنا محمد بن الحسين القَطَّان قال: نبأنا عبد الباقي بن قَانِع قال: نبأنا محمد بن أحمد بن نصر التِّرْمِذِيّ قال: نبأنا إبراهيم بن المنذر قال: نبأنا سعيد بن محمد مولى بني هاشم قال: نبأنا محمد بن المُنْكَدِر،
عن جابر قال: جاء رجل إلى النبيِّ ﷺ يشكو إليه الفَاقَةَ فأمره أن يتزوَّج.
(١/ ٣٦٥) في ترجمة (محمد بن أحمد بن نصر التِّرْمِذِيّ أبو جعفر).
стр. 371
مرتبة الحديث:
إسناده ضعيف جدًّا.
ففيه (سعيد بن محمد بن أَبي موسى المَدِيني مولى بني هاشم أَبو عثمان) وقد ترجم له في:
١ - "الجرح والتعديل" (٤/ ٥٨) وفيه عن أَبي حاتم: "ليس بشيء".
٢ - "المجروحين" (١/ ٣٢٦) وقال: "يقلب الأخبار، روى عن ابن المُنْكَدِر بنسخة منها أشياء مستقيمة تشبه حديث الثقات، وأشياء مقلوبة لا تشبه حديث الأثبات. لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد".
٣ - "الميزان" (٢/ ١٥) وذكر تضعيف أَبي حاتم وابن حِبَّان له فقط. ومثله في "اللسان" (٣/ ٤١).
كما أنَّ فيه (عبد الباقي بن قَانِع الأُمَوي البغدادي أبو الحسين) وهو صدوق تغيَّر بأَخَرَةٍ. وستأتي ترجمته في حديث (١٧٦).
التخريج:
لم أقف على من رواه غير الخطيب.
وقد ذكره الذَّهَبِيُّ في "الميزان" (٢/ ١٥٦)، وابن حَجَر في "اللسان" (٣/ ٤١) في ترجمة (سعيد بن محمد المَدِيني)، من الطريق المتقدِّم.
وقد روت السيدة عائشة عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "تَزَوَّجُوا النِّسَاءَ، فإنهنَّ يَأْتينَ بالمَالِ".
والراجح إرساله كما قال الدَّارَقُطْنِيُّ. وسيأتي تخريجه في حديث (١٣٦٣).
* * *
стр. 372
٩٨ - أخبرنا أبو سعد المَالِيني -قراءة- قال: أنبأنا أبو بكر أحمد بن يعقوب القُرَشي قال: نبأنا أَبو بكر محمد بن أحمد بن نصر العطَّار البغدادي قال: نبأنا محمد بن سِنَان القَزَّاز البصري قال: نبأنا مَرْدُوْيَه بن يزيد، عن الحسن بن أبي الحسن، أنَّه أخبرهم عن أبي العَالِية البَرَّاء،
عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من اتخذ قوسًا في بيته نَفَى اللَّه عنه الفَقْرَ أَربعينَ سنةً".
قال الخطيب: "كذا أخبرنا أبو سعد بهذا الحديث قال فيه: عن الحسن بن أبي الحسن، إنما هو ابن أبي الحسناء، بزيادة ألف". ثم ساق الإسناد من وجه آخر فيه ذكر الاسم على الصواب.
(١/ ٣٦٦) في ترجمة (محمد بن أحمد بن نصر العطَّار أبو بكر).
مرتبة الحديث:
موضوع.
ففيه (أحمد بن يعقوب بن نُفَّاطة القُرَشي أَبو بكر) وقد ترجم له في:
١ - "ميزان الاعتدال" (١/ ١٦٤) وقال: قال الحاكم: كان يضع الحديث، كاشَفْتُهُ ونَصَحْتُهُ واستحييت من فصاحته وبراعته".
٢ - "لسان الميزان" (١/ ٣٢٦) وقال: "لعله الآتي" يعني (أحمد بن يعقوب بن عبد الجبَّار الأُمَوي المَرْوَاني الجُرْجَاني)، فقد ترجم له الذَّهَبِيُّ في "الميزان" (١/ ١٦٥) عقب ترجمة السابق، ونقل عن البيهقي قوله: "روى أحاديث موضوعة، لا أستحل رواية شيء منها". وقال الحاكم: "هو أحمد بن يعقوب بن مقاطر القُرَشي أبو بكر الجُرْجَاني (١): كان يضع الحديث ويحدِّثهم عن أَبي حَنيِفة،
стр. 373
وعن مجاهد، قَصَدْتُهُ وكاشفْتُهُ، ونصحْتُهُ، فرأيت من فصاحته وبراعته ما منع من الزيادة في مكاشفته. مات بالطابَرَان سنة سبع وستين وثلاثمائة".
وفيه (محمد بن سِنَان بن يزيد القَزَّاز البَصْري أبو بكر). وقد ترجم له في:
١ - "الجرح والتعديل" (٧/ ٢٧٩) وقال: "كتب عنه أبي بالبَصْرة وكان مستورًا في ذلك الوقت وأتيته أنا ببغداد". وفيه عن عبد الرحمن بن خِرَاش: "هو كذَّاب روى حديث وَالآن عن رَوْح بن عُبَادة (١) فذهب حديثه".
٢ - "سؤالات الحاكم للدَّارَقُطْنِيّ" ص ١٣٤ رقم (١٦٣) وقال: "لا بأس به".
٣ - "تاريخ بغداد" (٥/ ٣٤٣ - ٣٤٦) وفيه عن الآجُرِّيّ: "وسمعته -يعني أبا داود السِّجِسْتَانِيّ- يتكلَّمُ في محمد بن سِنَان، يُطْلِقُ فيه الكذب". وفيه عن عبد الرحمن بن يوسف بن خِرَاش: "ليس عندي بثقة".
٤ - "المغني" (٢/ ٥٨٩) وقال: "مشهور، رَمَاه بالكذب أبو داود وابن خِرَاش".
٥ - "التهذيب" (٩/ ٢٠٦ - ٢٠٧) وقال: "إنْ كانَ عُمْدَةُ مَنْ كَذَّبَهُ كونه ادَّعى سماع هذا الحديث -يعني حديثَ وَالآن العَدَويّ- من ابن عُبَادة، فهو جرح ليِّنٌ، لعله استجاز روايته عنه بالوِجَادَة". وقال مَسْلَمة في "الصِّلة": "ثقة".
٦ - "التقريب" (٢/ ١٦٧) وقال: "ضعيف، من الحادية عشرة"/ تمييز.
كما أن في إسناده صاحب الترجمة (محمد بن أحمد بن نصر العطَّار أبو بكر) لم يذكر الخطيب فيه جرحًا أو تعديلًا.
كما أنّ فيه (مَرْدُوْيَه بن يزيد) وهو (عبد الصمد بن يزيد، يعرف بَمرْدُويَه الصَّائغ أبو عبد اللَّه) وقد ترجم له في:
стр. 374
١ - "الثقات" لابن حِبَّان (٨/ ٥١٥).
٢ - "الكامل" (٥/ ١٩٧٣) وفيه عن أَبي يَعْلَى: "قال يحيى بن مَعِين لمَرْدُوْيَه: كيف سمعت كلام فضيل؟ قال: أطرافًا. قال: كنت تقول له: قلت كذا أو قلت كذا، أي ضعَّفه ابن مَعِين". وقال ابن عدي: "لا أعرف له مسندًا فأذكره".
٣ - "تاريخ بغداد" (١١/ ٤٠ - ٤١) وفيه عن ابن مَعِين -رواية ابن الجُنَيْد (١) -: "لا بأس به، ليس ممن يكذب".
وقال الحسين بن فَهْم: "كان ثقة من أهل السُّنَّةِ والورع، وقد كَتَبَ النَّاسُ عنه". وكانت وفاته سنة (٢٣٥ هـ).
٤ - "ميزان الاعتدال" (٢/ ٦٢١) وقال: "يروي حكايات".
٥ - "اللسان" (٤/ ٢٣ - ٢٤) وقال بعد ذكره لما تقدَّم عن أَبي يَعْلَى مِنْ ظَنِّهِ أَنَّ ابنَ مَعِين ضعَّفه: وهذا الظن يخالف ما رواه ابن الجُنَيْد عن ابن مَعِين من قوله: "لا بأس به ليس ممن يكذب".
و(أَبو سعد المَالِيني) هو (أحمد بن محمد بن أحمد الأنصاري الهَرَوي)، ترجم له الذَّهَبِيُّ في "السِّيَر" (١٧/ ٣٠١ - ٣٠٣) وقال: "الإمام المحدِّث الصادق الزاهد الجَوَّال. . . له معرفة وفهم، جَمَعَ وصَنَّفَ. . . وكان ذا صدقٍ وورعٍ وإتقانٍ، حَصَّل المسانيد الكبار". وكانت وفاته سنة (٤١٢ هـ)، كما ترجم له تلميذه الخطيب في "تاريخه" (٤/ ٣٧١ - ٣٧٢) مِنْ قَبْلُ وقال: "كان ثقةً صدوقًا متقنًا خَيِّرًا صالحًا".
التخريج:
عزاه في "الكنز" (٤/ ٣٥٤) رقم (١٠٨٦٤) إلى الشِّيرازي في "الألقاب"، والخطيب عن أنس.
стр. 375
ولم أقف عليه في غيره في كُلِّ ما رجعت إليه، واللَّه أعلم.
* * *
٩٩ - أخبرنا محمد بن عبد اللَّه بن شَهْرَيار الأصبهاني قال: نبأنا سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني قال: نبأنا محمد بن أحمد بن الوليد البغدادي قال: نبأنا محمد بن أبي السَّرِيّ العَسْقَلانيّ قال: حدَّثني الوليد بن مسلم قال: حدَّثني محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد اللَّه (١) بن سَلَام، عن أبيه،
عن جَدِّه قال: خرج رسول اللَّه ﷺ إلى المِرْبَد، فرأى عثمان بن عفَّان يقود ناقة تحمل دَقِيقًا وسَمْنًا وعَسَلًا. فقال له رسول اللَّه ﷺ : "أَنِخْ" فأَنَاخَ، فدعا بِبُرْمَةٍ فجعل فيها من السَّمْنِ والعَسَلِ والدَّقِيقِ، ثم أمر فأوقد تحتها حتى نضج. ثم قال: "كُلُوا"، فَأَكَلَ منه رسول اللَّه ﷺ ، ثم قال: "هذا شيءٌ يدعوه أهلُ فارس الخَبِيصَ".
(١/ ٣٦٨ - ٣٦٩) في ترجمة (محمد بن أحمد بن الوليد البغدادي).
مرتبة الحديث:
في إسناده صاحب الترجمة (محمد بن أحمد بن الوليد البغدادي) لم يذكر الخطيب فيه جرحًا أو تعديلًا.
كما أنَّ فيه (محمد بن أَبي السَّرِيّ العَسْقَلانيّ) قال الحافظ عنه في "التقريب" (٢/ ٢٠٤): "صدوق عارف له أوهام كثيرة". وقال الذَّهَبِيُّ في "الكاشف" (٢/ ٨٢): "وُثِّقَ، ولَيَّنَهُ أبو حاتم". وستأتي ترجمته في حديث (٣٨٢).
و (حمزة بن يوسف بن عبد اللَّه بن سَلَام) ذكره ابن حِبَّان في "الثقات" (٤/ ١٧٠) وقال: "يروي عن أبيه، روى عنه محمد بن حمزة". ولم يوثِّقه غيره.
стр. 376
ولذا قال الحافظ عنه في "التقريب" (١/ ٢٠١): "مقبول". لكنه قال في "التهذيب" (٣/ ٣٥): "له عند ابن ماجه حديث واحد في قصَّة إسلام زيد بن سَعْيَة مختصرًا. وقد رواه الطبراني بتمامه وهو حديث حسن مشهور في دلائل النبوة. قلت: -القائل ابن حَجَر- وقد أخرجه ابن حِبَّان في "صحيحه"، والحاكم".
وقد قال الإِمام المِزِّيّ في "تهذيب الكمال" (٧/ ٣٤٧) في ترجمة (حمزة) بعد أن روى حديث قصَّة إسلام زيد بن سَعْيَة عن الطبراني من طريق حمزة: "هذا حديث مشهور في دلائل النبوة".
فظاهر صنيعهما الاحتجاج بحديث (حمزة بن يوسف بن عبد اللَّه بن سَلَام)، واللَّه أعلم.
أمَّا جَدُّهُ (يوسف بن عبد اللَّه بن سَلَام) فإنَّه قال عنه في "التقريب" (٢/ ٣٨١): "صحابي صغير، وقد ذكره العِجْلي في ثقات التابعين". وترجم له الحافظ في "الإصابة" (٣/ ٦٧١) وقال: "رأى النبيَّ ﷺ وهو صغير وحفظ عنه".
وباقي رجال الإِسناد حديثهم حسن. والوليد بن مسلم -وهو مُدَلِّسٌ مشهور مكثر- قد صَرَّحَ بالتحديث هنا.
والحديث عَدَّهُ الطبراني والهيثمي والمُتَّقِي الهِنْدِي من "مسند عبد اللَّه بن سَلَام"، والظاهر أنَّه من مسند (يوسف بن عبد اللَّه بن سَلَام)، فإنَّ (حمزة بن يوسف بن عبد اللَّه بن سَلَام) لا رواية له عن جَدِّه (عبد اللَّه)، إنما روايته عن أبيه (يوسف) كما في "الثقات" لابن حِبَّان، و"تهذيب الكمال" (٧/ ٣٤٤) فإنه قال: "روى عن أبيه عن جَدِّه عبد اللَّه بن سَلَام".
التخريج:
رواه الطبراني في "المعجم الصغير" (٢/ ٢٤)، و"المعجم الأوسط" -كما في "مجمع البحرين في زوائد المعجمين"- للهيثمي (٧/ ٨٣ - ٨٤) رقم
стр. 377
(٤٠٨٥)، من الطريق التي رواها الخطيب عنه، وقال: "لا يُرْوى عن عبد اللَّه بن سَلَام إلّا بهذا الإِسناد. تفرَّد به الوليد بن مسلم".
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٥/ ٣٧ - ٣٨): "رواه الطبراني في الثلاثة، ورجال الصغير والأوسط ثقات"! .
ولم أقف عليه في "المعجم الكبير" المطبوع، لفقدان مسند "عبد اللَّه بن سَلَام" من الأصل المخطوط الذي طبع عنه.
ورواه البيهقي في "شُعَب الإِيمان" (١٠/ ٤٧٩) رقم (٥٥٣٣)، من طريق الوليد بن مسلم قال: "حدَّثنا محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد اللَّه بن سَلَام، عن أبيه، عن جدِّه أو غيره، به مرفوعًا.
ورواه بنحوه الحاكم في "المستدرك" (٤/ ١٠٩ - ١١٠)، عن عليّ بن حَمْشَاذ العَدْل، حدَّثنا عبيد بن شَريك، حدَّثنا محمد بن عبد العزيز الرَّمْلي، حدَّثنا الوليد بن مسلم، عن محمد بن حمزة بن عبد اللَّه بن سَلَام، عن أبيه، عن جَدِّه. وقال: "هذا حديث صحيح الإِسناد ولم يُخَرِّجَاه". ووافقه الذَّهَبِيُّ.
أقول: قوله في الإسناد: "محمد بن حمزة بن عبد اللَّه بن سَلَام" موضع نظر. فإنَّ (حمزة) هو (ابن يوسف بن عبد اللَّه بن سَلَام)، بل إنَّه قيل كما في "تهذيب الكمال" (٧/ ٣٤٣ - ٣٢٤): "حمزة بن محمد بن يوسف بن عبد اللَّه بن سَلَام"
كما أنَّ (الوليد بن مسلم) -وهو من هو تدليسًا وتسويةً- قد عَنْعَنَ ولم يُصَرِّح بالسماع، لكنه عند الخطيب وغيره قد صَرَّح بالسماع، واللَّه أعلم.
ورواه ابن الجَوْزي في "العلل المتناهية" (٢/ ١٧٧ - ١٧٨) عن الخطيب من طريقه المتقدِّم، وقال: "هذا حديث لا يصحُّ عن رسول اللَّه ﷺ تفرد به الوليد، وكان يسقط الضعفاء من الإسناد ويدلِّس".
أقول: لكنه قد صَرَّحَ عند الخطيب وغيره بالتحديث عن (محمد بن حمزة).
стр. 378
والحديث عزاه المُتَّقِي الهِنْدي في "كنز العُمَّال" (١٥/ ٢٧٩ - ٢٨٠) رقم (٤٠٩٨٩) إلى الطبراني في الكبير، والحاكم، والبيهقي في "شُعَب الإيمان" عن عبد اللَّه بن سَلَام.
هذا وقد ذكر الحافظ ابن حَجَر في "المطالب العالية" (٢/ ٣٢٤) رقم (٢٣٨٢) عن عبيد اللَّه بن أَبي عبد اللَّه قال: "صنع عثمان بن عفَّان خَبِيصًا بالعَسَل والسَّمْن والبُرِّ، فأتي به في قَصْعَةٍ إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: ما هذا؟ قال: هذا يا نبيَّ اللَّه شيء تصنعه الأعاجم من البُرِّ والعسل والسمن، تسميه الخَبِيص، قال: فأكل". وعزاه ابن حَجَر للحارث بن أبي أُسَامة في "مسنده". وعلَّق عليه محققه بقوله: "قال البُوصيري: رواه الحارث بإسناد منقطع".
غريب الحديث:
قوله: "المِرْبَد": هو "الموضع الذي تحبس فيه الإِبل والغنم، وبه سُمِّي مِرْبَدُ المدينة والبصرة، وهو بكسر الميم وفتح الباء، من ربد بالمكان: إذا أقام فيه. وَرَبَدَهُ إذا حَبَسَهُ". "النهاية" (٢/ ١٨٢).
قوله: "بُرْمَة": "هي القِدْر مطلقًا، وجمعها بِرَام. وهي في الأصل المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز واليمن". "النهاية" (١/ ١٢١).
* * *
١٠٠ - أخبرني محمد بن عبد اللَّه بن شَهْرَيَار قال: أنبأنا سليمان بن أحمد الطبراني قال: أنبأنا محمد بن أحمد بن هشام السِّجْزِيّ -ببغداد- قال: نبأنا عبد اللَّه بن عمر بن أَبَان قال: نبأني حسين بن عليّ الجُعْفِي، عن زَائِدَة، عن هشام بن حسَّان، عن محمد بن سِيرين،
عن أبي هريرة قال: قيل يا رسول اللَّه: هَلْ نَصِلُ إلى نِسَائِنَا في الجَنَّةِ؟ فقال: "إنَّ الرَّجُلَ لَيِصِلُ في اليوم إلى مائةِ عَذْرَاءَ".
(١/ ٣٧١) في ترجمة (محمد بن أحمد بن هشام السِّجْزِيّ).
стр. 379
مرتبة الحديث:
صحيح لغيره.
ورجال إسناده كلُّهم ثقات عدا صاحب الترجمة (محمد بن أحمد بن هشام السِّجْزيّ) فإنّ الخطيب لم يذكر فيه جرحًا أو تعديلًا، ولم أجد من ذكره بذلك، لكنه قد تُوبِعَ كما سيأتي.
و(زَائِدَة) هو (ابن قُدَامة الكوفي أبو الصَّلْت): ثقة ثَبْت. وستأتي ترجمته في حديث (١٤٧٥).
التخريج:
رواه الطبراني في "المعجم الصغير" (٢/ ١٢ - ١٣) من الطريق التي رواها الخطيب عنه، وقال: "لم يروه عن هشام إلّا زائدة، تَفَرَّدَ به الجُعْفِيّ".
ورواه أَبو نُعَيْم في كتاب "صفة الجنَّة" (٣/ ٢١٣ - ٢١٤) رقم (٣٧٣)، من الطريق المتقدِّم بإسنادين، أحدهما عن الطبراني.
ورواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (١/ ٤٠٦ - ٤٠٧) رقم (٧٢٢)، عن أحمد بن علي الأبَّار، حدَّثنا أَبو هَمَّام الوليد بن شُجَاع، حدَّثنا حسين بن عليّ الجُعْفِيّ، به. وقال: "لم يرو هذا الحديث عن هشام إلّا زائدة".
أقول: إسناده صحيح.
والحديث ذكره ابن القَيِّم في "حادي الأرواح" ص ٢٢٥ عن الطبراني من طريقَيْه، ونقل عن الإِمام محمد بن عبد الواحد المَقْدِسي قوله: "رجال هذا الحديث عندي على شرط الصحيح".
ونقله عن المَقدِسي أيضًا: ابن كثير في "الفتن والملاحم" ص ٤٧٨.
стр. 380
وقال ابن القَيِّم في "حادي الأرواح" ص ٢٢٩: "إسناده صحيح" (١).
ورواه البزَّار في "مسنده" (٤/ ١٩٨) رقم (٣٥٢٥) -من كشف الأستار-، عن محمد بن ثَوَاب، حدَّثنا حسين بن عليّ، به، وقال: "لا نعلم رواه عن هشام إلّا حسين (٢) ".
أقول: إسناد البزَّار حسن، فرجاله كلُّهم ثقات، عدا (محمد بن ثَوَاب بن سعيد الهَبَّاري الكوفي) فإنَّه صدوق كما قال الذَّهَبِيُّ في "الكاشف" (٣/ ٢٤)، وابن حَجَر في "التقريب" (٢/ ١٤٩). وانظر "التهذيب" (٩/ ٨٦ - ٨٧).
قال الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ٤١٧) بعد عزوه له إلى البزَّار والطبراني في "الصغير" و"الأوسط": "رجال هذه الرواية رجال الصحيح غير محمد بن ثَوَاب وهو ثقة".
وللحديث شاهد من حديث ابن عبَّاس، رواه أبو يَعْلَى في "مسنده" (٤/ ٣٢٦) رقم (٢٤٣٦)، وهنَّاد بن السَّرِيّ في "الزهد" (١/ ٨٧) رقم (٨٨)، وعنه أَبو نُعَيْم في "صفة الجنَّة" (٣/ ٢١٤ - ٢١٥) رقم (٣٧٤)، والبيهقي في "البعث والنشور" ص ٢٢٢ رقم (٣٦٥)، من طريق هشام بن حسَّان، عن زيد بن الحَوَارِي، عن ابن عبَّاس مرفوعًا.
قال في "المجمع" (١٠/ ٤١٦): "رواه أبو يَعْلَى وفيه زيد بن الحَوَارِي وقد وُثِّقَ على ضَعْفٍ، وبقية رجاله ثقات".
стр. 381
أقول: إسناده ضعيف لضعف (زيد بن الحَوَارِي العَمِّيّ البَصْري) وستأتي ترجمته في حديث (٣٧٤).
* * *
١٠١ - أخبرنا محمد بن عبد اللَّه بن شَهْرَيَار قال: أنبأنا سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني قال: نبأنا محمد بن أحمد بن يزيد النَّرْسِيّ البغدادي قال: نبأنا أَبو عمر حفص بن عمر الدُّوري المُقْرِئ، عن أَبي محمد اليَزِيدي، عن أبي عمرو بن العلاء، عن مجاهد،
عن ابن عبَّاس: أنَّه كان يُنْكِرُ على من يقرأ ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٦١]. ويقول: كيف لا يكون له أن يُغَلَّ وقد كان له أن يُقْتَلَ؟ قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١١٢]. ولكن المنافقين اتهموا النبيَّ ﷺ في شيء من الغنيمة، فأنزل اللَّه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾.
(١/ ٣٧٢ - ٣٧٣) في ترجمة (محمد بن أحمد بن يزيد النَّرْسِيّ).
مرتبة الحديث:
رجال إسناده كلُّهم ثقات عدا شيخ الطبراني صاحب الترجمة (محمد بن أحمد بن يزيد النَّرسِيّ) فإنَّ الخطيب لم يذكر فيه جرحًا أو تعديلًا، ولم أقف على من ذكره بذلك.
و (أَبو محمد اليَزِيدي) هو (يحيى بن المبارك بن المغيرة العَدَوي البَصْري النَّحْوي أَبو محمد)، وقد ترجم له الخطيب في "تاريخه" (١٤/ ١٤٦ - ١٤٨) وقال: "كان اليَزِيدي: ثقة، وكان أحد القُرَّاء العظماء، عالمًا بلغات العرب. ." كما ترجم له الذَّهَبيُّ في "السِّيَر" (٩/ ٥٦٢ - ٥٦٣) وقال: "شيخ القرَّاء. . . وقد أَدَّبَ المأمون، وعظم حاله، وكان ثقةً، عالمًا حُجَّةً في القراءة، لا يدري ما الحديث، لكنَّه أخباري، نَخْوي. . . ". وكانت وفاته سنة (٢٠٢ هـ).
стр. 382
و (أبو عمرو بن العلاء المَازِني القارئ النَّحْوي): اختُلِفَ في اسمه، والأشهر أنه (زَبَّان)، وهو أحد الأئمة القرَّاء السبعة، ثقة، من علماء العربية، قليل الحديث. انظر ترجمته في: "سِيَر أعلام النبلاء" (٦/ ٤٠٧ - ٤١٠)، و"تهذيب التهذيب" (١٢/ ١٧٨ - ١٨٠)، و"التقريب" (٢/ ٤٥٤).
و(مجاهد) هو (ابن جَبْر المَكِّي): إمام في القراءة والتفسير، ثقة حجَّة. وستأتي ترجمته في حديث (٣٩٩).
التخريج:
رواه الطبراني في "المعجم الصغير" (٢/ ١٥) من الطريق التي رواها الخطيب عنه، وقال: "لم يروه عن أَبي عمرو بن العلاء إلّا اليَزِيدي، تفرَّد به أبو عمر الدُّوري".
أقول: والحديث بدون ذكر إنكار ابن عبَّاس قراءة (يُغَلَّ)، وبشيء من المغايرة في بعض اللفظ فيما تبقى، رواه أبو داود في "سننه" في الحروف والقراءات (٤/ ٢٨٠) رقم (٣٩٧١)، والتِّرْمِذِيّ في تفسير القرآن، باب ومن سورة آل عمران (٥/ ٢٣٠) رقم (٣٠٠٩)، وابن جَرِير الطبري في "تفسيره" (٧/ ٣٤٨) رقم (٨١٣٦)، من طريق عبد الواحد بن زياد، عن خُصَيْف، عن مِقْسَم، عن ابن عبَّاس قال: "نزلت هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ في قَطِيفَةٍ حَمْرَاءَ فُقِدَتْ يوم بَدْرٍ، فقال بعض النّاس: لعل رسول اللَّه ﷺ أخذها، فأنزل اللَّه ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ إلى آخر الآية".
قال التِّرْمِذِيُّ: "هذا حديث حسن غريب".
أقول: إسناده ضعيف، ففيه (خُصَيْف بن عبد الرحمن الجَزَري أبو عون) وهو كما قال الحافظ في "التقريب" (١/ ٢٢٤): "صدوق سيء الحفظ خلط بأَخَرَةٍ". وستأتي ترجمته في حديث (٧٢٠).
стр. 383
قال الإمام ابن الجَوْزي في "زاد المَسِير" (١/ ٤٩١): "واختلف القُرَّاءُ في "يغلّ" فقرأ: ابن كثير وعاصم وأبو عمرو: بفتح الياء وضم الغين، ومعناها: يخون. وفي هذه الخيانة قولان. أحدهما: خيانة المال على قول الأكثرين. والثاني: خيانة الوحي على قول القُرَظِيّ وابن إسحاق. وقرأ الباقون: بضم الياء وفتح الغين، ولها وجهان: أحدهما: أن يكون المعنى يُخَان، قاله الحسن وابن قُتَيْبَة. والثاني: يُخَوَّن، قاله: الفرَّاء، وأجازه الزَّجَاج، ورَدَّه ابنُ قُتَيْبَة، فقال: لو أراد: يخون، لقال: يغلل، كما يقال: يفسق، ويخون، ويفجر".
وانظر لمزيد تفصيل حول القراءتين وتوجيههما: "تفسير ابن أبي حاتم" (٢/ ٦٣٦ - ٦٤٠)، و"تفسير الطبري" (٧/ ٣٤٨ - ٣٥٥)، و"تفسير ابن كثير" (١/ ٤٣٠).
* * *
١٠٢ - أخبرنا أبو نُعَيْم الحافظ قال: نبأنا أبو الطيِّب محمد بن أحمد بن يوسف بن جعفر المُقرئ البغدادي -قَدِمَ علينا- قال: نبأنا إدريس بن عبد الكريم الحدَّاد قال: قرأتُ على خَلَف فلما بلغت هذه الآية ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ [سورة الحشر: الآية ٢١] قال: ضع يدك على رأسك، فإني قرأتُ على سليم فلما بلغت هذه الآية قال: ضع يدك على رأسك، فإني قرأت على حمزة فلما بلغت هذه الآية قال: ضع يدك على رأسك، فإني قرأت على الأَعْمَش فلما بلغت هذه الآية قال: ضع يدك على رأسك، فإني قرأت على عَلْقَمَة والأسود فلما بلغت هذه الآية قالا: ضع يدك على رأسك، فإنّا قرأنا على عبد اللَّه فلمّا بلغنا هذه الآية قال: ضَعَا أيديكما على رؤوسكما، فإني قرأت على النبيِّ ﷺ ، فلمّا بلغتُ هذه الآية قال لي: "ضع يدك على رأسك، فإنَّ جبريل لما نَزَلَ بها إليَّ، قال لي: ضَعْ يَدَكَ على رَأْسِكَ فإنّها شِفَاءٌ من كُلِّ دَاءٍ إلّا السَّامُ، والسَّام: الموتُ".
(١/ ٣٧٧ - ٣٧٨) في ترجمة (محمد بن أحمد بن يوسف المُقْرِئ أبو الطيِّب يعرف بغلام ابن شَنَبُوذ).
стр. 384
مرتبة الحديث:
موضوع.
ففيه صاحب الترجمة (محمد بن أحمد بن يوسف المُقْرِئ أبو الطيِّب، غلام ابن شَنَيُوذ): لم يذكر الخطيب فيه جرحًا أو تعديلًا. وذكره الذَّهَبِيُّ في "الميزان" (٣/ ٤٦٢) وقال: "زعم أنَّه قرأ على إدريس بن عبد الكريم، ورَوى عنه حديثًا باطلًا بإسناد ما فيهم مُتَّهَمٌ، فالآفة هو. روى عنه أبو نُعَيْم". قال ابن حَجَر في "اللسان" (٥/ ٥٢): "والحديث الذي أشار إليه أورده الخطيب في ترجمته". ثم ساقه ابن حَجَر عن الخطيب بتمامه. وقال ابن حَجَر قَبْلُ: "وقد كرره المؤلف -يعني الذَّهَبِيّ- سهوًا، وهو (محمد بن أحمد المُقْرِيء) المذكور قبل قليل".
أقول: قد ترجم الذَّهَبِيُّ في "الميزان" (٤٣/ ٤٦١ - ٤٦٢) لـ (محمد بن أحمد بن إبراهيم المُقْرِئ أبو الفرج الشَّنبُوذِي غلام ابن شَنَبُوذ) وقال: "أساء الثناءَ عليه الدَّارَقُطْنِيُّ. وقال أَبو بكر الخطيب: تكلَّم النَّاس في رواياته. فحدَّثني أحمد بن سليمان الوَاسِطي المُقْرئ قال: كان الشَّنَبُوذي يذكر أنَّه قرأ على الأُشْنَاني فتكلَّموا فيه. فلت -القائل الذَّهَبِيّ-: مولده سنة ثلاثمائة. والأُشْنَاني فمات سنة سبع وثلاثمائة. . . ".
ونقل هذا عنه في "اللسان" (٥١/ ٥) ثم قال: "وقال الخطيب في ترجمته: خرج من بغداد وتَغَرَّبَ (١)، وحدَّث بأَصْبَهَان عن إدريس بن عبد الكريم وأبي الحسن بن الشَّنَبُوذ .. . . ".
أقول: ما ذكره ابن حَجَر في "اللسان" نقلًا عن الخطيب، إنما قاله في ترجمة (محمد بن أحمد بن يوسف المُقْرِيء أبو الطيِّب غلام ابن شَنَبُوذ)، والذي ذكره الذَّهَبِيِّ هو في (محمد بن أحمد بن إبراهيم المُقْرِئ أبو الفرج الشَّنَبُوذي غلام ابن شَنَبُوذ). وقد ترجم له الخطيب في "تاريخه" (١/ ٢٧١ - ٢٧٢) ترجمة مستقلة،
стр. 385
وذكر إساءة ثناء الدَّارَقُطْنِيِّ عليه، وقال الخطيب: تكلَّم النَّاس في رواياته". فالظاهر من ذلك أنهما عند الخطيب والذَّهَبِيِّ شخصان مختلفان. فاسم الجدِّ مختلف، والكُنية كذلك. بينما هما عند الحافظ ابن حَجَر شخص واحد، واللَّه أعلم.
التخريج:
رواه أبو نُعَيْم في "تاريخ أصبهان" (١/ ١٥٤) من الطريق التي رواها الخطيب عنه.
وذكره ابن عَرَّاق في "تنزيه الشريعة المرفوعة" (١/ ٢٩٥ - ٢٩٦) -في الفصل الثالث، وهو ما زاده السيوطي على ابن الجَوْزي- فقال بعد أن ذكر ما تقدَّم عن الذَّهَبِيِّ من حكمه ببطلانه: "وأخرجه الدَّيْلَمي من طريقين عن حمزة عن الأَعْمَش. قلت -القائل أبن عَرَّاق-: وقع في أحدهما: عن الأَعْمَش فإني قرأت على عليّ بن أبي طالب إلى آخره. قال الدَّيْلَمِيُّ عقب إخراجه: قوله: (قرأت على عليّ بن أبي طالب) لا يصحّ. لأنه إنما قرأه علي يحيى بن وثَّاب، وهو قرأه على عَلْقَمَة، وهو قرأه على ابن مسعود، وهو قرأه على رسول اللَّه ﷺ . انتهى. ثم الراوي له عن حمزة في الطريق الأولى (عليّ بن الفضل) لم أقف له على ترجمة. وفي الطريق الثانية: سليمان بن عيسى، وأظنه السِّجْزِي الكذَّاب، واللَّه أعلم".
وذكره الشَّوْكَانِيُّ في "الفوائد المجموعة" ص ٣١٢ - ٣١٣، وذكر قول الذَّهَبِيّ ببطلانه، ورواية الدَّيْلَمِيّ له من طريقين، وقال: "ولم يعرف كيف حال رجالهما". فَعَلَّقَ المحقق العلَّامة اليَمَاني عليه بقوله: "قد ساقهما السيوطي في "الذَّيْل" -يعني "ذيل اللآلئ المصنوعة"-، وهما مُظْلِمَانِ، وفي النسخة تحريف وسقط".
وقد رواه العلَّامة محمد عبد الباقي الأيوبي في كتابه "المناهل السلسلة في
стр. 386
الأحاديث المسلسلة" ص ٧٣ - ٧٤ بإسناده من الطريق المتقدِّم، وقال: "المسلسل أورده أبو نُعَيْم وابن مَسْدِي (١) في مسلسلاتهما، وتبعهما من بعدهما". ثم ذكر قول الذَّهَبِيِّ ببطلانه وقال: "رواة الحديث المسلسل المذكور ثقات فلا أعلم وجه بطلانه"!!
أقول: قد بَيَّنَ الذَّهَبِيُّ فيما تقدَّم عنه وجه بطلانه. واللَّه أعلم.
* * *
١٠٣ - أخبرنا محمد بن أحمد بن يوسف القاريء -في جامع المهدي- قال: نبأنا محمد بن المُظَفَّر الحافظ قال: نبأنا أبو عَرُوْبَة الحَرَّاني قال: نبأنا أحمد بن سليمان الرُّهَاوي قال: نبأنا أبو قَتَادة عبد اللَّه بن وَاقِد، عن سفيان الثَّوْري، عن مُطَرِّف، عن أَبي الجَهْم،
عن البَرَاء بن عَازِب قال: قَنَتَ رسولُ اللَّه ﷺ قَبْلَ الرُّكُوعِ، ثم كَبَّرَ وَرَكَعَ.
(١/ ٦٧٨) في ترجمة (محمد بن أحمد بن يوسف البزَّار أبو منصور).
مرتبة الحديث:
إسناده ضعيف جدًّا. وقد صَحَّ عنه ﷺ أنَّه قَنَتَ قبل الركوع.
ففيه (عبد اللَّه بن وَاقِد الحَرَّاني أبو قَتَادة) وهو متروك. وستأتي ترجمته في حديث (١٠٥٦).
و (أبو عَرْوبَة الحَرَّاني) هو (الحسين بن محمد بن أبي مَعْشَر السُّلَميّ
стр. 387
الجَزَريّ)، ترجم له الحافظ الذَّهَبِيُّ في "السير" (١٤/ ٥١٠ - ٥١٢) وقال: "الإمام الحافظ المُعَمَّر الصادق. . . . صاحب التصانيف". توفي عام (٣١٨ هـ).
و(أبو الجَهْم) هو (سليمان بن الجَهْم الأنصاري الجُوْزجَاني مولى البراء)، وقال عنه في "التقريب" (١/ ٣٢٢): "ثقة، من الثالثة"/ د س ق. وانظر في ترجمته مفصَّلًا: "تهذيب الكمال" (١١/ ٣٨١ - ٣٨٢)، و"تهذيب التهذيب" (٤/ ١٧٧).
و(مُطَرِّف) هو (ابن طَرِيف الحارثي الكوفي): ثقة. وستأتي ترجمته في حديث (٣٦٩).
وباقي رجال الإسناد حديثهم حسن.
التخريج:
لم يروه غير الخطيب فيما وقفت عليه.
ومسألة القنوت قبل الركوع وبعده مسألة خلافية، وقد وردت الآثار الكثيرة التي تدل لكلا القولين. انظر: "نصب الراية" (٢/ ١٢٢ - ١٢٥)، و"التلخيص الحَبِير" (١/ ٢٤٦ - ٢٤٧)، و"تنقيح التحقيق" لابن عبد الهادي (٢/ ١٠٨٦ - ١٠٨٨)، و"جامع الأصول" (٥/ ٣٨٤) وما بعد، و"مجمع الزوائد" (٢/ ١٣٨ - ١٣٩)، و"إرواء الغليل" (٢/ ١٥٩ - ١٧٠).
ومن الأحاديث الواردة في قنوت النبيِّ ﷺ قبل الركوع، ما رواه النَّسَائي في قيام الليل، باب ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر أُبَيّ بن كعب في الوتر (٣/ ٢٣٥)، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب ما جاء في القنوت قبل الركوع وبعده (١/ ٣٧٤) رقم (١١٨٢) -واللفظ له- عن أُبَيّ بن كعب: "أنَّ رسول اللَّه ﷺ كانَ يُوتِرُ فَيَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ".
أقول: وإسناده صحيح.
* * *
стр. 388
١٠٤ - أخبرنا ابن رِزْق قال: نبأنا أبو بكر محمد بن أحمد بن يحيى بن زكريا بن الربيع -المعروف بابن الصَّوَّاف البزَّاز- قال: نبأنا أبو بكر محمد بن يحيى بن الحسين العَمِّيّ البَصْري -ببغداد- قال: نبأنا محمد بن مهدي قال: نبأنا مهدي بن هِلَال، عن عيسي بن المُطَّلِب الزُّهْرِيّ، عن الزُّهْرِيّ (١)، عن سعيد بن المسيَّب، عن عبد اللَّه بن عمرو، عن عثمان بن عفَّان،
عن أبي بكر الصديق قال: قال النبيُّ ﷺ : "النجاةُ من هذا الأمر، ما أوصيتُ عليه عَمِّي أبا طالب عند الموت، شهادة أن لا إله إلَّا اللَّه".
(١/ ٣٧٩) في ترجمة (محمد بن أحمد بن يحيى البزَّاز أَبو بكر يعرف بابن الصَّوَّاف).
مرتبة الحديث:
إسناده تالف. وقد ورد من طرق أخرى معلولة أيضًا.
ففيه (مهدي بن هلال البَصْري أبو عبد اللَّه) وقد ترجم له في:
١ - "تاريخ ابن مَعِين" (٤/ ١٢٤) وقال: "كذَّاب".
٢ - "سؤالات محمد بن عثمان بن أَبي شَيْبَة لعليّ بن المَديِني" ص ١٦٨ رقم (٣٤٥) وقال: "كان يُتَّهمُ بالكذب".
٣ - "التاريخ الكبير" (٧/ ٤٢٥) وفيه عن يحيى بن سعيد القَطاَّن: "غير ثقة".
٤ - "سؤالات الآجُرِّي لأبي داود السِّجِسْتَاني" ص ٢٨٢ رقم (٤٠٠) وقال: "كان كذَّابًا".
стр. 389
٥ - "الضعفاء" للنَّسَائي ص ٢٢٧ رقم (٥٩٢) وقال: "متروك الحديث".
٦ - "الضعفاء" للعُقَيْلي (٤/ ٢٢٧ - ٢٢٨) وقال: "كان يرى القَدَر".
٧ - "الجرح والتعديل" (٨/ ٣٣٦ - ٣٣٧) وفيه عن يحيى بن سعيد القَطَّان: "يكذب في الحديث".
٨ - "المجروحين" (٣/ ٣٠) وقال: "كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات، والمعضلات عن الثقات، حتى خرج عن حَدِّ الاحتجاج به بحال".
٩ - "الكامل" (٦/ ٣٤٥٨ - ٢٤٥٩) وقال: "عامّة ما يرويه لا يُتَابَعُ عليه، وليس على حديثه ضوء ولا نور، لأنه كان يدعو النَّاس إلى رَأْيِهِ وبِدْعَتِهِ".
وفيه عن ابن مَعِين: "من المعروفين بالكذب ووضع الحديث: مهدي بن هلال".
١٠ - "الضعفاء" للدَّارَقُطْنِيّ ص ٣٥٧ رقم (٥٠١) وقال: "يضع".
١١ - "اللسان" (٦/ ١٠٦ - ١٠٧) وفيه أَنَّ النَّسَائي قال في "التمييز": "كذَّاب". وقال العِجْلي: "متروك الحديث، قَدَرِيٌّ". وعن أبي نُعَيْم الأصبهاني أنَّ أحمد بن حنبل كَذَّبَهُ.
كما أنَّ فيه: (عيسى بن المُطَّلِب الزُّهْرِيّ المَدِني أبو هارون) وقد ترجم له في:
١ - "التاريخ الكبير" (٦/ ٣٩٨) ولم يذكر فيه جرحًا أو تعديلًا.
٢ - "الجرح والتعديل" (٦/ ٢٨٩) ولم يذكر فيه جرحًا أو تعديلًا.
٣ - "الثقات" لابن حِبَّان (٨/ ٤٩٠) وقال: "يروي المقاطيع".
٤ - "العلل" للدارقطني (١/ ١٧١) وقال: ضعيف.
٥ - "اللسان" (٤/ ٤٠٦)، وقال: "وذكر -يعني الدَّارَقُطْنِيّ- في "غرائب مالك" أنَّه روي عن الزُّهْرِيّ حديثًا منكرًا".
стр. 390
كما أنّ فيه صاحب الترجمة (محمد بن أحمد البزَّاز، ابن الصَّوَّاف) لم يذكر الخطيب فيه جرحًا أو تعديلًا.
التخريج:
رواه ابن عدي في "الكامل" (٦/ ٢٤٥٨) في ترجمة (مهدي بن هلال)، من طريق محمد بن مهدي بن هلال، عن مهدي بن هلال، به.
والحديث قد تقدَّم تخريجه موسعًا برقم (٧١).
* * *
١٠٥ - أخبرني أحمد بن عمر بن رَوْح قال: أنبأنا أحمد بن إبراهيم بن الحسن البزَّار قال: نبأنا أبو عبد اللَّه البُرْزَاطِي قال: نبأنا محمد بن عبد الملك بن زَنْجُوْيَه قال: نبأنا الجَارُود أبو الضَّحَّاك النَّيْسَابُوري، عن بَهْز، عن أبيه،
عن جدِّه، عن النبيِّ ﷺ قال: "أَتَرِعُونَ عَنْ ذِكْرِ الفَاجِرِ؟ اذْكُرُوه بما فيه يُحْذَرْهُ النَّاس".
(١/ ٣٨٢) في ترجمة (محمد بن أحمد البُرْزَاطِيّ أبو عبد اللَّه).
مرتبة الحديث:
منكر.
ففي إسناده (الجارود بن يزيد النَّيْسَابُوريّ العَامِريّ أبو الضَّحَّاك، وقيل: أَبو علي) وقد ترجم له في:
١ - "تاريخ ابن معين" (٢/ ٧٦ - ٧٧) وقال: "ليس بشيء".
٢ - "التاريخ الكبير" (٢/ ٢٣٧) وقال: "منكر الحديث. كان أبو أسامة يرميه -يعني بالكذب-".
٣ - "الضعفاء" للنَّسَائي ص ٧٢ رقم (١٠٢) وقال: "متروك الحديث".
٤ - "الضعفاء" للعُقَيْلي (١/ ٢٠٢).