← Книги сунны

Книги сунны · id 183

زوائد تاريخ بغداد على الكتب الستة

خلدون الأحدب

Полный текст (5 439 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

"أنَّ رسول اللَّه ﷺ لم يسجد في شيء من المفصَّل منذ تَحَوَّلَ إلى المدينة" (١). وسورة (الانشقاق) من المفصَّل، وإسلام أبي هريرة إنّما كان في المدينة ولذا قال أبو داود في "سننه" (٢/ ١٢٣) عقب روايته لحديث أبي هريرة المتقدِّم: "أسلم أبو هريرة سنة ستٍ، عام خَيْبَر، وهذا السجود من رسول اللَّه ﷺ آخر فعله". القاعدة الثامنة: أن الحديث الذي يرويه الحافظ الخطيب مختصرًا، ويرويه أصحاب الكتب الستة أو بعضهم مطوَّلًا من نفس الصحابي، لا يعتبر من الزوائد، لأنَّ المعنى حاصل فيه. ومثاله: ما رواه في "تاريخ بغداد" (٥/ ١٨٨) عن ابن عبَّاس قال: "دخل قبر رسول اللَّه ﷺ أربعة أنفس، وبُسِطَ تحته قَطِيفةٌ أُرْجُوَان" (٢). فالحديث رواه ابن ماجه في كتاب الجنائز، باب ذكر وفاته ودفنه ﷺ (١/ ٥٢٠ - ٥٢١) رقم (١٦٢٨) عن ابن عباس مطوَّلًا جدًا. وممّا جاء فيه: "ونزل في حفرته عليّ بن أبي طالب، والفضل بن العبَّاس، وقُثَمُ أخوه، وشُقْرَانُ مولى رسول اللَّه ﷺ ". كما جاء فيه: "وكان شُقْرَانُ مولاه، أخذ قَطِيفةً كان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه

стр. 72

وسلَّم يَلْبَسُها، فدفنها في القبر وقال: واللَّه لا يَلْبَسُها أحدٌ بعدك أبدًا. فَدُفِنَتْ مع رسول اللَّه ﷺ ". كما روى مسلم في كتاب الجنائز، باب جعل القطيفة في القبر (٢/ ٦٦٥ - ٦٦٦) رقم (٩٦٧)، والتِّرْمِذِيّ في كتاب الجنائز، باب ما جاء في الثوب الواحد يُلْقَى تحت الميِّت في القبر (٢/ ٣٥٦) رقم (١٠٤٨)، والنَّسَائي في كتاب الجنائز، باب وضع الثوب في اللحد (٤/ ٨١)، عن عبد اللَّه بن عبَّاس ﵄ قال: "جُعِلَ في قبر رسول اللَّه ﷺ قَطِيفةٌ حمراءُ" * * *

стр. 73

الباب الثاني أهمية كتاب (تاريخ بغداد) باعتباره مصدرًا من مصادر الحديث الشريف، وترجمة موجزة للحافظ الخطيب البغدادي

стр. 74

أهمية كتاب (تاريخ بغداد) باعتباره مصدرًا من مصادر الحديث الشريف من المعلوم أَنَّ كتاب (تاريخ بغداد) موضوعه: علم الرجال. وهذا العلم هو أحد فروع علم التاريخ (١). فهذا الكتاب هو من كتب (تواريخ الرجال المَحَلِّيَّة) تحديدًا، كـ "تاريخ أَصْبَهَان" لأبي نُعَيْم الأصبهاني أحمد بن عبد اللَّه (ت ٤٣٠ هـ)، و"تاريخ نَيْسَابور" لأبي عبد اللَّه الحاكم النَّيْسَابُوريّ محمد بن عبد اللَّه (ت ٤٠٥ هـ)، و"تاريخ واسِطه لبَخشَل أَسْلَم بن سهل (ت ٢٩٢ هـ)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر عليّ بن الحسن (ت ٥٧١ هـ)، و"تاريخ مَرُو" لأبي صالح أحمد بن عبد الملك النَّيْسَابُوريّ المؤذِّن (ت ٤٧٠ هـ)، وغيرها كثير جدًّا (٢). وأهمية (تاريخ بغداد) متعددة المظاهر والجوانب، وقد أتى عليها وجلّاها: الدكتور يوسف العِش ﵀ في كتابه "الخطيب البغدادي مؤرِّخ بغداد ومحدِّثها"، ومن بعده بصورة أكثر تفصيلًا وشمولًا، الدكتور أكرم ضياء العُمَري في كتابه "موارد الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد".

стр. 75

"ولكن لا شك أنَّ الأهمية العظمى لـ (تاريخ بغداد) هي في نطاق الحديث، حيث اختص رجال الحديث بخمسة آلاف ترجمة من مجموع تراجمه وهي (٧٨٣١) ترجمة. وبذلك يظهر أنَّه وُضع لخدمة علم الحديث بالذات، فهو يُعْنَى بالتعريف برجال الحديث وبيان حالهم من الجرح والتعديل، وهو وإن اعتمد على أقوال النُّقَّاد القُدامى خاصة في تراجم غير المعاصرين له، لكن طريقته في انتخاب الأقوال وعرضها تمكِّن القارئ من الحكم على صاحب الترجمة. ولا يقتصر دوره على ذلك، فقد اهتم بالترجيح بين الأقوال المتعارضة ومناقشة بعضها ورفضه لها، كما أبدى رأيه في بعض العلماء خاصةً من طبقة شيوخه وأقرانه" (١). أمّا في جانب رواية الحديث، فإنَّه يكفي لمعرفة مدى أهمية (تاريخ بغداد) باعتباره مصدرًا من مصادر الحديث الشريف، أن نعلم أنَّه اشتمل على (أربعة آلاف وثلاثمائة وخمسة وثمانين) حديثًا على ما أحصيته، ساقها الحافظ الخطيب ﵀ كلّها بأسانيده. وهو عدد يزيد على عدد أحاديث بعض الأصول الستة كـ "سنن التِّرْمِذِيّ" (٢) و"سنن ابن ماجه" (٣). هذا من جانب مبلغ اتساع نطاق روايته فيه. أمّا من جانب قيمة هذه الروايات الكثيرة ومنزلتها من حيث القبول والردّ؛ فإنَّه لابد من التقديم بين يدي ذلك بملاحظة لها عظيم أهمية في تجلية ما نحن بصدده، وتكون مَدْخَلًا له. وهي: أنَّه في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، قد انقطعت رواية الحديث بالسند تخريجًا من المحدِّث إلى النبيِّ ﷺ مباشرةً، من دون واسطة كُتُبٍ أو نُسَخٍ أو أجزاء يرويها هذا المحدِّث.

стр. 76

فنجد مثلًا الحافظ البيهقي (ت ٤٥٨ هـ)، والحافظ ابن عبد البَرّ الأندلسي (ت ٤٦٣ هـ)، والحافظ الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ)، يروون أحاديث بأسانيدهم المستقلة يبلغون بها النبيَّ ﷺ ، دون أن تكون هذه الأحاديث مرويةً في كتب الحديث التي قبلهم -وخاصة المشهورة منها-، حيث إنهم يتفردون بها. وقد وقع مثل هذا التفرد بعد -وباتساع نِسْبي- للحافظ ابن عساكر (ت ٥٧١ هـ)، في كتابه "تاريخ دمشق". ومن هنا يتبين لنا جانب من جوانب أهمية كتاب (تاريخ بغداد) بوصفه مصدرًا من مصادر الحديث الشريف. بعد ذلك يمكن القول بأَنَّ بيان قيمة أحاديث (تاريخ بغداد) قبولًا وردًّا، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بموضوع الكتاب، ومنهج صاحبه في روايته لتلك الأحاديث. وقد تقدَّم آنفًا أنَّ موضوع الكتاب هو: (علم الرجال)، وتحديدًا: (تواريخ الرجال المَحَلِّيَّة)، وقد أبان الحافظ الخطيب ﵀ عن ذلك في مقدِّمة كتابه (١)، حيث يقول: "وهذه تسمية الخُلَفَاء والأشراف والكُبَراء والقُضَاة والفقهاء والمَحَدِّثين والقُرَّاء والزُّهَّاد والصُّلَحاء والمُتَأَدِّبِين والشُّعراء من أهل مدينة السَّلام، الذين وُلِدُوا بها أو بسواها من البُلْدَان ونزلوها، وذِكُرْ من انتقل منهم عنها ومات بلدة غيرها، ومن كان بالنواحي القريبة منها، ومن قدمها من غير أهلها، وما انتهى إليَّ من معرفة كُنَاهم وأنسابهم، ومشهور مآثرهم وأحسابهم، ومستحسن أخبارهم، ومبلغ أعمارهم، وتاريخ وفاتهم، وبيان حالاتهم، وما حُفِظَ فيهم من الألفاظ عن أسلاف أئمتنا الحفّاظ، مِنْ ثَناءٍ ومَدْحٍ، وذَمٍّ وقَدْحٍ، وقبولٍ وطَرْحٍ، وتعديلٍ وجَرْحٍ".

стр. 77

فالكتاب إذًا ليس من كتب الرواية المتخصصة كـ "المسانيد" و"الصِّحَاح" و"الجوامع" و"السنن" و"المُسْتَدرَكَات" و"المعاجم" وسواها، والتي كان غرض مصنِّفيها جمع الحديث وروايته وتصنيفه وفق مناهج وضوابط محددة. ومن ثم فإنَّه لا يمكن أن نقارن بين قيمة مرويات كتابٍ في (علم الرجال) تَوَجَّهَ فيه مصنِّفه إلى ما يُتَوَجَّهُ به عادةً في التراجم مادةً وصياغةً، ووردت فيه الأحاديث تبعًا، لإثبات رواية المُتَرْجَمِ له، ووقوع حديثه للمُصَنِّفِ، فهو يرويه من طريقه تحديدًا، بغض النظر عن أي اعتبار في أمر قيمة ما يرويه وطبيعته؛ وبين مرويات كتب السُّنَّة المُطَهَّرة التي قَصَدَ منها مصنِّفوها ما تقدَّم، وكان عنصر الانتقاء والتخير وفق ضوابط وضعوها، قائمًا في جلّها بوجه أو بآخر. وقد قدَّمت بذلك حتى نتمكن من أَنْ نُنَزِّلَ كلام بعض العلماء في مرتبة أحاديث الحافظ الخطيب وقيمتها، وجهه الصحيح، لتكون الأحكام مُسَدَّدَةً، والنظرات صائبة إن شاء اللَّه، تتساوق مع واقع الحال لا تتجاوزه. وممن عرض لقيمة مرويات الخطيب في جملة من كتب الأئمة الآخرين معه، الحافظ السيوطي (ت ٩١١ هـ) في مقدمة كتابه "الجامع الكبير" (١) حيث يقول عند ذكر مصادر كتابه وما رمز لها: "وللعُقَيْلي في "الضعفاء": عق، ولابن عدي في "الكامل": عد، وللخطيب: خط، فإن كان في "تاريخه" أطلقت، وإلَّا بينته، ولابن عساكر في "تاريخه": كر. وكل ما عُزي لهؤلاء الأربعة، أو للحَكِيم التِّرْمِذِيّ في "نوادر الأصول"، أو الحاكم في "تاريخه"، أو للدَّيْلَمِيّ في "مسند الفردوس"، فهو ضعيف. فليستغن بالعزو إليها أو إلى بعضها عن بيان ضعفه". وعرض لها الإمام ولي اللَّه أحمد بن عبد الرحيم الدِّهْلَوي (ت ١١٧٦ هـ) في

стр. 78

كتابه "حجَّة اللَّه البالغة" (١)، حيث يقول عند ذكره لطبقات كتب الحديث: "والطبقة الرابعة: كتبٌ قصد مصنفوها بعد قرون متطاولة، جمع ما لم يوجد في الطبقتين الأوليين: وكانت في المجاميع والمسانيد المختفية، فنوهوا بأمرها، وكانت على ألسنة من لم يكتب حديثه المحدِّثون، ككثير من الوعَّاظ المتشدِّقين وأهل الأهواء والضعفاء، أو كانت من آثار الصحابة والتابعين، أو من أخبار بني إسرائيل، أو من كلام الحكماء والوعّاظ، خَلَطَهَا الرواة بحديث النبيّ ﷺ سهوًا أو عمدًا، أو كانت من محتملات القرآن والحديث الصحيح، فرواها بالمعني قوم صالحون لا يعرفون غوامض الرواية، فجعلوا المعاني أحاديث مرفوعة، أو كانت معاني مفهومةً من إشارات الكتاب والسُّنَّة، جعلوها أحاديث مستبدَّة -أي مستقلة- برأسها عمدًا، أو كانت جُمَلًا شتى في أحاديث مختلفةٍ جعلوها حديثًا واحدًا بنسق واحد. ومظنَّة هذه الأحاديث: كتاب "الضعفاء" لابن حِبَّان، و"كامل" ابن عدي، وكتب الخطيب، وأبي نُعَيْم، والجُوْزَقَانيّ، وابن عساكر، وابن النَّجَّار، والدَّيْلَمِيّ. وكاد "مسند الخُوَارِزْميّ" (٢) أن يكون من هذه الطبقة. وأصلح هذه الطبقة: ما كان ضعيفًا محتملًا، وأسوؤها ما كان موضوعًا، أو مقلوبًا، أو شديد النَّكَارة. وهذه الطبقة: مادة كتاب "الموضوعات" لابن الجَوْزي".

стр. 79

ثم قال: "فالاشتغالُ بجمعها أو الاستنباطُ منها نوع تعمق من المتأخرين. وإنْ شئت الحقَّ فطوائف المبتدعين من الرافضة والمعتزلة وغيرهم يتمكنون بأدنى عنايةٍ أن يُلَخِّصُوا منها شواهد مذاهبهم، فالانتصار بها غير صحيح في معارك العلماء بالحديث واللَّه أعلم". وقد نَعَى من قبل الإمام ابن تيمية على الحافظ الخطيب وغيره، ذكرهم الأحاديث الموضوعة في "مصنَّفاتهم" مع علمهم بها. حيث يقول في كتابه: "الردّ على البَكْري" (١): "وأبو نُعَيْم يروي في "الحِلْيَة" في فضائل الصحابة وفي الزُّهْدِ، أحاديث غرائب يعلم أنها موضوعة، وكذلك الخطيب وابن الجَوْزي وابن عساكر وابن ناصر وأمثالُهم". والعجيب أن ترى مثل هذه الملاحظة على الحافظ الخطيب مِنْ قِبَلِ الإمام ابن الجَوْزي (٢)!! وهذا الذي ذكره بعض الأئمة بشأن مرويات الخطيب -وجلُّها في "تاريخ بغداد"-، يحتاج إلى بيانٍ وتوجيهٍ مرتبطٍ بالملاحظة المتقدِّمة بشأن موضوع الكتاب وغرضه ومنهج صاحبه فيه. وهذا البيان والتوجيه يتمثل في أمرين اثنين: الأول: أنَّ ما ذكره السيوطي من كون مجرد عزو الحديث إلى الحافظ الخطيب، يعني ضعفه، دون حاجة إلى بيان ذلك؛ وما ذكره الدِّهْلَوي من كون كتب الخطيب -وأكبرها "تاريخ بغداد"- هي مظنة الأحاديث الضعيفة والغريبة والمنكرة

стр. 80

والموضوعة، وأنَّ أصلح ما فيها، وأمثالها من الكتب التي ذكرها في الطبقة الرابعة، ما كان ضعيفًا محتملًا، وأسوؤها ما كان موضوعًا أو مقلوبًا شديد النَّكَارَة. ينبغي أَنْ يُعْلَمَ بأنَّ ذلك إنّما وقع للحافظ الخطيب في الأحاديث التي تفرَّد بروايتها فحسب، ولم يشاركه أحد من الأئمة الذين سبقوه في روايتها، أو هو فيما شاركهم في روايته، ولكنه رواها بأسانيد معلولة، مردها في الأعمِّ الأغلب -كما تبين لي من خلال دراسة أحاديث (تاريخ بغداد) - هو حرصه على أن تقع هذه الأحاديث من طرق من تَرْجَمَ لهم بغض النظر عمَّا تمثله من قيمة، حيث إنَّ هذا هو مقصوده، دون النظر إلى أي اعتبار آخر. وقد وجدت أنَّ أكثر هذه الأحاديث التي رواها بأسانيد ضعيفة أو تالفة، قد خَرَّجَهَا غيره من الأئمة بأسانيد صحيحة أو جياد أو ضعيفة ضعفًا محتملًا -كما سُيرى في تخريج الزوائد-، وهذا يعني من وجهٍ: وجود ذلك الملحظ الخاص الذي أشرت إليه، خاصةً وأنَّ الحافظ الخطيب -كما سيأتي في ترجمته- ليس بقليل الرواية ضَيِّقها، ولا هو من غير الراسخين في علم العلل وتمييز صحيح الحديث من سقيمه وممَّا يؤكِّد أنَّ ما قاله الأئمة في مرتبة أحاديثه، لا يمكن أن ينسحب في جملته على جملتها، وإنما هو يتجه صوب الصِّنْفَيْن المتقدِّمين من رواياته، أنَّ عدد أحاديث (التاريخ) كما قدَّمت هو (٤٣٨٥) حديثا، منها (٢١٣٢) حديثًا رواه أصحاب الأصول السنة أو بعضهم، أي ما يعادل نصف عدد أحاديث (التاريخ) تقريبًا، وهو عدد بكلِّ مقياس ليس بالهين. وأنَّ الأحاديث التي تفرَّد بها -والتي غالبيتها من الموضوعات والمناكير والضعيفة ضعفًا شديدًا- ولم أقف على من خرَّجها غيره قبله، قليلة بالنسبة لعدد ما خرَّجه. وأنت لو نظرت في مجمل الأحاديث الموضوعة والمنكرة وما شاكلها، والتي تفرَّد الحافظ الخطيب ﵀ في روايتها، أو ممَّا لم يتفرَّد به ولكنه على الصفة

стр. 81

المذكورة، وجدتَ أَنَّ أوديتها مرويات المناقب والمثالب، وهيئات وصفة المطاعم والمشارب والملابس، والرقائق والزهد، والفِتَن والمَلاحِمٍ، وصفة الجنَّة والنَّار، وما شابهها. ونادرة هي أحاديث الأحكام فيها، حيث إنَّ المرتع الخصب لتلك الموضوعات والغرائب هي الأودية التي ذَكَرْتُ. وهناك ملاحظة أخرى ممَّا يتصل بموضوعنا، أتى عليها العلَّامة عبد العزيز الدِّهْلَوي ﵀، حيث يقول (١) تعليقًا على كلام والده الإمام ولي الدين أحمد، عند ذكره للطبقة الرابعة من كتب الحديث، والتي منها مصنفات الحافظ الخطيب: "وأحاديث هذه الطبقة التي لم يعلم في القرون الأولى اسمها ولا رسمها وتصدّى: المتأخرون لروايتها فهي لا تخلو عن أمرين: إمَّا أنَّ السَّلَفَ تَفَحَّصُوا عنها ولم يجدوا لها أصلًا حتى يشتغلوا بروايتها. أو وجدوا لها أصلًا ولكن صادفوا فيها قَدْحًا أو عِلَّةً موجبةً لترك روايتها فتركوها". أقول: أو هي ممَّا وضعه الوضَّاعون أخيرًا. أمّا الأمر الثاني في بيان وتوجيه كلام الأئمة حول مرتبة أحاديث الخطيب: فهو ما ذكره الإمام ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى، ومن قبله الإمام ابن الجَوْزِيّ،: من كون الحافظ الخطيب قد روى أحاديث موضوعة مع علمه بوضعها. فهذا مع التسليم بصحته، إلَّا أنَّه ممَّا يرد عليه، أنَّه من المعلوم المقرر: أَنَّ المحدِّث متى أورد الحديث بإسناده فقد برئت ذِمَّتُهُ من عُهْدَتِهِ، والتعويل ساعتئذٍ على النظر في الإسناد، ليعلم صحته من عدمها. قال الحافظ ابن حَجَر في "لسان الميزان" (٢) في ترجمة (الطَّبَرَاني سليمان بن

стр. 82

أحمد): "وقد عاب عليه إسماعيل بن محمد بن الفضل التَّيْمِيّ جمعه الأحاديث الأفراد مع ما فيها من النَّكَارَة الشديدة والموضوعات وفي بعضها القدح في كثير من القدماء من الصحابة وغيرهم. وهذا أمر لا يختض به الطَّبَرَاني، فلا معنى لإفراده باللوم، بل أكثر المحدِّثين في الأعصار الماضية من سنة مائتين وهلم جرا إذا ساقوا الحديث بإسناده اعتقدوا أنهم برؤوا من عهدته واللَّه أعلم". وهذا هو الإمام ابن تيمية نفسه رحمه اللَّه تعالى يقول (١) تعليقًا على الحديث الموضوع: "من سرّه أن يوعيه الله حفظ القرآن وحفظ أصناف العلم فليكتب هذا الدعاء. . . " ما نصه: "وقد رواه أبو موسى المَدِيني في "أماليه" وأبو عبد اللَّه المَقْدِسي، على عادة أمثالهم في رواية ما يُرْوَى في الباب سواء كان صحيحًا أو ضعيفًا، كما اعتاده أكثر المتأخرين من المحدِّثين أنهم يروون ما روي في الفضائل ويجعلون العهدة في ذلك على الناقل كما هي عادة المصنِّفين في فضائل الأوقات والأمكنة والأشخاص والعبادات. كما يرويه أبو الشيخ الأَصْبَهَاني في فضائل الأعمال وغيره، حيث يجمع أحاديث كثيرة لكثرة روايته، وفيها أحاديث كثيرة قوية صحيحة وحسنة، وأحاديث كثيرة ضعيفة موضوعة وواهية. وكذلك ما يرويه خَيْثَمَة بن سليمان في فضائل الصحابة، وما يرويه أبو نُعَيْم في فضائل الخلفاء. . . وأمثالهم من الشيوخ، وما يرويه أبو بكر الخطيب، وأبو الفضل بن ناصر، وأبو موسى المَدِيني، وأبو القاسم بن عساكر، والحافظ

стр. 83

عبد الغني، وأمثالهم ممن لهم معرفة بالحديث، فإنّهم كثيرًا ما يروون في تصانيفهم، ما روي مطلقًا على عادتهم الجارية، ليعرف ما روي في ذلك الباب، لا ليحتجَّ بكلِّ ما روى، وقد يتكلّم أحدهم على الحديث ويقول: غريب، ومنكر، وضعيف، وقد لا يتكلّم". وقد ذكر ابن تيمية كذلك في كتابه "الردّ على البَكْري" ص ٢٠: أنَّ سكوت الحفَّاظ كأبي نُعَيْم، والخطيب، وابن ناصر، وأبي موسى، وابن الجَوْزي، وابن عساكر، ونحوهم "عن الإنكار في كثير ممَّا يروونه لا يدلُّ على الصحة عندهم باتفاق أهل الحديث". أذكر هذا، مع القول بأنهم لو نزَّهوا مصنفاتهم عنها لكان هو الأَوْلَى والأَجْدَى، أو أنَّهم لو شاؤوا روايتها؛ أن يُنَبِّهُوا على وضعها أو نكارتها. وإذا كان في عصرهم كثرة ممن يستطيع التمييز بين الصحيح وغيره، فإنَّ الحال قد اختلف بعد. ولابد من الإشارة هنا إلى أنَّ الحافظ الخطيب، له إضافات جليلة، وتنبيهات مهمة، أتي بها عقب بعض الأحاديث التي رواها، فأنت تجده إمَّا أنَّه يذكر "الطرق الأخرى التي وردت منها، أو بذكر من تفرد بها من الرواة، وربما راجع أحد كتب الحديث لمعرفة طرق أخرى ورد منها الحديث، وأحيانًا يكشف عن وجود. متابعةٍ لحديث قيل إنه تفرّد به. وقد لا يكتفي الخطيب بسرد طرق الحديث بل يبين أيضًا الصواب منها أو أصحها، أو يبين الاختلافات بين هذه الطرق ويميز الطريق المحفوظ منها، أو يتعقب رجال أسانيدها ببيان حالهم من الجرح والتعديل، أو التعريف بهم، أو ذكر جهالتهم أو ينبه على ما يقع في أسانيدها من قلب وأخطاء ويصوبها، ويبين ما في بعضها من تدليس، ويذكر من تفرد بها من الرواة وهذا كثير جدًا، أو تفرد أهل بلد بروايتها.

стр. 84

ويحكم على بعض الأحاديث بالوضع، أو النكارة، أو الغرابة" (١). وليس له في ذلك كلِّه قاعدة مطردة. وجِمَاعُ القول في ذلك: أنَّ قيمة ما يرويه الخطيب وغيره من أمثاله، قيمة سنده. ولا يصحُّ التعميم بضعف ووضع ونَكَارة ما يروونه بمجرد العزو إليهم، واللَّه سبحانه أعلم. * * *

стр. 85

ترجمة الإِمام الحافظ الخطيب البغدادي رحمه اللَّه تعالى لن أتوسع في ترجمة الحافظ الخطيب ﵀، لأنه قد تُرْجِمَ له ترجمات طوال في مثل: "معجم الأدباء" لياقوت الحَمَوي (٤/ ١٣ - ٤٥)، و"سِيَر أعلام النبلاء" للحافظ الذَّهَبِيّ (١٨/ ٢٧٠ - ٢٩٧)، و"طبقات الشافعية الكبرى" للإمام السُّبْكِي (٤/ ٢٩ - ٣٩)، وغيرها. كما أنَّه قد دَرَسَ حياته مفصَّلًا من المعاصرين: الدكتور يوسف العش ﵀ في كتابه "الخطيب البغدادي مؤرِّخ بغداد ومحدثها"، والدكتور محمود الطحَّان في كتابه "الحافظ الخطيب البغدادي وأثره في علوم الحديث"، والعلَّامة عبد الرحمن المُعَلِّمِي اليَمَاني ﵀ في كتابه "التنكيل لما ورد في تأنيب الكَوْثَرِي من الأباطيل" (١/ ١٣٢ - ١٥٤)، والدكتور أكرم ضياء العُمَرِي في كتابه "موارد الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد" ص ١٣ - ٩٦. فمن شاء التوسع والاستفاضة فيمكنه أن يعود إليها. اسمه وكنيته ومولده: هو أحمد بن علّي بن ثابت بن أحمد بن مهدي البغدادي، يُكْنَى أبا بكر، واشتهر بالخطيب البغدادي.

стр. 86

وكان أبوه أبو الحسن: إمامًا وخطيبًا بقرية دَرْزِيجان (١)، وكان له إلمام بالعلم، حافظًا للقرآن الكريم، وهو ممن قرأ على أبي حفص الكَتَّاني (٢). وكانت وفاته في يوم الأحد للنصف من شوال سنة (٤١٢ هـ) (٣). والظاهر أنّ لقب (الخطيب) التحق بوالده بسبب تولِّيه الخَطَابة نحوًا من عشرين سنة (٤)، ومن ثم انتقل إلى ولده. ففي ترجمة الحافظ الخطيب البغدادي لأبيه في تاريخه (٥) يقول: "عليّ بن ثابت بن أحمد بن مهدي، أبو الحسن الخطيب، والدي ﵁". وقال السمعاني (٦): "الخطيب: . . . هذه النسبة إلى الخَطَابة على المنابر، وفيهم كثرة من العلماء والمحدِّثين، والمشهور منهم أبو بكر أحمد بن عليّ بن ثابت. . . ". وهو عربي الأصل، فقد نقل الحافظ الخطيب عن أبيه في ترجمته له (٧) قوله: "إنَّ أصله من العرب، وإنَّ له عشيرة يركبون الخيول، مسكنهم بالجصاصة من نواحي الفرات". أمَّا مولد الحافظ أبي بكر الخطيب فإنَّه كان في يوم الخميس لستِ بقين من

стр. 87

جُمَادَى الآخرة سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة (٣٩٢ هـ) (١). نشأته: نشأ ﵀ في بغداد، وقرأ القراءات بالروايات، وحَضَّهُ والده على السماع وهو صغير، فسمع وله إحدى عشرة سنة، وقرأ الفقه على القاضي أبي الطيِّب الطبري، وعلّق عنه شيئًا من الخلاف، وطَوَّفَ على العلماء في بغداد وقُرَاهَا يسمع منهم، فسمع من أبي عمر بن مهدي الفارسي، وأبي الحسن بن رِزْقُوْيَه، وأبي سعد المَالِينيّ، وأبي الفتح بن أبي الفوارس، وأبي بكر البَرْقَاني -وهو من أشهر شيوخه الذين استفاد منهم والتصق بهم-، وسواهم (٢). رحلته في طلب العلم: أدرك أبو بكر الخطيب مبكرًا عِظَمَ الرِّحْلَة في طلب العِلْم، وضرورتها في تكوين وتنمية وتمكين وصقل وتكامل طالب العلم، فارتحل أول ما ارتحل إلى البَصْرة وهو ابن عشرين سنة، وكان ذلك سنة (٤١٢ هـ)، فسمع "سنن أبي داود" من القاضي أبي عمر القاسم بن جعفر الهاشمي، كما سمع من أبي الحسن عليّ بن الحسن الشاهد، والحسن بن عليّ النَّيْسَابُوري، وسواهم. ولم تطل إقامته بالبَصْرة، فقد عاد إلى بغداد في نفس السنة، حيث بدأ اسمه بالظهور وعلمه بالاشتهار، حتى سمع منه أحد كبار شيوخه وهو أبو القاسم الأَزْهَرِي (٣). وفي هذه السنة توفي والده ﵀ كما تقدَّم.

стр. 88

وبعد أن أقام ببغداد ثلاث سنوات، استشار شيخه أبا بكر البَرْقَاني في رِحْلَةٍ أخرى بعيدة. بيد أنه تحيّر في اختيار الوجهة: أإلى نَيْسَابُور، أم إلى مِصْر، فأخرجه شيخه من حيرته قائلًا: "إنّك إِنْ خرجت إلى مِصْر، إنّما تخرج إلى رجلٍ واحدٍ، إنْ فاتك ضاعت رحلتك، وإِنْ خرجت إلى نَيْسَابُور ففيها جماعة، إنْ فاتك واحدٌ أدركت من بقي" (١). فخرج إلى نَيْسَابُور، وكان خروجه لها سنة (٤١٥ هـ)، وقد وصلها في نفس العام في شهر رمضان (٢). وقد التقى بجماعة من حُفَّاظ ومحدِّثي (نَيْسَابُور) وغيرها كـ (حَلْوان) و (أسد آباذ) و (هَمَذَان)، وتحمَّل عنهم (٣). والظاهر أنَّ عودته إلى بغداد كانت سنة (٤١٧ هـ) (٤). ثم كانت رحلته الثالثة إلى (أَصْبَهَان)، وهي من بُلْدَان المشرق أيضًا، وقد زوّده شيخه البَرْقَاني برسالة ضافيةٍ إلى أبي نُعَيْم الأصبهاني محدِّث (أَصْبَهَان) يوصيه به خيرًا. وقد جاء في الرسالة: "وقد نفذ إلى ما عندك عمدًا متعمدًا أخونا أبو بكر أحمد بن عليّ بن ثابت أيدّه اللَّه وسلَّمه، ليقتبس من علومك، ويستفيد من حديثك. وهو بحمد اللَّه من له

стр. 89

بهذا الشأن سابقة حسنة، وقدم ثابت، وفهم به حسن، وقد رحل فيه وفي طلبه، وحصل له منه بما لم يحصل لكثير من أمثاله الطالبين له. وسيظهر لك منه عند الاجتماع من ذلك، مع التورع والتحفظ، وصحة التحصيل، ما يحسن لديك موقعه، ويجمل عندك منزلته. وأنا أرجو إذا صحت لديك منه هذه الصفة، أن تلين له جانبك، وأن تتوفر له، وتحتمل منه ما عساه يورده من تثقيل في الاستكثار، وزيادة في الاصطبار. فقديمًا حمل السلف عن الخلف ما ربما ثقل، وتوفروا على المستحق منهم بالتخصيص والتقديم والتفضيل ما لم ينله الكلّ منهم" (١). وقد كان في (أصبهان) سنة (٤٢١ هـ) في ذي القعدة (٢)، و (٤٢٢ هـ) في ربيع الأول (٣). والتقى هناك بالإمام أبي نُعَيْم الحافظ، وأبي عبد اللَّه الجمَّال، ومحمد بن عبد اللَّه بن شَهْرَيَار، وسواهم (٤). وقد ذهب الدكتور محمود الطحَّان في كتابه "الحافظ الخطيب البغدادي وأثره في علوم الحديث" (٥) إلى أنَّ الحافظ الخطيب لم يرحل بعد عودته إلى بغداد من نَيْسَابور سنة (٤١٧ هـ)، حتى كانت رحلته إلى الحجّ سنة (٤٤٤ هـ). والأمر على خلافه كما تقدَّم. عودته إلى بغداد واستقراره فيها: بعد رحلة (أَصْبَهَان)، مكث الحافظ الخطيب في بغداد ما بين سنتي (٤٢٣ -

стр. 90

٤٤٠ هـ). والظاهر أنه في هذه الفترة عكف على تأليف كتابه "تاريخ بغداد" وما يحتاجه من تفرغ وانقطاع عن الحياة العامّة بقدر. ولا تَذْكُرُ المصادر التي ترجمت له عن هذه الفترة إلَّا النَّزْرَ اليسير. وممَّا ذَكَرَتْهُ: أنّه التقى بـ (إسماعيل بن أحمد الضَّرِير الحِيْري النَّيْسَابُوري) عندما ورد بغداد قاصدًا مكَّة المكرّمة للحجِّ والمُجَاوَرَة سنة (٤٢٣ هـ)، فطلب إليه الخطيب أن يقرأ عليه صحيح الإمام البخاري، وكان إسناده فيه عاليًا، فأجابه إلى ذلك، فقرأه عليه جميعه في ثلاثة مجالس، اثنان منها في ليلتين من وقت صلاة المغرب إلى صلاة الفجر، والثالث: من ضحوة النهار إلى المغرب (١). وممّا ذَكَرَتْهُ أَنَّه في عام (٤٢٨ هـ) أَمَّ النَّاس في الصَّلاة على القاضي محمد بن أحمد الهاشمي -وكان أحد فقهاء الحنابلة المصفِّين الثقات- وكان الجمع وافرًا جدًّا (٢). وهذا يدلُّ على مكانة الحافظ الخطيب ومنزلته في المجتمع في عاصمة الخلافة وهو ابن (٣٦) عامًا. رحلته إلى الشَّام والحجِّ: " زار الخطيب دمشق مرارًا، وقد سَجَّلَ وجوده فيها سنة (٤٤٠ هـ)، ومرَّ بها ثانيةً عند سفره إلى الحجّ سنة (٤٤٤ هـ)، حيث ذكر وجوده في برية السماوة قاصدًا دمشق في طريقه إلى الحجِّ في شهر رمضان سنة (٤٤٥ هـ) " (٣). قال الإِمام السُّبْكي (٤): "وقَدِمَ دمشق سنة خمس وأربعين حَاجًّا، فسمع خَلْقًا كثيرًا، وتوجه إلى الحجّ".

стр. 91

وكان في مكّة المكرمة في ذي الحجّة عام (٤٤٥ هـ) (١) والتقى في رحلته هذه إلى مكة بعدد من الشيوخ، منهم: أبو عبد اللَّه محمد بن سلامة القُضَاعي، كما أنَّه سمع "صحيح البخاري" من (كريمة بنت أحمد المَرْوَزِيَّة) في خمسة أيام، وذلك لعلو إسنادها وقِدَمِ سماعها (٢). قال الحافظ ابن عساكر (٣): "سمعت أبا عبد اللَّه الحسين بن محمد البَلْخي يحكي عن بعض شيوخه -وأظنه أبا الفضل بن خَيْزُون-: أنَّ أبا بكر الخطيب كان يذكر أنه لما حَجَّ شرب من ماء زمزم ثلاث شربات، وسأل اللَّه ثلاث حاجات، أخذًا بقول رسول اللَّه ﷺ : "ماءُ زَمْزَمَ لما شُرِبَ له" (٤). فالحاجة الأولى: أن يحدِّث بـ (تاريخ بغداد) ببغداد. والثانية: أن يُمْلي الحديث بجامع المنصور. والثالثة: أن يُدْقَنَ إذا مات عند قبر بِشْر الحَافي.

стр. 92

فلما عاد إلى بغداد، حدَّث بـ (التاريخ) بها. ووقع إليه جزء من سماع الخليفة القائم بأمر اللَّه، فحمل الجزء ومضى إلى باب حُجْرَةِ الخليفة وسأل أن يُؤْذَنَ له في قراءة الجزء. فقال الخليفة: هذا رجل كبير في الحديث، وليس له إلى السماع مني حاجة، ولعل له حاجة أراد أن يتوصل إليها بذلك، فسلوه ما حاجته؟ فَسُئل، فقال: حاجتي أن يُؤْذَنَ لي أن أُمْلِي بجامع المنصور. فتقدَّم الخليفةُ إلى نقيب النقباء بأن يؤذن له في ذلك. فحضر النقيب، وأَمْلَى الخطيب في جامع المنصور. ولمَّا مات أرادوا دفنه عند قبر بِشْر. -يجري في ذلك ما ذكر شيخنا أبو البركات إسماعيل بن أبي سعد الصوفي المعروف بـ (شيخ الشيوخ) - قال: "لمَّا توفي أبو بكر الخطيب الحافظ، أوصى أَنْ يُدْفَنَ إلى جانب بِشْرِ بن الحارث ﵀، وكان الموضع الذي بجانب (بِشْر) قد حَفَرَ فيه أبو بكر أحمد بن عليّ الطُّرَيْثِيثيّ قبرًا لنفسه، وكان يمضي إلى ذلك الموضع، ويختم فيه القرآن ويدعو. ومضى على ذلك عِدَّة سنين، فلمَّا مات الخطيب سألوه أن يدفنوه فامتنع. وقال: هذا قبر حفرته وختمت فيه عدَّة ختمات، لا أُمَكِّنُ أحدًا من الدَّفْنٍ فيه، وهذا ممَّا لا يتصور. فانتهى الخبر إلى والدي ﵀ فقال له: يا شيخ، لو كان بِشْر الحافي في الأحياء ودخلت أنت والخطيب عليه أيكما كان يقعد إلى جانبه أنت أو الخطيب؟ قال: لا بل الخطيب. فقال: كذا ينبغي أن يكون في حالة الممات فإنَّه أحق به منك. فطاب قلبه، ورضي بأن يُدْفَنَ الخطيب في ذلك الموضع فَدُفِنَ فيه". وكان الحافظ الخطيب ﵀ على أَتَمِّ الحرص في طريقه إلى الحجِّ أن يعمر وقته بالطاعة والذكر والتلاوة والعلم؛ حيث يروي الحافظ ابن عساكر (١) عن أبي الفرج الإِسْفَرَايِيني قوله: "كان الشيخ أبو بكر الخطيب معنا في طريق الحجِّ، فكان يختم كل يوم ختمة إلى قرب الغياب قراءةً بترتيل، ثم يجتمع عليه النَّاس وهو راكب يقولون: حَدِّثْنَا، فيحدِّثهم".

стр. 93

ثم قَفَلَ راجعًا إلى بغداد سالكًا طريق الشام، مارًّا ببيت المقدس وصُور، وكان فيها (٤٤٦ هـ)، والتقى فيهما ببعض الشيوخ وتحمَّل عنهم (١). ثم دخل بغداد ومكث فيها خمس سنوات، أمضاها في التصنيف والإِفادة، وصار له قُرْبٌ من رفيقه في الطلب: رئيس الرؤساء الوزير أبي القاسم عليّ بن الحسن بن المُسْلِمَة، وكان وزيرًا للخليفة العبَّاسي: القائم بأمر اللَّه. وفي عام (٤٤٧ هـ) وقعت له حادثة مهمة مع رئيس الرؤساء هذا، أخبرنا عنها ابن الجَوْزي في كتابه "المُنْتَظَم" (٢) فقال: "ورجع -يعني الخطيب- إلى بغداد، فقرب من أبي القاسم بن المُسْلِمَة الوزير، وكان قد أظهر بعض اليهود كتابًا، وادَّعى أنَّه كتاب رسول اللَّه ﷺ بإسقاط الجِزْيَة عن أهل خَيْبَر، وفيه شهادات الصحابة، وأنَّ خَطَّ عليّ بن أبي طالب فيه. فعرضه رئيس الرؤساء ابن المُسْلِمَة على أبي بكر الخطيب، فقال: هذا مُزَوَّرٌ. قيل من أين لك؟ قال: في الكتاب شهادة معاوية بن أبي سفيان، ومعاوية أسلم يوم الفتح، وخَيْبَر كانت في سنة سبع. وفيه شهادة سعد بن معاذ، وكان قد مات يوم الخندق (٣)، فاستحسن ذلك منه". وبعد هذه الواقعة، ارتفعت منزلة الحافظ الخطيب كثيرًا عند الوزير أبي القاسم بن المُسْلِمَة، وبلغت ثقته به وبعلمه واطلاعه أن "تقدَّم إلى القُصَّاص والوعَّاظ، ألّا يورد أحد منهم حديثًا عن رسول اللَّه ﷺ حتى

стр. 94

يعرضه على أبي بكر الخطيب، فما أمرهم بإيراده أوردوه، وما منعهم منه ألغوه" (١). وهذا يدلُّ على عظيم ما بلغه الحافظ أبو بكر الخطيب من المنزلة والشهرة والتمكن والوثوق به، كما يدث في الوقت نفسه على اهتمام أُولي الأمر بالحفاظ على الدِّين والسُّنَّةِ نقيين من كل شائبةٍ ودَخِيلٍ. إلّا أنَّ الاستقرار وطيب المقام لم يدم لحافظنا أبي بكر، حيث حدثت فتنة (أرسلان البساسيري)، وهو أحد القوَّاد الأتراك الذين عظم أمرهم، ولم يكن الخليفة القائم باللَّه يقطع أمرًا دونه، وكان يسعى إلى تقويض الخلافة الإِسلامية الشرعية، لِيُحِلَّ مَحَلَّها خلافةً باطنيةً فاطميةً بالاتفاق مع صاحب مِصْر الفاطمي. وجرت في هذه الفتنة أحداث ووقائع انتهت بقتل صديقه الوزير ابن المُسْلِمَة وصَلْبه، وبنفي الخليفة وحبسه (٢). فما كان من الحافظ الخطيب ﵀ في هذه الأجواء الموحشة، والفتنة الدَّاهمة، وتَمَكُّنِ الباطنيين من الحكم، وفتكهم بالنَّاس، إلَّا أَنْ عزم على الخروج مستترًا إلى الشَّام، حاملًا معه كتبه ومصنفاته. وقد ذكر الخطيب أَنَّه خرج من بغداد يوم النصف من صفر سنة (٤٥١ هـ)، وأنّه كان بدمشق في يوم الأضحى من نفس السنة (٣). وطاب له المقام في دمشق، واتخذ المنارة الشرقية للمسجد الأُمَوي مسكنًا، وشَرَعَ يُحَدِّثُ فيه بمصنَّفاته ومصنَّفات غيره من مسموعاته، فأفاد ﵀ واستفاد (٤).

стр. 95

وقد بلغه وهو هناك، انتهاء الفتنة ومقتل البساسيري، وكان ذلك في شهر ذي الحجة عام (٤٥١ هـ) (١). وقد استمر الخطيب يحدِّث بدمشق رغم سيطرة الفاطميين عليها، وعدم ارتياحهم من نشاطه العلمي، خاصةً بعد أن بلغهم أنه يحدِّث بكتاب "فضائل الصحابة الأربعة" لأحمد بن حنبل، و"فضائل العبَّاس" لأبي الحسن بن رِزْقُوْيَه. فقامت السعاية ضده، وكادوا أن يقتلوه لولا أن أجاره الشريف أبو القاسم بن أبي الجنّ العَلَوي، واحتال في خلاصه، ثم سَهَّلَ له الخروج إلى (صُوْر) في صفر سنة (٤٥٩ هـ). . . فمكث فيها من سنة (٤٥٩ هـ) إلى سنة (٤٦٢ هـ) " (٢) وكان ﵀ خلال وجوده في صُوْر يزور بيت المَقْدِس ثم يعود إليها (٣). عودته إلى بغداد ووفاته فيها: عاد الحافظ الخطيب إلى بغداد بعد غياب امتد أحد عشر عامًا، فخرج من صُوْر متجهًا إلى طرابلس أولًا، ثم إلى حَلَب، ثم إلى الرَّحْبَةِ، ومنها إلى بغداد. حيث دخلها في ذي الحجة سنة (٤٦٢ هـ). وحدَّث بحَلَب وغيرها (٤). وكان شأنه في طريقه إلى بغداد من تلاوةٍ وذِكْرٍ، كشأنه في طريقه إلى الحجّ، فكان له في كل يوم وليلة ختمة (٥). وقد مرض الحافظ أبو بكر بعد عودته إلى بغداد في شهر رمضان (٤٦٣ هـ)، فأوصى بتفريق ما يملك من مال وثياب على المحدِّثين، فإنَّه لا عَقِبَ له ولا

стр. 96

وارث، ووقف كتبه ومصنفاته على المسلمين، وسلَّمها إلى أبي الفضل بن خَيْرون ليُعيرها لمن يطلبها. وقد احترق بعضها في دار ابنه الفضل بعد أن آلت إليه. وكانت وفاته ﵁ في ضحى يوم الاثنين سابع ذي الحجة سنة ثلاث وستين وأربعمائة. وحَمَلَ جنازته الإِمام الجليل أبو إسحاق الشِّيرَازي، وحُمِلَ إلى جامع المنصور، وحضر الأماثل والفقهاء والخَلْقُ العظيم، وصلّى عليه أبو الحسين بن المهتدي. وكان بين يدي الجنازة جماعة ينادون: هذا الذي كان يَذُبُّ عن النبيِّ ﷺ الكذب، هذا الذي كان يحفظ حديث رسول اللَّه ﷺ . وَدُفِنَ في مقبرة (باب حرب) بجوار الإِمام الزاهد العابد بِشْر الحَافي رحمهما المولى تعالى، وخُتِمَ على قبره عدَّة ختمات (١). ثقافة الحافظ الخطيب وعلومه: كان شأن أبي بكر الخطيب ﵀ في تنوع معارفه وشمولها، وسعة اطلاعه، وتوزع اهتماماته، شأن من سبقه ولحقه من أئمة المسلمين. فكان فقيهًا أصوليًا، محدِّثًا ناقدًا، قارئًا مجوِّدًا، أديبًا مؤرِّخًا، شاعرًا محسنًا. غلب عليه علم الحديث بفنونه المختلفة، فبرز فيه وجَلّى، حتى صار إمام وقته في هذا العلم. ولإِدراك ما ذكرت من شمولية ثقافته واتساعها، يكفي أن أشير إلى ما ذكره مترجموه (٢) مِنْ حَمْلِهِ عند خروجه من بغداد إلى دمشق سنة (٤٥١ هـ): (٤٧٤)

стр. 97

كتابًا، تتناول أهم العلوم الإِسلامية من علوم القرآن، والفقه، والحديث والتاريخ، والرجال، والأدب، وعلوم اللغة العربية. فضلًا عن كونه قد صنَّف في أكثر تلك العلوم مصنَّفات احتلت مكانًا عظيمًا بين مثيلاتها، بل إنّه كان رائدًا في بعضها. عقيدته ومذهبه: كان الإِمام أبو بكر الخطيب ﵀ على مذهب أهل السُّنَّة والجماعة في الأصول (١)، وعلى مذهب الإِمام الشَّافِعِي في الفروع. وذكر البعض أنَّه كان حَنْبَلِي المذهب ثم تحوَّل عنه إلى مذهب الإِمام الشَّافعي ﵃ أجمعين؛ ولم يرتض بعض المصنِّفين ما ذُكِرَ من أمر تحوله، وأنَّه تفقَّه على مذهب الشَّافِعية منذ نشأته، وبقي عليه (٢). صفاته ومناقبه: قال الإِمام السَّمْعَاني فيما نقله عنه ياقوت الحَمَوي (٣): "اكتسى به هذا الشأن غضارةً وبهجةً ونضارةً، وكان مهيبًا وقورًا، نبيلًا خطيرًا، وثقةً صدوقًا، مُتَحَرِّيًا، حُجَّةً فيما يصنِّفُهُ ويقولُهُ، وينقُلُهُ ويجمَعُهُ. حَسَنَ النَّقْلِ والخَطِّ، كثير الشَّكْلِ والضَّبْطِ، قارئًا للحديث فَصيحًا، وكان في

стр. 98

درجة الكمال والرُّتْبَةِ العُلْيَا خَلْقًا وخُلُقًا، وهيئةً ومنظرًا، انتهى إليه معرفة علم الحديث وحِفْظِهِ، وخُتِمَ به الحُفَّاظُ". وكان ﵀ من أهل التعبد وكثرة التلاوة للقرآن الكريم، وقد مَرَّ قبل خبر ختمه للقرآن ترتيلًا في كُلِّ يوم خلال رحلته إلى الحجِّ، وخلال عودته من دمشق إلى بغداد. كما أنه كان سخي اليد عفيفها، منفقًا على طلبة العلم، محبًّا لهم، متفقدًا الأحوالهم، صاحب مروءة ظاهرة. قال الإمام السُّبْكِي (١): "وكانت للخطيب ثروة ظاهرة، وصدقات على طُلَّاب العلم داڑرَّة، يهبُ الذهب الكثير للطلبة". وقال الإِمام الخطيب التِّبْرِيزي (٢): "كنت أقرأ على الخطيب بحلقته بجامع دمشق كتب الأدب المسموعة له، وكنت أسكن منارة الجامع، فصعد إليَّ وقال: أحببت أن أزورك. فتحدثنا ساعة، ثم أخرج ورقة وقال: الهدية مستحبة، اشتر بهذه أقلامًا، وقام، فإذا خمسة دنانير. ثم صَعِدَ تَوْبَةً أخرى ووضع نحوًا من ذلك. وكان إذا قرأ الحديث يُسْمَعُ صوته في آخر الجامع، كان يقرأ مُغْرَبًا فصيحًا". أمَّا عِفَّته: فقد ذكر السَّمْعَاني (٣) عن الفضل بن عمر النَّسوي: "كنت بجامع (صُوْر) عند أبي بكر الخطيب، فدخل عَلَويٌّ وفي كُمِّه دنانير، فقال: هذا الذهب تصرفُهُ في مُهمَّاتك. فقطَّب في وجهه، وقال: لا حاجة لي فيه، فقال: كأنك تستقلُّهُ، وأرسله من كُمِّه على سَجَّادَةِ الخطيب. وقال: هذه ثلاث مئة دينار. فقام الخطيب خجلًا مُخْمَرًّا وجهه. وأخذ سَجَّادَتَهُ، ورمي الدنانير، وراح.

стр. 99

فما أني عِزَّه. وذُلَّ العَلَويُّ وهو يلتقط الدنانير من شقوق الحصير". وأمّا حِفْظُهُ لوقته: فإنَّ ابن الجَوْزي يقول (١): "كان حريصًا على علم الحديث، وكان يمشي في الطريق وفي يده جزء يطالعه". وقد سبق كيف أنه ﵀ كان حريصًا على وقته حتى في طريق سفره، فكان يقضيه بين تلاوة وتحديث. كما كان ﵀ ورعًا متحفظًا متواضعًا: وقد تقدم أن شيخًا البَرْقَاني عندما زوَّده بكتاب توصية إلى أبي نُعَيْم الأَصْبَهاني عند رحلته إليه، قد ذكره فيه بالورع والتحفظ وحسن التحصيل. أمَّا تواضعه فقد ذكر الحافظ الذَّهَبِيّ (٢) عن سعيد المؤدِّب قوله: "قلت للخطيب عند لقائي له: أنت الحافظ أبو بكر؟ فقال: أنا أحمد بن عليّ الخطيب، انتهى الحفظ إلى الدَّارَقُطْنِيّ". وقال الذَّهَبِيُّ (٣): "بل نزل إلى أن روى عن تلامذته كنصر المَقْدِسي، وابن مَاكُولا، والحُمَيْدي، وهذا شأن كُلِّ حافظ يروي عن الكبار والصغار". شيوخه وتلامذته (٤): تقدَّم معنا أَنَّ الحافظ الخطيب ﵀ كان أول سماعه ولمَّا يتجاوز من

стр. 100

العمر إحدى عشرة سنة، وأنّه قد طوّف على الشيوخ في بغداد وما التحق بها، كما أنه ارتحل في سِنٍّ مُبَكِّرَةٍ إلى البَصْرة، ثم إلى بلاد المشرق، ودخل فيها مدنًا كبيرة: كـ (نَيْسَابُور) و (أَصْبَهَان) و (الدِّينَور) و (هَمَذَان) وغيرها، والتقى فيها بعدد كبير من أئمتها ومحدِّثيها، كما أنَّه رحل إلى دمشق، والحَرَمَيْن، والقُدْس، وصُور، وغيرها. وفي كلِّ بلد كان ينزل بها يحمل عن علمائها ويروي عنهم، فتحصّل له من الشيوخ كثرة كاثرة لا تتحصل إلَّا لأمثاله مِنَ المُبَكِّبرِينَ في الطلب، المجدِّين في التحصيل، الرُّحْلَةِ من المحدِّثين. ولذا قال الإِمام السَّمْعَاني (١): "وشيوخه أكثر من أن يذكروا، وأدركت من أصحابه قريبًا من خمسة عشر نَفْسًا". ومن أشهر شيوخه: ١ - أبو الحسن ابن رِزْقُوْيَه محمد بن أحمد (ت ٤١٢ هـ). ٢ - أبو الحسن القَطَّان الأَزْرَق محمد بن الحسين (ت ٤١٥ هـ). ٣ - أبو بكر أحمد بن محمد البَرْقَاني (ت ٤٢٥ هـ). ٤ - أبو تميم الأصبهاني أحمد بن عبد اللَّه (ت ٤٣٠ هـ). ٥ - ابن دُومَا النِّعَالي الحسن بن الحسين (ت ٤٣١ هـ). ٦ - عبد اللَّه الحسين بن علي الصَّيْمَري القاضي (ت ٤٣٦ هـ). ٧ - أبو الفرج الطَّنَاجِيري الحسين بن عليّ (ت ٤٣٩ هـ). ٨ - أبو الحسن العَتِيقي أحمد بن محمد (ت ٤٤١ هـ). ٩ - أبو عبد اللَّه محمد بن علي الصُّوري (ت ٤٤١ هـ). ١٠ - أبو الطيِّب طاهر بن عبد اللَّه الطَّبَري القاضي (ت ٤٥٠ هـ). أمَّا تلامذته: فهم كثيرون كذلك. قال الحافظ الذَّهَبِيّ (٢) بعد أن ذكر بعض تلامذته: "وعددٌ يطولُ ذكرهم".

стр. 101

فهو دَارَقُطْنِيُّ عصره حفظًا ونقدًا، واسع الرحلة، كثير الشيوخ من الأئمة، مكثر التصنيف، متنوع العلوم والمعارف متقنها، مشهور الاسم، عظيم المنزلة والجاه، وهذا كلّه ممّا يُرَغِّب في القدوم عليه، والرِّحلة له، والسماع منه. ولإِدراك كثرة تلامذته يكفي ذكر ما قاله السُّبْكي (١): "حدَّث الحافظ أبو القاسم ابن عساكر عن أربعة وعشرين شيخًا، حدَّثوه عن الخطيب" (٢). ومن أبرز تلامذته: ١ - أبو محمد عبد العزيز بن أحمد الكَتَّاني (ت ٤٦٦ هـ)، وهو ممن رَوَى عنهم الخطيب ورووا عنه. ٢ - أبو نصر ابن مَاكُولا عليّ بن هِبة اللَّه (ت ٤٧٥ هـ). ٣ - أبو الفضل ابن خَيْرون أحمد بن الحسن (ت ٤٨٨ هـ). ٤ - أبو عبد اللَّه الحُمَيْدي محمد بن فَتُّوح الأندلسي (ت ٤٨٨ هـ). ٥ - أبو الفتح المَقْدِسي نصر بن إبراهيم (ت ٤٩٠ هـ). ٦ - أبو الحسين ابن الطُّيوري مبارك بن عبد الجبار (ت ٥٠٠ هـ). ٧ - أبو زكريا الخطيب التِّبْرِيزي يحيى بن عليّ (ت ٥٠٢ هـ). ٨ - أبو نصر السَّاجي المؤْتَمَن بن أحمد (ت ٥٠٧ هـ). ٩ - أبو محمد ابن الأَكْفَاني هِبَة اللَّه بن أحمد (ت ٥٢٤ هـ). ١٠ - أبو القاسم الوَاسِطي الشُّرُوطي هِبَة اللَّه بن عبد اللَّه (ت ٥٢٨ هـ). توثيقه ومكانته وثناء الأئمة عليه: من المعلوم أنَّ المرء وبالأخص إذا كان معروفًا مشهورًا مُبَرِّزًا، لا يخلو من

стр. 102

حاسدين له أو طاعنين عليه، فَيُرْمَى بما يُرْمَى به تشنيعًا وحَسَدًا وتشهيرًا، أو يُضَخَّم خطؤه إذا ما أخطأ كما يكون من بني الإِنسان، حتى يُرى كأعظم ما يكون. ولم يسلم حافظنا أبو بكر الخطيب ﵀ من ذلك، فرماه خصومه مرَّةً بالعصبية الشديدة لمذهبه والحطّ من بعض أئمة المذاهب الأخرى وخاصة من الإِمام أبي حَنِيفة النُّعْمَان ﵀؛ وأخرى بأنَّ أكثر كتبه -سوى التاريخ- مستفاد من كتب شيخه الصُّوري، إلى غير ذلك ممَّا أتى على دراسته وتفنيده وردّه بعض مترجميه (١)، ممّا لا تتسع له هذه الترجمة الموجزة، فينظر في المصادر المشار إليها في الحاشية. والحافظ الخطيب ﵀ قد وثَّقه معاصروه ومن أتى بعدهم وأشادوا -كما يلحظ القارئ لكلامهم بأمور عدة-: بإمامته وسعة علمه وتنوع معارفه، بحفظه المقترن بالضبط ومعرفة العلل والصحيح من السقيم، بكثرة مصنفاته المحررة المجودة، إلى غير تلك الخِلال. ومن أقوال الأئمة فيه: قول الإِمام الحافظ أبي نصر عليّ بن هبة اللَّه المعروف بابن مَاكُولا (٢) (ت ٤٧٥ هـ): "كان أحد الأعيان ممن شاهدناه: معرفةً وإتقانًا، وحفظًا وضبطًا لحديث رسول اللَّه ﷺ ، وتفتنًا في علله وأسانيده، وخبرةً برواته وناقليه، وعِلْمًا بصحيحه وغريبه وفَرْدِهِ ومنكره وسَقِيمه ومطروحه. ولم يكن للبغداديين بعد أبي الحسن علي بن عمر الدَّارقُطْنِيّ من يجري مجراه، ولا قام بعده

стр. 103

منهم بهذا الشأن سواه. وقد استفدنا كثيرًا من هذا اليسير الذي نحسنه به وعنه، وتعلّمنا شطرًا من هذا القليل الذي نعرفه بتنبيهه ومنه، فجزاهُ اللَّه تعالى عنّا الخير، ولقّاه الحُسنى ولجميع مشايخنا وأئمتنا ولجميع المسلمين". وقال الإِمام أبو إسحاق الشِّيرازي إبراهيم بن عليّ (١) (ت ٤٧٦ هـ): "أبو بكر الخطيب يشبَّه بالدَّارَقُطْنِيّ ونظرائه في معرفة الحديث وحفظه". وقال الإِمام أبو محمد هِبة اللَّه بن أحمد المعروف بابن الأَكْفَاني (٢) (ت ٥٢٤ هـ): "كان مكثرًا من الحديث، عانيًا بجمعه، ثقةً حافظًا متقنًا متيقظًا متحمدًا مصنِّفًا ﵀ ورضي عنه". وقال الإِمام أبو سعد عبد الكريم بن محمد السَّمْعَاني (٣) (ت ٥٦٢ هـ): "كان إمام عصره بلا مدافعة، وحافظ وقته بلا منازعة، صنَّف قريبًا من مائة مصنِّف صارت عمدة لأصحاب الحديث". ويقول عنه أيضًا (٤): "والخطيب في درجة القدماء من الحفَّاظ والأئمة الكبار، كيحيى بن مَعِين، وعليّ بن المَدِيني، وأحمد بن أبي خَيْثَمة، وطبقتِهِم". كما تقدَّم عنه قوله (٥): "كان ثقةً صدوقًا مُتَحَرِّيًا حُجَّةً فيما يصنِّفه ويقوله وينقله ويجمعه".

стр. 104

وقال الإِمام ابن عساكر الدِّمَشْقِي عليّ بن الحسن (١) (ت ٥٧١ هـ): "أحد الأئمة المشهورين، والمصنِّفين المكثرين، والحفَّاظ المُبَرِّزين، ومن خُتِمَ به ديوان المحدِّثين". وقال الإِمام أبو بكر بن نُقْطَة الحَنْبَلي محمد بن عبد الغني (٢) (ت ٦٢٩ هـ): "وله مصنَّفات في علوم الحديث لم يُسْبَق إلى مثلها. ولا شُبْهةَ عند كل لَبِيب أنَّ المتأخِّرينَ من أصحاب الحديث عِيَالٌ على أبي بكر الخطيب". وقال الإِمام مُحِبُّ الدِّين بن النَّجَّار (٣) (ت ٦٤٣ هـ): "إمام هذه الصَّنْعة، ومن انتهت إليه الرئاسة في الحفظ والإِتقان، والقيام بعلوم الحديث". وقال الإِمام الذَّهَبِيّ شمس الدين محمد بن أحمد (٤) (ت ٧٤٨ هـ): "الإِمام الأوحد، العلّامة المُفتي، الحافظ الناقد، محدِّث الوقت. . . صاحب التصانيف وخاتمة الحفَّاظ. . . كتب الكثير، وتقدَّم في هذا الشأن، وبَذَّ الأقران، وجمع وصنَّف، وصَحَّحَ وعَلَّلَ، وجرَّح وعدَّل، وأرَّخ وأوضح، وصار أحفظ أهل عصره على الإطلاق". وقال الإِمام السُّبْكي تاج الدين عبد الوهاب (٥) (ت ٧٧١ هـ): "الحافظ الكبير، أحد أعلام الحفَّاظ ومهرة الحديث، وصاحب التصانيف المنتشرة".

стр. 105

مصنفاته: كان الحافظ الخطيب ﵀ من المصنِّفين المكثرين، والمجلِّين المبدعين، فانتشرت مصنفاته، وسمعها منه خلائق، وأكبَّ عليها أهل العلم وطلابه بالدَّرْس والاستفادة والرواية. صنَّف قريبًا من مائة مصنَّفٍ صارت عمدةً لأصحاب الحديث كما قال السَّمْعَاني (١). وقد أحصى الدكتور يوسف العش ﵀ مصنَّفاته فبلغت (تسعة وسبعين) مصنَّفًا، ذكرها في كتابه "الخطيب البغدادي مؤرِّخ بغداد ومحدِّثها" (٢)، وقام بترتيبها على حروف المعجم، وعيّن أماكن وجودها في المكتبات العالمية مما عرف، مع إشارة إلى ما طُبعَ منها. ويقول الدكتور أكرم العُمَري (٣) في تحديد موضوعات مصنَّفاته وعدد كل منها، ومقدار ما وقف عليه: "وقد شملت مصنَّفاته الميادين التي أولاها اهتمامه وجمع مصنَّفاتها، وهي: الحديث وعلومه، والتاريخ وعلم الرجال، والفقه وأصوله، والرقائق، والأدب. ويبلغ مجموع مصنَّفاته (ستة وثمانين) مصنَّفًا. منها (سبعة وثلاثون) مصنَّفًا في الحديث وعلومه -سوى علم الرجال-. و (٢٥) مصنَّفًا في الفقه وأصوله. و (٣) مصنَّفات في الرقائق. و (مصنَّفان) في العقائد. و (٣) مصنَّفات في الأدب.

стр. 106

و (مصنَّفان) أحدهما مجهول الموضوع، والآخر قد لا تصح نسبته إليه، وهو في الرقائق. وقد ألف الخطيب (٥٦) مصنَّفًا قبل سنة (٤٥٣ هـ)، حيث أحصاها المالكي في فهرست خاص". ثم ذكرها جميعًا مع التعريف بها، وما عَلِمَ من أماكن وجودها. وفي هذه الترجمة الموجزة سأقتصر على ذكر ما طبع من مصنَّفاته: ١ - "تاريخ بغداد، أو مدينة السَّلَام". وقد طبع في مطبعة السعادة في مصر عام (١٣٤٩ هـ = ١٩٣١ م) في أربعة عشر مجلدًا. ٢ - "الكفاية في علم الرواية". وقد طبع في الهند أولًا عام (١٣٥٧ هـ)، ثم طبع في مِصْرَ في مطبعة السعادة عام (١٩٧٢ م) بعناية الأستاذين عبد الحليم محمد عبد الحليم، وعبد الرحمن حسن محمود. ٣ - "السَّابق واللاحق في تباعد ما بين وفاة راويين عن شيخ واحد". نشرته دار طيبة في الرياض عام (١٤٠٢ هـ = ١٩٨٢ م) بتحقيق ودراسة الأستاذ محمد بن مطر الزهراني. ٤ - "الرِّحْلَةُ في طلب الحديث". وقد طُبعَ أولًا في القاهرة عام (١٣٨٩ هـ) ضمن مجموعة رسائل بعناية الشيخ صبحي السامرائي. ثم قام الدكتور نور الدين عِتْر بتحقيقه ودراسته ونشره في دمشق عام (١٣٩٥ هـ = ١٩٧٥ م). ٥ - "تقييد العِلْم". طبع بتحقيق الدكتور يوسف العش ﵀، ونشره المعهد الفرنسي بدمشق عام (١٩٤٩ م). ٦ - "الأسماء المُبْهَمَة في الأنباء المُحْكَمَة". طبع في مطبعة المدني في مصر عام (١٤٠٥ هـ = ١٩٨٤ م) بتحقيق الدكتور عز الدين علي السيد. وهو من منشورات مكتبة الخانجي.

стр. 107

٧ - "الجامع لأخلاق الرَّاوي وآداب السَّامع". طبع أولًا بتحقيق الدكتور محمد رأفت سعيد، ونشرته مكتبة الفلاح بالكويت عام (١٤٠١ هـ = ١٩٨١ م). ثم طبع ثانية بتحقيق الدكتور محمود الطحَّان، ونشرته مكتبة المعارف في الرياض عام (١٤٠٣ هـ = ١٩٨٣ م). ثم طبع ثالثة بتحقيق الدكتور محمد عجاج الخطيب، ونشرته مؤسسة الرسالة في بيروت عام (١٤١٢ هـ = ١٩٩١ م). وكان أستاذنا الخطيب قد أطلعني عليه مُحَقَّقًا عنده منذ أكثر من عشرين عامًا. ٨ - "المُوَضِّحُ لأوهام الجَمْعِ والتَّفْرِيق" طبع في حيدر آباد الدكن بالهند عام (١٣٧٨ هـ = ١٩٥٩ م) بتحقيق الشيخ عبد الرحمن المُعَلِّمي اليَمَاني رحمه اللَّه تعالى. ٩ - "تلخيص المُتَشَابِهِ في الرسم وحماية ما أشكل منه عن بوادر التَّصحيف والوهم". طبع في دار طلاس في دمشق عام (١٩٨٥ م) في مجلَّدين كبيرين، بتحقيق الأستاذة سُكَيْنة الشِّهَابي. ١٠ - "النصيحة لأهل الحديث". وقد طبعت طبعات عدة، هي: و (مختصرها)، وآخر طبعاتها الجيدة عام (١٤٠٨ هـ = ١٩٨٨ م) بتحقيق الأستاذ عبد الكريم أحمد الوريكات، وهي من منشورات مكتبة المنار في الأردن. ١١ - "الفقيه والمُتَفَقِّه". طبع بمطابع القصيم بالرياض عام (١٣٨٩ هـ): بعناية الشيخ إسماعيل الأنصاري. ١٢ - "اقتضاء العِلْم العمل". طبع في دمشق عام (١٣٨٥ هـ) بتحقيق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني. ١٣ - "البخلاء". وقد طبع في مطبعة العاني ببغداد سنة (١٩٦٤ م) بتحقيق الأساتذة: أحمد مطلوب وخديجة الحديثي وأحمد ناجي القيسي. ١٤ - "التَّطْفِيل وحكاية الطُّفَيْلِيين وأخبارهم ونوادر كلامهم وأشعارهم". وقد نشره الأستاذ حسام الدين القدسي ﵀ في دمشق عام (١٣٤٦ هـ)، وقد

стр. 108

طبع في مطبعة التوفيق. كما طُبع بعناية كاظم المظفَّر في المطبعة الحيدرية بالنجف عام (١٩١٦ م). ثم حققه تحقيقًا علميًا الدكتور عبد اللَّه عسيلان، ونشرته دار المدني في جُدَّة عام (١٤٠٦ هـ = ١٩٨٦ م). ١٥ - "الإجازة للمعدوم والمجهول". وهي رسالة صغيرة، طبعت مع عدة رسائل بعناية الشيخ صبحي السامرائي في مطابع المجد بالقاهرة عام (١٣٨٩ هـ). * * *

стр. 109

الباب الثالث زوائد الحافظ الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد) وتخريجها

стр. 110

١ - أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن بُكَيْر المِصْريّ قال: حَدَّثني أحمد بن محمد بن إبراهيم الأَنْبَاري قال: نبأنا أبو عمر محمد بن أحمد الحَلِيْمي (١) قال: نبأنا آدم بن أبي إياس، عن ابن أبي ذِئْب، عن معن بن الوليد، عن خالد بن مَعْدَان، عن معاذ بن جَبَل قال: قال النبيُّ ﷺ : "اللَّهُمَّ بارك لنا في صَاعِنَا ومُدِّنَا، وفي شَامِنَا، وفي يَمَنِنَا، وفي حِجَازِنَا". قال: فقام إليه رجل فقال: يا رسول اللَّه وفي عِرَاقِنَا؟ فأمسك النبيُّ ﷺ ، فلما كان في اليوم الثاني قال مثل ذلك، فقام إليه الرجل فقال: يا رسول اللَّه وفي عِرَاقِنَا؟ فأمسك النبيُّ ﷺ ، فلمَّا كان في اليوم الثالث قام إليه الرجل فقال: يا رسول اللَّه وفي عِرَاقِنَا؟ فأمسك النبيُّ ﷺ ، فولّى الرجل وهو يبكي، فدعاه النبيُّ ﷺ فقال: "أَمِنَ العراقِ أَنْتَ؟ قال: نعم. قال: "إنّ أبي إبراهيم ﵇ هَمَّ أن يدعو عليهم فأوحى اللَّه تعالى إليه لا تفعل، فإنِّي جعلتُ خزائن عِلْمِي فيهم، وأسكنتُ الرَّحْمَةَ قلوبهم". (١/ ٢٤ - ٢٥) في "ذكر تعريب اسم العراق ومعناه. . . ". مرتبة الحديث: موضوع. وقد صَحَّ قوله ﷺ : "اللَّهُمَّ بارك لنا في صَاعِنَا ومُدِّنَا وفي شَامِنَا وفي يَمَنِنَا" من وجوهٍ أُخْرَى.
следующие страницы →