Полный текст (181 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
قلت وما اعتمده الشيخ ابن عرفة من نص ابن المسيب في ذلك ومثله أنه من الفساد في الأرض به جرى عمل الأئمة وعمالهم فيمن يفعل الدلسة في النقود فإنهم يقطعون أيديهم وقد كان القطع من خلاف أحق بإتباع نص الشارع لكنهم قد يرون قصر المفسدة في هذا بخصوصيته على عمل اليد فإذا قطعت ارتفعت المفسدة بزوال آلاتها.
وأقوال إن فساد سكة المسلمين وغش دراهمهم قد عم وقوعه بهذه البلاد المغربية بأسرها ولم يقع لمادة ذلك حسم ولا إزالة حتى كادت رؤوس أموال الناس تنقرض من أيديهم بغلاء الأسعار في كل شيء لطي العدد في المبيعات بالزيوف عن قيم العدل حتى في الأكرية والاستيجار فإنه لله وإنا إليه راجعون.
فرعان
فرعان: الأول منهما قال في سماع محمد بن خالد: سألت ابن القاسم عن الوالي بعد وال آخر كان قبله فيزيد في المكيال. قال إن كان في ذلك نفع للمسلمين بموافقة حق لا يكره الناس على البيع فلا أرى به بأسا. قال ابن رشد رحه: هذا بين على ما قاله إنه إذا كان في ذلك نفع للمسلمين بموافقة حق كان له أن يفعله وأما قوله لا يكره الناس على البيع به ففيه نظر لأن له أن يحمل الناس على التبايع به إذا رأى في ذلك نفعا للمسلمين فمعنى قوله لا يكره الناس على البيع أي لا يحجره جملة حتى لا يجيز لأحد بيعا إلا به.
قلت: فإذا كان وجه النفع والمصلحة للمسلمين فيه من وجه ظاهره ومفسدته من وجه باطنه فالصواب منع إحداث الزيادة فيه كما ذكر لي سيدنا الجد الأقرب عن معارضته في الزيادة في صاعنا يوم أريدت الزيادة فيه عما كان قديما يعرف بالتاشفيني بهذا الذي بين أيدينا اليوم نكيل به يعرف بالوهراني محتجا على من باحثه من الأصحاب بأن أعظم المفاسد إعطاء الوظائف المخزنية للظلمية به وخصوصا ملك الجوار والثوار من العرب تشريع هذا الوطن. فكل ما يأخذون بذلك المكيال المزاد في صحيفة الذي زاد فيه أو أفتى بالزيادة فيه فانقطع الباحث قال ولم يكن لي والحمد لله في تسويغ إحداثه تلفظ ببنت شفة حتى يسألني الله في الآخرة عن ذلك.
الثاني: لو وقع التبايع بين متبايعين على ذراع شخص معين عند التعاقد فذلك جائز ويقضي به على (الأبي) وإن لم تقع التسمية عند التعاقد وأراد أحدهما حمل الآخر عند التقابض على ذراع شخص معين لم يقض على (الأبي) به وكان القضاء بالذراع الوسط.
стр. 107
واختلف هل يوجب ذلك فسخا. قال في سماع أصبغ وسمعت ابن القاسم يقول فيمن سلف في قراطيس طولها عشرون ذراعا فلما حل الأجل قال المشتري إنما لي بذراعي. وقال البائع بل بذراعي ولم يكونا سميا قال لا ينظر إلى قول هذا ولا هذا وأرى أن يحملا على ذراع وسط. قال ونزلت فأفتيت فيها بذلك. قال أصبغ: ولم ير هذا فسخا. وهذا أحسن عندي والقياس الفسخ.
قال الشيخ ابن رشد رحه تع في قوله ولم يكونا سميا دليل على أنهما لو توافقا على أن السلم وقع بينهما على ذراع أحدهما بعينه لجاز وهو مذهبه في المدونة. لأنه أجاز السلم على ذراع رجل بعينه قال ويكفي أن يسمي الذراع فقط فإن اختلفا فيه عند القبض كان له الوسط من أذرع الناس هذا إذا لم يكن القاضي قد جعل ذراعا للناس يتبايعون عليه فإن كان قد نصب ذراعا للناس يتبايعون عليه وجب الحكم به والرجوع إليه عند الإبهام.
وتحصيل القول في هذه المسألة عندي أن القاضي إن كان نصب للناس ذراعا يتبايعون عليه لم يجز اشتراط ذراع رجل بعينه كما لا يجوز ترك المكيال المعروف الجاري إلى مكيال مجهول.
وإن لم يكن للناس ذراع منصوب فهذا موضع الاختلاف. قيل إن موضع الذراع الوسط كالذراع المنصوب فلا يجوز السلم على ذراع رجل بعينه وإنما يجوز على الذراع الوسط أو على ذراع ولا يسميا شيئا فيحكم بينهما بذراع وسط وهو الذي ذهب إليه ابن حبيب.
وقيل إنه لا يكون الذراع الوسط كالذراع المنصوب ويجوز السلم على ذراع رجل بعينه وعلى ذراع وسط كما يجوز شراء الطعام على مكيال مجهول في القرى ومن الأعراب حيث ليس لهم مكيال يتبايعون عليه وهو مذهب ابن القاسم في المدونة ودليل قوله في هذه الرواية. فإن لم يسميا شيئا حملا على ذراع وسط. وقول أصبغ استحسان والقياس الفسخ ولو اختلفا على هذا القول فقال المسلم وقع السلم على ذراعي وقال المسلم إليه بل على ذراعي كان الحكم في ذلك حكم اختلافهما في عدد المسلم فيه.
وأما على القول الآخر فيفسخ السلم بينهما لاتفاقهما على أنه وقع فاسدا ولو ادعى أحدهما أن السلم وقع على ذراع وسط لكان القول قوله لأنه مدعى الصحة دون صاحبه وكذلك لو اختلفا حيث ثم ذراع منصوب فادعى أحدهما الذراع المنصوب.
стр. 108
الغش في المطعومات: القمح والشعير وجميع القطائن
ومن ذلك الغش الذي يكون في المطعومات وغيرها. فمنه عدم غربلة القمح والشعير وجميع القطائن مما يمكن فيها من الغلث لأن بقاءها من الغش الذي يزداد للبائع في كمية المبيع مما ليس منه بحيث لو تجرد الغلث الذي وقع الغش به لم يساو شيئا ففي "أحكام السوق" وسئل عن أهل الأفران البائعين الخبز هل يغربلون القمح والشعير والفول والعدس والحمص وجميع القطائن. فقال عن مالك لا تبيعوا ذلك حتى تغربلوه ورواه ابن وهب قال ابن عمر أرى أن يلزموا ذلك وفي المدونة يغربل القمح والشعير للبيع وهو الحق الذي لا شك فيه فظاهره مثل تقييد ابن عمر.
وخصص ابن رشد وجوب الغربلة بالغلث الكثير في كتاب السلطان وأما غربلة القمح والسلت عند البيع فذلك واجب إن كان التبن والغلث فيه كثيرا يقع في أكثر من الثلث لأن بيعه على ما هو عليه من الغرر. ومستحب إن كان التبن والغلث فيه يسيرا. ومنه خلط الجيد بالدني والفائق بالردي. قال مالك فيمن خلط قمحا بشعير لقوته أكره بيع ما فضل له منه وإن قل وكذلك التمر والعسل والسمن وقال رب السفينة يبتاع القمح الأسمر والمشعر ثم يشتري أبيض يصب عليه الأبيض ويخلط قال فلا خير فيه وليجعل كل شيء على حدة.
الغش في الزيت والسمن
وفي سماع عيسى وسألته عن الرجل يخلط الزيت الردي بالزيت الجيد والسمن الجيد بالردي والقمح الردي بالجيد هل ترى يحل من هذا شيء. قال ابن القاسم لا خير فيه ولا يحل وهذا من الشر فلا يحل وإن كان يريد أن يبين إذا باع فلا خير في ذلك ولا يحل له خلطه ولا أدري كيف سألت عن هذا قد قال لي مالك في شيء سألته عنه أنت حتى الساعة ها هنا تسأل عن مثل هذا؟
قال ابن رشد رحه هذا كما قال إن خلط الجيد بالردي للبيع من الغش الذي لا يجوز لأحد أن يفعله ولو بين عند البيع أنه مخلوط وينبغي للإمام أن يمنع منه ويضرب عليه. فإن فعل كان للمشتري أن يرد وإن بين أنه مخلوط جيد بردي إلا أن يبين مقدار الردي الذي خلطه بالجيد وصفتهما جميعا قبل الخلط حتى يستوي عليهما فيه فلا يكون للمشتري حينئذ أن يرد ويكون هذا قد باء بالإثم في خلطه إذ قد يغش به غيره لأنه ممكن أن يغش
стр. 109
به أو ممن لا يدري ما يصنع به ويكره أن يبيعه ممن يخشى أن يغش به ولا يجوز له أن يبيعه ممن يعلم أن يبيعه ممن يغش به. وهذا في الصنف الواحد الذي يختلط ولا يمتاز بعد الخلط جيده من رديه كالزيت والسمن والعسل وشبه ذلك وأما الصنفان اللذان يمتازان بعد الخلط إلا أنه لا يعلم مقدار كل واحد منهما من صاحبه كالقمح والشعير والسمن والعسل والغلث والطعام وما أِشبه ذلك فإن كان أحد الصنفين منهما يسيرا جدا تبعا لصاحبه جاز أن يبيع ولا يبين أن المشتري يراه ويعرفه. وإن لم يكن أحدهما يسيرًا ولا تبعًا لصاحبه فلا يخلو من أن يكون يمكن تمييزه أو لا يمكن تمييزه فإن كان يمكن تمييزه كالغلث مع الطعام واللحم السمين مع المهزول وما أشبه فلا يجوز أن يباع الكثير من ذلك على ما هو عليه حتى يميز أحدهما عن صاحبه ويجوز أن يباع القليل منه على ما هو عليه على ما قال في اللحم والسمن والمهزول وإن كان مما لا يمكن تمييز أحدهما من صاحبه كالسمن والعسل والقمح من الشعير والماء من العسل واللبن وما أشبه ذلك فقيل إنه يجوز بيعه كما هو على بيان ما فيه إذ لا يقدر على تخليص بعضه من بعض من يأكله ويؤمن أن يغش به.
الغش في اللبن والعسل
وقاله ابن حبيب في اللبن والعسل المغشوش بالماء وقيل إن ذلك لا يجوز وهو قول مالك في الواضحة وكتاب ابن المواز من خلط قمحًا بشعير لقوته فيكره أن يبيع ما فضل له منه يريد أن يبين مقدار الشعير فيه من القمح وقيل إن كان خلطه للبيع لم يجز له أن يبيعه وإن كان خلطه للأكل وهو قول مطرف وابن الماجشون في الواضحة هذا تحصيل القول في المسألة.
قلت: قوله فيما لا يمكن تمييزه مما خلط به كالماء مع اللبن يريد إذا خلط به لمجرد الغش بالزيادة في كمية اللبن بما يداخله من الماء أما إذا كان لمصلحته والتحام أجزائه كما يصنع به عند إخراج زبده فخلط الماء به إذ ذاك ليس بمحظور قال في سماع أشهب وسئل عما يخلط النساء اللبن بالماء لاستخراج زبده ما ترى به بأسا؟ قال لا بأس بذلك وذلك يصنع عندنا.
стр. 110
خلط العصير بالماء
وأما الذي أكره من ذلك يخلط به الماء بعد ذلك فأما الذي يصلح به فلا بأس به. سحنون والعصير يراد به الخل فيجعل فيها الماء ليفسدها بذلك لئلا تصير خمرا ويكون ذلك أعجل للتخليل فلا بأس به قياسا على قول مالك في هذه المسألة. قال ابن رشد رحه هذا كما قال إن خلط الماء باللبن لاستخراج زبده وبالعصير لتعجيل تخليله لا بأس بذلك لأنه إنما يفعل للإصلاح لا للغش والإفساد وكذلك التبن يجعل تحت القمح عندما يخزن.
ولما صحت عند سحنون علة مالك في جواز خلط اللبن بالماء لاستخراج زبده قاس عليها خلط الماء بالعصير لاستعجال تخليله فإنما قاس على علته لا على مجرد قوله دون الاعتبار بعلته فقوله قياسا على قول مالك معناه قياسا على قول مالك وقد وقع ذلك لمالك نصا في رسم إن خرجت من سماع عيسى من كتاب جامع البيوع.
خلط اللحم السمين بالمهزول
فإن قلت هذا الذي تقدم ذكره مما خلط من اللحم السمين بالمهزول وشبه ذلك مما يكره تمييز بعضه فقال فيه لا يجوز أن يباع الكثير منه على ما هو عليه حتى يميز أحدهما من صاحبه لم يبين في قوله حد الكثرة التي يمتنع منها البيع دون تمييز من القلة التي يجوز البيع معها حالة الخلط قائمة دون تمييز فهل لذلك حد ونسبة ينضبط بها المنع والجواز؟
قلت وقع لابن القاسم تحديد ذلك بالستة الأرطال وما حولها مما يشتري بالدرهم والدرهمين ويمتنع ما فوق ذلك إلا مع التمييز. قال في سماع عيسى وسئل عن الجزار يكون عنده اللحم السمين واللحم المهزول فيخلطهما جميعا فيبعهما بوزن واحد مخلوط والمشتري يرى ما صنع من المهزول والسمين غير أنه لا يعرف وزن هذا من هذا. قال ابن القاسم إذا كانت الأرطال اليسيرة الخمسة والستة ومثل ما يشتري الناس من المجازر بالدرهم والدرهمين ونحو ذلك فلا أرى به بأسا فإن كثرت الأرطال مثل العشرين والثلاثين وما أشبه ذلك فلا خير فيه وأرى أن يمنع الجزارون من مثل هذا الخلط للسمين والمهزول وأراه من الغش ولا أرى ذلك يحل لهم.
стр. 111
قال الشيخ ابن رشد رحه تع هذا كما قال لأن البيوع لا تنفك عن الغرر اليسير فهو مستخف فيها مستجاز ومن الدليل على ذلك أن رسول الله صلعم نهى عن بيع الغرر والبيع لا يوصف بأنه غرر حتى يكون الغرر ظاهرا فيه وغالبا عليه وإنما يجوز شراء الأرطال اليسيرة من اللحم المخلوط السمين بالمهزول إذا اشتراه كله فرأى ما فيه من السمين والمهزول وإن لم يعرف حقيقة ما يقع هذا من هذا إلا أن الغرر فيه خفيف يسير فأما إن كان إنما اشترى منه وزنا معلوما على أن يعطيه إياه من السمين والمهزول وهو لا يدري قدر ما يعطيه من كل واحد منهما فلا يراه حين يزنه فلا يجوز قليلا كان أو كثيرا إلا أن يقع شراؤه على أنه بالخيار حين يبرزه فيزنه.
شراء التين والعنب
وعلى هذا المعنى صورة شراء التين الأخضر عندنا على العدد لأنه لو اشترى منه من جملة تينه في التمثيل على أن يعدها له البائع أو على أن يعدها المبتاع لنفسه يختارها ولم يجز لأن البيع إن وقع بينهما على أن يعدها البائع كان غررًا لا يدري المبتاع ما يعطيه لأنها تتفاوت تفاوتا بعيدا في الصغر والكبر والنضج والطيب وإن وقع بينهما على أن يعدها المبتاع لنفسه ويختارها دخلها التفاضل وبيع الطعام قبل استيفائه لأنه مخير بين أن يأخذ الصغير أو الكبير فكان قد باع أحدهما بالآخر لا يجوز البيع في ذلك إلا على أن يكون المبتاع بالخيار حتى يعد له ما يعد فإن رضي أخذ ولا ترك.
وهذه المسألة تدل على جواز صبرتين صغيرتين مختلفتين في الجودة أو في النوع على كيل واحد فإن كثرت الجيدة غبن البائع وإن قلت غبن المشتري فإن صغرتا حتى يعلم قدر كل واحد جاز على ما قال في اللحم وهو قياسه.
قلت: فلو لم يقع شراء التين من الفكاه على العد كما ذكر ابن رشد وبيعت في الأوعية والظروف المخصوصة بها بحيث يكون اختلاف تلك الظروف لا يوقع جهلًا بحوز ما في باطن كل واحدة لتكرار ذلك على المشترين والغالب على ما في حشوها من التين التفاوت. فقال في جامع الأحكام وأما ما يفعل اليوم من تعبئة التين والعنب في القراطل والسلال فأعلاه خير من أسفله ووسطه ولكنه قريب من المناسبة بعضه من بعض وأهل الأسواق يعرفون ذلك فلا بأس به فإن خرج كذلك فلا مقال له وإن كثر الاختلاف بالرداءة فله رده إذا خرج عن المعتاد وينهى عن ذلك فإن عاد تصدق به عليه.
стр. 112
وكان بعض المتورعين يعمل الطيب أسفل والردي فوق فإن لم يشتهر بذلك فهو حسن وإن اشتهر بذلك ثم وجد واحدا أعلاه وأسفله ففي رده نظر قال وكان يتقدم لنا ذلك في المجالس على باب البحث فإن قلت إذا كان له الرد بما يجد من الردي بالأسافل هل ذلك في كل الحالات أو في حالة دون أخرى قلت إنما يكون له الرد فيما يجد بأسفل الوعاء من الردي إن فرغه بحضرة البائع فوجده كذلك أو صدقه البائع في ذلك بعد أن غاب عليه أو قامت به بينة لم تفارق المبتاع حتى فرغه فوجد الردي أسفله أما إن لم يكن شيء من ذلك فلا يصدق المشتري بعد الغيبة عليه أن ما حضر من الردي كان من ذلك الوعاء.
بيع التين والمصير والحوت في أزيار والرمان والبطيخ في قفاف
قال في النوادر وكتب شجرة إلى سحنون في التين يباع في أزيار قد رزم فيها والمصير في أزيار والحوت المالح فيشتري من ذلك زيرا أو أزيارا وقد قلب أعلاه فيرضاه ثم يغيب عليه ثم يأتي بعد ذلك بأيام كثيرة أو قليلة فيزعم أنه وجد أسفله خلافا لما قلب في أعلاه من التين أو المصير في أزياره أو الحوت المالح ويقول البائع ما كان أسفله وأعلاه إلا سواء كما رأيت ويأتي بما يزعم ثم يأتي من يومه أو من بعد الغد بشيء دني يقول إنه وجده أسافل السلال فيكذبه البائع وربما اختلفا كذلك في الرمان والبطيخ يباع في قفافه ويقلب أعلاه. فقال سحنون إذا اشتروا على ما رأوا من أعلاه وكذلك تباع هذه الأشياء ثم يأتون بعد أن غابوا علها فيدعون خلافا لما رأوا فهم مدعون وعليهم البينة حتى وجدوا الخلاف وإلا حلف البائع ألا أسفل الوعاء مثل أعلاه وبرى.
خلط الألبان والزبد
ومنه خلط الألبان وأنواع الزبد بالسمن المختلفة بحسب اختلاف ما خرجت منه من الحيوان إذا كانت الأغراض تختلف في ذلك في بعض الأزمان أو بعض القرى والأمصار والأوطان قال في سماع أشهب وسئل عن لبن البقر والغنم يخلطان جميعًا فيضربان ويخرج زبدها ثم يباع اللبن فقال أحب إلي ألا يخلطا جميعا وأن يضرب كل واحد منهما على حدته وإن ضربا جميعا فأرى عليه إذا باع اللبن أن يبين ذلك للمبتاع فيعلمه أنه لبن بقر وغنم.
قلت: أفرأيت إن باع الزبد الذي خرج منهما والسمن الذي خرج منهما أترى ذلك
стр. 113
عليه أيضا أن يبين ذلك للمبتاع ويقال له إنه سمن بقر وغنم فقال لي: نعم أرى ذلك عليه أن يبين ذلك للمبتاع ليس لشيء من الزبد ولا من السمن ولا من اللبن مثل زبد الغنم وسمنها أو مثل لبنها أطيب ولا أجود فأرى أن يبين ذلك إذا باع وأحب إلي ألا يخلطهما.
قال ابن رشد رحه تع قوله أحب إلي ألا يخلطهما ليس على ظاهره وهو يجوز في اللفظ بل لا يحل ذلك ولا يجوز وإن بين لأنه من الغش وكذلك قال ابن القاسم في سماع عيسى وقال مالك في كتاب ابن المواز يعاقب من يخلط طعاما بطعام دونه أو قمحا بشعير ويمنع من بيعه على ظاهر ما في كتاب ابن المواز ومن أجل الذريعة فإن باع وبين مضى البيع لم يكن للمبتاع رد وقد أساء فليس في قوله مباح له أن يفعله وإنما معناه أن ذلك يلزمه من أجل حق المشتري فإن لم يفعل كان له أن يرد ويلزمه إن بين قدر ما فيه من كل واحد منهما إن علم ذلك وإن لم يعلمه أخبر باختلاطهما وإنما يكون للمبتاع أن يرد اللبن المخلوط والزبد والسمن إذا كان زبد الغنم وسمنها ولبنها هو الغالب في البلد أو كانا متساويين وأما إن كان لبن البقر وزبدها وسمنها هو الغالب بالبلد فليس له أن يرد شيئا من ذلك إذا وجده مخلوطا بلبن الغنم لأنه لو وجده كله لبن بقر لم يكن له أن يرده فكيف إذا وجده مخلوطا بلبن الغنم.
وهذا على ما ذكر مما هو لا شك معلوم عندهم أن لبن الغنم وزبدها وسمنها أفضل من لبن البقر وزبدها وسمنها. وأما على ما هو معلوم عندنا من أن سمن البقر أفضل وأطيب من سمن الغنم فليس له أن يرد السمن المخلوط إذا كان الغالب في البلد سمن الغنم وإنما له أن يرده إذا كان الغالب بالبلد سمن البقر أو كانا متساويين كما لو اشتراه فوجده سمن غنم.
قاعدة: قلت ذكر رضه فيما وقع الرد فيه من هذا النوع في سماع أشهب من كتاب العيوب شكل قاعدة على ما قع في الرواية فقال كل شيء يباع من جنسين متساويين في البلد فالبيع يقع على أفضلهما فإن وجد الأدنى كان له أن يرد وإن وجد الأفضل لم يكن له أن يرد إلا أن يكون اشترى على أنه من الصنف الأدنى فوجده من الصنف الأعلى فيكون له أن يرد بشرطه إذا كان لاشتراطه وجه كمن اشترى عبدا على أنه نصراني فوجده مسلما فيكون له أن يرده إن قال إنما اشترطت نصرانيًا لأزوجه لأمة لي نصرانية أو ليمين على أن أشتري مسلما أو ما أشبه ذلك مما يذكره ويكون له وجه هـ.
стр. 114
وقد ذكر في هذا الوجه اشتراط الأدنى لغرض من الأغراض ثلاثة أقوال يرد به لا يرد به الفرق بين أن يبدو لقوله وجه يدل على صدقه فيرد أو لا يرد فانظره في رسم الجواب من سماع عيسى من كتاب العيوب وقد قال ابن حبيب في الواضحة لا رد له بالعثور على الأدنى من الجنسين إلا إذا اشترط الأفضل ويكون البائع نسب المبيع إلى جنس فألفاه المبتاع من جنس غيره أدنى عند الناس فله أن يرد وذلك خرم في القاعدة المطلقة في الرواية.
فإن قلت فما يفعل بما وقع فيه خلط الدني بالجيد من سمن ولبن وزبد وعسل ولحم وزيت وحبوب إن عثر المبتاع على الخلط فيه بنفسه أو يتبين البائع له فأبى من قبوله قلت إن عذر البائع بجهالة باعه بعد ذلك على البيان والتبري مما فيه من الغش ويتقدم إليه ألا يعود فإن عاد تصدق على المساكين به بعد الأدب والتنكيل قال يحيى بن عمر في "أحكام السوق" في الذي يخلط الجيد بدونه لينفقه قد أفسده لقوله تعالى: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ فهو يظن الربح وقد أهلك نفسه بهلاك دينه فإن رده المبتاع على البائع أخذ ثمنه منه وتقدم إليه ألا يبيع هذا فإن نهي فباع أخرج من السوق.
منع الجزارين من الخلط
ولا يخلط الضأن بغيره وليجعل كل صنف على حدته على وضم ويبيع كل واحد بسعر يخصه وكذلك غير اللحم من الطعام وغيره فإن عاد بعد التقدم والإخراج نكل وتصدق به على المساكين قلت ظاهره سواء كان قليلا أو كثيرا وفيه خلاف سيأتي تحصيله إن شاء الله تعالى.
ثم قال وإن خلط السمين بالهزيل والضأن بالمعز فاطلع عليه فهرب من الحانوت والخباز يبيع الخبز الناقص فيهرب من الحانوت أيضًا فليقفل عليه فإذا خيف على ما فيه الفساد من لحم وخبز بيع وأوقف ثمنه. ويمنع الجزارون من خلط اللحم ببطونه ومصران وكرش وشحم البطن والدوارة والفؤاد وألا يسعر عليهم إلا اللحم وحده. وهم بمصر يبيعون اللحم وحده رطلين بدرهم والبطون ستة أرطال بدرهم فلذلك قلنا لا يجوز خلط اللحم ببطونه.
قال الشيخ الإمام أبو القاسم البرزلي: هذا إذا تقررت عادة فواضح وأما إذا لم تقرر
стр. 115
أو تقررت ويعلم قدر اللحم من البطون فهو مدخول عليه جائز قلت وكذلك قال الشيخ أبو عمر بن الخاجب في مختصره الفقهي ولا يأخذ من البطن إلا بعادة وقال ابن القاسم أيكون لحم بلا بطن فما مقداره قال قد جعل الله لكل شيء قدرًا لأنها كانت عادتهم.
فعل الجزارين بتونس والقيروان وتلمسان
ثم قال البرزلي: وهم اليوم بتونس يبيعون اللحم ويعطون شيئًا من بعض البطون في الميزان على قدر الثمن في لحم البقر والغنم وهذا إذا باعه الجزارون وفي القيروان يفعلون ذلك في البقر دون الغنم وكذلك في القرى فيما يبيعونه جزافًا مكدسًا من لحوم البقر فإن تقررت هذه العادة وكان قدر كل صنف معلوما غالبا فهو جائز.
قلت وكذا تقررت العادة ببلدنا تلمسان أن ما يبيعه الجزار من اللحم يدخل في وزنه شيئا من الكرش والمصير على قدر شدة الثمن وقلته إلا أن ذلك لا ينضبط تساويه بين جميع الناس على نسبة محفوظة من كل ثمن ومثمون وإنما يختلف بحسب اختلاف من يتقى بأسه من المستضعف الذي لا ناصر له إلا الله.
فالأول يحمل القليل من الكرش وقد لا يحمل شيئا بحسب اختلاف درجاتهم والآخر يحمل الكثير في مصابته كرشا ومصرانا وما ذلك إلا من سوء دينهم وضعف يقينهم وأمنهم العقوبة بولاية من لا يتقي الله ولا يخافه عليهم فيضيع حقوق المسلمين بما يناله ينيلونه من رشوة سحت لا يسمن ولا يغني من جوع.
وقد كانت هذه الولاية من أصفى الولايات الشرعية ظاهرًا وباطنًا إذ هي داخلة في عموم ولاية القضاء بحيث إنهم قالوا لا يحتاج في عقد الولاية للقاضي إلى تنصيص عليها فلما أخرجت من دائرة الحق وانفرد بها ضعيف الدين من لا يرقب إلًا ولا ذمة في أحد من المؤمنين أدركتها كدورة الباطن والظاهر. قال الفاضل بن الأكفاني في كتابه الذي وضعه في العلوم إن علم الطب من أشرف علوم الإسلام إذ العلم علمان علم الأديان وعلم الأبدان ولم يزل على ذلك الشرف حتى تعاطاه محشفة اليهود فلم يشرفها له ولكن رذل بهم وكذلك قال الشيخ ابن عبد السلام التونسي رضه إن أكثر الخطط الشرعية في زماننا أسماء شريفة على
стр. 116
مسميات خسيسة ثم قال وكذلك لو استوى سوم القمحين في الثمن والقرص منهما واحد فهو جائز وإن كان يختلف فهو بمنزلة الصرتين المختلفتين على الكيل فيفرق بين الكثير والقليل كما تقدم.
خلط السلع
وأما ما يبيعونه من السلع وفيها الجيد والردي والمتوسط فإن كان يختلف اختلافًا بينًا فقد تقدم أن ذلك لا يجوز وإن كان اختلافه متوسطًا وجرت العادة ببيعه جملة مثل اللد بالبلاد الشرقية ومثل مكة المشرفة زادها الله تعظيمًا وتشريفًا وكذلك عود الطيب والزنجبيل والجوزة وغير ذلك مما شاهدناه فإن كان أجزاء ما فيه من الطيب والمتوسط والردي يفرق بالتقدير غالبًا فيبيعه بذلك جائز وما خرج عن المعتاد حتى يحدث جهالة في التقدير فلا يجوز بيعه إلا بعد التصفية كما قالوا في القمح المغلوث وإن كانوا في بلدنا يبيعونه إلا مميزا غالبا مثل ما شاهدنا بتونس في اللد والمصطكى فلا يباع إلا كذلك قال ابن محرز ويتقدم للقران ألا يخلط الجيد بالردي من القمح ويجعله خبزا ويبيعه لأهل السوق فإن عاد بعد النهي أدب وأخرج من السوق قال في "جامع الأحكام" ويلزم ما تقدم به في اللحم والبطون أن يبيع خبز السميد على حدة والدقاق على حدة والخشكار على حدة وهذا أيضا في قوم يميزونه مثل الحواضر وأما ما شاهدناه من قرى الشام ومصر فإنهم يعملون الخبز بمجموع ما يخرج من القمح وما يسقطون منه إلا النخالة الكبيرة خاصة فهو جائز لأنه معلوم أنه من جملة أجزاء القمح وكذا بيع دقيق القمح على هذا النمط.
من الغش نفخ اللحم
ومنه نفخ اللحم قال في سماع ابن القاسم وسئل مالك عن نفخ اللحم كما يفعل الجزارون وقال إني لا أكرهه وأرى أن يمنعوا وهو يغير طعمه وقال أشهب في كتاب العتق سمعت مالكًا يقول أرى أن يؤدب الجزارون والذين ينفخون اللحم وأرى أن يمنعوا من ذلك.
قال ابن رشد رحه يعني بهذا النفخ بعد السلخ الذي إنما يفعلونه ليظهر اللحم به
стр. 117
سمينا فهو يكره لوجهين: أحدهما ما ذكره من أنه يغير طعم اللحم والثاني أنه من الغش المنهي عنه في البيوع قال رسول الله صلعم: من غشنا فليس منا. أي على مثل هدينا وطريقنا. ولو اشترى المشتري اللحم المنفوخ ولم يعلم أنه منفوخ لكان له أن يرده من ناحية الغش ومن وجه تغيير رائحته أيضا ورده من جهة الغش أبين، وأما نفخ الذبيحة قبل السلخ فلا كراهة فيه لأنه يحتاج إليه وفيه صلاح ومنفعة. قلت لأنه مما لا يتوصل لكشف الجلد عن اللحم إلا به كما تقدم في خلط اللبن عند الضرب بالصل لإخراج زبده.
الغش في الخبز
ومنه ما يوجد في الخبز بعد طحنه من نقص في وزنه أو في طبخه أو في رداءة دقيقه فقد سئل الإمام المازري رحه عمن يوجد خبزه ناقصا أو في دقيقه النخالة هل يخرج من السوق أو يتصدق به. فأجاب إن تكرر هذا الفعل من الخباز أخرج من السوق وكذلك من تكررت منه الخيانة والسرقة. أما الصدقة بالخبز فإن كان فقيرا ترك والصدقة ببعضه أحسن ويتصدق به على الموسع لوجهين أحدهما أن من هذا شأنه فالغالب عليه أن يتعلق بذمته للفقراء مثله أو أكثر. والثاني الجهل بالمسروق منهم يوجب كونها ظلامة لغير معين وهذا من تكرر منه مثل هذا في الدقيق يخرج من السوق على نحو ما مر.
قلت هذا الذي ذكره من حكمة الصدقة بما وقع الغش به هو المناسب للطريق الفقهي لأنه لما وقع استشعار أن الغاش مغترق الذمة بما أخذ من الأعراض في مقابلة ما غش به إذ ليس هو إلا عين أكل المال بالباطل سلك به مسلك من كان ماله كله حراما أو غلب عليه الحرام بالتباعات والظلامات.
وفي صرفه قولان أحدهما أن يصرف بصرف الفيء والثاني أن يصرف بصرف الصدقة وكان يتقدم لنا عن شيخنا أن صرفه مصرف الصدقة في هذا الزمان متعين لفقد العدل في بيوت الأموال كما وقع لابن القاسم في عصوبة بيت المال إن كان كعمر بن عبد العزيز صحت وإلا صرف نصيب العاصب مصرف الصدقة لأنه مال جهل ربه بعدم اطلاعنا خاصة وإلا فهو في علم الله موجود وإنما جهلنا تحقيق شعب الأنساب بمضي السنين والأحقاب لأن بيت المال في صحيح القولين حافظ لا وارث.
стр. 118
وبهذا تبين فساد القول بأن مشرع هذه الصدقة من العقوبة في المال أو بالمال فإن قالوا قد تكفل ذلك قوله في المدونة يتصدق به أدبا لصاحبه قلنا إنما قال أدبا لما وقع استحسانه من الصدقة بعين ذلك المال الذي وقع الغش به وإلا فلا خصوصية له عن سائر مال من اغتره والحرام ذمته بالغش أو بالربا أو بالمكس أو غيرها من سائر المظالم فقال أدبا له أي بإيلام قلبه بإتلاف ما أوقع المعصية فيه.
لأن الغالب أن الآداب الحالة بمن ارتكب محظورا إنما تكون في النفس أوقع وفي الزمان أردع عند العثور عليه متلبسا بذلك المحظور فحسن لذلك قوله أدبا له لأن العقوبة والأدب إنما حصلا له بإيلام قلبه بإزالة المال الذي انتهك فيه حرمة الحق لا بالمال نفسه لأنه لا ما كله عليه وإنما هو للمساكين بسنة العلماء به سنة المغترق الذمة استحسانا. فقد قال الإمام تسعة أعشار الفقه استحسان عشر واحد في القياس.
ولأجل باب الاستحسان وقع اختلافهم في القدر الذي يتصدق به. فمنهم من رأى الاقتصار على القليل ومنهم من رأى عموم الصدقة به قليلا كان أو كثيرا واختار بعضهم التحرير. قال في "تنبيه الحكام" لما حكى قول ابن القاسم بالاقتصار على القليل والذي اختاره من جهة النظر والاستدلال بلا أصول وأظن أني سمعته من بعض أشياخنا أن ما كان من ذلك كالخبز الناقص والشيء المغشوش بغيره مما ينتقص بالغش استيفاء الحق فيه وكنقص الذرع والوزن والكيل وما في معنى ذلك مما لا يستوفي منه المشتري حقه مما علم من ذلك أن الغاش قد فوته أو شيئا منه بالبيع على تلك الحال من قوم لا يعرفون ولا يمكن استرجاعهم فواسع أن يخرج من مال الغاش القدر الذي يعلم إن تحرى أنه احتبس لأولئك المشترين ويتصدق به على أربابه المستحقين له في علم الله تع لأن ذلك حق بقي في يديه لغيره ممن لا يتمنى على شبه الاختلاس والغصب فكان للحاكم أن يتصدق به على مستحقه ولا يترك في يد غاصبه فيتم له غرضه من الحرام بل يستحق الغاش مع ذلك الأدب الزائد على إيلام نفسه بنزع المال فإن الحكم فيمن غصب حقا لأحد أن يكون عليه بعد الأعداد الأدب والسجن على قدر اجتهاد الحاكم حقا لله لا يسقطه عنه عفو المغصوب منه لأنه ظالم وعقوبة الظالم واجبة ليتناهي الناس عن حرمات الله. وكذلك يكون احتباس الناس لحقوق في نقل الكيل والوزن والذرع من نوع الغصب والعداء فهذا المسلك في الحكم بعقوبة الغاش في الأموال ظاهر التوجيه والاستدلال وعدل فيما تقدم من الأقوال هـ.
стр. 119
الغش في الخبز
وفي " أحكام السوق" أن من اشترى خبزة فكسرها أو أكل اليسير منها فوجد فيها حجارة فليردها مع قدر ما أكل منها على البائع ويأخذ ثمنه ويرجع البائع على الفران بثمنها المدفوع وتلزمه قيمتها على أن فيها الحجارة وينهى صاحب الفرن عن هذا ويؤمر بأن لا يطحن القمح حتى يغربله وينقيه من الحجارة والغلث ولا يرخص لهم فيه فإن علمه بالحجارة بعد التقدم إليه تصدق به عليه أدبا له. وسئل المازري هل يحبس مع الصدقة بالخبز قال نعم أرى أن ينهى أن يعمل خبزا يبيعه في الأسواق كذلك فإن وجد الخبز عند أصحاب الحوانيت ناقصًا فإنه يؤدب الفران والبائع وصاحب الحانوت إن علم بنقصه ويخرج من السوق لأنه قديحة فيه.
ولابن طالب عن ابن عبد الحكم إذا وجده ناقصًا عن المعلوم في السوق يكسره على صاحبه ويأمر ببيعه وزنًا أو جزافًا وإن وجده كثير الحصا كسره أيضا ويمنع بيعه إلا من رجل صالح يؤمن من أن يغش به. وكذلك وقع الجواب لصاحب السوق عن الخبز يصيبه عند أصحاب الحوانيت عجينا لم ينضج بأن لا يباع في السوق أصلا ويؤدب الفران وصاحب الحانوت إن علم بعيبه فلا رد له ويؤدب ويلزمه الثمن وإن لم يعلم فلا أدب عليه ويرجع بالثمن على الفران بعد رده قال في جامع الأحكام وسمعت اليوم أنهم يؤدبون صاحب الحانوت خاصة وعليه يقع التكليف بجميع ما وجد بالخبز من عيب لأن التقدم إنما هو إليهم ألا يدخلوا في الأسواق ما هو غش وأيضًا فإنهم يعرضون عن أصحاب الأفران لأن عليهم وظائف لعمالهم فلا يقدرون على الانتقام منهم.
قلت ما ذكر من إعراض ولاة الأسواق عن أصحاب الأفران بالأدب والانتقام لما يؤدون لهم من الوظائف كذلك هو عندنا وليس لذلك الوظيف سبب وإلا أن يعاضوا عنه بتركهم على عمل ما يبتغونه من الغش الذي يستفضلون به كثيرا من الربح السحتي لعدم مبالاتهم بخسارة دينهم في صلاح دنياهم فالواجب إذا أن يحتسب على الوالي عليهم قبلهم ويكون الضمن بالأدب المبرح دونهم لأنه الآخذ منهم العوض على عمل الغش وآكل السحت وربما باشره من أكل ذلك السحت بنفسه ما قد يحتاج له من أخذ دقيق ونحوه فلا يمكن أحدهم أخذ ثمن فيه والله يعلم المفسد من المصلح.
стр. 120
ينهى صاحب الرحا أن يطحن القمح في الرحا بقرب نقشها
ثم قال وينهى الفران أن يطحن القمح في الرحا بقرب نقشها فإن فعل غرم قمحا مثله وأدب ونحوه لأشهب ولأبي حفص العطار أن الطحان يطحن دقيقا لأنه يضمن المثل فمثله دقيق والخباز في الجدق يضمنه قيمة العجن لأن الدقيق مكيل محصور ليس له وزن ولا كيل قال الشيخ البرزلي والصواب ألا يغرم إلا قمحًا لأن الريع مختلف فليس بمحصور فهو كالعجين الذي لا يتأتى فيه المثل على ما هو عليه. قلت قال في النوادر: ومن ابتاع ما ذكرنا من المغشوش أو قمحا مبلولا وفات عنده أو أكله فليرجع بما بين الصحة والداء لأنه لا يوجد مثله. وقال سواء دلس أو لم يدلس وقال ابن القاسم إلا أن يوجد مثله ويحاط به فليرد مثله ويرجع بالثمن قال أشهب إن وجد مثله سواء فهو يخير في رد مثله أو أخذ قيمة الغش وقال سحنون لا يرد مثله وأن وجد مثله فلا يبعد جريان هذا الخلاف في المسألة فوقه تليه.
وقد أفاد الشيخ ابن رشد رضه تحقيقا في المسألة جريا على عادته وسنته في تكثير الفوائد وقع في سماع أصبغ سمعت أشهب وسئل عن الذي يدفع قمحه إلى رجل فيطحن على إثر النقش يفسده بالحجارة وقال يضمنه مثل قمحه وقال أصبغ إلا أن يكون علم بالصب بالإثر ورضي وسئل عنه ابن القاسم إذا نقص الدقيق فقال على الطحان ضمان ما نقص ما يخرج مثل قمحه من الدقيق إذا عرف قال ابن رشد رحه تع أما قول أشهب إنه يضمنه مثل قمحه إذا طحنه إثر النقش فأفسده بالحجارة فهو بين لا إشكال فيه لأنه لما أفسد عليه قمحه في الطحين كان مجبرا بين أن يسقط عنه حكم العداء فيأخذ مفسدا يؤدي إليه أجره على طحينه وبين أن يغرمه مثل القمح الذي أفسد عليه فإن أغرمه مثل القمح كان عليه أن يطحنه له على ما استأجره عليه لأن مثله يعينه وليس أن يغرمه مثل الدقيق سالما من الحجارة ولو رضي الطحان بذلك لم يجز له لأنه إذا فعل ذلك كان صاحب الطعام قد اشترى الدقيق الذي أخذ من الطحان بالقمح الذي وجب له عليه وبالأجرة التي يدفعها إليه فدخله القمح بالدقيق متفاضلا ويجوز ذلك على مذهب عبد العزيز بن أبي سلمة وغيره ممن يرى الطحين صنعةً إذا قبض الدقيق مكانه ولم يؤخره. قلت: فلا يصح ما قاله أبو حفص إلا على مذهب ابن أبي سلمة ومن قال بقوله إن الطحن (ناقل ... ) وروى حمديس عن سحنون أنه نهى الخبازين أن يجعلوا العجين على الكساء وأمرهم أن يصفوه على الحصير وأمر سحنون ابن فطيس أن يطحن قفيزين قمحا ويعجنها ويخبزها فيعرف ما خرج منها ويحسب أجر الطحن والعجن والخبز والطبخ ثم يجعل له بعد ذلك ربحًا. قلت: هذا الذي يقال له اليوم عندنا عمل القيمة وابن فطيس الذي ذكر
стр. 121
رأيت حفدته في قرية تسمى بهم فيما بين طرابلس ومسراتة وهم أهل خير وصلاح يكثرون إطعام الطعام لأبناء السبيل ومن بهم حاجة ماسة من الفقراء نفع الله بهم وبأمثالهم من أهل الخير آمين آمين آمين.
غش الزغفران ونحوه من الأبزار
ومنه إيقاع الغش في الزعفران ونحوه من الأبراز والتوابل أو في المسك وما ضارعه من الطيوب قال في سماع ابن القاسم وسئل مالك عن الرجل يشتري الزعفران فيجده مغشوشًا أيرده؟ قال نعم أرى أن يرده وليس عن هذا سألني صاحب السوق وإنما سألني أنه أراد أن يحرق المغشوش بالنار لما فيه من الغش فنهيته عن ذلك وسئل مالك عما يغش من اللبن أترى أن يهراق قال: لا. ولكن أرى أن يتصدق به على المساكين بغير ثمن إذا كان هو الذي غشه فأراه مثل اللبن وسئل ابن القاسم عن هذا فقال أما الشيء الخفيف من ذلك فلا أرى به بأسا وأما ما كثر ثمنه فلا أرى على صاحبه ذلك لأنه تذهب في ذلك أموال عظام.
قال ابن رشد رحه تع لم ير مالك رحه أن يحرق الزعفران المغشوش إلا أن يهراق اللبن المغشوش بالماء على الذي غشه قال في رسم الأقضية الثاني من سماع أشهب وأرى أن يضرب من نهب ومن انتهب وأرى أن يتصدق بذلك على المساكين أدبا له وسواء على مذهبه كان ذلك يسيرا أو كثيرا لأنه ساوى في ذلك بين الزعفران وغيره من اللبن والمسك قليله وكثيره وخالفه ابن القاسم فلم أر أن يتصدق من ذلك إلا بما كان يسيرا وذلك إن كان هو الذي غشه.
وأما إن وجد عنده من ذلك شيء مغشوش لم يغشه هو وإنما اشتراه أو وهب له أو ورثه فلا اختلاف في أنه لا يتصدق بشيء من ذلك والواجب أن يباع ممن يؤمن أن يبيعه من غيره مدلسا بذلك وكذلك ما وجب أن يتصدق به من المسك والزعفران على الذي غشه يباع ممن يؤمن أن يغش به ويتصدق بالثمن أدبا للغاش الذي غشه. وقول ابن القاسم في أنه لا يتصدق من ذلك على الغاش إلا بالشيء اليسير أحسن من قول مالك إذ هو أولى بالصواب استحسانا والقياس أن لا يتصدق من ذلك بقليل ولا بكثير.
وفي الواضحة عن مطرف وابن الماجشون وجه الصواب فيمن غش أو نقص من الوزن أن يعاقبه الإمام بالضرب والسجن والإخراج من السوق ولا أرى ينهب متاعه ولو عرف بالغش
стр. 122
والفجور في علمه ولا يهراق ما خف قدره من اللبن يشوبه بالماء وأما الخبز ينقص من وزنه فلا بأس بتفريقه على المساكين مع الأدب من ضرب وسجن وإخراج من السوق إذا اعتاد الفجور فيه والغش.
وأما ما كثر من الخبز واللبن والمسك والزعفران فلا يفرق ولا ينهب ولكن يؤمن ببيعه ممن يؤمن ألا يغش به أحدا ولكن يصرفه في وجوه مصارفه من الطيب لأنه إن أسلم لربه أو بيع لمستحل الغش فقد أبيح لهم العمل به ويكسر الخبز ويدفع إليه ويباع عليه العسل والسمن المغشوشان بعد بيان غشه ممن لا يأكله ويؤمن منه أن يبيعه مغشوشًا ولا يسلم لربه ولا لمن يغش به فيؤدي إلى أن يغش به المسلمين وهكذا العمل في كل ما غش به من تجارات السوق وهكذا أوضحه لي من سألت عنه من أصحاب مالك وغيرهم.
حكم الغاش
قلت فلتحصل من جميع ما تقدم من الخلاف في حكم من اطلع على غشه فيما عرضه للبيع في أسواق المسلمين أن في إخراج الغاش من السوق غير المعتاد فيه قولان وإذا أخرج فهل يضاف إلى ذلك عقوبة في البدن قولان. وهل يتصدق بما غاش به وإن كثر ويباع ما لا يتصدق بعينه ويتصدق بثمنه أو يبقى ذلك كله له أو يتصدق بالقليل دون الكثير أو يتحرى مقدار ما يكون أخذ عوض الغش فيه ممن جهلت عينه فيتصدق بذلك القدر أربعة أقوال وفي إراقة اليسير قولان.
نقش الثمرة وتغميمها
ومنه نقش الثمرة وتغميمها قبل استحكام نضجها لتعجيل طيبها بذلك. قال في سماع ابن القاسم وسئل مالك وكلم صاحب السوق في رطب يبيعونه مغممًا أن يتقدم إليهم أن لا يبيعوه وأن يضرب الذي استعمله وأنا أكره أن ينقش البسر بالمدينة حتى يكون رطبا وإنما كره لموضع الفساد للثمرة وقوله ينقش النقش تعجيلها عن إبلاغ طيبها من غير رش وقوله مغمما يربونه بالخل ويغمسونه ليسرع طيبها. قال ابن رشد رح تع وقع في بعض الكتب هذا التفسير وهو صحيح لأن الغش بل النقش يؤثر في البسرة أثرا كالجراح فيسرع إليها الترطيب أيضا وهذا كله فساد للثمرة وغش في الموضع الذي يرطب فيه البسر إذا ترك وأما في مثل الأندلس الذي لا يرطب فيه البسر ويفسد إن
стр. 123
ترك فجائز أن يجد بسرا ويغمم بهذا الرش بالخل وأن ينقش لأن ذلك صلاح له وليس بغش فيه لاستواء معرفة الناس في ذلك وهذا نحو ما قال في سماع أشهب من أن الموز الذي لا يطيب حتى يقطع جائز أن يباع قبل أن يطيب هـ.
وفي أحكام السوق وكره مالك غير مرة نقش التمر ليرطب بالنقش ويباع بالأسواق ليبادر به الغلا وأرى أن ينهو عن دهن التين بالزيت فإن فعلوا ذلك بعد النهي فأرى أن يتصدق به على المساكين.
وأما التفاح والتين والعنب وغيرها من الفواكه تباع قبل طيبها وتباع في السوق قال في سماع ابن القاسم رح تع إن كان كثيرًا ببلدهم فلا بأس بذلك وإن كان قليلًا فلينه عن قطعه حصرمًا لأنه يضر بالعامة إذا طاب فقطعه قبل الطيب يضر بهم وأمر مالك صاحب السوق أن يتقدم إليهم ألا يبيعوا الرطب مغموما ويضرب الذي يستعمله كذلك لأنه يضر بالبطن إذا أكل.
الغش في الملبوس
ومنه ما يكون بالملبوس من ثياب صوف وكتان وقطن. فأما ما كان في الصوف فكما فعله الفراؤون من تتريب ألباس الفراء لتحسن وجوهها بالتراب وستر بعض عيوبها. قال في سماع عيسى وسئل مالك عن الفرائين يعملون الفراء فإذا فرغوا منها تربوا وجوهها بالتراب لتحسن وتزيد في أثمانها وربما غيب ذلك بعض ما فيها من العيوب والمشتري يعلم أو لا يعلم هل ترى بذلك بأسا. قال ابن القاسم لا يعجبني أن تترب وجوهها ولا أراه يحل ولا يصلح وأراه من الغش إذا كان على ما وصفت. وأرى أن يزجروا عن ذلك ويؤدبوا إن لم ينتهوا وإن اشترى منهم أحد منهم على ما وصفت فإن كان ممن يعلم ذلك كما ذكرت أنها تترب وأن ذلك ربما عيب بعض ما بها من العيوب فليس له أن يرد وإن اشترى منها من لا يعلم ذلك ولا يعرفه رأيت له أن يرد إن يشاء وجد عيبا أو لم يجد علم أنه كان فيها قبل (التتريب) عيب أو لم يعلم إذا كان (التتريب) يغيب بعض عيوبها كما ذكرت.
قال الشيخ ابن رشد رح هذا ما قال إن ذلك من الغش الذي لا يحل ولا يجوز. قال رسول الله صلعم: من غشنا فليس منا.
стр. 124
فإن لم يعلم المشتري بذلك كان بالخيار بين أن يمسك أو يرد فإن فاتت قبل أن يعلم كان عليه فيها الأقل من القيمة أو الثمن على حكم الغش في البيع وإن علم المشتري بذلك ودخل عليه لم يكن عليه أن يردهما قال معناه بحكم الغش إذ قد علمه ودخل عليه فإن وجد عيبا كان له الرد وكذلك قال ابن القاسم في الواضحة وذلك بين لا إشكال فيه.
الغش في الفرو
ومنه التحيل على إظهار الدني منها عليا كما قال أصبغ في الفرو والطويل يقص بالمقراض ويضرب بالقضيب ليرى أنه من الخرفان وهو من الكباش. قال فله الرد وهذا من الغش وقال في الفرو وتكون فيه رقعة منتوفة فتجعل عليها مصرفة أو تكون مصرفة لا وجه لها فيجعل عليها جلدا حسما لا صرف له فهذا غش رد به ولم تكن إلا رقعة واحدة إذا كان خرق له قدر إلا في شيء يسير جدا كالثقب ونحوه وكذلك لو فعل في مثل هذا من الخروق في فرو القلنسوات يستر خفة صوف أو قباحة جلد ولا بأس أن يجعل في خواص الفرو وكميه جلودا سودا لأنها ترا وأما ثياب الكتان والقطن فيكون الغش فيها بما أذاكره.
فمنه التمويه بإدخال ما يظهر الشدة والثخانة فيما أصله الخفة والصفاقة قال في سماع ابن القاسم وسئل عن الخمر يبل لها الخبر فيرش عليها لتشتد. قال: لا خير في هذا. هذا غش ولا يعجبني قال الشيخ ابن رشد رح تع هذا بين على ما قال إن ذلك من الغش لأن المشتري يظن أن شدتها إنما هي من ذاتها وصفاقة نسجها فإن علم أنها مرشوشة بماء الخبز وأن ذلك يشدها ويصفقها لم يكن له كلام وإن لم يعلم أنها مرشوشة بذلك كان بالخيار بين أن يرد أو يمسك فإن فاتت ردت إلى القيمة إن كانت القيمة أقل من الثمن وكذلك إن علم أنها مرشوشة بذلك ولم يعلم أن ذلك يشهدها ويصفقها وهذا على ما قاله ابن حبيب م أن ما يصنعه حاكة الديباج من تصميغها غش لأنه وإن كان التصميغ لا يخفى على المشتري فقد يخفى عليه قدر ما أحدث فيه من الشدة والتصفيق.
стр. 125
الغش في النعال
ومما يشبه هذا ما قاله ابن حبيب إن من الغش ما يفعل بالنعال من تغليظهم حواشيها قبل أن تحذا والمراد بذلك رقتها والمزيد في تحسينها. قال وعلى الإمام العدل تأديب من فعله وللمشتري أن يرد ما اشترى منها قبل حذوها وبعد حذوها.
الغش في القلنسوة
ومنه حشو القلنسوة بصوف أو قطن بال غير معتاد. قال في سماع ابن القاسم وسئل عن أصحاب الفلانس يجعلون مع القطن أو القطن الخلق مع الجديد أو جعله من تحته في القلانس وغيرها فلا إشكال في أن ذلك من الغش الذي لا يحل ولا يجوز ولو اشترى رجل قلنسوة فوجد حشوها صوفا لكان له أن يردها وكذلك لو وجد حشوها قطنا باليا ولا أن تكون من القلانس التي العرف فيها ألا تحشى إلا بالقطن البالي فلا يكون له أن يردها على قياس ما قال في أول رسم من سماع أشهب من كتاب العيوب في الذي يشتري القلنسوة السوداء فيجدها من ثوب ملبوس ومنه إخفاء العيوب.
قال في "تنبيه الحكام" مثل ما يُفعل على طريق التورية والتحييل وإحالة العين كمعالجة الثوب القديم بالقصارة وصقالة الكحل فيوهم بذلك أنه جديد كالصبغ في بعض الأكسية البالية وتشويكها لاستخراج الوفير وخياطها أثوابا يزعم أنها جديدة وما أشبه ذلك من رفو الثواب المحرق ومشط قنع الحرير الواهية وعصابته ونحو ذلك مما يستعمل الآن كثيرا في الأسواق ويقصد به خديعة المشتري.
تحيل أصحاب السلع
ومن هذا النوع ما يوجهه أصحاب السلع بنوع من جيد أنواع المبيع يكون أفضل مما يليه كصبرة حنظة أو شعير أو تمر أو زبيب وما كان في معناه فإن هذا كثير يتعامل به في الأسواق وقد يتعرف من أشباه ذلك بالمباحثة ما لا تسع الإحاطة به ولا التشبيه عليه فما علم من ذلك وجب قطعه ومنع الناس من فعله والاجتهاد في عقوبة من عرف به وتفقد الأسواق من مثله هـ.
стр. 126
قلت وأصل ذلك في سماع أشهب وابن نافع قال وسئل مالك عن الذي يشتري المتاع فيه الخلل والسقط فيستأجر عليه كمادين فيكمدونه حتى يصفق ويسد منها كل خلل أو سقط ثم يبيعونها أترى بذلك بأسًا لا خير في الغش وأنا أكره مثل هذا.
قيل له أرأيت الرجل يأتي بطعامه التمر وما أشبهه فيصيره صبرة فيكون حشفه داخله وظاهره فيجمع على ما بوجه الصبرة فيلقيه ناحية لا يدخله في جوف الصبرة فقال لا يفعل هذا، هذا وجه التزيين ولا يعجبني ذلك قلت له أرأيت الذي يصيب صبرته فيها الحشف فيكون في داخلها وعلى وجهها قال لا بأس بذلك إذا لم يزين أعلاها فيكون داخلها مخالفا لخارجها.
قال ابن رشد رحه تع هذا بين على ما قال إن كان المبتاع ينصفق وينسد ما فيه من سقط وخلل من الغش الذي لا ينبغي فيكون للمشتري أن يردها إن لم يعلم أن الكمد يصفقه ويسد خلله وسقطه ما كان المتاع قائما فإن فات رد إلى القيمة إن كانت أقل من الثمن على ما مضى خمر الخز ترش بالخبز لتصفق وتشتد وكذلك تنقية ظاهر الصبرة من الحشف لأن المشتري يظن أن باطنها في النقاء من الحشف مثل ظاهرها وإذا لم ينق أعلى الصبرة من الحشف فلا كلام للمشتري لأنه يستدل بظاهرها على باطنها فإن قلت مقتضى قوله في الرواية هذا وجه التزيين ولا يعجبني ذلك أن التزيين محضور لكونه من أنواع الغش.
وقد ذكر في "كتاب جامع الأحكام" جواز تشريح الجزارين اللحم للزينة وأخذ من المدونة من قوله لا بأس أن يزينوها للبيع فهل ذلك إلا خلاف لما في الرواية؟ قلت بل يحمل ما في الرواية على التزيين الذي هو لمجرد التمويه بما لا حقيقة له على جنس البيع. وما وقع في الكتاب إنما هو في التزيين بما يكشف خباياه من حقيقة باطنه لتشريح اللحم فإنه يبرز ما في باطنه من الشحم الدال على السمن الفائق بخلاف ما في الصبرة من حشف يزال عن ظاهرها ويترك بباطنها فهذا تزيين بما في باطنه أردى مما بالظاهر والآخر تزيين بما في باطنه أفضل مما بالظاهر فكان الأول غشا والثاني كمالًا فلا يكون ما في الرواية مناقضًا لما في المدونة لتباين الصور بمحامل التأويل التي يعينها الطريق القياسي.
ومنه جعل بعض الأجزاء المجموع منها الثوب مخالفًا لبقيتها. قال أصبغ ومن ابتاع قميصًا فأصاب بنائقه أردى رقعة من بدنه وكميه أو وجد مقعدة السراويل كذلك فإن كان متفاوتًا غير متقارب فله الرد وإن كان متقاربا فلا رد.
стр. 127
تنبيه: لا يجوز أن يباع لأحد من المسلمين ما كان الغش فيه قائما مما لا وجه له إلا الغش بخلاف ما كان فيه منفعة غير ذلك قال في سماع عيسى وسئل ابن القاسم عن بيع أشياء يغش بها المسلمون قال ما كان من ذلك ليس له وجه إلا الغش فلا أحب لأحد أن يبيعه وما كان من ذلك فيه منفعة فمن أراد أن يغش به أحدًا فعلًا فلا بأس أن يبيعه ممن لا يدري ما يصنع به فإذا علم أنه يريد به الغش فلا يبيعه منه.
الغش في الدراهم والدنانير
قال الشيخ ابن رشد رحه هذا كما قال إن ما كان لا منفعة فيه إلا الغش به فلا يجوز بيعه على حال وذلك بخلاف الدرهم المغشوش بالنحاس لأنه يمكن أن تجعل فضته على حدة فيجوز أن يبيعه ممن يكسوه ويكره أن يبيعه ممن لا يأمن أن يغش به ويختلف هل يجوز أن يبيعه ممن لا يدري ما يصنع به فأجاز ذلك ابن وهب وجماعة من السلف ولم يجزه ابن القاسم. قلت ولم يذكر ابن رشد هنا صورة بيعه ممن يعلم أنه يغش وقد تقدم له أن ذلك لا يجوز في مسألة خلط الردي بالطيب وقال هنا في الرواية فإذا علم أنه يريد به الغش فلا يبيعه منه ولم يذكر هنا أيضًا ما يفعل إذا باعه ممن يعلم أنه يغش به ولم يقدر على استرجاعه.
وقد حصل القول على ذلك في محل آخر فقال وتحصيل القول في ذلك أن الدراهم والدنانير المغشوشة بالنحاس لا يحل لأحد أن يغش بها فيعطيها على أنها طيبة ولا أن يبيعها ممن يعلم أنه يغش بها ويكره له أن يبيعها ممن لا يأمن أن يغش بها مثل الصيارفة وغيرهم من أشباههم واختلف هل يجوز له أن يبيعها ممن لا يدري ما يصنع بها فأجاز ذلك ابن وهب وروى إجازة ذلك عن جماعة من السلف رضهم وعن عمر بن الخطاب رضه أنه قال: الفضة بالفضة وزنا بوزن والذهب بالذهب وزنا بوزن وأيما رجل ردت عليه ورقة فلا يخرج يحالف الناس على أنها طيور ولكن ليقل من يبيعني بهذه الزيوف سحق ثوب رثيثا. وكرهه ابن القاسم ورواه عن مالك في المدونة وإنما أجاز ابن وهب أن يباع ممن لا يدري ما يصنع بها ما كان فيه منفعة ويمكن الغش به لمن أراد ذلك ويجوز أن تباع باتفاق ممن يهزها أو ممن يعلم أنه لا يغش بها إلا على قياس قول سحنون في نوازله من كتاب السلم فإن باعها ممن يخشى أن يغش بها لم يكن عليه إلا الاستغفار وإن باعها ممن يعلم أنه يغش بها فواجب عليه أن يستصرفها منه إن قدر على ذلك.
стр. 128
وقد اختلف إذا لم يقدر على استصرافها فيما يجب عليه بعد التوبة فيما بينه وبين خالقه على ثلاثة أقوال: أحدها إنه يجب عليه أن يتصدق بجميع الثمن والثاني إنه لا يجب عليه أن يتصدق إلا بالزائد على قيمتها ولو باعها ممن لا يغش بها إن كان تزيد فيها شيئا. والثالث إنه لا يجب عليه أن يتصدق بشيء منه إلا على وجه الاستحباب مراعاة للاختلاف هـ.
حكم بيع السلاح للعدو
قلت ومثله القول فيمن باع سلاحا للعدو أو ممن يحمله إلى العدو وكذلك في حين الفتن التي تكون من المسلمين إذا خشي عليها أن تصل إليهم من مبتاعها وقد أوضح هذا الخلاف هناك وما يبنى عليه الخلاف فقال فإن باع السلاح من العدوان ممن يناوى من المسلمين ويخرج به عليهم أو ممن يحمل ذلك إليهم وهو عالم بذلك ومضى ذلك وفات ولم يعلم من باعه أو ممن لا يقدر على رده فقد اختلف فيما يلزمه بينه وبين الله في التوبة من ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها أنه يلزمه التصدق بجميع الثمن وهذا على القول بأن البيع فيها غير منعقد وأنها باقية على ملكه لوجوب رد الثمن على هذا القول على المبتاع إن علمه والصدقة به عنه إن جهله كالدني. والثاني إنه لا يلزمه أن يتصدق إلا بالزائد على قيمته لو بيع على وجه جائز وهذا على القول بوجوب فسخ البيع في القيام وتصحيحه بالقيمة في الفوات والثالث أنه لا يجب عليه أن يتصدق بشيء منه إلا على وجه الاحتساب مراعاة للاختلاف وهذا على القول بأن البيع إن عثر عليه لم يفسخ ويباع على المبتاع.
الاحتكار لزمن مسغبة أو مخمصة
ومن أعظم ما يجب تغييره والاحتساب في القيام به إخراج الزرع المختزن بيد أربابه فاضلًا عن قوتهم زمن احتياج الناس إليه في مسغبة أو مخمصة.
قال في سماع ابن القاسم قال مالك إذا غلا الطعام واحتيج إليه وكان بالبلد طعام فأرى أن يؤمر أهله فيخرجونه إلى السوق فيباع إذا احتاج الناس إليه وإنما يكون ذلك عن حاجة الناس وليس هذا في كل زمان.
قال ابن رشد رحه هذا كما قال ومثله في كتاب ابن المواز وهو أمر لا أعلم فيه خلافا لأن هذا وشبهه مما يجب فيه الحكم للعامة على الخاصة إذ لا يصح أن يترك الناس يجوعون وفي البلد طعام عند من يريده للبيع. وما يشبه هذا من مصلحة العامة قول النبي صلعم لا
стр. 129
يبيع حاضر لباد ولا تلقوا السلع حتى يهبط بها إلى الأسواق. فلما رأى النبي صعلم أن ذلك يصلح للعامة أمر فيه بذلك ولما حكم النبي صلعم بالشفعة للشريك على المشتري ووجب أن يؤخذ منه الشقص الذي اشترى بالثمن شاء أو أبى لمنفعة الشريك بذلك وإزاحة ضرر الشركة عنه كانوا أحق أن يؤخذ الطعام من الذي هو عنده بالثمن لمنفعة عامة الناس بذلك وإزاحة الضرر عنهم ولا ضرر في ذلك على البائع وإذا لم يؤخذ منه إلا بالثمن الذي يسوى في السوق.
وفي أحكام السوق سئل ابن القاسم عن قول مالك ينبغي للإمام أن يأمر من كان عنه فضل طعام أن يبيعه إنما يريد الطعام الذي اختزنوه لذلك لا طعام جميع الناس لكن إذا اشتدت السنة يؤمرون بإخراجه وإظهاره للناس ليبيعوا ما كان عندهم من فضل قوتهم وقوت عيالهم كيف شاءوا ولا يسعر عليهم.
قيل وكيف إن سألوا ما لا يحمل من الثمن ولم يبع به الناس فقال هو مالهم يفعلون ما أحبوا ولا يجبرون على بيعه يسعر عليهم ولكن إذا أعطوا ما كانوا ينتظرون من الغلاء ما أراهم لا يبيعون وأما إذا اختزنوا وأضروا بالسوق فإنه يباع عليهم فيكون لهم رؤوس أموالهم والربح يؤخذ منهم فيتصدق به أدبا لهم وينهون عن ذلك فإن عادوا كان الضرب والطواف بهم والسجن.
وإذا جلب البادية الطعام ونزلوا به في الفنادق والدور أمرهم صاحب السوق بإخراجه لسوق المسلمين حيث يدركه الضعيف والعجوز ولا يبيعونه في ذلك الموضع فإن تضرر البدوي بطول إقامته إذا باعه في السوق بالنصف والربع وربما قال ليس معي إلا زاد يوم أو يومين خاصة فيقال له زد في السعر نصف ثمن أو ثمنا فتخفف عن نفسك وترجع سريعا وأما استقصاؤك الثمن ورجوعك سريعا فتضر المسلمين.
ومن أراد في الغلاء أن يشتري عولة سنة لم يمكن من ذلك ومن نقل من داره بمنزله طعاما فعرض عرضه ليبيعه لحاجته لثمنه فاشتراه الطحانون على الصفة ليكتالوه من داره وينقلوه لحوانيتهم فلا يمكن البائع من بيعه في داره وليبلغه لسوق المسلمين ويمنع الحناطون من شرائه في الدور في غلاء السعر ومضرة الأسواق ولتكن لهم حوانيت في السوق ليباع فيها ولو رخص السعر ولم يضر بالسوق خلي بين الناس والشراء ويدخرون ويشترون من الفنادق والدور حيث أحبوا ولو جهل رجل فحط في السوق طعامه ولا يعرف باختزان. وإنما أتى بطعامه ليأكله فإذا صح هذا خلي بينه وبين طعامه ينقله لداره. قلت قوله
стр. 130
ويمنع الحناطون من شرائه في الدور في غلاء السعر ومضرة الأسواق مثله في سماع ابن القاسم في الطحانين قال وسئل مالك عن الطحانين يشترون الطعام يغلون بذلك أسعار الناس قال أرى أن كل ما أضر بالناس في أسعارهم أن يمنعه الناس فإن أضر ذلك بالناس منعوا منه.
قال ابن رشد رحه في شراء الطحانين الطعام جملة من الجلاب وبيعه على أيديهم دقيقا مرفق لعامة الناس بمشقة الطحن عليهم إذا اشتروا القمح فإن ذلك يغلي عليهم الأسعار فالواجب أن ينظر السلطان في ذلك فإن كان لا يفي بالمرفق الذي للعامة في ذلك بما يغليه في أسعارهم منع من ذلك إن كان يفي به أو يزيد عليه فيما يراه باجتهاده لم يمنع من ذلك.
وأما شراء أهل الحوانيت الدقيق من الجلاب وبيعه على أيديهم من الناس وشراء الطعام وبيعه على أيديهم غير مطحون فلا وجه من الفرق في ذلك لعامة الناس فينبغي أن يمنع من ذلك إذا كان فيه تغلية للأسعار ويباح إذا لم يضر ذلك بالأسعار.
وأما قوله المتقدم في أحكام السوق وأما إذا اختزنوا وأضروا بالسوق فإنه يباع عليهم وتكون لهم رؤوس أموالهم والربح يؤخذ من أيديهم فيتصدق به أدبا لهم فليس على إطلاقه وإنما هو مخصوص بوقت الغلاء في السعر فإن الاحتكار في أيام الرخاء جائز في المشهور وإن كانت الأخبار الواردة في التحذير من ذلك في هذا الباب كثيرة ومن أجلها صحح كثير من الشيوخ القول الآخر لكن مذهب المدونة الجواز.
وقد حصل ابن رشد في ذلك من الخلاف أربعة أقوال ففي جامع المستخرجة قال: وسمعت أن رجلا كان عنده طعام كثير فغلا الطعام فأتى الناس يغبطونه بذلك قال أشهدكم أنه للناس بما أخذته فقال أبجوع الناس تغبطونني. قال ابن رشد رحه في قوله هو للناس بما أخذته به دليل على أنه اشتراه في وقت لا يضر شراؤه الناس إذ لو اشتراه في وقت يضر شراؤه الناس لكان ما فعل من إعطائه لهم بما اشتراه به هو الواجب عليه إذ الاختلاف في أنه لا يجوز احتكار شيء من الأطعمة في وقت يضر احتكارها فيه بالناس ففيه أربعة أقوال:
أحدها- إجازة احتكارها في وقت لا يضر كلها القمح والشعير وسائر الأطعمة وهو مذهب ابن القاسم في المدونة.
والثاني المنع من احتكارها كلها جملة من غير تفصيل للآثار الواردة في ذلك عن النبي صلعم فقد روي عنه أنه قال لا يحتكر إلا خاطئ وهو مذهب مطرف وابن الماجشون.
стр. 131
والثالث إجازة احتكارها كلها ما عدا القمح والشعير وهو دليل رواية أشهب عن مالك في جامع البيوع.
والرابع المنع من احتكارها كلها ما عدا الأدم والفواكه والسمن والعسل والتبين والزبيب وشبه ذلك وقد قال ابن أوبيس فيما ذهب إليه مطرف وابن الماجشون من أنه لا يجوز احتكار شيء من الأطعمة معناه في المدونة إذ لا يكون الاحتكار أبدا إلا مضرا بأهله لقلة الطعام بها فعلى قولهم متفقون على أن علة المنع من الاحتكار تغلية الأسعار وإنما اختلفوا في جوازه لاختلافهم باجتهادهم في وجود العلة وعدمها والاختلاف بينهم في أن ما عدا الأطعمة من العصفر والكتان والحناء وشبهها من السلع يجوز احتكارها إذا لم يضر ذلك بالناس.
قلت ومثل هذا التحصيل الذي هنا وقع له في رسم البيوع الأول من سماع أشهب من كتاب جامع البيوت والآثار التي أشار إليها القصد الأول بالمنع منها ما ذكر من قوله صلعم لا يحتكر إلا خاطى ومنها قوله صعلم المحتكر ملعون والجالب مرزوق وقال صلعم من اشترى طعاما يتربص به أربعين يوما فقد برئت منه ذمة الله * وأيما قوم ظل في ناديهم امرؤ من المسلمين جائعا فقد برئت منهم ذمة الله. وعنه صلعم من احتكر للمسلمين طعاما ضربه الله بفقر وإفلاس. وعن معاذ أن رسول الله صلعم قال بئس العبد المحتكر إن أرخص الله الأسعار حزن وإن أغلاها فرح وفي الأخرى إن يسمع برخص ساءه وإن سمع بغلاء فرح.
وعن أبي هريرة ومعقل بن يسار أن رسول الله صلعم قال: يحشر الحكارون وقتلة النفس في درجة واحدة وعن عبد الله ابن عمرو بن العاص إذا لم يكن للرجل تجارة غير الطعام طغى وبغى. وفي "أحكام السوق" الواجب على المسلمين الاعتصام بالسنة وإتباع نبينا صلعم قال تع: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض﴾ الآية ثم قال سبحانه: ﴿لو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل﴾ الآية معناه لأسبغ عليهم الدنيا إسباغا.
وذكر الشيخ البرزلي أنه شاهد أقواما كانوا يخزنون الطعام للشدائد فدثرت أموالهم ولم يبق لها بكرة ومحقت إما في حياتهم أو بعد وفاتهم بأيدي ورثتهم ومن معنى الاحتكار
стр. 132
نقل الطعام من بلد إلى آخر يمنع منه إذا أضر ويسوغ إذا لم يضر في المشهور وتجري في ذلك بقية الأربعة أقوال المتقدمة في نفس الحركة.
حكم التسعير على الناس فيما يبيعونه
وأما التسعير على الناس فيما يبيعونه فقد أنكره مالك وشدد النكير فيه ورآه من التحكم وقال أيضا إنه من الظلم ودليله ما روى غير واحد عن سحنون وغيره بسندهم إلى أنس أن أناسا أتوا النبي صلعم فقالوا له سعر لنا يا رسول الله فقال يا أيها الناس إن غلاء أسعاركم ورخصها بيد الله وأنا أرجو الله أن ألقاه وليس لأحد منكم عندي مظلمة في مال ولا دم.
ومن طريق ابن وهب أنه غضب يومئذ حتى عرف الغضب في وجهه وقال: السوق بيد الله يحفظها ويرفعها ولكن مروهم فليخرجوا متاعهم إلى البراز وليبيعوا كيف أحبوا. وقال لا يسألني الله عن سنة أحدثتها فيكم لم يأمرني بها ولكن سلوا الله من فضله. قال في تنبيه الحكام التسعير على الناس تحكيم بغير الحق في أموالهم وإجبارهم على بيعها بما لا يرضيهم حرام ومنكر يجب القيام بتغييره لأنه كالغضب وقد قال النبي صلعم لما سئل التسعير إن الله هو القابض الناس والمغلي والمرخص وإني لأرجوا الله أن ألقاه وليس لأحد عندي مظلمة ظلمته إياها في عرض ولا مال فامتنع صلعم من ذلك وبين أنها مظلمة.
قلت جعله التسعير هو المنكر الذي يحتسب في تغييره على فاعله دليل على أنه لم يعتد بقول من أجازه في حق أهل الأسواق فقد نقل ابن أبي زيد في نوادره عن سعيد بن المسيب وربيعة ويحيى بن سعيد إجازته إذا كان الإمام عدلا وكان ذلك صلاحا للمسلمين ونفعا لهم وإنما لم يعتد بخلافهم والله أعلم لما أبانه قول النبي صلعم بطريق التفهيم أن ذلك من المظالم لما قال إني ألقاه وليس لأحد عندي مظلمة في جواب السائل منه التسعير فكان ذلك من العام الوارد على سبب ويدخل السبب في عديد أفراده عند المحققين ولا يقصر على سببه وإذا كان التسعير من هذا الوجه مظلمة من المظالم فهو لا محالة من المناكر التي تغير على فاعلها.
وذلك نص على ما نقل عن مالك حيث قال لا يسعر على أهل السوق لأن ذلك ظلم فلم يختلف إذن أن التسعير ممنوع في حق الجالب واختلف هل هو ممنوع في حق سوقي البلد أو ليس بممنوع على قولين قال في سماع ابن القاسم وسئل مالك عن صحاب السوق يريد
стр. 133
أن يسعر على الناس السوق فيقول لهم إما بعتم بكذا بسعر يسميه لهم وإلا قمتم. قال لا خير في هذا قيل له إنه يأتي الرجل يكون طعامه ليس بالجيد وقد بدل سعرا فيقول لغيره إما بعتم مثله وإلا رفعتم قال لا خير في ذلك.
ولكن لو أن رجلا أراد بذلك فساد السوق فحط من سعر الناس أرأيت أن يقال له إما لحقت بسعر الناس وإما رفعت فأما أن يقول للناس كلهم فليس ذلك بصواب وذكر حديث عمر بن عبد العزيز رضه في أهل إيلية حين حط سعرهم لمنع البحر أن خل بينهم وبين ذلك فإنما السعر بيد الله قال ابن رشد رضه تع أما الجلاب فلا اختلاف في أنه لا يسعر عليهم شيء مما جلبوه للبيع وإنما يقال لمرشد منهم فحط من السعر وباع بأعلى ما يبيع به عامتهم إما أن تبيع بما تبيع به العامة وإما أن ترفع من السوق كما فعل عمر بن الخطاب رضه تع يخاطب ابن أبي بلقعة إذ ضربه وهو يبيع زبيبا له بالسوق فقال له إما أن تزيد في السعر وإما أن ترفع من سوقنا لأنه كان يبيع بالدرهم الواحد أقل مما كان يبيع به أهل السوق.
التسعير بالحوانيت والأسواق
وأما أهل الحوانيت والأسواق الذين يشترون من الجلاب وغيرهم جملا ويبيعون ذلك على أيديهم مقطعا مثل اللحم والأدم والفواكه فقيل إنهم كالجلاب لا يسعر عليهم شيء من بياعاتهم وإنما يقال لمن شذ منهم وخرج عن الجمهور إما تبيع كما يبيع الناس وإما أن ترفع من السوق. وهو قول مالك في هذه الرواية.
وممن روى ذلك عنه من السلف عبد الله بن عمر والقاسم ابن محمد وسالم بن عبدالله وقيل أنتم في هذا بخلاف الجلاب لا يتركون على البيع باختيارهم إذا غلوا على الناس ولم يقنعوا من الربح بما يشبه وأن على صاحب السوق الموكل على مصلحته أن يعرف بما يشترون فيجعل لهم من الربح ما يشبه وينهاهم أن يزيدوا على ذلك ويتفقد السوق أبدا فيمنعهم من الزيادة على الربح الذي جعل لهم كيفما تقلب السعر من زيادة أو نقصان فمن خالف أمره عاقبه بما يراه من الأدب وبالإخراج من السوق إن كان معتادا لذلك مشتهرا به وهو قول مالك في سماع أشهب وإليه ذهب ابن حبيب وقاله من السلف رضهم جماعة منهم سعيد بن المسيب ويحيى بن سعيد وهو مذهب الليث بن سعد وربيعة بن أبي عبد الرحمان.
стр. 134
ولا يجوز عند أحد من العلماء أن يقول لهم لا تبيعوا إلا بكذا وكذا ربحتم أو خسرتم من غير أن ينظر إلى ما يشترون به إلا أن يقول لهم فيما قد اشتروه لا تبيعوا إلا بكذا وكذا مما هو مثل الثمن الذي اشتروه به أو أقل إذا ضرب لهم الربح على قدر ما يشترون مثل أن يقول لهم تربحون في المدى كذا وكذا فلا يتركهم أن يغلوا في الشراء وإن لم يزيدوا في الربح إذ قد يفعلون ذلك ويتساهلون فيه إذ لا ينتقصهم ذلك من ربحهم شيئا وإذا علم ذلك منهم ضرب لهم الربح على قدر ما يشترون مثل أن يقول لهم تربحون ويعلي من مبلغ السعر ويقول لهم لا سبيل لكم أن تبيعوا إلا بكذا فلا تشترون إلا عليه.
وهو معنى قول مالك في سماع أشهب ليس بأيديهم شيء تعلمون به اشتروا به على ثلث رطل نسعره عليكم من الضأن وعلى نصف رطل نسعره عليكم من الإبل لأن ذلك إنما يجوز له أن يفعله إذا علم أنهم يتساهلون في الشراء ويزيدون على أنفسهم ويقولون له لا حاجة لك علينا إذ لا نربح أكثر مما سميت لنا فهذا تأويل الرواية. قلت ظاهر قوله أنه يسعر على أهل الحوانيت والأسواق دون الجلاب الإطلاق عند القائل به في كل شيء من الأقوات وهو نص نقل ابن الحاجب في نوازله عن ربيعة وذويه القائلين بالتسعير.
قال يمنع القاضي جري الماء والأوساخ في الأزقة ويأمر بتسعير الخبز والطعام ويحصل لهم من الربح بقدر ما يرى وهو قول ربيعة وكان الليث يأمر يضربهم إذا تعدوا قيمة السلطان ويكسر الخبز إذا وجده ناقصا عنها ونقل ابن أبي زيد في نوادره عن ابن حبيب تخصيص ذلك بما سوى القمح والشعير وشبهه من الحيوانات قال عنه فيها وليس ما أجازوه من ذلك من القمح والشعير وشبهه لأنه روي أن النبي صلعم نهى عنه لأن الجالب يبيعه ولا يترك التجار يشترونه ليبيعوه على أيديهم.
وأما مثل الزيت والسمن والعسل واللحم والبقل والفواكه وشبه ذلك مما يشتريه أهل السوق للبيع على أيديهم فلا فإن قلت لعل تخصيص ابن حبيب ذلك بما سوى حبوب القوت جار على أصله في منع احتكاره لأن التسعير على أهل الأسواق فيها لتبىقى عندهم حتى يبيعوها شيئا فشيئا ضرب من الأذن في الحركة الممنوع عندهم ويدل عليه إبداء التعليل بذلك في قوله السابق لأن الجالب يبيعه ولا يترك التجار يشترونه ليبيعوه على أيديهم.
قلت لو كان ذلك جريا على أصله في المنع من احتكارها لقال يمنع التسعير في مائعات الأدم وشبهها لأنه يقول بمنع الاحتكار في الجميع نقله عنه ابن رشد في رسم البيوع الأول من سماع أشهب من كتاب جامع البيوع فقصره التسعير عليها دون الحبوب مع أنه يمنع
стр. 135
الاحتكار في جميعها تخصيص من غير مخصوص فلم يبق إلا أن يكون ناقلا لتقييد فقه ذلك عن القائلين بالتسعير فيما سوى الحبوب لأنه جرى منه على أصله.
والصواب الإطلاق في الحبوب وغيرها لموافقة المشهور في جواز احتكارها حيث لا مضرة فيه ولأنه نص ما تقدم نقله عن سحنون في أمره لابن فطيس بما يشاكل عمل القيمة عندنا وهو غير التسعير فيها
صورة التسعير
ثم قال في النوادر في صورته فينبغي للعدل إذا أراد أن يسعر شيئا من ذلك أن يجمع وجوه أهل سوق ذلك الشيء ويحضر غيرهم استظهارا على صدقهم فيسألهم كيف يشترون وكيف يبيعون فإن رأى شططا نازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سداد حتى يرضوا به ثم يتعاهدهم فمن حط من ذلك قيل له إما بعت بسعر الناس وإلا رفعت.
ويؤدب المعتاد ويخرجه من السوق فإن قلت قول الشيخ ابن رشد في صفة التسعير على أهل السوق بعد معرفة ما يربحونه على الثمن الذي اشتروا به أن يقال لهم لا سبيل لكم أن تبيعوا إلا بكذا فلا تشتروا إلا عليه هل هو إلا نفس التسعير على الجلاب لأنه إذا ألجئ الجالب للبيع بشيء مسمى لا يتعداه كان تسعيرا عليه إلا أنه ليس من خطاب صاحب السوق له بالتسعير ولا من خطابه للمشتري منه أن يلجئه للتحديد فيكون نائبا في ذلك ويد الوكيل كيد الموكل وذلك ممنوع بنقله الإنفاق على عدم التسعير على الجلاب وإلا لم يكن لرفع الخلاف فائدة.
قلت إما أن يحمل قوله لا تشتروا إلا عليه حملا موسعا عن التحديد فيكون المعنى لا تشتروا إلا على نسبته ومنهما لم يكن تحديد ولا مساواة في قدر ما يبيعون به لما يشترون عليه فلا تسعير ويدل على هذا الحمل قوله قبل فلا يتركهم أن يغلو في الشراء قد يفعلون ذلك ويتساهلون فيه.
وقوله أيضا بعد لأن ذلك إنما يجوز له أن يفعله إذ علم أنه يتساهلون في الشراء ويزيدون على أنفسهم فيتعين أن يكون معنى الخطاب لهم بأنهم لا يشترون إلا على كذا أن يرهقوا أنفسهم في شرية الغلاء وليس في ذلك تسعير على الجالب وأما أن يحمل على تقييد منع التسعير على الجالب وفاقا إذا لم يبغ على المسلمين في طلب الزيادة على ما يجد سعر
стр. 136
الوقت عليه فإن بقي أو اعتدى بإرادة الغلاء منع من ذلك ومنع المشتري منه من إجابته لذلك. وذلك الذي قيد به ابن أبي زيد في نوادره هذا الفقه فقال ولا يسعر على الجالب شيئا ما لم يزيدوا أرفع من السعر الذي رضي به أهل الحوانيت فليس لهم الزيادة عليه فإما باعوا عليه وإلا رفعوا.
الجد الأقرب للمؤلف يفتي في التسعير
قلت كان سيدنا وشيخنا الجد الأقرب يقول يتعين أن يكون التسعير على أهل الأسواق في هذا الزمان متفقا عليه وتفقدهم في كل لحظة فضلا عن كل يوم لازم بما دانوا به من جميع المحظورات في البيع والابتياع ومن أخبث شرورهم وأشنع مرتكبات محذورهم أن الجالب إن أدركه سبب التعذر ولو من وابل مطر أو شدة وحل فإنهم يعدون ذلك عذرا لخلاء السوق من المطعومات وغيرها إظهارا منهم لفراغ ما بأيديهم من ذلك لتعذر جلب الجالبين ومخازنهم به ملأى وما ذلك إلا من ترصدهم الحطيطة في السعر لا من إخلائهم الأسواق فإذا حط لهم منه أوقية أخرجوا مختزنهم وباعوا منه الكثير مبادرة على إتيان المجلوب فيرخص ما بأيديهم.
وهذه مكيدة من مكائد الخدع ومضرة سافرة من حبائل الطمع كل ذلك في أموال المسلمين بغير حق والله يقضي بالحق على هذا الأسلوب مستحقون بالأدب الزاجر لهم بعد الحمل عليهم أن يخرجوا ما لدهم ليبيعوه بسعر السوق دون ضرر يلحقهم في ذلك ولا يلحق المسلمين منهم.
تواطؤ الناس بالسوق
قال في تنبيه الحكام فإذا تواطأ الناس وتراضوا على سعر واحد من غير قصد إضرار الكافة لم يعرض لهم ولم يجبروا على غيره وإن تضرر الكافة بشيء قصدهم به أهل الأسواق مثل أن يتمالئوا ويتظافروا على فعل يضطرهم إلى الزيادة من غير سبب أوجبه من عدم ذلك الشيء أو من حوالة أسواقه كما يفعل الآن الدقاقون والجزارون ومن أشبههم ممن تدعو الحاجة إلى ما في أيديهم لأنهم يتواطئون على إخلاء السوق من ذلك الصنف ويرفعون أيديهم عن الأعمال حتى تضيق أحوال الناس ويضطروهم إلى الإذعان لما يريدون فمعالجة دفع هذا الضرر عن المسلمين واجب.
стр. 137
ومعانات مثل هذا تكون بالبحث عن شرار هؤلاء المتشغبين وأهل الاستطالة فيهم وبمن يتهم بتقديمهم إليه وتأليفهم عليه فإن لهم شياطين يتبعونهم في ذلك ويقررون عن رأيهم وربما ألجأوا بعض الضعفاء منهم إلى التعطيل ليكونوا إلفا واحدا فيما يريدون فيتضرر ضعيفهم مع ذلك قهرا بائتلافهم عليه فمن علم منهم حالة ما ذكرناه فواجب إزالته من بينهم وإخراجه من جملتهم وإن أدى إلى تأديبه وجه نظري بحسب ما يعرف في ذلك من تكرر فعله واستيلاء حكمه أدب واستصلح من بعده بالموعظة والزجر وإن كان ممن عظمت في هذا النوع أذيته وجب إخراجه من السوق وإراحة المسلمين من شره ويؤخذ الناس بهذا المأخذ ونحوه مما يعود لمصلحة الكافة في غير اعتداء على أحد في مال أو عقوبة بغير استحقاق.
تنبيه
تنبيه: إذا كان سعر أهل السوق متحدا غير متفاوت فقام واحد منهم يبيع بأغلى مما يبيع به الباقون فإن كان لجودة ما لديه دونهم لم يمنع وإن لم تكن له جودة عما بأيديهم منع فإن حط عن سعرهم وباع بأرخص مما يبيعون به ترك وبيعته ولم يؤمر الباقي باللحاق به.
وكذلك لا يؤمر الكثير منهم أن يلتحقوا بالأقل ولكن يؤمر القليل أن يلتحقوا بالأكثر ويساوونهم في ثمن المبيعات قال ابن رشد رحه لا يجوز للرجل أن يبيع الطعام في السوق بدون بيع الناس في المثمون لا في الثمن وذلك مثل أن يكون الناس يبيعون مثل ذلك الطعام أربعة بدرهم فلا يجوز له أن يبيع ثلاثة بدرهم.
وقد بين ذلك في سماع عيسى وهو بين أيضا من نفسي سحنون بقوله يريد ما يباع من صنف سلعته في جودتها وليس عليه أن يبيع الجيد بسعر الردي يقول إنه إذا كان الناس يبيعون أربعة بدرهم وكان طعامه أجود من طعامه فليس عليه أن يبيع طعامه الجيد بما يبيعون به طعامهم الردي.
وكذلك قال ابن حبيب إنما ذلك إذا استوى الطعام أو تفاوت وأما إن اختلف فزاد صاحب الجيد على صاحب الدني الدرهم والدرهمين في المدى مما بين الجيد والردي إنما هو على ما يعرف بالأندلس من أنه ليس بين قمحها تفاوت مثل ما بإفريقية ولا مثل ما بمكة حيث يجتمع سمراء الشام والمحمولة قاله الفضل وهو صحيح.
стр. 138
وإذا كان الذين يبيعون برخص العدد اليسير الواحد والاثنين والثلاثة ونحو ذلك أقر الأكثر على ما يبيعون ولم يردوا إليهم حتى يكونوا كثيرا قيل للباقين وإن كانوا أكثر منهم إما أن تبيعوا ببيع هؤلاء وإما أن ترفعوا من السوق. فلا يرد الكثير إلى القليل ويرد إلى (الأكثر) القليل والكثير وإذا كان الكل قليلا فالأقل منهم تبع للأكثر إذا كان الأكثر يبيعون أرخص وإن كان الأكثر هم الذين يبيعون أغلى ترك كل واحد منهم على ما يبيع.
وقد ذهب بعض الناس تأويلا على رواية ابن القاسم وكان مثلها إلى أن الواحد والاثنين من أهل السوق ليس لهم أن يبيعوا بأرخص مما يبيع أهل الأسواق لأن ذلك ضرر بهم وممن ذهب إلى ذلك عبد الوهاب بن محمد بن نصر البغدادي وهو غلط ظاهر إذ لا يلام أحد على المسامحة في البيع والحطيطة فيه بل يشكر على ذلك إن فعله لوجوه الناس ويؤجر إذا فعله لوجه الله.
قلت هذا الذي ذكره ابن رشد رحه هو عين ما وقع في سماع عيسى في رسم باع شاة منه في الرسم المذكور قلت له أرأيت لو واحدا أقام واللحم ثلاثة أرطال فيباع أربعة هل يقام له الناس قال لا يقام الناس لواحد ولا لاثنين ولا لثلاثة ولا لأربعة ولا لخمسة ولو رفع لواحد لاشترى سلعا بحكمه إذ لا يبيع معه أحد فيدخل على الناس في ذلك ضررا ولكن يبيع هو ويبيع الناس معه ولا يقام لواحد وإنما يقام الواحد والإثنان إذا كان جل الناس على سعر فقام الواحد والإثنان فحطوا من السعر فأدخلوا الفساد فأولائك يقامون من السوق أو يلحقون بسعر الناس هـ.
منكرات الربا
ومن أكبر ما بقي ذكره من مناكر الأسواق التي يشتد الحكام في تغييرها ويتقدموا بالتغليظ القوي في زجر من أذعن ببقائها وتقريرها منكرات الربا فتلك المعصية التي أذن الله فيها بالحرب وبما وقع في محكم التنزيل من الوعيد في شأنها تأكد انقباض أفئدة العقلاء من الكرب قال مولانا الكريم في قرآنه العظيم: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ وقال: ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ وقال: ﴿وما أتيتم
стр. 139
من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله﴾ ونظيره في الآي القرآنية والأحاديث النبوية كثير.
وفي سماع أشهب وسئل مالك عمن قال امرأتي طالق إن كان يدخل بطون العباد أخبث من الشراب المسكر فقال مالك الدم والميتة ولحم الخنزير وما هذا عندي بالبين ثم تفكر فيها طويلا ثم قال لو طلقها واحدة ثم ارتجعها فقيل له إنها ليست عنده إلا على واحدة فقال قال الله في الربا: ﴿فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ وليس هذا في الخمر يأخذ دينارا بدينارين يأكله إذا أخذ يشرب الخمر جلد وخلي وإذا أخذ الذي يأكل الميتة عذب عذابا أليما فأرى أن يفارق أصواته قال إذن أترى أن يفارقها قال نعم.
قال ابن رشد رحه حمل مالك يمين الحالف بالطلاق على أنه لا يدخل بطون العباد شيء أخبث من الشراب المسكر على أن المعنى فيه لا يدخل بطونهم شيء هو أشد في التحريم وأعظم في الإثم وأكبر في الجرم من الشراب المسكر ولذلك رأى الطلاق قد لزمه قيل له من أجل أنه رأى الربا أشد تحريما وأعظم إثما وأكبر جرما بدليل ما توعد الله به في الربا ولم يذكر في الخمر مثله فعلى هذا لو حلف أنه لا يدخل بطون العباد شيء أخبث من الربا لم يحنث.
قلت وقد كثر وقوع هذا المنكر الذي هو أخبث المناكر جهارا بين الناس بحيث لا يستخفي به أحد علمه أو جهله حتى أن زماننا هذا لهو الزمان الذي أخبر به الصادق الأمين صلعم من حديث أبي هريرة ليأتين على الناس زمان لا يبقى أحد فيه إلا أكل الربا فإن لم يأكله أصابه من تجارة فإنا لله وإنا إليه راجعون.
قال ابن المناصف في "تنبيه الحكام" فمنها من لا يكاد يخفى على أحد فلا يحتاج إلى التنبيه عليه كإعطاء درهم في اثنين والزيادة في دين على النظرة به واستعمال قبض بعض عن كل ما لم يحل وما أشبه ذلك من ظواهر الربا التي تعارفها الناس. ومنها دقائق تخفى على الأكثر ويقل مع ذلك وقوعها مثل أن يبيعه ثوبا بعشرة إلى شهر ثم يشتريه منه بثمانية نقدا أو إلى نصف شهر أو باثني عشر إلى شهرين وما أشبه هذا مما يطلع المتشوق منه على غرضه في مواضعه من كتب الفقهاء فليس هذا موضع ذكره.
ومنها ما هو في الحقيقة ظاهر معلوم وقد يخفى على آحاد من العوام وهو مما يكثر وقوعه فمنه ما يقع من بيع وصرف كما لو اشترى منه سلعة بخمسي دينار ورد عليه صرف الباقي
стр. 140
دراهم واستخف إذا كانت الدراهم أقل من دينار وقد أجازه ابن حبيب.
قلت أو كثرت وكل ذلك مع النسيئة فاسد كعرض وفضة مثل أن يشتري منه شيئا بربع درهم فرد عليه ثلاثة أرباع درهم واستخف ذلك في النصف بدون وكصرف وإحالة فيه مثل أن يصرف منه دينارا فيحيل عليه من يقبضها ويفارقه المحيل قبل قبض المحال باتفاق وإن كان بحضرته فعلى اختلاف.
وكفسخ الدين في الدين مثل أن يكون لكل واحد منهما على صاحبه حق إلى أجل فيتفق أو يختلف فيتصارفانه قبل المحل أو يكون دينا حل أو لم يحل في سلم وما أشبه ذلك كالتعامل على اصطراف ما في الذمة قبل محله أو بعد ذلك ويتراخى القبض مثل أن يبيعه بدنانير ذهبا على أن يقبض فيها دراهم عن كل دينار كذا أو يبيعه بدراهم على أن يقبض فيها دراهم عن كل دينار كذا لرجل له عليه ذهب فيتصارفانه الآن على دراهم معلومة ثم فارقه قبل القبض للدراهم كل ذلك لا يجوز.
بيع الجواهر
ومنه ما قد انتشر ووقعت المجاهرة به في الأسواق من غير نكير كبيع القلائد وبيع الجواهر المشتملة على شذور الذهب والفضة والمنظومة على غيرها من الجواهر واليواقيت ونحو ذلك فيبيع هذه الأصناف وما في معناها منظومة صفقة واحدة بدنانير أو دراهم فاسد لا يصلح كان الثمن من جنس ما في المنظوم أو من غير جنسه من الذهب والفضة لأنه إن كان من جنسها ففساده من حيث أنه بيع وصرف إلا أن يقل ما كان من غير الجنس مع السلعة حتى تكون كالتبع أو تقل السلعة قلة بينة مستخف نقدا. والوجه في بيع مثل هذا أن ينقص ويباع كل على حدة مما يصح بيعه أو يباع منظوما بعرض غير الذهب والفضة كالبر والشعير وأنواع العرض لأنه بيع خالص فلا اعتراض فيه إذا سلم من الجهالة ببعض المنظوم وعظيم الخطر والغرر.
بيع الركب واللحم وقوائم السيوف
ومن هذا ما تواطأ الناس عليه اليوم وأعلن بالنداء عليه في الأسواق وبمحضر الخواص والكافة من بيع الركب واللحم وقوائم السيوف ونحو ذلك مما هو محلى بأنواع الذهب والفضة التي له قدر عظيم بالدنانير والدراهم وذلك فاسد إن كان الثمن من جنس تلك
стр. 141
الحلية تبعا كالثلث فدون وإن كان بغير جنسه استخف قلت الحلية أو كثرت وكل ذلك نقدا ولا يصلح في شيء منه نسيئة فإن اجتمع في الحلية الصنفان لم يجز البيع بهما أو بأحدهما قلت أو كثرت ويباع كل ذلك بعرض سواء الذهب والفضة نقدا أو إلى أجل فلا يمكن انفصال الحلية من هذه كما كان كذلك في المنظوم. وفي استعمال الركب واللجم بتحلية الفضة والذهب نظر قبل كل شيء لأن الذي أبيح من ذلك ما كان في المصحف والخاتم والسيف من الفضة خاصة قلت وفي نظره نظر لأنه إن توقف نظره على الإباحة تبعا للمشهور فمسلم ولا تساعده عبارة النظر إن كان ذاكرا بالخلاف في المسألة ومن له أدنى مسكة في الفقه المالكي مطلع على الخلاف في ذلك فقد جمع ابن الحاجب على اصطلاحه في كتاب الزكاة ثلاثة أقال في آلة الحرب حيث قال "وفي حلية باقي آلة الحرب ثالثها يجوز فيما يطاعن به ويضارب لا فيما يتقى به ويتحزم. فالأول يقول بالجواز مطلقا في كل ما هو آلة للحرب سواء كان من آلة الراكب والمركوب وهذا القول هو قول ابن وهب في المذهب وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وصححه الشيوخ إلزاما للمشهور بطريق الإلحاق بالسيف لمناسبة وصف الإرهاب للعدو في الجميع وتخصيصه بالسيف تحكم مع انضباط العلة بالإرهاب فلا يكون فرق بين السلاح والمنطقة والسرج واللجام والمهامين.
فتوى الجد الأعلى للمؤلف
وقد وقع في فتوى الشيخ الإمام العلامة الحبر المحقق شيخ مولانا الجد الأعلى أبي عثمان سعيد القباني الذي أخذ عنه تحقيق المسائل الفقهية حفظا وتعليلا السيد المنعم المرحوم أبي عمران موسى ابن موسى المسترالي رضه جواز اتخاذ الركاب من خالص الذهب والفضة بما نصه بعد كلام طويل وتفريع حسن وتوجيه وتعليل وعلى تحلية آلة الحرب عموما بالفضة خاصة أو بها وبالذهب فلا فرق بين كون الركاب خالصا من أحد النوعين فيه إلى غيرهما فالركاب ونحوه مما لابد للسرج منه كالقبضة والرأس وما صيغ للسيف والنعال والأزناد للجفن فإذا جاز صوغ ما ذكر للسيف من خالص الذهب أو الفضة أو من خالص الفضة خاصة على اختلاف الرأيين جاز تفريعا على التعدية اتخاذ الركاب خالصا من أحد النوعين أو من خالص الفضة خاصة. ثم قال في أثناء كلامه قولا يترجح به قول ابن وهب وذويه ما نصه: وإباحة حلية السيوف أيضا لابد له من علة ظاهرة لما تقدم
стр. 142
وليست كونه سيفا لعدم ظهور مناسبته فتكون إما لما في تحليته من إرهاب العدو أو التهيئ للإرهاب غالبا وإما لأن ذلك مما يزيد في قوة نفس متقلدة غالبا فلا ينزل نفسه منزلة من لا يؤبه له فيكون ذلك سببا في الثبات والبعد من مذموم الجبن والفرار.
ولما رأى ابن وهب وأبو حنيفة وبعض الشافعية استواء آلة الحرب في هذا المعنى إذ الإرهاب في السيف ليس بمجرد وضع الحلية فيه على ما لا يخفى بل لأن ذلك شعار أهل النجدة والشجاعة وعلامتهم فيظن كون ذي المحلى كذلك. وهذا أمر لا يختص بتحلية السيف بل كما تشعر تحلية السيف بذلك يشعر به تحلية غيره أيضا إذ الحلية في آلة الحرب أيضا سرجا أو غيره إنما يتخذها غالبا المبرزون في النجدة والجرأة الموهوب منهم صاروا إلى التسوية بين السيف وبين آلة الحرب في مشروعية التحلية لاشتراك الجميع فيما هو العلة.
انتهى ما مست الحاجة لنقله من جواب هذا الشيخ رضه فيما يمسنا من المسألة. وقد أفاد فيه وأجاد حفظا ولفظا رضه وشكر في العلماء المحققين مسعاه.
وقد ذكرني مولانا الجد الأقرب السيد أبو الفضل قاسم من مناقب علمه وسيرته ما أطيل بتقييده هنا طولا يثبطني عن استيفاء المقصود الأهم وكان ذلك يوم وجدته بورق في يده ينسخ فيه من ورق آخر الجواب المذكور بعد كبر سنه فأشفقت من تكلفه النسخ لما أعلم فيه من كبر المشقة فتناولته منه وقلت إني أحق بهذا منك فأخذ في الإملاء علي وأنا أكتب ثم يدرج في أثناء الإملاء قصدا للاستراحة بعض ما حفظ من والده من مناقب الشيخ وغزارة علمه ولما أكملته بالكتب تلقيته منه رواية ودراية رضهم وحشرنا في زمرتهم, فانظر أنت بسديد نظرك في المناصف في تنبيهه بقوله فيه نظر هل هو إلا من قلة الاطلاع على ما لا يخفى نقله نصا وتوجيها.
إرباء التجار في أثمان السلع
ثم قال ومن ذلك إرباء بعض التجار في أثمان السلع مثل أن يشتري بعشرة فيعرف بإحدى عشر وقد يكون من بعض ذلك ما يخفى على فاعله أو يغالط في معرفة وجه فساده مثل أن يشتري بعشرة نسيئة فيعرف بعشرة نقدا الشراء ويكتم النسيئة. ومعلوم أن بيع النسيئة مما يرفع في الثمن فهذا إن لم يعلم به البائع وتعيين له قدرا من النسيئة حرام ونوع من الربا والتدليس وللمشتري الرد إذا علم بذلك وهذه الوجوه من الإرباء وفساد المعارضة كثيرة جدًا فيجب على الحكام البحث عنها والاجتهاد على قدر الطاقة والاشتداد وأن يقدموا في
стр. 143
الأسواق التي يكثر ذلك فيها أمناء ثقات علماء ليردعوا عن مواقعته من يتعاطاه من أهل الشر والفساد ويعلموا جهلة الناس بقوة وعزيمة وجلاء وعلى فاعل الربا العقوبة الموجعة إن لم يغدر بجهل والله المؤيد للنصرة على الحق وإذعان الكافة له من الخلق.
فصل "ما يمتنع من البيوعات وما لا يصح العقد عليه"
ولما كان مغير المنكر يفارق القاضي كما قال العلماء ﵃ في كونه يتعرض للفحص عن المحرمات فيجد في إزالتها ويحذر من الوقوع فيها وإن لم ينه إليه والقاضي لا يحكم إلا فيما رفع إليه قالوا فموضوع الحسبة الرهبة وموضوع القضاء النصفة وتقدم من كلام شهاب الدين أنه لا يقتصر على المنع من المحظورات بل ويرشد لإتيان المندوبات والتحفظ من الوقوع في المكروهات حسن مني أن نلحق في هذا الفصل لختام الباب السابع تقييد ما يمتنع من البيوعات وما لا يصح العقد عليه في ضروب المعاوضات على حسب اختصار بعض الفضلاء وجمعه ليعم فائدة نفعه.
فلا يجوز بيع الحز والخنزير والقردة والخمر والميتة والدم والنجاسات وما لا منفعة فيه كخشاش الأرض والحيات والكلاب التي لم يؤذن في اتخاذها وتزاد الصواغين والصور وآلات الملاهي والأحباس ولحوم الضحايا والمربد والمكاتب والحيوان المريض مرضا مخوفا والأمة الحامل بعد ستة أشهر والحيوان بشرط الحمل وما في بطون الحيوان واستثناؤه والطير في الهواء والسمك في الماء والعبد الآبق الذي لا يعرف موضعه والجمل الشارد والغايب على غير الصفة والبيع بغير تقليب وبدنانير غير مسماة في بلد نقده مختلف وملك غيره والمغصوب وكل ما فيه خصومة والدين على الميت والغائب وما لم يبد صلاحه من زرع أو ثمر على التبعية ولا الجارية على الرقيق بالبراءة من الحمل وسلعة بعينها على أن تقبض إلى أكثر من ثلاثة أيام والدار بشرط سكناه أكثر من سنة والدابة بشرط ركوبها أياما كثيرة والبيع بثمن مجهول ويكيل مجهول. وفي وقت الجمعة وبيع حاضر لباد وبيع الرجل على بيع أخيه. وقد ركن إليه وبيع التفرقة وعقارا لا مدخل له وبيع الفصيل والقصب على أن يزيد في نباته أو يطيب وسلعة بحكمه وبحكم غيره ونيل المعادن وغيرها. والبيع على شرط حميد بعد الغيبة وبيع سلعة بجزاف من العين وبيع حائط فيه أنواع ويستثني البائع شجرا يختارها وشراء ثمر شجرات يختارها وبيع شاة ويستثني عضوا منها كالفخذ والبطن أو يستثنى الكبد وأرطالا أكثر من الثلث وبيع لبن غنم معينة مدة معلومة وهي دون العشرة وبيع قمح أو زيتون على أن على البائع حصاده أو عصره وبيع لحم شاة وهي حبة وطعام الطعام إلى أجل
стр. 144
ونقد بنقد إلى أجل ولا شيء بجنسه إلى أجل متفاضلا إلا أن يختلف منافعهما وبيع الطعام بالطعام قبل قبضه إذا ابتيع على الكيل أو الوزن أو العدد.
ولا يجوز التفاضل في الصنف الواحد من الطعام والنقد وكل جنس فيه الربا إذا بيع بمثله فلا يجوز أن يكون غيره مع أحد الجنسين أو معهما ولا يجوز بيع الجزاف فيما تقعد أعيانه وآحاد جماعاته كالحيوان والثياب والجواهر ولا يجوز بيع الثنيا كبيع سلعة على أن لا يبيعها أو لا يهبها وأن لا يخرجها من البلد وأن لا يجيزها البحر أو على أن يتخذها أم ولد أو على أن لا ينزل عنها أو على أن يدبرها أو يكاتبها أو يعتق إلى أجل أو على أنه إن باعها فبائعها أحق بها الثمن الذي يبيعها به أو على أنه بالخيار إلى أجل بعيد لا يجوز الخير له أو على أنه متى جاءه بالثمن فهو أحق بها.
ولا يجوز بيع رطب بيابس من جنسه كالرطب بالتمر والعنب بالزبيب أو بعصيره والعجين بالدقيق أو بالحنطة واللحم التي بالقديد أو بالمشوي والسمن بالزبد أو باللبن والزبد بالجبن والتمر بربه والجلجلان بزيته والحنطة المبلولة باليابسة والشاة اللبون باللبن إلى أجل ويجوز ضده.
ولا يجوز بيع الطعام جزافا مع العقار والعروض كما لا يجوز العقار والعروض بعضها جزافا وبعضها كيلا ولا يجمع الرجلان سلعتيهما في البيع في صفقة واحدة لأنه لا يدري بم باع ولا بم يرجع عليه إن استخفت إحداهما فهذه كلها وإن كان في بعضها خلاف لكن الجادة المنع وعليه يعتمد مغير المنكر إن وقع اطلاعه على شيء من ذلك.
وهنا أناخت لي في هذا الباب ركاب الاطلاع وفيما ذكرته من ذلك إن شاء الله كفاية وإقناع والله سبحانه ولي التوفيق والمرشد للعثور على جادة الطريق.
الباب الثامن
فيما يختص به من ذلك أهل الذمة ومن كان في حكمهم من المعاهدين
فأما ما يجب تغييره والاحتساب فيه على أهل الذمة فينقسم على قسمين: أحدهما ما إن أعلنوه قولا أو فعلا كان نقضا للعهد ووجب قتلهم إلا أن يسلموا أو فهم فيء والثاني ما إن أعلنوه لم يكن نقضا للعهد ووجب تأديبهم عليه وردعهم عن الوقوع فيه.
فأما القسم الأول وهو ما إن أعلنوه قولا أو فعلا كان نقضا للعهد فمنه أن يخرجوا على
стр. 145
المسلمين متلصصين أو متعصبين من غير ظلم لحقهم ولا أذى في أنفسهم وكذلك إن فروا بأنفسهم على وجه النكت والخروج من ذمة الإسلام أو قاتلوا على شيء من ذلك أو منعوا أداء الجزية عنادا أو بعد الفرار على ذلك نقض للعهد يستباحون به كالحربيين.
قال في المدونة وإذا خرج قوم من أهل الذمة محاربين أو متلصصين فأخافوا السبيل وقتلوا حكم فيهم بحكم الإسلام إذا حاربوا وإن خرجوا نقضا للعهد ومنعا للجزية وامتنعوا من أهل الإسلام من غير أن يظلموا والإمام عدل فهم فيء ومن هرب منه إلى بلاد الحرب نقضا للعهد فحارب ثم أسر فهو فيء لا يرد إلى ذمته إذا نقض العهد لغير ظلم ركبوا به وإن كان لظلم ردوا إلى ذمتهم ولا يكونون فيئا وقال غيره ولا يرد الحر إلى الرق أبدا ويردون إلى ذمتهم ولا يكونون فيئا.
قلت المعبر عنه بالغير في هذه المسألة في الكتاب هو أشهب كذلك في كتاب ابن المواز قال قال ابن القاسم في قوم من أهل الذمة إذا قطعوا الطريق وقاتلوا على العصبية وظفر بهم فليحكم فيهم بحكم المحاربين من المسلمين وأما إن خرجوا نقضا للعهد ومنعا من الجزية من غير ظلم ظلموا به فإن كان الإمام عدلا قوتلوا أو يكونون فيئا.
وقال أشهب لا يكونون فيئا ويردون إلى ذمتهم قال ابن الحاجب بناء على أن الذمة تقتضي الجزية بدوام العهد أو أبدا. قال ابن عبد السلام في شرحه لا يعني أن هذين القولين يجريان على أن الذمة المطلقة هل معناها الدوام بدوام العهد. أو أبدا يعني فإذا أنقضه الذمي عاد إلى ما كان عليه أولا واسترقاقه في الأول جائز وهذا رأي ابن القاسم، أو معناه الدوام الأبدي، والجزية ومن ثبتت له الجزية لم يرجع إلى الرق أبدًا، وهذا رأي أشهب هـ.
ومن تمام ما في الموازية، قال أشهب ويقتل منهم من قتل ويخرج من خرج قال ابن المواز وقف ابن القاسم عن القتل فيما كانوا قتلوا أن يستفاد منهم، وقال فيهم لا أدري قال أحمد بن ميسر لا يؤخذ أحد منهم بما قتل في مصاف ولا في غيرها.
قلت إنما لم يقل ابن القاسم بن قاله أشهب من قتلهم على وجه القود بمن قتلوا في هذه الصورة مرورا مع أصله في أنهم بنقضهم العهد عادوا حربا والحربي إذا قاتل المسلمين على دينه لا يقتل قودا بمن قتل.
وأشهب الذي يقول إنهم لا يزالون على حكم الذمة بعدم إباحته لاسترقاقهم وأنهم أحرار لم يزالوا يقول بالقود منهم ضربة لازم كما إذا لم يقاتلوا عمدا عدوانا.
следующие страницы →