← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 184

الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 216 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

صفات ثبوتية وقدر عظيم يختص به، فذاك اعتقادٌ لا حقيقة له، وصاحبه قد عظَّمه بأن اعتقد فيه عظمة (١) لا حقيقة لها، وذلك يضاهي اعتقاد المشركين في آلهتهم. وإن قالوا: بل نريد (٢) معنًى ثالثًا لا هذا ولا هذا، وهو أن له في نفسه قدرًا يستحقه لكنه قدرٌ معنوي. قيل لهم: أتريدون أن له حقيقةً عظيمةً يختص بها عن غيره، وصفات عظيمة يتميز بها، وذاتًا عظيمة تمتاز عن الذوات، وماهية عظيمة أعظم من كل ماهية، ونحو ذلك من المعاني المعقولة؛ فذلك أمرٌ وجوديٌّ محقَّقٌ. وإذا أُضيف ذلك إلى الربِّ كان بحسب ما يليق به، ولا يشركه فيه المخلوق، كما أنه إذا أُضيف إلى المخلوق كان بحسب ما يليق به، ولا يشركه فيه الخالق. فهو في حقِّ الخالق تعالى قدرٌ يليق بعظمته وجلاله، وفي حقِّ المخلوق قدر يناسبه، كما قال تعالى: ﴿قَد جَّعَلَ اَللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣] فما من مخلوقٍ إلَّا وقد جعل الله له قدرًا يخصُّه. والقدر يكون علميًّا ويكون عينيًّا، فالأول هو التقدير العلمي، وهو تقدير الشيء في العلم واللفظ والكتاب (٣)، كما يقدر العبد في نفسه ما يريد أن يقوله ويكتبه ويفعله، فيجعل له قدرًا. ومن هذا تقدير الله سبحانه لمقادير الخلائق في علمه وكتابه قبل تكوينها، ثم كوَّنها على ذلك القدر الذي علمه وكتبه.

стр. 1017

فالقدر الإلهي نوعان: أحدهما: في العلم والكتابة. والثاني: خَلْقها وبرؤها وتصويرها بقدرته التي بها يخلق الأشياء، والخلق يتضمن الإبداع والتقدير جميعًا. والمقصود أن كل موجودٍ فله قدرٌ، والعباد لا تقدر (١) الخالق قدره، والكفار منهم لا يقدرونه حقَّ قدره. ولهذا لم يذكر ذلك سبحانه إلَّا في حقهم، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اُللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اَللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩٢] وهذا إنما وصف به الذين لا يؤمنون بجميع كتبه المنزلة، من المشركين [ق ١١١ أ] واليهود وغيرهم. وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اُللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩٢] ولم يقل: وما قدروا الله قَدْرَه. فإن حقَّ قدره هو الحق الذي لقدره، فهو حقٌّ عليهم لقدره سبحانه، فجحدوا ذلك الحق وأنكروه، وما قاموا بذلك الحقِّ معرفةً ولا إقرارًا ولا عبوديةً، وذلك جحودٌ وإنكارٌ لبعض قدره من صفات كماله وأفعاله، لجحودهم أن يتكلم أو يعلم الجزئيات أو يقدر على إحداث فعل، فشُبهات منكري الرسالة ترجع إلى ذلك: إمَّا إنكار علمه تعالى، أو إنكار قدرته، أو إنكار كلامه. فمن أقرَّ بما أرسل به رسله، وأنه عالمٌ به، متكلمٌ بكتبه التي أنزلها عليهم، قادرٌ على الإرسال، لا يليق بحكمته تركه؛ فقد قدره حقَّ قدره من هذا الوجه، وإن (٢) لم يقدره حقَّ قدره مطلقًا.

стр. 1018

وكذلك ذكر الآية الأخرى في سياق خطابه للمشركين ولمنكري آياته كقوله: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ اُلْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥١] إلى قوله: ﴿بَلَى قَد جَّاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاَسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ اَلْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦] إلى قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اُللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَاَلْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٤] فكان هذا ردًّا على المشركين والمعطلين الجاحدين لتوحيده ولصفاته، كما كان ذلك ردًّا على منكري كتبه ورسله، وهذان أصلَا الإسلام: شهادة أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله. وهذا الذي وصف به نفسه هاهنا يتضمن من اقتداره على تغيير (١) العالم وتبديله ما يبطل قول أعدائه الملاحدة المكذبين بالمبدأ والمعاد، أئمةِ هؤلاء المعارضين للوحي بالعقل والرأي. وقال تعالى في آية الحج: ﴿إِنَّ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اِللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اِجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ اُلذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ اَلطَّالِبُ وَاَلْمَطْلُوبُ (٧١) مَا قَدَرُوا اُللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اَللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٢) اِللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ اَلْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ اَلنَّاسِ﴾ [الحج: ٧١ - ٧٣] فما قدره حقَّ قدره من عبد من دونه من لا يخلق ذبابًا واحدًا، وإن سلبه الذباب شيئًا ممَّا عليه من خَلوقٍ وغيره لم يقدر على استنقاذه منه، ولا يكون أضعف من هذا الإله وعابده، فكيف يُعبد من دون من له القوة كلها والعزة كلها؟ ولمَّا كان هذا من جهلهم بالله وترك تعظيمه الذي ينبغي له، قال كثيرٌ من المفسرين في معنى ذلك: ما عظَّموه حقَّ عظمته. وقال بعضهم: ما عرفوه حقَّ معرفته. وقال بعضهم: ما

стр. 1019

عبدوه حقَّ عبادته. وقال آخرون: ما وصفوه حقَّ صفته (١). ولمَّا كان أهل العلم والإيمان قد قاموا من ذلك بحسب قدرتهم وطاقتهم التي أعانهم بها ووفقهم بها لمعرفته وعبادته وتعظيمه لم يتناولهم هذا الوصف، فإن التعظيم له سبحانه والمعرفة والعبادة ووصفه بما وصف به نفسه قد أمر به عباده وأعانهم عليه ورضي منهم بمقدورهم من ذلك، وإن كانوا لا يقدرونه قدره، ولا يَقدُر أحدٌ (٢) من العباد قدره، فإنه إذا كانت السماوات السبع في يده كالخردلة في يد أحدنا، والأرضون السبع في يده الأخرى كذلك، فكيف يقدره حق قدره من أنكر أن يكون له يدان، فضلًا عن أن يقبض بهما شيئًا، فلا يد عند المعطلة ولا قبض في الحقيقة، وإنما ذلك مجازٌ لا حقيقة له. وللجهمية والمعطلة نُفاة الصِّفات من هذا الذمِّ أوفر نصيبٍ، وللمتفلسفة وأفراخهم وأتباعهم ذَنُوبًا (٣) مثل ذَنُوب أصحابهم وأكثر. وقد شرع الله سبحانه لعباده ذكر هذين الاسمين: العلي العظيم في الركوع والسجود، كما ثبت في الصحيح أنه لمَّا نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٧] قال النبي ﷺ : «اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ». فلمَّا نزلت: ﴿سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] قال: «اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ» (٤).

стр. 1020

وهو سبحانه كثيرًا ما يقرن في وصفه بين هذين الاسمين، كقوله: ﴿وَهْوَ اَلْعَلِيُّ اُلْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] وقوله: ﴿هُوَ اَلْعَلِيُّ اُلْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٠] وقوله: ﴿عَالِمُ اُلْغَيْبِ وَاَلشَّهَادَةِ اِلْكَبِيرُ اُلْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ١٠] يُثبت بذلك علوه على المخلوقات وعظمته. فالعلو رفعته، والعظمة عظمة قدره ذاتًا ووصفًا. وعند الجهمية ليس له علوٌّ ولا عظمة إلَّا ما في النفوس من اعتقاد كونه أفضل من غيره. فصل الوجه السابع والثمانون بعد المائة: أن هؤلاء المعارضين بين الوحي والعقل من الجهمية المعطلة والفلاسفة الملاحدة ومن اتبع سبلهم هم دائمًا يُدِلُّون بنفي (١) التشبيه والتمثيل، ويجعلونه جُنَّةً لتعطيلهم ونفيهم، فجحدوا علوَّهُ على خَلقه ومباينتَه لهم، وتكلُّمَه بالقرآن والتوراة والإنجيل وسائرِ كتبه، وتكليمَه لموسى، واستواءَه على عرشه، ورؤيةَ المؤمنين [ق ١١١ ب] له بأبصارهم من فوقهم في الجنة، وسلامَه عليهم، وتجلِّيَه لهم ضاحكًا، وغيرَ ذلك ممَّا أخبر به عن نفسه، وأخبر به عنه رسوله، وتترَّسوا بنفي التشبيه، واتخذوه جُنَّةً يصدُّون (٢) به القلوبَ عن الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته.

стр. 1021

وكل مَن نفى شيئًا ممَّا وصف به نفسه جعل نفيَ التشبيه له كالوقاية في الفعل، حتى آل ذلك ببعضهم إلى أن نفى ذاتَه وماهيته خشيةَ التشبيه، فقال: هو وجود محضٌ لا ماهيةَ له. ونفى آخرون وجوده بالكلية خشيةَ التشبيه، وقالوا: يلزمنا في الوجود ما لزم مثبتي الصِّفات والكلام والعلو في ذلك، فنحن نسدُّ الباب بالكلية. ولا ريب أن المشبِّهة المحضة خيرٌ من هؤلاء، وأحسنُ قولًا في ربهم، وأحسنُ ثناءً عليه منهم. والطائفة المعطِّلة بمنزلة مَن قدح في مُلك المَلِك وسلطانه، ونفى قدرته وعلمه وتدبيره لمملكته وسائر صفات الملك. والطائفة الثانية بمنزلة مَن شبَّهه بملك غيرُه موصوف بأكمل الصِّفات وأحسنِ النعوت. فينبغي أن تعلم في هذا قاعدةً نافعة جدًّا؛ وهي أن نفي الشِّبْهِ والمِثل والنَّظير ليس في نفسه صفة مدحٍ ولا كمالٍ، ولا يُحمد به المنفي عنه ذلك بمجرده، فإن العدم المحض ـ الذي هو أخسُّ المعلومات وأنقصها ـ يُنْفَى عنه الشبهُ والمثل والنظير، ولا يكون ذلك كمالًا ومدحًا إلَّا إذا تضمن كون مَن نُفي عنه ذلك قد اختصَّ من صفات الكمال ونعوت الجلال بأوصاف باينَ بها غيره، وخرج بها عن أن يكون له نظيرٌ أو شبهٌ، فهو لتفرده بها عن غيره صحَّ أن يُنفى عنه الشبه والمثل والنظير والكفؤ. ولا (١) يقال لمن لا سمع له، ولا بصر (٢)، ولا حياة، ولا علم، ولا كلام، ولا فعل: ليس له شبهٌ،

стр. 1022

ولا مثل، ولا نظير. اللهم إلَّا في باب الذمِّ والعيب، أي: قد سُلب صفات الكمال كلها؛ بحيث صار لا شبهَ له في النقص. هذا الذي عليه فِطَرُ الناس وعقولُهم واستعمالهم في المدح والذم، كما قال شاعر القوم (١): لَيْسَ كَمِثْلِ الْفَتَى زُهَيْرٍ … خَلْقٌ يُسَاوِيهِ فِي الْفَضَائِلْ وقال الآخر (٢): مَا إِنْ كَمِثْلِهِمُ فِي النَّاسِ مِنْ أَحَد وقال الفرزدق (٣): فَمَا مِثْلُهُ فِي النَّاسِ إِلَّا مُمَلَّكًا … أَبُو أُمِّهِ حَيٌّ أَبُوهُ يُقَارِبُهْ أي: ما مثله في الناس حي يقاربه إلَّا مملك هو أخوه (٤). وقال الآخر (٥): فَمَا مِثْلُهُ فِيهِمْ وَلَا هُوَ كَائِنٌ … وَلَيْسَ يَكُونُ الدَّهْرَ مَا دَامَ يَذْبُلُ

стр. 1023

نفى أن يكون له مثلٌ في الحال والماضي والمستقبل. وقال الآخر (١): وَلَمْ أَقُلْ مِثْلُكَ أَعْنِي بِهِ … سِوَاكَ يَا فَرْدًا بَلَا مُشْبِه ومنه قولهم: فلان نسيجُ وحدِه. شبهه بثوبٍ لم يُنسَج له نظيرٌ في حُسنه وصفاته (٢). فعكسَ المعطلةُ المعنى، وقلبوا الحقائقَ، وأزالوا دلالة اللفظ عن موضعها، وجعلوا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ٩] جُنَّةً وتُرسًا لنفي علوِّه سبحانه على عرشه وتكليمه لرسله وإثبات صفات كماله. وممَّا ينبغي أن يُعلم أن كل سلبٍ (٣) ونفيٍ لا يتضمن إثباتًا فإن الله لا يُوصف به؛ لأنه عدمٌ محضٌ، ونفيٌ صرفٌ، لا يقتضي مدحًا ولا كمالًا ولا تعظيمًا. ولهذا كان تسبيحُه وتقديسه سبحانه متضمِّنًا لعظمته ومستلزِمًا لصفات كماله ونعوت جلاله، وإلَّا فالمدح بالعدم المحض كلا مدحٍ. والعدم في نفسه ليس بشيءٍ يُمدح به ويُحمد عليه، ولا يكسب القلب عِلمًا بالمذكور ولا محبةً وقصدًا له. ولهذا كان عدم السِّنَة والنوم مدحًا وكمالًا في حقِّه سبحانه؛ لتضمنه (٤)

стр. 1024

أو استلزامه كمالَ حياته وقيوميته. ونفي اللُّغوب عنه كمالٌ؛ لاستلزامه كمالَ قدرته وقوته. ونفي النسيان عنه كمالٌ، لتضمنه كمالَ عِلمه، وكذلك نفي عزوب شيءٍ عنه. ونفي الصاحبة والولد كمالٌ؛ لتضمنه كمالَ غناه وتفرُّده بالربوبية، وأن من في السماوات والأرض عبيدٌ له. وكذلك نفي الكفؤ والسَّمِيّ والمثل عنه كمالٌ؛ لأنه يستلزم ثبوتَ جميع صفات الكمال له على أكمل الوجوه، واستحالة وجود مشاركٍ له فيها. فالذين يصفونه بالسُّلُوب فقط من الجهمية والفلاسفة لم يعرفوه من الوجه الذي عرفته به الرُّسل، وعرَّفوه به إلى الخلق، وهو الوجه الذي يُحمد (١) به ويُثنَى عليه ويُمجَّد وتُعرف به عظمتُه وجلاله. وإنما عرفوه (٢) من الوجه الذي يقودهم إلى تعطيل العلم والمعرفة والإيمان به، بعدم (٣) اعتقادهم الحقَّ. واعتقادهم خلافَ الحقِّ، وحقيقة أمرهم أنهم (٤) لم يثبتوا لله عظمةً إلَّا ما تخيلوه في نفوسهم من السُّلوب والنفي الذي لا عظمةَ فيه ولا مدح، فضلًا عن أن يكون كمالًا، بل ما أثبتوه مستلزمٌ لنفي ذاته رأسًا. وأمَّا الصِّفَاتية (٥)، الذين يؤمنون ببعضٍ ويجحدون بعضًا، فإذا أثبتوا

стр. 1025

عِلمًا وقدرة وإرادة وغيرها تضمن ذلك [ق ١١٢ أ] إثباتَ ذات تقوم بها هذه الصِّفات وتتميز بحقيقتها وماهيتها، سواء سمَّوه قدرًا أو لم يُسموه. فإن لم يثبتوا ذاتًا متميزةً بحقيقتها وماهيتها كانوا قد أثبتوا صفاتٍ بلا ذات، كما أثبت إخوانهم ذاتًا بلا صفات، وأثبتوا أسماء بلا معانٍ ولا حقائقَ، وذلك كله مخالفةٌ لصريح المعقول، وهم يدَّعون أنهم أرباب عقليات! فلا بد من إثبات ذات محقَّقة لها الأسماء الحسنى التي لا تكون حسنى إلَّا إذا كانت دالةً على صفات كمال، وإلَّا فأسماء (١) فارغة لا معنى لها، لا توصف بحُسنٍ فضلًا عن كونها أحسنَ من غيرها. يوضح ذلك: الوجه الثامن والثمانون بعد المائة: أنه سبحانه فرَّقَ بين هذين الاسمين الدالين على علوِّه وعظمته في آخر آية الكرسي (٢) وفي سورة الشورى (٣) وفي سورة الرعد (٤)، وفي سورة سبأ في قوله: ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا اُلْحَقَّ وَهْوَ اَلْعَلِيُّ اُلْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]. ففي آية الكرسي ذَكَر الحياة التي هي أصلُ جميع الصِّفات، وذكَرَ معها قيوميته المقتضية لذاته وبقائه وانتفاء الآفات جميعها (٥) عنه من النوم والسِّنة والعجز وغيرها. ثم ذَكَر كمال مُلكه، ثم عقبه بذكر وحدانيته في مُلكه، وأنه

стр. 1026

لا يشفع عنده أحدٌ إلَّا بإذنه. ثم ذكر سعة عِلمه وإحاطته، ثم عقبه بأنه لا سبيلَ للخلق إلى علم شيءٍ من الأشياء إلَّا بعد مشيئته لهم أن يعلموه. ثم ذَكر سعة كرسيِّه، منبِّهًا به على سعته سبحانه وعظمته وعلوِّه، وذلك توطئة بين يدي ذكر علوه وعظمته. ثم أخبر عن كمال اقتداره وحِفظه للعالم العلوي والسفلي من غير اكتراثٍ ولا مشقةٍ ولا تعبٍ. ثم ختم الآيةَ بهذين الاسمين الجليلين الدالين على علو ذاته وعظمته في نفسه. وقال في سورة طه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١٠٧] وقد اختُلف في تفسير الضمير في ﴿بِهِ﴾ فقيل: هو الله سبحانه. أي: ولا يحيطون بالله علمًا. وقيل: هو ما بين أيديهم وما خلفهم (١). فعلى الأول يرجع إلى العالم، وعلى الثاني يرجع إلى المعلوم. وهذا القول يستلزم الأول من غير عكسٍ؛ لأنهم إذا لم يحيطوا ببعض معلوماته المتعلقة بهم، فألَّا يحيطوا علمًا به سبحانه أولى. وكذلك الضمير في قوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٣] يجوز أن يرجع إلى الله، ويجوز أن يرجع إلى ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: ولا يحيطون بشيءٍ من عِلم ذلك إلَّا بما شاء. فعلى الأول يكون المصدر مضافًا إلى الفاعل، وعلى الثاني يكون مضافًا إلى المفعول (٢).

стр. 1027

والمقصود أنه لو كان ﴿اَلْعَلِيُّ اُلْعَظِيمُ﴾ إنما يُراد به اتصافه بالعلم والقدرة والملك وتوابع ذلك كان تكريرًا، بل دون التكرير، فإنَّ ذِكر ذلك مفصَّلًا أبلغُ من الدلالة عليه بما لا يُفهم إلَّا بكلفةٍ. وكذلك إذا قيل: إن علوه وعظمته مجردُ كونِه أعظمَ من مخلوقاته وأفضل منها، فهذا هضمٌ عظيمٌ لهاتين الصفتين العظيمتين، وهذا لا يليق ولا يحسن أن يُذكَر ويُخبَر به عنه إلَّا في معرض الرد لمن سوَّى بينه وبين غيره في العبادة والتألُّه، كقوله: ﴿قُلِ اِلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ اِلَّذِينَ اَصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦١]، وقول يوسف الصدِّيق: ﴿آارْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اِللَّهُ اُلْوَاحِدُ اُلْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩]، وقوله تعالى عن السحرة إنهم قالوا لفرعون: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ اَلسِّحْرِ وَاَللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ [طه: ٧٢]. فهذا السياق يُقال في مثله: إن الله خيرٌ ممَّا سواه من الآلهة الباطلة. وأمَّا بعد أن يذكر أنه مالك الكائنات، ويقال مع ذلك: هو أفضل من مخلوقاته وأعظم من مصنوعاته؛ فهذا يُنزَّه عنه كلام الله. وإنما يليق هذا بهؤلاء الذين يجعلون له مَثَل السَّوْء في كلامه، ويجعلون ظاهره كفرًا تارةً، وضلالةً تارةً، وتشبيهًا وتجسيمًا تارةً، ومخالفًا لصريح العقل تارةً، ويحرفونه بالتحريفات الباطلة، ويقولون فيه ما لا يرضى أحدُهم أن يُقال مِثله في كلامه، فيجعلون لكلامه مثل السوء، كما جعلوا له سبحانه مثل السوء، بإنكارهم صفات كماله وحقائق أسمائه الحسنى. ولو تأوَّل أحدٌ كلامهم أو كلام مَن يُعظِّمونه على ما يتأولون عليه كلام الله ورسوله لقامت قيامة أحدهم، وإذا حُقق الأمر عليهم تبيَّن أن ما يتأولون

стр. 1028

عليه كلام الله ورسوله من التأويلات الفاسدة لا يليق حملُ كلام (١) آحاد فضلاء بني آدم عليها. ولهذا سقطت حُرمة الإيمان والقرآن والرسول من قلوبهم، ولهذا يُصرِّحون بأن القرآن والسُّنَّة لا تفيدان علمًا ولا يقينًا في هذا الباب [ق ١١٢ ب] ويقولون: إن الطريقة البرهانية ليست في القرآن، وإنها في منطق اليونان. الوجه التاسع والثمانون بعد المائة: أن العظيم يُوصف به الأعيانُ والكلام والصفات والمعاني، أمَّا الأعيان فكقوله تعالى: ﴿وَرَبُّ اُلْعَرْشِ اِلْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون: ٨٧]، وقوله: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣]. وأمَّا المعاني فكقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وقوله: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]. فيُوصَف بالذوات (٢) وصفاتها وأفعالها، وكل موصوفٍ فصفته بحسبه، فعِظَم الذات شيءٌ وعِظَم صفاتها شيءٌ، وعِظَم القول شيءٌ، وعِظم الفعل شيءٌ. والرب تعالى له العظمة بكل اعتبارٍ وكل وجهٍ بذاته، والمعطِّلة تُنكر عظمة ذاته، ولا يثبتون إلَّا عظمةً معنويةً، لا يثبتون عظمة الذات. كما يقولون مثل ذلك في العلوِّ أنه علوٌّ (٣) معنويٌّ، لا أن ذاته عالية على كل المخلوقات، فليس عندهم عليًّا ولا عظيمًا إلَّا باعتبارٍ معنويٍّ فقط، كعلو قيمة الجوهر على قيمة الخزف، وأهل السُّنَّة أثبتوا له العلوَّ والعظمة بكل اعتبارٍ.

стр. 1029

ومثل هذا وصفه سبحانه بأنه الكبير المتعال (١)، فالكبير يُوصف به الذات وصفاتها القائمة بها، فيقال: هذا أكبر من هذا حِسًّا ومعنًى وسنًّا. وكذلك الطول يقال: هو أطول يدًا منه صورةً ومعنى. كما قال النبي ﷺ لنسائه: «أَسْرَعُكُنَّ لَحَاقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا» (٢). فكلهن يمددن أيديهن أيهن أطول، وكانت (٣) زينب أولهن موتًا، وكانت أطولهن يدًا بالخير والصدقة. وكذلك السعة والبسطة تكون في الذوات والمعاني، كما قال تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي اِلْعِلْمِ وَاَلْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٥]، فكبر قدرُه في باطنه بالعلم وفي ظاهره باشتداد الجسم، فكمل ظاهره وباطنه ومعناه وصورته. وهذا أكمل من أن يكمل معناه وفِكره (٤) دون ذاته وصورته. وهذا شأنه سبحانه فيما يريد تكميله مِن خَلْقه، فإنه يكمله ذاتًا ومعنى ظاهرًا وباطنًا، كما قال تعالى في أهل الجنة: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١] فكمَّل ظواهرهم بالنضرة، وبواطنهم بالمسرَّة. وقال تعالى: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] فهذا زينة ظواهرهم، وهذا زينة بواطنهم. وقال (٥): ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (٢١) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌٌ﴾ [القيامة: ٢١ - ٢٢] فكمل ظواهرهم بالنضرة (٦)، وبواطنهم بالنظر إليه.

стр. 1030

وقال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ اُلتَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٥] وأنعم على عباده بزينتين ولباسين: زينةٍ تجمل ظواهرهم، وزينةٍ من التقوى تجمل بواطنهم. وقال تعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن: ٦٩] قال المفسرون: خيرات (١) الأخلاق، حسان الوجوه (٢). وقد رُوِيَ هذا التفسير مسندًا إلى النبي ﷺ في حديث أم سلمة، وهو في «معجم الطبراني» (٣) وغيره. وقال تعالى: ﴿وَلَقَد زَّيَّنَّا اَلسَّمَاءَ اَلدُّنْيا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ﴾ (٤) [الملك: ٥]، فجعل المصابيح زينة لظاهرها ولباطنها بالحراسة

стр. 1031

من الشياطين، فهي زينة الظاهر والباطن. وقال تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ اُلْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ﴾ [النجم: ٥ - ٦] وهو جبريل ﵊. والِمرِّة: المنظر البهي الجميل (١)، فأعطاه كمال القوة في باطنه، وجمال المنظر في ظاهره. وهذان الكمالان هما اللذان أرتهما امرأةُ العزيز النسوةَ اللاتي لُمْنَها في محبة يوسف، فإنها أجلستهن في البيت ﴿وَقَالَتِ اِخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَا لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] فأخبرتهن أن باطنه أحسن وأجمل فقالت: ﴿فَذَلِكُنَّ اَلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاَسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: ٣٢] فأرتهن جماله الظاهر، وأخبرتهن بجماله الباطن. والمقصود أن أهل السُّنَّة يثبتون لله سبحانه العلو الذاتي والمعنوي، والعظمة الذاتية والمعنوية، والجمال والجلال الذاتي والمعنوي. ومن هذا قول المسلمين: «الله أكبر»، فإنه أفعل تفضيل يقتضي كونه أكبرَ من كل شيءٍ بجميع الاعتبارات. وبهذا فسَّره النبي ﷺ في الحديث الذي رواه أحمد (٢) والترمذي (٣) وابن حِبَّان في «صحيحه» (٤) من حديث عديِّ بن حاتم في قصة

стр. 1032

إسلامه حين قال له النبي ﷺ : «يَا عَدِيُّ مَا يُفِرُّكَ (١)؟ أَيُفِرُّكَ أَنْ يُقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ فَهَلْ تَعْلَمُ مِنْ إِلَهٍ سِوَى (٢) اللهِ؟» ثم قال: «يَا عَدِيُّ مَا يُفِرُّكَ؟ أَيُفِرُّكَ أَنْ يُقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ؟ فَهَلْ تَعْلَمُ شَيْئًا أَكْبَرَ مِنَ اللهِ؟». فالله سبحانه أكبرُ من كل شيءٍ ذاتًا وقدرًا ومعنى وعزةً وجلالةً، فهو أكبر من كل شيءٍ في ذاته وصفاته وأفعاله، كما هو فوق كل شيءٍ، وعالٍ على كل شيءٍ، وأعظم من كل شيءٍ، وأجلُّ من كل شيءٍ في ذاته وصفاته وأفعاله. يوضحه: الوجه التسعون بعد المائة: أن تعطيل ذاته المقدسة عن وصفها بذلك وجعل ذلك مجردَ أمرٍ (٣) معنويٍّ يقتضي سلبَ ذلك عنه بالكلية، ولا سيما عند الجهمية النُّفاة لصفاته وأفعاله، فإنه عندهم لا تقوم به صفةٌ ثبوتيةٌ يستحق بها أن يكون أعظمَ من غيره وأكبرَ منه وفوقه وأعلى منه؛ فإنهم لا يجعلون ذلك عائدًا إلى ذاته، لأنه يلزم منه عندهم التجسيم. فليست ذاته عندهم موصوفةً بكبرٍ ولا عظمةٍ ولا علوٍّ ولا فوقية، وليس له عندهم صفةٌ ثبوتيةٌ تكون عظمته وفوقيته وعلوه لأجلها، فإن إثبات الصِّفات عندهم يستلزم التركيب. ولا له فعل يقوم به يكون به أعظم وأكبر من غيره، فإن ذلك يستلزم عندهم حلول الحوادث وقيامها به. فلا حقيقة عندهم لكونه أكبر وأعظم وأجل من غيره إلَّا ما يرجع إلى مجرد السلب والنفي والعدم، مثل كونه لا داخلَ العالم، ولا خارجَه، ولا تَحُلُّه

стр. 1033

الحوادث، ولا يفعل (١) لحِكْمةٍ ولا مصلحةٍ، ولا له وجهٌ ولا يدان، ولا ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، ولا هو مستوٍ على عرشه، ولا يأتي يوم القيامة لفصل القضاء، ولا يراه المؤمنون في الجنة ولا يكلمهم، ولا كلَّم موسى في الدنيا ولا أحدًا من الخلق، ولا يشار إليه بالأصابع، ولا يُرفع إليه الكلم الطيب، ولا تعرُج الملائكة والروح إليه، ولا عرجَ رسول الله ﷺ إليه، ولا دنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى، ونحو ذلك من النفي والسلب الذي يفرون عنه بنفي التشبيه والتجسيم والتركيب، فيوهمون السامع أن إثبات ذلك تشبيهٌ وتجسيمٌ، ثم ينفونه عنه، وحقيقة ذلك نفي ذاته وصفاته وأفعاله. فهذا حقيقة كونه أكبرَ من كل شيءٍ وأعظمَ منه وفوقه وعاليًا عليه عندهم. وحقيقة ذلك نفيُ هذا عنه، وجعلُ كل شيءٍ أكبرَ منه. لأن ما لا ذاتَ له ولا صفةَ ولا فعلَ فكل ذات لها صفة أكبرُ منه، فالقوم كبَّروه وعظَّموه ونزَّهوه في الحقيقة عن وجوده فضلًا عن صفات كماله وأفعاله! يوضحه: الوجه الحادي والتسعون بعد المائة: وهو أنه قد عُلم بالاضطرار أن الله سبحانه له ذات مخصوصة، يقال: ذات الله، كما قال خُبَيْب (٢): وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ … يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّع ولفظ «ذات» في الأصل تأنيث «ذو» أي (٣): ذات كذا وذو كذا. والذي

стр. 1034

يضاف إليه «ذو» نوعان: وصفٌ، ويضاف إليه إضافة الموصوف إلى صفته، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اَللَّهَ هُوَ اَلرَّزَّاقُ ذُو اُلْقُوَّةِ اِلْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] وقوله: ﴿إِنَّ اَللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى اَلنَّاسِ﴾ [يونس: ٦٠]، فالفضل وصفُه وفِعله. وكان النبي ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: «سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ» (١). والثاني: إضافته إلى مخلوقٍ منفصلٍ، كقوله تعالى: ﴿وَهْوَ اَلْغَفُورُ اُلْوَدُودُ (١٤) ذُو اُلْعَرْشِ اِلْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٤ - ١٥]. فإذا أطلقوا لفظ الذات من غير تقييدها (٢) بإضافةٍ إلى معين دلت على ماهية لها صفات تقوم بها، فكأنهم قالوا: صاحبة الصِّفات المخصوصة القائمة بتلك الماهية، فدلوا بلفظ الذات على الحقيقة وصفاتها القائمة بها؛ ومحالٌ أن يصح وجود ذات لا صفات لها ولا قدرَ، وإنْ فرَضَها الذهن فرضًا لا وجود لمتعلِّقه في الخارج إلَّا كما يفرض سائر الممتنعات. فالذات هي قابلة للصفات والموصوفة بالصفات القائمة بها. ومنه: «ذات الصدور» أي: ما فيها من خيرٍ وشرٍّ. وقال ابن الأنباري (٣): «معناه عليمٌ بحقيقة القلوب من المضمرات. فتأنيث «ذات» لهذا المعنى،

стр. 1035

كما قال: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ اِلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧] فأنَّث لمعنى الطائفة، كما يقال: لقيتُه ذات [يوم] (١)، فيؤنّث؛ لأن قصدهم: لقيتُه مرةً في يوم». وقال الواحدي (٢): ««ذات الصدور» يحتمل معنيين: أحدهما: أن يكون نفس الصدور؛ لأن ذات الشيء نفسه وعينه. يقال: فهمتُ ذات كلامك، كما يقال: فهمتُ [نفس] (٣) كلامك. قال [الشاعر] (٤): نَطُوفُ بِذَاتِ الْبَيْتِ وَالْخَيْرُ ظَاهِرُ (٥) وقال: «وفيه معنى التأكيد، فيكون المعنى: والله عليمٌ بالصدور. والثاني: أن «ذات الصدور» الأشياءُ التي في الصدور، وهي الأسرار والضمائر، وهي ذات الصدور؛ لأنها فيها، تحلُّها وتصاحبها، وصاحب الشيء: ذُوه، وصاحبته: ذاته». قلت: أكثر استعمالهم ذات الشيء بمعنى السبيل والطريق المُوصِلة

стр. 1036

إليه، كقول خُبَيب: «وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ». وكذلك الجَنْب، كقوله [ق ١١٣ أ]: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اِللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]، فليست الذات والجنب هنا هي نفس الحقيقة. ومنه قوله: ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اِللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٩] وقول النبي ﷺ : «وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ، وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ» (١). وأمَّا استعمالهم ذات الشيء بمعنى عينه ونفسه فلا يكاد يُظفَر به. وكذلك قوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ اِلصُّدُورِ﴾ [الأنفال: ٤٤]، ليس المراد به عليم بمجرد الصدور، فإن هذا ليس فيه (٢) كبيرُ أمرٍ، وهو بمنزلة أن يقال: عليمٌ بالرؤوس والظهور والأيدي والأرجل. وإنما المراد به: عليمٌ بما تُضمِره الصدور من خيرٍ وشرٍّ، أي: بالأسرار التي في الصدور وصاحبة الصدور، فأضافها إليها بلفظ يعمُّ جميع ما في الصدور من خيرٍ وشرٍّ. وأمَّا استعمال لفظ «ذات» في حقيقة الشيء الخارجية فأظنه استعمالًا مولَّدًا، وهو من العربية المولَّدة لا العربية العَرْباء. ولما ولَّدوا هذا الاستعمال أدخلوا عليها الألف واللام ـ وهو من العربية المولدة أيضًا ـ فقالوا: الذات، والعرب لا تستعملها (٣) إلَّا مضافةً. وقد تنازع فيها أهل العربية، فكثيرٌ منهم يُغلِّط أصحابَ هذا الاستعمال، ويقول: هو خلاف لغة

стр. 1037

العرب. وبعضهم يجعله قياس اللغة، وإن لم ينطقوا به. والصواب أنه من العربية المولدة، كما قالوا: الكل والبعض والكافة. والعرب لا تستعملها إلَّا مضافة. وقريبٌ من هذا لفظ الماهية والكمية والكيفية والأينية (١) ونحوها، فإن العرب لم تنطق بها، فهي عربية مولَّدة (٢). ويُشبه هذا قولهم: الدمعزة والطلبقة، لقولهم: دام عزُّك، وطال بقاؤك. وهذا لم ينطق به العرب، وإن نطقت بنظيره كالبسملة والحوقلة والحيعلة. ولمَّا استعملوا الذات بمعنى النفس، قالوا: جاء بذاته. ومنه قول أهل السُّنَّة: استوى على عرشه بذاته، أي ذاته فوق العرش عالية عليه. وقد غلَّط بعضهم مَن قال: جاء بذاته وجاء بنفسه، وقال: الصواب جاء زيد ذاته ونفسه. ونازعهم في ذلك آخرون، وجوَّزوا هذا الاستعمال. والمقصود أن إثبات الذات ونفيَ قدْرها وصفاتها جمعٌ بين النقيضين، فإنه إثبات للشيء ونفيٌ لما يستلزم نفيه، فإن أَبْيَنَ لوازم الذات تمييزُها بحقيقتها وماهيتها عن غيرها ومباينتها له، ولو بالتعيين. فمن أنكر مباينة الربِّ لخلقه وصفاته التي وصف بها نفسه فقد جحد ذاته وأنكرها، وإن أقرَّ بها لفظًا. الوجه الثاني والتسعون بعد المائة: أن كل مَن عارض الوحيَ بالرأي والعقل فهو مِن خصماء الله ؛ لأنه قد خاصم الله في الوحي الذي أنزله على

стр. 1038

رسوله، واحتجَّ على بطلانه. ويكفي العبد خذلانًا وجهلًا وعمًى أن يكون خصمَ ربِّه ﵎، ولهذا أخبر تعالى عن هؤلاء المعارضين للكتاب بعقولهم بذلك، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ اَلْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ [يس: ٧٦]. ثم ذكَرَ سبحانه مخاصمته لربه فيما ضربه من المثل، قال: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِ اِلْعِظَامَ وَهْيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٧]. وفي «الصحيح» (١) قال: كان المشركون يُخاصِمون رسول الله ﷺ في القدَر، فنزلت: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي اِلنّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٨ - ٤٩]. فهؤلاء إنما كانت خصومتهم خصومةَ معارضةٍ للوحي بعقولهم وآرائهم، كخصومة مَن خاصم في المعاد، وكذلك مجادلتهم في الله وآياته كذا كانت جدالَ معارضةٍ للوحي بالرأي والعقل، فهؤلاء خُصماء الله حقيقة. وفي الأثر: «يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَلَا لِيَقُمْ خُصَمَاءُ اللهِ. فَيُذْهَبُ بِهِمْ إِلَى النَّارِ» (٢).

стр. 1039

فخُصماء الله حقيقةً هم المعارضون لكِتابه، وما بعث به رسلَه، بعقولهم وآرائهم. وإن لم يكن هؤلاء خصماءَ الله فمن هم خصماؤه غيرهم؟! وقد حكم اللهُ سبحانه بين خصمائه وبين مَن خاصمهم فيه أحسن الحكومة وأعدلها، وهي حكومة يحمده عليها الفريقان، كما يحمده عليها أهل السموات والأرض، فقال تعالى: ﴿* هَذَانِ خَصْمَانِ اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَاَلَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمِ اِلْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَاَلْجُلُودُ وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (١٩) كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ اَلْحَرِيقِ﴾ [الحج: ١٩ - ٢٠] [ق ١١٤ أ]، ثم حَكَم لخصومهم الذين خاصموا به وله، فقال: ﴿إِنَّ اَللَّهَ يُدْخِلُ اُلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا اُلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا اَلْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤِا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٢١) وَهُدُوا إِلَى اَلطَّيِّبِ مِنَ اَلْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ اِلْحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢١ - ٢٢]. ولا يستوي مَن خاصم بكتاب الله وحاكم إليه وعوَّل فيما يُثبِته لله وينفيه عليه، ومَن (١) خاصم كتابَ الله، وحاكم إلى منطق يونان، وكلام أرسطو وابن سينا والجهم بن صفوان وشيعتِهم، وعوَّل فيما يُثبِته وينفيه على أقوالهم وآرائهم. وكان النبي ﷺ يقول في استفتاح صلاة الليل: «اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ».

стр. 1040

فالرُّسل إنما خاصموا قومهم بالوحي، وإليه حاكموهم، به كانت لهم عليهم الحُجة البالغة. وكيف يُعارض مَن يقول: قال لي ربي كذا وكذا، بقول مَن يقول: قال لي عقلي أو قلبي أو قال فلان؟ فهذا هو المخصوم، الداحضة حُجته في الدنيا والآخرة، الذي لا يمكنه تنفيذ ضلاله وباطله إلَّا بالعقوبة والتهديد والوعيد، أو بالرغبة العاجلة في الدنيا وزخرفها،؛ كما فعل المنافقون بنو عبيدٍ (١)، حين أظهروا دعوتهم، فإنهم استولوا على النفوس الصغيرة الجاهلة المُبطِلة بالرغبة والرهبة العاجلة مع نوع شُبهةٍ، وإذا انضاف الهوى إلى الشُّبهة ترحَّلَ العقلُ والإيمان، وتمكن الهوى والشيطان، و «النفس مُوكَلة بحب العاجل» (٢) بدون شبهة تدعوها إليه، فكيف إذا قويت الشبهة وأظلم ليلها، وغابت شمس الهُدى والإيمان، وحِيلَ بين القلوب وبين حقائق القرآن بتلك الطواغيت التي عزلوه بها عن إفادة الإيقان. يوضحه: الوجه الثالث والتسعون بعد المائة: أن هؤلاء النُّفاةَ المعطِّلة إذا غُلبوا مع

стр. 1041

أهل الإثبات، وقامت حُجتهم عليهم؛ عدلوا إلى عقوبتهم وإلزامهم بالأخذ بأقوالهم ومذاهبهم بالضرب والحبس والقتل، وتارةً يأخذونهم بالرغبة في الدنيا ومناصبها وزينتها، فلا تُقبَل أقوالهم إلَّا برغبةٍ أو رهبةٍ، والناس إلَّا القليل منهم عبيد رغبةٍ ورهبةٍ. وبهذه الطريقة أخذ إمامُ المعطِّلة فرعونُ قومه حين قال للسحرة لمَّا ظهرت حُجة موسى عليه، وصحَّت دعوته، وصحَّت نبوته، وأُلقِيَ السحرة ساجدين إيمانًا بالله وتصديقًا برسوله: ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ اِلنَّخْلِ﴾ [طه: ٧٠]. ولمَّا تمكن الإيمانُ من قلوبهم علموا أن عقوبة الدنيا أسهل من عقوبة الآخرة وأقل بقاءً، وأن ما يحصل لهم في الآخرة من ثواب الإيمان أعظمُ وأنفع وأكثر بقاءً. فهذه العقول التي قدَّموا بها خيرَ الآخرة على خير الدنيا، وعقوبةَ الدنيا وألمَها المنقضي على عقوبة الآخرة وألمِها الدائم، هي العقول التي أثبتوا بها صانع العالم وصفاته وعلوه على عرشه، وتكليمه لموسى، وغضبه ورضاه ومحبته ورحمته وسمعه وبصره ومجيئه وإتيانه وأفعاله. وأمَّا إمام المعطِّلة النُّفاة وقومه فإنهم بالعقول ـ التي قدَّموا بها عاجلَ الدنيا وزينتَها وزُخرفَها على آجل الآخرة، وباعوا بها الذهب الباقي بالخزف الفاني، وآثروا بها خُسران الدنيا والآخرة على العبودية والانقياد لموسى والإيمان بالله وحده ـ هي العقول التي (١) نفوا بها مباينةَ الله لخَلقه، واستواءَه على عرشه، وتكليمَه لموسى، ونفوا بها صفاتِ كماله من السمع والبصر والقدرة والحياة والإرادة، بل نفى بها شيخُهم وإمامُهم نفس الذات، فقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]. فهذه العقول التي دلتهم في

стр. 1042

النفي والتعطيل هي تلك العقول التي آثَروا بها الدنيا على الآخرة، ففاتتهم الدنيا والآخرة، بل آثروا بها العقوبة العاجلة وأسبابها على العافية والنعمة، فمَن الذي يتخير بعد ذلك تقديم ما حكمت به هذه العقولُ السخيفة [ق ١١٤ ب] من التعطيل والنفي على ما جاءت به الرسل من الإثبات المفصل؟! والمقصود أن هؤلاء إنما يأخذون الناس بالرغبة والرهبة، لا بالحُجة والبيان. ولهذا لمَّا علم إمامهم فرعون أنه لا يقاوم بها موسى عدل معه إلى التوعد بالسجن، فقال: ﴿لَئِنِ اِتَّخَذتَّ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ اَلْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٨]. وكذلك فَعَل أصحاب الأخدود مع المؤمنين (١)، وكان ذنبهم عند ربهم أن آمنوا بالله وصفاته ورسله وكُتبه ولقائه. وكذلك فعلت الجهمية بأولياء رسول الله ﷺ وخلفائه في أُمته أهل السُّنَّة والحديث من [القتل] (٢) والضرب والحبس، ما فعلوه بأحمد بن حنبل وأمثاله. وكان ذنبهم عند ربهم أن أثبتوا لله صفاتِ كماله ونعوتَ جلاله، ووصفوه بما وصف به نفسه وبما وصفه رسولُه من غير تجاوز ولا تقصير. ولمَّا لم يقم لهم عليهم حُجة نقلية ولا عقلية ـ إذ من (٣) المحال أن تقوم حُجةٌ صحيحةٌ على نقيض ما أخبرت به الرسل عن الله ـ عدَلوا معهم إلى العقوبة، وتوصلوا بالتدليس والتلبيس على أولياء الأمر والجُهَّال (٤)، فأوقعوا في نفوسهم أن هؤلاء مُشبِّهةٌ مُجسِّمةٌ.

стр. 1043

و ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اَللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٦] ﴿وَيَأْبَى اَللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ اَلْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢]. الوجه الرابع والتسعون بعد المائة: أن هؤلاء المعارضين للوحي بآرائهم وعقولهم في الأصل صِنفان: صِنفٌ مباينون للرسل، محادُّون لهم، مكذِّبون لهم في أصل الرسالة، كالفلاسفة الصابئين والمجوس وعباد الأوثان والسحرة وأتباعهم. وصِنفٌ منتسبون إلى الرُّسل في الأصل غير مكذِّبين لهم في أصل الرسالة، وهم الجهمية والمعطلة ومَن سلك سبيلهم ووافقهم على بعض باطلهم وخالَفهم في بعضه. وقد تقدَّم أن الصنف الأول يستطيلون على الصنف الثاني بما وافقوهم فيه من التعطيل، ويجرُّونهم به إلى موافقتهم في القدر الذي خالفوهم فيه. والجهمية المُغْل يستطيلون على الجهمية المخانيث (١) بما وافقوهم فيه من النفي، ويجرُّونهم به إلى موافقتهم في القدر الذي خالفوهم فيه. وهؤلاء المخانيث يستطيلون على أهل السُّنَّة والحديث (٢) أيضًا بالقدر الذي وافقوهم فيه، ويدعونهم به إلى موافقتهم في الباقي. فلم يستطل المبطِل على المُحِقِّ من حيث خالفه، وإنما استطال عليه من حيث وافقه، فما أُصيبَ المُحقُّ إلَّا بطاعته للمبطِل في بعض أمره. وأصول هؤلاء يكرهون ما أنزل الله، ممَّا هو بخلاف عقولهم وآرائهم

стр. 1044

وقواعدهم، فمن أطاعهم في بعض أمرهم كان من الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ اَلَّذِينَ اَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ اُلْهُدَى اَلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأُمْلِيَ لَهُمْ (٢٦) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اَللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ اِلْأَمْرِ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ أَسْرَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٦ - ٢٧]. ولهذا تجد هؤلاء المبطِلين إنما يصولون على مَن وافقهم في بعض باطلهم، فيعلِّقون له برهانًا يطالبونه. وأمَّا أتباع الرسل المصدِّقون لهم في كل ما جاؤوا به المُثبِتون لحقائقه ـ لست أعني المُقرِّين بمجرد ألفاظه مع اعتقادهم فيها التخييل أوالتحريف والتأويل أو التجهيل ـ فليس للمبطِلين عليهم سبيلٌ البتةَ، لكن بالافتراء (١) والتلبيس والكذب والألقاب الذين هم أحقُّ بها وأهلها دونهم، وما رتبوا على ذلك من الأذى الذي يبلغونه منهم، وذلك ممَّا يحقق ميراثهم من إمامهم ومتبوعهم الذي أُوذِيَ في الله هو وأصحابه، وقال له وَرَقَةُ بنُ نَوْفَل: «لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ» (٢). فكل مَن دعا إلى نفس ما جاء به الرسولُ فهو من أتباعه، فلا بد أن يناله من الأذى من أتباع الشيطان بحسَب حاله وحالهم، والله المستعان. والمقصود أن المبطِلين لا سبيلَ لهم على أتباع الرسول البتةَ. قال تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اَللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤٠]. قيل: بالحُجة والبرهان، فإن حُجتهم داحضة عند ربهم. وقيل: هذا في الآخرة، وأمَّا في الدنيا فقد يتسلطون عليهم بالضرر لهم والأذى.

стр. 1045

وقيل: لا يجعل لهم عليهم سبيلًا مستقرةً، بل وإن نُصروا عليهم في وقتٍ فإن الدائرة تكون عليهم، ويستقر النصر لأتباع الرسول. وقيل: بل الآية على ظاهرها وعمومها، ولا إشكال فيها بحمد الله، فإن الله سبحانه ضَمِنَ ألَّا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلًا، فحيث كانت لهم [ق ١١٥ أ] سبيلٌ ما عليهم فهم الذين جعلوها بتسببهم ترْكَ بعض ما أقرُّوا به، أو ارتكاب بعض ما نُهوا عنه. فهم جعلوا لهم السبيل عليهم بخروجهم عن طاعة الله ورسوله فيما أوجب تسلُّط عدوهم عليهم من هذه الثغرة التي أخلوها (١). كما أخلى الصحابةُ يوم أُحدٍ الثغرة التي أمرهم رسول الله ﷺ بلزومها وحفظها، فوجد العدوُّ منها طريقًا إليهم، فدخلوا منها. قال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اَللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥]. فذَكَر السبب الذي أُصيبوا به، وذَكَر القدرة التي هي مناط الجزاء، فذَكَر عدله فيهم بما ارتكبوه من السبب، وقدرته عليهم بما نالهم به من المكروه. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٢٨]. وفي الحديث الصحيح الإلهي: «يَا عِبَادِي، إنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا؛ فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ» (٢).

стр. 1046

الوجه الخامس والتسعون بعد المائة: أنه كيف يكون النفاة المعطلة من الجهمية ومَن تبعهم أولى بالصواب والحقِّ في معرفة الله وأسمائه وصفاته وما يجب له ويمتنع عليه، وشهداءُ الله في أرضه من جميع أقطار الأرض يشهدون عليهم بالضلالة والحيرة والكذب على الله ورسوله وكتابه، ويرمونهم بالعظائم، ويشهدون عليهم بالكفر والإلحاد في أسماء الله وصفاته، وقد قال النبي ﷺ : «أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، فَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ بخَيْرٍ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ بِشَرٍّ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ» (١). فكيف إذا كان الشهداء على هؤلاء قد شَهِدَ لهم بأنهم أولو العلم وعدَّلهم مَن جعل الله شهيدًا عليهم، وهو رسوله صلوات الله وسلامه عليه، كما قال النبي ﷺ مُعدِّلًا لهؤلاء الشهود: «يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ» (٢). فاسمع الآن بعض شهادات هؤلاء العدول على أهل النفي والتعطيل: قال إمام أهل السُّنَّة والحديث محمدُ بن إسماعيل البخاري في كتاب «خلق الأفعال» (٣): [وقال أحمد بن الحسن: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سليم القاري] (٤) سمعت سفيان الثوري قال: قال لي حماد بن أبي سليمان:

стр. 1047

«أَبلِغْ أبا فلان المشركَ أني بريءٌ مِن دِينِه». وكان يقول: «إن القرآنَ مَخلوقٌ». وذكَرَ عن خالد بن عبد الله القسري أنه خطبهم بواسطَ في يوم أضحى، وقال: ارجعوا فضَحُّوا، تقبل اللهُ ضحاياكم، فإني مضحٍّ بالجعد بن درهم، فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليمًا، ولم يتخذ إبراهيم خليلًا، تعالى الله عمَّا يقول الجعد علوًّا كبيرًا. ثم نزل فذبحه (١). أخبرنا محمد بن عبد الله أبو جعفر البغدادي، قال: سمعت أبا زكريا يحيى بن يوسف، قال: كنت عند عبد الله بن إدريس، فجاء رجل فقال: يا أبا محمد، ما تقول في قوم يقولون: القرآن مخلوق؟ قال: أمِن اليهودِ؟ قال: لا. قال: أفمِن النصارى؟ قال: لا. قال: أفمِن المجوس؟ قال: لا. قال: فمِمَّن؟ قال: من أهل التوحيد. قال: ليس هؤلاء من أهل التوحيد، هؤلاء الزنادقة، مَن زعم أن القرآن مخلوقٌ فقد زعم أن الله مخلوق. يقول الله : ﴿بِسْمِ اِللَّهِ اِلرَّحْمَنِ اِلرَّحِيمِ﴾ فالله لا يكون مخلوقًا، والرحمن لا يكون مخلوقًا، والرحيم لا يكون مخلوقًا، فهذا أصل الزندقة؛ مَن قال هذا فعليه لعنةُ الله، لا تجالسوهم ولا تناكحوهم (٢). قال البخاري (٣): «وقال وهب بن جرير: «الجهمية زنادقةٌ، إنما يريدون أنه ليس على العرش استوى». قال البخاري (٤): «وحلفَ يزيدُ بن هارون بالله الذي لا إله إلَّا هو مَن

стр. 1048

قال «القرآن مخلوق» زنديقٌ يُستتاب، فإن تاب وإلَّا قُتل». قال (١): «وقيل لأبي بكر بن عياش: إن قومًا ببغداد يقولون: إنه مخلوق. فقال: ويلك، مَن قال هذا؟ على مَن قال: «إن القرآن مخلوق» لعنةُ الله، وهو كافر زنديق، لا تجالسوهم». قال (٢): وقال الثوري: «مَن قال: القرآن مخلوق، فهو كافر». وقال حماد بن زيد: القرآن كلام الله، نزل به جبريلُ، ما يحاولون إلَّا أنْ ليس في السماء إلهٌ» (٣). قال (٤): «وقال ابن مقاتل: سمعت ابن المبارك يقول: مَن قال: ﴿إِنَّنِيَ أَنَا اَللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاَعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٣] مخلوقٌ فقد كفر، ولا ينبغي لمخلوقٍ أن يقول ذلك. وقال ابنُ المبارك (٥): وَلَا أَقُولُ بِقَوْلِ الْجَهْمِ إِنَّ لَهُ … قَوْلًا يُضَارِعُ أَهْلَ الشِّرْكِ أَحْيَانَا وَلَا أَقُولُ تَخَلَّى عَنْ بَرِيَّتِهِ (٦) … رَبُّ الْعِبَادِ وَوَلَّى الْأَمْرَ شَيْطَانَا مَا قَالَ فِرْعَوْنُ هَذَا فِي تَجَبُّرِهِ … فِرْعَوْنُ مُوسَى وَلَا فِرْعَوْنُ هَامَانَا

стр. 1049

[ق ١١٥ ب] ومِن شِعره أيضًا فيه، ولم يذكره البخاري: عَجِبْتُ لِشَيْطَانٍ دَعَا النَّاسَ جَهْرَةً … إِلَى النَّارِ وَاشْتُقَّ اسْمُهُ مِنْ جَهَنَّمِ (١) قال البخاري (٢): «قال ابن المبارك: لا نقول كما قالت الجهمية: إنه في الأرض هاهنا. بل على العرش استوى. وقيل له: كيف نعرف ربَّنا؟ قال: فوق سمواته على عرشه. وقال (٣) لرجلٍ منهم: أبَطْنُك خالٍ منه؟ فبُهت الآخرُ (٤). وقال: مَن قال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ مخلوق. فهو كافر. وإنَّا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية» (٥). قال (٦): «وقال سعيد بن عامر: لَلْجهميةُ شرٌّ قولًا من اليهود والنصارى. قد أجمعت اليهودُ والنصارى وأهلُ الأديان أن الله ﵎ على العرش، وقالوا هم (٧): ليس على العرش». قال (٨): وقال ضمرة [عن] (٩) ابن شَوْذَبٍ: «ترك جهمٌ الصلاةَ أربعين

стр. 1050

يومًا على وجه الشك، خاصمَه بعض السُّمَنية (١) فأقام أربعين يومًا لا يصلي». قال ضمرة: وقد رآه (٢) ابنُ شَوْذَب. قال البخاري (٣): «وقال عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشونُ: كلام جهم صفةٌ بلا معنى، بناءٌ بلا أساسٍ، ولم يُعَدَّ قط من أهل العلم». قال: «ولقد سُئل جهمٌ عن رجلٍ طلَّق امرأته قبل الدخول، فقال: عليها العِدَّة» (٤). قال (٥): وقال علي بن عاصم: «ما الذين قالوا: إن لله ولدًا، بأكفرَ مِن الذين قالوا: إن الله لا يتكلم. وقال: احذر من المَرِيسي وأصحابه، فإن كلامهم أبوجاد (٦) الزنادقة، وأنا كلمتُ أستاذَهم جهمًا، فلم يُثبِت أن في السماء إلهًا». قال البخاري (٧): «وكان إسماعيل بن أبي أُويس يُسميهم زنادقة

стр. 1051

العراق. وقيل له: سمعت أحدًا يقول: القرآن مخلوق. فقال: هؤلاء الزنادقة، والله لقد فررتُ إلى اليمن حين تكلم أبو العباس (١) ببغداد بنحو هذا فرارًا من هذا الكلام». قال (٢): «وقال علي بن الحسن: سمعت أبا مصعب يقول: كفرتِ الجهميةُ في غير موضع من كتاب الله (٣). وقال: أبلغوا الجهمية أنهم كفارٌ، وأن نساءهم طَوالِقُ». قال (٤): «وقال عفان: مَن قال: ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدٌ﴾ مخلوقٌ، فهو كافرٌ». قال (٥): «وقال علي بن عبد الله: القرآن كلام الله، مَن قال: إنه مخلوق، فهو كافرٌ لا يُصلَّى خلفه». قال (٦): «وقال وكيعٌ: مَن كذَّب بحديث إسماعيل عن قيسٍ عن جريرٍ عن النبي ﷺ فهو جهميٌّ؛ فاحذروه». قلت: يريد حديث الرؤية. قال (٧): «وقال أبو الوليد ـ هو الطيالسي ـ: من قَال: القرآن مخلوق، فهو كافرٌ. ومَن لم يعقد قلبه على أن القرآن ليس بمخلوقٍ فهو كافرٌ خارج عن الإسلام».

стр. 1052

وقال أبو عبيد (١): «نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس، فما رأيت قومًا أضلَّ في كفرهم من الجهمية. وإني لأستجهل مَن لا يكفرهم إلَّا مَن لا يعرف كُفرَهم». قال (٢): «وقال عبد الرحمن بن عفان: سمعت سفيان بن عُيينة يقول: وَيْحَكم! القرآن كلام الله. قد صحبت الناسَ وأدركتهم، هذا عمرو بن دينار وهذا ابن المنكدر حتى ذكر منصورًا والأعمش ومِسْعر بن كِدَام، فما نعرف (٣) القرآن إلَّا كلام الله، فمن قال غير ذلك فعليه لعنة الله. ما أشبه هذا القول بقول النصارى! لا تجالسوهم ولا تسمعوا منهم». قال البخاري (٤): وحدثني الحكم بن محمد الطبري ـ كتبتُ عنه بمكة ـ حدثنا سفيان بن عُيينة قال: أدركتُ مشيختنا منذ سبعين سنة ـ منهم عمرو بن دينار ـ يقولون: القرآن كلام الله ليس بمخلوق». قال (٥): وقال الحُميدي: حدثنا سفيان، ثنا حُصَين، عن مسلم بن صبيح، عن شُتَيْر (٦) بن شَكَل، عن عبد الله قال: «ما خلق اللهُ من أرضٍ

стр. 1053

ولا سماءٍ ولا جنةٍ ولا نارٍ أعظم من ﴿اَللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ اَلْحَيُّ اُلْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. قال سفيان: تفسيره أن كل شيءٍ مخلوقٌ، والقرآن ليس بمخلوقٍ، وكلامه أعظم مِن خلقه، لأنه إنما يقول للشيء: كن، فيكون. فلا يكون شيءٌ أعظمَ ممَّا يكون به الخلق، والقرآن كلام الله». قال (١): «وقال زهير السجستاني: سمعت سلَّام بن أبي مطيع يقول: الجهمية كفار». وقال جرير بن عبد الحميد (٢): «جهمٌ كافر بالله العظيم» (٣). قال (٤): وقال وكيع: «[احذروا] (٥) هؤلاء المرجئةَ، هؤلاء الجهميةَ، والجهميةُ كفارٌ، والمَرِيسي جهميٌّ، وعلَّمهم (٦) كيف كفروا. قالوا (٧): يكفيك المعرفة؛ وهذا كفرٌ. والمرجئة يقولون: الإيمان قولٌ بلا عملٍ؛ وهذا

стр. 1054

بدعةٌ. ومَن قال: القرآن مخلوقٌ، فهو كافرٌ بما أُنزل على محمدٍ، يُستتاب فإن تاب وإلَّا ضُربت عنقه». [ق ١١٦ أ] وقال وكيعٌ: «على المَرِيسي لعنة الله، يهودي [هو] (١) أو نصراني؟ فقال له رجلٌ: كان أبوه أو جَدُّه يهوديًّا أو نصرانيًّا» (٢). قال وكيعٌ: «وعلى أصحابه لعنة الله، القرآنُ كلام الله. وضرب وكيعٌ إحدى يديه على الأخرى، فقال: هو (٣) ببغدادَ، يقال له المَرِيسي، يُستتاب، فإن تاب وإلَّا ضُربت عنقُه» (٤). قال البخاري (٥): وقال يزيد بن هارون: «لقد حرَّضتُ أهل بغداد على قتله جَهْدِي، ولقد أُخبرت من كلامه بشيءٍ وجدتُ وجعَه في صُلبي بعد ثلاثٍ». وقال علي بن عبد الله: «إنما كان غايته أن يُدخِل الناسَ في كفره» (٦). وقال عُبيد الله بن عائشة: «لا يُصلَّى خلف مَن قال: القرآن مخلوق. ولا كرامة له» (٧). وقال سليمان بن داود الهاشمي وسهل بن مزاحم: «مَن صلى خلف مَن

стр. 1055

يقول: القرآن مخلوق، أعاد الصلاة» (١). وقال ابن أبي الأسود: سمعتُ ابنَ مهدي يقول ليحيى بن سعيد: «لو أن جهميًّا بيني وبينه قرابة ما استحللت من ميراثه شيئًا» (٢). وقال ابن مهدي: «لو رأيتُ رجلًا على الجسر، وبيدي سيفٌ، يقول: القرآن مخلوق، لَضربتُ عنقه» (٣). وقال يزيد بن هارون: «المَرِيسي أضرُّ من ماني (٤)». قال أبو عبد الله البخاري (٥): «ما أبالي أصليتُ خلف الجهميِّ أو الرافضيِّ، أم صليتُ خلف اليهودي والنصراني، ولا يُسلَّم عليهم ولا يُعادون ولا يُناكَحون ولا يُشْهَدون (٦) ولا تُؤكل ذبائحُهم». وقال عبد الرحمن بن مهدي: «هما ملتان: الجهمية والرافضة» (٧).
следующие страницы →