← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 184

الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 216 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

العراق. وقيل له: سمعت أحدًا يقول: القرآن مخلوق. فقال: هؤلاء الزنادقة، والله لقد فررتُ إلى اليمن حين تكلم أبو العباس (١) ببغداد بنحو هذا فرارًا من هذا الكلام». قال (٢): «وقال علي بن الحسن: سمعت أبا مصعب يقول: كفرتِ الجهميةُ في غير موضع من كتاب الله (٣). وقال: أبلغوا الجهمية أنهم كفارٌ، وأن نساءهم طَوالِقُ». قال (٤): «وقال عفان: مَن قال: ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدٌ﴾ مخلوقٌ، فهو كافرٌ». قال (٥): «وقال علي بن عبد الله: القرآن كلام الله، مَن قال: إنه مخلوق، فهو كافرٌ لا يُصلَّى خلفه». قال (٦): «وقال وكيعٌ: مَن كذَّب بحديث إسماعيل عن قيسٍ عن جريرٍ عن النبي ﷺ فهو جهميٌّ؛ فاحذروه». قلت: يريد حديث الرؤية. قال (٧): «وقال أبو الوليد ـ هو الطيالسي ـ: من قَال: القرآن مخلوق، فهو كافرٌ. ومَن لم يعقد قلبه على أن القرآن ليس بمخلوقٍ فهو كافرٌ خارج عن الإسلام».

стр. 1052

وقال أبو عبيد (١): «نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس، فما رأيت قومًا أضلَّ في كفرهم من الجهمية. وإني لأستجهل مَن لا يكفرهم إلَّا مَن لا يعرف كُفرَهم». قال (٢): «وقال عبد الرحمن بن عفان: سمعت سفيان بن عُيينة يقول: وَيْحَكم! القرآن كلام الله. قد صحبت الناسَ وأدركتهم، هذا عمرو بن دينار وهذا ابن المنكدر حتى ذكر منصورًا والأعمش ومِسْعر بن كِدَام، فما نعرف (٣) القرآن إلَّا كلام الله، فمن قال غير ذلك فعليه لعنة الله. ما أشبه هذا القول بقول النصارى! لا تجالسوهم ولا تسمعوا منهم». قال البخاري (٤): وحدثني الحكم بن محمد الطبري ـ كتبتُ عنه بمكة ـ حدثنا سفيان بن عُيينة قال: أدركتُ مشيختنا منذ سبعين سنة ـ منهم عمرو بن دينار ـ يقولون: القرآن كلام الله ليس بمخلوق». قال (٥): وقال الحُميدي: حدثنا سفيان، ثنا حُصَين، عن مسلم بن صبيح، عن شُتَيْر (٦) بن شَكَل، عن عبد الله قال: «ما خلق اللهُ من أرضٍ

стр. 1053

ولا سماءٍ ولا جنةٍ ولا نارٍ أعظم من ﴿اَللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ اَلْحَيُّ اُلْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. قال سفيان: تفسيره أن كل شيءٍ مخلوقٌ، والقرآن ليس بمخلوقٍ، وكلامه أعظم مِن خلقه، لأنه إنما يقول للشيء: كن، فيكون. فلا يكون شيءٌ أعظمَ ممَّا يكون به الخلق، والقرآن كلام الله». قال (١): «وقال زهير السجستاني: سمعت سلَّام بن أبي مطيع يقول: الجهمية كفار». وقال جرير بن عبد الحميد (٢): «جهمٌ كافر بالله العظيم» (٣). قال (٤): وقال وكيع: «[احذروا] (٥) هؤلاء المرجئةَ، هؤلاء الجهميةَ، والجهميةُ كفارٌ، والمَرِيسي جهميٌّ، وعلَّمهم (٦) كيف كفروا. قالوا (٧): يكفيك المعرفة؛ وهذا كفرٌ. والمرجئة يقولون: الإيمان قولٌ بلا عملٍ؛ وهذا

стр. 1054

بدعةٌ. ومَن قال: القرآن مخلوقٌ، فهو كافرٌ بما أُنزل على محمدٍ، يُستتاب فإن تاب وإلَّا ضُربت عنقه». [ق ١١٦ أ] وقال وكيعٌ: «على المَرِيسي لعنة الله، يهودي [هو] (١) أو نصراني؟ فقال له رجلٌ: كان أبوه أو جَدُّه يهوديًّا أو نصرانيًّا» (٢). قال وكيعٌ: «وعلى أصحابه لعنة الله، القرآنُ كلام الله. وضرب وكيعٌ إحدى يديه على الأخرى، فقال: هو (٣) ببغدادَ، يقال له المَرِيسي، يُستتاب، فإن تاب وإلَّا ضُربت عنقُه» (٤). قال البخاري (٥): وقال يزيد بن هارون: «لقد حرَّضتُ أهل بغداد على قتله جَهْدِي، ولقد أُخبرت من كلامه بشيءٍ وجدتُ وجعَه في صُلبي بعد ثلاثٍ». وقال علي بن عبد الله: «إنما كان غايته أن يُدخِل الناسَ في كفره» (٦). وقال عُبيد الله بن عائشة: «لا يُصلَّى خلف مَن قال: القرآن مخلوق. ولا كرامة له» (٧). وقال سليمان بن داود الهاشمي وسهل بن مزاحم: «مَن صلى خلف مَن

стр. 1055

يقول: القرآن مخلوق، أعاد الصلاة» (١). وقال ابن أبي الأسود: سمعتُ ابنَ مهدي يقول ليحيى بن سعيد: «لو أن جهميًّا بيني وبينه قرابة ما استحللت من ميراثه شيئًا» (٢). وقال ابن مهدي: «لو رأيتُ رجلًا على الجسر، وبيدي سيفٌ، يقول: القرآن مخلوق، لَضربتُ عنقه» (٣). وقال يزيد بن هارون: «المَرِيسي أضرُّ من ماني (٤)». قال أبو عبد الله البخاري (٥): «ما أبالي أصليتُ خلف الجهميِّ أو الرافضيِّ، أم صليتُ خلف اليهودي والنصراني، ولا يُسلَّم عليهم ولا يُعادون ولا يُناكَحون ولا يُشْهَدون (٦) ولا تُؤكل ذبائحُهم». وقال عبد الرحمن بن مهدي: «هما ملتان: الجهمية والرافضة» (٧).

стр. 1056

قال شيخ الإسلام (١): «وهذا الكلام الذي قاله الإمام عبد الرحمن بن مهدي قد قاله غيره، وهو كلامٌ عظيمٌ، فإن هاتين الفرقتين هما أعظم الفرق فسادًا في الدين، وأصلهما من الزنادقة المنافقين، ليستا من ابتداع المتأولين مثل قول الخوارج والمرجئة والقدرية، فإن هذه الآراء ابتدعها قومٌ مسلمون بجهلهم، قصدوا بها طاعة الله، فوقعوا في معصيته، ولم يقصدوا بها مخالفة الرسولِ ولا محادته؛ بخلاف الرفض والتجهم فإن مبدأهما من قوم منافقين مكذِّبين لِمَا جاء به الرسول مبغضين له، لكن التبس أمر [كثيرٍ] (٢) من ذلك على كثيرٍ من المسلمين ـ الذين ليسوا بمنافقين ولا زنادقة ـ فدخلوا في أشياء من الأقوال والأفعال التي ابتدعها الزنادقة والمنافقون، ولبَّسوا الحق بالباطل. وفي المسلمين سماعون للمنافقين كما قال الله تعالى: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٧] أي: قابلون مستجيبون لهم. فإذا كان جِيلُ القرآن كان بينهم منافقون وفيهم سمَّاعون لهم، فما الظن بمن بعدهم؟! فلا يزال المنافقون في الأرض، ولا يزال في المؤمنين سمَّاعون لهم لجهلهم بحقيقة أمرهم وعدم معرفتهم بغَوْر كلامهم. وأمَّا الرفض فإن الذي ابتدعه زنديقٌ منافقٌ، وهو عبد الله بن سبأ الذي أظهر الإسلامَ وكان يُبطِن الكفر، وقصدُه فساد الإسلام. والتجهم مأخوذ في الأصل عن الصابئين والمشركين، [وهو] (٣) أعظم من الرفض، ولهذا تأخر دخوله في الأُمة.

стр. 1057

فهاتان الملتان يُناقضان (١) أصلَيِ الإسلام، وهما شهادة أن لا إله إلَّا الله وشهادة أن محمدًا رسول الله. أمَّا التجهم فإنه نقضُ التوحيد، وإن سمَّى أصحابه أنفسهم موحدين. ولهذا كان السلف يُترجمون الردَّ على الجهمية بالتوحيد والرد على الزنادقة والجهمية، كما ترجم البخاري آخر كتاب «الجامع» بـ «كتاب التوحيد والرد على الجهمية والزنادقة» (٢). وكذلك ابن خزيمة سمَّى كتابه «التوحيد» وهو في الرد على الجهمية. وأمَّا الرافضة فقدحُهم وطعنُهم في الأصل الثاني، وهو شهادة أن محمدًا رسول الله، وإن كانوا يُظهِرون موالاة أهل بيت الرسول ومحبتهم. قال طائفة من أهل العلم، منهم مالك بن أنس وغيرُه: هؤلاء قوم أرادوا الطعن في رسول الله ﷺ ، فلم يمكنهم ذلك، فطعنوا في الصحابة، ليقول القائل: رجلُ سَوْءٍ، كان له أصحاب سَوْءٍ، ولو كان رجلًا صالحًا لكان أصحابه صالحين. والرافضة المتقدمون لم يكونوا جهمية معطلة، وأمَّا المتأخرون منهم من حدود أواخر المائة الثالثة فضموا إلى بدعة الرفض التجهُّمَ والقدَر، فتغلَّظ أمرهم، وظهر منهم حينئذٍ القرامطة والباطنية. واشتهرت الزندقة الغليظة والنفاق الأعظم في أمرائهم وعلمائهم وعامتهم، وأخذوا مِن دِين المجوس والصابئة والمشركين ما خلطوه في الإسلام. وهم أعظم الطوائف نفورًا عن [ق ١١٦ ب] سُنة النبي ﷺ وحديثه وآثار أصحابه لمضادة ذلك لبدعتهم، كنفور الجهمية عن آيات الصِّفات وأخبارها».

стр. 1058

قال البخاري (١): وقيل لأبي عُبيدٍ القاسم بن سلَّام: إن المَرِيسي سُئل عن ابتداء خَلْق الأشياء، وقولِ الله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، فقال: هذا كلامُ صِلةٍ. أي: هو مثل قوله: قالت السماء، وقال الجدار. يعني: أن الله لم يتكلم. قال أبو عبيد: أمَّا تشبيهه قول الله: ﴿إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ بـ قالت السماء وقال الجدار … وبيَّنَ بطلان قوله، ثم قال: ومَن قال هذا فليس شيءٌ من الكفر إلَّا وهو دونه، ومَن قال هذا قال على الله ما لم يقله اليهودُ والنصارى، ومذهبه التعطيل للخالق». قال البخاري (٢): قال علي: وسمعت بشر بن المفضل وذكَر بعض الجهمية بالبصرة فقال: «هو كافر». وسُئل وكيع عن مثنى الأنماطي، فقال: «هو كافرٌ» (٣). وقال عبد الله بن داود: «لو كان لي على مثنى الأنماطي سبيلٌ لنزعت لسانَه من قفاه. وكان جهميًّا» (٤). وقال سليمان بن داود الهاشمي: «مَن قال: القرآن مخلوق، فهو كافرٌ» (٥). قال (٦): وقال الفضيل بن عياض: «إذا قال لك الجهمي: أنا أكفر بربٍّ

стр. 1059

يزول من مكانه، فقل: أنا أؤمن بربٍّ يفعل ما يشاء». قال (١): وقال ابن عُيينة ومعاذ بن معاذ وحجاج بن محمد ويزيد بن هارون وهاشم بن القاسم والربيع بن نافع الحلبي ومحمد بن يوسف وعاصم بن علي ويحيى بن يحيى وأهل العلم: «مَن قال: القرآن مخلوق، فهو كافر، ومَن زعم أن الله لم يكلم موسى فهو كافر». وقال محمد بن يوسف: «مَن قال: إن الله ليس على عرشه، فهو كافر» (٢). قال (٣): «وقيل لأحمد بن يونس: أدركتَ الناسَ، فهل سمعت أحدًا يقول: القرآن مخلوق؟ فقال: الشيطان تكلم بهذا، فمَن تكلم بهذا فهو جهميٌّ، والجهمي كافر». وذكر (٤) عن وكيع قال: «لا تستخفوا بقولهم: القرآن مخلوقٌ، فإنه من شرِّ قولهم، إنما يذهبون إلى التعطيل». قال (٥): وحدثني أبو جعفر، سمعت الحسن بن موسى (٦) الأَشْيَب وذكَر الجهمية، فنال (٧) منهم، ثم قال: «أُدخِلَ رأسٌ من رؤساء الزنادقة يقال

стр. 1060

له شمعلةُ على المهدي، فقال: دُلَّني على أصحابك. فقال: أصحابي أكثر من ذلك. فقال دلني عليهم. فقال: صِنفان ممَّن ينتحل القبلة: الجهمية والقدرية، الجهمي إذا غلا قال: ليس ثَمَّ شيءٌ، وأشار الأشيب إلى السماء؛ والقَدَري إذا غلا قال: هما اثنان: خالقُ خيرٍ وخالقُ شرٍّ. فضرب عنقه وصَلَبه». قال (١): وحدثني أبو جعفر، حدثني يحيى بن أيوب، قال: سمعت أبا نعيم شجاعًا البلخي يقول: «كان رجلٌ من أهل مرو صديقًا لجهم، ثم قطَعَه وجفاه، فقيل له: لِمَ جفوتَه؟ قال: جاء منه ما لا يُحتمَل، قرأتُ يومًا آية كذا وكذا ـ نسيها يحيى ـ فقال: ما كان أظرفَ محمدًا حين قالها. واحتملتها، ثم قرأ سورة طه، فلما بلغ ﴿اَلرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ [طه: ٤] قال: أما والله لو وجدت سبيلًا إلى حَكِّها لحككتُها من المصحف. فاحتملتها، ثم قرأ سورة القصص فلما انتهى إلى ذكر موسى قال: ما هذا؟ ذكَرَ قصة في موضع فلم يُتمَّها، ثم ذكرها هنا فلم يتمها. ثم رمى المصحف مِن حَجْره برجليه، فوثبتُ عليه». حدثني أبو جعفر، سمعت يحيى بن أيوب قال: «كنا ذات يوم عند مروان بن معاوية الفزاري، فسأله رجل عن حديث الرؤية، فلم يحدثه، فقال: إن لم تحدثني به فأنت جهمي. فقال مروان: يقول لي: جهمي، وجهمٌ مكثَ أربعين ليلة لا يعرف ربه (٢). حدثني أبو جعفر، حدثني هارون بن معروف ويحيى بن أيوب قالا: قال ابن المبارك: «كل قوم يعرفون مَن يعبدون إلَّا الجهمية» (٣).

стр. 1061

حدثنا أبو جعفر، سمعت يزيد بن هارون، حدثنا حديث إسماعيل، عن قيس، عن جرير، عن النبي ﷺ : «إِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ» (١). قال يزيد: «مَن كذَّب بهذا فقد برئ من الله ورسولِه» (٢). حدثنا أبو جعفر، حدثنا أحمد بن خلاد سمعت يزيد بن هارون ذكر أبا بكر الأصم والمريسي، فقال: «هما والله زنديقان كافران بالرحمن حلالَا الدم» (٣). وقال عبد الرحمن بن مهدي: «مَن زعم أن الله لم يكلم موسى فإنه يُستتاب، فإن تاب وإلَّا قُتل» (٤). وقال يزيد بن هارون: «والله الذي لا إله إلَّا هو، ما هم إلَّا زنادقةٌ. أو قال: مشركون» (٥). وسُئل (٦) عبد الله بن إدريس عن الصلاة خلف أهل البدع، فقال: «لم يزل في الناس إذا كان فيهم مَرْضيٌّ أو عَدْلٌ فصَلِّ خلفه. قلت: فالجهمية؟ قال: لا، هذه من المَقَاتِل، هؤلاء لا يُصلَّى خلفهم [ق ١١٧ أ]، ولا يُناكحون، وعليهم التوبة» (٧).

стр. 1062

وسُئل حفص بن غِياث فقال فيهم ما قال ابن إدريس. قيل: فالجهمية؟ قال: «لا أعرفهم. قيل له: قوم يقولون القرآن مخلوق. قال: لا جزاك الله خيرًا، أوردتَ على قلبي ما لم يَسمع به قط. قلت: فإنهم يقولونه. قال: هؤلاء لا يُناكحون، ولا تجوز شهادتُهم» (١). وسُئل ابن عيينة فقال نحو ذلك. قال: فأتيت وكيعًا فوجدتُه مِن أعلمهم بهم، فقال: يكفرون مِن وجه كذا، ويكفرون مِن وجه كذا، حتى أكفرَهم مِن كذا وكذا وجهًا» (٢). وقال وكيعٌ: «الرافضة شرٌّ من القدرية، والحرورية شرٌّ منهما، والجهمية شر هذه الأصناف، قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اَللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٣] ويقولون: لم يكلمه، ويقولون: الإيمان بالقلب» (٣). قال البخاري (٤): «يقال: سَلْم بن أَحْوز الذي قتل جهمًا». فصل قال البخاري (٥): حدثنا محمد بن كثيرٍ، حدثنا إسرائيل، ثنا عثمان بن

стр. 1063

المغيرة، عن سالم، عن جابرٍ قال: كان النبي ﷺ يعرض نفسَه بالموقف، فقال: «أَلَا رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ! فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي». وقال أنس بن مالكٍ: «لمَّا أُسري بالنبي ﷺ من مسجد الكعبة، فإذا موسى في السماء السابعة بتفضيل كلامِ الله » (١). وقال أبو ذَرٍّ: قال النبي ﷺ : «قَالَ اللهُ : عَطَائِي كَلَامٌ، وَعَذَابِي كَلَامٌ، إِذَا أَرَدْتُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقُولُ لَهُ: كُنْ، فَيَكُونُ» (٢). قال (٣): وقال عبد الله بن أُنيس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ اللَّهَ يَحْشُرُ الْعِبَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ، لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَأَحَدٌ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَطْلُبُهُ بِمَظْلَمَةٍ». وقال أبو هريرة عن النبي ﷺ : «إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ، كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: الحَقَّ، وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ» (٤).

стр. 1064

وقال خَبَّاب بن الأَرَت: «تَقرَّبْ إلى الله ما استطعتَ، فإنك لن تتقربَ إلى الله بشيءٍ أحبَّ إليه مِن كلامه» (١). وقال نِيَار بن مُكْرم (٢) الأسلمي: «لما نزلت ﴿الم غُلِبَتِ اِلرُّومُ (١) فِي أَدْنَى اَلْأَرْضِ﴾ [الروم: ١ - ٢] خرج أبو بكر يصيح: كلامُ ربي، كلامُ ربي» (٣). وكانت أسماء بنت أبي بكرٍ إذا سمعت القراءةَ قالت: «كلامُ ربي» (٤). وقال أبو عبد الرحمن السُّلَمي: «فضلُ القرآن على سائر الكلام كفضل الربِّ على خلقه» (٥). وقال أبو ذر: قلت: يا رسول الله، من أول الأنبياء؟ قال: «آدَمُ». قلت: إنه لَنبيٌّ؟ قال: «نَعَمْ، مُكَلَّمٌ» (٦).

стр. 1065

وقال ابن عباس: «لمَّا كَلَّم اللهُ موسى كان النداءُ في السماء، وكان الله في السماء» (١). ثم ذكر (٢) حديث عبد الله (٣) قال ابن مسعود: «أصدقُ الحديث كلامُ الله» (٤). قال (٥): «وقال أبو بكر الصديق، عن النبي ﷺ ، وذكر الشفاعة، قال: «يَقُولُ نُوحٌ: انْطَلِقُوا إِلَى [إِبْرَاهِيمَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا. فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ: انْطَلِقُوا إِلَى] (٦) مُوسَى؛ فَإِنَّ اللَّهَ كَلَّمَهُ تَكْلِيمًا» (٧).

стр. 1066

وقال أبو هريرة (١) وابن عمر (٢) عن النبي ﷺ : «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى مُوسَى بِكَلَامِهِ وَبِرِسَالَاتِهِ» (٣). وقال عَدِيُّ بن حاتم: قال رسول الله ﷺ : «مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، وَيَنْظُرُ عَنْ يَسَارِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» (٤). وقال جابر بن عبد الله: قال النبي ﷺ : «أَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللهُ بِهِ أَبَاكَ؟ إِنَّ اللَّهَ كَلَّمَ أَبَاكَ مِنْ غَيْرِ حِجَابٍ، فَقَالَ لَهُ: عَبْدِي سَلْنِي. قَالَ: يَا رَبِّ، رُدَّنِي

стр. 1067

إِلَى الدُّنْيَا حَتَّى أُقْتَلَ فِيكَ. قَالَ: إِنِّي قَدْ قَضَيْتُ عَلَيْهِمْ أَلَّا يَرجِعُونَ. قَالَ: فأَبْلِغْهُمْ عَنَّا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَلَا تَحْسِبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اِللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] (١). قال أبو عبد الله (٢): «وهو عبد الله بن عمرو بن حرام قُتِل يوم أُحد شهيدًا». وقال جُبَير بن مُطْعِمٍ عن النبي ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ عَرْشُهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ [وَسَمَاوَاتُهُ فَوْقَ أَرَاضِيهِ] (٣) مِثْلُ الْقُبَّةِ» (٤).

стр. 1068

وقال ابن مسعودٍ في قوله: ﴿ثُمَّ اَسْتَوَى عَلَى اَلْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٣] قال: «العرش على الماء، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه» (١). وقال قتادة في قوله: ﴿وَهْوَ اَلَّذِي فِي اِلسَّمَا إِلَهٌ وَفِي اِلْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٣] قال: «يُعبَد في السماء، ويُعبَد في الأرض» (٢). وقال ابن عباس في قوله: ﴿يُدَبِّرُ اُلْأَمْرَ مِنَ اَلسَّمَا إِلَى اَلْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ ممَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٤] قال: «من (٣) الأيام الستة» (٤).

стр. 1069

وقال تعالى [ق ١١٧ ب]: ﴿أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي اِلسَّمَاءِ اَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٨]. وقال عمران بن حصين: قال رسول الله ﷺ لأبي: «كَمْ تَعْبُدُ الْيَوْمَ؟» قال: سبعةُ آلهةٍ: ستةٌ في الأرض، وواحد في السماء. قال: «فأَيُّهُمْ تَعُدُّ لِرَغْبَتِكَ وَرَهْبَتِكَ؟» قال: الذي في السماء. قال: «أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَسْلَمْتَ عَلَّمْتُكَ كَلِمَتَيْنِ يَنْفَعَانِكَ (١)». فلمَّا أسلم الحصين قال: يا رسول الله، علِّمْني الكلمتين اللتين وعدتَني. قال: «قُلِ: اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي» (٢). قال البخاري (٣): «وقال بعض أهل العلم: إن الجهمية هم المُشبِّهة؛ لأنهم شبهوا ربَهم بالصنم والأصم والأبكم الذي لا يسمع ولا يبصر

стр. 1070

ولا يتكلم ولا يَخلُق، وقالت الجهمية كذلك: لا يتكلم ولا يبصر. وقالوا: إن اسم الله مخلوق. ولقد اختصم يهوديٌّ ومسلمٌ إلى بعض معطِّلتهم، فقضى باليمين على المسلم، فقال اليهودي: حَلِّفْه. فقال المخاصَم له: أحلفُ بالله الذي لا إله إلَّا هو. فقال اليهودي: حَلِّفْه بالخالق لا بالمخلوق؛ فإن هذا من القرآن، وزعمتَ أن القرآن مخلوقٌ، فحلِّفْه بالخالق. فبُهت الآخر وقال: قُومَا حتى أنظر في أمركما. وخسر هنالك المبطلون». وفي «تاريخ الخطيب» (١) في ترجمة بشر المريسي عن إسحاق ابن عمِّ أحمد بن منيع (٢) قال: «كان بشرٌ المريسي يقول [بقول] (٣) صِنف من الزنادقة ـ سمَّاهم صنف كذا وكذا ـ يقولون: ليس بشيء». وذكَر فيه (٤) عن [يحيى بن] (٥) علي بن عاصم قال: «كنت عند أبي، فاستأذن عليه بشر المريسي، فقلت: يا أبتِ يدخل عليك مثل هذا! فقال: يا بني، فما قال؟ قلت: إنه يقول: إن القرآن مخلوق، وإن الله معه في الأرض، وإن الجنة والنار لم يُخلقا، وإن منكرًا ونكيرًا باطلٌ، وإن الصراط باطلٌ، وإن الميزان باطلٌ، وإن الشفاعة (٦) باطلٌ، مع كلامٍ كثيرٍ. قال: فأَدخِلْه

стр. 1071

عليَّ. قال: فأدخلتُه عليه. قال: فقال: يا بشرُ، ادْنُهْ، ويلك يا بشر ادنه. مرتين أو ثلاثًا، فلم يزل يُدنيه حتى قرب منه. قال: ويلك يا بشر، مَن تعبد؟ وأين ربك؟ قال: فقال: وما ذاك يا أبا الحسن؟ قال: أُخبرت عنك أنك تقول: إن القرآن مخلوق، وإن الله معك في الأرض، مع كلامٍ كثيرٍ ـ ولم أر شيئًا أشد على أبي مِن قول القرآن مخلوق، وإن الله معه في الأرض ـ فقال: يا أبا الحسن، لم أجئ لهذا، وإنما جئتُ في كتاب خالد لتقرأه عليَّ. فقال له: ولا كرامةَ، حتى أعلم ما أنت عليه، أين ربك؟ ويلك! قال: أو تعفيني؟ قال: ما كنت لأُعفيك. قال: أما إذا أبيتَ فإن ربي نورٌ في نورٍ. قال: فجعل يزحف إليه ويقول: ويحكم اقتلوه؛ فإنه واللهِ زنديقٌ، وقد كلمتُ هذا الصنف بخراسان (١)». وذكر فيه أيضًا (٢) عن أبي يوسف القاضي أنه قال لبشر المريسي: «طلبُ العلم بالكلام هو الجهل، والجهلُ بالكلام هو العلم، وإذا صار رأسًا في الكلام قيل: زنديق، أو يُرمى بالزندقة. يا بشر، بلَغَني أنك تتكلم في القرآن، إنْ أقررت أن لله عِلمًا خُصمت، وإن جحدتَ العلم كفرتَ». وذكر عبد الله بن أحمد (٣) وابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: «ليس في أصحاب الأهواء أشر من أصحاب جهم، يريدون أن

стр. 1072

يقولوا: إن الله لم يكلم موسى. ويريدون أن يقولوا: ليس في السماء شيءٌ، وإن الله ليس على العرش. أرى أن يُستتابوا، فإن تابوا وإلَّا قُتلوا» (١). وذكر أيضًا عن سعيد بن عامر الضبعي أنه ذُكِر عنده الجهمية، فقال: «هم شرٌّ قولًا من اليهود والنصارى، قد أجمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش، وهم قالوا: ليس عليه شيءٌ» (٢). فهذا وأضعافه قليلٌ من كثيرٍ من شهادة شهداءِ الله في أرضه، الذين استشهدهم على توحيده وقرَنَ شهادتهم (٣) بشهادته وشهادة ملائكته (٤)، وعدَّلهم رسوله ﷺ بقوله: «يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ» (٥). وهؤلاء شهداء الله على الناس يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى اَلنَّاسِ وَيَكُونَ اَلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٢] فإنهم قاموا بشروط الشهادة، وهي العلم والعدل، فإن الشاهد لا يكون مقبولًا حتى يكون عالمًا بما يشهد له عدلًا في نفسه. ولم يكن الله سبحانه ليجمع شهادة هؤلاء ـ الذين هم ورثة رسوله وأنصار دِينه ولهم لسان الصدق في الأمة ـ على باطلٍ وزورٍ، وتكون شهادة أتباع أهل

стр. 1073

الفلسفة الصابئين والمشركين، وشهادة الجهمية الجاحدين لصفات ربِّ العالمين وكلامِه وعلوِّه على خلقه، وأوقاح المعتزلة وأفراخ المجوس وأمثالهم؛ هي المقبولةَ عند الله، وهي شهادة الحقِّ. بل هؤلاء هم المشهود عليهم [ق ١١٨ أ] بين يدي الله، فإنهم خصماؤه، وخصماءُ وحيه ورسوله، حيث نسبوا كلامه وكلام رسوله إلى ما لا يليق به، وظنوا به أسوأ الظنِّ، واعتقدوا أن ظاهره باطلٌ ومحالٌ وتشبيهٌ وضلالٌ. فكيف يقبل أحكمُ الحاكمين وأعدل العادلين شهادة هؤلاء المتهوِّكين المتجبرين على حزبه وأنصارِه وأنصار كِتابه وسُنة رسوله، الذين قدَّموا كتابه وسُنة رسوله على كل ما خالفهما، ولم يقدِّموا ما خالفهما [عليها] (١)، وتركوا الآراء الباطلة والمعقولات السخيفة لهما، ولم يتركوهما لأجلها؛ وقرروا بالعقل الصريح صحةَ ما جاء به الرسول، ولم يُقرِّوا بالعقل الفاسد بطلانَ ما جاء به وأنه مخالفٌ للعقل الصحيح؛ ورأوا أن اليقين كلَّ اليقين مستفادٌ من كلام الله ورسوله، ولم يقولوا إنه لا يُستفاد منه علمٌ ولا يقينٌ؛ ورأوا أن ما أخبر به عن أسمائه وصفاته وأفعاله حقيقةٌ، ولم يقولوا إنه مجازٌ لا حقيقةَ له. فأي الفريقين أحق بالعلم والعدالة، وقبول الشهادة عند الله وعند ملائكته وعند جميع (٢) المؤمنين؟ وأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون؟! الوجه السادس والتسعون بعد المائة: أن هؤلاء أصَّلوا أصولًا جعلوها أساسًا لبنائهم، وسمَّوها قواطع عقلية، وسمَّوا أدلتها براهين يقينية، فجاءت

стр. 1074

فروع تلك الأصول ولوازمها والبناء الذي ارتفع عليها من أبطل الفروع وأفسد اللوازم وأضعف البناء وأوهاه. وذلك بيِّنٌ لكل ذي عقلٍ سليمٍ وفطرةٍ صحيحةٍ لم تفسد بالتقليد، ولم تَعْمَ بالهوى والتعصب [عن] (١) فساد تلك الأصول ومناقضتها للمعقول والمنقول. وهذا موضع يستدعي عدة أسفار، لكن نذكر منه أدنى تنبيهٍ على طريق الاختصار يكون مُنبِّهًا على ما وراءه (٢). مثال ذلك: أن المتفلسفة لمَّا أصَّلوا أن الواحد لا يصدر عنه إلَّا واحد، انبنى على ذلك من اللوازم الباطلة في المصدر والصادر ما هو متضمن لأعظم أنواع الباطل. أمَّا المصدر فإنهم التزموا ألَّا يكون فيه معنيانِ متغايران أصلًا، فنفوا عنه جميع الصِّفات، إذ لو ثبت له صفةٌ وجوديةٌ لم يكن عندهم واحدًا، وقد فرضوه واحدًا من كل وجهٍ، فنفوا علمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره وكلامه واختياره ومشيئته، وأن يكون فاعلًا باختياره لشيءٍ من العالم. ونفوا علوَّه على خَلْقه، ومباينته للعالم، واستواءه على عرشه. ولو ثبت له ذلك لكان جسمًا والأجسام مركبة، فلم يكن واحدًا من كل جهة. ولزمهم من ذلك نفيُ ماهيته وذاته، وأن يقولوا إنه لا ماهيةَ له سوى الوجود المطلق، إمَّا بغير شرطٍ أو بشرط الإطلاق. ومن المعلوم أن المطلق لا وجودَ له في الخارج، ولا سيما إذا أخذ بشرط الإطلاق، فلزمهم من هذا الأصل نفيُ وجود الخالق سبحانه في الخارج، وأن يكون وجوده ذهنيًّا لا خارجيًّا.

стр. 1075

ولزمهم عنه لو صحَّ لهم إثباتُه: أنه لا يَخلُق، ولا يرزق، ولا يميت، ولا يحيي، ولا يعلم شيئًا. ولا يُرسل رسولًا، ولا يأمر ولا ينهى، ولا يبعث مَن في القبور. ولزمهم عنه أن يكون هذا العالَم قد وُجد مِن غير خالقٍ، أو أنه لم يزل موجودًا قديمًا أزليًّا، ولمَّا كان اللازمُ الأول أشنعَ وأظهر فسادًا لكل عاقلٍ؛ التزموا الثاني. وأمَّا الباطل الذي لزمهم في جانب الصادر فهو أن يكون واحدًا من كل وجهٍ، ولا يكون فيه كثرةٌ بوجهٍ ما [لأن] (١) مصدره واحد كذلك، فالصادر عنه أيضًا يجب أن يكون كذلك، وهلم جرًّا. والحِسُّ يكذبه. ولا ينفعهم الجواب بأن الصادر له وجوهٌ واعتبارات لأجلها تعدَّد الصادر عنه. فإن تلك الوجوه إن كانت وجودية لزم صدورُ الكثرة عن الوحدة، وبطل أصلهم، وإن كانت عدمية لم يكن مصدرًا للموجود، وهذا قاطعٌ. فصل ولمَّا أصَّلوا هم وأتباعهم من الجهمية أن المختص بصفةٍ أو حقيقةٍ أو قدَرٍ لا بد له من تخصيص منفصل، لزمهم من هذا الأصل إنكارُ حقيقته وذاته وصفاته، إذ لو أثبتوا له ذلك بزعمهم لزم أن يكون له مخصصٌ غيره خصَّصه بتلك الماهية والصفات والقدر، فلزم أيضًا من هذا الأصل الباطل ما لزم من الأصل الذي قبله.

стр. 1076

وهم طردوا هذا الأصل، وجحدوا حقيقة الربِّ وصفاته. وإخوانهم من الجهمية لمَّا لم يمكنهم أن يصرِّحوا (١) به بين أَظهُر المسلمين صرَّحوا بالأصل وبما أمكنهم أن يصرِّحوا به من اللوازم، كنفي الصِّفات ونفي العلو والمباينة والكلام والوجه واليدين والاستواء والنزول. ولمَّا أصَّلوا ذلك لزمهم [ق ١١٨ ب] القول بأنه (٢) في كل مكانٍ بذاته وأنه تعالى في الأجواف والأمكنة التي يتعالى عنها. فلمَّا صاح عليهم أهلُ العلم والإيمان من كل قُطرٍ من أقطار الأرض، قالوا: نقول إنه لا داخلَ العالم ولا خارجَه، ولا فوق العرش ولا تحته. فلمَّا رأى عُبَّادهم ومتصوِّفوهم (٣) أن الإرادة والعبادة والطلب لا تُعلق بمعبود هذا شأنه، وأن القلوب لا تعرفه والألسنة لا تعرفه؛ فرُّوا إلى أن قالوا: فهو عين هذا العالم لا غيره. وكل هذه اللوازم أُسست (٤) على ذلك الأصل الفاسد. ولمَّا أصَّلوا أن الصِّفات أعراضٌ لا تقوم إلَّا بالأجسام لزمهم إنكارها رأسًا. ومَن أثبت منهم صفة ونفى غيرها أضحك أهلَ العقل والنقل على عقله. ولمَّا أصَّلوا هذا الأصل لزمهم عنه أن الله لم يتكلم ولا يكلم أحدًا مِن خلقه، ولم ينزل له إلى الأرض كلام تكلم به، وإنما خلق أصواتًا وحروفًا في الريح سُميت كلامه مجازًا لا حقيقة. فلمَّا فهم سفهاؤهم هذا، وأنه ليس لله في الأرض كلام، وأنه ليس في

стр. 1077

المصحف إلَّا صنعة المخلوقين ومِدادهم وما عملت أيديهم صار فيهم مَن يكتب ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدٌ﴾ بما يُستحى مِن ذِكره، ومنهم مَن يلقي المصحف في المكان الذي يُرغب عن ذكره، ويقول: إنما ألقيت كاغَدًا ومِدادًا (١). ومنهم مَن يجعله كرسيًّا له يضعه تحت رجليه ويرقى عليه ويتناول به حاجته، ومنهم (٢) من يكون له وعاء يضع فيه المصحف ونعله وغيره، وفيهم من يتوسَّده، إلى غير ذلك من الأنواع التي فيها من الاستخفاف بالمصحف والإهانة له ما يدل على براءة فاعله من الله ورسوله وكتابه ودينه. وأمَّا إطلاقهم العبارات القبيحة الدالة على الاستهانة، فهم لا يتحاشون منها، بل يُصرِّحون بقولهم: أي شيءٍ في المصحف سوى المِداد والورق! ويقولون: ليس في المصحف كلام الله، ولم ينزل إلى الأرض لله كلام، وهذا الذي يقرؤُه المسلمون ليس بكلام الله حقيقةً! وقد رأينا نحن وغيرنا هؤلاء مشاهدةً، وسمعنا بعض أقوالهم التي حكيناها. وهذه الفروع واللوازم فروع ذلك الأصل الباطل. كما أنهم لما أصَّلوا تعطيل الربِّ من صفة العلو وتعطيل العرش من استواء ربه عليه؛ لزمهم التكذيب بما لا يُحصى من الآيات والأحاديث، وإن أقروا بألفاظها. ولزمهم الطعن في خيار الأُمة وساداتها وأئمة الإسلام وأهل السُّنَّة والحديث، ولزمهم إنكار نزوله إلى سماء الدنيا كل ليلةٍ، وإنكار مجيئه وإتيانه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده، وإن أقروا بذلك أقروا به مجازًا لا حقيقة. ولزمهم من ذلك التكذيب بمعراج رسول الله ﷺ إلى ربه، ودنوِّه

стр. 1078

منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى، وتردُّدِه (١) بين موسى وبين ربه مرارًا، كلُّ ذلك لا حقيقةَ له عندهم، كما صرَّح به أفضل متأخريهم ومَلِك مناظريهم (٢) في كلامه على المعراج، وجعله خيالًا لا حقيقة له. ولمَّا أصَّلوا أنه سبحانه لا تقوم به الأفعال الاختيارية، وسمَّوْا ذلك حلولَ الحوادث؛ لزمهم عنه أنه لا يفعل شيئًا البتةَ، فإنه لا يتكلم بمشيئته، وأن يكون بمنزلة الجمادات التي لا تفعل شيئًا؛ فإنهم جعلوا المفعول عين الفعل، ومن المعلوم أن مفعولًا بلا فعلٍ أبلغ في الاستحالة والبطلان من مفعولٍ بلا فاعلٍ، أو هما سواء، فلزمهم من هذا الأصل مخالفة صريح المعقول والمنقول والفطرة والتكذيب بما لا يُحصى من النصوص. ولمَّا أصَّلت القدرية أن الله سبحانه لو شاء أفعالَ عباده وقدَرَ عليها وخلقها، ثم كلفهم بها وعاقبهم عليها، لَكان ذلك ظلمًا ينافي العدل؛ لزمهم عن هذا الأصل لوازمُ مخالِفةٌ للعقل والشرع، منها التكذيب بقدَر الله، وتكذيب غُلاتهم بعلمه السابق، وإنكار كمال قدرته، ونسبته إلى أن يكون في مُلكه ما لا يشاء، ويشاء ما لا يكون، وإخراج أشرف ما في مُلكه عن أن يكون قادرًا عليه أو خالِقًا له، وهو طاعاتُ أنبيائه ورسله وملائكته وأوليائه، وأن تكون أفعالهم حدثت من غير خالقٍ (٣) مُحْدِثٍ أو يكونوا هم الخالقين

стр. 1079

المُحْدِثين لها، وأن تكون إراداتهم مشيئاتهم حادثة بلا مُحْدِث، ولزمهم تكذيبهم بنصوص القدَر كلها، والطعن في نَقَلة أخبارها، وتحريفها عن مواضعها بالتأويلات التي هي كذبٌ على اللغة وعلى الله وعلى رسوله. إلى أضعاف ذلك من اللوازم الباطلة. ولزم هؤلاء كلهم أن الكتاب والسُّنَّة جاءا بما يخالف العقل الصريح، وأنه إذا تعارض العقل والنقل قُدِّم العقل وأُطرح النقل. فهذه الأصول الرديئة الخبيثة تولدت عنها هذه الأولادُ المناسبة لها، ومَن أشبه أباه فما ظلم. فإذا قابلتَ [ق ١١٩ أ] بين أصول أهل الإثبات وما تولَّد عنها وبين أصول المعطلة النُّفاة وما تولَّد عنها تبيَّن لك الفرق بين هذه الأصول وفروعها، وهذه الأصول وفروعها، والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ. الوجه السابع والتسعون بعد المائة: أن مَن تأمَّل أقوال هؤلاء المعارضين للوحي بمعقولهم وآرائهم وجدها قد جمعت أمرين، كلٌّ منهما يدل على بطلانها: أحدهما: اختلافها في نفسها واضطرابها وتهافتها. وهذا يدل على أنها ليست من عند الله. كما قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اِللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨١] فيكفيك مِن فساد القول اختلافُه واضطرابه وتناقضه. الثاني: أنما مصدرُها الخرصُ والظن والتخمين ليست صادرةً عن وحيٍ عُلمت عِصمته، ولا عن فطرةٍ وعقلٍ اشترك العقلاء فيما أثبته ونفاه.

стр. 1080

وقد أخبر سبحانه عن حقيقة أقوال المخالفين لكتابه وسُنة رسوله بهذين الأمرين في قوله: ﴿وَاَلذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَاَلْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَاَلْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَاَلْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ اَلدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦) وَاَلسَّمَاءِ ذَاتِ اِلْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩) قُتِلَ اَلْخَرَّاصُونَ (١٠) اَلَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ (١) [الذاريات: ١ - ١١]. فأقسم سبحانه بمخلوقاته طَبقًا بعد طَبَق، فأقسم أولًا بالرياح والذاريات، ثم بما فوقها، وهي السحاب الحاملات وقرًا، ثم بما فوقها، وهي النجوم الجاريات يُسرًا، ثم بما فوقها، وهي الملائكة المقسمات أمرًا. ثم أقسم بالسماء ذات الحُبك، وهي الطرائق التي هي كطرائق الماء حين تحركه الرياح. ومنه في وصف الدجَّال: «شَعَرُهُ حُبُكٌ» (٢) أي: فيه تجعدٌ وتثنٍّ (٣). ومنه قوله: «فِي السَّمَاءِ مَوْجٌ مَكْفُوفٌ» (٤).

стр. 1081

وهذا يتضمَّن حُسنها وبهجتها وكمال (١) خَلقها. فأقسم بذلك على أن الرادِّين لما بَعَث به رسوله المعارضين له بعقولهم في قولٍ مختلفٍ. ولهذا تجدهم دائمًا في قول مختلف، لا يثبت لهم قدم على شيءٍ يعوِّلون عليه. فتأمَّل أي مسألةٍ أردت من مسائلهم ودلائلهم تجدهم مختلفين فيها غاية الاختلاف، يقول هذا قولًا وينقضه الآخر، فيجيء الثالث فيقول قولًا غير ذَيْنك القولين، وينقضهما ويُبطِل أدلتهما. ولا تجد لهم مسألةً واحدةً إلَّا وقد اضطربوا (٢) فيها حُكمًا ودليلًا، فهم أعظم الناس اختلافًا، حتى تجد الواحد منهم يقول القول ويدَّعي أنه قطعيٌّ، ثم يقول خلافه ويُبطِله، ويدَّعي أنه قطعيٌّ! ثم أخبر سبحانه أن ذلك القول المختلف ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٩]. أي يُصرف بشبه عن الحق من صُرف، فلما كان انصرافه عن

стр. 1082

الحق بشبه صار كأنه منفصلٌ عنه، وإفكُه صادر عنه. ثم قال تعالى: ﴿قُتِلَ اَلْخَرَّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠]. وأصل الخرص القول بلا علمٍ، بل بالظنِّ والتخمين والقذف بالكلام من غير برهانٍ على صحته، ومنه سُمِّي الكاذِبُ خارصًا، والحازرُ خارصًا، وصاحب الظنِّ والتخمين خارصًا. وهذا الوصف منطبقٌ على هؤلاء أتمَّ انطباق، فليس معهم إلَّا الخرص واتباع الظنِّ، كما قال تعالى في وصف سَلَفهم المعارضين لشرعه بالقدَر: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا اَلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٧]. وهذا بخلاف متَّبِع الوحي، فإنه يتبع قولًا يصدق بعضُه بعضًا ويشهد بعضُه لبعض، لا اختلاف فيه ولا اضطراب، متصلًا برب العالمين قوله ووحيه الذي نزله على رسوله، فمصدره منه سبحانه، ومظهره على لسان رسوله، فعليه سبحانه البيان وعلى رسوله البلاغ وعلينا التسليم، وقد فعل سبحانه ما عليه، وفَعل رسوله ما عليه، فماذا يشنا (١) بعد ذلك إلَّا أن نأتي بما علينا، وبالله التوفيق. الوجه الثامن والتسعون بعد المائة: أن هؤلاء النُّفاة المعطِّلة لا بد لهم من أصلٍ يقرِّرون به قولَهم الذي ابتدعوه، وأصلٍ ينفون به ما أخبرت به الرُّسل. وهذا حال كل مَن وضع رأيًا أو نصب مذهبًا لا بد له من أصلٍ يُقرِّر به رأيه، وأصلٍ يُبطل به قول مخالفه. وعلى هذين الأصلين بنوا مذاهبهم الفاسدة، فكلامهم كله يدور على هاتين القاعدتين. فإذا تكلموا في توحيدهم الذي هو غاية الإلحاد والتعطيل، والتشبيه بالأصنام التي لا تسمع ولا تبصر ولا تتكلم، كما قال حافظ الإسلام محمد بن إسماعيل البخاري في كتاب «خلق الأفعال» ـ وهو من

стр. 1083

أجلِّ كُتبه الصغار ـ وهذا لفظه: «وقال بعض أهل العلم: إن الجهمية [ق ١١٩ ب] هم المُشبِّهة؛ لأنهم شبهوا ربَّهم بالصنم والأصم والأبكم الذي لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم ولا يَخلُق، وقالت الجهمية كذلك لا يتكلم ولا يبصر نفسه» (١). والمقصود أن توحيدهم غاية التعطيل والتشبيه = فإذا تكلموا فيه قرروه بالأصل الأول. فإذا جاؤوا إلى الكتاب والسُّنَّة قرروا نفيَ دلالتهما بوجوهٍ (٢): أحدها: أن النصوص أدلةٌ لفظيةٌ لا تُفيد علمًا ولا يقينًا. الثاني: أن الأخبار أخبار آحاد لا تُفيد العلم، وهذه المسائل علمية. الثالث: أن العقل إذا عارض النقل وجب تقديمُ العقل عليه. الرابع: استعمال التأويلات وأنواع الاستعارات والمجازات في نصوص الصِّفات. وقد أوصاهم سلفُهم بكلمتين يتداولهما (٣) منهم آخر عن أول، قالوا: إذا احتجَّ عليكم أهل الحديث بالقرآن فغالطوهم بالتأويل، وإذا احتجوا بالأخبار فقابلوها بالتكذيب. وإذا مهَّدوا هذين الأصلين انبنى لهم عليهما أصلان آخران أدهى منهما وأمرُّ: التكذيب بالحق الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب وإساءة الظن به، وتسليط التحريف عليه، والتصديق بالباطل الذي يسمونه قواطع عقلية. وصدَقوا وكذَبوا! فهي قواطع، ولكن

стр. 1084

عن الإيمان بالله ورسوله وأسماء الرب وصفاته، وهي خيالات جَهْلية شُبِّهت عليهم، فظنوها قواطع عقلية. وترتب لهم على هذين الأصلين أصلان آخران: تلقيبُ الحق المنزَل وأصحابه بالألقاب الشنيعة المنفِّرة، كتلقيبه بالتجسيم والتشبيه والتمثيل والتركيب، وتلقيب الآخِذين به بالمشبهة والمجسمة والحشوية، وتلقيب الكفر والضلال والإلحاد بالألقاب المستحسنة كالتوحيد والتنزيه والعدل، وتلقيب أصحابه بالموحدين أهل العدل والتوحيد والتنزيه. فترتب (١) لهم على ذلك أصلان آخران: الإعراضُ عن القرآن والسُّنَّة جملةً، ومعارضتهما بآراء الرجال وعقولهم الفاسدة المتهافتة المتناقضة. ثم ترتب لهم على ذلك أصلان آخران: معاداةُ أهل الحق، وموالاة أهل الباطل. وبَقِيَ أمران آخران، إنما يظهران إذا بُعثر ما في القبور، وحُصل ما في الصدور، ﴿هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اَللَّهِ مَوْلَاهُمُ اُلْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٣٠]. يوضحه: الوجه التاسع والتسعون بعد المائة: أن هؤلاء المعطلة النُّفاة من الجهمية ومَن اتبعهم لا يمكن على أصولهم التي أصَّلوها وقواعدهم التي أسَّسوها محبةُ الله، ولا مدحُه، ولا حمده وتمجيده والثناء عليه، ولا الرضى به، ولا الابتهاجُ بقربه ولا الفرحُ به، ولا اللذة العظمى برؤية وجهه، ولا لذةُ الآذان والأرواح بسماع كلامه، بل ولا الشوق إليه،

стр. 1085

ولا الإنابة (١) ولا الطمأنينة به وإليه، ولا الأمنُ من عذابه لهم بغير جُرْمٍ (٢) أصلًا، ومن إبطاله أعمالهم الصالحة بغير سببٍ. بل أعظم من ذلك أنهم سدُّوا على أنفسهم طريقَ العلم بإثباته وإثبات ربوبيته إلَّا بما يُنافي صفاته وأفعاله، فليس لهم طريقٌ إلى إثبات ذاته إلَّا بما يستلزم نفي ذاته وصفاته وأفعاله. وسدُّوا على أنفسهم طريق العلم بصدق رسله بتجويزهم عليه كل (٣) شيءٍ، حتى إنه يجوز عليه تأييد (٤) الكاذب المفتري عليه بأعظم المعجزات، وليس في العقل ما يُحيل ذلك عندهم. وسدُّوا على أنفسهم طريق العلم بالمعاد؛ لأنهم بنوه على إثبات الجوهر الفرد، ولا حقيقة له. وهذه جملةٌ إنما يظهر تفصيلها عند الكلام على مسائلهم ودلائلهم. أمَّا محبة الربِّ سبحانه فإنهم صرحوا بأنه لا يُحِبُّ ولا يُحَبُّ، واستدلوا على ذلك بما هو مناقِض للفطرة والعقل والشرائع، كما سنذكره (٥) إن شاء الله. وأصل الدِّين هو كونُه سبحانه يُحِبُّ ويُحَبُّ (٦)؛ فإن الشرائع مبناها على شهادة أن لا إله إلَّا الله، والإله هو المستحقُّ لكمال الحب بكمال التعظيم والإجلال والذُّل له والخضوع له. فإنكار المحبة إنكار لنفس الإلهية. وأمَّا

стр. 1086

فروعها فمبناها على كونه سبحانه يُحب أقوالًا وأعمالًا، ويمدح [فاعليها] (١)، ويُثني عليهم ويُقرِّبهم منه، ويبغض أقوالًا وأعمالًا، ويذم فاعليها ويبغضهم ويبعدهم منه. [وعندهم] (٢) أنه لا يُحِب ولا يبغض، بل كل ما شاءه فهو محبوبٌ له، وما لم يَشَأْه فهو مبغوضٌ، فإن محبته عندهم هي إرادته. ولهذا قالوا: لا يحبه أحدٌ؛ لأن المحبة نوعٌ من الإرادة، والقديم لا يمكن أن يُراد. وأمَّا أنه لا يُمدح ولا يُحمد، فلِمَا قرَّروا أن المدح هو مجرد الإخبار عن استحقاق الممدوح ما يلتذُّ به ويفرح به، واللذة والألم عليه محالٌ، كما سنذكر ألفاظهم [ق ١٢٠ أ] بعد هذا الوجه والكلام عليها. وأمَّا الرضا به والابتهاج والسرور بقُربه فذلك من توابع المحبة، وعندهم أنه لا يمكن تعلق المحبة به بوجهٍ. وأمَّا اللذة برُؤية وجهه وسماع كلامه، فليس له عندهم وجهٌ، ولا يُرى بحال، ولا يكَّلم ولا يمكن أن يتكلم. وأمَّا الإنابة إليه، فأصل الإنابة محبة القلب وخضوعه وذله للمحبوب المراد، فمن لا يُحَبُّ لا يمكن الإنابة إليه. وكذلك الفرح والسرور بقُربه عندهم أنه أمرٌ محالٌ. وأمَّا الطمأنينة به والأمن من عذابه بغير جُرمٍ فلا طريقَ لهم إلى ذلك؛ لأنهم يُجوِّزون عليه أن يُعذِّب أعظم أهل طاعته، ويُنَعِّم أكفرَ الخلق به،

стр. 1087

وكلاهما بالنسبة إليه سواء عندهم، وإنما يُعلم ضدُّ ذلك بخبر صادق. والأدلة اللفظية عندهم لا تفيد اليقين، وكثيرٌ منهم يشك في العموم أو ينكره، والقدرة صالحة، ولا حُسن ولا قُبح هناك البتةَ. وأمَّا طريق العلم بإثباته فإنهم إنما أثبتوه بطريق الجواهر والأعراض والحركة والسكون، وأن ما قامت به الأعراضُ والحوادث يجب أن يكون حادثًا. فلزمهم نفيُ جميع صفاته وأفعاله، إذ لو أثبتوها بزعمهم لَأفسدَ عليهم طريق إثباته والعلم به، ولزمهم إنكارُ علوه على خلقه، واستوائه على عرشه، وتكلُّمِه، وأن يكون له كلام يُسمَع منه، فضلًا أن ينزل إلى الأرض. ومَن استجاز (١) منهم هذا ارتكب التناقض، وأثبت بعضها ونفى بعضًا، ولم يُوفِ ما أثبته حقَّه، بل نفى حقيقته وأثبت لفظه، أو أثبته من وجهٍ ونفاه من غيره، أو أثبت منه ما لا يُعقل. فهم سلكوا في طريق إثبات وجوده أعظم الطُّرق المنافية لوجوده، فضلًا عن ثبوت صفات كماله وأفعاله. وأمَّا طريق العلم بالنبوة فإنهم أصَّلوا أنه سبحانه يجوز عليه كل ممكنٍ، وأنه يجوز عليه تأييد الكذابين بأنواع المعجزات، وأنه لا فرق بالنسبة إليه سبحانه بين ذلك وبين تأييد الصادقين بها، فإن العقل لا [يُقبِّح] (٢) ذلك ولا يُحسِّن هذا، وليس إلَّا مجرد القدرة والمشيئة. فلمَّا أورد عليهم العقلاء أن هذا يَسُدُّ طريق العلم بالنبوة عدلوا إلى نوع من المعارضة لخصومهم من المعتزلة، وقالوا: هذا يلزمنا ويلزمكم، فإن وجوب النظر في المعجزة عندكم وإن وجب بالعقل لكن وجوبه نظريٌّ،

стр. 1088

فالمكلف يقول: لا أنظر حتى يجب عليَّ، ولا يجب عليَّ حتى أنظر. فسددتم على أنفسكم طريقَ إثبات النبوة. فانظر كيف آلَ أمرُ الفريقين إلى الاعتراف بأن العلم بإثبات النبوة طريقه مسدودة عليهم، وماذا يفيدكم مشاركة خصومكم لكم في هذا الضلال المبين والكفر المستبين؟! فأبعد الله أصولًا وقواعدَ هذا حاصلُها ورأسُ مال أصحابها! أفلا يستحي مَن هذا حاصلُ معقوله وعِلمه ومنتهى معرفته أن يذكر أنصارَ الله ورسوله وحزبه بما لا يليق، أو ينسبهم إلى ما هو أولى به منهم من الجهل ومخالفة المعقول والمنقول؟! وهذا موضع المثل السائر: «[رمتني بدَائها] (١) وانسلَّتْ»! وقد تقدَّم ما ذَكره إمام أهل السُّنَّة محمد بن إسماعيل البخاري (٢) عن بعض أهل العلم: «إن الجهمية هم المشبهة؛ لأنهم شبَّهوا الله سبحانه بالأصنام والمَوَات». وممَّا يوضح الأمر: الوجه الموفي [مائتي وجه] (٣): وهو أن هؤلاء كما وضعوا قانونًا أصَّلوه لنفي كلامه وسمعه وبصره، ومباينته لخلقه واستوائه على عرشه ومجيئه لفصل القضاء بين عباده ورؤية أنبيائه وأوليائه له في دار الكرامة؛ بأن ذلك يستلزم التجسيم والتشبيه والتمثيل والتركيب وحلول الحوادث = وضعوا قانونًا آخر يتضمن نفي ما وصف به نفسه من الرأفة والرحمة والمحبة والمودة والحنان والغضب والرضى والفرح والضحك والتعجب. قالوا: لأن هذه الأمور متضمِّنةٌ للألم واللذة، والله سبحانه منزَّهٌ عن ذلك. قالوا:

стр. 1089

ولأنها تستلزم الشهوة والنُّفرة وهو سبحانه منزهٌ عنهما. فانظر كيف توصلوا إلى نفي ما أثبته الله لنفسه، وأثبته له رسوله من هذه الأمور بهذه الألفاظ المجمَلة المتشابهة المتضمنة للحق والباطل، فهي ذات وجهين حقٍّ وباطلٍ، فتُقبل من الوجه الحقِّ، وتُردُّ من الوجه الباطل. فلفظ الشهوة واللذة والألم والنُّفرة من (١) الألفاظ التي فيها إجمالٌ وإبهامٌ، فكثير من الناس إنما يُطلِقها بإزاء شهوة الحيوان من الأكل والشرب والنكاح (والله تعالى قد جعل الباعث على إتيان الذكور الشهوة المجردة، لا الحاجة إلى ذلك، فإن الله لم يُحرِّم على عباده ما يحتاج العباد [ق ١٢٠ ب] إليه) (٢) وتطلق (٣) الشهوة بإزاء ما هو أعمُّ من ذلك، كشهوة الجاه والمال والعزِّ والنصر والعلم. قال الإمام أحمد (٤): «محمد بن إسحاق صاحب حديث، يُشتهى حديثُه». وقد قال تعالى في الجنة: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِي اِلْأَنفُسُ وَتَلَذُّ اُلْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١]. وهذا يعمُّ كل ما تشتهيه الأنفس من مأكولٍ ومشروبٍ

стр. 1090

ومسموعٍ ومرئيٍّ وغيره. وتُطلق الشهوة على الإرادة نفسها، فيقال لمَن له إرادة في الشيء ومحبة له: هو يشتهيه. كما يقال: فلان يشتهي لقاء فلان، ويشتهي قُربه، ويشتهي الحج. بل يقال لمن يريد ما تكره نفسه لمصلحةٍ أنه يشتهيه كما يقال: فلان يشتهي الشهادة في سبيل الله، ويشتهي شُرْب الدواء. فنقول: أتعنون بالشهوة التي نفيتموها عن الله الشهوةَ الحيوانية، أم الشهوة التي هي أعمُّ، أم الإرادة والمحبة؟ فإن أردتم الأول فنفيُه حقٌّ (١)، ودعواكم لزومه ممَّا أثبته لنفسه من الفرح والرضى والضحك ونحوها؛ باطلةٌ، تتضمن الكذب والتلبيس. وإن أردتم الثالث فنفيُه باطلٌ، وتوسُّلُكم إلى نفيه بتسميته شهوةً تلبيسٌ وتدليسٌ، ونفيٌ للمعنى الحق الثابت بتسميته بالاسم المستهجن في حقِّ مَن وُصف به. وإن أردتم الثاني استفصلناكم عن مرادكم، فإن فسرتموه بما يمتنع وصفه به قبلناه، وإن فسرتموه بما وصف به نفسه قابلناه بالإنكار والردِّ، وإن فسرتموه بأمرٍ مجملٍ محتملٍ استفصلناه، فقبلنا حقَّه، ورددنا باطلَه. وهؤلاء النُّفاة تجدهم دائمًا يعتمدون هذه الطريقة المتضمنة للتلبيس والتدليس، وينفون بها حقائق ما أخبر الله به عن نفسه. فيأتون إلى ألفاظٍ معناها في اللغة العربية أخصُّ من معناها في اصطلاحهم، فينفون معناها العام الذي اصطلحوا عليه، ويُوهمون الناس أنهم إنما نفوا معناها المعروف في
следующие страницы →