← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 184

الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 216 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

فروعها فمبناها على كونه سبحانه يُحب أقوالًا وأعمالًا، ويمدح [فاعليها] (١)، ويُثني عليهم ويُقرِّبهم منه، ويبغض أقوالًا وأعمالًا، ويذم فاعليها ويبغضهم ويبعدهم منه. [وعندهم] (٢) أنه لا يُحِب ولا يبغض، بل كل ما شاءه فهو محبوبٌ له، وما لم يَشَأْه فهو مبغوضٌ، فإن محبته عندهم هي إرادته. ولهذا قالوا: لا يحبه أحدٌ؛ لأن المحبة نوعٌ من الإرادة، والقديم لا يمكن أن يُراد. وأمَّا أنه لا يُمدح ولا يُحمد، فلِمَا قرَّروا أن المدح هو مجرد الإخبار عن استحقاق الممدوح ما يلتذُّ به ويفرح به، واللذة والألم عليه محالٌ، كما سنذكر ألفاظهم [ق ١٢٠ أ] بعد هذا الوجه والكلام عليها. وأمَّا الرضا به والابتهاج والسرور بقُربه فذلك من توابع المحبة، وعندهم أنه لا يمكن تعلق المحبة به بوجهٍ. وأمَّا اللذة برُؤية وجهه وسماع كلامه، فليس له عندهم وجهٌ، ولا يُرى بحال، ولا يكَّلم ولا يمكن أن يتكلم. وأمَّا الإنابة إليه، فأصل الإنابة محبة القلب وخضوعه وذله للمحبوب المراد، فمن لا يُحَبُّ لا يمكن الإنابة إليه. وكذلك الفرح والسرور بقُربه عندهم أنه أمرٌ محالٌ. وأمَّا الطمأنينة به والأمن من عذابه بغير جُرمٍ فلا طريقَ لهم إلى ذلك؛ لأنهم يُجوِّزون عليه أن يُعذِّب أعظم أهل طاعته، ويُنَعِّم أكفرَ الخلق به،

стр. 1087

وكلاهما بالنسبة إليه سواء عندهم، وإنما يُعلم ضدُّ ذلك بخبر صادق. والأدلة اللفظية عندهم لا تفيد اليقين، وكثيرٌ منهم يشك في العموم أو ينكره، والقدرة صالحة، ولا حُسن ولا قُبح هناك البتةَ. وأمَّا طريق العلم بإثباته فإنهم إنما أثبتوه بطريق الجواهر والأعراض والحركة والسكون، وأن ما قامت به الأعراضُ والحوادث يجب أن يكون حادثًا. فلزمهم نفيُ جميع صفاته وأفعاله، إذ لو أثبتوها بزعمهم لَأفسدَ عليهم طريق إثباته والعلم به، ولزمهم إنكارُ علوه على خلقه، واستوائه على عرشه، وتكلُّمِه، وأن يكون له كلام يُسمَع منه، فضلًا أن ينزل إلى الأرض. ومَن استجاز (١) منهم هذا ارتكب التناقض، وأثبت بعضها ونفى بعضًا، ولم يُوفِ ما أثبته حقَّه، بل نفى حقيقته وأثبت لفظه، أو أثبته من وجهٍ ونفاه من غيره، أو أثبت منه ما لا يُعقل. فهم سلكوا في طريق إثبات وجوده أعظم الطُّرق المنافية لوجوده، فضلًا عن ثبوت صفات كماله وأفعاله. وأمَّا طريق العلم بالنبوة فإنهم أصَّلوا أنه سبحانه يجوز عليه كل ممكنٍ، وأنه يجوز عليه تأييد الكذابين بأنواع المعجزات، وأنه لا فرق بالنسبة إليه سبحانه بين ذلك وبين تأييد الصادقين بها، فإن العقل لا [يُقبِّح] (٢) ذلك ولا يُحسِّن هذا، وليس إلَّا مجرد القدرة والمشيئة. فلمَّا أورد عليهم العقلاء أن هذا يَسُدُّ طريق العلم بالنبوة عدلوا إلى نوع من المعارضة لخصومهم من المعتزلة، وقالوا: هذا يلزمنا ويلزمكم، فإن وجوب النظر في المعجزة عندكم وإن وجب بالعقل لكن وجوبه نظريٌّ،

стр. 1088

فالمكلف يقول: لا أنظر حتى يجب عليَّ، ولا يجب عليَّ حتى أنظر. فسددتم على أنفسكم طريقَ إثبات النبوة. فانظر كيف آلَ أمرُ الفريقين إلى الاعتراف بأن العلم بإثبات النبوة طريقه مسدودة عليهم، وماذا يفيدكم مشاركة خصومكم لكم في هذا الضلال المبين والكفر المستبين؟! فأبعد الله أصولًا وقواعدَ هذا حاصلُها ورأسُ مال أصحابها! أفلا يستحي مَن هذا حاصلُ معقوله وعِلمه ومنتهى معرفته أن يذكر أنصارَ الله ورسوله وحزبه بما لا يليق، أو ينسبهم إلى ما هو أولى به منهم من الجهل ومخالفة المعقول والمنقول؟! وهذا موضع المثل السائر: «[رمتني بدَائها] (١) وانسلَّتْ»! وقد تقدَّم ما ذَكره إمام أهل السُّنَّة محمد بن إسماعيل البخاري (٢) عن بعض أهل العلم: «إن الجهمية هم المشبهة؛ لأنهم شبَّهوا الله سبحانه بالأصنام والمَوَات». وممَّا يوضح الأمر: الوجه الموفي [مائتي وجه] (٣): وهو أن هؤلاء كما وضعوا قانونًا أصَّلوه لنفي كلامه وسمعه وبصره، ومباينته لخلقه واستوائه على عرشه ومجيئه لفصل القضاء بين عباده ورؤية أنبيائه وأوليائه له في دار الكرامة؛ بأن ذلك يستلزم التجسيم والتشبيه والتمثيل والتركيب وحلول الحوادث = وضعوا قانونًا آخر يتضمن نفي ما وصف به نفسه من الرأفة والرحمة والمحبة والمودة والحنان والغضب والرضى والفرح والضحك والتعجب. قالوا: لأن هذه الأمور متضمِّنةٌ للألم واللذة، والله سبحانه منزَّهٌ عن ذلك. قالوا:

стр. 1089

ولأنها تستلزم الشهوة والنُّفرة وهو سبحانه منزهٌ عنهما. فانظر كيف توصلوا إلى نفي ما أثبته الله لنفسه، وأثبته له رسوله من هذه الأمور بهذه الألفاظ المجمَلة المتشابهة المتضمنة للحق والباطل، فهي ذات وجهين حقٍّ وباطلٍ، فتُقبل من الوجه الحقِّ، وتُردُّ من الوجه الباطل. فلفظ الشهوة واللذة والألم والنُّفرة من (١) الألفاظ التي فيها إجمالٌ وإبهامٌ، فكثير من الناس إنما يُطلِقها بإزاء شهوة الحيوان من الأكل والشرب والنكاح (والله تعالى قد جعل الباعث على إتيان الذكور الشهوة المجردة، لا الحاجة إلى ذلك، فإن الله لم يُحرِّم على عباده ما يحتاج العباد [ق ١٢٠ ب] إليه) (٢) وتطلق (٣) الشهوة بإزاء ما هو أعمُّ من ذلك، كشهوة الجاه والمال والعزِّ والنصر والعلم. قال الإمام أحمد (٤): «محمد بن إسحاق صاحب حديث، يُشتهى حديثُه». وقد قال تعالى في الجنة: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِي اِلْأَنفُسُ وَتَلَذُّ اُلْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١]. وهذا يعمُّ كل ما تشتهيه الأنفس من مأكولٍ ومشروبٍ

стр. 1090

ومسموعٍ ومرئيٍّ وغيره. وتُطلق الشهوة على الإرادة نفسها، فيقال لمَن له إرادة في الشيء ومحبة له: هو يشتهيه. كما يقال: فلان يشتهي لقاء فلان، ويشتهي قُربه، ويشتهي الحج. بل يقال لمن يريد ما تكره نفسه لمصلحةٍ أنه يشتهيه كما يقال: فلان يشتهي الشهادة في سبيل الله، ويشتهي شُرْب الدواء. فنقول: أتعنون بالشهوة التي نفيتموها عن الله الشهوةَ الحيوانية، أم الشهوة التي هي أعمُّ، أم الإرادة والمحبة؟ فإن أردتم الأول فنفيُه حقٌّ (١)، ودعواكم لزومه ممَّا أثبته لنفسه من الفرح والرضى والضحك ونحوها؛ باطلةٌ، تتضمن الكذب والتلبيس. وإن أردتم الثالث فنفيُه باطلٌ، وتوسُّلُكم إلى نفيه بتسميته شهوةً تلبيسٌ وتدليسٌ، ونفيٌ للمعنى الحق الثابت بتسميته بالاسم المستهجن في حقِّ مَن وُصف به. وإن أردتم الثاني استفصلناكم عن مرادكم، فإن فسرتموه بما يمتنع وصفه به قبلناه، وإن فسرتموه بما وصف به نفسه قابلناه بالإنكار والردِّ، وإن فسرتموه بأمرٍ مجملٍ محتملٍ استفصلناه، فقبلنا حقَّه، ورددنا باطلَه. وهؤلاء النُّفاة تجدهم دائمًا يعتمدون هذه الطريقة المتضمنة للتلبيس والتدليس، وينفون بها حقائق ما أخبر الله به عن نفسه. فيأتون إلى ألفاظٍ معناها في اللغة العربية أخصُّ من معناها في اصطلاحهم، فينفون معناها العام الذي اصطلحوا عليه، ويُوهمون الناس أنهم إنما نفوا معناها المعروف في

стр. 1091

اللغة. والناس أول ما يسمعون تلك الألفاظ إنما يفهمون منها (١) معناها اللغوي، فيوافقونهم على النفي تعظيمًا لله وتنزيهًا له؛ ومرادهم نفي المعنى العام الذي اصطلحوا عليه، وقد جمعوا في ذلك تحريف لغة العرب عن مواضعها وتحريف كلام الله ورسوله عن مواضعه، ولبس الحق بالباطل في النفي والإثبات. فمعرفة (٢) مراد هؤلاء وكلامهم من تمام مقاصد الدِّين، ليتمكن أهل السُّنَّة والحديث مِن ردِّ باطلهم وتبيين إفكهم. وقد أمر النبي ﷺ زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب اليهود؛ فكان يكتب له كتبهم، ويقرأ له كتبهم (٣). وسأل رجلٌ عبدَ الله بن عمر عن الأنبذة، وقال: أخبِرْني عنها بِلُغتكم وفسِّرْها لي بلغتنا، فإن لكم لغةً ولنا لغةً. فذكرها ابن عمر باللفظ الذي قاله النبي ﷺ ، ثم فسَّرها بلغة السائل (٤). فنقول: أنتم في هذا المقام، إنما نظركم في المعاني العقلية، لا في إطلاق الألفاظ، فإن أهل السُّنَّة والحديث أعلمُ بذلك منكم، وأولى بمراعاة الألفاظ الشرعية، وهم أبعدُ عن أن يصفوا الله إلَّا بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله منكم، فما مقصودكم [مِن] (٥) نفي الشهوة والنفرة واللذة والألم

стр. 1092

عنه؟ إن عنيتم به ما هو من خصائص المخلوقين فلا ريب في انتفائه عنه سبحانه؛ لأن كماله المقدَّس ينفيه، فإثباته نقصٌ وعيبٌ. وأنتم قد اعترفتم أنه لم يقم دليلٌ عقليٌّ على تنزيهه عن العيوب والنقائص، وإنما استندتم فيه إلى الإجماع، واعترفتم بأن دلالته ظنيةٌ، وهذا موجود في «إرشادكم» (١) و «نهايتكم» (٢) وغيرها. ونحن نُقرِّر نفي ذلك بالأدلة القطعية والبراهين اليقينية؛ فإنه سبحانه لا يجوز أن يُماثل خلقه في شيءٍ من صفاتهم وأفعالهم، فهو منزهٌ عن أن يطلب ما يَقْبُح طلبه، أو يريد ما لا يَحْسُن إرادته، أو يطلب ويكره ويحب ما لا يصلح طلبه وكراهته ومحبته إلَّا للمخلوق. وكل ما يُنزَّه سبحانه عنه من العيوب والنقائص، فهو داخلٌ فيما نزَّه نفسه عنه، وفيما يُسبَّح به ويُقدَّس ويُحمد ويُمجَّد، وداخل في معاني أسمائه الحُسنى، وبذلك كانت حُسنى، أي أحسن من غيرها، فهي أفعل تفضيل معرَّفة باللام، أي: لا أحسن منها بوجهٍ من الوجوه، بل لها الحُسن الكامل التام المطلق، وأسماؤه الحسنى وآياته البينات متضمنةٌ لذلك ناطقةٌ به صريحةٌ فيه، وإن أَلْحَد فيها الملحدون، وزاغ عنها الزائغون. وقد بيَّنا فيما تقدَّم (٣) أن كل ما يُنزَّه الربُّ عنه إن لم يكن متضمنًا لإثبات

стр. 1093

كماله ومستلزمًا لأمرٍ ثبوتيٍّ يُوصف به لم يكن في تنزيهه عنه مدحٌ ولا حمدٌ ولا تمجيدٌ ولا تسبيحٌ، إذ العدم المحض ـ كاسمه ـ لا حمد فيه ولا مدح، وإنما يُمدح سبحانه بنفي أمور تستلزم أمورًا هي حقٌّ ثابتٌ [ق ١٢١ أ] موجودٌ يستحق الحمد عليها، وذلك الحق الموجود ينافي ذلك الباطلَ المنفي؛ فيُستدل برفع أحدهما على ثبوت الآخر. فتارةً يستدل بثبوت تلك المحامد والكمالات على نفي النقائص التي تنافيها، وتارةً يُستدل بنفي تلك النقائص على ثبوت الكمالات التي تنافيها. فهو سبحانه القدوس السلام، كما قال: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٣] لكمال حياته وقيوميته، و ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ: ٣] لكمال علمه، ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] لكمال قدرته، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٨] لكمال عدله وغناه ورحمته، و ﴿لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾ [طه: ٥١] لكمال علمه وحفظه، ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٣] لكمال قدرته وقوته، ﴿وَهْوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٥]، و ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] لكمال صمديته، ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُؤًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] لتفرده (١) بالكمال المطلق الذي لا يُشاركه فيه غيره، ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ اَلذُّلِّ﴾ [الإسراء: ١١٠] لكمال عزِّته وسلطانه. ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْباهَا﴾ [الشمس: ١٦] فنفى عن نفسه خوف عاقبة ما فعله من إهلاك أعدائه، بخلاف المخلوق؛ فإنه إذا انتقم من عدوه يخاف عاقبة ذلك، إمَّا من الله وإمَّا من المنتصرين لعدوه، وذلك على الله (٢) محال. والخوف

стр. 1094

يتضمن نقصانَ العلم والقدرة والإرادة؛ فإن العالم بأن الشيء لا يكون لا يخافه، والعالم بأنه يكون ولا بد قد يَئِسَ من النجاة منه فلا يخاف، وإن خاف فخوفُه دون خوف الراجي. وأمَّا نقص القدرة فلأن الخائف من الشيء هو الذي لا يمكنه دفعه عن نفسه؛ فإذا تيقَّن أنه قادرٌ على دفعه لم يخفه. وأمَّا نقص الإرادة فلأن الخائف يحصل له الخوفُ بدون مشيئته واختياره، وذلك محالٌ في حقِّ من هو بكل شيءٍ عليمٌ، وعلى كل شيءٍ قديرٌ، ومَن لا يكون شيءٌ إلَّا بمشيئته وإرادته، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. وهذا لا ينافي كراهته سبحانه وبغضه وغضبه؛ فإن هذه الصِّفات لا تستلزم نقصًا لا في علمه ولا في قدرته ولا في إرادته، بل هي كمالٌ؛ لأن سببها العلم بقبح المكروه المبغوض المغضوب عليه، وكلما كان العلم بحاله [أتم] (١) كانت كراهته وبغضه أقوى، ولهذا يشتد غضبه سبحانه على مَن قتل نبيَّه أو قتله نبيُّه (٢). فصل وإن قال: أعني بذلك ما هو أعمُّ من شهوة الحيوان وألمه ولذته ونُفْرته. قيل له: الشهوة والنفرة جنسهما الحبُّ والبغض، فكل مشتهٍ لشيءٍ فهو

стр. 1095

محبٌّ له، وكل نافرٍ عن شيءٍ فهو مبغضٌ له، وإن كان من المحبة والبغض ما لا يُسمَّى في لغة القوم شهوةً ونفرةً، كمحبتنا لله ورسوله. وإذا كان كذلك فمعلومٌ أن الله سبحانه قد وصف نفسه بالمحبة والبغض في غير موضعٍ من كتابه وسُنة رسوله، وهو موصوفٌ بالإرادة والكراهة المتضمنة للحب والبغض والشهوة. والنفرة أيضًا تتضمن معنى الإرادة والكراهة، فإن المشتهي فيه نوع إرادةٍ والنافر فيه نوع كراهةٍ، والإرادة والكراهة من لوازم الحياة؛ فكل حيٍّ مريدٌ كارهٌ، والشهوة والنفرة من لوازم الحيوان (١)؛ فإنه يشتهي ما يتضمن بقاء ذاته ويلائمه، وينفر من ضدِّ ذلك. وهذه الأسماء قد تتنوع إمَّا بحسب صفاتها في أنفسها، وإمَّا بحسب متعلقها، وهو المحبوب المكروه، لما في لغة العرب من التفريق بين اللفظين لأدنى فرق بين المعنيين لقوة التمييز في عقولهم وألسنتهم، بخلاف الأُمم الذين يضعف فيهم التمييز، فإنهم يغلب عليهم الاقتصار على القدر المشترك في العقل واللسان. وثبوت تلك الفروق اللفظية في المعاني والألفاظ لا يمنع (٢) ثبوت القدر المشترك بينها الذي تدركه سائر الأُمم، فيجب إثبات القدر المشترك والقدر المميز. وإذا كان بين الشهوة والمحبة والإرادة والرضى والفرح قدرٌ مشتركٌ، وبين النُّفرة والبغض والكراهة والسخط ونحوها قدرٌ مشتركٌ، فمن نفى مُسمَّى أحد هذه الألفاظ فإن عنى به نفي جميع مُسمَّاه لزم نفي القدر المشترك الثابت في البواقي، وإن نفى ما يختص به ممَّا هو من خصائص

стр. 1096

المخلوقين فقد أصاب. والله سبحانه منزهٌ في جميع ذلك أن يثبت له، وإن نفى عنه شيئًا من ذلك ممَّا هو مختصٌّ به لأجل ما يُظَنُّ مستلزمًا لنقصٍ فذلك لازم له في جميع ما يُوصف به، فإنه سبحانه إنما يُوصف من كل نوعٍ بأكمل (١) ذلك النوع على وجهٍ لا يستلزم نقصًا ولا تمثيلًا. فصل يُبيِّن ذلك أن الحبَّ والبغض من لوازم الحياة، فلا يكون حيٌّ إلَّا محبًّا مبغضًا، كما لا يكون حيٌّ إلَّا وله علمٌ وإرادةٌ وفعلٌ، بل حبُّ الله سبحانه لما يحبه، وبغضه لما يبغضه، وإرادته لما يريده، وكراهته = لما يكرهه أكمل الحبِّ والبغض والإرادة والكراهة [ق ١٢١ ب]، كما قال تعالى: ﴿لَمَقْتُ اُللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [غافر: ٩]، وقال تعالى: ﴿وَاَللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا﴾ [النساء: ٨٣]، وهذا تابعٌ لشدة غضبه ومَقْته. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اَللَّهَ اَلَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٤]، وكذلك هو أرحم الراحمين، وأحكم الحاكمين، وأعلم العالمين. فهو أكبر في كل صفةٍ من صفاته، كما هو أكبر في جميع صفاته وذاته وأفعاله. فصل وقد ذكر أفضلُ متأخِّريهم أدلتهم على امتناع هذه الأمور على الله، وأبطَلَها كلها، فكفانا مؤنتَها؛ ثم اختار لنفسه مَسلكًا هو أبطلُ منها، فقال (٢): «والمعتمد أن نقول: لو صحَّت اللذةُ على الله تعالى لكان خلقه للملتذِّ

стр. 1097

به إمَّا أن يكون في الأزل أو لا يكون، والقسمان باطلان (١)، فالقول بصحة اللذة على الله محالٌ. وإنما قلنا إنه لا يصح (٢) خلقُه للملتذِّ به في الأزل؛ لأن الفعل الأزلي محالٌ، وإنما قلنا يستحيل أن يكون حادثًا؛ لأنه إذا كان حادثًا كان ممكنًا قبل كونه، وإلَّا كان ممتنعًا ثم انقلب إلى الإمكان وهو محالٌ. وإذا كان ممكنًا فالله قادرٌ على إيجاده قبل ذلك، وإلا كان منتقلًا من [العجز إلى القدرة] (٣) وهو محالٌ. وإذا ثبت ذلك فنقول: كل مَن صحَّت عليه اللذة إذا كان عالمًا بقدرته على تحصيل الملتذِّ به، وكان الملتذُّ به في نفسه ممكنًا فإنه يكون كالملجأ إلى إيجاد الملتذ به، وإذا كان كذلك لزم كونُه تعالى فاعلًا للملتذِّ به قبل فِعله، وذلك محالٌ. فثبت أن القول بصحة اللذة على الله محالٌ؛ لأنه يُفضي إلى المحال، وما أفضى إلى المحال محالٌ». ومضمون هذه الحجة بعد تطويل مقدماتها أن جواز ذلك عليه مستلزمٌ لكون الملتذِّ به حادثًا، وكونه متقدمًا على حدوثه، وكون الشيء متقدمًا على وجوده محالٌ. وفسادها بيِّنٌ من وجوهٍ: أحدها: النقض والمعارضة بالإرادة والمحبة والرحمة والرضى، بأن يقال: لو صحت على الله الإرادة والمحبة والرِّضى لكان فِعله للمراد المحبوب المرضي إمَّا في الأزل وهو محالٌ، وإمَّا فيما لم يزل وهو محال؛ لما ذكره بعينه من مقدمات دليله. الوجه الثاني: أن لفظ اللذة والألم من الألفاظ التي فيها إجمالٌ واشتباهٌ،

стр. 1098

كلفظ الجسم (١) والحيز والتركيب وغيرها، وليس لها ذكرٌ في الكتاب والسُّنَّة بنفيٍ ولا إثباتٍ، بل جاء في القرآن والسُّنَّة وصفُه بالمحبة والرِّضى والفرح والضحك، ووصفه بأنه يصبر على ما يُؤذيه، وإن كان العباد لا يبلغون نفعه فينفعونه ولا ضره فيضرونه (٢). والذي نفاه هؤلاء يُدرجون تحته ما وصف به نفسه، وهو إبطالٌ لِمَا جاءت به الرسلُ، ونزلت به الكتبُ، ولِمَا خُلق الخلق لأجله؛ فإن الله سبحانه أرسل رسله، وأنزل كُتبه، ليدعو الخلق إلى ما يُحبُّه ويرضاه، وينهاهم عمَّا يبغضه ويسخطه. وقد أخبر رسوله عنه من محبته ورضاه وفرحه وضحكه وتَبَشْبُشِه (٣) بأوليائه وأحبائه وأهل طاعته، وعن غضبه وسَخَطه وبغضه ومقته وكراهته لأعدائه وأهل مخالفته، ممَّا يضيق هذا المكان عن استقصائه. وعلى هذا الأصل تنشأ مسألة التحسين والتقبيح، وقد ذكرناها مستوفاةً

стр. 1099

في كتاب «المفتاح» (١) وذكرنا على صحتها فوق الخمسين دليلًا. وقد قال ﷺ فيما يروي عن ربه تعالى: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ» (٢). وقال: «لَا أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللَّهِ، يَجْعَلُونَ لَهُ الْوَلَدَ وَهُوَ يَرْزُقُهُمْ وَيُعَافِيهِمْ» (٣). وقال حاكيًا عن ربِّه: «شَتَمَنِي ابنُ آدَمَ؛ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ، وَكَذَّبَني ابنُ آدَمَ؛ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ» (٤). وقد فرَّق الله بين أذاه وأذى رسوله وأذى المؤمنين والمؤمنات، فقال: ﴿إِنَّ اَلَّذِينَ يُؤْذُونَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اُللَّهُ فِي اِلدُّنْيا وَاَلْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا (٥٧) وَاَلَّذِينَ يُؤْذُونَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَاَلْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اَكْتَسَبُوا فَقَدِ اِحْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧ - ٥٨]. وليس أذاه سبحانه من جِنس الأذى الحاصل للمخلوقين، كما أن سَخَطه وغضبه وكراهته ليست من جنس ما للمخلوقين. الوجه الثالث: أن ما وصف اللهُ سبحانه به نفسَه من المحبة والرضى والفرح والغضب والبُغْض والسَّخَط من أعظم صفات الكمال، إذ في العقول (٥) أنَّا إذا فرضنا ذاتين: إحداهما لا تحب شيئًا ولا تبغضه ولا ترضاه ولا تفرح به، ولا تُبغِض شيئًا، ولا تغضب منه، ولا تكرهه وتَمقُته.

стр. 1100

والذات الأخرى تحب كلَّ جميلٍ من الأقوال والأفعال والأخلاق والشِّيم، وتفرح به، وترضى به، وتبغض كل قبيحٍ يُسمى، وتكرهه وتمقته، وتَمقُت أهله، وتصبر على الأذى، ولا تجزع منه ولا تتضرَّر به [ق ١٢٢ أ]. = كانت هذه الذات أكمل من تلك الموصوفة بصفات العدم والموات والجهل الفاقدة للحسِّ، فإن هذه الصِّفات لا تُسلب إلَّا عن الموات، أو عمَّن فقد حسَّه، أو بلغ في النهاية والضعف والعجز والجهل إلى الغاية التي لم تدَعْ له حبًّا ولا بُغضًا ولا غضبًا ولا رضًى. بل اليهود الذين وصفوه بالغمِّ والحزن والبكاء والندم أحسن حالًا من الذين سلبوه هذا الكمال، كما أن المُشبِّهة المحضة خيرٌ من المعطلة النُّفاة لصفات كماله وحقائق أسمائه الحسنى. وأهل الحقِّ أنصار الله ورسوله وكتبه والسُّنَّة (١) براء من الفريقين. الوجه الرابع: أنه لا كمالَ في مجرد سلب ذلك عنه، كما قدمنا (٢) أن السلب إن لم يتضمن إثباتًا، وإلَّا (٣) لم يكن مدحًا ولا كمالًا. فليس له من مجرد كونِه لا يحب ولا يرضى ولا يفرح ولا يضحك ولا يغضب، حمدٌ ولا كمالٌ؛ فإنه نفيٌ صرفٌ وعدمٌ محضٌ، فلا يُحمد به. وهذا بخلاف نفي الغمِّ والهمِّ والحزن والندم عنه؛ فإنه يتضمن ثبوتًا، وهو كمال قدرته وعلمه، فإن أسباب هذه الأمور إمَّا عجزٌ منافٍ للقدرة، وإمَّا جهلٌ منافٍ للعلم؛ وكمال قدرته وعلمه يناقض وصفه بذلك. وهذا وغيره ممَّا يُبيِّن أن النُّفاة المعطلة أقل الناس تحميدًا وتمجيدًا وتسبيحًا وثناءً على الله، وأن أهل

стр. 1101

الإثبات أعظم تسبيحًا وتحميدًا وثناءً على الله، كما سنقرره فيما بعد إن شاء الله. الوجه الخامس: أن يقال: ما المانع من أن يكون رضاه ومحبته وفرحه من كماله في نفسه وما هو عليه من الجلال (١) والجمال، ولا يحتاج في ذلك إلى شيءٍ مخلوق، بل يكفي في حصوله (٢) حصول جماله وجلاله؟ وحينئذٍ فيقال: قولُك لو صحَّ الرضى والفرح ـ الذي تسميه أنت لذةً ـ عليه لكان خلقُ المفروح المرضيِّ به إمَّا في الأزل أو بعده، إنما يجب ذلك إذا امتنع أن تكون محبته لنفسه ورضاه بنفسه وفرحه بنفسه سبحانه، وحينئذٍ فلا ينتفي المعنى الذي سميته لذةً إلَّا إذا امتنع هذا، وأنت لم تُقِم دليلًا على امتناعه، بل أنت في نفي هذا أضعف حجةً ممَّن نفى التذاذ أوليائه بالنظر إلى وجهه، فإن أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين كلهم وأهلَ السُّنَّة كلهم متفقون على إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة. ولكن زعم بعض أهل الكلام أنه لا يحصل لهم بذلك لذةٌ، كما زعم أبو المعالي الجويني في «رسالته النظامية» (٣) أن نفس النظر إليه سبحانه لا لذةَ فيه، إذ اللذة إنما تكون بالمناسِب، ولا مناسبة بين القديم والمُحْدَث، وزعم أن هذا من أسرار التوحيد، وكذلك أبو الوفاء بن عقيل (٤) سمع قائلًا

стр. 1102

يقول: أسألك لذة النظر إلى وجهك، فقال: «يا هذا، هب أن له وجهًا، أفتلتذُّ بالنظر إليه؟» (١). وهذه نزعةٌ اعتزاليةٌ، وإلَّا فأهل المعرفة بالله وخاصة أولياء الله ليس عندهم شيءٌ ألذُّ من النظر إلى وجهه الكريم، وليس بين هذه اللذة ولذة الأكل والشرب والنعيم المنفصل نسبةٌ أصلًا، كما لا نسبة بين الربِّ ﷻ وبين شيءٍ من مخلوقاته، فالنسبة بين اللَّذَّتين لا تُدرك أصلًا. قال شيخنا (٢): «وعلى ذلك جميع أهل السُّنَّة وسلف الأمة وأئمة الإسلام». قال الحسن البصري شيخ الإسلام في زمن التابعين: «لو علم العابدون أنهم لا يرون ربهم في الآخرة لذابت نفوسهم في الدنيا شوقًا إليه» (٣). وقال الشافعي ﵀: «لو علم محمد بن إدريس أنه لا يرى ربه في الآخرة لَمَا عبده في الدنيا» (٤). وقال: «أنا أخالف ابن عُلَية (٥) في كل شيءٍ حتى في قول لا إله إلَّا الله،

стр. 1103

فإني أقول: لا إله إلَّا الله الذي يُرى في الآخرة. وهو يقول: لا إله إلَّا الله الذي لا يُرى في الآخرة» (١). وكذلك جاءت السُّنن عن رسول الله ﷺ كما روى مسلم في «صحيحه» (٢) عن صُهَيبٍ، عن النبي ﷺ قال: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، نَادَى مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ. فَيَقُولُونَ: وَمَا هُوَ؟ أَلَمْ يُبَيِّضْ وُجُوهَنَا، وَيُثَقِّلْ مَوَازِينَنَا، وَيُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَيُنْجِنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَمَا أَعَطَاهُمُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ، وَهِيَ الزِّيَادَةُ». فأخبر الصادق المصدَّق أن نظرهم إليه أحبُّ إليهم من كل ما أعطاهموه. وكذلك ما رواه الإمام أحمد (٣) وأهل السُّنن (٤) وابن حِبَّان (٥) في

стр. 1104

«صحيحه» من حديث عمار بن ياسرٍ، أنه سمع النبي ﷺ يدعو: «اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ [فِي] (١) الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَكَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَالْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى. وَأَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَبَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَأَسْأَلُكَ نَعِيماً لَا يَنْفَدُ، وَقُرَّةَ عَيْنٍ [ق ١٢٢ ب] لَا تَنْقَطِعُ. وَأَسْأْلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ. اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ». يوضحه: الوجه السادس: وهو أن اللذة والفرح تابعةٌ للمحبة في الكمال والقوة، والمحبة تابعة لمعرفة المحب بصفات المحبوب وجماله. فكلما كان العلم به أكملَ كانت محبته أقوى، وكلما كانت المحبةُ أقوى كانت اللذة والفرح به أكملَ وأتم. وإذا ثبت هذا فإذا كان العبادُ يحصل لهم بمعرفته وذِكره ورؤيته واستماعِ كلامه منه ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشرٍ، وهو سبحانه أعلمُ بنفسه من غيره، وكذلك كان حمدُه لنفسه وثناؤه على نفسه أعظمَ مِن حمد الحامدين له وثناء المُثْنِين عليه؛ فإن الحمد والثناء تابعٌ للمعرفة والعلم بصفات المحمود، ولهذا كان النبي ﷺ أعظمَ الناس حمدًا لربه وثناءً عليه؛ لما كان أعلمَ الخلق به. فثناءُ الربِّ سبحانه على نفسه وحمده لنفسه وتمجيده لنفسه ومحبته لنفسه ورضاه عن نفسه فوق ما يخطر ببال الخلق، أو يدور في قلوبهم، أو تجري به ألسنتُهم؛ كما قال النبي ﷺ : «لَا أُحْصِي ثَنَاءً

стр. 1105

عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» (١). يوضحه: الوجه السابع: أنه سبحانه إذا كان يحب بعضَ ما خَلَقه، ويرضى عنه ويفرح به لما أعطاه من صفات الكمال؛ فمحبته لنفسه ورضاه عن نفسه أولى وأحرى وأعظمُ من محبته لمخلوقه. وأنه إذا أحب أهل العلم وأهل الرحمة، ويحب المحسنين، ويحب الصابرين، ويحب الشاكرين، ويُثنِي عليهم، وهو الذي أعطاهم هذه الصِّفات وأحبَّهم لأجلها؛ فما الظن بمحبته لنفسه وثنائه عليها؟ ومن المعلوم أن محبته لهم وثناءه عليهم تبعٌ لمحبته لنفسه وثنائه على نفسه. الوجه الثامن: أن الجهمي أَبطلَ هذا بقوله: إن اللذة إدراك الملائم، فيلزم أن يقال: ذات الله ملائمة لذاته، وذلك غير معقول؛ لأن الملاءمة لا تتقرر إلَّا بين شيئين. وهذا الذي قرَّره باطلٌ من وجوهٍ: أحدها: أن اللذة ليست نفس إدراك الملائم كما زعم، بل هي حالة تنشأ عن الإدراك، فالإدراك سببُها لا نفسها. فهاهنا ثلاثة أشياء: ملائم، وإدراكه، وما ينشأ عن الإدراك من الالتذاذ والفرح والسرور. وكذلك الألم، ليس هو نفس إدراك المنافي، بل حالة تنشأ عن إدراكه. وعلى هذا فإدراك الذات: ملائمٌ. والفرح والرضى ـ الذي سميته لذةً ـ مترتب على إدراك الذات، وهذا أمر معقولٌ لكل عاقلٍ. فإن المخلوق يدرك من ذاته كمالًا يلتذُّ بإدراكه ويُسرُّ ويفرح به، مع كون ذلك الكمال ناقصًا بين عدمين، وهو من غيره ليس منه،

стр. 1106

فكيف بمن له الكمال المطلق الواجب السرمد، وهو لم يستفدْه من غيره، وهو أعلم بكماله وكل ما سواه. الثاني: قولك: الملاءمة لا تتقرَّر إلَّا بين اثنين. جوابه: أن مثل هذا يكون في الذات الواحدة باعتبارين، كما قال تعالى: ﴿وَنَهَى اَلنَّفْسَ عَنِ اِلْهَوى﴾ [النازعات:٣٩]، وقال: ﴿إِنَّ اَلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّو﴾ [يوسف: ٥٣] وقال آدم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٢]. فالنفس واحدةٌ، وهي الناهية المنهية، والأمارة المأمورة، والظالمة المظلومة، كما تكون هي العاقلة المعقولة. والإنسان يحب نفسه، فيكون هو المحِبَّ المحبوبَ، فإذا كان هذا أمرًا معقولًا في المخلوق غير ممتنعٍ؛ فكيف يمتنع في حقِّ الخالق؟ الثالث: أنه سبحانه يحب صفاته، كما قال النبي ﷺ : «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ» (١). وقال: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» (٢). و «إِنَّ اللهَ نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ» (٣) ...........................................................

стр. 1107

و «إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ» (١). و «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا» (٢). ورُوِيَ «إِنِّي عَلِيمٌ أُحِبُّ كَلَّ عَلِيمٍ» (٣). وإذا كان يحب صفاته وهي قائمة بذاته فكيف بمحبته لذاته؟! الوجه التاسع: أن يقال: ما المانع أن (٤) يحب ويرضى ويفرح ويضحك بما يكون من الأمور الحادثة الموافقة لمحبته ورضاه، كما في الأحاديث المستفيضة المتواترة، مثل ما في «صحيح البخاري» (٥) وغيره عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حَيْثُ يَذْكُرُنِي. وَاللَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ يَجِدُ ضَالَّتَهُ فِي الْفَلَاةِ. وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِذَا أَقْبَلَ يَمْشِي أَقْبَلْتُ إِلَيْهِ أُهَرْوِلُ».

стр. 1108

وفي «الصحيح» (١) عن البراء بن عازبٍ قال: قال رسول الله ﷺ : «كَيْفَ تَقُولُ بِفَرَحِ عَبْدٍ إِذَا انْفَلَتَتْ مِنْهُ رَاحِلَتُهُ، تَجُرُّ زِمَامَهَا بِأَرْضٍ قَفْرٍ لَيْسَ فِيهَا طَعَامٌ وَلَا شَرَابٌ، وَعَلَيْهَا لَهُ طَعَامٌ وَشَرَابٌ، فَطَلَبَهَا حَتَّى شَقَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ مَرَّتْ بِجِذْلِ شَجَرَةٍ فَتَعَلَّقَ زِمَامُهَا، فَوَجَدَهَا مُتَعَلِّقَةً بِهِ؟» قلنا: شديدًا، يا رسول اللَّه. فقال رسول اللَّه ﷺ : «أَمَا وَاللَّهِ، لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنَ الرَّجُلِ بِرَاحِلَتِهِ». وفي «الصحيح» (٢) عن أنسٍ أن رسول الله [ق ١٢٣ أ] ﷺ قال: «اللَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ إِذَا سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ قَدْ أَضلَّهُ بِأَرْضِ فَلاةٍ». وفي كتاب «العلل» للدارقطني (٣): «لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنَ الْعَقِيمِ الْوَالِدِ وَالمُضِّلِّ (٤) الوَاجِدِ وَالظَّمْآنِ الْوَارِدِ (٥)» هذا أو نحوه.

стр. 1109

ولو كان في المفروح به أعلى من هذا المثال لذكره. فتأمَّل سائرًا وحدَه بأرض مفازةٍ معطشةٍ لا ماء بها ولا زاد، ضلت راحلته فيها فاشتد جوعه وظمؤه، فأيس من الحياة، فاضطجع في أصل شجرةٍ ينتظر الموت، ثم استيقظ فإذا الراحلة قائمة على رأسه وعليها طعامه وشرابه، كما جاء ذلك مصرحًا به في بعض طرق هذا الحديث (١). فهل في الفرح قط أعظم من هذا. ولهذا الفرحِ بتوبة العبد سرٌّ أكثر الخلق محجوبون عنه، لا تبلغه عقولهم. وبه يُعرف سرُّ تقدير ما يُتاب منه على العبد؛ لأنه يترتب عليه ما هو أحب إلى الربِّ سبحانه من عدمه. فلو لم يكن في تقدير الذنب من الحِكَم إلَّا هذه وحدها لكانت كافيةً، فكيف وفيه من الحِكَم ما لا يحصيه إلَّا الله، ممَّا ليس هذا موضعه (٢). الوجه العاشر: أن الجهمي احتجَّ على امتناع ذلك عليه بأن هذا انفعال وتأثير عن العبد، والمخلوق لا يؤثر في الخالق، فلو أغضبه أو فعل ما يفرح به لكان المُحْدَث قد أثَّر في القديم تلك الكيفيات، وهذا محالٌ. وهذه الشُّبهة من جنس شُبَههم التي تُدهش السامع أول ما تطرق سمعه وتأخذ منه وتروعه، كالسِّحر الذي يُدهش الناظر أول ما يراه ويأخذ ببصره، وكصولة المبطل الجبان الذي يحمل أول أمره على خصمه. وهكذا شُبه

стр. 1110

القوم كلها، هي كحبال السحرة وعِصِيِّهم التي خُيِّل إلى موسى أنها تسعى ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسى (٦٦) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ اَلْأَعْلى (٦٧) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلَقَّفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ اُلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتى﴾ [طه: ٦٦ - ٦٨]. فهكذا الحجة الحق تبطل جميع الشُّبه الباطلة التي هي للعقول كحبال السحرة وعصيِّهم للأبصار. وجواب هذه الشبهة من وجوه: أحدها: أن الله سبحانه خالق كل شيءٍ وربُّه ومليكه (١)، وكل ما في الكون من أعيان وأفعال وحوادث فهو بمشيئته وتكوينه، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، قضيتان لا تخصيص فيهما (٢) بوجهٍ من الوجوه. وكل ما يشاؤه فإنما يشاؤه بحكمةٍ اقتضاها حمدُه ومجدُه، فحكمته البالغة أوجبت كل ما في الكون من الأسباب والمسببات (٣)، فهو سبحانه خالق الأسباب التي ترضيه وتغضبه، وتسخطه ويفرح بها، والأشياء التي يحبها ويكرهها، هو سبحانه خالق ذلك كله، فالمخلوق أعجز وأضعف أن يُؤثر فيه سبحانه، بل هو الذي خلق ذلك كله على علمه بأنه يحب هذا ويرضى به، ويبغض هذا ويسخطه، ويفرح بهذا، فما أثَّر غيره فيه بوجهٍ. الثاني: أن التأثير لفظ فيه اشتباه وإجمال، أتريد به (٤) أن غيره لا يُعطيه كمالًا لم يكن له ولا يُوجد (٥) فيه صفة كان فاقدها؟ فهذا معلومٌ بالضرورة.

стр. 1111

أم تريد (١) به أن غيره لا يُسخطه ولا يُغضبه ولا يفعل ما يفرح به أو يحبه أو يكرهه أو نحو ذلك؟ فهذا غير ممتنعٍ. وهو أول المسألة، وليس معك في نفيه إلَّا نفس الدعوى بتسمية ذلك تأثيرًا في الخالق، وليس الشأن في الأسماء، إنما الشأن في المعاني والحقائق. وقد قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اُتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اَللَّهَ﴾ [محمد: ٢٩]. وقال النبي ﷺ لأبي بكر في أهل الصُّفَّة: «إِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ». فما الدليل العقلي أو النقلي على استحالة هذا؟! الثالث: أن هذا يبطل محبته لطاعات المؤمنين، وبغضه لمعاصي المخالفين، وكراهته لظلم الظالمين إذا فعلوا ذلك. وهذا معلوم البطلان بالضرورة والعقل والفطرة الإنسانية واتفاق أهل الأديان كلهم وإطباق الرُّسل، بل هذا حقيقة دعوة الرُّسل بعد التوحيد (٢). الرابع: أن هذا ينتقض بإجابة دعواتهم، وإغاثة لهفاتهم، وسماع أصواتهم، ورؤية حركاتهم وأفعالهم، فإن هذه كلها أمور متعلقة بأفعالهم. فما كان جوابك عنها في محل الإلزام. فهو جواب منازعيك لك في هذا المقام. فصل الوجه الحادي عشر: أن قولك: «يستحيل أن يخلق الملتذ به في الأزل وألَّا يخلقه في الأزل … » إلى آخره، مبنى الحجة على مقدمتين:

стр. 1112

إحداهما: إنكار وجود الملتذ به قبل وجوده. والثانية: وجوب حصوله إذا كان كذلك. ونحن نتكلم على المقدمتين فنقول: لا نسلم وجوب وجود الملتذ به والحالة هذه، ولا أنه يكون كالمُلجأ إليه. فإن قلت: داعية اللذة إذا تحققت خالية عن الموانع وكان الملتذ به ممكن الحصول، فالعلم الضروري حاصل بوجوب حصوله. فالجواب: أن الداعي [ق ١٢٣ ب] الجازم مع القدرة التامة يوجب وجود المقدور بلا ريب. والداعي هو إمَّا الإرادة الحادثة، أو العلم المقتضي للإرادة، أو مجموعهما. وأمَّا مجرد كون الشيء سببًا للذة، فهذا لا يوجب الإرادة الحادثة، بل العلم الضروري حاصلٌ بضدِّ ذلك، فقد يحصل للإنسان نوعٌ ما من أنواع الالتذاذ بالشيء مع قدرته عليه ولا يفعله. وذلك أن اللذة تَتْبع المحبة، وقد لا تتم محبة الملتذ به وإرادته فلا يوجد؛ لضعف المحبة والإرادة المتعلقة به، أو لاستلزامه (١) فوات ما هو أحب إليه منه، أو لحصول ما هو أكره إليه. والمعهود في بني آدم أن الإرادة [الجازمة] (٢) لا يجب حصولها منهم إلَّا للذة التي يُوجب فقدها ألمًا، فمتى استلزم عدم اللذة وجود الألم قصدوا دفع الألم بالذات وحصول اللذة بالعرض. وقد يتعلق القصد الذاتي بالأمرين، وقد يغيب بشعوره بأحدهما عن (٣) الآخر لاستيلاء سلطانه على الآخر. أمَّا إذا لم يكن أحدهم متألمًا بعدم اللذة، ولكن في وجود

стр. 1113

الملتذ به زيادة لذة فقط، وليس في فقده ألمٌ، فهذا ليس الواقع وجوب (١) تعلق الإرادة به، بل قد يريد ذلك وقد لا يريده استغناءً بما عنده من اللذة عن تلك الزيادة، فلا يجب فيه حصول الداعي التام، وهذا أمرٌ محسوسٌ. الوجه الثاني عشر: أنا لو فرضنا في حقنا أنه يجب تحصيل المفروح به مع القدرة عليه، فلِمَ قلت: إنه في حقِّ الربِّ تعالى كذلك؟ وليس معك إلَّا مجرد القياس التمثيلي الذي يتضمن تمثيل الله بخلقه. والقضية الكلية التي ادعيتها ممنوعةٌ، والعلم الضروري إذا سُلِّم فإنما هو في حقِّ المخلوق، فأمَّا في حقِّ الخالق فليس هناك إلَّا مجرد القياس، وهو منتقض (٢) بسائر الأمور الفارقة بين الله وبين خلقه، ومن جملتها الإرادة والمحبة والرضا؛ فإن الإنسان إذا أراد الفعل وهو قادر عليه وجب وجوده منه، والله تعالى مريد لجميع الكائنات وهو قادر عليها، ومع هذا فلا توجد إلَّا في مواقيتها، لا توجد قبل ذلك. والعبد يقع مراده حين (٣) قدرته عليه والله تعالى متأخر (٤) مراده مع دوام قدرته عليه. الوجه الثالث عشر: أن العبد إنما يجب مع قدرته وداعيته حصول مراده ولذته؛ لأنه يتضرر بعدم حصوله، فإن كماله وصلاحه بحصول ما يحبه ويريده ويلتذ به، وبعدمه يكون متضررًا ناقصًا! والله سبحانه لا يلحقه الضرر بوجهٍ ما.

стр. 1114

الوجه الرابع عشر: لِمَ قلتَ بأن كل ما يحبه الربُّ سبحانه ويرضاه ويفرح به يمكن وجوده في وقتٍ واحدٍ? فإن ذلك قد يستلزم الجمع بين النقيضين، فإن الحوادث المتعاقبة يستحيل اجتماعها في آنٍ واحدٍ، فإذا كان يحب ما يمتنع حصوله كله في آنٍ واحدٍ كانت محبته ورضاه وفرحه به متعلقًا به وقت وجوده، وحصوله ووجوده قبل ذلك محالٌ، والمحال لا تتعلق به المحبة والفرح. يوضحه: الوجه الخامس عشر: أنه سبحانه إذا كان يحب أمورًا، وتلك الأمور المحبوبة لها لوازم يمتنع وجودها بدونها كان وجود تلك الأمور مستلزمًا للوازمها التي لا تُوجد بدونها. مثاله: محبته للعفو والمغفرة والتوبة، وهذه المحبوبات تستلزم وجود ما يعفو عنه ويغفره ويتوب إليه العبد منه، ووجود الملزوم بدون لازمه محالٌ، فلا يمكن حصول محبوباته سبحانه من التوبة والمغفرة والعفو بدون الذي يُتاب منه ويغفره ويعفو عن صاحبه. ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» (١). وهذا هو الذي وردت الأحاديث الصحيحة بالفرح به، وهذا المفروح به يمتنع وجوده قبل الذنب، فضلًا عن أن يكون قديمًا، فهذا المفروح به يجب تأخُّره قطعًا. ومثل هذا ما رُوي أن آدم لمَّا رأى بنيه ورأى تفاوتهم قال: «يا ربِّ هلَّا سويت بين عبادك؟ قال: إني أحببتُ أن أُشكَر» (٢). ومعلومٌ أن محبته للشكر على ما فضَّل به

стр. 1115

بعضهم على بعضٍ يوجب تفضيل بعضهم على بعضٍ، ولا يحصل ذلك مع التسوية بينهم، فإن الجمع بين التسوية والتفضيل جمع بين النقيضين، وذلك محالٌ. الوجه السادس عشر: أن يقال: اللذة ـ التي هي الفرح والرضا والسرور ونحوها ـ يجب وجودها من القادر إذا كان مستغنيًا عنها بلذةٍ أخرى أكمل منها أم مطلقًا؟ إن قلتم بالثاني فهو ممنوعٌ، وإن قلتم بالأول قيل: فالله سبحانه مستغنٍ عن أن يُحْدِث كل ما يقدر [ق ١٢٤ أ] عليه من هذه الأمور في وقتٍ واحدٍ. بل إذا كان العبد مستغنيًا عن فعل ما هو من جنس اللذات مع قدرته على ذلك فالله أجلُّ وأعظم. فإن قال: إذا كان غنيًّا عنها لم تكن لذة. قيل: إن صحَّ هذا فهو حجة عليكم ومبطلٌ لحجتكم. الوجه السابع عشر: أن يقال: هو لا يحدثها إلَّا إذا أحبها ورضيها وتضمنت فرحه بها، وحيث لا يكون ذلك لا تكون محبوبة ولا مرضية له ولا مفروحًا بها. فالأمور التي يحبها الله ويرضاها ويفرح بها لها صفاتٌ ومقادير تقتضي أن تكون محبوبةً مرضيةً مفروحًا بها في وقتٍ دون وقتٍ، كما تقتضي أن تكون مراده في وقتٍ دون وقتٍ.

стр. 1116

فإن قلت: هذا يقتضي حلول الحوادث به. قيل: هذا لا يمتنع على أصول الطائفتين، فمن قال بهذه المسألة من المتكلمين والصوفية والفقهاء وجمهور أهل الحديث وأكثر الفلاسفة لم يرد هذا عليه. ومن منع ذلك فإنه يقول فيه ما يقوله في محبته ورضاه: أنه قديمٌ أزليٌّ لم يزل محبًّا راضيًا مواليًا لمن أحبه ورضيه ووالاه، ولم يزل غضبان مبغضًا لمن غضب عليه وأبغضه وعاداه. ويقول: إن المتجدد هو التعلق فقط. وهذا قول ابن كُلَّاب والأشعري ومن وافقه من الفقهاء والمُحَدِّثين والمتكلمين. الوجه الثامن عشر: أن يقال: لو صحَّ ما ذكرته كان مستلزمًا ألَّا يخلق الربُّ تعالى شيئًا، أو يخلق كل شيءٍ قبل خلقه إياه. وهو من جنس شُبه الدهرية الفلاسفة في قدم العالم، قالوا: المقتضي لوجود العالم إن كان تامًّا في الأزل وجب وجوده، وإن لم يكن تامًّا لزم ألَّا يوجد. وهذا منقوضٌ بما (١) يوجد من الحوادث اليومية. ووجه الإلزام أن يقال: لو صحَّ عليه الخلق والإبداع والإرادة لكان إمَّا خالقًا لمراده في الأزل وهو محالٌ، وإمَّا ألَّا يخلقه في الأزل وهو محالٌ؛ لأنه ممكنٌ مقدورٌ، وكل من صحَّت عليه الإرادة والخلق والإبداع إذا كان عالمًا بقدرته على تحصيل مراده وهو ممكنٌ مقدورٌ فإنه يكون كالمُلجأ إلى إيجاد مراده. فإن قلت: الإرادة من شأنها أن تخصص (٢) وتميز، والله سبحانه أراد

стр. 1117

وجود كل شيءٍ في وقته على صفةٍ ومقدارٍ وجعل لكل شيءٍ قدرًا. قلت: هذا حقٌّ في نفسه، ولكن هو حجة عليك لا لك، فإنه سبحانه كما أراد وجود كل شيءٍ في وقته على صفةٍ ومقدارٍ يختص به، فهكذا محبته ورضاه لما يرضى به وفرحه بما يفرح به سواء. الوجه التاسع عشر: أنَّا متى رجعنا إلى الموجود، فمتى علمنا أن أحدنا إذا كانت إرادته جازمةً وقدرته تامةً وجب وجود الفعل منه مقترنًا بإرادته وقدرته، ولا يتأخر الفعل إلَّا لعدم كمال القدرة أو لعدم كمال الإرادة. وهذا أمرٌ يجده الإنسان من نفسه، وهذا النافي لا يُنازع في ذلك ويُقرُّ به ويُقرِّره، فإذا كان هذا حالنا فيما نريده ونقدر عليه، فإذا كان الله عندك قادرًا مريدًا إرادةً جازمةً وجب وجود جميع مراده في الأزل، وذلك محالٌ، ووجب ألَّا يكون في الأزل لأنه متعاقب وهو محالٌ؛ لوجود القدرة التامة والإرادة الجازمة، وما أفضى إلى المحال فهو محالٌ، فيلزم انتفاء القدرة والإرادة كما ذكرتَ في انتفاء المحبة والفرح والرضا الذي أدخلته في قسم اللذة سواءً بسواءٍ. ومهما أجبت (١) به عن هذا فهو بعينه جوابنا لك. إن قلتَ: إن إرادة الله لا تقاس بإرادة خلقه. قيل لك: وفرحه ورضاه لا يقاس بفرحهم ورضاهم. وإن قلت: إرادة الله تخصيص الأشياء بخواصها. قيل لك: هذا بعينه موجودٌ في محبته ورضاه؛ فإنه مستلزم للإرادة أو نوعٍ منها، وذلك مستلزم لما نفيته من لوازمه. وهو للفلاسفة ألزم، فإن كل كائن

стр. 1118

له [ما] (١) يختص به صفةً وقدرًا، وللحوادث أوقات يختص بها، فذاته سبحانه إن كانت مقتضية لوجود كل موجودٍ وجب وجود كل ممكنٍ مقارنًا لوجوده، وإن لم تكن مقتضية للوجود لزم ألَّا يوجد عنه شيءٌ. فإذا قالوا: لا يمكن للأمر إلَّا كذا، كان هذا جوابنا بعينه في هذا المقام. الوجه العشرون: أنهم فسَّروا في مسألة التحسين والتقبيح الحمد والذمَّ بما يستلزم اللذة والألم، كما فعل ابن الخطيب وغيره لما ناظروا القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين. قال (٢) بعد مطالبته لهم بحقيقة المدح والذم: «فإن قيل: فما حقيقة المدح والذمِّ عندكم? قلنا: المدح هو الإخبار عن كون الممدوح مستحقًّا لأن يفعل به ما يفرح به أو يلتذ به، والذمُّ هو الإخبار عن كونه مستحقًّا [ق ١٢٤ ب] لأن يفعل به ما يحزن به». قال: «ولكن إذا فسَّرنا المدح والذمَّ بذلك استحال تصوره في حقِّ الله؛ لاستحالة الفرح والغمِّ عليه». قال: «وقد [يمكننا أن نوجه] (٣) هذا السؤال ابتداء على سبيل المطالبة من غير التزام لتقسيمٍ [حاصر] (٤)، فنقول: معنى الاتضاع والارتفاع الأمر الذي يسوءه ويحزن به، والذي يسرُّه ويفرح به، أو أمر آخر وراء ذلك. فإن كان الأول لم يتقرَّر معناه في حقِّ الله تعالى لاستحالة الفرح والحزن عليه،

стр. 1119

وإن كان الثاني فبيِّنوه، فإنا بعد الإنصاف (١) جرَّبنا أنفسنا فلم نجد للمدح والذمِّ حاصلًا وراء الفعل المؤدي إلى الفرح والحزن». فليتدبَّر العاقل هذا الكلام حقَّ التدبُّر وما يلزم منه، فإنه إذا كان حقيقة المدح هو الخبر الذي يتضمن فرح الممدوح ولذته، والذمُّ خبرٌ يتضمن ألم المذموم فلا يتصور مدحٌ ولا ذمٌّ عنده إلَّا مع اللذة والألم. وقد عُلم بالاضطرار من دين المسلمين كلهم، بل ومن دين جميع الرسل أن الله سبحانه يُحمد ويُمدح ويُثنى عليه، وأنه يحب ذلك ويرضاه ويأمر به، بل حمده والثناء عليه من أعظم الطاعات وأجلِّ القربات. وفي «المسند» (٢) من حديث الأَسْود بن سَرِيع قال: أَتَيْتُ رسولَ الله ﷺ فَقُلْتُ: يا رسول الله، إنِّي قد حَمِدتُ ربي ﵎ بِمحامِدَ ومِدَحٍ، وإيَّاكَ. فقال رسول الله ﷺ : «أَمَا إِنَّ رَبَّكَ تَعَالَى يُحِبُّ الْمَدْحَ، هَاتِ مَا امْتَدَحْتَ بِهِ رَبَّكَ». فقال: فجَعَلتُ أُنْشِدُه. وفي «الصحيحين» (٣) من حديث عبد الله بن مسعودٍ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ، وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا أَحَدَ

стр. 1120

أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللهِ، وَلِذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ». ولمسلم (١): «وَلَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللهِ، وَلِذَلِكَ أَرْسَلَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ». ومن محبته سبحانه الثناء عليه يصدِّق المثنيَ عليه بأوصاف كماله، كما في «النسائي» (٢) و «الترمذي» (٣) و «ابن ماجه» (٤) من حديث الأغر أبي مسلم أنه شهد على أبي هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول الله ﷺ قال: «إِذَا قَالَ الْعَبْدُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ. قَالَ: يَقُولُ ﵎: [صَدَقَ عَبْدِي] (٥) لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَأَنَا اللهُ أَكْبَرُ. وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، قَالَ: صَدَقَ عَبْدِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَحْدِي. وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. قَالَ: صَدَقَ عَبْدِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَلَا شَرِيكَ لِي. وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، قَالَ: صَدَقَ عَبْدِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا لِيَ الْمُلْكُ وَلِيَ الْحَمْدُ. وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، قَالَ: صَدَقَ عَبْدِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِي». فمن محبته للثناء عليه صدَّق المثني عليه ووافقه في ثنائه عليه.

стр. 1121

ونظير هذا ما في «الصحيح» (١) من حديث أبي هريرة عنه ﷺ : «يَقُولُ اللهُ : قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، نِصْفُهَا لِي، وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ. فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿اِلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اِلْعَالَمِينَ﴾ قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي. فَإِذَا قَالَ: ﴿اَلرَّحْمَنِ اِلرَّحِيمِ﴾ قَالَ اللَّهُ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي. فَإِذَا قَالَ: ﴿مَلِكِ يَوْمِ اِلدِّينِ﴾ قَالَ اللَّهُ: مَجَّدَنِي عَبْدِي. فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قَالَ: هَذِهِ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي. فَإِذَا قَالَ: ﴿اُهْدِنَا اَلصِّرَاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ اَلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ اِلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا اَلضَّالِّينَ﴾ قَالَ: هَؤُلَاءِ لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ». ولمَّا كان حمده والثناء عليه وتمجيده هو مقصود الصلاة ـ التي هي عماد الإسلام، ورأس الطاعات ـ شُرع في أولها ووسطها وآخرها وجميع أركانها، ففي دعاء الاستفتاح يُحمد ويُثنى عليه ويمجَّد، وفي ركن القراءة يحمد ويُثنى عليه ويُمجد، وفي الركوع يُثنى عليه بالتسبيح والتعظيم، وبعد رفع الرأس منه يحمد ويُثنى عليه ويُمجد، كما كان النبي ﷺ يقول: «رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ، ومِلْءَ مَا شِئْتَ [مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ] (٢)، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» (٣). وفي السجود يُثني عليه بالتسبيح المتضمن لكماله المقدَّس والعلوِّ المتضمن لمباينته لخلقه، وفي التشهد يُثني عليه بأطيب الثناء من التحيات، ويختم ذلك بذكر حمده ومجده.

стр. 1122

فصل ومن محبته للثناء عليه شرعه للداعي قبل سؤاله ودعائه؛ ليكون وسيلة له بين يدي حاجته، كالمتقرب إلى المسؤول بما يحبه ويسأله بين يدي مطلوبه، كما في «السنن» (١) و «المسند» (٢) من حديث فضالة بن عبيد قال: جاء رجل فصلى فقال: اللهم اغفر لي وارحمني. فقال رسول الله ﷺ : «عَجِلْتَ أَيُّهَا الْمُصَلِّي، إِذَا صَلَّيْتَ فَفَرَغْتَ فَاحْمَدِ اللَّهَ [ق ١٢٥ أ] بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ صَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ثُمَّ ادْعُهُ». قال: ثم صَلَّى رجلٌ آخرُ بعد ذلك، فحَمِدَ اللَّه وصلَّى على النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : «أَيُّهَا الْمُصَلِّي ادْعُ تُجَبْ». وفي «السنن» (٣) عن ابن مسعودٍ قال: كنت أصلي فلمَّا جلست بدأت بالثناء على الله، ثم الصلاة على النبي ﷺ ، ثم دعوت لنفسي، فقال النبي ﷺ : «سَلْ تُعْطَهْ، سَلْ تُعْطَهْ». وهكذا في أحاديث الشفاعة الثابتة في الصحاح: لمَّا يأتوا (٤) إلى النبي ﷺ ليشفع لهم، فقال: «فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا. فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنُ لِي، فَيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ فَأَحْمَدُهُ بِهَا لَا تَحْضُرُنِي الْآنَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، وَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ

стр. 1123

تُشَفَّعْ» (١). وفي لفظٍ (٢): «فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَمْجِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ». فمن محبته سبحانه للثناء عليه ألهمَ رسوله منه في ذلك المقام ما يكون وسيلةً بين يدي شفاعته. وفي «الصحيح» (٣) عنه ﷺ أنه كان يقول في سجوده: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ». وفي «الصحيحين» (٤) عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيهِ الْمَدْحُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ الْجَنَّةَ». وقد تقدم ذلك من حديث ابن مسعودٍ. وفي الدعاء المأثور: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا يُشْرِقُ لَهُ وَجْهُكَ» (٥). وفي الأثر الآخر: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَتَّى تَرْضَى» (٦). وفي

стр. 1124

الحديث الآخر: «سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ» (١) أي: تسبيحًا يبلغ رضا نفسه. فصل ومن محبته لحمده والثناء عليه أنه جعل حمده مفتاح كل كلامٍ ذي بالٍ وخاتمة كل أمرٍ، وافتتح كتابه بحمده وختم آخره بحمده، وافتتح خلقه بحمده، وجعل حمده خاتمة الفصل بينهم، فقال تعالى: ﴿اِلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ اِلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١] وقال: ﴿اِلْحَمْدُ لِلَّهِ اِلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضَ وَجَعَلَ اَلظُّلُمَاتِ وَاَلنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] وقال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اِلْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٢] فافتتح خلقه وأمره بحمده، وختمهما بحمده. وفي «المسند» (٢) و «السُّنن» (٣) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال:

стр. 1125

«كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ (١)». ولهذا كان سُنة المسلمين في صلاتهم وخطبهم كلها افتتاحها بالحمد حتى خطبة الحاجة (٢). ولهذا كان أول من يُدعى إلى الجنة الحامدون (٣). والنبي ﷺ يوم القيامة
следующие страницы →