← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 184

الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 216 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

ونظير هذا ما في «الصحيح» (١) من حديث أبي هريرة عنه ﷺ : «يَقُولُ اللهُ : قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، نِصْفُهَا لِي، وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ. فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿اِلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اِلْعَالَمِينَ﴾ قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي. فَإِذَا قَالَ: ﴿اَلرَّحْمَنِ اِلرَّحِيمِ﴾ قَالَ اللَّهُ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي. فَإِذَا قَالَ: ﴿مَلِكِ يَوْمِ اِلدِّينِ﴾ قَالَ اللَّهُ: مَجَّدَنِي عَبْدِي. فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قَالَ: هَذِهِ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي. فَإِذَا قَالَ: ﴿اُهْدِنَا اَلصِّرَاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ اَلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ اِلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا اَلضَّالِّينَ﴾ قَالَ: هَؤُلَاءِ لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ». ولمَّا كان حمده والثناء عليه وتمجيده هو مقصود الصلاة ـ التي هي عماد الإسلام، ورأس الطاعات ـ شُرع في أولها ووسطها وآخرها وجميع أركانها، ففي دعاء الاستفتاح يُحمد ويُثنى عليه ويمجَّد، وفي ركن القراءة يحمد ويُثنى عليه ويُمجد، وفي الركوع يُثنى عليه بالتسبيح والتعظيم، وبعد رفع الرأس منه يحمد ويُثنى عليه ويُمجد، كما كان النبي ﷺ يقول: «رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ، ومِلْءَ مَا شِئْتَ [مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ] (٢)، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» (٣). وفي السجود يُثني عليه بالتسبيح المتضمن لكماله المقدَّس والعلوِّ المتضمن لمباينته لخلقه، وفي التشهد يُثني عليه بأطيب الثناء من التحيات، ويختم ذلك بذكر حمده ومجده.

стр. 1122

فصل ومن محبته للثناء عليه شرعه للداعي قبل سؤاله ودعائه؛ ليكون وسيلة له بين يدي حاجته، كالمتقرب إلى المسؤول بما يحبه ويسأله بين يدي مطلوبه، كما في «السنن» (١) و «المسند» (٢) من حديث فضالة بن عبيد قال: جاء رجل فصلى فقال: اللهم اغفر لي وارحمني. فقال رسول الله ﷺ : «عَجِلْتَ أَيُّهَا الْمُصَلِّي، إِذَا صَلَّيْتَ فَفَرَغْتَ فَاحْمَدِ اللَّهَ [ق ١٢٥ أ] بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ صَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ثُمَّ ادْعُهُ». قال: ثم صَلَّى رجلٌ آخرُ بعد ذلك، فحَمِدَ اللَّه وصلَّى على النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : «أَيُّهَا الْمُصَلِّي ادْعُ تُجَبْ». وفي «السنن» (٣) عن ابن مسعودٍ قال: كنت أصلي فلمَّا جلست بدأت بالثناء على الله، ثم الصلاة على النبي ﷺ ، ثم دعوت لنفسي، فقال النبي ﷺ : «سَلْ تُعْطَهْ، سَلْ تُعْطَهْ». وهكذا في أحاديث الشفاعة الثابتة في الصحاح: لمَّا يأتوا (٤) إلى النبي ﷺ ليشفع لهم، فقال: «فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا. فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنُ لِي، فَيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ فَأَحْمَدُهُ بِهَا لَا تَحْضُرُنِي الْآنَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، وَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ

стр. 1123

تُشَفَّعْ» (١). وفي لفظٍ (٢): «فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَمْجِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ». فمن محبته سبحانه للثناء عليه ألهمَ رسوله منه في ذلك المقام ما يكون وسيلةً بين يدي شفاعته. وفي «الصحيح» (٣) عنه ﷺ أنه كان يقول في سجوده: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ». وفي «الصحيحين» (٤) عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيهِ الْمَدْحُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ الْجَنَّةَ». وقد تقدم ذلك من حديث ابن مسعودٍ. وفي الدعاء المأثور: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا يُشْرِقُ لَهُ وَجْهُكَ» (٥). وفي الأثر الآخر: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَتَّى تَرْضَى» (٦). وفي

стр. 1124

الحديث الآخر: «سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ» (١) أي: تسبيحًا يبلغ رضا نفسه. فصل ومن محبته لحمده والثناء عليه أنه جعل حمده مفتاح كل كلامٍ ذي بالٍ وخاتمة كل أمرٍ، وافتتح كتابه بحمده وختم آخره بحمده، وافتتح خلقه بحمده، وجعل حمده خاتمة الفصل بينهم، فقال تعالى: ﴿اِلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ اِلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١] وقال: ﴿اِلْحَمْدُ لِلَّهِ اِلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضَ وَجَعَلَ اَلظُّلُمَاتِ وَاَلنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] وقال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اِلْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٢] فافتتح خلقه وأمره بحمده، وختمهما بحمده. وفي «المسند» (٢) و «السُّنن» (٣) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال:

стр. 1125

«كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ (١)». ولهذا كان سُنة المسلمين في صلاتهم وخطبهم كلها افتتاحها بالحمد حتى خطبة الحاجة (٢). ولهذا كان أول من يُدعى إلى الجنة الحامدون (٣). والنبي ﷺ يوم القيامة

стр. 1126

بيده لواء الحمد (١)، وآدم ومن دونه تحت ذلك اللواء. فخصَّ اللواء بالحمد لأنه أحب شيءٍ إلى الله، واشتق لأحب خلقه إليه وأكرمهم (٢) عليه من الحمد اسمين يتضمنان كثرة حمده وفضله، وهما محمد وأحمد، وسمَّى أمته الحامدين (٣)، .........................................................

стр. 1127

وأخبر النبي ﷺ أن أفضل الدعاء الحمد (١). فصل ومن محبته للثناء عليه بأوصاف كماله ونعوت جلاله أنه أمر من ذكره بما لم يأمر به في غيره (٢)، فقال تعالى: ﴿وَاَذْكُرُوا اُللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠] فعلَّق الفلاح بكثرة ذكره. وقال: ﴿اِلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اَللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] فعمَّ بذكره أحوال العباد كلها؛ لأن العبد إمَّا أن يكون قائمًا أو قاعدًا أو مضطجعًا، فأراد منه ذكره في هذه الأحوال كلها. وأخبر أنه من ألهاه ماله وولده عن ذكره فهو خاسر؛ فقال: ﴿* يَاأَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اِللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ اُلْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩].

стр. 1128

وأمر بذكره في أعظم المواطن التي يذهل الإنسان فيها عن نفسه ـ وهي حاله عند ملاقاة عدوه ـ فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاَثْبُتُوا وَاَذْكُرُوا اُللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأنفال: ٤٦]. وفي «الترمذي» (١) وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّ عَبْدِي كُلَّ عَبْدِي الَّذِي يَذْكُرُنِي وَهُوَ مُلَاقٍ قِرْنَهُ (٢)». وجعل سبحانه ذِكْره سببًا لصلاته على عبده وذكره له؛ فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا اُللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ اَلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ اَلظُّلُمَاتِ إِلَى اَلنُّورِ وَكَانَ

стр. 1129

بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣] وقال تعالى: ﴿فَاَذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥١]. وجعل تِرْكان (١) ذكره والثناء عليه سببًا لنسيانه لعبده وإنسائه نفسه، فلا يلهمه مصالحه ولا يوفقه لإرادتها وطلبها؛ فقال تعالى: ﴿نَسُوا اُللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ نَسُوا اُللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩] فلمَّا نسوا ذكره والثناء عليه وتحميده وتمجيده نسيهم من رحمته وأنساهم مصالح نفوسهم، فلم يعرفوها ولم يطلبوها، بل تركوها مهملة معطلة مع نقصها وعيوبها. فصل ومن محبته للثناء عليه وتحميده وتمجيده أنه وعد عليه بما لم يعد به على غيره كما في «الصحيح» من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ [ق ١٢٥ ب] مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» (٢). وأخبر النبي ﷺ أن مجالس الذِّكر رياض الجنة، كما في «السنن» (٣) و «المسند» (٤) من حديث جابرٍ قال: خرج علينا

стр. 1130

النبي ﷺ فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ لِلَّهِ سَرَايَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ تَحِلُّ وَتَقِفُ عَلَى مَجَالِسِ الذِّكْرِ فِي الْأَرْضِ، فَارْتَعُوا فِي رِيَاضِ الْجَنَّةِ». قالوا: وأين رياض الجنة؟ قال: «مَجَالِسُ الذِّكْرِ، فَاغْدُوا وَرُوحُوا فِي ذِكْرِ اللَّهِ، وَذَكِّرُوهُ أَنْفُسَكُمْ، مَنْ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَتَهُ عِنْدَ اللَّهِ فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ مَنْزِلَةُ اللَّهِ عِنْدَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ يُنْزِلُ الْعَبْدَ مِنْهُ حَيْثُ أَنْزَلَهُ مِنْ نَفْسِهِ». وفي «الترمذي» (١) و «صحيح الحاكم» (٢) عن عبد الله بن بُسْرٍ أن أعرابيًّا قال لرسول الله ﷺ : إن شرائع الإسلام قد كثُرت عليَّ، فأنبئني بشيءٍ أتشبث به. فقال: «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ». وفي «السنن» (٣) و «صحيح الحاكم» (٤) عن أبي هريرة قال: قال

стр. 1131

رسول الله ﷺ : «سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ». قالوا: يا رسول الله وما المُفرِّدون؟ قال: «الَّذِينَ يُهْتَرُونَ (١) فِي ذِكْرِ اللهِ». وفي لفظ (٢): «وَضَعَ الذِّكْرُ عَنْهُمْ أَثْقَالَهُمْ فَوَرَدُوا الْقِيَامَةَ خِفَافًا». وفيهما (٣) عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أَنَا مَعَ عَبْدِي إِذَا هُوَ ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ».

стр. 1132

وفيهما (١) عنه أيضًا: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٍ (٢) لَكُمْ مِنْ إِعْطَاءِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَأَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ!» قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «ذِكْرُ اللهِ». وقال معاذ بن جبل: «مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلًا أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ» (٣). وفيهما (٤) أيضًا من حديث النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 1133

«الَّذِينَ يَذْكُرُونَ مِنْ جَلَالِ اللهِ التَّحْمِيدَ وَالتَّسْبِيحَ وَالتَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ، يَتَعَاطَفْنَ حَوْلَ عَرْشِ الرَّحْمَنِ، لَهُنَّ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، يُذَكِّرُونَ بِصَاحِبِهِنَّ، أَفَلَا (١) يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ لَهُ عِنْدَ الرَّحْمَنِ شَيْءٌ يُذَكِّرُ بِهِ؟». وفي «صحيح الحاكم» (٢) من حديث عَمْرو بن شُعيبٍ عن أبيه عن جدِّه قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ قَالَ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ لَمْ يَسْبِقْهُ أَحَدٌ كَانَ قَبْلَهُ، وَلَا يُدْرِكْهُ أَحَدٌ كَانَ بَعْدَهُ، إِلَّا مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَفْضَلَ مِنْ عَمَلِهِ (٣)».

стр. 1134

وفيه (١) أيضًا عن [جابر] (٢) أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ؛ غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ». وفي «الترمذي» (٣) و «صحيح الحاكم» (٤) أيضًا عن عبد الله بن عَمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «مَا عَلَى الْأَرْضِ رَجُلٌ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ؛ إِلَّا كُفِّرَتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ». وفي «صحيح الحاكم» (٥) أيضًا عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «قَالَ

стр. 1135

اللهُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي (١)، وَأَنَا مَعَكَ (٢) إِذَا ذَكَرْتَنِي». وفي صحيحي الحاكم (٣) وابن حِبَّان (٤) عن أنسٍ قال: «كنا مع النبي ﷺ في حلقة ورجل قائمٌ يُصلي، فلمَّا ركع وسجد تشهَّد ودعا فقال: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلَّا أنت المنان بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم. فقال النبي ﷺ : «لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعَظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى». وفيهما (٥) أيضًا عن بُريدة أن النبي ﷺ سمع رجلًا يقول: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الذي لا إله إلَّا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد. فقال النبي ﷺ : «لَقَدْ سَأَلْتَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعَظَمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ». فأخبر أن هذا هو الاسم الأعظم، لما تضمنه من الحمد والثناء والمجد والتوحيد، ولمحبة الربِّ تعالى لذلك أجاب من دعا به.

стр. 1136

وهذا باب يطول تتبُّعه جدًّا. والمقصود أنه إذا كان لا معنى للمدح إلَّا الإخبار المتضمن فرح الممدوح، وليس أحدٌ أحب إليه المدح من الله وحمده والثناء عليه وذلك عنده بالمنزلة التي لا يمكن وصفها ولا يحيط بها البشر، كان المنكر لفرحه وما يستلزمه فرحه منكرًا لحقيقة حمده ومدحه والثناء عليه وتمجيده. وحينئذٍ فنقول في: الوجه الحادي والعشرين: إن هؤلاء الجهمية يُقرُّون بظاهر من القول وينكرون حقيقته، ويصدون عن سبيل الله، ويقطعون ما أمر الله به أن يُوصل، وينفرون من أحب الأشياء إلى الله وأكرمها عليه وأعظمها عنده، وهو ذكره بأسمائه وصفات كماله ونعوت جلاله، والثناء عليه ومدحه بها وحمده عليها. بل يُكفِّرون من يُثني عليه بها، وينسبونه إلى التشبيه والتجسيم، ويستحلون منه ما لا يستحله المحاربون من أعدائهم. وذلك [ق ١٢٦ أ] عين العداوة لله ولرسوله، كما قال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن إسحاق، أنا ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية قال: «ما عادى عبدٌ ربَّه أشد عليه من أن يكره ذكره وذكر من يذكره» (١). ومن المعلوم أن ذكره إنما يتم بإثبات حقائق أسمائه وصفات كماله ونعوت جلاله، لا بألفاظٍ مجردة لا حقيقة لها.

стр. 1137

فهؤلاء المعطلة النُّفاة أبعد شيءٍ عن حقيقة ذكر الله، كما هم أبعد شيءٍ عن محبته، كما أقروا بذلك على أنفسهم من أنه لا يحبُّه أحدٌ ولا يحبُّ أحدًا، فهم لا يحبونه ولا يذكرونه. وإن ذكروه فإنما يذكرونه بالسلب والعدم الذي هو أنقص النقص، وإن أحبوه فإنما يحبون ثوابه المنفصل لا ذاته ولا صفاته. ولا يثبتون ألذ ما في الجنة وأطيب ما فيها وأعظم نعيمها، وهو النظر إلى وجهه وسماع كلامه. فهم عمدوا إلى لُبِّ الدِّين وقلبه، فنبذوه (١) وأبطلوه ووقفوا في طريق الرسل وعارضوهم في دعوتهم: وبيانه: بالوجه الثاني والعشرين: وهو أن دعوة الرسل تدور على ثلاثة أمور: تعريف الربِّ المدعو إليه بأسمائه وصفاته وأفعاله. الأصل الثاني: معرفة الطريق الموصلة إليه، وهي ذكره وشكره وعبادته التي تجمع كمال حبِّه وكمال الذُّلِّ له. الأصل الثالث: تعريفهم ما لهم بعد الوصول إليه في دار كرامته من النعيم الذي أفضله وأجلُّه رضاه عنهم وتَجلِّيه لهم، ورؤيتهم وجهه الأعلى، وسلامه عليهم، وتكليمه إياهم، ومحاضرتهم في مجالسهم. فيثبت الأصل الأول بذكر أوصاف الربِّ تعالى ونعوت جلاله على التفصيل، وإثبات حقائق أسمائه على وجه التفصيل، ونفوا عنه ما يتضمن هذا الإثبات ويستلزمه، كالنسيان واللغوب والظلم والسِّنة والنوم والمثل والكفء (٢) والند والصاحبة والولد والسَّمي. والجهمية عكسوا الأمر،

стр. 1138

فسلبوا صفاته على التفصيل، وأثبتوا له ما يتضمن نفي ذاته وصفاته. وأمَّا الأصل الثاني: فإن الرُّسل أمرت الأمم بإدامة ذكره وشكره وحُسن عبادته، فصدَّت النُّفاةُ القلوبَ والألسنةَ عن ذكره بإنكار صفاته، وهم في الحقيقة لا يشكرونه؛ لأن الشكر إنما يكون على الأفعال، وعندهم لا يقوم به فعلٌ؛ لأنه يستلزم حلول الحوادث به، فلا يُشكر على فعلٍ يقوم به. وإن شكروه فإنما يشكرونه على مفعولاته، وهي منفصلة عنه، فلم يُشكر على أمرٍ يقوم به عندهم. وأيضًا فإن رأس الشكر الثناء والحمد، وقد اعترفوا بأنه لا حقيقة له إلَّا ما يقتضي فرح المحمود المثنى عليه، وذلك في حقِّه محالٌ عندهم، كما تقدم حكاية لفظهم (١). وكذلك هم منكرون لحقيقة عبادته، وإن قاموا بصورها وظواهرها، فإن حقيقة العبودية كمال محبته وكمال الذل له، وهم قد أقرُّوا بأنه لا يحبه أحدٌ، ولا يمكن أن يُحِبَّ، واحتجوا على ذلك بأن المحبة تستلزم المناسبة بين (٢) المحبِّ والمحبوب، ولا مناسبة بين الخالق والمخلوق. وهذا إنكار لحقيقة لا إله إلَّا الله، فإن الإله هو المألوه المستحق لغاية الحبِّ بغاية التعظيم، فنفوا (٣) هذا المعنى بتسميته «مناسبةً»، كما نفوا محبته ورضاه وفرحه وغضبه وسخطه وكرامته ورأفته ورحمته وضحكه وتعجُّبه بتسميتها «كيفيات محسوسة»، ونفوا حياته وسمعه وبصره وقدرته وكلامه وعلمه بتسميتها

стр. 1139

«أعراضًا»، ونفوا أفعاله بتسميتها «حوادث»، ونفوا علوه على خلقه واستواءه على عرشه والمعراج برسوله إليه بتسمية ذلك «تجسيمًا وتركيبًا». وأمَّا الأصل الثالث: وهو تعريف الأمم حالهم بعد الوصول إليه، فإنهم أنكروا أجلَّ ما فيه وأشرفه وأفضله، وهو رُؤية (١) وجهه وسماع كلامه، وإنما أثبتوا أمورًا منفصلةً يُتنعم بها من الأكل والشرب والنكاح ونحوها. وممَّا يوضح ذلك: الوجه الثالث والعشرون: وهو ما ثبت في «صحيح مسلم» (٢) من حديث أبي ذَرٍّ (٣) قال: قيل: يا رسول الله أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟ قال: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ». فأخبر ﷺ أن حمد الناس للمؤمن بشارة معجلة في الدنيا كالرؤية الصالحة، كما في الصحيح (٤) عن عبادة بن الصامت أنه سأل النبي ﷺ عن قوله تعالى: ﴿لَهُمُ اُلْبُشْرى فِي

стр. 1140

اِلْحَيَاةِ اِلدُّنْيا وَفِي اِلْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] قال: «هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ». فجعل حمد الناس له في اليقظة والرُّؤيا الصالحة في المنام بشارةً له في الدنيا. والبشارة نوع من الخبر، وهو [ق ١٢٦ ب] الخبر بما يَسُرُّ، فالحمد هو الخبر بما يَسُرُّ المحمود ويُفرحه، فإنكار فرحه ولوازم فرحه إنكار للحمد في الحقيقة. وفي «الصحيحين» (١) عن أبي موسى عن النبي ﷺ لمَّا بعثه ومعاذًا إلى اليمن قال لهما: «بَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَيَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا». وعند مسلم (٢): كان إذا بعث أحدًا من الصحابة قال: «بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا». وذلك أن الكلام نوعان إنشاءٌ وإخبارٌ، فأمرهم في الإخبار أن يبشروا ولا يُنفروا، وفي الإنشاء أن ييسروا ولا يُعسروا. فمن جعل المحمود والممدوح يُحمد ويُمدح بما لا يُحبُّه ولا يفرح به فقد عطل حقيقة حمده ومدحه التي تعطيلها تعطيل لحقيقة الدِّين. وممَّا يوضح ذلك: الوجه الرابع والعشرون: وهو أن الحُسن والقُبح سواء عُرف بالشرع أو بالعقل إنما يعود إلى الملائم والمنافي، والملائم يعود إلى الفرح ولوازمه، والمنافي يعود إلى الغضب ولوازمه. والمثبتون للحُسن والقُبح العقليين رأوا ما يعلمه العبد بضرورته وفطرته من حُسن بعض الأعمال وقُبح بعضها، وأن ذلك من لوازم الفطرة فأثبتوه، ولكن أخطؤوا في موضعين:

стр. 1141

أحدهما: قياس الخالق على المخلوق في ذلك، وأن ما حسُن وقبُح منهم حسُن وقبُح منه، [ولذلك] (١) كانوا مشبهة الأفعال معطلة الصفات. الموضع الثاني: نفيهم لوازم ذلك من الفرح والرضا والمحبة، وتسميتهم ذلك لذةً وألمًا وكيفيات نفسانية. وأمَّا النفاة (٢) فأصابوا في الفرق بين الله وبين الخلق، وألَّا يُقاس بخلقه، ولا يلزم أن ما حسُن وقبُح منهم يقبُح ويحسُن منه، وأصابت أيضًا في ردِّ ذلك إلى الملاءمة والمنافرة، وأخطأت في موضعين: أحدهما: سلب الأفعال صفاتها التي باعتبارها كانت حسنةً وقبيحةً، وجعلهم ذلك مجرد نسبٍ وإضافاتٍ عدميةٍ. والموضع الثاني: نفيهم لوازم ذلك عن الربِّ تعالى من محبته ورضاه وفرحه وغضبه وسخطه وكراهته ومقته؛ بتسميتهم ذلك لذةً وألمًا. والفريقان جميعًا لم يهتدوا في تحقيق المسألة إلى أن كل حُسنٍ وقُبحٍ ثبت بشرعٍ أو عقلٍ أو عرفٍ أو فطرةٍ فإنما يعود إلى الملاءمة والمنافرة، ولم يهتدوا أيضًا إلى ثبوت الحُسن في أفعال الله بمعنى محبته ورضاه وفرحه، وأنه لا يفعل إلَّا ما يُمدح على فعله ويُحمد عليه، وحمده ومدحه خبر بما يرضى به ويفرح به ويحبه، وأنه منزَّهٌ عن أن يفعل ما يُذمُّ عليه، والذمُّ هو الخبر المتضمن لما يؤذي المذموم ويؤلمه، وإن كان أعداؤه من المشركين يؤذونه ويشتمونه كما في الحديث الصحيح: «لَا أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى مِنَ اللهِ،

стр. 1142

يَجْعَلُونَ لَهُ وَلَدًا وَشَرِيكًا وهو يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ» (١). وفي الصحيح (٢) أيضًا: «يَقُولُ اللهُ: شَتَمَنِي عَبْدِي (٣) ابْنُ آدَمَ؛ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ، وَكَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ؛ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَزَعَمَ أَنِّي اتَّخَذْتُ وَلَدًا. وَأَنَا الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي. وَلَيْسَ أَوَّلُ الخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ». ومن ذلك قول أعدائه: إنه فقيرٌ، وإن يده مغلولةٌ، وإنه اتخذ صاحبةً وولدًا. تعالى الله عمَّا يقول الظالمون علوًّا كبيرًا. وحينئذٍ فنقول في: الوجه الخامس والعشرين: إنه سبحانه كما يبغض هذا الإفك والباطل الذي قاله فيه أعداؤه ويشتد غضبه منه ويؤذيه ذلك أذًى لا ينقصه، كما أخبر به عن نفسه بقوله (٤): «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ» (٥)، فهو سبحانه يفرح بثناء المُثْني عليه بأوصاف كماله ونعوت جلاله أعظم فرحٍ ويرضى به ويحبه. وإذا كان يفرح بتوبة التائب أعظم فرحٍ يقدر، فكيف فرحه سبحانه بالثناء عليه وحمده ومدحه وتمجيده عمَّا (٦) يصفه به أعداؤه ممَّا لا يليق بكماله؟ ممَّا يتضمن فرحه ومحبته ورضاه أعظم من ذلك؟! فإن محبته تغلب غضبه، وفضله أوسع من عدله. وهو سبحانه كما أنه موصوفٌ بكل كمالٍ فهو منزَّهٌ عن كل نقصٍ

стр. 1143

وعيبٍ. فكما أنه موصوف في أفعاله بكل حمدٍ وحكمةٍ وغايةٍ محمودةٍ، فهو منزَّهٌ فيها عن كل عيبٍ وظلمٍ وقبيحٍ. وبهذا استحق أن يكون محمودًا على كل حالٍ، وأن يكون محمودًا على المكاره كما هو محمودٌ على المحابِّ، كما في «صحيح الحاكم» (١) وغيره من حديث عائشة قالت: كان النبي ﷺ إذا أتاه الأمر يسُرُّه قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ». وإذا أتاه الأمر يكرهه قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ». واللفظ العام إذا ورد على سببٍ وجب دخول السبب فيه، فيوجب هذا الحمد أنه محمودٌ على هذا الأمر [ق ١٢٧ أ] المكروه؛ لأنه حسنٌ منه وحكمةٌ وصوابٌ، فيستحق أن يُحمد عليه. وممَّا يوضح ذلك: الوجه السادس والعشرون: وهو أن النبي ﷺ جمع بين محبة الربِّ سبحانه للمدح ومحبته للعذر، كما في حديث المغيرة بن شعبة: «لَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللهِ؛ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنَ اللَّهِ؛ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ الْجَنَّةَ» (٢). وكذلك جمع بينهما في حديث ابن مسعودٍ (٣). فهو سبحانه شديد

стр. 1144

المحبة لأن يُحمد وأن يُعذَر، ومن محبته للعذر إرسال رسله وإنزال كتبه، ومن محبته للحمد ثناؤه على نفسه، فهو يحب أن يُعذَر على عقاب المجرمين المخالفين لكتبه ورسله ولا يُلام على ذلك ولا يُذم عليه ولا يُنسب فيه إلى جورٍ ولا ظلمٍ، كما يحب أن يحمد على إحسانه وإنعامه وأياديه عند أوليائه وأهل كرامته، وحمده متضمنٌ هذا وهذا. فهو محمود على عدله في أعدائه وإحسانه إلى أوليائه، كما قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اِلْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٢]، فأخبر عن حمد الكون أجمعه له عَقِيب قضائه بالحق بين الخلائق وإدخال هؤلاء إلى جنته وهؤلاء إلى ناره. وحذف فاعل الحمد إرادة لعمومه وإطلاقه حتى لا يُسمع إلَّا حامد (١) له من أوليائه وأعدائه، كما قال الحسن البصري: «لقد دخلوا النار وإن حمده لفي قلوبهم ما وجدوا عليه حجةً ولا سبيلًا» (٢). وهو سبحانه قد أعذر إلى عباده، وأقام عليهم الحجة. وجمع ﷺ في الحديث بين ما يحبه ويبغضه، فإنه قال فيه: «لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ؛ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. وَمَا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللهِ؛ مِنْ (٣) أَجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ» (٤). فإن الغيرة تتضمن البغض والكراهة (٥)، فأخبر أنه لا أحد أغير منه. وأن من غيرته حرَّم

стр. 1145

الفواحش، ولا أحد أحب إليه المدحة منه، والغيرة عند المعطلة النفاة من الكيفيات النفسية كالحياء والفرح والغضب والسخط والمقت والكراهة، فيستحيل وصفه عندهم بذلك. ومعلومٌ أن هذه الصِّفات من صفات الكمال المحمودة عقلًا وشرعًا وعُرفًا وفطرةً، وأضدادها مذمومةٌ عقلًا وشرعًا وعُرفًا وفطرة، فإن الذي لا يغار بل تستوي عنده الفاحشة وتركها مذموم غاية الذم، مستحقٌّ للاسم (١) القبيح. وهؤلاء المعطلة النُّفاة لحقيقة محبته ورضاه وغضبه عندهم الأمران سواء بالنسبة إليه، وأن ما وجد من ذلك فهو يحبه ويرضاه، وما لم يوجد من طاعاته وامتثال أوامره فهو يبغضه ويسخطه، بناءً على أصلهم الفاسد أن المحبة هي عين الإرادة والمشيئة، فكل ما شاءه فقد أحبه ورضيه. وإذا جاء هؤلاء إلى النصوص الدالة على أنه لا يرضى بها ولا يحبها ولا يريدها أولوها بمعنى أنه لا يشرعها ولا يأمر بها ولا يحبها ولا يرضاها دينًا، وهو التأويل الأول بتغيير العبارة. وحينئذٍ فنقول في: الوجه السابع والعشرين: إنه ـ سبحانه عمَّا يقول الجاهلون به ـ إذا كان لا يفرح ولا يرضى بمدحه وحمده والثناء عليه، ولا يغضب ولا يسخط ويبغض شتمه. وما قال فيه أعداؤه، بل نسبة الأمرين إلى ذاته وصفاته بنسبة واحدة؛ إذ لو حصل فيه سبحانه فرحٌ ورضًا ومحبةٌ من ذلك وغضبٌ وسخطٌ وكراهةٌ من هذا لَلَحِقَته الكيفيات النفسية = كان لا فرق عنده بين الحسن والقبيح والمدح والذمِّ، وهذا غاية النقص والعيب شرعًا وعقلًا وفطرةً وعادةً. ومن كلام الشافعي: «من استُرضي ولم يرض فهو جبَّارٌ، ومن

стр. 1146

استُغضب ولم يغضب فهو حمارٌ» (١). وهذا يدل على موت القلب وبطلان الحسِّ وفَقْدِ الحياة. ولهذا كان أكمل الناس حياةً أشدهم حياءً. وكان رسول الله ﷺ أشد حياءً من العذراء في خدرها (٢) لكمال حياة قلبه. والله سبحانه الحي القيوم، وقد وصف نفسه بالحياء ووصفه رسوله، فهو الحيي الكريم كما قال النبي ﷺ : «إِنَّ اللهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا (٣)» (٤). وقالت أم سُلَيم: «يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من

стр. 1147

الحق» (١). وأقرَّها على ذلك، وقال النبي ﷺ : «إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَعْجَازِهِنَّ» (٢). والحياء عند هؤلاء من الكيفيات النفسانية، فلا يجوز عندهم وصف

стр. 1148

القديم بها. والمقصود أنه كلما [زادت] (١) صفات الكمال في الحيِّ كان فرحه ومحبته ورضاه وغضبه ومقته أكمل. ولهذا كان النبي ﷺ إذا غضب لم يقم لغضبه [ق ١٢٧ ب] شيءٌ (٢). وفي الأثر: «إن موسى كان إذا غضب اشتعلت قلنسوته» (٣). وكان أشدَّ بني إسرائيل حياءً حتى إنه لا يغتسل إلَّا وحده من شدة حيائه (٤).

стр. 1149

وإذا كانت هذه صفات كمالٍ فلا يجوز سلبها عمَّن هو أحق بالكمال المطلق من كل أحدٍ بمجرد تسميتها كيفيات نفسية وأعراضًا وانفعالات ونحو ذلك، فإن هذا من اللبس والتلبيس وتسمية المعاني الصحيحة الثابتة بالأسماء القبيحة المنفِّرة، وتلك طريقة للنُّفاة مألوفة وسجية معروفة. وإذا عُرف هذا تبيَّن أن هؤلاء المعطلة النُّفاة أضاعوا حقَّ الله الذي يستحقه لنفسه، والذي بعث به رسله وأنزل به كتبه، والذي هو أصل دينه ومنتهى عبادته؛ بما هم متناقضون فيه. وقد سبق لك أنهم معترفون بما فطر الله عليه خلقه أن المدح يتضمن فرح الممدوح ولوازمه، ولهذا لزمهم القولُ بخلاف ما يُعلم بالضرورة من دين الرسل من أولهم إلى آخرهم: أن الله لا يفرح بمدحه وحمده وتمجيده والثناء عليه ولا يرضى نفسه بذلك ولا يكون محبوبًا له على الحقيقة. وهذا هم معترفون به، لا يتحاشون منه، ولا يستنكفون من إطلاقه. وإنما العجب تصريحهم بأنه لا يمدح بمدح (١)، والمدح هو أصل الثناء والحمد، وقد صرَّحوا باستحالة ذلك في حقِّه، كما قالوا: المدح هو الإخبار [عن] (٢) كونه مستحقًّا لأن [يفعل] (٣) به ما يفرح به ويلتذ به، والذم هو الإخبار عن كونه مستحقًّا لأن يفعل به ما يحزن به ويتألم به. قالوا: وإذا فسرنا المدح والذم بذلك استحال (٤) تصورهما في حق الله تعالى لاستحالة الفرح والغم عليه.

стр. 1150

وقد أبطل فاضلهم (١) طُرق الناس، وعوَّل على هذه الطريقة، كما تقدم حكاية لفظه. وهذا اعترافٌ منه بأنه ليس للمدح والذم حاصلٌ إلَّا ما لا يتصور في حقِّ الله، فلا يتصور عنده أن يكون الله محمودًا ممدوحًا بحالٍ، ومعلومٌ أن فساد هذا في دين الرُّسل كلهم وجميع فِطَر بني آدم من أوضح الواضحات. وحينئذٍ فنقول في: الوجه الثامن والعشرين: قولكم: إن المدح يستحيل تصوره في حقِّ الله، من أوضح الكفر، وأقبح المعاداة لله، والمناقضة لكتبه ورسله. واستدلالكم على ذلك بأن الفرح يستحيل عليه أبطل وأبطل، بل قد عُلم بالاضطرار عقلًا وفطرةً وشرعًا أن المستحق لغاية المدح الكامل المطلق هو الربُّ سبحانه، فهذا أحقُّ الحقِّ. ولازمه حقٌّ، فإنه لا يلزم من الأحقِّ إلَّا حقٌّ، فإن كان الفرح لازمًا لهذا المدح فهو حقٌّ. وقد أثبته له سبحانه أعلم خلقه وأعرفهم به وبصفاته وما يجب له ويمتنع عليه، وقرَّب فرحه سبحانه إلى الأذهان بما هو من أعظم (٢) أنواع الفرح، وهو فرحه بتوبة التائب إليه، فكيف بما هو أعظم من ذلك من حمد الحامدين له ومدحهم له وثنائهم عليه. فإذا كان المدح مستلزمًا للفرح، وقد عُلم أنه يستحق المدح أجمع، عُلم أنه يفرح بمدحه. وإثبات الملزوم ونفي لازمه محالٌ، ولهذا لمَّا تفطَّن هؤلاء لذلك وعلموا (٣) أنه لا يمكن إثبات الملزوم ونفي لازمه، صرَّحوا بنفي اللازم والملزوم، وقالوا: يستحيل ثبوت المدح والفرح في حقِّه. فنقول في:

стр. 1151

الوجه التاسع والعشرين: إنه من المعلوم أن كونه سبحانه يستحق المدح، والمحامد أبين في الشرع والعقل والفطرة من كونه لا يفرح، والواجب أن يستدل بالمعلوم على المجهول، وبالواضح على الخفي. أمَّا أن يُستدل بانتفاء (١) الفرح على انتفاء كونه مستحقًّا للمدح فهذا من أبطل الباطل، وهو خروج عن مقتضى السمع والعقل، وهو من فعل أهل التلبيس والتدليس. وإذا تبيَّن ذلك عُرف أن هؤلاء الجهمية المعطلة الذين يذكرون ما وصف الله به نفسه من الرضا والفرح والمحبة يلزم لزومًا بيِّنًا (٢) أن يجحدوا حمده سبحانه ومدحه والثناء عليه واستحقاقه لذلك، بموجب هذه القضية الكاذبة الباطلة التي قرَّروها. وهذا شأن جميع قضاياهم الكاذبة التي تتضمن تعطيل ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله، فإنها تستلزم إثبات الباطل وإبطال الحقِّ، ويأبى الله إلَّا أن يُقيم لدينه من يذبُّ (٣) عنه، والحمد لله رب العالمين. الوجه الثلاثون بعد المائتين: أن يقال: قولكم: إن المدح والذم لا معنى لهما إلَّا مجرد (٤) الخبر عن استحقاق ما يفرح ويؤلم، ليس كذلك. والتحقيق أن فيهما معنًى زائدًا على الخبر المجرد، سواء دلَّ اللفظ على ذلك المعنى الزائد [ق ١٢٨ أ] بالتضمن أو باللزوم، فإن الحامد المادح يقترن بحمده ومدحه محبة المحمود والرضا عنه وتعظيمه، وكذلك الذامُّ يقترن بذمِّه بُغض المذموم وتنقصه وقلاه. ولهذا فسَّر كثيرٌ من الناس الحمد بالرضا

стр. 1152

واختاره الآمدي في «أبكاره» (١) وغيره، فالآمدي فسَّره بالرضا وهو من باب الإرادات، والرازي فسره بالخبر وهو من باب الاعتقادات. والتحقيق أن الحمد والذمَّ يتضمن الأمرين جميعًا، فالمادح يعتقد أن في الممدوح والمحمود ما يحبه ويرضى به ويفرح به، ويكون مع هذا الاعتقاد والخبر في قلبه من محبته والرضا به والفرح ما استحق به أن يكون حامدًا له ومادحًا. وهذا أمر يجده الحامد المادح من نفسه إذا كان مادحًا بحقٍّ وصدقٍ، بخلاف المدح بالباطل فإنه كذبٌ لا يستلزم شيئًا من ذلك. فالمدح والحمد أصلهما الخبر، ويتبعه الحب والرضا. والذمُّ أصله الخبر ويتبعه البغض والسخط. والصلاة على من يُصلَّى عليه أصلها الطلب والإرادة ويتبعها الخبر. ولعنة من يُلعن أصلها طلب إهانته وإقصائه ويتبعها الخبر. وهذان النوعان من الخبر، وهما الإخبار عن الشيء بالخبر السيئ وطلب السوء له، والإخبار عنه بالخبر الحسن وطلب الخير له. الأول أصل اللعن، والثاني أصل الصلاة. وهو سبحانه يلعن أعداءه ومن يفعل ما يبغضه ويسخطه، ويُصلِّي على أوليائه وأهل طاعته وذكره. وفي «صحيح مسلم» (٢) عنه ﷺ : «لَا يَكُونُ الطَّعَّانُونَ وَاللَّعَّانُونَ شُهَدَاءَ وَلَا شُفَعَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». فإن الشهادة من باب الخبر والشفاعة من باب

стр. 1153

الطلب، ومن يكون كثير الطعن على الناس ـ وهو الشهادة عليهم بالسوء ـ وكثير اللعن لهم ـ وهو طلب السوء لهم ـ لا يكون شهيدًا عليهم ولا شفيعًا لهم؛ لأن الشهادة مبناها على الصدق، وذلك لا يكون فيمن يكثر الطعن فيهم، ولا سيما فيمن هو أولى بالله ورسوله منه. والشفاعة مبناها على الرحمة وطلب الخير، وذلك لا يكون ممَّن يكثر اللعن لهم ويترك الصلاة عليهم. ومن أعظم أسباب سعادة العبد أن يكون موافقًا لربه سبحانه في صلاته على من صلَّى عليه ولعنته لمن لعنه، كما في «مسند الإمام أحمد» (١) و «صحيح الحاكم» (٢) من حديث زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ علمه وأمره أن يتعاهد أهله في كل صباحٍ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ وَمِنْكَ وَإِلَيْكَ. اللَّهُمَّ فَمَا قُلْتُ مِنْ قَوْلٍ، أَوْ حَلَفْتُ مِنْ حَلِفٍ، أَوْ نَذَرْتُ مِنْ نَذْرٍ، فَمَشِيئَتُكَ بَيْنَ يَدَيْ ذَلِكَ كُلِّهِ، مَا شِئْتَ كَانَ، وَمَا لَمْ تَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. اللَّهُمَّ مَا صَلَّيْتُ مِنْ صَلَاةٍ فَعَلَى مَنْ صَلَّيْتَ، وَمَا لَعَنْتُ مِنْ لَعْنَةٍ فَعَلَى مَنْ لَعَنْتَ، أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَبَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوتِ، وَلَذَّةَ نَظَرٍ إِلَى وَجْهِكَ، وَشَوْقًا إِلَى

стр. 1154

لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَعْتَدِيَ أَوْ يُعْتَدَى عَلَيَّ، أَوْ أَكْسِبَ خَطِيئَةً أَوْ ذَنْبًا لَا تَغْفِرُهُ. اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، فَإِنِّي أَعْهَدُ إِلَيْكَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَأُشْهِدُكَ ـ وَكَفَى بِكَ شَهِيدًا- أَنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، لَكَ الْمُلْكُ وَلَكَ الْحَمْدُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ. وَأَشْهَدُ أَنَّ وَعْدَكَ حَقٌّ وَلِقَاءَكَ حَقٌّ، وَالسَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّكَ تَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَأَنَّكَ إِنْ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي تَكِلْنِي إِلَى ضَعْفٍ وَعَوْرَةٍ وَذَنْبٍ وَخَطِيئَةٍ. وَإِنِّي لَا أَثِقُ إِلَّا بِرَحْمَتِكَ، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي كُلَّهَا، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ». فهذه ثلاثون وجهًا مضافة إلى المائتين، فصارت مائتين وثلاثين وجهًا تبطل معارضتهم للنصوص بالتوهمات والظنون الكاذبة التي يُسمونها عقليات. الوجه الحادي والثلاثون بعد المائتين: أن نقول: إذا عارضتم بين المعقول والمنقول فإمَّا أن تكذِّبوا المنقول وإمَّا أن تصدِّقوه. فإن كذَّبتموه أُلحقتم بأعداء الرُّسل المكذِّبين لهم، وانسلختم من العقل والدِّين كانسلاخ الشعرة من العجين. وإن صدَّقتم المنقول فإمَّا أن تعتقدوا أن له معنًى، أو تقولوا: لا معنى له. ولا يمكنكم أن تقولوا بالثاني؛ إذ تستحيل المعارضة على هذا التقدير، وتبطل المسألة التي أصَّلتموها من أصلها. وإن قلتم: بل للمنقول معانٍ [ق ١٢٨ ب] قصدها المتكلم وأراد من العباد اعتقادها والإقرار بها، فإما أن يدل اللفظ عليها أو لا يدل. فإن لم يدل اللفظ

стр. 1155

عليها كان ذلك متضمنًا للمحال والعبث والقدح في الربِّ تعالى ورسله وكلامه من وجوهٍ متعددةٍ، فكيف يحسُن به وبرحمته وحكمته وعنايته بخلقه ولطفه بهم وإحسانه إليهم أن يخاطبهم بكلامٍ يريد منهم أن يفهموا منه ما لا يدل عليه بوجهٍ ما؟! وهو سبحانه قد أكذب هذا الظن الكاذب الجائر بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٥] وقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ آاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٣]. فخطابهم بذلك من جنس خطاب كل أمةٍ بِلُغةٍ لا تفهمها البتة، بل أبعد منه، لأنها يمكنها التوصل إلى معرفة المراد بهذا الخطاب بالترجمة كما يُترجم التَّرَاجِم بين الرُّسل والملوك. وأمَّا الخطاب بما لا يدل على المعنى المراد بوجهٍ في لغة من اللغات وإرادة اعتقاد ذلك المعنى منه فلا يفعله عاقلٌ، ويُصان عنه عقلاء البشر فضلًا عن أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأعدل العادلين. وهذا لو كان المراد منه معاني لا يناقضها الكلام ولا يدل عليها بنفيٍ ولا إثباتٍ، فكيف إذا كان الكلام المخاطب به له معانٍ تُناقض تلك المعاني التي أراد منهم فهمها ومخالفتها؟ فهذا أبلغ في الإحالة. وإن قلتم: بل له معانٍ ظاهرةٌ مفهومةٌ أراد من العباد اعتقادها والإقرار بها، فإمَّا أن تقولوا: هي في نفسها حقٌّ مطابقٌ للواقع، أو تقولوا: ليس لها وجودٌ بل هي منتفيةٌ في نفس الأمر. فإن قلتم بالأول صدقتم، ورجعتم إلى موجب العقل والنقل. وإن قلتم بالثاني لزمكم أن يكون الله ورسوله أراد من العباد اعتقاد الباطل والضلال والتشبيه والتجسيم، وهذا غاية المُشاقَّة (١) والقدح في الحكمة والرحمة.

стр. 1156

وإن قلتم: له معانٍ ظاهرةٌ مفهومةٌ أراد من العباد نفيها وإنكارها وعدم اعتقادها ـ وهذا هو حقيقة قولكم ـ لزمكم نسبة الله ورسوله إلى ما لا يليق بآحاد العقلاء، فضلًا عن ربِّ الأرض والسماء، وخاتم الرسل وسيد الأنبياء؛ فإنه يكون قد خاطبهم بإثبات ما أراد منهم نفيه، وتحقيق ما أراد منهم إبطاله، وعرضهم لأنواع الكفر والضلال والتشبيه؛ وكان بمنزلة من أراد أن يصف لعليل دواءً يستشفي به، فوصف له دواءً قاتلًا، وأخبره أن فيه الشفاء والعافية، وأراد منه أن يأخذ من ألفاظ ذلك الدواء ما لا يدل عليه بل على خلافه! فهل يكون هذا المداوي إلَّا من أجهل الناس وأعظمهم تلبيسًا وتدليسًا؟ فلا بد لكم من أحد هذه الأقسام المذكورة، فإن كان هاهنا قسمٌ آخر فبيِّنوه وبيِّنوا صحته. يوضحه: الوجه الثاني والثلاثون بعد المائتين: وهو أن الأدلة العقلية التي زعمتم أنها تعارض النقل وتنفي موجبه هي بعينها تنفي المعاني التي تأولتم النقل عليها، وصرفتم معناه إليها، فإنكم لا يمكنكم تعطيل دلالة النصوص بالكلية وجعلها بمنزلة الكلام المهمل الذي لم يستعمله العقلاء، بل لا بد لكم من حملها على معانٍ أُخر غير حقائقها التي دلَّت عليها، وحينئذٍ فالأدلة العقلية التي نفيتم بها حقائق النصوص تنفي تلك المعاني التي تأولتموها عليها بعينها. مثاله: أنكم تأولتم الرحمة والرأفة بالإرادة، وزعمتم أن الدليل العقلي يقتضي نفي الرحمة والرأفة حقيقة، وهو إمَّا دليل الأعراض، وإمَّا دليل التركيب، وإمَّا الدليل الذي ينفي التجسيم والتشبيه، وإمَّا دليل التوحيد الذي ينفي ثبوت شيءٍ من الصِّفات، وإمَّا دليل امتناع الكيفيات النفسانية عليه،

стр. 1157

وإما دليل امتناع الاختصاص بغير مخصصٍ أو غير ذلك. فجميع هذه الشُّبه الباطلة تنفي كل معنًى حملتم عليه النصوص، ويلزمكم فيما أثبتموه نظير ما لزمكم فيما نفيتموه. وإذا كان الإلزام ثابتًا على التقديرين لم تستفيدوا بتأويل النصوص وحملها على خلاف حقائقها إلَّا تحريف الكلم عن مواضعه، والقول على الله بلا علم، والجناية على الكتاب والسُّنَّة. فلو أنكم تخلصتم بالتحريف ممَّا فررتم منه من التشبيه والتجسيم كنتم قد صنعتم شيئًا، ولكن أصابكم في ذلك ما أصاب القائل (١): وَأَفْقَرَنِي فِيمَنْ أُحِبُّ وَمَا اسْتَغْنَى فهذان وجهان يَعُمَّانِ كل ما ينفون من الصِّفات الإلهية ويتأولونه على غير تأويله من النصوص النَّبوية ويعتمدون عليه من الأقيسة العقلية. الوجه الثالث والثلاثون بعد المائتين: أن لازم هذا القول بل حقيقته (٢) أن أسماء الربِّ تعالى إنما تُطلق عليه مجازًا لا حقيقة، فإنه إذا قام الدليل العقلي على انتفاء حقائقها صار إطلاقها بطريق المجاز والاستعارة لا بطريق [ق ١٢٩ أ] الحقيقة، فيكون إطلاقها على المخلوق بطريق الحقيقة، إذ لا يمكن أن يكون مجازًا في الشاهد والغائب، وقد نفيتم أن يكون حقيقةً في حقِّ الربِّ سبحانه، فتكون حقيقة في المخلوق مجازًا في الخالق، فيكون المخلوق أحسن حالًا فيها من الخالق، وتكون حُسنى في حقِّه دون حقِّ الربِّ

стр. 1158

تعالى؛ لأنها إنما كانت حُسنى باعتبار معانيها وحقائقها، لا بمجرد ألفاظها، فمن له حقائقها (١) فهي في حقه حُسنى، دون من انتفت عنه حقائقها. وكفى بهذا خروجًا عن العقل والسمع، وإلحادًا في أسمائه سبحانه! قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ اِلْأَسْمَاءُ اُلْحُسْنى فَاَدْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا اُلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠]. فإن قلتم: حقائقها بالنسبة إليه ما يليق به، وهو ما تأولناها عليه، وحينئذٍ فتكون حُسنى بذلك الاعتبار، وتكون حقيقة لا مجازًا. قيل: فهلَّا حملتموها على حقائقها المفهومة منها على وجهٍ يليق به ولا يماثله فيه خلقه، كما فعلتم بحملها على تلك المعاني التي صرفتموها إليها؟ فإن قلتم: حملها على ذلك يستلزم محذورًا من تلك المحاذير. قيل: فكيف لم يستلزمه فيما أثبتموه من تلك المعاني، واستلزمه فيما نفيتموه؟ وإذا كنتم قد أثبتم تلك على وجهٍ يختص به ولا يماثل خلقه فيه فأثبتوا له حقائقها على هذا الوجه، وتكونون للعقل والنقل موافقين، وللكتاب والسُّنَّة مصدِّقين، ولسلف (٢) الأُمَّة وأعلمها بالله وصفاته وأسمائه موافقين، وعن سبيل أهل الإلحاد والتعطيل عادلين. الوجه الرابع والثلاثون بعد المائتين: أن الناس في هذه الأسماء التي تقال على الربِّ وعلى العبد مختلفون على أقوال:

стр. 1159

فقالت غُلاة المعطلة من الجهمية: إنها مجازٌ في حقِّ الخالق حقيقةٌ في حقِّ المخلوق، وإنها استعيرت له من أسمائهم، وهذا كما قيل: خرَّ عليهم السقف من تحتهم، لا عقل ولا قرآن! فكيف يُستعار للقديم الخالق سبحانه أسماء من المُحْدَث المخلوق، وكيف يُستقرض للغني الواجد من الفقير المُعْدَم؟! أترى لم يكن في الممكن أن يكون للربِّ سبحانه من الأسماء إلَّا ما استُعير له من أسماء خلقه؟ ولمَّا رأت (١) طائفة من العقلاء شناعة هذا المذهب وبطلانه قابلوا قائليه وقالوا: بل هي حقيقةٌ في الربِّ، مجازٌ في العبد. وهذا قول أبي العباس [الناشئ] (٢) وقد وافقه عليه طائفةٌ، ويلزم أصحاب هذا القول صحة نفيها عن المخلوق كما يلزم أصحاب القول الأول صحة نفيها عن الخالق. والقولان باطلان، مع أن أصحاب هذا القول وإن كانوا خيرًا من أولئك فهم متناقضون، فإنهم إن أثبتوا للربِّ تعالى حقائقها المفهومة منها فجعلُها مجازًا في المخلوق ممتنع، فإن المعنى الذي كانت به حقيقة في الغائب موجود في الشاهد وإن كان غير مماثل، بل للربِّ منه ما يختص به ولا يماثله فيه المخلوق، وللمخلوق منه ما يختص به ولا يماثله فيه الخالق. وهذا لا يوجب أن تكون مجازًا في حقِّ المخلوق كالوجود والشيء والذات. وإن

стр. 1160

أثبتوها على غير حقائقها المفهومة منها بل جعلوا معناها ما تأولوها عليه فقلبوا الحقائق وعكسوا اللغة وأفسدوها، وجعلوا المجاز حقيقةً والحقيقة مجازًا. هذا، وهم أعذر من أولئك وأقل خطأ، فإنهم جعلوها مجازًا في حقِّ من هو أولى بها من (١) خلقه وأولى من تثبت له على أتم الوجوه وأكملها أزلًا وأبدًا ووجوبًا وبراءةً عن كل ما ينافي ذلك، وجعلوها حقيقةً في حقِّ من استعيرت له على وجه الحدوث والضعف والنقص، فهؤلاء أعظم قلبًا للحقائق ومخالفة للمعقول من أولئك. وقالت طائفةٌ ثالثة: بل هي حقيقة في الغائب والشاهد كالوجود والشيء والذات، وإن لم تماثل الحقيقة الحقيقة. ثم اختلف هؤلاء فقالت طائفةٌ: هي مقولة عليهما بالاشتراك اللفظي؛ لتباين الحقيقتين من كل وجهٍ. وهذا من أفسد الأقوال؛ فإن كل عاقلٍ يفرق بين لفظي (٢) العين ولفظ المشتري ولفظ العين ونحوها (٣)، وبين لفظ السميع والبصير والحي والعليم والقدير، ويفهم المعنى من هذه الألفاظ عند إطلاقها دون تلك، فلو كانت مشتركة لم يُفهم منها شيءٌ عند الإطلاق. وقالت طائفةٌ أخرى: بل يقال على القديم والحادث بطريق التواطؤ (٤)،
следующие страницы →