٣ - عبد اللطيف بن أبي سعد
عبد اللطيف بن إسماعيل بن شيخ الشيوخ أبي سعد وكنيته أبو الحسن ولقبه ضياء الدين، ولد سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة، وكان صالحًا ثقة، وكان شيخ الرباط الذي بالمشرعة شرقي بغداد سمع منه السامري (١) وغيره (٢) توفي في ذي القعدة من عام ست وتسعين وخمسمائة وذلك بدمشق (٣).
стр. 107
المبحث الثاني تلامذته
مجهودات أي شخص في حياته العلمية والعملية تبرز في حياته وتعرف بعد مماته من دراسة سيرته وحياته.
ومؤلفنا ﵀ أوردت سيرته وحياته في كتب عديدة، إلا أن هذه الكتب الي تعرضت لترجمته لم يرد فيها خبر واضح بأنه جلس للتدريس كغيره، وإنما ورد في بعضها إشارات تفيد بأن هناك عدد يسير من المتعلمين في وقته استفادوا منه.
فقد ذكر صاحب الذيل على طبقات الحنابلة عند ترجمته للسامري أن ابن الساعي المؤرخ نقل عنه (١).
كما قد ذكر عند ترجمته ليحيى بن أبي منصور "لقي الكبار كالسامري مصنف المستوعب" (٢).
وفي هذا المبحث سأذكر ترجمتين لهذين العالمين.
стр. 108
١ - ابن الساعي
هو علي بن أنجب (١) بن عثمان بن عبد الله أبو طالب تاج الدين ابن الساعي مؤرخ، لغوي، مفسر، فقيه، محدث.
ولد ببغداد (٢) سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة من الهجرة وتوفي سنة أربع وسبعين وستمائة هجرية ببغداد له تصانيف كثيرة منها:
الجامع المختصر في عنوان التاريخ وعيون السير وطبقات الفقهاء والإيضاح عن الأحاديث الصحاح، وشرح المقامات للحريري (٣).
стр. 109
٢ - يحيى بن أبي منصور
هو يحيى بن أبي منصور بن أبي الفتح بن رافع بن علي بن إبراهيم الحراني، الفقيه المحدث، المعمر، جمال الدين، أبو زكريا بن الصيرفي، ويعرف بابن الجيشي أيضًا نزيل دمشق.
ولد سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة بحران.
سمع بها من الحافظ عبد القادر الرهاوي (١) وغيره.
رحل إلى بغداد سنة سبع وستمائة فسمع من علماء كثيرين،
لقي الكبار كالسامري، مصنف المستوعب، والشيخ أبي البقاء، والشيخ الموفق (٢) سمع بالموصل من جماعه.
برع ﵀ في المذهب الحنبلي ودرس وناظر، وكان فقيهًا متعبدًا، ضخم العلم والعمل.
له حلقة بجامع دمشق تخرج به جماعة، وروى الكثير.
له تصانيف عديدة منها (نوادر المذهب)، (عقوبات الجرائم).
سمع منه أناس كثير منهم الشيخ ابن تيمية.
صورة الورقة الأولى المتضمنة لعنوان الكتاب واسم المؤلف من النسخة الظاهرية
стр. 113
صورة الورقة الثانية من نسخة الظاهرية
стр. 114
صورة الورقة الأخيرة من الجزء الأول
стр. 115
بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن
الحمد لله الذي أنزل الفرقان وأوضح البيان وصلي الله على رسوله سيدنا محمَّد النبي وآله وأصحابه وأزواجه والتابعين لهم بإحسان، وبعد.
فإنه تكرر سؤال بعض أصحابنا كثرهم الله تعالى أن أصنف كتابًا على مذهبنا (١) يتضمن المسائل المشتبهة صورها المختلفة أحكامها (وأوضح الفروق بينهما وأبين (٢) مآخذ أحكامها) وأدلتها وعللها ليتضح للفقيه طرق الأحكام ويكون قياسه للفروع على الأصول متسق النظام ولا يلتبس عليه
стр. 116
طرق القياس فيبني حكمه على غير أساس فأجبته إلى ذلك مع ما أنا عليه من كثرة الهموم وتقسم الفكر متضرعًا إلى الله سبحانه في معونتي وخاضعًا له في توفيقي وعصمتى وهو بكرمه يسمع ويجيب.
فنبدأ بكتاب الطهارة فنقول: -
стр. 117
كتاب (١) الطهارة (٢)
فصل (٣):
إذا طرح في الماء تراب فتغير به طعمه أو لونه أو ريحه لم يسلبه التطهير (٤).
стр. 118
ولو طرح فيه طاهر غير التراب كالزعفران والعصفر والصابون والملح الحجري ونحوه فتغير بمخالطته بعض صفاته سلبه التطهير (١).
والفرق بينهما:
أن التراب يوافق الماء في صفتيه الطهارة والتطهير (٢) فلا يسلبه بمخالطته شيئًا منهما كما لو تغير الماء العذب بالماء المالح أو المر وليس كذلك غيره من الطاهرات لأنها لا تطهير فيها فإذا تغير بمخالطتها بقي الوصف الذي يوافقه فيه وهو الطهارة وسلبه الوصف
стр. 119
الذي يخالفه فيه وهو التطهير لمخالفتها له فيه وذلك لأن المخالط للماء (١) على ثلاثة أضرب.
أحدهما ما يوافق الماء في صفتيه الطهارة والتطهير وهو التراب فلا يسلبه بمخالطته شيئًا منهما (٢).
والثاني ما يخالف الماء في صفتيه المذكورتين (٣) وهو النجاسة فيسلبه بمخالطته الصفتين جميعًا (٤).
الثالث ما يوافقه في الطهارة ويخالفه في التطهير فيسلبه بمخالطته ما يخالفه فيه وهو التطهير ويبقى ما يوافقه فيه وهو الطهارة (٥).
فصل:
إذا تغير الماء بجريانه على معادن الملح والكبريت (٦) أو الزرنيخ (٧) أو
стр. 120
الكحل (١) أو المغره (٢) ونحوها لم يسلبه التطهير (٣).
ولو طرح فيه شيء من ذلك فتغير زالت طهوريته (٤).
والفرق بينهما:
أن تغيره بجريانه على معادن هذه الأشياء لا يمكن الاحتراز منه فعفي عنه للعسر والمشقة كما عفى عن تغيره بالطحلب (٥) والحشحيش الثابت في الغدران وأوراق الأشجار الساقطة في السواقي والأنهار (٦) وليس كذلك إذا حملت هذه الأشياء فطرحت فيه لأنه قد أمكن الاحتراز منها فلم يعف عنها (٧).
стр. 121
فصل:
إذا طرح في الماء ملح مائي فغيره فهو على طهوريته (١).
ولو طرح فيه ملح حجري فغيره زالت طهوريته (٢).
والفرق بينهما:
أن الملح المائي طهور قبل جموده لأنه ماء فهو كماء البحر فإذا ذاب عاد إلى طهوريته كالثلج والبرَد (٣) إذا ذابا أو أذيبا فانهما يكونان طهورين (٤) بخلاف الملح الحجري فإنه ليس بطهور بحال لأنه ليس أصله الماء فهو كالنورة والزرنيخ (٥).
فصل:
إذا أصاب الماء نجاسة ولم يتغير بها شيء من صفاته فإن كان قلتين (٦)
стр. 122
لم ينجس (١).
وإن كان دون القلتين نجس في أصح الروايتين (٢)(٣).
стр. 123
والفرق بينهما:
من حيث النص وهو قوله ﵇ (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا) وفي لفظ (لم ينجسه شيء) (١) فدل على أن ما دون القلتين
стр. 124
يحمل الخبث وينجس وإن لم يتغير وإلا لم يبق للتحديد فائدة لأن ما يتغير بمخالطة النجاسة ينجس قليلًا كان أو كثيرًا.
فصل:
إذا زال تغير الماء النجس بنفسه وكان قلتين طهر بذلك (١) فإن كان دون القلتين لم يطهر بذلك (٢).
والفرق بينهما:
أن القلتين فصاعدا علة تنجيسه تغيره وقد زال فطهر كما لو وقع فيه نجاسة لم تغيره فإنه يكون طاهرا بخلاف ما دون القلتين فإن علة تنجيسه موجودة بعد زوال الغيار فكان نجسًا كما لو أصابته نجاسة لم يتغير بها فإنه يكون نجسًا مع عدم التغير (٣) كذلك ها هنا.
فصل: إذا كان الماء فوق (٤) القلتين فوقع فيه
стр. 125
خمسة (١) أرطال بول كلب ولم تغيره جاز استعمال جميعه (٢) غرفة بعد غرفه (٣).
ولو وضع كلب يده فيه لم يجز أن يستعمل منه غرفة بعد غرفة ويد الكلب فيه (٤).
والفرق بينهما أن بوله نجاسة مايعة سقط حكمها باستهلاكها في الماء وهو محكوم بطهارته فجاز استعمال جميعه (٥).
стр. 126
وليس كذلك يده لأنها عين قائمة حكمها بأن فإن أزالها أولًا جاز استعمال جميع الماء بعد ذلك لأنه طاهر لا نجاسة فيه.
وإن غرف منه شيء ويد الكلب فيه فالمغروف طاهر والباقي نجس لأنه دون القلتين وفيه نجاسة قائمة (١).
فصل:
وإذا ولغ الكلب في إناء فيه قلتان فصاعدا ماء طهورا فالماء والإناء طاهران (٢)
ولو لم يكن فيه قلتان فطرح فيه قلتان أو أكثر ماء طهورا ولم يتغير فالماء طاهر والإناء نجس (٣).
والفرق بينهما:
أن ولوغه في القلتين لم يوثر في نجاسة الماء فلم يؤثر في نجاسة الإناء فبقى الماء والإناء على طهارتهما بخلاف ما إذا ولغ فيه وليس فيه
стр. 127
قلتان فإنه ينجس فإذا طرح فيه قلتان أو أكثر فالماء طاهر لبلوغه ما حده الشرع به غير متغير والإناء على نجاسته لأنه لم يرد عليه الغسلات السبع التي جعلها الشرع مزيلة لنجاسته (١).
ولا يعرف ماء طاهر في إناء نجس إلا في مسألتين هذه المسألة والأخرى إذا كان الإناء من جلود الميتة والماء قلتان فصاعدا غير متغير.
فصل:
اتخاذ الآنية من الذهب والفضة حرام على الرجال والنساء (٢) واتخاذها من غيرها من سائر الجواهر الطاهرة الكثيرة القيمة كالياقوت والزمرد وغير ذلك مباح (٣).
стр. 128
والفرق بينهما:
أن أواني الذهب والفضة نهى الشرع عن استعمالها يقول النبي ﷺ (لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة) (١).
وقال أيضًا (الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر (٢) في جوفه نار جهنم) (٣).
وإذا حرم الاستعمال حرم الاتخاذ لأن ما لا يجوز استعماله لا يجوز اتخاذه كالطنبور (٤) والبربط (٥) ولأن السرف والخيلاء فيها ظاهر يعرفه كل أحد فيفضي إلى كسر قلوب الفقراء.
стр. 129
وليس كذلك غيرهما من الجواهر الطاهرة لأنه لم يرد الشرع بتحريم الآنية والسرف والخيلاء غير ظاهر فيها لأنه لا يعرفه إلا الخواص من الناس فلا يفضي إلى كسر قلوب الفقراء فافترقا.
فصل:
إذا كان ماء في أواني فنجس بعضها واشتبهت عليه ولم يجد غيرها جاز له التحري (١) فيها للشرب مع الضرورة (٢) ولا يجوز مع عدم الضرورة (٣) ولا يجوز التحري فيها للطهارة (٤)
стр. 130
والفرق بينهما:
أنه اشتبه المباح بالمحظور فلم يجز التحري فيما لا تبيحه الضرورة كما لو اشتبهت أخته بالأجانب (١) والمطلقة بغيرها والمعتق بغيره (٢).
وليس كذلك تحري المضطر للشرب لأن ذلك تبيحه الضرورة بدليل إباحة الميتة له (٣) وكذلك يجوز للمضطر التحري في مسلوختين إحداهما ميتة ولا يجوز ذلك لغير المضطر.
ويجوز التحري في القبلة حال اشتباهها (٤) لأن الضرورة تبيح تركها حال المسايفة (٥).
стр. 131
فرق آخر أنه لا فائدة في التحري فيها للطهارة لأنه لا يحصل الطهارة لأن الحدث متيقن ويقين الحدث لا يزول بطهارة مشكوك فيها فإذا لم يزل حدثه لا تصح صلاته ثم لا يأمن التنجيس فإذا ثبت بقاء الحدث وبقاء الصلاة في ذمته فعليه فعلها بالتيمم ليحصل له تأدية فرضه بيقين ولم يجز له استعمال شيء من الماء بالتحري خوفًا من التنجيس به.
وأما التحري فيه للشرب مع الضرورة ففيه فائدة وهو إحياء النفس وغاية ما يقدر أنه شرب النجس وذلك جايز مع الضرورة بدليل أنه لو لم يجد المضطر إلا ماء نجسًا جاز له شربه كما يجوز له أكل الميتة وكذلك يجوز له التحري في مسلوختين إحداهما ميته والأخرى مذكاة ولا يجوز لغير المضطر التحري في ذلك.
فصل:
فإذا ثبت أنه لا يتحرى (١) في الأواني فإنه يصلي بالتيمم (٢) صلاة واحدة ويجزيه.
ولو اشتبهت عليه الثياب الطاهرة بالنجسة لم يجز له التحري فيها ولزمه تكرار فعل الصلاة في ثوب بعد ثوب بعدد النجس وزيادة صلاة ليحصل له تأدية فريضته بيقين (٣).
стр. 132
والفرق بينهما:
أن الواجب عليه تأدية فرضه بيقين وإذا صلى بالتيمم مرة واحدة فقد أدى فريضته بيقين لأن فرضه الصلاة بالتيمم وقد فعله فلا يلزمه غير ذلك كما لو نجست جميع الأواني.
والدليل على أن فرضه الصلاة بالتيمم أنه لا يخلو إما أن يقال يتوضأ من أحدهما من غير تحر فهو خرق الإجماع أو يقال يتوضأ بالتحري فقد أبطلنا ذلك (١).
أو يقال يتوضأ من كل واحدة منهما ويصلي فهذا تنجس قطعًا ويقينًا أو يقال يترك الصلاة مع قدرته على التيمم فلا قائل بذلك فلم يبق إلا التيمم وهو ما قلناه.
وليس كذلك في الثياب لأن فرضه تأدية الصلاة بيقين ولا يحصل ذلك
стр. 133
إلا بتكرار فعل الصلاة في ثوب بعد ثوب بعدد النجس وزيادة صلاة فلزمه ذلك كما لو كان عليه صلاة من صلوات يوم لا يعلم عينها فإنه يلزمه قضاء جميع صلوات اليوم ليؤدي فرضه بيقين كذلك ها هنا.
فصل:
إذا أخبره ثقة أن هذا الكلب ولغ في هذا الإناء (١) والآخر لا في ذلك الإناء نظرنا فإن لم يوقتا وقتا حكمنا بنجاستهما جميعًا
وإن وقتا وقتًا لا يتسع ولوغه فيهما حكمنا بطهارتهما جميعًا (٢).
والفرق بينهما:
أنهما إذا لم يوقتا أمكن صدقهما جميعًا بأن يراه كل واحد منهما يلغ في الإناء الذي ذكره في غير الوقت الذي رآه الآخر وإذا أمكن صدقهما وقولهما مقبول وجب العمل به (٣) وثبت ولوغه فيهما فحكمنا بنجاستهما.
стр. 134
وليس كذلك إذا وقتا وقتًا لا يتسع لولوغه فيهما لأنه لا يمكن.
الجمع بين قولهما (١) لضيق الوقت عن ولوغه فيهما فإذا ثبت ذلك لم يحتمل صدقهما جميعًا وليس أحدهما أولى بقبول القول من الآخر فيتعارض قولاهما ويسقطان كما تسقط البينتان بالتعارض ويبقى الإناءان على أصل الطهارة.
فصل:
يصح الوضوء (٢) للصلاة قبل دخول وقتها.
ولا يصح التيمم للصلاة قبل دخول وقتها (٣).
والفرق بينهما:
أن الوضوء والتيمم مأمور بهما بعد دخول وقت الصلاة لقوله تعالى ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية (٤) والقيام إلى
стр. 135
الصلاة إنما يكون بعد دخول وقتها فظاهر الأمر يقتضي وجوب الوضوء والتيمم عند إرادة القيام إلى الصلاة لأن (١) الشرع ورد في الوضوء يجب تقديمه على الوقت لأن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة فلما كان يوم الخندق وقيل (بل) (٢) يوم الفتح (٣) جمع بـ أربع صلوات بوضوء واحد فقال له عمر (٤) ﵁ في ذلك أعمدا فعل ذلك رسول الله فقال (عمدًا فعلت ذلك يا عمر لكي لا تحرج أمتي) (٥) ثم إن
стр. 136
الإجماع على جواز تقديم الوضوء على وقت الصلاة وبقي ظاهر (الأمر) (١) في التيمم بحاله.
وأيضًا ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: (جعلت لي الأرض مسجدًا وترابها طهورًا أينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت) (٢) فجعل شرط تيممه حالة إدارك الصلاة، وحالة إدراك الصلاة حالة دخول وقتها.
وفرق آخر:
وهو أن الوضوء يرفع الحدث (٣) ويصح بنيته رفع الحدث وإن لم ينو غيره وإذا ارتفع حدثه استباح الصلاة وغيرها مما يشترط له الوضوء.
وليس كذلك التيمم لأنه لا يرفع الحدث ولا يصح بنيته رفع الحدث وإنما يصح بنية استباحة صلاة الفرض فلذلك لم يصح إلا في وقت جواز فعلها (والله أعلم) (٤).
فصل: (٥)
الترتيب في أعضاء الوضوء واجب (٦).
стр. 137
ولا يجب في الميامن مع (١) المياسر (٢).
والفرق بينهما:
أن اليمنى مع اليسرى في حكم العضو الواحد بدليل أن الماسح على خفيه لو خلع أحدهما بطلت طهارة رجليه جميعًا كما لو خلع الخفين وكذلك لو مسح على أحد خفيه وغسل الرجل لم يجزه ذلك كما لو مسح على خف فيه خرق قد ظهر منه بعض القدم وغسل ما ظهر من القدم لأن ذلك تبعيض العضو الواحد وذلك لا يجوز.
فإن قيل فإذا كانا في حكم العضو الواحد فلم لا يجزي غسل أحدهما بما غسل به الآخر كما يجزئه إجراء الماء من موضع العضو إلى موضع آخر منه.
قلنا: ما دام الماء على اليد الواحدة أو الرجل الواحدة فهو في محل التطهير يجري على أبعاضه فيطهرها ولا يعد بانتقاله من محل منه إلى محل آخر منه منفصلا ولا مستعملًا ما لم ينفصل عن محل التطهير ألا ترى أن الماء القليل إذا ورد على الثوب النجس بالبول يطهره فلا يقال إنه بإصابته لأول جزء من محل النجاسة ينجس فلا يطهر ما سرى إليه من بقية محل النجاسة وإنما كان كذلك لأن الشرع جعل للماء حكم التطهير ما لم ينفصل عن محل التطهير فكذلك في مسألتنا فإذا انفصل عن اليد والرجل تغير حكمه وصار له حكم آخر وسمى مستعملًا بانفصاله عن محل
стр. 138
الاستعمال فزال عنه حكم الطهورية فلذلك لم يرفع حدث اليد الأخرى كما لا يرفع حدث غيرها وكما لو غسل بعض يده وانفصل الماء عنها فأعاده فغسل به باقي اليد فإنه لا يطهر باقيها لأنه بانفصاله صار مستعملا والله أعلم.
فصل:
إذا توضأ لنافلة جاز له أن يصلي به فريضة وغيرها (١).
ولو تيمم لنافلة لم يجز أن يصلي به فريضة (٢).
стр. 139
والفرق بينهما:
أن الوضوء يرفع الحدث ومع ارتفاع الحدث يستبيح فعل النوافل والفرائض بدليل أنه لو نوى بوضوءه رفع الحدث استباح ذلك.
وليس كذلك التيمم فإنه لا يرفع الحدث وإنما تستباح به الصلاة مع قيام الحدث فلهذا لا يستبيح به الفريضة حتى ينويها لأن رتبة الفرض أعلى من رتبة النفل فلا يصح الأعلي بنية الأدنى كما لو أحرم بالصلاة بنية النفل ثم أراد أن يقلبها إلى الفرض فإنه لا يصح كذلك ها هنا (والله أعلم) (١).
فصل:
يجزي المسح في الطهارة الصغرى على الخفين والجرموقين (٢) والجوربين (٣) وعمامة (٤) الرجل وخمار (٥) المرأة (٦).
ولا يجزئ المسح في الطهارة الكبرى على شيء من ذلك.
стр. 140
والفرق بينهما:
ما روى صفوان (١) بن عسال المرادي قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا مسافرين (أو سفرى) (٢) أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ولكن من بول أو غائط
стр. 141
أو نوم (١) ثم يحدث لذلك (٢) وضوءا.
ومن المعنى أن الوضوء يتكرر سببه في كل وقت فيشق خلع الخف وما في معناه فرخص في المسح عليه بخلاف الطهارة الكبرى فإنه لا يتكرر سببها مثل الوضوء فلا يشق خلع الخف لأجلها.
فصل:
المسح فيما يجوز المسح عليه مؤقت بيوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام ولياليهن للمسافر (٣) إلا الجبيرة (٤) فإنه يجوز المسح عليها إلى أن يحلها
стр. 142
وإن طالت المدة (١)
والفرق بينهما:
ما روى مسلم (٢) في صحيحه وغيره عن شريح (٣) بن هانئ قال سألت عائشة (٤) (رضي (٥) الله عنها) عن المسح على الخفين فقالت
стр. 143
ائت عليا (١) فإنه أعلم بذلك فأتيت عليًّا ﵇ فسألته فقال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن يمسح المقيم يومًا وليلة والمسافر ثلاثًا (٢).
وأما الجبيرة فلما روى أن عليًّا كرم (٣) الله وجهه كسر زنده (٤) يوم أحد (٥) فجبره فأمره النبي ﷺ أن يمسح على الجبيرة
стр. 144
ولم يوقت (١).
ومن المعنى أن جواز المسح على الخفين لأجل المشقة في خلعهما ولا مشقة في خلعه بعد الوقت المقدر وجواز المسح على الجبيرة لخوف الضرر بحلها قبل البرئ فقدر بذلك والله أعلم.
فصل: (٢)
إذا توضأ وغسل إحدى رجليه وأدخلها الخف ثم غسل الأخرى وأدخلها لم يجزه المسح عليهما (٣).
стр. 145
فلو خلع الملبوس أولًا ثم عاد لبسه أجزأه المسح عليها (١).
والفرق بينهما:
أن في المسألة الأولى لبس الخف قبل كمال الطهارة فلم يجز له المسح عليه كما لو لبسه قبل غسل تلك الرجل.
وأما إذا خلعه ثم عاد لبسه فقد لبس الخفين بعد كمال الطهارة فجاز له المسح عليهما كما لو لم يلبس شيئًا منهما قبل كمال الطهارة.
فصل: (٢)
إذا لبس خفيه قبل كمال الطهارة ثم أحدث وتوضأ ولم يمسح على خفيه ثم خلعهما قبل أن ينشف يداه أجزأه غسل رجليه لاتمام طهارته ولو مسح على خفيه اللذين قد لبسهما على طهارة كاملة ثم خلعهما وغسل رجليه قبل أن ينشف يداه فالأشبه عندي أنه لا يجزيه غسل رجليه (٣).