← Акыда

Акыда · id 18567

المنهاج في شعب الإيمان

الحليمي

Полный текст (1 512 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

بالاسترقاق، لأن حقهما عليه يقتضي أن يخفض لهما جناح الذل من الرحمة. والاسترقاق استصغار واستذلال، فاستحال يستذل من أمر بالذلة لهما، ومن ذلك وجوب النفقة لهما عليه عند الحاجة ليكون سببًا لبقائهما عند حاجتهما إلى معونته، كما كانا سببًا لوجوده. ومن ذلك أن على الابن أن يعف أباه إذا عاد وبصق. وقدر الإبن على إعفائه ليصونه عن الرجم والجلد فلا يناله واحد منهما من قبله، قياسًا على أنه لو قتله لم يضل لأجله، ولو قذفه لم يجلد لأجله. فكذلك لا ينبغي أن يناله في بدنه رجم ولا جلد من قبله، ولو لم يعفه وهو قادر على إعفائه، حتى أوقعه السبق في أحد الحدين لكان ذلك قد أصابه من قبله، لأنه قادر على دفعه عنه بالاعقاف ولم يفعل. فثبت بذلك أن عليه إعقافه. وذكر بعض العلماء أن الأب لا يحبس في دين الابن، ولم يختلفوا في أنه لا تقطع إذا سرق مال الولد. ومعناه ما مضى، أن ابن الأب سبب لوجود الولد على ما هو عليه من كمال خلقه وتمام إعطائه، فجري عنه بأن لا ينقص شيء منه لأجله، ومن ذلك أن أحد الأبوين إذا وهب لولده شيئًا وسلمه إليه، كان له أن يراجعه إن بدا له. قال النبي ﷺ : (لا يحل لأحد أن يرجع فيما وهب إلا الوالد فيما وهب لولده). ومعنى ذلك أن الوالد لا يعطي ولده ماله إلا استزاده به من بره. ولا يرجع عطيته في الغالب إلا لعقوق يظهر منه. فإذا كانت العطية لاستزاده إليه فكانت فيهما عقوق، كانت كما لو وقعت شرط ثواب، فلم يوصل إلى الثواب. وإذا كانت أحكام الله تعالى موضوعة على ما وضعت، فواجب على الولد أن ينهج في تعظيم الأبوين وطاعتهما المنهج الذي يليق بهذا الموضوع. فإذا أصبح تقدم إلى الأبوين تقدم العبد إلى سيده وسلم عليهما، أو حياهما بأحسن ما تكون التحية، وانتظر ما يأمرانه به ويمثلانه به، فيبلغ فيه ما يسرهما ويرضيهما عنه إن قدر ولم يحل دونه حائل. فإن كان له عذر أخبرهما به غير متضجر من أمرهما ولا مستقل إياه على أرفق وجه وأقربه إلى أن يستوحشا عنه ولا يظنا به خلاف ما عنده، وكان في عامة الأوقات لهما كما يحبان ويرضيان. فإن احتاجا إلى ماله لم يبخل به عليهما. وإن لم يكن له مال، وكان له كسب واحتاجا

стр. 1332

إليه كسب عليهما كما يكسب على نفسه، ووفاهما كل ما يفيه نفسه. وإن أراد الجهاد متطوعًا ولم يكن فقيرًا، فمعناه قعد، لأن النبي ﷺ قال للذي يريد الجهاد: (هل لك أبوان؟ قال: نعم. قال: ففيهما الجهاد). وإذا كان هذا مما يؤمر به إذا كان له أبوان يحتاجان إلى قيامه عليهما، فهما إذا صرحا بالنهي كان ذلك ألزم له وأوجب عليه. وإن خرج إلى الجهاد وهما لا يعلمان، أو علما ولم يتهيآ، أو أذنا ثم بدا لهما فأرادا رده، فواجب عليه أن يرجع ما لم يلتق الزحفان، فإذا التقيا لم يجز له أن يرجع. وهكذا إذا منعاه من حجة التطوع، وإن خرج بإذنهما أو بغير إذنهما، فأراد رده، وجب عليه أن يرجع ما لم يحرم، فإذا أحرم لم يرجع حتى يكمل نسكه. وإذا كان للولد سوق يتجر فيها، فأراد أبواه أن يقيم عندهما ولا يفارقهما، فينبغي له، إن لم يكن له إلى التجارة حاجة، أن ينصب في السوق من ينوب عنه، أو يقارض ماله رجلا ويقعد عند أبويه. وإن كانت له إلى الكسب حاجة، فإن قدر على كسب لا يحتاج إلى مفارقتهما إلا آثر ذلك الكسب على غيره، وأقام عندهما. وإن احتاج إلى الكسب ولم يجد بدًا من الخروج، خرج أقل ما يكفيه ولم يشقق عليهما، عيفا وقته، ثم عاد إليهما واعتذر، وسأل أن يعفوا عنه ويستغفر له والله أعلم. وإذا احتاج الأبوان إلى خدمة يصلح الولد لها، فينبغي له أن يفيهما ولا يكلهما إلى غيره، وإن لم يصلح لها بنفسه، وقدر على ما يصلح لها بملك وأجاره وتحمل من دين ما يقضي به الحاجة، وتنزاح العلة. وينبغي له أن تكون عامة ما يؤديه من حقوق والديه ويتقلد مكانهما من إحسان مقرونًا باليسر والطلاقة والسلاسة، لا يريان منه تكرهًا وضجرًا ببغضه عليهما. ويجتهد في أن لا يمر به زمان وإن قل وهما عنه غير راضين فيه. وكلما ازداد لهما برًا وإكرامًا، فإن الله تعالى حقق هذه الحال بالذكر فقال: ﴿إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف﴾. إنما فعل ذلك- والله أعلم- لأن قلوبهما عند ذلك تكون أرق وأخلاقهما أضيق فكان استرضاؤهما على الولد أشق. فكذلك زاده الله تعالى وصية بهما في هذه الحالة فوق ما وصاه بهما في عامة الأحوال.

стр. 1333

وفيه وجه آخر وهو أن الأبوين إذا كبرا فقد أشرفا على المفارقة، فينبغي أن يكون الولد في ذلك الوقت أرأف بهما وأشد ولوعًا وكلفًا بهما، وأن يزودهما من بره وشفقته وحسن طاعته ما يقدر عليه. ويتزود من رضاهما عنه ودعائهما له ما يرجى أن يكون سببًا لنجاته في الآخرة، أو لزيادة درجات الثواب في الجنة والله أعلم. فأما الذي قال النبي ﷺ فيمن أدرك أبويه الكبر أو أحدهما، فلم يغفر له، فإنما أراد به أن من وسع الله تعالى له المهلة من مجاورة أبويه، فكانا معه إلى أن كبرا، ثم لم يكن منه في جميع الأيام ما يقضى عنه حقهما، ووجب له رضاهما، ويحملهما على أن يدعو له بخير فلا غفر الله له. وهذا على الحقيقة عظيم. ومما ينبغي للولد أن يشكر به والديه أن يديم الدعاء لهما بالاستغفار، وسؤال كل خير يسأله الله تعالى لنفسه من عاقبته وصحته وغيرهما. فإن الله قد قال: ﴿وقل رب ارحمهما كما ربياني صغير﴾. وحكي عن إبراهيم صلوات الله عليه أنه قال لأبيه: سأستغفر لك ربي، وأنه لما يبين له أنه عدو لله، كان يستغفر له ويقول: لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء تصديقًا منه بوعده الذي كان وعده بربه بذلك، إن هذا القضاء ما يقدر عليه له، وللإجابة بيد الله تعالى. فإن لم تكن في حكمته أن يجيب، فليس علي من ذلك شيء. فثبت بهذا أن الاستغفار للوالدين من أعظم ما يقضي به حقوقهما، وكل دعاء يدعو به المرء لنفسه ما يريد به صلاح دين أو دنيا، فهو نظر للاستغفار والله أعلم. ومن جملة حقوق الوالدان لا يرغب الولد عنه وينتسب إلى غيره. جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إن كفرًا بكم أن ترغبوا عن آبائكم) وفي رواية أخرى: (من رغب عن أبيه فقد كفر). ومعنى هذا أنه فعل ما كان أهل الجاهلية يترجعوا فيه لكفرهم. فإذا قد جاء الإسلام ووقع الحكم بأن لا ينقل النسب ولا يحول، فليس لأحد أن يرغب عن أبيه الذي ولده، فإنه وإن انتسب إلى غيره لم يضر ذلك

стр. 1334

الأجنبي أبًا بانتسابه إليه. ولا ينفك الذي ولده أن يكون أباه وإن لم ينتسب إليه، ولا تحصل من ذلك إلا على جفاء الأب وبخسه حقه وإبخاسه من نفسه، وذلك من أعظم الحقوق، والعقوق من الكبائر. ومن حق الوالد، قيل. إن رجلًا قام إلى ابن عمر ﵄ فسأله، فألقى إليه عمامته، فقال: بعض القوم لو أعطيته درهمًا لأجزاه، فقال ابن عمر، سمعت رسول الله ﷺ : (إن من البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه). وإن هذا كان من أهل ود عمر. وعن رسول الله ﷺ أنه قال: (لعن الله من لعن والده، ولعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من آذى محدثًا، ولعن الله من غير منار الأرض). وفي حديث (لعن الله من عتق والديه، ولعن الله من تولى غير مواليه). وعنه ﷺ : (إياكم وعقوق الوالدين، فإنه ما تنسم ريح الجنة عاق ولا قاطع رحم). وفي بر الوالدين قال رجل لرسول الله ﷺ : من أبر؟ قال: (أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال أمك. قال: ثم من؟ قال: أباك ثم الأقرب فالأقرب) وقال ابن مسعود ﵁ سأل رسول الله ﷺ أي الأعمال أفضل؟ قال: (الصلاة لميقاتها. قلت: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: بر الوالدين. قلت: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: الجهاد في سبيل الله). وقال النبي ﷺ : (رضى الرب في رضى الوالد وسخط الرب في سخط الوالد). وقال رسول الله ﷺ : (ألا أحدثكم بأكبر الكبائر: قال: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين). وروى أن رجلا أتى

стр. 1335

النبي ﷺ فقال يا رسول الله، إني أصبت ذنبًا عظيمًا، فهل لي من توبة؟ فقال: (هل لك من أم؟ قال: لا. قال: هل من خالة؟ قال: نعم! قال: فبرها). وقال النبي: (ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده). ومن بر الوالدين قال النبي ﷺ قال: (لا يرد القضاء إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر). معنى لا يرد القضاء إلا الدعاء أي القضاء الذي صدر من الله تعالى عامًا لقوم. فإذا استعصم أحدهم بالدعاء دفعه الله عنه، فيصير مخصومًا من بينهم، ويكون ذلك ردًا للقضاء العام عند الله، كان إلا شمله في الظاهر، ثم يكون ذلك دعاء الواحد لنفسه، وقد يكون دعاء غيره له. وذلك مثل أن يأمر الملائكة بتغريق قوم أو بهدم بيت على قوم أو إرسال نار على قوم ونحو ذلك. وجاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، دلني على عمل يقربني إلى الله. قال: (هل لك والدة ووالد؟ قال: نعم. قال: فإنما يكفي مع البر بالوالدين العمل اليسير). وجاء في حق الوالدين أنه ﷺ قال: (من البر أن تصر صديق أبيك). وجاء عنه ﷺ قال: (لا تبغض والديك، وإنما أمراك أن تخرج من الدنيا كلها فاخرج). وعنه ﷺ : (من أحب أن يمد له في عمره ويزداد في رزقه فليبر والديه وليصل رحمه). وعنه ﷺ : (لا يدخل الجنة مدمن خمر ولا عاق ولا منان). وفي رواية

стр. 1336

أخرى (أربعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: عاق، ومنان، ومدمن خمر، ومكذب بالقدر). وقال رسول الله ﷺ : (إن أكبر الذنب أن يسب الرجل والديه. قالوا: يا رسول الله، كيف يسب الرجل والديه قال: يساب الرجل فيسب أهله ويسب أباه، فيسب أمه وأباه). وقال فرقد السبحي: قرأت في بعض الكتب النظر إلى الوالدين عبادة. ولا ينبغي للولد أن يمشي بين يدي والديه، ولا يتكلم إذا أشهدهما، ولا يمشي عن يمينهما ولا عن يسارهما إلا أن يدعوا له فيجيبهما، أو يأمراه فيطيعهما، ولكن يمشي خلفهما كما يمشي العبد الذليل خلف مولاه. وعنه ﷺ أوصى امرءًا بأمه: أوصه بأمه، أوصه بأمه، أوصه بأمه، أوصه بأبيه، أوصه بمولاه الذي يليه، وإن كان عليه فيه أذى فيؤذيه). * * *

стр. 1337

السادس والخمسون من شعب الإيمان وهو باب في صلة الأرحام قال الله : ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض، وتقطعوا أرحامكم﴾. فجعل قطع الرحم من الإفساد في الأرض، ثم ذلك الأخبار، بأن ذلك من حيث عليه لعنة، الانتفاع بسمعه وبصره، فهو سمع دعوة الله وتبصر آياته وبياناته. فلا يجب الدعوة ولا ينقاد للحق كأنه لم يسمع ولم يقع من الله البيان، وجعله كالبهيمة أو أسوأ حالًا منها، فقال: ﴿أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم. وقال في الواصل والقاطع: ﴿إنما يتذكر أولوا الألباب، الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق، والذين يصلوا ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب، والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرًا وعلانية، ويدرأون بالحسنة السيئة، أولئك لهم عقبى الدار﴾ إلى آخرها: ﴿والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار﴾. فقرن وصل الرحم وإيتاء الزكاة لوجهه، وجعل ذلك كله من فعل أولي الألباب، ثم وعد به الجنة وزيارة الملائكة إياهم فيها وتسليمهم عليهم وحدهم لهم. وقرن قطيعة الرحم بنقض عهد الله والإفساد في الأرض ثم أخبرنا بأن لهم عند الله اللعنة وسواء المنقلب. فثبت بالآيتين ما في صلة الرحم من الفضل، وفي قطعها من الوزر والإثم. وقال : ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى﴾. وقيل في تفسير ذلك وجهان:

стр. 1338

أحدهما: أنه أراد لا أسألك على ما أعاقبه في استصلاحكم أجرًا إلا ما يلزمكم في حق قرائبي منكم، فإنها تقتضي أن تصلوني وتودوني وتدنو مني، ولا تنقضي أن تعاملوني وتؤذوني وتقطعوني. والوجه الآخر: أنه أراد بذلك أن لا تؤذوا قرائبي، أن تعرفوا حقهم وتكرموهم وتوقروهم وتميزوهم عن غيرهم. وأي واحد من هذين كان المراد ففيه البيان لحق الرحم. لأن بين لهم في التأويل الأول أن حق القرابة هو الوصل لا القطع والنصر لا القهر. وبين في التأويل الآخر أن قرابة الرجل تجري مجرى نفسه، ألا ترى أنه احتسب ودهم لقرابته ودًا لهم، وقضاء لحقه. فمن قطع قرابته فكأنما يقطع نفسه ويمنعه من النظر لها حطة. وقال الله : ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كان آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾. فلما حرم عليهم موادة الكفار أخبرهم أنها لا تحل بحال، وإن كان الكافر ذا قربى ورحم. فلولا أن حق الرحم أن يوصل وحكم القرب أن يرعى ما دلهم على عظم الذنب في مؤاخاة الكفار، فإنها لا تحل وإن كانت بمكان قريب أو ذي رحم. وإذا بين ذلك لهم بان أن القربة لهم والرحم لا يطلقانه ولا يسوغانه، دل ذلك على أنهما مقتضيان للبر والصلة، لولا أن الكفر إذا عرض أبطل على الكافر كل حق وأفسد عليه من الخير كل حظ والله أعلم. وقال النبي ﷺ ، قال الله تعالى: (أنا الرحمن وهي الرحم شققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته). واحتمل قوله (أنا الرحمن وهي الرحم شققت لها من اسمي) إن الرحمن والرحيم اسمان مشتقان من الرحمة. فأنا الرحمن لما وسع كل شيء من رحمتي وهي الرحم، لأن الجواز في الرحم موجب للرحمة، فمن عرف هذا الحق جزيته به خيرًا، ومن أغفله حرمته ذلك الخير. يدل عليه ما روي أن عمرًا

стр. 1339

رضي الله عنه قال على المنبر: تعلموا من أنسابكم، ثم صلوا أرحامكم، فوالله أنه ليكون بين الرجل وأخيه تنازع ولو يعلم الذي بينه وبينه من داخله الرحم لردعه ذلك عن انتهاكه. وقال صلى الله عليه سلم: (لا يدخل الجنة قاطع رحم). قال أبو ذر ﵁: أوصاني خليل صلوات الله عليه أن أصل رحمي وإن أدبرت. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الرجل ليصل رحمه وقد بقى من أجله ثلاثة أيام، فيزيد الله في عمره ثلاثين سنة. وأن الرجل ليقطع رحمه وقد بقي من عمره ثلاثون سنة فيقطعه إلى ثلاثة أيام). وهذا تفسير ما جاء في حديث آخر (من سره أن ينشأ في أجله ويزاد في رزقه فليصل رحمه). ومعنى الحديثين جميعًا: أن من الناس من قضى الله له بأنه أن يوصل رحمه عاشر عددًا من السنين مبينًا، وإن قطع رحمه عاش عددًا دون ذلك، فإذا أظهر أمره لملائكته أمر ملك الموت أن تقبض روحه عهد انتهاء أول العددين، فإذا دنا ذلك يتفق له أن يبر رحمه ويصلها، فيأمر الله تعالى أن يؤخره إلى آخر الأجلين. فنهى ملك الموت إلى أن يقبض روحه، فيقال قد زاد في عمره أو يكون عبد ملك الموت أن عمر واحد لا ينتهي إلى سنين فيتفق منه أن يقطع رزقه، فيأمر الله تعالى الملك أن يقبض روحه، فيقال: قد نقص من عمره. والمعنى أنه زاد على ما كان عند الملك ونقص ما كان عند الملك. فأما ما كان عند الله من أنه عمر بعمره وينفيه في الدنيا وفي أي وقت يقله عنها فلم يختلف، وهو وإن كان قضي عليه بأنه وإن وصل رحمه عاش كذا، وإن قطع رحمه عاش كذا، فلم يخفى عليه أن يصل أو يقطع فكذلك لا يخفى عليه أنه أي العددين يعيش، وبالله التوفيق. ولما بين عظم حق القرابة والرحم، إن الله ورث القرابات بعضهم من بعض فجعل مال الواحد إذا مات فاستغنى عنه للأمس والأمس، وللأخص فالأخص بذي قرابته، فجمع ذلك أيضًا أحق كل واحد منهما بالآخر. أما الميت فمن حيث أن ماله لم

стр. 1340

ينقل إلى الأجانب، فيزداد عما إذا تفكر عند دنو أجله، أنه يفارق ماله إلى من لا يرعى حقه فيه. ولا يذكره إذا انتفع به، وتقلب فيه بدعاء ولا غيره، وسيد الأمر عليه في مفارقته. وأما الحي فمن حيث أنه يسكن عنه غير حميمه الذي فقد، بأن استخلف في ماله وأوثر به على الأجانب الذين ليس لهم مثل حقه، ولولا ذلك عه بموت قريبه أكثر، ومصيبته به أشد. ويشتمل التوريث على النظر لهما جميعًا، وأبان أن أحدهما إذا كان أولى من الآخر بعد الموت فهما بأن يكونا كذلك في حال الحياة أولى ليتعاشرا كمتواليين لا تعاشر الأصلين، وبالله التوفيق. ولأجل دلالة التوريث على عظم الحق المراعى فيه، قال النبي ﷺ : (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت- أو قال خشيت- أنه سيورثه). فدل هذا القول منه على أنه يورث القرابات بعضهم من بعض إنما كان لعظم الحقوق التي لبعضهم على بعض. إذا كان لما سمع جبريل يعظم في قلبه حق الجار، خشي أنه يبلغ به حق القرابة فيورث به وبالله التوفيق. وقد كان الناس من قبل يتوارثون بالموالاة والمعاقدة، فلما نسخ الله تعالى ذلك وأبطله قال: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾. فنهاهم على أن المال إذا خرج من ملك الميت، فقد تخلف عنه من هو كالشقيق، أو من أبيه، أو من أمه فهو أولى بأن ينزل من ماله ميراثه من الخليف. والولي الذي لم يكن ببنه وبينه إلا الحقد قد ماتت مقاصده لموته، ولم يكن لازمًا له في حياته. ولما أدخل في حكم الميراث من ليس بقريب وهو المعتق نسبه النبي ﷺ ألحق الواجب من قبل العتاقة بالنسب، فقال: لولا لحمه كلحمة النسب، وسماه ما لا يدل به على أن المعتق أولى الناس بالمعتق، كما أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض. فثبت بما ذكرنا أن سبيل أولي الأرحام أن يكونوا آمنوا لينين متناصرين ليعزهم الله تعالى بإعزاز بعضهم بعضًا، وذلك عاجل ثوابهم فلا يتخاذلون فيخذلهم بخذلان بعضهم بعضًا وذلك عاجل عقابهم. ألا ترون أن نبي الرحمة مع لينه وسماحته ورأفته بالقريب والبعيد من أمته كيف اشتد عليه فراق بني أمية وبني نوفل إياه أيام الشغب، وانحيازهم إلى أعدائه من قريش حتى أخرجهم

стр. 1341

بالأجانب، وأحوجهم من عداد الأقارب، وخص بالخمس بني هاشم وبني المطلب. وقال: (أنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام). ولا شك أنه لم يفعل ذلك إلا بأمر الله وأن الله لم يأمره بذلك إلا ابتغاء ماله منهم، ولا أمره بضم بني المطلب إلى بني هاشم إلا قوامًا لهم وقضى عنهم حقهم. فعلم بهذا أن سنة أولي الأرحام أن يتواصلوا ويجري كل واحد منهم قريبة وحميمه منزلة نفسه والله أعلم. وليس يحتاج إلى الإكثار في هذا الباب مع ما كتبناه في إكرام الجار، لأن قرب ذي الرحم أمس وأخص وألزم من الجوار. فإذا وجب للجار على الجار من الحقوق ما سبق ذكرها، فأولى أن تكون تلك وغيرها لازمة للقرب القريب. فينبغي إذا كان في أهل بيت شيخ أو عالم أو المشار إليه بالعقل والدين، أن يعرف الجماعة حقه بالتوقير والزيارة والرجوع إلى رأيه، والقبول لخطابه ونصائحه، وابتدائه بالسلام إذا لقوه، لأنه يروى في الحديث مرفوعًا (الشيخ في قريبه كالنبي في أمته)، وأن يواسوه بالمال إن كان أرق حالًا منهم، ويصوبوا قدره في المبذل، وإتيان ما يزوى به. وإن كان في أهل البيت محاويج وأغنياء، فلا ينبغي للأغنياء أن يضيعوا المحاويج. وينبغي أن يعولوهم كما كان العباس يعول جماعة بني المطلب لغناه وحاجتهم، وإن لم يعولوهم آثروا بصدقاتهم ومعروفهم. ومن كان منهم مرضى بعده يعطيه، فليقدم بها قرابته. وإن رأى أحدًا منهم أظهر قطيعة لم يزل وراءه يزيده برًا وصلة حتى يرجع إلى الوصل الذي آثره الله به. وإن تقاطع منهم اثنان، فلا ينبغي لأحدهما أن ينتظر فيه للآخر، وليحرص كل واحد منهما على أن يكون ابتداء البر والوصل منه، فإن النبي ﷺ قال: (لا يحل المسلم أن يهجر أخاه فوق الثلاث، وخيرهما الذي بدأ بالسلام أو بالكلام). وجاء في قوله ﵎ ﴿خذ العفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين﴾ قال: (صل من قطعك وأعط من حرمك واعف عمن ظلمك). والأشبه أن يكون

стр. 1342

المراد بقوله صل من قطعك من ذوي الأرحام، أو يكون عامًا لهم، وأخبرهم: وأيهما يتهيأ صلة القاطع أن يستعفى إن كان مظلومًا، ويعفى عنه إن كان ظالمًا. فأما الصدفة، فقد جاء فيها عن النبي ﷺ ، سئل عن أفضل الصدقة قال: (الصدقة على ذي الرحم الكاشح). وإنما قال ذلك- والله أعلم- لأنها صدقة وعقوق صلة رحم فهي ثلاث قرب. وأما السلام فقد جاء فيه عن النبي ﷺ أنه قال: (بادروا أرحامكم ولو بالسلام) والمعنى صلوا أرحامكم. كأنه جعل وصلوا الرحم كسكين الحدادة بالماء. وجاء عن النبي ﷺ أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ قال: (يا فاطمة، اشتري نفسك من الله، فإني لا أغني عنك من الله شيئًا، غير أن لك رحمًا فصلاها صلاها). فيحتمل أن يكون معنى ذلك تحصينها بفضل الدعاء لها. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (استوصوا بالقبط خيرًا فإن لي فيهم رحمًا) وإنما أراد بذلك أن جاريته أم ابنه إبراهيم، وهي (مارية) كانت قبطية، فقضى رسول الله ﷺ حق الرحم الذي كان له بهذا الأمر. وأبان أن حق الرحم لا يضيع، قويًا كان أو ضعيفًا. لأن إدلاء عامة القبط بأن مارية كانت ذات رحم بابن النبي ﷺ إدلاء يحق بعبد، وليس في القوة كالأرحام المعروفة. فإذا وجبت المحافظة عليه كانت المحافظة على الحقوق الظاهرة القوية، والقرابات الدانية الأكيدة أوجب وألزم، وبالله التوفيق.

стр. 1343

السابع والخمسون من شعب الإيمان وهو باب في حسن الخلق ودخل في هذا كظم الغيظ ولين الجانب والتواضع. ومعنى حسن الخلق: سلامة النفس نحو الأرضي الأحمدي من الفعال. وقد يكون ذلك في ذات الله تعالى، وقد يكون فيما بين الله وهو في ذات الله أن يكون العبد منشرح الصدر بأوامر الله ونواهيه يفعل ما فرض الله طيب النفس سلسًا نحوه. وينتهي عما حرم عليه واسعًا به غير متضجر منه ويرغب في نوافل الخير، ويترك كثيرًا من المباح لوجه الله تعالى إذا رأى أن تركه إلى العبودة من فعله متبشرًا لذلك غير ضجر منه ولا متعسر. وهو في المعاملات بين الناس أن يكون سمحًا بحقوقه لا يطالب غيره بها ويوفي ما يجب لغيره عليه منها. فإن مرض فلم يعد، أو قدم من سفر فلم يزر، أو سلم فلم يرد عليه، أو ضاف فلم يكرم، أو يشفع فلم يجب، أو أحسن فلم يشكر، أو دخل على قوم فلم يمكن له، أو يتكلم فلم ينصت له، أو استأذن على صديق فلم يؤذن له، أو خطب فلم يزوج، أو استمهل الدين فلم يمهل، أو استنقض منه فلم ينقض، وما أشبه ذلك. فلم يغضب، ولم يعاقب ولم يتنكر من حاله حال، ولم يستشعر في نفسه أنه قد جفى وأوحش، وأنه يقابل كل ذلك إذا وجد السبيل إليه بمثله، بل يضمر أنه لا يعتد بشيء من ذلك. ويقابل كلامه بما هو أحسن وأفضل وأقرب إلى البر والتقوى، وأشبه بما يحمد ويرضى. ثم يكون في اتقاء ما يكون عليه كهو في حظه ما يكون له. فإذا مرض أخوه المسلم عاده، وإن جاءه في شفاعة شفعه، وإن استمهله لقضاء دين أمهله، وإن احتاج منه إلى معاونة أعانه، وإن استسمحه في بيع سمح له، ولا ينظر إلى الذي يعامله كيف كانت معاملته إياه فيما خلا، أو كيف يقابل الناس، إما يتخذ الأحسن إمامًا لنفسه فينحو نحوه ولا يخالفه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 1344

(أكمل الناس إيمانًا أحسنهم خلقًا). وقال: (رحم الله عبدًا سمحًا، إذا باع سمحًا، وإذا اشترى سمحًا وإذا اقتضى سمحًا). وعن عائشة ﵂ أنها قالت: ما أحد أحسن خلقًا من رسول الله ﷺ ، ما دعاه أحد من أهل بيته، ولا أحد من أصحابه إلا قال له: لبيك ولذلك أنزل الله : ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾. وعن رسول الله ﷺ : (إن أفضل ما يوضع في الميزان يوم القيامة الخلق الحسن). وعنه ﷺ : (أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا). وروى أن رسول الله ﷺ لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا وكان يقول: (إن خياركم أحاسنكم أخلاقًا). وعنه ﷺ : (يا أبا ذر، ألا أدلك على خصلتين هما أخف على الظهر وأثقل في الميزان من غيرهما! قال: بلى يا رسول الله. قال: عليك بحسن الخلق وطول الصمت فوالذي نفسي بيده ما عمل الخلائق مثلهما). وسأل النواس بن سمعان رسول الله ﷺ عن البر والإثم، قال: (البر حسن الخلق، والإثم ما حل في نفسك وكرهت أن تطلع عليه الناس). وروى في حديث آخر: (الإثم ما حاك في صدرك وإن قال الناس عنه وافتروا). وفي حديث عبد الله: (الإثم حوار القلوب) أي ما حل في الصدور. وإن رسول الله ﷺ كان عرف نفاق ابن أبي سلول، ولقي فيه من الخلاف له والتخذيل عنه يوم (أحد) ما لقي. فلما مات جاءه ابنه، فقال: يا رسول الله أعطني قميصك أكفنه فيه. فنزع رسول الله ﷺ قميصه فأعضاه إياه. إنما توخيا لمسرة ابنه إذ كان مسلمًا وتأسيًا لحق أبيه.

стр. 1345

وعنه ﷺ أنه قال: (ما مشي يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق فإن صاحب حسن الخلق بلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة) وقال عبد الله بن المبارك حسن الخلق بسط الوجه وبذل المعروف وكف الأذى. وقال رجل: يا رسول الله، الرجل أمر به فلا يقربني ولا يضيفني، فيمر بي فأجزيه قال: (لا أقره). وقال رسول الله ﷺ : (لا تكونوا إمعة تقولن، إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا نفوسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا). وعنه ﷺ أنه قال: (أن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا أحاسنكم أخلاقًا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون. قالوا: يا رسول الله، قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فمن المتفيقهون، قال: المتكبرون). ومن هذا الباب أن يكون طلق الوجه بش اللقاء يدرك البشر لمن يلقاه، ولا يعرض وجهه عمن جفاه. قال رسول الله ﷺ : (لا تسعون الناس بأموالكم، ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق). وإذا استوقفه صاحب حاجة وقف. وإذا رأى أخًا له حرص على أن يكون هو البادئ بالسلام، وإن صافحه لم ينزع يده حتى يكون الاخر هو الذي ينزعها منه إذا علم أنه متكبر أو متنزل فصافحته. وروى عن أنس ﵁ أنه قال: ما رأيت أحدًا التقم إذن عن رسول الله ﷺ فينحى رأسه حتى يكون هو الذي ينحى رأسه- يعني الرجل- وما رأيت رسول الله ﷺ أخذ يد رجل فنزل يده، حتى يكون الرجل هو الذي ينزع يده. وإذا استأذن أخ له عليه، لم يحجبه من غير عذر ولا أطال الباب حبسه. وإذا دخل عليه في غير وقت، ثم تطير الكراهة له. وإن طال الجلوس لم يظهر التضجر منه. وإذا دعي إلى الطعام وإن خف أجاب، وإن أهدى إليه شيء وإن نزر قبل إذا علم أن المهدي يسره أن يقبل

стр. 1346

ويسره أن يرده. قال النبي ﷺ : (لو دعيت إلى ذراع لأجبت، ولو أهدى إلي كراع لقبلت). وإن جهل عليه جاهل تجافى عنه لم يقابله. قيل في قول الله : ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا﴾. معناه: قالوا قولاً سالمًا من العيب ولم يقابلوا الجهل بالجهل. وقال : ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾. وقد ذكرنا أنه جاء في تفسيره: صل من قطعك وأعط من حرمك واعف عمن ظلمك. وهذه مكارم الأخلاق. والخلق الكريم هو الحسن الذي ينفع صاحبه بأن يعود عليه بالحمد وينفع غيره منه بأن يزهق به. والخلق الحسن قد يكون غريزة وقد يكون مكتسبًا، وإنما يصح اكتسابه لمن كان في غريزته أصل منه فهو يضم باكتسابه إليه ما يضمه. ومعلوم في العادات أن ذا الرأي يزداد بمجالسه الصلحاء صلاحًا، والعامل يزداد بجالسة العقلاء عقلًا. فلا يمكن أن يكون ذو الخلق الجميل يزداد حسن الخلق بمجالسة أولي الأخلاق الحسنة. ثم ينظر في أمره، فإن كان ما اكتسبه قد علق بنفسه ورسخ في قلبه جرى ذلك مجرى الغريزي، وإن كلما عرض له أمرًا يحتاج إليه حسن المحلق لم يتأت ذلك منه إلا بالشكر أو نفسه، قيل له: متخلق. وكان معناه مرضيًا ونفسه غير محمودة حمد النفس التي تطوع بالبر والإحسان وبالله التوفيق. ومن فروع هذا الباب لين الجانب والتواضع وترك الزهو والصلف والخيلاء والفخر والتمدح. وجاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: (جاء أهل اليمن هم أرق إفادة، وألين قلوبًا، والإيمان يمان والحكمة يمانية، والسكينة في أهل الغنم، الفخر والخيلاء في القراد من أهل الوبر قبل مطلع الشمس). وعنه أنه قال: (ليس الشديد الصرعة: قالوا: وما الشديد يا رسول الله، قال: الذي يملك نفسه عند الغضب). وعنه أنه قال: (المسلمون هينون لينون كالجمل الأنف، إن قيد انقاد وأن أنيخ على هجرة استناخ).

стр. 1347

للأنف الذي عقره الخطام، فهو لا يمتنع من قائد اللوح الذي بيده. قال: خير بن مطعم يقول: آن في النية، وقد ركبت الحمار واعتدلت الشاة، ولبست الشملة. فقد قال رسول الله ﷺ : (من فعل هذا فليس فيه شيء من الكبر). واصل التواضع ما كان في العبد لله وهو الخضوع والخشوع والانقياد لأوامره ونواهيه بالقبول أولًا، وتقبل الطاعة له فيها كلها عالمًا بوجوب تلك الطاعة، وقصدًا فيها إلى القيام بالواجب ثم الفعل لما امر به والكف عما نهى عنه، وكل من أطاع الله ، وهو غير مستشعر في نفسه إبداء ما يطيعه، لأن طاعته واجبة عليه ولازمة له، وكان عنده أنه ليس يطيعه إلا لنيله فليس بمطيع. إنما المطيع من تكون الرغبة في الثواب من زوائد قصده في الطاعة، لا من يكون ذلك علمه طاعة وسببًا، ومهما أخلص الطاعة لعلمه بوجوبها، فقد خضع وخشع وقد مضى ذكر الخشوع في باب الرجاء والخوف وذكرنا ما يتصل منه بأمر إبليس على وجه سوى ما عليه العامة. لأن المستبق بين الناس إن كفر إبليس إنما كان من قبل استكباره على الله بأن لم يطعه في السجود لآدم، ويحتجون بقول الله ﴿إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين﴾ وقوله : ﴿فما يكون لك أن تتكبر فيها، فأخرج إنك من الصاغرين﴾. ونقول: إبليس إنما استكبر على آدم ﷺ ، لم يكن يمتنع من السجود لله بترك السجود لآدم، والتكبر على الأنبياء ﵈. فإن كان كفر. فليس عند هذا المحتج بيان أن آدم في ذلك الوقت كان قد أكرم بالنبوة فيهم بذلك احتجاجه، فلم يكن استكبار إبليس على الله أن لا يسجد لآدم إنما كان استكباره على الله بأن ظلم الله تعالى وسفهه وأضاف إليه أنه يضع الأمر غير موضعه، فيقول له: اسجد لآدم، وهو خير منه، لأن يسجد آدم له أولى من أن يسجد لآدم. فكان هنا علة كفره، والله أعلم. فأما ما يدل على أن الخضوع لله من أركان الإيمان فهو أن الخضوع إنما يقتضي عن العلم بالحاجة إليه، وإن عنده ما به الحاجة، وإنه مالكه، والآمر فيه إليه إن شاء أعطى وإن شاء منع. فلما كان اعتقاده هذه المعاني كلها إيمانًا، كان ما ينشأ عنها من الذلة لله عز وجل

стр. 1348

إيمانًا، لأنه لا ينشأ عن الإيمان ما ليس بإيمان. فقد يجوز أن يقال إنما كان الخضوع لله إيمانًا، لأن ضده وهو الاستكبار عليه كفر، فإن هذا أصل ثابت، وإن لم يعتقد أصله نقضه إبليس. وما كان كفرًا كان خلافه إيمانًا. فإن قيل: إن قتل النبي كفر، أتقولون أن تركه حيًا إيمان قيل: ولا حيا من طريق الجري على العادة في ترك الناس أحياء لا يتعرض لهم ليس بعادة. ولكن لو خطر بالقلب أنه لو فعله لكان له عند أعدائه جاه أو من أموالهم حظ، فلم يكن ذلك الحاصل من نفسه وترك أن يقتله لله ، ومحافظة على حق النبي ﷺ ، وما يلزمه من حبه وتعظيمه كان ذلك منه إيمانًا. ومعلوم أن القتل لا يقع من القليل عادة، وإنما يقع عن قصد يدعوه إليه، فكما أن إمضاء القصد الدافع إلى القتل لأجل سنة الداعي إليه كان كفرًا عندنا، فقد قلنا أن تركه ردًا للسبب الداعي إليه، وتقديمًا لما كان أولى منه عليه إيمان. وأما الخشوع فإنما ينشأ عن العلم بالقهر والسلطان، وأنه إن أراد بالعبد سوءًا لم يمنعه عنه مانع، فهو أيضًا إيمان، لأن العلم بما ذكرنا إيمان، والقرآن بين الخضوع والخشوع، وأن الخضوع من معاني الرغبة، والخشوع من معاني الرهبة وبالله التوفيق. ومن التواضع أن رسول الله ﷺ كان يجيب العبد يعود المريض، ويركب الحمار. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كان الأنبياء صلوات الله عليهم يركبون الحمر، ويلبسون الصوف ويحلبون الغنم، وفي باب التكبر التفاخر بلا حساب، قال النبي ﷺ : (كلكم بنو آدم خلق الصاع ثم ملأه، ليس لأحد على أحد فضل إلا بالتقوى، ولا تسابوا، إنما السبة أن يكون الرجل فاحشًا بذيئًا جبانًا). وقال عمر بن الخطاب ﵁: حسب المرء نبته ومرونة خلقه وأصل عقله. ومن الكبر قال رسول الله ﷺ : (إن أنجع الأسماء عند الله أن يتسمى الرجل باسم ملك الأملاك) أي الأمثل والأكثر النجاع. ومنه ما جاء في النهي عن التنجع وهو

стр. 1349

أن يجوز بالذبح إلى النجاع، وفي التواضع وذم الكبر قال رسول الله ﷺ : (من فارق منه الروح الجسد وهو براء من ثلاث دخل الجنة: الكبر والغلول والدين) ومن هذا الباب قال: أتى النبي ﷺ عبد الله بن رواحة أو غيره من أصحابه بغرفة، فما تجوز له عن فراشة لأن السنة أن الرجل أحق بظهر دابته وصدر فراشه. فأما التواضع عن الناس بعضهم لبعض، فإنه أعظم المقصود من هذا الباب. قال الله لنبيه ﷺ : ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾. وقال الله تعالى: ﴿ولا تمش في الأرض مرحًا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولًا﴾. وقال فيما حكاه من حكمة لقمان أنه قال لابنه وهو يعظه: ﴿ولا تصغر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا، إن الله لا يحب كل مختال فخور. واقصد في مشيك واغضض من صوتك، إن أنكر الأصوات لصوت الحمير﴾. وقال في غير هذه السورة: ﴿إن الله لا يحب من كان مختالًا فخورًا﴾. وقال: ﴿أليس في جهنم مثوى للمتكبرين﴾. وقال لنبيه ﷺ : ﴿واخفض جناحك لمن تبعك من المؤمنين﴾. وجاء عن النبي ﷺ : (من تواضع لله رفعه الله). وجاء (بينما رجل يمشي إذ أعجبته نفسه خيلاء فأخذته الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة). وجاء أنه ﷺ قال: (البذاذة من الإيمان) يعني رثاثة الكسوة. وأنه قال:

стр. 1350

(إن الله لا ينظر إلى من جر ثوبه خيلاء). وقال : ﴿إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه، فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير﴾. وقال ﴿سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق، وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرش لا يتخذوه سبيلا، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا﴾. وقال ﴿قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون مستكبرين به، سامرًا تهجرون﴾. وقال: ﴿وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين﴾. وقال: ﴿إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعًا﴾ وقال: الملأ الذين استكبروا من قومه، وهو يريد الذين لم يؤمنوا. وقال الملأ من قومه الذين استضعفوا، وهو يريد الذين آمنوا بجميع ما ذكرنا. إن العظيم والتجبر والاستطالة على الناس. والترفع عليهم والمباينة لهم في المجلس والمأكل والمشرب استصغارًا لهم، وإمالة الوجوه عليهم حطًا بهم، والإمساك عن جوابهم استقلالا لهم، ورفع الصوت عليهم، والتزين على أعينهم اشرًا وبطرًا، والتقدم عليهم مرحًا واشرًا، وترك الإصغاء إلى ما يقال، أو التدبر لما وقع منه في السمع من حجة تقام أو وعظ يراد أو نصح يؤثر، أو عذر يقرر أو الإمساك عن الجواب، والترفع عن السلام أو رده، وعن تشمت العاطس، وتعزية المصاب، وإجابة الدعوة، وحضور مجلس العالم، والإزراء بمن قل حظه من الدنيا أو أخذ الكبر والهرم والاستهزاء بأصحاب القلوب السليمة والغافلين عن الشرور واستحقارًا لهم. والمرافعة بالدين استضعافًا لصاحبه، والمزاحمة في العين استخفافًا لمالكه، فكل ذلك حرام قبيح مذموم، وجزاؤه على الله تعالى، إذ لو عرف أن ذلك من الله لم يتبرح بأمر ليس إليه منه شيء.

стр. 1351

وإنما بتدبير غيره. ولو شاء أن يقلب القضاء فيحول الحسن إلى صاحبه والسوء إليه لفعل ولم يمنعه عنه مانع. قال الله : ﴿واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب، وحففناهما بنخل، وجعلنا بينهما زرعًا﴾ إلى آخر القصة. فأبان في هذه القصة بهذا المثل الذي ضربه أنه لا يرضى من عبده بالبدع والاحتيال والتعظيم بما أتاه على لم يؤته مثله، فإن من عقوبة من فعل ذلك عنده أن يسلبه النعمة، ورده إلى الحال السيئة وإن سيئته كانت في الذين استضعفوا أنبياءه ﵈ لقلة أموالهم وأتباعهم وأروه من خلاف ذلك لأنفسهم، وتكبروا عن الإصغاء إلى آيات الله ، وأعرضوا عنهم، ولم يتأملوا ما جاء برأيه، ولم يتدبروه، إن جزاءهم بذلك التكبر الطبع على قلوبهم وإحلال العقوبة بهم على ما كان يليق بأحوالهم. كما قال : ﴿فكلا أخذنا بذنبه، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبًا، ومنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من خسفنا به الأرض، ومنهم من أغرقنا﴾. فدل ذلك على أن إحدى الخصال بأن يكون مذمومًا وصاحبه عليه ملومًا، هو العجب والكبر والزهو والصلف. كان إذا غلب على القلب وتسلط على النفس وبلغ بصاحبه، فعرض عن آيات الله فلا يسمعها، وعن أوامره ونواهيه فلا يقبلها. وما كان مؤديًا إلى هذا الفساد، فالكف عنه وردع النفس بما يدعوه إليه منه من أوجب الأمر وألزم الفروض، وبالله التوفيق. هذا وقد علم أن الناس لابد لبعضهم من بعض، من فظ وزهاء وتكبر، وغناء، لم يستطع كل واحد أن يقاربه أو يكلمه، لأن تعاطيه وغلطته تنفر عنه، ويبقى ما يكون في النفس من حاجة إليه غير معصية، وفي ذلك على صاحبه ضرر، واللين بالرفق به وآمنه كل أحد ويطمع في خيره من قرب أو بعيد تقضي به الحاجات، وتزاح به العلل، وتكفي المهمات وفي ذلك خير ونفع. والفظ مانع إخوانه حظوظهم منه. والسمح أذلها لها وموفرها عليهم. وسيان ما يمانع الخير وما ذله والآتي للخير والعافي به، وبالله التوفيق.

стр. 1352

الثامن والخمسون من شعب الإيمان وهو باب في الإحسان إلى المماليك قال الله : ﴿وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم﴾. وجاء عن رسول الله ﷺ أنه كان آخر ما يتكلم به الصلاة وما ملكت أيمانكم، فجعل يتكلم وما يفيض به لسانه. وروى أنه كان يقول: (الصلاة، الصلاة، اقتوا الله وما ملكت أيمانكم) فأوصى الله تعالى عباده، ثم الرسول ﷺ آمنه. فالمماليك كالأوصياء بالوالدين والجيران وكالأوصياء بالصلاة. فدل ذلك على وجوب الإحسان إليهم، وتحريم التحامل بالجور عليهم، فأول ذلك أن لا يقول أحد لذكر منهم عبدي، بل يقول: فتاي. ولا يقول للأنثى: أمتي بل يقول: فتاتي. بهذا جاء الخبر أيضًا عن النبي ﷺ . وهذا يجمع معنيين: أحدهما أن العبودة بالحقيقة لله ، ففي قول الواحد من الناس لمملوكه عبدي وأمتي تعظيمًا عليه، وإضافة له إلى نفسه بما أضافه الله تعالى به إليه، وذلك غير جائز. والآخر أن المملوك ربما دخله من أن يقول له مثله، هذا عبدي فيستذله ويستصغره بما يجد بدًا عنه، ولا يجدي على قائله شيئا. ولعل ذلك ما ينفره عنه. فيحمله على أباق وسوء طاعة أو غير ذلك، مما قد ابتلى الناس به من مماليكهم إذا كرهوهم، فكان الأولى بالسادة أن يتجنبوا ذلك إلى ما هو أحسن، ومن معاني التعبير أبعد وإلى التآنس والتسكين أقرب، والله أعلم.

стр. 1353

والذي يتلو هذا، أن لا يكلفه ما لا يطيق ولا يجوعه، ولا يعذبه، ثم أن لا يعذبه من غليظ القول بما يشق عليه ولا من الضرب بما ينهكه إلا أن يصيب حدًا فيقيمه عليه، وهذه كلها عزائم. ثم أن الأولى به أن يتحمل عنه بعض العمل ولا يقله جميعًا عليه. وأن يطعمه مما يطعم، ويكسوه مما يلبس، ولا يكلفه من الكسب ما يشبه وينبوا طباع الناس عنه، ولا يضر به أصلا، ويدافع بما أمكن، ونهيًا. فإن ضربه حيث يكون له ضربه ولم يصفعه، ولا يترفع عن مواكلته، بل يجلسه معه إلى جنبه، ولا يكلفه القيام بين يديه وعنده. فأما أن أجهده بذلك فهو حرام عليه، وينبغي له إذا لم يرض خلقه أن يتبعه، وفرض ذلك عليه، إذا لم يتق عن نفسه بالامتناع عن ظلمه. وإذا ارتضى خدمته زاد في الإحسان عليه، فإذا تطاولت الأيام عليه، ورأى منه أنه ينصح له ويؤدي الأمانة عليه زوجه إن علم به حاجة إلى التزوج، فإن علم لنفسه عنه غنية أعتقه، وأن يعتقه متبرعًا أحسن وأجمل أن يلزمه بدلا، وإذا اشترى رجل به عاهة مستقدرة عبدًا ليخدمه، فإن كره العبد صحته، فليبيعه. وإن اشترى جارية فكرهت أن يسمها أو يضاجعها، فلا يمسها ولا يضاجعها ولا يطأها إلا بإذنها، وبيعها إن أرادت ذلك والإحسان إلى المملوك يجمع الشكر لله تعالى على الفكاك والسلامة من ذل الرق، والعدل والإنصاف فيمن يضمه الملك، واستطباة نفس الملوك، واستجلاب طاعته ومناصحته، ففيه نظر للمالك دنيا ودينًا، ونظر للملوك. وبذلك جاءت الأخبار مجملة ومفصلة. وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) وقال ﷺ : (من لا حكم من مملوكيكم فاطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون، ومن لا يلائمكم فبيعوه ولا تقدموا عباد الله) وقال ﷺ : (جعلهم الله فتنة تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه من طعامه وليلبسه من لباسه، ولا يكلفه

стр. 1354

ما يغلبه، فإن كلفه ما يغلبه فليعنه). وقال ﷺ : (من ابتاع شيئًا من الخدم فلم يوافق شيمته شيمته فليبع. وليشر من توافق شيمته، فإن للناس شيمًا، ولا تعذبوا عباد الله). وقال ﷺ : للمملوك طعامه وكسوته، اكسوهم مما تلبسون واطعموهم مما تأكلون، لا تكلفوهم من العمل ما لا يطيقون). وقال: (وإذا جاء أحدكم خادمه بطعام قد كفاه حرية وعبادة فليدعه، فليأكل معه. فإن لم يفعل فليأخذ أكله فليجعلها في يده). وقال عبادة بن الوليد: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا، فأول من لقينا أبا البشر صاحب رسول الله ﷺ ، ومعه غلام له وعلي أبي البشر بردة ومعاء قزي، وعلى غلامة بردة ومعاء قزي فقلت له في ذلك، فمسح رأسي وقال: اللهم بارك فيه يا ابن أخي، أبصرت عيناي هاتان، وسمعت أذناي هاتان، ووعاء قلبي وأشار إلى أنياط قلبه رسول الله ﷺ وهو يقول: (أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون) فكان أن أعطيته من متاع الدنيا أهون علي أن يأخذ حسناتي يوم القيامة. وجاء عن النبي ﷺ أنه جاء رجل فقال: غلامي يذنب، أفأضربه! فقال: (رموني بضربك وذنبه، فإن كان ضربك أكثر أخذ منك. قال يا رسول الله، بذنب غلامي أنا سبه، قال: يسبك وذنبه، فإن كان سبك أكثر أخذ منك. قال: يا رسول الله مالنا فيهم إذًا خيرًا). قال: أما سمعت الله يقول: ﴿ونضع الموازين بالقسط ليوم القيامة﴾. وجاء عنه ﷺ ، أن رجلًا من أصحابه جلس بين يديه فقال: يا رسول

стр. 1355

الله، إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني، فأضربهم وأشتمهم فكيف أنا منهم؟ فقال رسول الله ﷺ : (بحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك عاقبك إياهم. فإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلًا لك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتضي لهم الفضل الذي لهم. فجعل الرجل يبكي بين يدي رسول الله ﷺ ويهتف. فقال رسول الله ﷺ ما له؟ أما يقرأ كتاب الله ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة، فلا تظلم نفس شيئًا، وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها، وكفى بنا حاسبين﴾. فقال الرجل: يا رسول الله، ما أجد شيئًا خيرًا إلي من فراق هؤلاء، أشهدك أنهم أحرار كلهم). قال: مر أبو ذر ﵁ برجل يضرب غلامًا له فقال: إني لا أعلم ما أنت قائل لربك غدًا، وما يقول لك. تقول: اللهم اغفر، فيقول: أكنت تغفر. فيقول: اللهم ارحمني فيقول: أكنت ترحم؟ وجاء عنه ﷺ أن رجلًا جاءه فقال: كم نعفو عن الخادم؟ فصمت، ثم أعاد عليه الكلام، فصمت. فلما كان في الثالثة، قال: (اعف عنه سبعين مرة في كل يوم). وفي رواية أخرى، سئل رسول الله ﷺ : كم نعفو لمماليكنا؟ قال: (سبعين مرة). قلت: المعنى اعف عنهم بقدر ما يستغفرون الله في كل يوم. وقد قال لهم فيما أخبر عن نفسه ليفتدوا به: (أني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة). وروى (مائة مرة). فأمرهم أن يعفو عن خادمهم بقدر ما يستعفون الله عن أنفسهم. وفي بعض الأخبار، اعف عنه مائة مرة. وجاء عنه ﷺ : (لا يدخل الجنة سيء الملكة، فأكرموهم ككرامة أولادكم، وأطعموهم مما تأكلون. قالوا: فما ينفعنا في الدنيا يا رسول الله، قال: فرس تربطه تقاتل عليه في سبيل الله، ومملوك يكفيك، فإذا صلى فهو أخوك،

стр. 1356

فإذا صلى فهو أخوك). وفي حديث أن فاطمة ﵂ محلت يدها من الرحى، فجاءت رسول الله ﷺ تسأله خادمًا، فلما جاءه سبي أعطاها خادمًا، وقال لها: (أني رأيتها تصلي فلا تضربيها فإني نهيت عن قتل المصلين) فقالت فاطمة ﵂: إذا كانت هكذا فإنها تعمل يومًا وأعمل يومًا. وفي حديث أن رجلًا قال النبي ﷺ : ما أمري وأمرهما يؤتى! قال: (أخوك فأحسن إليه، فإن غلب فكن معه أو تجد معه) أي فإن كثر العمل فلم يستطعه فاعمل معه. قال أبو مسعود أني لأضرب غلامًا لي إذ سمعت صوتًا من خلفي: اعلم أبا مسعود: فجعلت لا التفت إليه من الغضب حتى غشيني، فإذا هو رسول الله ﷺ ، فلما رأيته وقع السوط من يدي من هيبته، قال لي رسول الله ﷺ (والله لله أقدر عليك منك على هذا) فقلت: يا رسول الله، والله لا أضرب غلامًا لي أبدًا. وقال معاوية بن الحكم- ﵀ كانت لي جارية ترعى غنيمة لي فذهب الذئب بشاة منها، وأنا من بني آدم أسف كما يسفون، فصككتها صكة، فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فعظم ذلك علي، فقلت: يا رسول الله، أفلا أعتقها قال: (ادع بها. فقال لها: أين؟ فقالت: في السماء. قال: فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة). وجاء عنه ﷺ أنه قال: (من ضرب عبده حدًا لم يأته، أو لطمه. فكفارته أن يعتقه). ومعنى هذا أن يضربه قدرًا بحد، ولم يكن عليه الحد. وعنه ﷺ : (لا تضربوا الرقيق فإنكم لا تدرون ما توافقون من ذلك). وفي

стр. 1357

رواية أخرى (فإنكم لا تدرون ما تهجمون عليه). وعنه ﷺ أنه قال: (سوء الخلق شؤم وسوء الملكة بها، وصلة العمر يزيد في العمر، والصدقة تدفع مسة السوء) وجاء عن نفر بن الصحابة ﵃ أنهم اقضوا الخادم من الولد في الضرب، واعتقوا الخادم لما لم يرد القصاص. وقال حبيب بن أبي ثابت ﵁: كان يقال لا تجمعوا علي الخدم الليل والنهار. يعني: نجوهم بالليل إذا عملوا بالنهار. وعن أبي هريرة ﵁ أنه ركب بغلة ذات يوم، فأردف غلامه خلفه. فقال قائل: لو تركته يسعى خلف دابتك. فقال أبو هريرة ﵁: لأن يسعى معنى صنمان من نار يحرقان ما أحرق، أحب إلي من أن يسعى غلامي خلف دابتي. وجاء أنه كان لديباغ بن سلامة غلام فغضب عليه، فخصاه وجدعه. فأتى النبي ﷺ فأخبره، فأغلظ لديباغ القول وأعتقه منه، فقال: أتوصي لي يا رسول الله فقال: (أوصي بك كل مسلم). ومعنى هذا أنه أمره أن يعتقه كفارة لإساءته إليه، لا أنه جعل الجدع والخصى اعتاقًا كما ظنه بعض العلماء ثم قاس عليه كل مثله، والله أعلم. فصل وينبغي لمن أراد أن يشتري مملوكًا أن يسحن النية في شرائه، ويعزم على التخفيف عنه والإحسان إليه، ولا يشتريه إلا وهو في رأيه صالح له، دون أن يرضاه غيره له، وهو لا يرضاه لنفسه، ويقدم استخارة الله فيه. فإذا اشتراه أخذ بناصيته فقال: اللهم أني أسألك من خيره وخير ما جبل عليه، وأعوذ بك من شره وشر ما جبل عليه، فإن ذلك مروي عن النبي ﷺ . والأخبار والآثار في هذا الباب كثيرة، وقد كتبنا منها ما

стр. 1358

تقع به الكفاية إن شاء الله. فإذا أصاب العبد حدًا قريبًا أو شرب خمرًا، أو سرق، أو قذف. أقام سيده عليه الحد، لقول النبي ﷺ : (أقيموا الحد على ما ملكت أيمانكم). وقال: (إذا زنت خادم أحدكم ليجلدها الحد ولا يثرب). وإن كان العبد والأمة لامرأة فأصاب حدًا لم يكن لها أن تقيم الحد عليه، وكذلك المكانة. وإن كان لرجل من أهل الاجتهاد وهو عدل أقام عليه الحد. وإن كان من العامة فله أن يحده بعلم نفسه، وإذا كان ذلك من الأمر الظاهر، وإن كان مما ينفرد الخاصة بعلمه، فله أن يحده نفسًا من نفسه من الفقهاء. وسمعت من أصحابنا من يقول: لا تحد نفسًا غيره، وبيان هذا في كتاب الأحكام وبالله التوفيق. * * *

стр. 1359

التاسع والخمسون من شعب الإيمان وهو باب في حق السادة على المماليك وهو لزوم العبد سيده في إقامته حيث يراه له ويأمره به، وطاعته له فيما يطلب. ولك أن الله قطع من الحقوق التي تكون من الحر في نفسه كثيرًا من العبد لأجل سيده، وجعل سيده أحق به منه بنفسه في أمور كثيرة. فإذا استعصى العبد على سيده، فإنما استعصى على الله لأنه هو الحاكم عليه بالملك لسيده، والسالب إياه ما كانت من الحقوق في نفسه، فلا فرق بين العصيان من هذا الوجه، والعصيان بإنكار سائر المحظورات. ولا بين الامتناع من هذا الحكم وبسخطه، وبين الامتناع بين سائر الأحكام وبسخطها، وقد قال الله : ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾. وقال: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا﴾. فأما عبد أبق من سيده واستعصى عليه ونزع نفسه من طاعته فلم يسلم لأمر الله وحكمه وحكم رسول الله ﷺ ، فإن ذلك منه إخلالًا بشعب الإيمان وتركا له. ومن الحقوق التي ذكرنا أن الله قطعها من العبد من جنس ما يثبت للأحرار في نفوسهم الملك، فإنه لا يملك أصلا، ولا يتزوج أربعًا، ولا ينكح بغيره إذن سيده، ولا يأتي الجمعة إلا بإذن سيده ولأنه كفل لأحد من أحد إلا بإذن سيده. ولا يجاهد إلا بإذن سيده، ولا يحج إلا بإذن سيده، ولا يقبل منه إلا بإذن سيده، ولا وصية توصى له إلا بإذن سيده، وإن جنيت عليه جناية عمد وجب مثلها القصاص، فالأمر في ذلك إلى سيده

стр. 1360

دونه. وإن زوجه وهو صغير لزمه النكاح، وإن يزوجه كبيرًا بغير إذنه، فقد اختلف فيه، وجعل له أن يستخدمه ويخدمه غيره وهو كاره. وأن يتبع خدمته وأن يصرف عليه خراجًا وهو كاره، ويسافر به وهو لا يعرف قصد سيده، فيصير مسافرًا بسفر، يقصر بقصره، ويفطر بفطره. وهذه أحكام ثابتة وجبت وجوب سائر أحكام الشريعة لا تضيع من سيده، ولو أراد السيد أن يغفر له عن شيء منها، ما يعيد عفوه، ولا يغير الحكم لإرادته. فإذا استعصى العبد على سيده والحق الإضرار بنفسه، فإنما يستعصى على الله وكان حكمه ما ذكرنا والله أعلم. وأيضًا فإن الله جعل كل مالك ظاهرًا بالحقوق التي ذكرنا على مملوكه، فكذلك جعله ولي نفسه، والقيم عليه يعوله ويمونه ويعلمه بالدين ويروضه وينفعه، كما يفعل ذلك لولده. فلم يكن له أن يعصيه فيما هو من حقه، كما لا يكون للولد أن يعق الوالد ويعصيه فيما هو من حقه. وأيضًا فإن العبيد والإماء أمناء ساداتهم على أنفسهم وما تحت أيديهم. فأي شيء خانوا ساداتهم فهم فيه كسائر الأمناء إذا خانوا، غير أن خيانتهم في نفوسهم الأباق أو في منافع أبدانهم بمنع الخدمة وإظهار العصيان أقطع. قال النبي ﷺ : (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته). فالعبد راع على مال سيده، وهو مسؤول عنه، وإذا خان كان مسؤولًا عما في يده من مال سيده، فهو بأن يكون مسؤولًا عن نفسه، وهو مال سيده أولى وأحق والله أعلم. ثم أن النبي ﷺ كما وصلى المالكين بالمملوكين، فكذلك قد عرف المملوكين حقوق المالكين، وبين لهم ما يستحقونه من الأجر، إنما حقوق المالكين إليهم دلالة على أنهم إن حبسوها عنهم كان ما يستحقونه من الإثم بقدره.

стр. 1361

فروي عنه ﷺ أنه قال: (ويل للمالك من المملوك، وويل للملوك من المالك، وويل للغني من الفقير، وويل للفقير من الغني، وويل للجاهل من العالم، وويل للعالم من الجاهل، وويل للشديد من الضعيف، وويل للضعيف من الشديد). وقال: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع عليهم وهو مسؤول عنهم والرجل على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته). وجاء عنه ﷺ أنه قال: (للمملوك الذي يحسن عبادة ربه، ويؤدي إلى سيده الذي له من الحق والنصيحة والطاعة، أجران: أجر ما أحسن من عبادة ربه، وأجر إلى ما أدى إلى مليكه الذي له عليه من الحق). وأيضًا فإن الزوجية شبهت بالرق، قال النبي ﷺ : (اتقوا الله في النساء، فإنهن عندكم عوان، واتخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله). ومعلوم أن الزوج كما أنه مخاطب في امرأته بالإحسان إليها والعطف عليها والمرأة مخاطبة بالطاعة لزوجها، وتغلظ عليها حقه قال النبي ﷺ : (لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد غير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، فوالذي نفسي بيده، لا تقضي امرأة حق زوجها حتى لو سألها نفسها وهو على قتب لم تمنعه). فدل ذلك على السيد إذا خوطب بالإحسان إلى إلى مملوكه كان المملوك كذلك مخاطبًا بأن لا يعامل سيده بالغيظ والضجر، ولا يرى أنه باسترقاقه ظالم له مسرف عليه ويؤدي إليه ماله عنده من الحقوق، لا بخباثة فيها، ولا يبخسه شيئًا منها. ويعلم أن تقصيره فيما أوجب الله تعالى لسيده ليس بأدنى من يجامل سيده عليه واحدة بما لم يوجب الله عليه، وبالله التوفيق.

стр. 1362

الستون من شعب الإيمان وهو باب في حقوق الأولاد والأهلين وهو قيام الرجل على ولده وأهله، وتعليمه إياهم من أمور دينهم ما يحتاجون إليه. فأما الولد فالأصل فيه أنه نعمة من الله وموهبة وكرامة، قال الله : ﴿والله جعل لكم من أنفسكم أزواجًا، وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة﴾. وقال: يهب لمن يشاء إناثًا ويهب لمن يشاء الذكور﴾. فامتن علينا بأن أخرج من أصلابنا أمثالنا، وأخبر أن الأنثى من الأولاد هبة وعطية كالذكر منهم، وذكر قومًا تسؤهم البنات، فينابزون من القوم لئلا يذكروهن لهن، فقال تعالى جده: ﴿وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودًا وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به﴾. فكل من ولد له من المسلمين ولد ذكر أو أنثى، فعليه أن يحمد الله على أن أخرج من صلبه نسمة مثله تدعى به وتنسب إليه، فيعبد الله كعبادته، ويكثر به في الأرض أهل طاعته، ثم يؤمر به حد بأن مولده بعدة أشياء: أولاها أن يؤذن في أذنيه حين يولد، وذلك أن يؤذن في أذنه اليمنى ويقيم في أذنه اليسرى. والثانية أن يحنكه بتمر، فإن لم يحضر فيحلوا بشبهه، وينبغي أن يتولى ذلك بيمينه، ثم يرجى خيره وبركته. والثالثة أن يعق عنه. والرابعة أن يحلق بخفيفته وهي شعور رأسه الذي ولدته. والخامسة أن يسميه.

стр. 1363

والسادسة أن يختنه. وكل واحدة من هذه الخصال تجمع سننًا. فأما الذبح فإن من سنة أن يكون السابع من الولادة، فإن تأخر فالرابع عشر، فإن تأخر فالحادي والعشرين. فإن لم يعق عنه حتى بلغ مشايخنا ﵏ من قال: أن عتق نفسه بعد الإدراك فسحن. وقيل: لا يعتق عن كبير. ومن سنن الذبح أن يكون من صدر النهار. ومنها أن يذبح عن الغلام شاتان متكافئات، وعن الجارية. وذهب بعض السلف إلى أنه لا يعني عن الجارية. روى ذلك عن أبي وائل والحسن البصري. وروى عن بعض أنه يسوي بين الغلام والجارية لا يفاوت بينهما يروى ذلك عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين ﵃ وغيره. ومنها أن الشاة تذبح ولا تتصدق به حية. ومنها أن الذابح يستقبل بذبحه القبلة ويقول: بسم الله والله أكبر، اللهم منك وإليك ولك. فإن قال: اللهم عقيقة عن فلان دمه بدمه ولحمه بلحمه، وعظامه بعظامه فلا بأس. ومنها أن الشاة إذا ذبحت وسلخ عنها جلدها طبخت كما هي أو فصلت أعضاؤها ولا تكسر عظامها. ومنها أن تطبخ بحلو ولا تطبخ بحامض. ومنها أن الطبيخ يعد إلى من يراد طعامه ولا يدعى الناس عليه. وفيما يذبح عن المولود أحكام: أحدها أنه يجوز أن يؤكل منه، ويطعم الأغنياء. ومنها أن يبقى فيه ما يبقى في الأضاحي من النقائص. ومنها أن لايباع شيء منه. واختلفوا في حكم الذبح نفسه فروى عن مجاهد والحسن ما يدل على أنهما كان يريانه واجبًا. ويقال أن ذلك قول أهل الظاهر، وذهب قوم إلى أنه سنة مستحبة. وذهب قوم إلى أن الأمر فيه إلى اختيار المولود له وليس بسنة، فيندب إليها ويحث عليها. وأما الحلق فإنه يجمع أشياء: أحدهما أن يكون اليوم السابع. والثانية أن يكون بعد الذبح. والثالثة أن يستوفي الرأس لا يترك شيء منه. والرابعة أن يتصدق بوزنه فضة. والخامسة أن رأسه لا يلطخ بدم الذبيح، فإن ذلك مكروه. والسادسة أنه إن كان يطبخ زعفران أو ملق فلا بأس.

стр. 1364

وأما التسمية فإنه أيضًا تجمع أشياء: أحدها أن يكون اليوم السابع، فإن سماه يوم مولده فلا بأس. ومنها أن ينفي الأسماء الكاذبة والقبيحة. ومنها أن لا يجمع له من اسم النبي ﷺ وكنيته. وأما التكنية فلإخبار أن لا يكنى إلا بعد أن يولد ولده، فيكنى بالاسم الذي سمي به الولد، فإن كني بعد ذلك فلا بأس. وأما الختان فقد اختلف في حكمه، فقيل إنه سنة. وقيل أنه فريضة. وفيه من السنة أنه يستحب اليوم السابع. فالذبح والحلو والتسمية إن احتمله الصبي، فإن لم يحتمله أخر إلى أن يحتمله، وكره تركه إلى الأنصار. واستحب خفص الجارية قبل الغلام. وأما التعليم والتأديب فوقها أن يبلغ المولود من السن والعقل مبلغًا يحتملها، وذلك يتفرع منه أن يشبه على أخلاق صلحاء المسلمين، ويصونه من مخالطة المفسدين. ومنها أن يعلمه القرآن ولسان العرب، ويسمعه السنن وأقاويل السلف، ويعلمه من أحكام الدين ما لا غناء به عنه. ومنها أن يرشده إلى المكاسب إلى ما يحمده، ويرجى أن يرد عليه كفايته. فأم التأذين فقد خولنا به، والسنة فيه ما رواه عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه أن رسول الله ﷺ أذن في أذن الحسن حين ولدته فاطمة بالصلاة. ومعنى هذا عندنا أنه أذن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى. وقد تسمى أذانًا، كما جاء في الحديث (بين كل أذانين صلاة لمن يشاء). وإنما أراد الأذان والإقامة. وجاء عن عمر بن عبد العزيز ﵁ ما يدل عليه. وهر أنه كان إذا ولد له مولود أذن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى. وروى عن بعض السلف خلاف ذلك. فإن عبد الله بن الحسين كان يقول: من أراد أن لا يقرب والده تابعة أبدًا، فإذا ولد فليؤذن في أذنه اليسرى وليقم في أذنه اليمنى. ووجه هذا في النظر أن يكون أول ما يسمعه الصبي من كلام الناس كلام الإيمان، والذكر الذي يدعى به الناس إلى الصلاة التي هي ثانية الإيمان. ألا ترى أن التكبير يستحب كلما أصبح أن يذكر الله ويمجده، فيكون افتتاحه نهاره بالذكر، وكلام البر

стр. 1365

والخير، ويستحب له مثل ذلك عند رؤية الهلال ليكون افتتاح الشهر بكلام الخير. فأولى إذا ولد المولود وكان بنفسه عاجزًا عن الذكر أن يتولى ذلك عليه، وأن يكون افتتاحه ورد الدنيا، واستقباله عره بكلام التقوى والبر. روى عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا أصبح قال: (أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد وملة أبينا إبراهيم حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين). وعن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا أصبح قال: (أصبحنا وأصبح الملك والكبرياء والعظمة والخلق والأمر والليل والنهار وما يسكن فيهما من شيء لله وحده لا شريك له. اللهم اجعل أول النهار لي صلاحًا، وأوسطه فلاحًا وآخره نجاحًا. اسلك خير الدنيا والآخرة، يا أرحم الراحمين). وأما التحنيك فالخبر المروي فيه أن حميدًا عن أنس قال: ولدت أم سليم عبد الله، فأبت أن تحنكه حتى يحنكه رسول الله ﷺ ، فحملته، ومعها ثمرات عجوة، فأتت به رسول الله ﷺ فمضمه وأوجره. وعن عائشة ﵂ قال: كان رسول الله ﷺ يؤتى بالصبيان فيحنكهم. فأتى بصبي فبال عليه، فأتبعه الماء ولم يغسله. ووجه التحنيك أن اللحي والحنك آلة المضغ، فإذا ترك التحنك بعد أن يخرج من بطن أمه مدة طويلة لم يؤمن إذا ضربه الهوى واشتد بأعضائه. وأعضاؤه أن يبقى حنكه ومحياه منشدة. فإن احتاج بعد ذلك إلى المضغ اشتد عليه فيعاجل بالتحنيك لتتفتح تلك المجاري ويصير تحريك اللحي عادة له فيؤمن به الآفة التي ذكرتها. وأما استحباب أن يكون ذلك بتمر، فالحديث الذي تقدمت روايته، وبعد فإنه أنفس الأطعمة إذا كان يجمع إلى حلاوته أنه قوت يغتذى، وفاكهة تشتهى، وكان طعام النبي ﷺ ، وشبه الله شجرته بكلمة الإخلاص. وأن في شجرته، فشأنه من

стр. 1366

الإنسان. فقيل لذلك أكرموا عمتكم النخلة، وأن الصائم مندوب إلى الإفطار بالتمر، فكان أولى ما يبدأ بإيصاله إلى الجوف. روى عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى بصاع بسر، فقال: ﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلًا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾. فقال: (هي النخلة). ﴿ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار﴾. وقال: (هي الحنظل). قال شعيب فأخبرت بذلك الغالية، فقال: كذلك كنا نسمع. وعن ابن عمر ﵄ قال: مثل المؤمن كمثل النخلة إن كالسته يفعل. وعن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ يفطر على التمر، ويحب أن يفطر عليه. وعنه ﷺ أنه قال: (من جد فليفطر عليه، ومن لم يجد تمرًا فليفطر على ماء، فإن الماء طهور) فإن لم يحضره تمر، فشيء حلو يشبهه، لأن الطبع إلى الشيء الحلو أميل والنفس إليه أبرع. فإذا وقع التحنك منه بقيت نفس الصبي متعلقة به، فيحرك لحيته وحنكه كل وقت نزوعًا منه إلى ما عهده وتوفرت عليه فائدة التحريك التي كانت المقصود من التحنيك والله أعلم. وأما استحباب أن يولى من يرجى خيره وبركته، فلأن أم سليم أخرت تحنيك ولدها ليكون النبي ﷺ هو الذي يحنك ولدها، وقد علم أنها لم تقصد بذلك إلا أن ينال ولدها خيره وبركته، فيستجيب إذا فاتت مشاهدة النبي ﷺ أن يتحرى للتحنيك من يرجى للمولود فضل خير وبركة من جانبه إذا كان النبي ﷺ لم ينكر على أم سليم تأخيرها التحنيك ليكون هو الذي يتولاه، واعلم غرضها. وإنما أراد به من التبرك من اجتماع ريقه وريق ولدها ووصلوه مع التمر الذي يحنكه به إلى جوف صبيها، فأقرها على الأمرين والله أعلم.

стр. 1367

وأما الذبح فإن من سنته أن يكون اليوم السابع، فإن يولد المولو بعد طلوع الفجر لم يحسب ذلك اليوم. وإن ولد قبله حسب. وللأذان فيه ما روى بريدة الأسلمي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (العقيقة تذبح لسبع أو أربع عشرة أو إحدى وعشرين). وعن عائشة ﵂ قالت: عن رسول الله ﷺ عن الحسن والحسين ﵄ اليوم السابع، ومعنى ذلك- والله أعلم- أن عدد الأيام سبعة، ومنها تتركب الشهور والسنون، فأمروا به أن يتقرب إلى الله بالذبح عنه، رجاء أن يفديه، فأذبح لأجله، ويتحقق المرجو من إيمانه. ومن قبل، فإن هذا للرجال ضعف فلا يتأذن إلى الذبح عنه كما لا يذبح عنه وهو في بطن أمه. وإذا تكررت الأيام السبعة ثلاث مرات فقد تطاولت ودخل تكريرها في حد الكثرة، ففات وقت الاختيار. وذهب بعض الناس إلى أن ما روى: أن العقيقة تذبح لسبع، وأن المولود يعق عنه منذ أن يولد إلى سبعة أيام، أو أربعة عشر يومًا. فإن تأخر عن ذلك فات ولم تكن سنة. وعندنا أن الوقت المنصوص عليه الفعل لا للفوت ويدل على ذلك أنه قال العقيقة تذبح لسبع. ولو أراد ما قاله هذا القائل، لا شبه أن يقول: إلى سبع. وأيضًا فإنه لما ذكر بعد السبع وقتين آخرين: أحدهما أربع عشرة، والآخر الحادي والعشرين. علمنا أنه لم يرد أن الذبح ينتهي في حكم السنة من يوم الولادة إلى هذا الوقت، لأنه إذا أراد هذا، تطلب فائدة الذكر لأقل العددين، ولم يتعلق به حكم. فإذا كان الوقت للفعل كما قلنا، كانت الأيام المنصوصة أوقات للاستحباب وما وراءها وقت الإمكان فقط. فأما ذكرها- والله أعلم. فإن مات الصبي قبل السبع لم يعق عنه لأنه مات قبل توجب الأمر على المولود له بالذبح عنه. فصار كأن لم يكن أو كالسقط. وإن مات بعد السبع وإمكان الذبح عنه عق عنه، لما روى عبد الله بن عبيد بن عمير عن النبي ﷺ قال: (كل مولود مرتهن في قبره بعقيقته، حق يكون أبواه هما يمسكانه أو يسلمانه). وقيل لعطاء لحن لساني: ما تفسير مرتهن؟ قال: تحرم شفاعة ولده.

стр. 1368

وعن محمد بن مطرف أنه قال: لم يعق عن ولده حرم شفاعته. وهذه الشفاعة إنما جاءت الأخبار بها للصغار الذين لم يواقعوا الذنوب، لم يتدنسوا بالمعاصي والقروف فالذبح إنما يكون عنهم أحياء كانوا أو موتى لا عن الكبار، والله أعلم. وعن رسول الله ﷺ قال: (ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهما وإياهم الجنة بفضل رحمته. يجاء بهم يوم القيامة، فيقال لهم: ادخلوا أنتم وآباؤكم بفضل الله ورحمته الجنة). فإذا قيل: إذا أمرتموه أن يعق عن المولود إذا مات بعد السبع لئلا تحرم شفاعته، فلم لا أمرتموه أن يعق عنه إذا مات قبل السبع لأن لا تحرم شفاعته. قيل: إنما تحرم شفاعته إذا حرمه الذبح عنه وهو ما صور به. فأما إذا حرمه ذلك، والأمل لم يتوجه عليه به فلا. ألا ترى أن السقط قد يرجى أيضًا ثم لا يدل ذلك على أنه يعق عنه، فكذلك الحي إذا مات قبل السبع وذكر في حديث النبي ﷺ (أن السقط يظل محتبطًا على باب الجنة) وفسره بالمغضب المهم لاستبطاء الشيء. أي أنه ينتظر أبويه ويستبطئ إيابهما. وأما من لم يعق عنه حتى كبر فإنه لا يعق عنه بعد الكبر. لأن الصغار إنما يسن الذبح عنهم رجاء أن يكون المذبوح عقًا لهم فليبلغوا الكريم العمر بعد ذلك لا حد له. فمن كبر فقد وصل إلى مقصود الذبح فيه، فلم يكن الذبح عنه بعده معنى. كما لا معنى لصلاة الخسوف بعد تجلي الخاسف، ولا لصلاة الاستسقاء بعد السقيا. وهذا لم يعق عندنا عن الميت الكبير، وكذلك لا يعق عن الحي الكبير وقد قيل: إن عق نفسه بعد الإدراك فسحن. ويروي ذلك عن الحسن وعطاء عن مجاهد، قال: عققت عن نفسي بعدما صرت رجلًا مخافة أن يؤخذ بهما والدي. وفي رواية أخرى عن قتادة ﵁ قال: من لم يعق عنه وضحى اللهم عن عقيقتي وأضحيتي أجراه، وعن الحسن في رجل لم يعق عنه قال: إن كان ضحى أو ضحي

стр. 1369

عنه أجريت عنه من العقيقة. وكان أحب إلى الحسن ﵁ أن تمضي الأضحية لوجهها ويعق عن نفسه. فإن احتج محتج بما روى أنس أن النبي ﷺ عق عن نفسه بعد ما بعثه الله نبيًا. قيل: وجه ذلك عندنا أنه لما استقبل في رتبة النبوة التي لم تكن له من قبل عمر أحد أبدًا، وكانت النبوة سببًا لحياة القلوب وسلامة الأبدان، قرب الله في ذلك الوقت قربانًا كما يقرب عن المولود إذا استقبل في الصبي، والفسحة للذين لم يكونا له من قبل عمر أحد أبدًا، إلا أنه قضى بالعقيقة التي يتركها أبوه إذا لم تكن في ذلك الوقت مشروعة لهم تعتد بفعلهم إياها أو تركهم لها. وهذا لم يأمره كل من أسلم أن يعق عن نفسه مع علمه بأنه لم يعق عنه في صغره. وذلك أنهم لما خرجوا من الظلمات إلى النور بالنبي ﷺ كان خلاصهم خلاصة، والنور الذي يستضيئون به نوره، ولم يكن كل واحد فيهم أكرم به مثله ولو كان ذبح عن نفسه، فطالما ترك ذبحه عنه، أمر به كل من أسلم من الرجال والنساء والله أعلم. وقد يخرج هذا الحديث على معنى آخر سأذكره بعد هذا إن شاء الله. وأما استحباب الذبح في صدر النهار، فلأن الوقت إذا خل فالمسارعة إلى القربة المشروعة فيه أولى من المدافعة بها، لأن الله مدح المسارعين إلى الخيرات وأثنى عليهم، فقال: ﴿أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون﴾. وأمر بالمسارعة، فقال: ﴿سارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾. وأيضًا فإن أول النهار أعظم بركة من آخره. ألا ترى أن البكور أعظم بركة من الغدو، فكذلك الغدو أفضل مما يليه، وما دنا منه أفضل مما نأى عنه والله أعلم. وعن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : (اللهم بارك لأمتي في بكورها). وعن صخر الغامدي ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: (اللهم بارك لأمتي في بكورها). وكان إذا بعث سرية أو جيشًا بعثهم في أول النهار. وكان صخر رجلًا تاجرًا، كان يبعث غلمانه أول النهار فأثرى ماله. وأما أن يذبح عن الغلام

стр. 1370

شاتان وعن الجارية شاة، لا يضركم ذكرانًا كن أو إناثا. وعن عطاء بن أبي رباح أن أم كرز سألت رسول الله ﷺ عن العقيقة فقال: (عن الغلام شاتان متكافأتان وعن الجارية شاة). وعن عائشة ﵂ أنها قالت: أمر رسول الله ﷺ أن يعق عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة. وهذه الأخبار تجمع دلالتين: أحدهما أن الذبح عن الإناث سنة كما هو عن الذكور سنة. والأخرى استحباب العدد فيما يذبح عن الذكورة، والنظر يدل على أن الذبح عن الإناث سنة. وهو أن هذه السنة في تقدير فدية النفس، فكانت كالأضحية. والرجال والنساء يسوون في سنة الأضاحي. كذلك الغلمان والجواري مستوون في سنة العقيقة. وأما المقارنة بين الصنفين في العدد، فلأن الغرض من هذه القربة استيفاء النفس فأشبهت الدية وأشباهها إياها بجمع دلالتين: إحداهما أن للإناث فيها مدخلًا كما لهن في الديات مدخل. والأخرى أن الأنثى منها على النصف من الذكر، كما أنها في الدية على النصف منه. وأما استحباب العدد فلأنه شبيه بالأضحية. وقد روى عن رسول الله ﷺ أنه كان يضحي بكبشين، فكان القياس على ذلك أن لا يجلى هذا الدم للآخر من العدد، على أن المستحب في الصدقات كلها الازدواج. وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من أنفق زوجين في سبيل الله- يقول دينارين، درهمين يعنون بحد هذا- دعته خزنة الجنة إلى الجنة، هلم بأول. فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله، ذاك الذي لا يؤتى عليه، فقال ﷺ : إني لأرجو أن يكون منهم). وعن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من أنفق زوجين في سبيل الله دعي: يا عبد الله هذا خير. وللجنة أبواب: فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان. فقال أبو بكر ﵁ ما على الذي يدعى من تلك
следующие страницы →