Полный текст (1 512 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
الإنسان. فقيل لذلك أكرموا عمتكم النخلة، وأن الصائم مندوب إلى الإفطار بالتمر، فكان أولى ما يبدأ بإيصاله إلى الجوف. روى عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى بصاع بسر، فقال: ﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلًا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾. فقال: (هي النخلة). ﴿ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار﴾. وقال: (هي الحنظل). قال شعيب فأخبرت بذلك الغالية، فقال: كذلك كنا نسمع.
وعن ابن عمر ﵄ قال: مثل المؤمن كمثل النخلة إن كالسته يفعل. وعن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ يفطر على التمر، ويحب أن يفطر عليه. وعنه ﷺ أنه قال: (من جد فليفطر عليه، ومن لم يجد تمرًا فليفطر على ماء، فإن الماء طهور) فإن لم يحضره تمر، فشيء حلو يشبهه، لأن الطبع إلى الشيء الحلو أميل والنفس إليه أبرع. فإذا وقع التحنك منه بقيت نفس الصبي متعلقة به، فيحرك لحيته وحنكه كل وقت نزوعًا منه إلى ما عهده وتوفرت عليه فائدة التحريك التي كانت المقصود من التحنيك والله أعلم. وأما استحباب أن يولى من يرجى خيره وبركته، فلأن أم سليم أخرت تحنيك ولدها ليكون النبي ﷺ هو الذي يحنك ولدها، وقد علم أنها لم تقصد بذلك إلا أن ينال ولدها خيره وبركته، فيستجيب إذا فاتت مشاهدة النبي ﷺ أن يتحرى للتحنيك من يرجى للمولود فضل خير وبركة من جانبه إذا كان النبي ﷺ لم ينكر على أم سليم تأخيرها التحنيك ليكون هو الذي يتولاه، واعلم غرضها. وإنما أراد به من التبرك من اجتماع ريقه وريق ولدها ووصلوه مع التمر الذي يحنكه به إلى جوف صبيها، فأقرها على الأمرين والله أعلم.
стр. 1367
وأما الذبح فإن من سنته أن يكون اليوم السابع، فإن يولد المولو بعد طلوع الفجر لم يحسب ذلك اليوم. وإن ولد قبله حسب. وللأذان فيه ما روى بريدة الأسلمي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (العقيقة تذبح لسبع أو أربع عشرة أو إحدى وعشرين).
وعن عائشة ﵂ قالت: عن رسول الله ﷺ عن الحسن والحسين ﵄ اليوم السابع، ومعنى ذلك- والله أعلم- أن عدد الأيام سبعة، ومنها تتركب الشهور والسنون، فأمروا به أن يتقرب إلى الله بالذبح عنه، رجاء أن يفديه، فأذبح لأجله، ويتحقق المرجو من إيمانه. ومن قبل، فإن هذا للرجال ضعف فلا يتأذن إلى الذبح عنه كما لا يذبح عنه وهو في بطن أمه. وإذا تكررت الأيام السبعة ثلاث مرات فقد تطاولت ودخل تكريرها في حد الكثرة، ففات وقت الاختيار. وذهب بعض الناس إلى أن ما روى: أن العقيقة تذبح لسبع، وأن المولود يعق عنه منذ أن يولد إلى سبعة أيام، أو أربعة عشر يومًا. فإن تأخر عن ذلك فات ولم تكن سنة. وعندنا أن الوقت المنصوص عليه الفعل لا للفوت ويدل على ذلك أنه قال العقيقة تذبح لسبع. ولو أراد ما قاله هذا القائل، لا شبه أن يقول: إلى سبع.
وأيضًا فإنه لما ذكر بعد السبع وقتين آخرين: أحدهما أربع عشرة، والآخر الحادي والعشرين. علمنا أنه لم يرد أن الذبح ينتهي في حكم السنة من يوم الولادة إلى هذا الوقت، لأنه إذا أراد هذا، تطلب فائدة الذكر لأقل العددين، ولم يتعلق به حكم. فإذا كان الوقت للفعل كما قلنا، كانت الأيام المنصوصة أوقات للاستحباب وما وراءها وقت الإمكان فقط. فأما ذكرها- والله أعلم.
فإن مات الصبي قبل السبع لم يعق عنه لأنه مات قبل توجب الأمر على المولود له بالذبح عنه. فصار كأن لم يكن أو كالسقط. وإن مات بعد السبع وإمكان الذبح عنه عق عنه، لما روى عبد الله بن عبيد بن عمير عن النبي ﷺ قال: (كل مولود مرتهن في قبره بعقيقته، حق يكون أبواه هما يمسكانه أو يسلمانه). وقيل لعطاء لحن لساني: ما تفسير مرتهن؟ قال: تحرم شفاعة ولده.
стр. 1368
وعن محمد بن مطرف أنه قال: لم يعق عن ولده حرم شفاعته. وهذه الشفاعة إنما جاءت الأخبار بها للصغار الذين لم يواقعوا الذنوب، لم يتدنسوا بالمعاصي والقروف فالذبح إنما يكون عنهم أحياء كانوا أو موتى لا عن الكبار، والله أعلم.
وعن رسول الله ﷺ قال: (ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهما وإياهم الجنة بفضل رحمته. يجاء بهم يوم القيامة، فيقال لهم: ادخلوا أنتم وآباؤكم بفضل الله ورحمته الجنة).
فإذا قيل: إذا أمرتموه أن يعق عن المولود إذا مات بعد السبع لئلا تحرم شفاعته، فلم لا أمرتموه أن يعق عنه إذا مات قبل السبع لأن لا تحرم شفاعته.
قيل: إنما تحرم شفاعته إذا حرمه الذبح عنه وهو ما صور به. فأما إذا حرمه ذلك، والأمل لم يتوجه عليه به فلا. ألا ترى أن السقط قد يرجى أيضًا ثم لا يدل ذلك على أنه يعق عنه، فكذلك الحي إذا مات قبل السبع وذكر في حديث النبي ﷺ (أن السقط يظل محتبطًا على باب الجنة) وفسره بالمغضب المهم لاستبطاء الشيء. أي أنه ينتظر أبويه ويستبطئ إيابهما. وأما من لم يعق عنه حتى كبر فإنه لا يعق عنه بعد الكبر. لأن الصغار إنما يسن الذبح عنهم رجاء أن يكون المذبوح عقًا لهم فليبلغوا الكريم العمر بعد ذلك لا حد له. فمن كبر فقد وصل إلى مقصود الذبح فيه، فلم يكن الذبح عنه بعده معنى. كما لا معنى لصلاة الخسوف بعد تجلي الخاسف، ولا لصلاة الاستسقاء بعد السقيا. وهذا لم يعق عندنا عن الميت الكبير، وكذلك لا يعق عن الحي الكبير وقد قيل: إن عق نفسه بعد الإدراك فسحن. ويروي ذلك عن الحسن وعطاء عن مجاهد، قال: عققت عن نفسي بعدما صرت رجلًا مخافة أن يؤخذ بهما والدي.
وفي رواية أخرى عن قتادة ﵁ قال: من لم يعق عنه وضحى اللهم عن عقيقتي وأضحيتي أجراه، وعن الحسن في رجل لم يعق عنه قال: إن كان ضحى أو ضحي
стр. 1369
عنه أجريت عنه من العقيقة. وكان أحب إلى الحسن ﵁ أن تمضي الأضحية لوجهها ويعق عن نفسه.
فإن احتج محتج بما روى أنس أن النبي ﷺ عق عن نفسه بعد ما بعثه الله نبيًا. قيل: وجه ذلك عندنا أنه لما استقبل في رتبة النبوة التي لم تكن له من قبل عمر أحد أبدًا، وكانت النبوة سببًا لحياة القلوب وسلامة الأبدان، قرب الله في ذلك الوقت قربانًا كما يقرب عن المولود إذا استقبل في الصبي، والفسحة للذين لم يكونا له من قبل عمر أحد أبدًا، إلا أنه قضى بالعقيقة التي يتركها أبوه إذا لم تكن في ذلك الوقت مشروعة لهم تعتد بفعلهم إياها أو تركهم لها. وهذا لم يأمره كل من أسلم أن يعق عن نفسه مع علمه بأنه لم يعق عنه في صغره. وذلك أنهم لما خرجوا من الظلمات إلى النور بالنبي ﷺ كان خلاصهم خلاصة، والنور الذي يستضيئون به نوره، ولم يكن كل واحد فيهم أكرم به مثله ولو كان ذبح عن نفسه، فطالما ترك ذبحه عنه، أمر به كل من أسلم من الرجال والنساء والله أعلم.
وقد يخرج هذا الحديث على معنى آخر سأذكره بعد هذا إن شاء الله. وأما استحباب الذبح في صدر النهار، فلأن الوقت إذا خل فالمسارعة إلى القربة المشروعة فيه أولى من المدافعة بها، لأن الله مدح المسارعين إلى الخيرات وأثنى عليهم، فقال: ﴿أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون﴾. وأمر بالمسارعة، فقال: ﴿سارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾. وأيضًا فإن أول النهار أعظم بركة من آخره. ألا ترى أن البكور أعظم بركة من الغدو، فكذلك الغدو أفضل مما يليه، وما دنا منه أفضل مما نأى عنه والله أعلم.
وعن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : (اللهم بارك لأمتي في بكورها). وعن صخر الغامدي ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: (اللهم بارك لأمتي في بكورها). وكان إذا بعث سرية أو جيشًا بعثهم في أول النهار. وكان صخر رجلًا تاجرًا، كان يبعث غلمانه أول النهار فأثرى ماله. وأما أن يذبح عن الغلام
стр. 1370
شاتان وعن الجارية شاة، لا يضركم ذكرانًا كن أو إناثا. وعن عطاء بن أبي رباح أن أم كرز سألت رسول الله ﷺ عن العقيقة فقال: (عن الغلام شاتان متكافأتان وعن الجارية شاة).
وعن عائشة ﵂ أنها قالت: أمر رسول الله ﷺ أن يعق عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة. وهذه الأخبار تجمع دلالتين: أحدهما أن الذبح عن الإناث سنة كما هو عن الذكور سنة. والأخرى استحباب العدد فيما يذبح عن الذكورة، والنظر يدل على أن الذبح عن الإناث سنة. وهو أن هذه السنة في تقدير فدية النفس، فكانت كالأضحية. والرجال والنساء يسوون في سنة الأضاحي. كذلك الغلمان والجواري مستوون في سنة العقيقة.
وأما المقارنة بين الصنفين في العدد، فلأن الغرض من هذه القربة استيفاء النفس فأشبهت الدية وأشباهها إياها بجمع دلالتين: إحداهما أن للإناث فيها مدخلًا كما لهن في الديات مدخل. والأخرى أن الأنثى منها على النصف من الذكر، كما أنها في الدية على النصف منه. وأما استحباب العدد فلأنه شبيه بالأضحية. وقد روى عن رسول الله ﷺ أنه كان يضحي بكبشين، فكان القياس على ذلك أن لا يجلى هذا الدم للآخر من العدد، على أن المستحب في الصدقات كلها الازدواج.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من أنفق زوجين في سبيل الله- يقول دينارين، درهمين يعنون بحد هذا- دعته خزنة الجنة إلى الجنة، هلم بأول. فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله، ذاك الذي لا يؤتى عليه، فقال ﷺ : إني لأرجو أن يكون منهم). وعن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من أنفق زوجين في سبيل الله دعي: يا عبد الله هذا خير. وللجنة أبواب: فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان. فقال أبو بكر ﵁ ما على الذي يدعى من تلك
стр. 1371
الأبواب من ضرورة، فهل يدعى من كلها أحد؟ قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم). فأما ما قيل في هذا الحديث (لا يضركم ذكرانًا كن أو أناثًا) فلان هذا النسك شبه بالأضحية، والتضحية بالذكران والأناث جائزة، فكذلك العقيقة والله أعلم.
فإن قيل: فلو قلتم أن يعق عن الغلام شاة واحدة، لما روى ابن عباس ﵄ وأنس أن النبي ﷺ عق عن الحسن والحسين كبشًا. قلت: ليس يأتي جواز ذلك كما لا يأتي جواز التضحية بكبش. ولكن لما روى أنه ضحى بكبشين، قلنا أن ذلك أفضل كذلك لما قال الغلام شاتان قلنا أن ذلك أفضل. ومنه جواب آخر نذكره في غير هذا الموعد إن شاء الله. فإن سأل سائل عن هذا النسك، هل يستحب فيه البدن من الغنم كما يستحب في الأضاحي؟ قيل: لا، لما قد قيل لعائشة ﵂ وولد لابن أختها غلام: عقي عن ابن أخيك بجزورين. فقالت: معاذ الله، ولكن ما قال رسول الله ﷺ (شاتان متكافأتان). وما روى عن النبي ﷺ أنه قال: (كل مولود مرتهن بعقيقته حتى يعق عنه والده من الإبل أو البقر أو الغنم) فإنه حديث مرسل لا تقوم الحجة بمثله. ومع ذلك فليس فيه استحباب البدن بل الغنم. وإنما فيه إنها تجري، ولسنا ننكر ذلك. والمعنى في أن الإبل لا تستحب من هذا النسك على الغنم، هو أن النبي ﷺ خالف بين الغلمان والجواري فيه، فقال (عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة). فلو استحببنا البدن على الغنم، ثم قلنا: يذبح عن الغلام بدنه، لم يكن أن يذبح عن الجارية نصف بدنه. وإن قلنا يذبح عنها بدنه. أدى ذلك إلى التسوية بينهما، والتسوية ليست بمستحبة. وإن قلنا نذبح عن الغلام بدنتين، وعن الجارية بدنة. فقد يكون للواحد ابن وابنة فيرى أن يعق بثلاث بدنات ولا يقدر أن يعق عن البنت بنصف ما يعق عن الابن. والسنة أن تكون الأنثى في العقيقة على النصف من الذكر فكان الأولى بهذا المعنى أن يلزم ما ورد به نص السنة.
стр. 1372
وعلى هذا المعنى لا يستحب له أن يزيد على شاتين، لأن الزيادة لو استحبت له، فكان له ابن وابنة، وأراد أن يعق عن ابنه بثلاث شياه أو بخمس، لم يمكنه أن يعق عن البنت بنصفها. والسنة أن الذبح إذا جاوز أقل النسك تورث بين الغلام والجارية، فوجب أن يكون المقدار والجنس اللذان ورد نص السنة بهما ملتزمين، فنهينا استعمال ما شرع من المقاوتة بين الصنفين، ولا يترقى عنها إلى عدد قد يمكن استعمال ذلك، وقد لا يمكن والله أعلم.
وأيضًا فإن الشاتين حق الغلام نصًا، فلا معنى لاستحباب أن يفوت بهما عن الجارية فيما فوق النص بين الصنفين. ومعلوم أنه إذا استحب ذبح أربع من الغنم عن الغلام، وجب استحباب ذبح اثنتين عن الجارية. فتصير عقيقة الغلام المنصوصة، عقيقة للجارية وخلاف النص بالكراهية أولى منه بالاستحباب والله أعلم.
ويبين ما قلنا أن الله لما ورث الأولاد، للذكر مثل حظ الأنثيين فجعل للابن مع البنت ثلثي المال، لم يكن الثلثان نصيب بنت واحدة أبدًا. فكذلك لما جعلت السنة عقيقة الغلام شاتين، لم يجز في الاستحباب وحكم السنة أن تكون الشاتان عقيقة للجارية والله أعلم.
وأيضًا فإن دم العقيقة قربة شرعية لاستشفاء النفس، كما أن الدية وضعت مكان نفس القاتل. وهي في الخطأ نظير القصاص في العمد. وقد وقع النص في هذه الفدية على الغنم، وفي تيك على الإبل. ثم لم يكن للغنم في تلك الفدية مدخل، ووجب أن لا يكن للإبل في هذه الفدية مدخل والله أعلم.
فإن قيل: فكيف يجوز أن يكون الجنس الذي يتقرب به إلى الله أعلى وأنفس من الجنس الذي تختر به حقوق الآمنين؟
قيل: لما جاز أن يقع النص في فدية القربة على شاتين، وفي فدية الختر على مائة من الإبل. ويجوز التمسك بشاة واحدة ولا تكون دية النفس أقل من مائة من الإبل فكانت
стр. 1373
فدية الختر على مائة من الإبل، ونحو النسك بشاة واحدة. ولا تكون دية القربة أقل من مقدار قربة الختر والله أعلم.
وأما الهدي والأضحية، فإنهما سالمان من هذا المعنى إذا فضل فيهما بين الرجال والنساء. والأصل أن الاستكثار من النسك خير من الاستقلال، فلما كانت المائة أفضل من الواحد كانت البدنة أفضل من الشاة والله أعلم.
وأما استحباب قولنا أن شاة العقيقة لا يتصدق بها حية، فالخبر الذي جاء في ذلك وهو ما رواه سلمان بن عامر الضبي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (على الغلام عقيقة فأهرقوا عنه دماء، وأميطوا عنه الأذى) ولأن سنة الهدي والأضحية الذبح، فكذلك العقيقة والله أعلم.
وأما إن كان الذابح يستقبل بذبحه القبلة ويقول: بسم الله والله أكبر اللهم منك ولك فلأنه نسك ابتدأته الشريعة بالندب إليه، فهو كالأضحية. وإن قال: اللهم هذه أضحيتي فتقبلها مني أو هذا نسكي فاقبله مني لم يكن بذلك بأس.
وقد أخبر الله عن إبراهيم صلوات الله عليه وعن إسماعيل صلوات الله عليه أنهما كانا يقولان عن بناء البيت: ربنا تقبل منا أنك أنت السميع العليم. فدل ذلك على أن المقرب يستحب له الدعاء بالقبول لنفسه والله أعلم. وفي هذا المعنى حديث جامع سأرويه بعد هذا إن شاء الله. وأما قولنا أن الذبيح يفصل ويطبخ ولا تكسر عظامه، فلما روي عن عائشة ﵂ في ذلك قالت: السنة عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة، تطبخ جدولا، ولا يكسر لها عظم، فتأكل وتطعم ويتصدق.
وعن جابر ﵁ أنه قال في العقيقة: تذبح وتقطع أعضاؤها ثم تطبخ بماء وملح، ثم تجعل في القصاع، ويبعث به إلى الجيران. فيقال: هذه عقيقة فلان. والمعنى في أن لا تكسر عظامها، والتفاؤل للمولود بسلامة عظام فديته، لسلام عظام بدنه. إذ كانت العظام أعمدة البدن، ولا جناية أشد مما يجنى به عليها. ولذلك أفردها الله
стр. 1374
عز وجل بحال الشهد بالذكر، فقال: ﴿أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه﴾. وضرب النبي ﷺ المثل عنها فقال: (كسر عظم المؤمن ميتًا ككسره حيًا). فلما كانت كذلك وكان يخبر بتفصيل الأعضاء عن كسر العظام، ويكون ما لا يستحب من كسر العظام، هذا النسك نظير ما لا يستحب من إتباع الجنازة مجمرًا فيها نار. ونظير ما لا يستحب من أن يسمي الرجل عبده يسارًا وبركة وخيرًا، وأفلح جهة أن يقول: ها هنا فلان، فيذكره باسمه. فيقال: ألا وبكل هذا وردت الأخبار.
روى أنس عن النبي ﷺ : (لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل الصالح) وعنه ﷺ أنه أراد أن يصلي على جنازة رجل فجاءت امرأة معها مجمر، فما زال يصيح بها حتى توارت بآجام المدينة. وعن سمرة بن جندب ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: (أحب الكلام إلى الله لا إله إلا الله والله أكبر، والحمد لله، لا يضرك بأيهن بدأت، ولا تسمين غلامك يسارًا ولا رباح ولا أفلح، ولا تحتج، فإنك تقول: إثم هو؟ فيقال: لا).
وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: (كسر عظم الميت ككسره وهو حي).
وأما الطبخ بالحلو، فتفاؤل للصبي بالحلاوة ليحلى في قلوب المسلمين، ويحيى حياة طيبة، كما يسمع أول ما يسمع ذكر الله . وجاء أن يكون ذلك إذا كبر أحب الأذكار إليه. وكما يحنك بالتمر تفاؤلًا له بالحلاوة في رزقه وعيشه والله أعلم. وأما أن الطبخ ينفر الذين يراد أحكامهم ولا يدعون إليه، فلما رويته عن جابر، وقد تقدمت حكايته. والفرق بين العقيقة والأضحية في الطبخ، يستحب في العقيقة ولا يستحب في التضحية سنة لكل قادر عليها من المسلمين، وإذا اتفقت منهم في وقت واحد لم يتسع المتصدق عليهم بلحوم الضحايا، لأن يأكلوها عاجلًا ولكنهم يحتاجون إلى ادخار أكثرها، فأمر بإعطائهم إياها على وجه يمكن معه الادخار.
стр. 1375
وأما العقيقة فلا تنكر كثرة الأضاحي، لكنها تنفق مرة بعد واحدة في أوقات متراخية، ولا تكثر كثرة يحتاج الذين يعطونها إلى ادخار بعضها، لكن يمكنهم أن يتعجلوا أكلها. فكان أولى والأحسن أن يكفوا مؤونة الإصلاح والطبخ ليقضوا حاجتهم منها عاجلًا، والله أعلم.
ووجه آخر، وهو أن الطبخ كفاية شغل، وإن أخذ علة فاستحب تفاؤلا للمولود بوقوع الكفاية له في رزقه ويرتاح عليه في معيشه والله أعلم.
وأما أن الناس لا يدعون إليها، فقد حولقنا فيه. فروي عن أبي جعفر أن أباه علي بن الحسين ﵃، كان إذا ولد (له ولد) جعل طعامًا ثم دعا عليه ما شاء فأكلوه. فيحتمل أن هذا كان شيئًا يفعله وراء العقيقة. فكان يعق عن الأولاد ثم يولم سرورًا بالولد، كما يولم إذا تزوج. ومعنى أن الناس لا يدعون إليه، لأن ذلك ليس مما يفعله المولود له سرورًا بالولد، فيكون كالوليمة، وإنما هو فدية، وهو أن يقام مقام ولده كالأضحية، التي هي فدية، يرجو المضحي أن تقام مقام نفسه. والأضاحي لا يدعى إليها الناس، فكذلك هذا والله أعلم.
وأيضًا فإن الطعام الذي يتخذ للعرس بلحق بأصله وهو الولادة. والولادة لا يدعى إليه الناس. فكذلك الطعام المتخذ لأجله والله أعلم. وأما أن المولود له يجوز أن يأكل منه ويطعم الأغنياء، فلأنه ليس بأكثر من هدي التطوع وأما أنه يبقى فيها ما يبقى في الأضاحي فلا يباع منها شيء، فلأنها دم يتقرب به إلى الله ابتداء، فكان كالأضحية والله أعلم.
وأما حكم هذه النسكة عندنا فهو أنها سنة مستحبة لأن النبي ﷺ فعلها وأمر بها. فأما أمره بها فقد رويناه. وأما فعله فقد رويناه أنه عن نفسه بعدما بعثه الله نبيًا، ولا يخلو ذلك من أحد وجهين: إما أن يكون قضى ذلك الذبح الذي قصد فيه وألقاه عند ولادة. وأما أن يكون اعتبر حاله حين بعثه الله نبيًا بحال الخارج من بطن أمه، فذبح عن نفسه كما يذبح عن المولود. وأي واحد من هذين كان، فهو دليل على أن العقيقة سنة مستحبة مؤكدة، لأن غير المولود لا يقضي، وغير السنة الثابتة لا يقاس عليها، فلا يحق بها غيرها.
стр. 1376
وأما ذبحه عن غيره فقد رويناه، ومن الطبخة على أنها غير واجبة، أن رسول الله ﷺ سئل عن العقيقة فقال: (لا أحب العقوق) كأنه كره الاسم. وقال: (من ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فليفعل) فلما علق رسول الله ﷺ بإرادة المولود له ومحبته دل على أنها غير واجبة، ولهذا قلنا الأضحية غير واجبة. فإن النبي ﷺ قال: (إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئًا) فعل ذلك إرادة المضحي واختياره.
فإن قيل: فمن أين لكم أنها سنة مستحبة: قيل له: من أنه سماه نسكًا، وأدنى أحوال النسك أن يكون مستحبًا. فإن احتج محتج لا يجاب هذا النسك بها. روى أن عمر بن شعيب ﵁ كان يحدث عن أبيه عن جده، قال: سئل رسول الله ﷺ عن العقيقة فقال: (لا أحب العقوق) كأنه كره الاسم. قالوا: يا رسول الله أنا نسألك عن أحدنا بولده. قال: (من أحب أن ينسك من ولده فليفعل على الغلام شاتان متكافأتان وعن الجارية شاة) وعن سمرة بن جندب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (الغلام مرتهن بعقيقته، فأهريقوا عنه الدم، وأميطوا عنه الأذى).
قيل له: قد روينا من الحديث ما أبان أن هذا النسك سنة ورواية من روي (على الغلام شاتان وعلى الجارية شاة) غلط منه. وإنما المشهور عن الغلام وعن الجارية. والعلماء على خلاف تلك الرواية مجتمعون بأن ظاهرها دم العقيقة على المولود، وليس أحد من العلماء يقول كذلك وإنما يرى من يقول بالوجوب أنه على المولود، وليس ذلك في الحديث. وإن ارتكب مرتكب وزعم أنه على المولود ولزم أباه أن يتحمل عنه من يقبل ذلك منه، لأن الأغلب الذي لا يكاد يوجد غيره، أن كل مولود فإنما يولد عازبًا عن الملك، لا يجوز أن يكون تخلصه من بطن أمه سببًا لوجوب مال عليه، وهو لا مال له.
стр. 1377
وأما قوله (كل غلام مرتهن بعقيقته) فلا دليل فيه على أن الوجوب كان. معنى ذلك، أنه لا ينبغي أن يخلق ما لم يذبح عنه. والخلق ليس بقرض. حتى إذا كان وقته بعد الذبح لزم أن يذبح عنه لأجله وأما أنه مرتهن في قبره، فقد خسرنا معناه أنه محبوس عن أبيه أن لا يمكن من الشفاعة له. وهذا أيضًا لا يدل على الوجوب، لأن أباه إذا كان لا يخشى من ترك الذبح عنه أكثر من أن تفوته شفاعة نبيه صلوات الله عليه. وإن فاتته شفاعة ولده، فثبت بذلك أن لا دلالة في هذا الحديث على الوجوب.
وأما من ذهب إلى أن العقيقة جائزة وليست بسنة يندب الناس إليها، فهي الحجة عليهم سوى الأخبار التي تقدمت روايتها. وهو أن الذبح عن المولود فطر له قربة إلى الله ، فهو كالتضحية التي تكون من المضحي نظرًا لنفسه وقربه إلى الله . وكلام جمعت إراقته نظرًا للمراق عنه وقربه إلى الله ، فإن إراقته سنة كالهدي والأضحية والله أعلم.
واحتج محتج بما زعم أنه يروى عن فاطمة ﵂ أنها سألت رسول الله ﷺ (أعق عن الحسن والحسين. فقال: لا، ولكن احلقي رأسه وتصدقي بوزن شعره). وما روي عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تستحب الزكاة كل صدقة في القرآن. ونسخ صوم رمضان كل صيام. ونسخ غسل الجنابة كل غسل. ونسخ الأضحى كل ذبح). قال: فدل هذا الحديث على أن النسك بدم العقيقة منسوخ.
فالجواب: أنا قد روينا عن النبي ﷺ أنه عق عن الحسن والحسين، فقد يحتمل أن فاطمة ﵂ ظنت أن ذبح النبي ﷺ عن ولدها كان زيادة فضل لا تسقط بها سنة العقيقة التي تخاطب الوالدين بها، فقالت: أأعقق؟ فقال: لا. لأن ذبحه قد ناب مناب ذبحها وزاد. وقد يجوز أن تكون سأل عن ذلك قبل أن يعق النبي ﷺ ، فقال: لا. لأنه كان في نفسه أن يعق عنه من عنده. ويكون معنى قوله (احلقي رأسه،
стр. 1378
وتصدقي) إن الذبح مني، والحلق والصدقة منك. وإذا احتمل الحديث ذلك لم يجز ترك سنة مستفيضة بمثله.
وفيه جواب آخر يذكر بعد هذا إن شاء الله. وأما نهاية من روى أن الأضحية تستحب كل ذبح، فإن معناه- إن ثبت- إنها تستحب كل ذبح كان في مثل معناها.
وليس دم العقيقة بمنزلتها، لأن الأضحية قربة يفديها المضحي عن نفسه، ولها وقت معلوم لا يجوز في غيره. وأما دم العقيقة، فإن المولود له، يريقه عن الولد لا عن نفسه موفيه السابع من الولادة مما بعده. وإذا لم تكن الأضحية بقصدها، وما يراد بها آيبة على دم العقيقة بعد أن نسخته، فالسنة أن تكون ما نسخته الأضحية هو الفرع والغيرة. فقد كان الأمر بهما واقعًا في أول الإسلام ثم نسخًا. والعقيقة بتا من الأضحية في قصدها، فهي من النسخ بمعزل.
روى عن جحيف بن سليم ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: (على أهل كل بيت من المسلمين أضحية وعتيرة. تدرون ما العتيرة التي تقولون: الرجبية). ثم نسخ هذا الحديث بما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا فرعة ولا عتيرة). فلئن كان النبي ﷺ قال: (نسخت الأضحية كل ذبح) فإنما أراد هذين، دون العقيقة.
وقال بعض العلماء: إنما ينسخ الشيء بما يتأخر عنه لا ما يتقدمه. والتضحية أمر متقادم كان في أول عهد إبراهيم صلوات الله عليه، وجرى المسلمون عليه في أول الإسلام، فقال ابن عمر ﵄: أقام رسول الله ﷺ عشر سنين لا ينزل إلا ضحى. فأما العقيقة فإنما أمر بها بعد تقدمه المدينة بسنين. وعق عن الحسن والحسين أيضًا بعد تقدمه المدينة بسنين، ثم عمل كبار الصحابة، وتوارثه علماء المدينة بسنين. وقال سعيد بن
стр. 1379
المسيب: كانت العقيقة في سلف هذه الأمة، كانوا يعقون عن المنفوس يوم سابعه. وأفتى بذلك القاسم بن محمد، وعرفة، وعطاء بن أبي رباح، وأبو الزناد، والزهري. فكيف يجوز أن يقال: أن المتقدم ينسخ المتأخر. وهذا كما قال، وفيه بيان أن الدم الذي نسخ للأضحى ليس إلا الفرع والعنيزة، لأنهما كانا جاهلين متقادمين. وكان الناس يجرون بعد الاسم فيهما على عادتهم. فلا يبعد أن ينسخا بالأضحية. والعقيقة إنما سنت بعد موت حكم الأضحية، فلا يمكن أن تكون الأضحية نسختها والله أعلم.
فإن سأل سائل عن الغرض في دم العقيقة، ما هو؟ قيل له: قال مالك: أنه أنفع في قلبي من العقيقة، أن النصارى واليهود يعملون بصبيانهم شيئًا يجعلونه فيه، ويقولون: قد جعلناه في الدين. فإن من شأن المسلمين الذبح في ضحاياهم. وعق رسول الله ﷺ عن الحسن والحسين، فيقع في قلبي من الذبح عنهم أنها شريعة الإسلام، وقد سمعت غيري بذلك. وهذا قاله مالك رحمة الله عليه. فيحتمل وتقديره أن النصارى تغمس أولادها في ما يسمونه المعمود به، فيقولون: صنعنا أولادنا أي نصرناهم. ومعناه: أظهرنا شعارها عليهم. واليهود تفعل ذلك بختان أولادها. وكان المسلمون مخصوصين بالهدايا والضحايا، فشرع لهم أن يظهروا شعار الإسلام على حديثي العهد من صبيانهم بالأولاد، بأن يذبحوا عنهم. لأن الختان، وإن كان مشروعًا للمسلمين، فاليهود مشاركة لهم فيه. فعدل عنه إلى ما لا تقع فيه مشاركة. وهذا بنظير أن اليهود لما كانت تعظم السبت والنصارى تعظم الأحد وتتخذه عبدًا، شرع للمسلمين أن يعظموا يومًا غيرهما ويتخذوه عيدًا والله أعلم.
وفيه قول آخر عن سفيان بن عيينة ﵁ قال: كان النبي ﷺ ثلاث سنين، كان من ولد الذي قرب القربان، فتقبل منه، فصار سنة في العقيقة. وكان من ولد إسماعيل الذي فدى بذبح عظيم فصار سنة في الأضحية. وكان من ولد عبد الله بن عبد المطلب الذي فدى بمائة من الإبل فصار سنة في الدية. وهذا الذي قاله سفيان من أن النبي ﷺ كان من ولد الذي قرب القربان فتقبل منه مشكل. لأنه إن كان أراد به أنه من ولد ابن آدم الذي قرب القربان فيقبل منه كما ذكره الله في كتابه. فالرواة ينطقون على أن ذلك هابيل بن آدم. وأجمع النسابون على أن نبينا ﷺ من ولد شيث بن
стр. 1380
آدم صلى الله عليهما وسلم، ولم يكن لهابيل ابن يعرف، وإن كان أراد غيرهما فليس لي بين وجه من كل أمر.
وقد يحتمل عندي أن سنن الأضحية والعقيقة جميعًا من قصة إبراهيم وإسماعيل ﵉، فيقال: إن إبراهيم ﵇ إنما أمر بذبح ابنه عن نفسه، فلو حل وإتمام ما بدأه، لكانت منزلته في التقرب بابنه كمنزلة غيره في التقرب ببدنته أو بقرته أو شاته. ولما فدى بالكبش، صار الكبش مذبوحًا عن إسماعيل، ثم صار عن إسماعيل بذبح فدايته كان أباه قد أمضى لنفسه القربة التي قصدها منه. ففرع عن هذا أن النصيحة قربة، وأن الذبح عن الولد أيضًا بر وقربة. فإن كان سفيان أراد هذا فقد وفق وإن كان لم يرده والإشكال لازم كلامه.
وفيه قول آخر: وهو أن غرض المولود له في الذبح عن ولده الرغبة إلى الله في أن يفدي المولود ما ذبح عنه فيبقيه ويبارك فيه، ويدفع عنه البلاء والآفات والمكاره ولهذا يقال عقيقة عن فلان دمه بدمه ولحمه بلحمه، وعظامه بعظامه وهذا يقرب من غرض التضحية. فإن معناها أن يتصور الضحى بصورة من يدعو ربه، فيقول: إني قدر ارتكبت من الذنوب والمآثم ما لو كان قتل نفسي مطلقًا لأوجبت قتلها عقوبة لها على ما سلف من المعاصي والآثام. فلأن ذلك محظور على ما قد حرمت على أن أقتل نفسي، وأحللت لي بهيمة الأنعام، فهذه منها قربي ونسكي، فاقبلها مني، واجعل لحمها بلحمي ودمها بدمي وعظامها بعظامي، وشعرها وبشرها بشعري وبشري، فاغفر لي. فهذان نسكان متقاربان، وهما يفترقان في أن أحدهما من الذابح عن نفسه والآخر عن ولده. وفي أن أحدهما يراد أن تكون فدية للنفس في العاجلة بلا حرام. والآخر يراد به في أن تكون فدية لها من تبعات المعاصي والآثام. ثم هما فيما وراء ذلك سيان والله أعلم.
وأما توجب الحلق باليوم السابع وضمه إلى الذبح والتصدق بوزن شعره فضة وتجنيب الدم وتلطيخه بالحلوق، مع ما استخشاه من الذكر الذي يقال عند الذبح. فإن كل ذلك مما جمعه حديث واحد، وتفرقت بجميع ذلك عدة أخبار. روته عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (يعق عن الغلام شاتان متكافئتان، وعن الجارية
стр. 1381
شاة). قالت عائشة ﵂: فعق رسول الله ﷺ عن الحسن والحسين ﵄ بشاتين اليوم السابع. وأمر أن يماط في رأسهما الأذى. وقال: (اذبحوا على اسم الله، وقولوا: بسم الله والله أكبر، اللهم لك وإليك هذه عقيقة فلان).
وكان في الجاهلية، تؤخذ قطفة فتجعل في دم العقيقة، ثم توضع على رأسه، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يجعل مكان الدم خلوفًا.
وعن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (كل غلام رهين بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه، ويحلق رأسه ويدمي).
قال قتادة ﵁: يؤخذ بصوفه فتضرب بدم العقيقة ثم توضع على رأسه. وهذا يحتمل أنه كان في أول الإسلام، ثم نهي عنه لما رويته من الحديث قبله. ولما روى عبد الله بن ترمذة عن أبيه قال: كنا في الجاهلية إذا ولد لنا مولود، وذبحنا عنه شاتين، ولطخنا رأسه بدمه. ثم كنا في الإسلام إذا ولد لنا مولود ذبحنا له شاة ولطخنا رأسه بالزعفران.
وعنه ﷺ : (يعق عن الغلام فلا يمس رأسه بالدم). وقد قيل في معنى ذلك أن إمساس رأس المذبوح عند دم الذبيحة نسبة ما كان أهل الجاهلية يفعلونه من صب دماء ذبائحهم على أصنامهم، فلذلك نهى عنه. وعن فاطمة أنها عقت عن الحسن والحسين ﵄ يوم سابعهما، وحلقت رؤوسهما، وتصدقت بوزنه فضة. وهذا يدفع رواية من روى أنها سألت رسول الله ﷺ : أعق قال: لا. لأنه لو نهاها لم تخالفه. وقد يحتمل الجمع بين الخبرين وجهًا سوى ما تقدم ذكره، وهو أن النبي ﷺ عق عن الحسن والحسين شاة، لأنه نص على ذلك في الأكثر من الروايات، وعقت فاطمة ﵂ شاة شاة، فكملت العقيقة عن كل واحد منهما بشاتين ولئن كانت سألت: أعق فقال: لا. فالمعنى أنها قالت: أعق عقيقة كاملة وهي شاتان. فقال: لا أي واحدة يكفيك لأنني عققت بشاة.
стр. 1382
وعنه ﷺ أمر فاطمة أن تحلق شعر رأس الحسن وتتصدق بوزنه من الورق في سبيل الله، ثم ولدت الحسين، فصنعت مثل ذلك.
فأما المعنى في تأخير الحلق عن الذبح، فهو أن تتكامل الفدية في الشعر والبشر كما قال النبي ﷺ : (إذا خل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعر وبشره شيئًا، أو فلا يأخذن). وإن أراد بذلك أن يتكامل معنى الفدية في الشعر والبشر، فكذلك هذا. وإذا كان معنى تقديم الذبح على الحلق، هذا وكان الشعر الذي طال تقلبه على الناس أذى، فبالحري أن يتعجل الذبح ليتوصل به إلى الحلق، فهذا معنى قوله ﷺ (كل غلام مرتهن بعقيقته فأهريقوا عنه دمًا وأميطوا عنه الأذى) أي الحلق منظر به الذبح، فأريحوا عنه لتريحوه. وعلى هذا يجري أمر المحرمين، لأن يستحب لمن لا دم عليه أن ينسك يوم الإحلال. وإذا أراد ذلك ذبح أو نحر ثم حلق. فهكذا كل ذبح وحلق اجتمعا. فسنة الحلق أن يؤخر عن الذبح والله أعلم.
وأما كراهية الاقتصار على حلق بعض الرأس، فلما روى ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى عن القزع- والقزع أن يحلق الصبي ويترك بعض رأسه وأنه رأى صبيًا حلق بعض رأسه وترك بعضه، فنهى عن ذلك، وقال: (احلقوه كله، أو اتركوه كله). وهذا شبيه بما روى أن النبي ﷺ نهى أن ينتعل الرجل بإحدى رجليه. وقال: (ينتعلهما جميعًا أو ليخلعهما جميعًا).
وروي عن أبي إبراهيم ﵁ قال: قال النبي ﷺ (إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى، وإذا خلع فليبدأ باليسرى، أو ليخلعهما جميعًا أو لينتعلهما جميعًا).
وأما أن التقصير لا يقوم مقام الحلق، فلأنه ﷺ قال: (وأميطوا عنه الأذى). وفي حديث آخر (يحلق). فدل على أن السنة هي الحلق، وليس في التقصير إماطة الأذى
стр. 1383
فلم يقم مقام الحلق. ولأن السنة إذا كانت تصدق بوزنه الشعر ورقًا، احتج إلى حلق الجميع ليتهيأ وزنه، فأما مع إنهاء بعضه على الرأس فلا، والله أعلم.
وأما التسمية لليوم السابع، فلما رواه سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : (كل غلام رهين بعقيقته يذبح عنه يوم سابعه، ويحلق رأسه ويسمى) وعنه ﷺ أنه أمره بتسمية المولودة يوم سابعه. ومعنى ذلك- والله أعلم- أن الأيام سبعة، فإذا أدارت على المولود قوى الرجاء بأنه مخلوق للبقاء والحاجة إلى الاسم للتعريف والبقاء، فإذا ظهرت مخايل العيش فيه كانت تسميته عند ذلك أحسن وأولى. وأما من قبل ذلك فلا حاجة إليها قبل أن تضعه أمه.
وقد يجوز أن يقال: أن التسمية إنما تؤخر إلى السابع إذا عاش المولود، فأما إذا مات قبل ذلك أو خرج منها أو كان سقطًا، فقد روى فيه خبر، وهو أن رسول الله ﷺ قال: (سموا السقط. قالوا: يا رسول الله إنا لا ندري أذكر هو أم أنثى؟ فقال: سموه حمزة خارجة باسم غلام أو جارية). ووجه هذا- والله أعلم- أن التسمية إنما توجد بحال يرجى بلوغ المولود إياها. فإذا مات فقد أيسر من بلوغه، فكان الأولى أن يسمى لأنه ولد ثابت النسب. فلا ينبغي أن يدرك مقطوع الدعوة كولد الزنى والله أعلم. وأما تسميته بالأسماء الصادقة دون الكاذبة، والحسنة دون القبيحة، فلما روى نافع عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (أصدق الأسماء عبد الله وعبد الرحمن). وروى ابن عبد الله بن أبي سلول، كان يسمى بالحباب، فقال رسول الله ﷺ : (إن الحباب شيطان فسموه عبد الله). وعن ابن وهب وكانت له صحبة قال: قال رسول الله ﷺ (أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام). وعن علي ﵁ قال: ثم ولد لي غلام فسميته حربًا، فقال: (هو محسن). وأما إجازة
стр. 1384
تسميته يوم الولادة، فلما روى عن أنس بن مالك ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ قال: (إنه ولد لي غلام البارحة، وأني سميته باسم أبي إبراهيم).
وأما كراهية الجمع بين اسم النبي ﷺ وكنيته، فلما روى عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من يسمي باسمي، فلا يكني بكنيتي، ومن يكني بكنيتي فلا يتسمين باسمي). فإن احتج محتج بما روى ابن الحنفية على علي ﵁ أنه قال: قلت: يا رسول الله، إني ولد لي مولود بعدك أسميه باسمك، وأكنيه بكنيتك قال: نعم). وبأن صفية بنت شيبة قالت: ولد لي غلام فسميته محمدًا، وكنيته بأبي القاسم، وإن الناس أنكروا علي ذلك، وزعموا أن النبي ﷺ كان يكره ذلك، فهل عندك شيء سمعته من رسول الله ﷺ ؟ فقال: ولدت امرأة من الأنصار ولدًا فسمته محمدًا، وكنته بأبي القاسم، فأنكر الناس ذلك عليها، فقال رسول الله ﷺ (ما أحل اسمي وحرم كنيتي، وما حرم كنيتي وأحل اسمي).
قيل له: أما محنفة محمد بن الحنفية فلا حجة فيه، لأن النبي ﷺ قبل أن يكون اسمه وكنيته تشريفًا له بذلك، لما روى عن ابن الحنفية عن علي ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (يا علي أنه سيولد لك غلام يحليه اسمي وكنيتي) وهذا يدل على أن الجمع بينهما لم يكن مطلقًا لمن شاء، إذ لو كان كذلك لما سمى النبي ﷺ إطلاقه لمحمد بن الحنفية تحلية ولا كذلك إكرامه.
وأما الحديث الآخر فيحتمل أن يكون المراد به إباحة كل واحدة من الاسم والكنية على الانفراد، لأن لا يظن ظان أن أحدهما يحرم بكل حال. فأبان النبي ﷺ أنهما حلالان. ولكن ليس كل حلالين يجمع بينهما. فإن الأختين حلالان ولا يجمع بينهما، فليكن هذا من هذا الباب، والله أعلم.
стр. 1385
وأما تأخير التكنية إلى أن يكبر المولود، فيولد له. فلأن تكنيته من ذلك الوقت إنما تقع باسم ولده، فيكون صدقًا، فاستحب ذلك كما استحب أن يسمي المولود بالأسماء الصادقة نحو عبد الله وعبد الرحمن. فإن كن قبيل ذلك فلا بأس، لما روى عن عائشة ﵂ قالت كان رسول الله ﷺ ألف صبيًا فإذا انصرف من صلاة الفجر دخل عليه فمازحه ساعة حتى يضحك ثم يخرج. فدخل عليه يومًا وهو يبكي، فقال: (ما لصبيكم يبكي، فقد بعيرًا له. قال يا أبا عمر، ما فعل البعير، فجعل يرددها عليه حتى ضحك. ثم قال: يا أبا ذر كنوا أولادكم قبل أن يغلب عليهم النفاق السوء. ثم قال: إني لأمزح ولا أقول إلا حقًا).
وأيضًا فإن الرخصة لما وردت في تسمية المولود حارثًا وهمامًا، فجاز أن يسمى بهما ولم يحرث ولم يهم تفاؤلًا له بهذين الاسمين، إذ كان كل واحد منهما لا يكون إلا مع البقاء، جاز على قياس ذلك أن يعجل بكنيته، فيقال: أبو فلان، تفاؤلًا له بذلك إذا كان لا يولد له إلا أن يبقى قبل ذلك والله أعلم.
فإن سأل سائل عن غرض التسمية والكنية قيل: أما التسمية فلمجرد الشهرة والتعريف ليدعى إذ دعي به، ويتميز به عمن لا يشاركه في اسمه فإن شاركه في اسمه غيره ضم إلى الاسم والنسب، أو بعض الأوصاف والحلي لا يستوي فيها اثنان، قد جاء بها التمييز بمجموع الأمرين عن غيره. وأما التكنية فتكون للمبالغة في التعريف. وقد تكون للمتوفين، لأن الكبير هو الذي يولد له، ومن يولد له، فقد صار راعيًا على ولده، وثبتت له الولاية عليه. فمني كنى واصف إلى ولده، فقد وقر وأنزل منزلة الولاة والدعاء والعاملين للغير، والقائمين عليه. وهذا هو الغرض والله أعلم.
وأما الختان في اليوم السابع، ففيه أخبار، منها ما روى عن مكحول أو غيره أن إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليه، ختن ابنه إسحق ﷺ لسبعة أيام، وإن فاطمة ﵂ كانت تختن ولدها السابع. وعن محمد بن المنكدر ﵁، أن النبي ﷺ ختن لسبعة أيام. وقد روى عن الحسن أنه كره ختان الغلام يوم سبوعه، خلافًا على
стр. 1386
اليهود. والسنة أولى أن تتبع، ولو ترك الختان اليوم السابع، لأنه من فعل اليهود لترك الختان أصلًا لأنه من فعلهم.
فإن قيل: وما في فعل فاطمة من الدليل، أو فيما رويتم أن النبي ﷺ ختن اليوم السابع. وإنما تولى ذلك منه إن صح الخبر- أتراه وهما مشركان؟
قل: أما فاطمة ﵂، فالأغلب أنها لن تكن تختن ولدها دون مؤامرة النبي ﷺ ، ولو فعلته بغير أمره، ثم لم ينكره عليها فذاك بمنزلة الأمر. ألا ترى أن عليًا ﵁، لما سمى ابنه حربًا، ولم يرض ذلك رسول الله ﷺ ، كيف أنكره وغيره. فكذلك لو أنكر صنيع فاطمة ﵂، لأعلمها ذلك، ولنهاها عن مثله. فلما لم يفعل، والظاهر أن ذلك لم يكن يخفى عليه، ولا ينكتم عنه، صح أنه أقرها على ذلك والله أعلم.
وأما أن النبي ﷺ ختن اليوم السابع، فإن وجه الحجة فيه أن الختان من الأمور الشرعية، فلأن كانت معرب تختتن في الجاهلية فلأنها توارثته خلفًا عن سلف عن إبراهيم صلوات الله عليه. فلما روى أنهم ختنوا النبي ﷺ اليوم السابع وكان من أوسطهم نسبًا، على أنهم لم يختاروا تعجيل ختانه إلا لكرامته عليهم. فكان ظاهر ذلك أنهم ورثوا أصل الختان، ورثوا أفضل تعجيله والله أعلم.
وأيضًا فإن ما يجب قطعه فهو من جملة الأذى، فدخل في عموم قوله ﷺ (أميطوا عنه الأذى). وأيضًا فإن الصبي كلما كان أصغر كان من الأوجاع والآلام أغفل وجرحه إلى الإلتئام والإلتحام أسرع. فإن عوجل بالختان فإن ذلك في حال الصغر أخف عليه منه في حال الكبر، لم يكن في ذلك ما ينكر. فإن خيف أن الدم الذي يقطر منه الجرح إذا ختن يضعفه، أو أن أذى الألم الذي يختن به ينهكه، أخر إلى أن يصير محتملًا له والله أعلم.
والأصل في وجوب الختان قول الله : ﴿وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات
стр. 1387
فأتمهن) فروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ابتلاه الله بالطهارة، خمس في الرأس وخمس في الجسد. في الرأس قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس. وفي الجسد تقليم الأظفار وحلق العانة والختان ونتف الإبط وغسل مكان الغائط والبول بالماء.
وظاهر اسم الابتلاء يدل على الغرض، لأن المندوب إلى الشيء لا يضيق عليه ترك ما ندب إليه، فلا يكاد يتحقق بالندب ما لم يكن معه إلزام. هذا وفيما يذكر أنه في التوراة إن الله تعالى أمر إبراهيم صلوات الله عليه وقومه بالختان، وأشار لهم إلى معناه وغرضه، فقال: متسمًا لي في أجسادكم إلى آخر الأبد. وأنه حكم على من لم يختن بالقتل. فبان بهذا أن الختان كان فرضًا عليه وعليهم. وإذا ثبت هذا الدليل، إن الختان كان فرضًا على إبراهيم ﷺ . وجاء عنه أنه قام على نفسه في كبر سنه.
وروى عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (اختتن إبراهيم صلوات الله عليه وهو ابن مائة وعشرين سنة، وعاش بعد ذلك ثمانين سنة). فقد صح أن الختان من ملة إبراهيم. وقد قال الله لنبينا ﷺ : ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا﴾. فما كان من ملة إبراهيم أصلها وفروعها، فإتباعها واجب بهذه الآية.
فإن قيل: لما كانت قرائن الختان في هذا الخبر غير فرض، فما أنكرت أن يكون الختان غير فرص.
قيل: المضمضة والاستنشاق لأصل الجناية فرض عندك، والاستنجاء بالماء فرض عندك، غير أن الأحجار تقوم مقامه. كما أن غسل الرجلين فرض، لكن المسح على الخفين يجري عنه. فليست قرائن الختان كلها إذًا غير فرض. وعلى أنا لا ندري أكانت قرائن الختان في شريعة إبراهيم ﵇ فرضًا أو لم تكن فرضًا. فليس في جمع الأمر
стр. 1388
بينهما وبين الختان ما يمنع من أن يكون الختان من بينهما فرضًا، كما قد يجمع على المصلي والحاج بين عدة أشياء يؤمر بها، ثم يكون بعضها فرضًا وبعضها غير فرض. وإن كانت في شريعتها فرضًا فالختان ثم نسخ فرضها، فليس في نسخها ما يوجب نسخ الختان كما لم يكن في نسخ منها ما يوجب عندك زوال فرض المضمضة والاستنشاق في التطهر من الجنابة والله أعلم.
وقد يحتج لإيجاب الختان بما روى عن النبي ﷺ أنه قال: (خمس من الفطرة) فذكر منها الختان، والفطرة هي الملة. قال الله : ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ يعني الدين القيم. وقد يجوز أن يكون معنى خمس من الفطرة أي من الملة التي أمرتم بإتباعها، وهي ملة إبراهيم. فرجع المعنى إلى أنها فطرة أبيكم، لا إلى أنها فطرة الناس كلهم. ابتلاء إبراهيم واقعًا بضم خمس إلى هذه الخمس، حتى بلغت الكلمات عشر.
وروى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (الفطرة خمس: الاستحداد وقص الشارب، ونتف الإبط، وتقليم الإظفار، والختان).
ووجه الاستدلال بالختن، أن الفطرة ما كانت الدين والملة، فكان ما قيل أنه منها، فالظاهر أنه من أركانها لا من روائدها إلا أن يقوم والدليل على خلافة. والدليل على ذلك أن كل نبي بعث وشرعت له شرعة، فإنما يبعث على أن يكون على قومه أتباعه، لا على أن يكون متحرين في طاعته. وأوجب هذا أن يكون الأصل في كل ما شرع له الوجوب، حتى يكون الدليل على غيره.
وأيضًا فإن إتباع الملة في الجملة إذا كان واجبًا، فما ثبت أنه منها، فإنما هو جزء من جملة قد ثبت لها حكم الوجوب. فالظاهر أن حكمة الوجوب ما لم يصيره عن سائر الأجزاء دليل، وبالله التوفيق.
стр. 1389
فإن احتج محتج بما روى ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (الختان للرجال سنة وللنساء مكرمة).
قيل له: أن واحدًا من هذين اللفظين لانقياد الوجوب. لأن السنة هي الشريعة والطريقة. قال النبي ﷺ : (قد بين لكم معان سنة فاتبعوها) فأوجب إتباعه فيما سماه سنة. وعن أبي ليلى ﵁ قال: حدثنا أصحابنا أنهم كانوا إذا صلوا مع رسول الله ﷺ يدخل الرجل أشاروا إليه فقضى ما سبق به حتى جاء معاذ، فقال: لا أراه على حال إلا كنت عليها. فقال رسول الله ﷺ : (إن معاذ قد بين لكم سنة فكذلك فافعلوا). والمكرمة اسم جامع لكل أدب حسن. ألا ترى إلى ما روى أن بعض العرب لما بلغه عن رسول الله ﷺ أن فيما أنزل عليه أن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي قال: إني أراه يدعو إلى مكارم الأخلاق. يا قوم كونوا في هذا الأمر رؤساء ولا تكونوا فيه أذنابًا. فإذا كان العدل مكرمة وهو فرض، والإحسان مكرمة وهو مع ذلك فرض. وقد يحتمل معنى الحديث في الفرق بين الرجال والنساء، إن الرجال لم يحسن منهم الختان إلا لأجل الأمر به. فأما المرأة فإن الختان يحسن منها الأمر وغيره. وهو أن لا يقف الزوج على ما يكره. وينفر طبعه عنها فيكون كذلك قد تركا إحسان القيام على نفسها، أم تركه القيم عليها فيها، وخالفا ما هو من الأدب إلى غيره والله أعلم.
فإن قيل: الختان استقصاص، فما أنكرت أنه كقص الشارب وتقليم الأظفار، قيل له: أنه ليس مثلهما، لأن الختان إبانة عضوًا لا يؤمن أن يكون سببًا للتلف، وما كان من الإعطاء فهذه الصفة. فأما أن يكون مستحق القطع كيد السارق، ويد القاطع. وما أن يكون محرم القطع، فأما أن يجوز قطعه لا عن حق واجب فلا.
ولما كان الختان بالصفة التي ذكرت وكان مأمورًا به، دل ذلك على أنه فرض لا خيار
стр. 1390
بين فعله وتركه. وأما تقليم الظفر وقص الشارب فإنه زينة لا يخشى فيها التلف بحال فكان كإزالة الدرن عن البدن والله أعلم.
وأيضا فإن الأمر بانتقاص ما لا يستخف من البدن شرعًا وتقييدًا، لا يكون إلا عرضًا كقطع السرة. وما يقرر هذا الاعتدال أن المستقصات أربعة مستخلفان: كالظفر والشعر وغير مستخلفين كالذي يقطع من السرة، وبان من الفلقة، ثم استوى حكم المستخلفين. فكذلك ينبغي أن يستوي حكم غير المستخلفين، والله أعلم.
وأيضًا فإن بقيت الحشفة في الرج قد تعلقت به أحكام كثيرة نحو إيجاب الغسل، وإفساد الصوم، وإفساد الإحرام، ونفور المهر المسمى، وإيجاب غير مسمى، وتحريم الزينة، ورفع حرمة الطلاق، وإيجاب الحد في الحرام. فدل ذلك على أن الحشفة ليست عضوًا باطنًا، ولكنها عضوًا ظاهر في الحكم، فإن كل فعل يعلق من أحكام الشريعة لم يكن ما وقع به بعد ذلك الفعل باطنًا، ولكنه يكون ظاهرًا. وإذا كان كذلك، فمعلوم أن الحشفة مع كونها عورة، حقها أن يستوفى غلاف يحجبها. فلو لم يكن إظهار ما يقطع، ما يواريها عنها واجبًا، للزمها حكم البطون وذلك غير جائز. فصح أنها كانت محلًا للأحكام المعلقة لأنها كالظاهرة بلزوم قطع التواري عنها، كما أن المفلس في حكم المعدوم باستحقاق الغرماء ماله. والنوم في حكم الحدث ما رجا به الإعطاء حتى يتبشر الحدث من النائم، والله أعلم.
فإن قل: أليس اللسان باطنًا، وما الذي هو آلته، والحشفة عند وقوع الفعل الذي هو آلته يزداد استثمارًا، فلو لم يكن لها حال ظهور مثل ذلك، ألزمها حكم التطوع، وذلك غير جائز، ففارق بذلك حكمها حكم اللسان والله أعلم.
فإن قيل: لو كان الختان واجبًا، لوجب إذًا ختن أجنبي صبيًا بغير إذن أبيه، فمات. أن لا يضمن كما لو قتل مرتدًا بغير إذن الإمام، أو قطع سارقًا بغير أمره فمات لم يضمنه. وقد قال الشافعي ﵁ في الإمام: إذا أمر رجلًا أن يختن رجلًا في حر شديد أو برد شديد، فإن على عالميه الدية. وقال فيمن حد رجلًا في شدة حر أو برد فمات، لا شيء عليه. فلو كان ذلك قطعًا مستحقًا لما ضمن كما لم يضمن من مات في الحد.
стр. 1391
فالجواب: أن الضمان لم يجب في هاتين المسألتين، لأن الختان غير فرض لا زال الضمان في باب الحد، لأنه فرض. ولكن لمعنى آخر: وهو أن من ارتد أو سرق أو حتى خيانة، فوجب حدًا، فهو الجالب للعقوبة إلى نفسه بصنعه. فإذا أقيمت عليه في أي وقت كان مكانه تولي ذلك بنفسه، فكذلك سقطت البيعة عمن أقامها عليه.
والختان وإن كان فرضًا فلا صنع للصبي في وجوبه عليه وإنما هو عبادة مبتدأة، خوطب فيها وليه فيه ما دام صغيرًا وهو في نفسه إذا كبر، فلم يجز إذا تولى ذلك عليه من لا ولاية له، أن يجعل كالمباشر ذلك من نفسه، بأن كان الأشبه أن تكون العهدة على المباشر الذي كان المخاطب بالفرض غيره، فلم يجعل الأمر فيه إلى رأيه وتدبيره، لكن تولى منه ما ظهر خطأه فيه من قبل الحال، والوقت والفعل وإن قصرت نفسه عن إيجاب الضمان، فقد يصير سببًا له من قبل الوقت.
ألا ترى إن وطئ الزوجة في جنبه لا يتسع لإيجاب فدية ولا كفارة، ولكن إذا وقع في إحرام أو صيام مخصوص عرضي للضمان، كما قد يعرض عدم الملك للضمان، وما ذلك إلا من قبل الوقت، فلذلك هاهنا والله أعلم.
وأما كراهة تأخير الختان إلى الإيعاز، فإن التلفة تعرض الإبانة كما أن الزوال ما يحدث بعرض البينونة وليست واحة منهما الدوام، فكره أن يؤخر إبانة ما هو بغرض أن بيان بعد توخيه الأمر به إلى أن بين ما هو بعرض البينونة نفسها، وألحق ذلك بالتفريط والله أعلم.
وأما أن حفظ الجواري ينبغي أن يكون أسرع، وذلك إذا أخر عن السابع بعذر من الأعذار، وعن الحادي والعشرين، فلأن الصبية كلما كانت أصغر كانت حرمة شعرها وبشرها أخف، والأمر في تكثيفها عنها أهون، وإن كان شغلًا تتولاه فيها امرأة. فإنه إذا أمكنت صبابة واحدة أن تنظر أخرى إلى فرجها بعدما كبرت، بأن تعالج منها ما تحتاج إلى مصالحة في حال الصغر، فذلك أولى من أن يؤخذ أمرها إلى أن تترعرع وتكبر ويدخل في حد من يغار ويستر. وهذا المعنى بعينه يوجب تعجيل ختان العلماء، قبل أن يترعرعوا أو يدخلوا في حد من يغار، ويؤخذ بستر نفسه إلا أن عرعرة المرأة لما كانت
стр. 1392
أغلظ حرمة من عورة الرجل استحب تعجيل ختان الصبية أشد ما يستحب من تعجيل ختان الصبي احتياطًا بها ومبالغة في حفظها وضربها عن الكشف والله أعلم.
وقد يجوز أن يكون استحباب خفض الجارية قبل الغلام، لأن الجارية أسرع كائنًا للزوج من الغلام للزوجة. فإن العادة أن بلوغها يتقدم بلوغه، والخفض فيما يقال أحد أسباب النشوء والنمو، فكان تعجيله في الجارية عن باب إعدادها للزوج، فلذلك استحب أكثر ما يستحب من تعجيل خفض الغلام والله أعلم.
وأما حد الختان في الصبيان فإظهار الحشفة كلها، فإن قصر الخاتن عن ذلك عاد فقطع ما ترك، لأن الأحكام المعلقة بالحشفة متعلقة بجميعها، وإظهار ما يقطع ما يواريها أحد الأحكام المتعلقة بها. فاقتضى ذلك منها جميعًا. فأما الصبية ففيها حديث، روى عن أنس بن مالك ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (يا أم عطية، إذا خفضت فاسمي ولا تهتكي، فإنه أسرى للوجه وأحظى للزوج) وإذا أفرد الختان عن الذبح، وحلق الرأس، وأخر إلى يوم آخر، استحب عنده الإطعام لما روى عن ابن عمر ﵄ أنه كان يطعم على ختان الصبيان. وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر ﵁ أنه ختن ابنته، فأرسلت إليه عائشة بمائة درهم فقالت: أطعم بهذا. وعن سالم بن عبد الله ﵁ قال: ختنني أبي ونعيمًا، فذبح علينا كبشًا. ولقد رأيتنا وأنا لنجدل به على الغلمان إن ذبح علينا كبشًا.
فإن قال قائل: ما أنكرتم أن طعام الختان مكروه، واحتج بأن عثمان بن أبي العاص دعا إلى ختان، فأبى أن يجيب، وقال: كنا على عهد رسول الله ﷺ لا نأتي الختان ولا ندعى له.
قيل: في هذا الحديث أنه دعي إلى الختان، وليس فيه أنه دعي إلى الوليمة، فكأن القوم أرادوا أن يشهدوا الختان أن يدعوا إليه أمام الناس، فقال: لم يكن هذا على عهد رسول الله ﷺ .
стр. 1393
فإن قيل: روي من وجه آخر أنه دعي إلى وليمة، فقيل له: أتدري ما هذا؟ هذا ختان. فأبى أن يأكل قبل الحديث الذي ذكرت فيه الولية:
قيل فيه: أنهم قالوا هذا ختان جارية، فقال: أن هذا ليس ما رأيناه على عهد رسول الله ﷺ . فيحتمل أنه كره خفض الجارية بالإيلام عليه ولزوجه. وأما ما يكون بعد انقضاء الظفر له من التعليم والدراسة والتأديب، فإن الله ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا﴾ فدخل الأولاد في قوله ﴿أنفسكم﴾ لأن ولد الرجل بعض منه، كما دخلوا في قوله : ﴿ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعًا وأشتاتًا﴾. فلم يفردوا بالذكر أفراد سائر القرابات. ومن وقاية الوالد ولده النار، أن يعلمه الحلال والحرام ويجنبه المعاصي والآثام، ويقوم عليه أحسن القيام ولا يكله إلى نفسه.
روى أنه قيل: يا رسول الله، كيف نقي أهلينا؟ قال: (مروهم بطاعة الله وانهوهم عن معصية الله). وهذا كلام جامع ينتظم عامة ما يحتاج إليه من هذا الباب. فأما تأديب الرحل ولده وتعليمه إياه، فقد جاء فيه عن النبي ﷺ أنه قال: (لأن يؤدب أحدكم ولده خير له من أن يتصدق كل يوم بنصف صاع). وعنه ﷺ قال: (ما تحل والد ولده أفضل من أدب حسن). وجاء عنه ﷺ أنه قال: (ثلاث من حق الولد على الوالد: أن يحسن اسمه، ويعلمه الكتابة، ويزوجه إذا بلغ). وجاء عنه ﷺ : (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، يسأل الراجل منكم عن زوجته وعن ولده وعن خادمه وعمن استرعى) وجاء عنه ﷺ أنه قال: (إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولا يستطب بيمينه، وليكن بثلاثة أحجار). ونهى عن الروث والروثة. فلولا أن من
стр. 1394
حق الوالد أن يعلم ولده من أمر دينه ما يجهله، لما ضرب لنفسه المثل بالوالد عندما أراده ومن التعليم.
وعنه ﷺ (مروهم بالصلاة ابن سبع، واضربوهم عليها ابن عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع). وإنما أراد بذلك أن لا يفتن بعضهم ببعض. فترسخ تلك الفتنة في قلوبهم فتصير ذريعة إلى أمثالها وأخوتها.
وأيضًا فإن على الوالد أن يمون وله ما كان محتاجًا إلى مؤونته، لأنه لا يحيى إلا بها، فأولى أن يحمل كلفة تعليمه برثاء ذنبه، إذ كان لا ينتفع بجفائه إلا أن يكون سالمًا متأدبًا، وما يخشى من ضرر إهماله أعظم مما يخشى من ضرر حبس النفقة عنه، لأن أكثر ما في حبس النفقة عليه أن يموت، وضرر الإهمال أفظع منه، لأنه يخشى عليه أن يوره الجهل غمرات لا يخرج منها إلا إلى النار. فإذا ألزمه دفع أقل الضررين عنه، كان دفع أعظمها له ألزم.
وأيضًا فإن الوالد اكتسب والولد بإجباره وهو نسمة مثله. فما لزمه من فرض في نفسه لزمه مثله في ولده. ولهذا إلزامه أن ينفق عليه كما ينفق على نفسه. وكذلك تعليمه ما لزمه أن يتعلم، ومنعه ما لزمه أن يمنع عنه نفسه ويروضه بما ينبغي أن يروض به نفسه ويرشده إلى الكسب. وتدبير المعاش، كما سيرشد غيره من ذلك إلى ما يجهله ليتوصل به إلى السعي على نفسه إذا بلغ، وإن رزقه الله تعالى جده إلا علمه وجه الأمر في إصلاحه، والقيام عليه ولم يفسده. ألا ترى أن الله : ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح، فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم﴾. ولو لم يكن على ولي اليتيم أن يعلمه قبل البلوغ تدبير المال بلسانه، وإحضاره المعاملات واطلاعه عليها لما قدر على ابتلائه إذا بلغ.
وروى عن ابن رافع ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، للولد على الوالد حق كحقنا عليهم. قال: (نعم، حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتاب والسياحة والرمي
стр. 1395
وأن يؤدبه صبيًا). وقال ﷺ : (رحم الله والدًا أعان ولده على بره) يحتمل أن يكون المعنى أن يعلمه ويهديه. فأول ذلك أن يحفظه إذا صار ممن يطعم ويشرب حتى لا يتناول إلا ما يعطى من الحلال ويجنبه الحرام أصلًا. فلا يصيبه ولا يتعهد إذا قدر على الكلام، ولا يتعلم الحياء والبذاء والفحش ولا يعودها لسانه. ويعلم الصبية الهرب من الرجال الأجانب، ويمنعها عن الدنو منهم ومكالمتهم، ويحجرها عن الاختلاط بالكوافر ومحادثتهن، وإظهار زينتها لهن.
ويمنع الذكر والأنثى من ولده من مخالطة أهل الفساد من الرجال والنساء ومن يتحدث عندهم بأحاديث أهل اللهو والباطل، ويشدهم الغزل والخمريات والأشعار المحدثة التي ما يقصدها إلا التطريب وإفساد القلوب، ومن يرفقهم على الملاعب والملاهي، ويجعل بينهم وبين هذه الطبقات ردمًا، فلا يحدثون لهم بشيء من هذه الخطيئات علمًا. ومن بلغ منهم حد التعلم علمه القرآن ومن السنن والأحكام ولسان العرب ما لا يستغنى عنه.
وإذا تأدب ودرى ما يسمع، سمعه النبي ﷺ وآثار الصحابة والتابعين له. ويأمره بالصلاة ابن سبع بعد أن يعلمه إياها، والوضوء وكل ما لا تتم الصلاة إلا به. ويضربه على تركها في عشر. وإذا ارتقيا عن الظفر له لم يبرزا إلا مستوري العورة، لبسا أعلى ذلك ولا يعرفا غيره. وإذا قدر على الصيام من حيث لا يجهد فيها، ولا يضر بهما، عودهما الصيام في شهر رمضان. فيأمرهما أول مرة بصيام نحو عشرة أيام منه متفرقة، وفي السنة الثانية نحوًا من عشرين، كما يتم من متابعة أو تفريق، وفي السنة الثالثة بصيام الثلثين كله ولا يرد سائلًا عن أعينهم ليدربوا على الاتصال، ولا يردوا سائلًا إلا بنوال، ويكثر ذكر الله بمشهدهم، ويصف لهم عظمته وقدسه وملائكته ورسله، ويخص نبينا ﷺ باكبار الصلاة عليه، والتعظيم له والتحدث بأخلاقه وشمائله، وكل ما يجيئه إلى من يسمعه، والبشر لآياته وبيناته بحضرتهم ليرسخ ذلك في قلوبهم، ويديم وصف ما في الجنة من ألوان النعيم. وفي النار من العذاب الأليم. ويشوقهم إلى الجنة ويحذرهم النار ليفقوا الوعد والوعيد بذلك في صدورهم.
стр. 1396
فإذا بلغ أحدهم حد العقد عرف الباري ﷻ إليه الدلائل التي توصل إلى معرفته من غير أن يسمعه من مقالات الملحدين شيئًا. ويذكرهم له في الجملة أحيانًا ويحذرهم آباءهم، وينفر عنهم، ويفهم إليه ما استطاع. ويبدأ بالدلائل الأقرب للأجل، ثم بما يليه، ولا يعمد أن يفاتحه بالغوامض فيعمر منها قلبه، وينفر في بدء الأمر طبعه. وكذلك يفعل بالدلائل على نبينا ﷺ بهدية فيها إلى الأقرب والأوضح، ثم الذي يليه. وإن لم ينصره إلا دليل واحد على التوحيد والرسالة جاز إذا كان ذلك مقنعًا، وإذا بلغ عليه الخطاب لغته الشهادة، يكون مسلمًا بإسلام نفسه، وأعلمه أن عليه أن يولها، فإن عيله أن يتعلم أحكام الله، وينتصر بشريعته الإسلام، ويميز الحلال من الحرام، ويختار له أوفق من في البلد وأعلمهم وأنضجهم وأعلمهم بما يعلم، فيأمره أن يأخذ عنه ويتعلم منه. ومن بدأ بتعليمه القرآن من الصبيان، فإنه إذا صار ممن يميز أخذه بتعظيم مصحف القرآن، ولم يرض منه بأن يحمل فوقه كتابًا أو ثوبًا أو شيئًا ما كان، ولا أن يمسح اللوح الذي فيه برجله، أو يطرحه عليه من تراب الطريق ويأمره بأن يغسله بالماء، ويدربه على أن يرفع المصحف فوق كل شيء، ولا يرفع فوقه شيئًا، ولا يضعه حيث تسفي عليه الريح ترابًا. فإن رأى عليه غبارًا أماطه عنه. وعلمه على تعظيم المسجد وجهة القبلة، وتوقير شيوخ المسلمين وعلمائهم وصلحائهم، ويلزمه الصمت وقلة الكلام إلا ما لابد منه، وبعودة السكينة والوقار والسلام والاستئذان. ويفرق بين الصبيان إذا بلغوا عشر سنين في مضاجعهم، لئلا
يفتن بعضهم ببعض، وتستحكم تلك الفتنة في قلوبهم قال النبي ﷺ : (مروهم بالصلاة ابن سبع، واضربوهم عليها ابن عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع) وذلك والله أعلم لما قلنا، والله أعلم.
فصل
ويعلم أهله ما عسى لا تعلمه من أحكام العشرة، وإن رأها مقصرة في العبادة حملها فيها على ما يخرج به عن حد التقصير وبصرها منها ما تجهله، أو أذن لها في إتيان من يبصرها
стр. 1397
ذلك، أو أدخل عليها من ثقات الناس من يعلمها بما تحتاج إليه، أو من أمناء الرجال ولا يؤاخذها، إنما يفرط فيها من حقه، وهي لا تعلم وحرمه عليها ولتبدأ بلا تسفيف فإن لم تعمل بما تعلمت كان له عليها السبيل، ولا يضر بها إلا بعد الإعداد إليها. وإن استاء منها على ماله عرفها ما يرضيه عنها في حفظ ماله. وإن أطلق لها الإنفاق حد لها حدودًا يعملها ولا يتجاوز. وينبغي له إذا خرج من منزله أن يعهد إلى أهله أن لا يردوا سائلًا، فإن ذلك كان من آداب صالحي السلف، ويطلق لها من ذلك وهو حاضر ما يرى إطلاقه، لئلا تحتاج إلى سوء امرأته في كل وقت. وحسن أن يعلمها شيئًا من القرآن وإن كانت تجهله. ويعلمها من الدين ما أغفل أبواها أن يعلماها، ويدربها من الآداب والمروءات على ما لا يدربها عليه أبوها. ويتخوفها بالموعظة والنصيحة ويعرفها من الوعد والوعيد ونعيم الجنة وعذاب النار ما يرجو أن ينجع فيها، فإن كانت رديئة أصلحها، وإن كانت خيرة زادها خيرًا بإذن الله، وإذا كانت زوجة كتابية أخبرها عن الغسل من المحيض إن أراد الاستمتاع بها، ولا يخبرها عن الغسل من الجنابة إن لم يكن ذلك في دينها، وإن اشتهت عليه خمرًا أو خنزيرًا فلا يجبها إليه. فإن أرادت أن يدخلها داره فليجعل بينها وبين ذلك من قبل أنه لا يراهما حلالًا، ولكن من قبل أن الخمر يسلب غيرها فلا يؤمن منه الأمة. وقليلها يدعو إلى الكثير. والخنزير نجس فلا يأمن من أن يعدو نجاسة إلى كثير من الآلات ومتاع البيت، ويقصر في إماطتها، لأنها ظاهرة عندها، أو يتعمد تركها. فإن علم أنها شربت خمرًا أو أكلت لحم خنزير، أمرها أن تتطهر منها بما جعلت طهارة لهما، وأخبرها على ذلك.
وجاء في الإحسان إلى الأهل، قال رسول الله ﷺ : (نفقة الرجل على أهله صدقة) يحتمل أن يكون أراد بذلك ما يوسعه على أهله، وراء الواجب لهن عليه. ويحتمل أن يكون الواجب أيضًا صدقة لأنه ينفق على الأهل للتعفف بهن، ويمسكها رجاء أن يكون له ولدي يعبد الله في الأرض، وهذا بر وقربة.
وقال ﵇: (أفضل الدينار، دينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله، ودينار ينفقه الرجل على أصحابه في سبيل الله). فبدأ بالعيال والله أعلم.
стр. 1398
فصل
وإذا ملك عبدًا أو جارية، فليسأله عن دينه. فإن كان أعجميًا اقتصر منه على ما جاء عن النبي ﷺ أنه سأل الأعجمية: أين الله؟ فأشارت إلى السماء. فسألها: من أنا؟ فأشارت أنه رسول الله ﷺ . فقضى بإيمانها. لأن الله وصف نفسه بأنه في السماء، فقال: ﴿أم أمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض، فإذا هي تمور. أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبًا﴾. وعادة المسلمين إذا دعوا أن يرفعوا رؤوسهم وأيديهم إلى السماء من غير أن يعتقدوا أنه شاغل لها أو لشيء منها، أو محصور بها. كما أن عادتهم إذا صلوا أن يستقبلوا الكعبة من غير أن يعتقدوا أنه فيها أو في جهتها، كما يكون الجسم من مكان أو جهة. فإذا كان المملوك أعجميًا اكتفى في الاستدلال على إيمانه بوجود الأمارات منه، ولم يطلب منه ما يطلب من أصل الكلام والجدل. فإن سأله فصرح بالكفر نظر فإن كان وثنيًا أجبره على الإسلام، وإن كان كتابيًا دعاه إليه بلا إجبار.
وإنما ذكرت هذه المسألة رواية في الأمة الوثنية. فقد يجوز أن يكون فيها خاصة دون العبد. لأنه لا يمكن سيدها الاستمتاع بها مع وثنيتها، فيجبر بها على الإسلام، ليتمكن من الاستمتاع، كما يجبر الرجل امرأته الذمية على الغسل من الحيض لتهيأ له مباشرتها. والعبد مفارق ذلك للامة، أن توثنه لا يمنع سيده من الاستمتاع به في شيء. والخبر في هذا لا يعدو الضرب إلى عقوبة فوقه. فإن سئل الأعجمي: أين الله وهو تركي، فأشار إلى السماء، لم يدلك على إيمانه. لأن أكثر الأتراك يرون آلهتهم السماء نفسها. وإنما تقبل هذه الإشارة مكان العبارة عن بعض أسماء الله ، ممن لا يرى أن السماء آلهة. فإن كانت المشيرة إلى السماء تركية لم يجز لسيدها أن يقربها حتى تسلم، ويجبرها عليه بما دون القتل حتى تقر بالحق. فإن أسلم الأعجمي أو غير الأعجمي فليعلمه من القرآن وما يحتاج إليه لوضوئه وصلاته وصيامه من العلم ما لابد له منه. وليحمله على آداب الدين وسبل المسلمين، ويجنبه قرناء السوء، خصوصًا من أهل دينه الذي أنزل عنه.
стр. 1399
ومن رفقائه الذين كانوا له قبل أن يستحكم في الإسلام بينهم. ويعرف ذلك بالأمارات الموثوق بها منهم، ويعرفه من الحلال والحرام ما لا غناء به عن معرفته. ثم لا يقتصر على ما علمه حق يجنبه الحرام، كما يحمي المريض ما يضره ويطلق له من الحلال ما يرى إطلاقه له. ويعلمه ما لم يعلمه، ولم يكن في العادات أن يحسن مثله بلا إرشاد ولا تعليم. ولا يكلف العبد النفسي العمل الخسيس الذي يستنكف من مثله، فيحمله ذلك على الاستعصاء. فلا العبد الذي لو صنع العمل الرفيع فيحمله ذلك على التفحم والاستعلاء فإن ذلك من باب الضرر والفساد. وإذا علم من مملوكه رداءة الطبع، وضعه نفس. ثم أبى ما يوجب التأدب ما يؤدبه غير مسرف عليه. وإن كان في رداءة طبعه عظم النفس أو مبهورًا فليتجاف عنه ما أمكنه. فإن طال ذلك وكثر، وكان يكرهه، فليبيعه. ومن علم منهم أن السوء ينتج والملامة تكفيانه فلا يتجاوزهما إلى غيرهما والله أعلم.
* * *
стр. 1400
الحادي والستون من شعب الإيمان
وهو باب في مقاربة أهل الدين وموادتهم وإفشاء السلام
جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام). وقوله ﷺ (أفشوا السلام) يحتمل معنيين: أحدهما أظهروه ولا تسره لأنه من آداب الدين وتمائم أدبه الإكرام والتحية، فإذا لم يكن في أسراره عرض صحيح فالجهد والإعلان أولى به وأشبه. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (ما حسدتنا اليهود على شيء كما حسدتنا على السلام والتأمين). وفي هذا دليل على أن السلام كان يغش في ذلك الوقت، ولذلك حسدت اليهود عليه لما سمعته ولشدة غيظهم، كادت نفوسهم لا تسمح للنبي ﷺ إذا دخلوا عله فكانوا يعدلون عنه إلى ما توهمه ولا يكون به. فينبغي للمسلمين أن يخالفوهم بالثبات عليه، وإعلانه وإفشائه، ليكتوا بحسدهم ويموتوا بغيظهم إن شاء الله تعالى.
والمعنى الآخر أن لا يخص المسلم بسلامه واحدًا من جماعة يمر بهم، أو يدخل عليهم لمعرفة أو قرابة أو جوار، أو سببًا ما كان. ولكنه يسلم على الجميع وهذا من قولهم للحديث السابع المستفيض، هذا فاشي في الناس مكانه، قال: (أفشوا السلام وذروا فيه الخصوص إلى العموم. وهذا- والله أعلم- لأن الواحد من الجماعة إن كان بينه وبين المسلم سبب خاص فإن بينهم وبين من السبب العام ما هو أعظم وأرفع قدرًا وألزم حقًا من ذلك السبب الخاص، وهو اتفاق الدين. فإذا سلم على الواحد لما بينه وبينه من السبب، وجب أن يسلم على الجميع لما بينه وبينهم مما هو أعظم من ذلك السبب والله أعلم.
стр. 1401
ومما يدخل في هذا الباب تسليم الناس بعضهم على بعض عند الدخول عليهم، وقد ورد بذلك القرآن، ورويت فيه وفي آدابه وأحواله أخبار. قال الله تعالى: ﴿لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها﴾. فيحتمل معنى تستأنسوا: تستبصروا التي يكون دخولكم على بصيرة، فلا يوافق دخولكم الدار حالًا يكره صاحبها أن تطلعوا عليها. وهذا كقوله في خبر الفاسق: ﴿فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة﴾. أي لا تعتمدوا خبر الفاسق، واطلبوا البيان من وجه آخر، لئلا تصيبوا قومًا بجهالة فتندموا.
ثم جاء عن قتادة وعكرمة في قوله ﴿تستأنسوا﴾ بأن تسلموا على أهلها. وبهذا جاء الخبر. روى أن رسول الله ﷺ زار سعد بن عبادة، فقال: السلام عليكم، فرد سعد السلام، خافضًا به صوته. فقال قيس بن سعد أيأذن له رسول الله فقال: (دعه يكثر علينا من السلام. ثم قال رسول الله ﷺ : السلام عليكم، فرد سعد خافضًا صوته، ولكني أحببت أن يكثر علينا من السلام فرجع معه، فدعا رسول الله ﷺ بغسل فاغتسل، ثم أتى بملحفة مصبوغة بورس وزعفران، فاشتمل بها، ورفع يديه فقال: (اللهم اجعل صلواتك وبركاتك على آل سعد بن عبادة). وذكر الحديث، وفي رواية أخرى أنه ﷺ كان سلم ثلاثًا ثم انصرف.
ويروى أن أعرابيًا استأذن على النبي ﷺ فقال: ادخل فقال رسول الله ﷺ : (ليأذن أهل البيت مرة فليسلم. فسمعه الأعرابي فسلم، فأذن له). وروى أن امرأة يقال لها ريحانة قالت: قمت على باب عمر ﵁، فقلت: ادخل. فأذن لها بعض أهل البيت. فلما رآني عمر ﵁ قال: ارجعي، فقولي: السلام عليكم، وإذا قالوا: وعليكم، فقولي: ادخل. فهذا على أن صاحب الدار إن رد السلام وقال: ادخل، استغنى عن استئذان آخر وإن اقتصر على الرد احتيج إلى استئذان بعده. ومن أتى باب
стр. 1402
قوم فليسلم، فإن أذن له فليدخل، وإن صرف فلينصرف، وإن لم يجب فليسلم ثلاثًا، فإن لم يؤذن له فلينصرف، فلا يرد على ثلاث، هذا هو السنة.
روى أبو سعيد الخدري ﵁ وأبو موسى، أن النبي ﷺ قال: (من استأذن ثلاثًا ولم يؤذن له فليرجع). وعن أبي موسى الشعري ﵁ قال: استأذنت على عمر ﵁ ثلاثًا، فلم يأذن لي فرجعت. فلما رجعت بعث في أثري، فقال: ما الذي ردك؟ فقلت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع). وعن يزيد بن أسلم ﵁ قال: جئت ابن عمر ﵄، فقتل: ادخل وأنا حينئذ غلام أعرابي، فنشأت مع أبي بالبادية في ماشية، فكأنه عرف صوتي، فنال: ادخل: فقال: يا ابن أخي، إذا جئت فوقفت على الباب فقل: السلام عليكم. فإذا ردوا: عليك السلام. فقل: أدخل. فإن أذنوا لك فادخل وإلا فارجع. فإن كان الذي يريد الدخول ضريرًا، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (قد جعل الاستئذان من أجل البصر) وهذا يدل على أن لم يكن له بصر يبقى، فلا حاجة به إلى الاستئذان. وهذا إذا كان دخوله على رجل فإن أراد الدخول على امرأة، فهو والبصير سواء. دخل ابن أبي مكتوم ﵁ على النبي ﷺ بعدما وضع الحجاب، فقال: رسول الله ﷺ (أفعميا بأن أنتما ألستما تبصرانه). وإذا دعا رجل رجلين يا رسول الله، فجاء فله أن يدخل من غير استئذان.
روى أن رسول الله ﷺ قال: (رسول الرجل أذنه) وعن عبد الله قال: إذا دعوت الرجل فقد أذنت له. والاستئذان مع هذا أحسن، لأن الأحوال قد تتغير. وروى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (الحق أهل الصفة، فادعهم إلي. فأقبلوا، فاستأذنوا، فأذن لهم فدخلوا) وإن حضر على الباب جماعة، فإنه
стр. 1403
يروى عن الحسن ﵁ أنه قال: إذا جاء قوم فاستأذن رجل منهم، فقد أذن لهم. وهذا على أن المستأذن قال: يدخل. فقال: نعم، إذا قال ادخلوا. فأما إذا قال: ادخل. فقال: أدخل لم يكن ذلك إذنًا للآخر والله أعلم.
وإذا حضر المسلم باب ذي عهد، فقد روى عن الحسن أنه يقول: أأدخل. وأما بعد الدخول، فقد روي عن قتادة ﵁ أنه يقال: السلام على من اتبع الهدى. وقال ابن عوف: قلت لمحمد يعني ابن سيرين-: كيف تقول إذا دخلت على أهل الكتاب؟ فسكت، ثم قال: إن شئت قلت: السلام على من اتبع الهدى. والأصل في أن المسلم لا يدخل دار المعاهد إلا بإذن، ما روى أن رسول الله ﷺ قال: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت المعاهدين إلا بإذن).
وإذا استأذن الرجل على قوم فقيل: من هذا؟ فيذكر ما يعرف به، ولا يقل: أنا فإن قولة أنا لا تعرفه. وروى عن جابر ﵁ قال: استأذنت على النبي ﷺ في دين كان على أبي، فقال: (من هذا؟ فقلت: أنا فقال: أنا أنا) فكأنه كره ذلك. وروى عن بعض السلف أنه قال: إن قال: أنا أنا والدق واحد. وأما من يدخل بيته فإن الزهري وقتادة قالا في قول الله ﴿فإذا دخلتم بيوتًا فسلموا على أنفسكم﴾ قال: إذا دخلت على أهلك فسلك، فقل: السلام عليكم تحية من عند الله مباركة طيبة. فإن لم يكن في البيت أحد: فقل: السلام علينا من ربنا. وقال إبراهيم في قوله : ﴿فإذا دخلتم بيوتًا فسلموا على أنفسكم﴾ قال: إذا دخلتم بيتًا ليس فيه أحد، فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وروى عن ابن عمر ﵄، أنه كان يقول ذلك إذا دخل بيتًا ليس فيه أحد. وقال جابر بن عبد الله رضي الله: إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم تحية من عند الله مباركة طيبة. ومن دخل المسجد فإنه يروى عن ابن عباس ﵄ في قوله ﴿فإذا دخلتم بيوتًا فسلموا على أنفسكم﴾ قال: هو المسجد إذا دخلته، فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وعن إبراهيم قال: إذا دخلت المسجد فقل: السلام على رسول الله.
стр. 1404
ومما جاء في إفشاء السلام وفضله، قال رسول الله ﷺ : (لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام). وقال مجاهد في قوله ﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾ قال: يقول: السلام عليكم. وقال أبو بكر الصديق ﵁: السلام أمان من الله في الأرض. وقال معاذ ﵀: ما من مسلمين يلتقيان، يسلم كل واحد مهما على صاحبه ويأخذه بيده، إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا. وقال عبد الله بن مسعود ﵁: إن السلام اسم من أسماء الله فأفشوه بينكم، فإن الرجل إذا سلم على الرجل كتبت له عشر حسنات، فإن رد عليه كتبت له مثلها. وكان للبادئ درجة. فإن سلم على قوم جميعًا فردوا عليه، كتبت لكل رجل منهم عشر حسنات، فإن ردوا عليه، وإلا رد من هو خير منهم.
قال أبو هريرة ﵁: إذا سلم الرجل على قوم فلم يردوا عليه ردته الملائكة. وقال الحسن: السلام تطوع والرد فرض.
وفي من أحق بالسلام: جاء رسول الله ﷺ في أحاديث متفرقة، يسلم الفارس على الماشي، والماشي على القائم، والأقل على الأكثر. وصاحب البعير على صاحب الحمار، فمن أجاب السلام كان له، ومن لم يجب فلا شيء له.
وفي فضل من يبدأ بالسلام: قال رسول الله ﷺ : (من بدأ بالسلام فهو أولى بالله ورسوله). وروى أن ابن عمر ﵄، كان قل ما يسبقه أحد بالسلام، وكان إذا رد قال مثل ما قال الرجل: السلام عليكم.
وفي تخصيص الواحد من الجماعة السلام: قال خرج ابن مسعود ﵁ في رجال، فلقي رجلًا فسلم على ابن مسعود. فقال ابن مسعود: أن من أشراط الساعة أن يجني على المعرفة، وهو الرجل في المسجد لا يركع لله فيه ركعة، ويتطاول العراة الحفاة دعاء الشاة في بيوت، ويسبوا الشيخ وتداس الخافقين للغلام.
стр. 1405
وفي الراكب والماشي إذا التقيا: فلا ينبغي الماشي أن يبدأ الراكب بالسلام، ولا القاعد على المار، لما روى أن عمر بن الخطاب ﵁ مر على عثمان وهو جالس، فبدأه عثمان بالسلام، فقال له عمر: يا أبا عمر، ولم تنكس السنة، أنا كنت أحق أن أسلم عليك، إنما يسلم المار على الممرور عليه. فإن بخل الراكب فالماشي بالخفاء. فقد روي عن الحسن ﵁ أن رجلًا سأله فقال: يمر بي الراكب فلا يسلم علي، أأسلم عليه؟ قال: نعم، إن بخل بالسلام فسلم عليه، وعن الشعبي ﵁ أنه لقي راكبًا فسلم عليه. وقال: إن شريحًا كان يفعل ذلك في السلام على قرب العهد قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يسافرون، فتحول بينهم الشجرة، فإذا التقيا سلم أحدهما على صاحبه. في الأسماع قال ابن عمر ﵄: إذا سلمت فأسمع فإنها تحية من عند الله مباركة طيبة.
في التخصيص: كان ابن سيرين ﵁ يكره أن يقول: السلام عليك حتى يقول: السلام عليكم. ورأى عبد المؤمن العبدي رجلًا مع مسلم بن يسار، فقال: السلام عليك. فنهاه مسلم عن ذلك. فقال: إني عرفته. فقال مسلم: ليس في نفسي أن معه حفظة ولكن قل: السلام عليكم. وقال إبراهيم: إذا سلمت فلا تخص، وإذا رددت فلا تخص، وإذا سمعت فلا تخص.
في كيفية السلام وكيفية الرد: روى أبو تميمة العجيمي عن رجل من قومه قال: طلبت النبي ﷺ فوجدته يصلح بين قوم، فلما قام معه بعضهم فقال: يا رسول الله، فلما رأيت ذلك، قلت: عليك السلام يا رسول الله ثلاثًا. فقال: (إن عليك السلام تحية الميت، إن عليك السلام تحية الميت، إن عليك السلام تحية الميت. ثم أقبل علي فقال: وعليك ورحمة الله، وعليك ورحمة الله). وقال عطاء: قام علينا ابن عباس، فسلم علينا، فقلت: وعليك ورحمة الله وبركاته ومغفرته. فقال: من هذا؟ فقال: عطاء بن أبي رباح. قال فأتاه إلى مكانه، ثم تلا: ﴿رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت، إنه حميد مجيد﴾.
следующие страницы →