Полный текст (1 512 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
وسئل سهيل بن سعيد الساعدي. بأي شيء دووي جرح النبي ﷺ (كان علي ﵁ يسكب الماء بالمعجن وفاطمة تغسل الدم عن جرحه وأخذ حصير وأحرق وحشي به جرحه).
وعنه ﷺ ، أن رجلاً سأله عن الخمر فنهاه عنها، فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال النبي ﷺ : (أنها داء وليست بدواء). ومعنى هذا -والله أعلم- أن الرجل سأل عن شربها تداويًا من غير ضرورة، وذلك أن يشربها للتقوي بها، أو لمرض يوجد له دواء غيرها، فقال أنها داء وليست بدواء لأنها تزيل العقل الذي هو أشرف ما في الإنسان إلى غير ذلك من علامات تحدث عنها. وإذا كان حدوث هذه المضار عنها أمرًا غالبًا، وهي أن يعقب من داء، فذلك قليل نادر، جاز أن يقال إنهاء داء وليس بدواء، اعتبارًا بالأعم الأغلب من أمرها والله أعلم.
وقال النبي ﷺ : (ماء زمزم لما شرب له). فمرض جابر بن عبد الله، فدعا بماء زمزم وأخذ الإناء بيده ثم قال: اللهم إني أشربه لما أجد من هذا المرض إيمانًا وتصديقًا لرسولك فأشفى به، ثم شربه، فقيل له: ما هذا فقال: ماء زمزم. سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ماء زمزم لما شرب له) فما برح الناس من عنده حتى طعموا منه، ثم راح من ليلته إلى المسجد.
وأن النبي ﷺ قال: (عليكم بزيت الزيتون فكلوه وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة أنه ينفع من الناسور). وقال طلحة بن عبيد، أتينا النبي ﷺ وفي يده سفر جلة يقلبها، فلما جلست إليه رماها نحوي وقال: (دونكها أبا محمد، وأنها تطيب النفس وتشد القلب وتذهب بطحاء الصدر). وعن النبي ﷺ قال: (تداووا بألبان البقر، فإني أرجو أن يجعل الله فيها شفاء، فإنها تأكل من كل شجر). وقد روى
стр. 562
هذا عنه ﷺ بغير هذا اللفظ. (عليكم بألبان البقر فإنها ترتم من كل شجر ليس من الحار والبارد والرطب واليابس، فيقرت ألبانها بذلك من الاعتدال) ويروى عن رسول الله ﷺ أنه قال في البقر: (ألبانها شفاء وسمنها دواء ولحومها داء) ويحتمل أن يكون قال ذلك، لأن الأغلب عليها البرد واليبس، وكانت تلك البلاد شقة يابسة، فلم يأمن إذا انضم إلى ذلك الهواء أكل لحم البقر أن يزيدهم يبسًا فيتضرروا به. وإما ألبانها فرطبة، وسمنها بارد جيدًا. ففي كل واحد منهما الشفاء من ضرر والله أعلم.
وعنه ﷺ . (الحمى من فيح جهنم، فأبردها بالماء) وفي بعض الروايات. (أن شدة الحمى من فيح جهنم فاطفئوها بالماء البارد) وهذا يحتمل أن يكون المراد به سقي المحموم من الماء البارد ما تنطفئ به حرارته الزائدة، وليسكن عليك عطشه في صبه عليه أو سقيه بالغداة على الريق ماء باردًا، فإنه لم يكن بحضرتهم إلا بشربه النافعة من الحميات، فأمرهم أن لا يهملوا العليل ويتعهدوا بالماء البارد أن لم يجدوا غيره والله أعلم، لمن كان أمر بصب الماء البارد على المحموم فيزيد والله أعلم لأن سبب الحمى كان حرارة من خارج وهو حرارة الهواء، فأمر بصب الماء البارد عليه إلا في حال هيجان الحمى لكن بعد مفارقتها البدن أروح الأوقات، ليكشف جلودهم ويصلب أعصارهم فلا يخلخلها حتى الهواء، ولا تخلص إلى بواطن أجسامهم.
وقد جاء عنه ﷺ أن أصحابه قدموا خيبر، فأكلوا التمر فحموا، فأمرهم أن يفرشوا المساء في البستان، أي يبردوها - ثم يفيضوها عليهم ما بين أذان الصبح، ففعلوا ثم راحوا كما انشطوا من عقال. وهذا لأن اغتذاء التمر وحده لم يكن يضرهم ولكن الحرارتين إذا اجتمعتا، التمر من داخل والهواء الحار من الخارج حدثت الحمى، فأمر أن يتعالجوا بالماء البارد، وأن يصبوا على أبدانهم في أرواح الأوقات لتصلب بشرتهم فلا يبقى فيها حر لهم. فإن حر التمر إذا تجرد عن حر الهواء لم يهج حمى، إذا كان ذلك غذاؤهم المعتاد والله أعلم.
стр. 563
وأما إضافته ﷺ الحس إلى فيح جهنم، فإشارة إلى حدوثها من حر الشمس وسخونتها بالنار المحيطة بالعالم الكاتبة يوم القيامة محابسة العصاة وقد مضى ذلك في بعض الأبواب المتقدمة والله أعلم.
وعنه ﷺ . (لا تكرهوا مرضاكم على الطعام، فإن الله تعالى يطعمهم ويسقيهم) أي أن المرض الذي يمنع من الطعام والشراب واقع من الله تعالى فسلموا الأمر ولا تكرهوا المريض على الطعام والشراب فتكونوا قد عارضتم الله تعالى في أمره.
فإن قيل: فلا ينبغي على هذا الطعام المحتاج وقد قال قوم من الكفار، فحكي الله تعالى عنهم أنهم قالوا: أنطعم من لو يشاء الله أطعمه!
قيل: المريض أبطل الله تعالى بالمرض حاجته إلى الطعام والشراب اللذين كان يحتاج إليهما في صحته، فإذا أكره على الطعام والشراب، وطعمه لا يحتملهما أضر ذلك به. والفقير محتاج إلى الطعام والشراب محتمل لهما، ولكنه لا يجدهما، وإذا لم يواس بهما هلك، فوجبت المواساة لكيلا يهلك، كما وجب الكف عن إكراه المريض عليهما لئلا يهلك. فالمقصود في الناس دفع الضرر إلا أن الفقير محتاج غير واحد، فدفع الضرر عنه يكون بالإطعام، والمريض غير محتاج وطعمه غير محتمل، فدفع الضرر عنه يكون بالكف عنه. والله أعلم.
وعنه صلوات الله عليه أن رجلاً رمي فأجفن، فدعا له رجلين من بني انمار، فقال: (أيكما أطب؟ فقال أحمدهما؛ أو في الطب خير؟ فقال رسول الله ﷺ إنما أنزل الدواء من أنزل الداء، فقال أحدهما: أنا أطب فأمره فعالجه فبرأ). وعنه ﷺ . (أن هذا الوباء رجز عذب الله به بعض الأمم ممن كان قبلكم، فإذا سمعتم بها فلا تأتوها) فيقول في هذا الحديث -والله الموفق- إذا وقع الوباء بأرض فلا ينبغي لمن لم يكن بها أن يأتها لأنه بذلك يتعرض للبلاء، وذلك مخالفًا، وذلك لما يلزم كل أحد من حبس الظن لنفسه. وأما من كان بها فلا يخرج منها، وفي بعض الروايات. ولا تخرجوا فرارًا منها. فقد يحتمل أن يقال: أنه إذا بدا له الخروج لحاجة عرضت له، أو لأنه كان قدمها لحاجة
стр. 564
فغضب فذلك له. وإن أراد بالخروج الفرار من الوباء فلا ينبغي له أن يفعله، لأن الوباء إذا كان غالبًا، فالظاهر أن الله تعالى أرسله إلى عامة أهل البلد، فلا يخرج منه أحد بأن يستثنى نفسه فيعتزل وإنما يخرج منه بأن يستثنه الله تعالى فيسلمه. والفرار من الوباء باستثناء منه لنفسه، وذلك مما لا يملكه فكان ممنوعًا عنه، ولزمه أن يقيم. فإن كان له عند الله استثناء فسيعصمه، وذلك أشبه بالعبودة والتسليم لحكم الله تعالى من الفرار. ليس الفرار في هذا المجال كالتداوي من المرض خيفة الهلاك، وكالفرار من المجذوم خيفة العدوى، كما ذكرت أن من ظاهر الوباء المرسلة أن أرسلها على الجماعة فليس لأحد منهم أن يقذف في مخلصها منها بجلده وحيلته، وتناقض بذلك العبودة. وليس التداوي كذلك، لأن الله تعالى لم يخلق الدواء إلا ليدفع به الداء، فهو فرار إلى الله تعالى لا فرار منه، وإنما الفرار من المجذوم فلأن ابتلاء الله تعالى إياه بالجذام ليس ليعدي منه إلى غيره، كما الظاهر من الوباء الواقع في البلد أنه مرسل على جماعة أهله، فلم يكن الفرار منه فرارًا من عدوى، فوجهت نحوه في الظاهر، فكان كمن يسمع الوباء في بلد فيمتنع عن قصده ودخوله، لا كمن حصل فيه فيريد الخروج منه والله أعلم.
ووجه آخر. وهو أنه يحتمل أن يكون بدنه قد استعد لذلك، فإذا انتقل عنه إلى بلد أكيف هواء منه اختفت مادة المرض الموجودة في جوفه، ولم ينتشر ولم يبرز إلى ظاهر البدن كما كانت تكون لو بقي في ذلك البلد، وما يخش من ذلك أكثر ما يخش من المقام في بلد الوباء.
وفيه وجه ثالث وهو أنه إذا كان حدث في بدنه شيء من الوباء الذي كان في ذلك البلد فانتقل إلى بلد آخر لم يؤمن أن يعدي الآبار التي تعلقت ذلك الوباء في البلد الذي انتقل إليها، فلذلك كان النهي والله أعلم.
فأما واحد يقدم بلدًا أو جماعة يقدمون فلا تأتهم أرضه ولا ماؤه وهواؤه، فيمرضون، فلهم أن ينتقلوا عنه، لأن النبي ﷺ نقل الغريبين الذين قدموا المدينة فاجتووها، فلم يلزمهم المقام بها، وليس في ذلك واحد من المعاني الثلاثة التي ذكرتها لأن البلد في هذه الحال ملائم أهله وإنما يلائم الغرباء فليتبعوا، كالطعام المحمود في نفسه إذا لم يوافق واحدًا بعينه كان سبيله أن يجتنبه.
стр. 565
وأما إذا كانت القلة حادثة في البلد، فقد يخش من الانتقال عنه إلى ما يخالفه جميع ما ذكرنا، كما يخش من الانتقال من بيت شديد الحر إلى هواء شديد البرد الضرر، ويخش أيضًا من الانتقال من بيت شديد البرد إلى هواء شديد الحر مثل ذلك، ولهذه العلة لم ينقل الله تعالى خلقه من الصيف إلى الشتاء إلا بربيع جعله بينهما، فيكون انتقالهم عما كانوا فيه قليلا قليلا، وشيئًا فشيئًا. فكذلك ينبغي أن يكون الانتقال من أرض مخالفة الاعتدال إلى غيرها، فيكون الضرر مأمونًا والله أعلم وبه التوفيق للصواب.
وعنه ﷺ . (أن أحدكم يشك إليه وجعًا في رجله إلا قال له أخضبها) يعني أحمل عليها الحناء. وجاء عن رسول الله ﷺ أنه نهي عن الدواء الخبيث، وأنه ﷺ قال: (ما أبالي ما أتيت أو شربت ترياقًا وعلقت تميمه، أو قلت شعرًا من قبل نفسي). فقد يحتمل أن الدواء الخبيث هو النجس، كان من قبل ما يخلط به من لحوم الأفاعي أو كبد الذئب أو رماد العقارب، ونحو ذلك. ونقول. أن كل محرم لا يحل شربه إلا عند ضرورة يشهد طبيب عالم عدل من المسلمين أنه لا مدفع لها، إلا بأخذ ما ذكرت، فيحل منه قدر ما يدفع به الضرر ضرورة كالميتة لمن اضطر في مخمصة والله أعلم.
وإنما قال (أوقلت شعرًا من نفسي) لأنه ضرب نفسه مثلاً لغيره، وأراد أن من شرب ترياقًا أو علق تميمة أو قال شعرًا من قبل نفسه فيما يبالي بما أتى بعد ذلك، كما قال جل ثناؤه فيما خاطبه.﴾ وبالوالدين إحسانا، إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ﴿فجعله مثلاً لغيره، وإلا فمعلوم أن أبويه عند نزوله كانا متعرضين. وقال في سورة الكهف:﴾ وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين ﴿وهو ﵇ ما كان يرى كهفهم، ولكنه جعله مثلاً لغيره. والمعنى وترى كهفهم من ينظر إليهم بهذه الصفة، أو ترى لو كنت تنظر إليهم كذلك المعنى في قوله (أو قلت شعرًا) أي لو كنت أحسنه، وإن قال ذلك من يحسنه والله أعلم.
стр. 566
وقالت أم المنذر بنت خنيس الانصارية ﵂. دخل على رسول الله ﷺ وعلي ﵁ وهو ناقه من مرض واقتاده إلى معلقه، فقام رسول الله ﷺ وعلي ﵁ يأكلان منها، فبقي رسول الله ﷺ يقول: (إنك ناقه حتى كف علي ﵁ قال: وقد صنعت شعيرًا وسلقًا فلما جئت به، قال رسول الله ﷺ لعلي ﵁. (من هذا فاحسب فإنه انفع لك) فأكلا من ذلك.
فأما الكي فإن الروايات فيه مختلفة عن النبي ﷺ ، فروى عنه أنه اكتوى من الكلم الذي أصابه في وجهه يوم أحد. وكوى أسعد بن زاراة في الشوكة. وروى عنه ﷺ أنه قال: (فأما أنا فلا أحب أن أكتوي) ونهي عن الكي. وروى أن رجلاً جاءه وقد بعث له الكي، فقال: (اكووه وارضفوه) أي احملوا عليه الرضف، وهو الحجر المحمي.
وعنه ﷺ أنه بعث إلى أبي بن كعب، فقطع منه عرقًا ثم كواه عليه. وعنه ﷺ قال: (الكماة من المن وماؤها شفاء للعين) أي الماء الذي ينبت به وهو مطر الربيع. وإن كان أراد ماء الكماة نفسها، فقد يجوز أن يكون أراد بللها ونداها الذي يخلص إلى المورد منها إذا غرقها ثم اكتحل به، فإن ذلك يرجى أن ينفع العين التي غلب اليبس القديم عليها والله أعلم.
- ذكر ما جاء في الرقي والعوذ -
يروى عن أن النبي ﷺ اشتكى فرقاه جبريل ﵇، فقال: (باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك والله يشفيك). وقال ابن عباس ﵄ كان رسول
стр. 567
الله ﷺ يعلمنا نم الأوجاع كلها، والحمى هذا الدعاء. (بسم الله الكريم أعوذ بالله العظيم من شر كل عرق نعار ومن شر حر النار) وعنه ﷺ قال: (من دخل على مريض لم يحضر أجله فقال: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، سبع مرات شفي) وعن علي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل على مريض قال: (اذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا) وعن ابن عباس ﵄ يعود الحسن والحسين يقول: (أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة) ويقول: (هكذا كان إبراهيم يعوذ ابنيه إسماعيل وإسحاق).
وقال عثمان بن أبي العاص الثقفي ﵁: قدمت على رسول الله ﷺ وبي وجع قد كان يظلني، فقال رسول الله ﷺ : (اجعل يداك اليمنى عليه وقل بسم الله أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد، سبع مرات) ففعلت ذلك فشفاني الله.
وعنه ﷺ أنه كان يصلي إذ لدغته عقرب، فلما فرغ دعا بماء وملح، فجعل يصرف الماء بذلك الملح ويقول المعوذتية (وقل هو الله أحد) ثم قال (لعن الله العقرب ما تدع المصلي ولا غيره).
وقال خارجه بن الصلت، انطلق عمي إلى رسول الله ﷺ ثم رجع إلى أعدائي وهو موثق في الحديد مختون. فقال له أهله: أن صاحبكم هذا قد جاء يحبر، فهل عند شيء تداويه. قال: فرقيته بأم الكتاب ثلاثة أيام، كل يوم مرتين فبرأ. واعطوني مائة شاة،
стр. 568
فلم آخذها حتى أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: (هل قلت غير هذا؟ قلت: لا، فقال: كلها بسم الله فلعمري من أكل برقية باطل فقد أكلت برقية حق).
وقال أبو سعيد الخدري ﵁: (إن إناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ أتوا على حي من أحياء العرب فلم يقروهم، فبينما هم كذلك، إذ لدغ سيدهم فقال: هل من راق؟ فقلت: أنا، ولكنكم لم تقرونا، فلم نفعل حتى تجعلوا لنا جعلاً فقالوا: إنا نعطيكم ثلاثين شاة. فقرأت فاتحة الكتاب سبع مرات، فبرأ. فأتوا بالشاة، فقلنا: لا تعجلوا حتى نسل عنها رسول الله ﷺ . فلما قدمنا عليه، ذكرت له الذي صنعت فقال: ما أدراك أنها رقية، خذوها واضربوا لي منها بسهم) ويروى، قال: نهي رسول الله ﷺ عن الرقى. وكان عند آل عمرو ابن حزم رقية يرقون بها من العرب فأتوا النبي ﷺ فعرضوها عليه وقالوا: إنك نهيت عن الرقي، فقال: (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل) ويحتمل أن يكون النبي ﷺ نهى عن الرقي في المجهولة التي لا تعرف حقائقها. فأما ما كان له أصل موثوق به، وعلى أنه قد جاء عن طريق أنس. وخص رسول الله ﷺ في الرقية في العين والحمة.
وروى أن الشفاء بنت عبد الله قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وأنا قاعدة عند حفصة بنت عمر، قال: (ما يمنعك أن تعملي هذه رقية النملة) فدل هذا الحديث على أن ترخيصه في الرقية من العين والحمة. وقوله الذي يروى عنه: (لا رقية إلا من عين أو حمة) يراد به ما نص عليه وما يشبهه من الأدواء الخفية. فأما الكسر والجرح فإنما لهما الدواء بدون الرقية، والعين لها الرقية، ولا دواء لها، والحمة لها الدواء والرقية معًا والله أعلم.
وروى أن رسول الله ﷺ كان إذا سافر فنزل منزلاً قال: (يا أرض ربي وربك الله،
стр. 569
أعوذ بالله من شرك، وشر ما فيك وما يخرج منك، وما يدب عليك وأعوذ بالله من أسد وأسود وحيه وعقرب، ومن شر ساكني البلد، ووالد وما ولد).
ودخل أبو بكر على عائشة ﵄، كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى شيئًا من جسده قرأ: قل هو الله أحد والمعوذتين في كفه اليمنى ومسح بها المكان الذي يشتكي.
وعنها أيضًا رسول الله ﷺ يأمرني إذا عزبت أو غضبت أن أضع المسبحة في طرف أنفي ثم أعصره، وأقول: الله رب محمد اغفر ذنبي، اذهب غيظ قلبي وما دخل جوفي وأجرني من مضلات القين.
وعن ابن عباس ﵄ قال: إذا عسر على المرأة ولادها تكتب في جام أو في شيء بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله الذي لا إله إلا هو الحليم الكريم، لا إله إلا هو وتعالى الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها من نهار. وفي رواية أخرى بعد الحليم الكريم، سبحان رب السموات ورب العرش العظيم. وقد تكتب هذه الكلمات في صحيفة ثم تغسل وتسقى منها. ولم ير مجاهد أن تكتب آيات من القرآن، ثم يسقاه صاحب الفزع، وكره إبراهيم أن يكتب القرآن ثم يغسل ويسقى، وقال: أخاف أن يصيبه بلاء وكأنه ذهب الآخرون إلى أن غساله شيء له فضل، فهو كوضوء رسول الله ﷺ . وروى أن عائشة ﵂ كانت تقر بالمعوذتين في إناء ثم يأمر أن يصب على المريض.
وعن أبي قلابة ﵁ أنه كتب كتابًا ثم غسله فسقاه إنسانًا مريضًا. وقال رسول الله ﷺ : (إذا فرغ أحدكم من يومه فليقل: أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وسوء عقابه، ومن شر عباده وشر الشياطين ومن أن يحضروا). وكان عبد الله بن عمر وهو الذي يروي هذا الحديث يعلمها ولده من أدرك منهم، فمن لم يدرك
стр. 570
كتبها وعلقها عليه. واختلف في التعليق، فروى أن رسول الله ﷺ قال: (من علق شيئًا وكل إليه). وعن ابن مسعود ﵁، رأي علي أم ولده تميمة مربوطة بعضدها، فجذبها جذبًا عنيفًا فقطعها. وقال: أزال ابن مسعود لاعتنائه عن الشرك، ثم قال: (أن التمائم والرقي والقول من الشرك. قيل: وما القول؟ قال: ما تجتنب به المرأة. وقد يحتمل أن يكون ابن مسعود أراد بمكره تعليقه غير القرآن من أشياء مأخوذة عن العرافين والكهان، إذ الاستشفاء بالقرآن تعليقًا وغير تعليق لا يجوز أن يكون عند أحد شركًا. وقول النبي ﷺ : (من علق شيئًا وكل إليه) يدل على هذا المعنى أيضًا، لأنه إذا كان من علق شيئًا وكل إليه، فمن علق القرآن ينبغي أن يتولاه ولا يكله إلى غيره، لأنه جل ثناؤه وهو المرغوب إليه والمتوكل عليه في الاستشفاء بالقرآن. فثبت أن المراد بالحديث من علق شيئًا من التمائم الجاهلية والله أعلم.
وسئل سعيد بن المسيب عن التعويذ أيتعلق؟ قال: إذا كان في قصبة أر رقعة يجوز فلا بأس. على أن المكتوب قرآن.
وروى عن الضحاك أنه لم يكن يرى بأسًا أن يعلق الرجل الشيء من كتاب الله "إذا وضعه عند الجماع وعند المعابط. وسئل أبو جعفر محمد بن علي ﵁ عن التعوذ يعلق على الصبيان ورخص. وعن ابن سيرين كان لا يرى بأسًا بالشيء من القرآن يعلقه الإنسان. واختلف في النفث، فروى عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ ينفث على نفسه إذا اشتكى بالمعوذات ويمسح بيده، فلما اشتكى رسول الله ﷺ وجعه الذي توفى فيه، طفقت أنفث عليه بالمعوذات التي كان ينفث بها على نفسه وأمس بيد رسول الله ﷺ . وعنه ﷺ أنه كان إذا أخذ مضجعه نفث في يديه وقرأ فيهما بالمعوذات، ثم مسح بهما جسدة وقال ابن جريح: قلت لعطاء القرآن ينفخ به أو ينفث، قال: لا شيء من ذلك ولكنه يقرأه هكذا، ثم قال بعد أن أنفث إن شئت.
وعن عكرمة ﵁، قال: لا ينبغي للراقي أن ينفث ولا يعقد. وعن إبراهيم
стр. 571
قال: كانوا يكرهون النفث في الرقي. وقال بعضهم: دخلت على الضحاك وهو وجع فقلت: لا أعوذك يا أبا محمد، قال: بلى. ولكنه لا تنفث. فعوذته بالمعوذتين. وإذا اختلفوا فالحاكم بينهم السنة.
وعن عائشة ﵂ (أن النبي ﷺ كان ينفث في الرقية) وعن محمد بن حاطب. أن يده احترقت، فأتت أمه به النبي ﷺ . فجعل ينفث عليها ويتكلم بكلام زعم أنه لم يحفظه. وقال محمد بن الأشعث ذهب أبي إلى عائشة ﵂ وفي عيني سوء فرقتني ونفثت.
وسئل محمد بن سيرين عن الرقية ينفث فيها. فقال: لا أعلم به بأسًا وإمامًا. روى عن عكرمة ﵁ في قوله: "لا ينبغي للراقي أن ينفث ولا يمسح ولا يعقد، فإنه ذهب فيه على أن الله تعالى جعل النفث في العقد مما يستفاد فيه، فلا يكون بنفسه عوده، وليس هذا هكذا لأن النفث في العقد إذا كان مذمومًا لم يجز أن يكون النفث بلا عقد مذمومًا، ولأن النفث في العقد، إنما أريد به السحر المضر بالأرواح والأبدان. وهذا النفث لاستصلاح الأبدان والنفوس فلا يقاس ما ينفع بما يضر.
وأيضًا فإن النفث في العقد السحر إذا كره. فذلك النفث فيستعان على اتصال السحر إلى المسحور، وجب أن يستحب النفث في الرقية والعوذة لأنه يستعان به على اتصال ما يقرأ من الراقي والتعوذ والله أعلم. وقد كره عكرمة المسح. والسنة جاءت بخلافه، لأنه يروى عن علي ﵁ أنه قال: اشتكيت، فدخل على النبي ﷺ وأنا أقول: اللهم أن أجلي قد حضر فارحمني وإن كان متأخرًا فاشفني أو عافني، وإن كان بلاء فضر بي. فقال النبي ﷺ : كيف قلت له: قال فسحبني بيده ثم قال: (اللهم اشفه أو عافه فما عاد ذلك الوجع).
وقد دخل في جملة ما روينا الاسترقاء، منه العين. ومما جاء به خاصة قول النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 572
(أن العين تدخل الجمل القدر والرجل القبر) وقالت أسماء بنت عميس: يا رسول الله أن بني جعفر تسرع إليهم العين، أفأ سترقي لهم؟ قال: نعم، لو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين).
وروى أن عامر بن ربيعة رأس سهيل بن حنيف. فقال: ما رأيت كاليوم وراء جلد محياه مليط به حتى ما يفسد من شدة الوجع، فقال رسول الله ﷺ يتهمون أحدًا لو أنعم عامر بن ربيعة، وأخبروه بقوله، فأمره رسول الله، أن يغتسل في قدح له، فراح مع الركب.
قال الزهري: يؤتي الرجل العائز بقدح، فيدخل كفه اليسرى فتصب على كفه اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى فتصب على كفه اليسرى، ثم يدخل اليمنى فتصب على مرفقه الأيسر ثم يدخل يده اليسرى فتصب على ركبته اليسرى ثم يغسل داخل إزاره، أي طرف إزاره الذي يلي جسده وهو يلي الجانب الأيمن، لأن المؤتزر يبدأ بجانبه الأيمن إذا اتزر، فذلك الطرف يباشر جسده فهو الذي يغسل.
وروى في هذا الحديث أن النبي قال: (علام يقتل أحدكم أخاه إذا رأى أحدكم ما يعجبه من أخيه فليبارك عليه).
وروى أن سعد بن أبي وقاص ﵁ ركب يومًا فنظرت إليه امرأة فقالت: أن أميركم هذا ليعلم أنه أهضم الكشحين، فرجع إلى منزلة فسقط. فبلغه ما قالت المرأة، فأرسل إليها، فغسلت له.
ولم أعلم أحدًا يتكلم في حقيقة العين بما يعتمد عليه ويوثق به. وقد قيل أن الله ﵎ قد برأ في خلقه، سوى ما ينسب على الأوضاع والنظر من ذلك أنهم يستشفي منه بالصلاة والدعاء والصدقة فيشفهم ويخلصهم. ويفرط الواحد على آخر في البغي عليه،
стр. 573
فيأخذ مكانه ببغية ولا يسهله ولا يكاد يعرف من أسباب هذه الأمور ما يعرف من أسباب شفاء المرضي بالأدوية، وإزاحة المبتلي بسلطان جائر. أما بإلهامه الرأفة به، وأما بتنبيه من يشفع له، وحفظ المار على اللصوص باغفالهم عنه، أو صدف همهم عما معه، وإلهامهم خوفًا منه، أو من غيره لأجله وغير ذلك. وصيانة دار الواحد عن النار في حريق واقع، إما بإرسال ريح تصرف النار عنها إلى غير وجهها، وإما بتسيير إطفائها. قبل أن يبلغها. وإما ببقائها في شيء مجانب لها، فتصير بذلك عادلة عن طريقها. فإن هذه أمور قد عرفت وجوهها، فأمكن الإعراب عنها والإشارة إليها، وتلك التي ذكرناها والعين معها إنما تضاف في الجملة إلى قدرة الله تعالى وإرادته من غير معتد لأنه ليس لشيء من الأحداث والكوائن سوى إرادة الله تعالى سبب يوجبه وما عدا إرادته بدعاء سببًا. بمعنى أنه الوقت أو الحال التي أراد الله تعالى الكون عندها، فعلى هذا سبب الإخلاص من البحر دعاؤهم وتضرعهم. وسبب السقيا في حال الجدب الدعاء والمسألة. وسبب أخذ الباغي ببغيه ادعاؤه من القدرة والبسطة ما لا ينبغي إلا لله جل ثناؤه. كما أن سبب شفاء المريض إذا تداوي بدواء إلى أمر الله تعالى أن يتداوى به. وسبب انصراف النار، والسلامة من اللص والخلاص من السبع والسلطان الجائر ما وصفت. وليس يجب بقوله أنها أسباب، إلا أنها الأوقات والأحوال التي أراد الله حلول قضاياه وأقداره عندها. وإلا فليس شيء منها موجبًا كون ما يتفق كونه بهذه إذًا وهلاك ما يهلك بالعين وسائر ما ذكر معه سواء لا فرق بينهما والله أعلم.
وقد انتهى في هذا الموضع بيان ما أردنا بيانه من أن كل حادث من الله تعالى لم يبتليه به طريقًا يسلكه ويستبيح به حاجته بسلوكه، والأولى به أن يقبل ذلك عن الله تعالى جده، ويستشعر التوكل عليه عز اسمه في قبول ما نهجه له عنه، لا في مفارقته وانتهاج نهج سواه برأيه والله أعلم.
فإن قال قائل: كل شيء فرض الله تعالى علينا فيه فرضًا معلومًا، فلسنا نقول أن تركه إلى التوكل يجوز. وذلك كالأكل من الطعام عند شدة الجوع واللبس عند البرد، وجودًا للبأس وقتال المشركين في كثير من الأحوال. وأما ما لم يفرضه، ولكنه أباحه كالتداوي
стр. 574
من الأمراض والاسترقاء والاستطعام عند الحاجة ونحو ذلك. فينبغي أن يكون الصبر والاقتصار على الدعاء والتوكل أفضل لأن المتداوي والمسترقي والمستطعم لا يجدون بدًا من التوكل فهو إذًا واجب بكل حال فينبغي أن يكون ما خلص منه وتجرد عن واسطة بين الله تعالى وبين العبد أفضل مما يكون مع الوسائط.
فالجواب: أن الوسائط لو كانت غير ما دون فيها وكان الناس يصيرون إليها بمجرد آرائهم وظنونهم لكان الأمر على ما ذكرتم، ولكنها أوضاع من الله تعالى، وضعها ودبر أمور عباده بها، وجرى النبي ﷺ وأصحابه والتابعون بعدهم على استعمالها. فلا معنى بعدهم للرغبة عنها وطلب الفضل في رفضها، لأن القبول في إتباعها أكثر منها في استشعار الغيبة عنها. ألا ترى أن الدعاء أيضًا ليس بفرض، ولكن رفع الحاجة إلى الله تعالى بالدعاء أفضل من التوكل المجرد عن الدعاء. وما ذلك إلا لأن الله تعالى جعل الدعاء سبيلا للمؤمن. إلى استنجاح الحاجة فكان سلوك السبل المجعولة له أشبه بالعبودية والاستكانة والخشوع والذلة عن مجرد الصمت والصبر فكذلك سبيل التي ذكرناها. ولو جاز الفصل بينهما وبين ما وصفه السائل بالوجوب لجاز الفصل أيضًا من تلك الواجبات وبين الدعاء، فلما لم يكن في ترك الدعاء وإن لم يكن واجبًا فصل. فلذلك لا فصل بين بعض الأسباب للآخر، وقطعها، وإن لم تكن بأعيانها فريضة واجبة.
وأيضًا فإن فرض الله تعالى ما فرض من السبب إلى بعض الأشياء، دليل على أن السبب حيث لم يفرضه، ولكنه أباحه أولى من تركه لأن ترك التسبب في الأصل لو كان أفضل لكان الفرض إذا وقع يقع من جنسه. فلما لم يفرض على أحد قط توكلاً بلا سبب مقدور عليه، وفرض السبب إذا كان مقدورًا عليه في بعض الأشياء، علمنا أن التسبب أفضل من مجرد الصبر ورفض السبب والله أعلم.
وفي المسألة وجه ثالث: وهو أن كل من كان قوي العزم يقدر على تجريد الصبر وترك مجاوزته إلى الدعاء، وكان إذا تصبر مدة، فلم ينكشف عنه صبره لم يعد إلى التسبب، ولم يندم على إجباره التصبر عليه، أو لم يكن في عامة أوقاته شاكيًا في أن الصبر الذي آثره أعود عليه، والتسبب أولى به، أو السبب. فكان إذا صبر وقتًا لم يثبت على
стр. 575
صبره وعاده منه إلى التسبب، فينبغي أن يكون مع المتسببين، كما أن من قدر على الصيام وقيام الليل غير مستقل جهدها، ولا يتبرم بطول النهار أو الليل، بل مقسمًا له أن يعبد الله تعالى بالصيام والقيام. ومن كان إذا دخل في الصوم ولم تزل عيناه ممددتين إلى الشمس، كم تبارت وأين بلغت، وهل دنت من الغروب أو لم تدن، ويحدث نفسه خلال ذلك بالفطر وربما يندم على الدخول فيه، فليس الصوم برًا والفطر أولى به إلا الفرض، فإنه لابد منه ما دام يطيقه استقله أو استحقه، والقول في القيام على ذلك أيضًا، كالصبر على الحادثة واستنجاح الحاجة ما عداه مثل ذلك والله أعلم.
* * *
стр. 576
الرابع عشر من شعب الإيمان
- وهو باب في حب النبي ﷺ وأصحابه -
فإنه يروى عنه ﷺ أنه قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده). وعنه ﷺ قال: (ثلاث من كن فيه فقد وجد حلاوة الإيمان منها أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواه).
وأصل هذا الباب أن يوقف على مدائح رسول الله ﷺ ، والمحاسن الثابتة له في نفسه ثم على حسن أثارة في دين الله، وما يجب له من الحق على أمته شرعًا وعادة فمن أحاط بذلك، وسلم عقله، علم أنه أحق بالمحبة من الوالد الفاضل في نفسه، البر الشفيق على ولده. ومن المعلم الرضي في نفسه المقبل على التعليم المجتهد في التخريج ومدائح رسول الله ﷺ كثيرة منها. شرف أصله، وطهارة مولده. ومنها. اسماؤه التي اختارها الله له وسماه بها. ومنها. إشارة الله تعالى بذكره قبل أن يخلقه حتى عرفه الأنبياء صلوات الله عليهم. وأصمهم قبل أن يعرف نفسه ويعرف ابنه.
ومنها حسن خلقه، وكريم خصائله وشمائله. ومنها بيانه وفصاحته، وقوله: (اوتيت جماعة واختصر لي الحديث اختصارًا). ومنها. حدبه على امته ورأفته بهم وما ساق الله تعالى به إليهم من الخيرات العظيمة في الدنيا، وعرضهم له من شفاعة لهم في الآخرة. ومنها. زهده في الدنيا وصبره على شدائدها ومصائبها.
فأما المرتبة العظمى وهي النبوة والرسالة فله فيها من المآثر الرفيعة عموم رسالة الثقلين
стр. 577
وشمولها من بين الخافقين، وأنه مقامًا. وذلك أنه أول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع ومشفع، وهو صاحب اللواء المحمود، وصاحب الحوض المورود، وأقسم الله بحياته، ولم يخاطبه في القرآن باسمه ولا كنيته، بل دعاه باسم النبوة والرسالة، واصطفاه بذلك على الجماعة.
فأما شرف أهله، فأول ذلك أن إبراهيم صلوات الله عليه لما أخذ في بناء البيت، دعا الله تعالى أن يجعل ذلك البلد آمنًا، ويجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، ويرزقهم من الثمرات والطيبات، ثم قال:﴾ ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ﴿فاستجاب الله دعاءه بنبينا صلوات الله عليه، وجعل الرسول الذي سأله إبراهيم صلوات الله عليه ودعاءه أن يبعثه إلى أهل مكة فكان النبي ﷺ يقول: (أنا دعوة أبي إبراهيم).
وروى العرباض بن سارية السلمي قال: قال رسول الله ﷺ : (إني عبد الله في أم الكتاب بخاتم النبيين، وأن آدم لمجدل في طينته، وسوف انبئكم بتأويل ذلك، دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى قومه، ورؤيا أمي التي رأت أنه خرج منها نورًا أضاءت له قصور الشام، وكذلك ترى أمهات النبيين). فيحتمل هذا الحديث أن يكون قضى الله تعالى بأنه خاتم النبيين سبق خلقه، وكان قبل أن يكون أبو البشر، وأول الأنبياء صلوات الله عليهم، وأما قوله سأنبئكم بتأويل ذلك دعوة أبي إبراهيم، فيحتمل أن يكون معناه أن الله تعالى لما قضى بأن يجعل محمدًا خاتم النبيين. وأثبت ذلك في أم الكتاب أنجز هذا القضاء بأن قبض إبراهيم الدعاء الذي ذكرنا ليكون إرساله إياه بدعائه كما تكون نقلته من صلبه إلى مكة أولاده أمام عيسى صلوات الله عليه. فبشر به قومه فعرفه بنو إسرائيل قبل أن يخلق، وأرى أمه أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام، ليدلها ذلك، على أنها تلد ولدًا تضيء بهداه الأرض، ويخرج به الناس من الظلمات إلى النور والله أعلم.
стр. 578
وله ﷺ فيما اقتضت من الحال فضيلة أخري. وهو أنه كان نبي الحرم الذي فيه بنته الحجوج والماء من المعلوم فإن إبراهيم صلوات الله عليه بذلك دعا ربه فقال:﴾ ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم ﴿. وقد قال الله في تفضيل البيت،﴾ إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا وهدى للعالمين. فيه آيات بينات مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنًا، ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) وقال: (إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها ﴿ولم يخص بلدًا سواه بإضافته إلى نفسه بتخصيصه مكة بها، فدل ذلك على شرفها وفضلها عنده.
وقال النبي ﷺ : (إني لأعلم أنك أحب بلاد الله إلى الله، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما خرجت) فثبت بخبره. أن مكة أفضل البلاد والله أعلم.
وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (أن الله خلق الخلق، فاختار من الخلق بني آدم، واختار من بني آدم العرب، واختار من العرب مضر واختار من مضر قريشًا، واختار نم قريش بني هاشم واختار من بني هاشم، فأنا من خيار إلى خيار، فمن أحب العرب فيحبني أحبهم، ومن أبغض العرب فيبغضني أبغضهم) وجاء عن ابن عباس ﵄ في قوله :﴾ وأنه لذكر لك ولقومك ﴿. قال: يقال ممن الرجل؟ فيقال: من العرب. فيقال: من أي العرب؟ فيقال؟ من قريش. وأما طهارة مولده، فقد روى عنه ﷺ أنه قال: (إنما خرجت من فحاح، ولم أخرج من سفاح من لدن آدم، ولم يصبني سفاح الجاهلية، لم أخرج إلا من طهر).
وأما أسماؤه ﵇، فقد رويت عنه أخبار منفردة، فإذا جمعت بلغت عشرة أسماء
стр. 579
وهي: محمد، وأحمد، والحاشر، والماحي، والمقفي، والعاقب، والخاتم، ونبي الرحمة، ونبي التوبة، ونبي الملحمة.
فأما محمد وأحمد فاسمان نم أسماء الأعلام التي يراد بها التمييز بين الأشخاص، وهذه الأسماء وإن كان لا يراد ما تحتها من المعاني فالذي يشتمل منها على معنى من معاني الفصل مقدم في الاستحسان على خلافه. ألا ترى أن النبي ﷺ قال لرجل (ما اسمك؟ قال: حزن. قال: أنت سهل) وقد كان الكفار يضنون بهذين الاسمين عليه فيقولون مذمم حتى قال ﷺ (ألا تعجبون كيف يصدق الله عني بشتم قريس ولعنهم؟ يسبون مذممًا ويلعنون مذممًا وأنا محمد) ومن تأمل علم أنه ليس من أسماء الناس ما يجمع من الحسن والفضل ما ينتظمه محمد وأحمد، لأن محمدا هو المبالغ في حمده، والحمد في هذا الموضع المدح، وأحمد هو الأحق بالحمد وهو المدح أيضًا. فمن سمي بهذين الاسمين، فقد سمي بأجمع الأسماء لمعاني الفضل والله أعلم.
وأما الحاشر فهو الذي يحشر الناس على قدميه. والمعنى أنه أول من يبعث من القبر، وكل من عداه فإنما يبعثون بعده. وهو أول من يذهب إلى المحشر ثم الناس بعد على أثره.
وأما الماحي فمعناه أنه يمحي به الكفر وكل باطل، وقيل يمحى به سيئات من اتبعه وإذا كان معنى الحاشر والماحي ما ذكرنا، فمعلوم أن الله تعالى هو الحاشر والماحي، وإنما سمي النبي ﷺ بهذين الاسمين، لأن الله يحتمل حشره سببًا لحشر غيره، ونبوته سببًا لإرهاق الباطل كله من الكفر وغيره. فصار من طريق التقدير كأنه الحاشر والماحي.
وأما المقفي فمعناه المتبع، فقد يحتمل أن يكون المراد المقفي لإبراهيم صلوات الله عليه فإن الله قال:﴾ ثم أوحينا إليك أن أتبع ملة إبراهيم حنيفا ﴿. ويحتمل أن يكون المقفي لموسى وعيسى وغيرهما من أنبياء بني إسرائيل ﵈، لنقل قومهم عن إتباعهم إلى إتباعهم، وعن اليهودية والنصرانية إلى الحنيفية السمحة.
стр. 580
وأما العاقب: فالذي جاء بعد الأنبياء ﵈، فإنهم يقدموه في أوائل الزمان وتأخر عنهم وكان مجيئه في آخر الزمان.
وأما الخاتم: فالذي لا نبي بعده، كما ليس بعد خاتمه الأمر منه شيء، وليس بعد ختم الكتاب بشر، ولا بعد ختم الكيس إخراج شيء منه والله أعلم.
وأما نبي الرحمة: فقد جاء عنه ﵇ أنه قال: (أنا رحمة مهداة) وذلك على معنى أن الله ﵎ بعثه ليرحم به عباده ويخرجهم على لسانه من الظلمات إلى النور كما قال حين امتن عليهم:﴾ واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته إخوانا. وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ﴿.
وأما نبي التوبة: فلأنه أخبر عن الله أنه يقبل التوبة عن عباده إذا تابوا، ولا يأبه، إذا أنابوا، أكبرت ذنوبهم أو صغرت حتى أن معاني شريعته أن حدود الله تعالى كلها تسقط التوبة، ولعل الأمر في شرائع المتقدمين لم تكن بهذه السهولة، فلذلك قال: (أنا نبي التوبة، وأنا نبي الملحمة) فلأن الله تعالى فرض عليه جهاد الكفار وجعل شريعته باقية لها قيام الساعة. وما فتحت هذه البلدان إلا بحد السيف أو خوف السيوف ما عدا فإنما فتحت بالقرآن.
وقال ﷺ : بعثت بين يدي الساعة بالسيف، وجعل رزقي تحت ظل رمحي والذلة والصغار على من خالفني).
وأما إشادة الله تعالى بذكره قبل أن يخلقه، فقد أخبر الله تعالى أنه أنزل ذكره في التوارة والإنجيل، فقال فيما أخبر به أنه كلم موسى ﵇ فقال:﴾ ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون، الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم
стр. 581
عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون).
وقال :﴾ وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقًا لما بين يدي من التوراة ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فإن قيل: فإن نبيكم يعرف بمحمد. قيل: ويعرف أيضًا بأحمد. وعلى أن عيسى إنما أدى إليهم هذا الاسم بالسريانية، فقال: ما معناه أحمد وهو يريد محمد. لأن تأويل الاسمين واحد. فإن وصفت الشخص بأنه أحق بالحمد مبالغة في حمده، والمبالغة في حمده تقديم له في الحمد على من لم يبالغ في حمده، فأحمد هو علي هذا محمد، ومحمد أحمد. وقال الله تعالى لنبيه ﷺ :﴾ ورفعنا لك ذكرك ﴿فقيل في تفسيره أنه شهد قبل خلقه وإعلاء ذكره في الأولين قبل أن يخرجه نبيًا في الآخرين. وعن كعب الأحبار قال: قال الله : (محمد عبدي المتوكل، ليس فظًا غليظًا ولا صخابًا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة، ومهاجرة المدنية، وملكة بالشام، امته الحامدون، يحمدون الله على كل حال وفي كل منزلة يغضون أطرافهم ويأتزرون على إنصافهم رعاة الشمس، يصلون إذا أدركتهم الصلاة ولو كانوا على ظهر كتائبه صفهم في القتال كصفهم في الصلاة) وفي حديث آخر زيادة على هذا. وهي لعينه وأعطته مفاتيح ليفتح عيونًا عمياء وآذانًا وقرًا، ويحمي قلوبًا غلفًا، ويقيم ألسنًا معربة حتى تشهد أن لا غله إلا الله).
وفي قصة موسى ﵇ أن الله ، ذكر له نبينا صلوات الله عليه، ووصفه له فقال: وضاح الجبين براق الثنايا، يتلألأ نوره، لونه تلألأ الذهب الأحمر، أكحل العينين، كان إنسان عينيه لون الخمر العتيق، وكأن حبات الماء حين ينحدرن من وجهه اللؤلؤ المنظوم بيمينك بأصل الحكمة ويعطي أمته فروعها، ويأمر بني إسرائيل من بعدكم بالمعروف
стр. 582
وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم أجرهم والأغلال التي كانت عليهم، فالذين آمنوا به وعززوه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه. أولئك هم المفلحون، ولأنه رأفة ورحمة وحكمة وعلمًا وحلمًا، املأ الأرض خيرًا ونعما نفعا، ولا يضر شيئًا. ولا ينزع بعصاه ولا بسوطه إلا في سبيل الله من سبلي. اسمه أحمد، إلا في مولده بمكة ومهاجرة بطيبة ثم يظهر التوحيد في الأرض، والتسبيح والتكبير والتحميد، وبه تكثر وتفشو أمته الحمادون الموحدون خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر إيمانًا بي وتوحيدًا وإخلاصًا لي وتصديقًا لما جاءت به رسلي.
وفي حديث آخر. إن الله تعالى لما قرب موسى قال:﴾ رب إني أجد في التوراة أمة في صدورهم أناجيلهم، وكان من قبلهم يقرأون كتبهم تطيرًا، ولا يحفظونها، فاجعلهم أمتي، قال تلك أمة محمد. قال: فإني أجد في التوراة أمة يأكلون صدقاتهم في بطونهم وكان من قبلهم إذا خرج صدقته بعث الله عليها نارًا يأكلها، فإن لم يقبل لم تقدمه النار، فاجعلهم امتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: رب إني أجد في التوراة أمة إذا هم أحد بسيئة لم تكتب عليه، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، وإذا هم أحدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر حسنات إلى سبع مائة ضعف، فاجعلهم امتي. قال تلك امة محمد: وقرأت فيما يقال أنه برحمة زبور داود، قال لنبي إسرائيل ومر سليمان يقل من بعدك أن الأرض أورثها محمد وأمته وهي خلافتكم، فلا تكون صلاتهم بالطنابير، ولا يقدسوني بالأوتاد. وهو الذي يشبه أن الله تعالى أراده بقوله:﴾ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ﴿.
ومما ذكر العلماء أنه في التوراة. إذا جاءت الأمة الأخيرة إتباع راكب البعير، يسبحون الرب في الكنائس الجدد، بأيديهم سيوف ذات شهرتين ينقضون من الأمم، فاستبشروا بهم، وبادروا إليهم. وفيها أن سيأتيكم نبي من أخوانكم فاسمعوا له وأطيعوا. ولا يمكن أن يكون أراد بهذا عيسى ﷺ ، لأنه من قبل أمة نبيهم لا من إخوانهم. إنما إخوانهم
стр. 583
بنو إسماعيل وهو بنو إسحاق، ولا يجوز أن يكون أراد نبيًا من أنبياء بني إسرائيل، لأنه لما أخبرهم أنه يأتيهم من أخوانهم شمل بالخبر جميع بني إسرائيل، فكانوا جميعًا نابين. فينبغي أن يكون إلا في غيرهم وبالله التوفيق.
وفيها: جاءكم النور من جبل سيناء أي التوراة، وأيضًا من جبل ساعين أي الإنجيل، واستعان من جبل قاران أي القرآن. فإن جبال قاران من جبال مكة. وقال: خسوف النبي جاء الله بالبيان من جبال قاران وامتلأت السموات والأرضون من تسبيح أحمد وأمته ﷺ .
وفي الزبور. قد أتيت موسى التوراة، وأعطيت عيسى برهانًا لم أعطه أحدًا قبله، ولا ظهرت من جبال القرف شمسًا لا تغيب ولا تظلم. ومعنى أعطيت عيسى، أي قضيت له به. وفي التوراة يقول الله تعالى لإبراهيم ﷺ . وفي إسماعيل سمعت دعاك وباركت عليك، وكثرته بمحمد، ولأخرجن من صلبه اثنى عشر عظيمًا ولا جازيبه بالدين العظيم. وما تسميه النصارى الإنجيل. إن عيسى قال لقومه: أنا أذهب وسيأتيكم الفار قليط وروح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه، وإنما يقول كما يقال له: وكل شيء أعده لكم يخبركم به وفيها ومما أتيت بحبس الحواريين حين نسخ الإنجيل أن عيسى قال في كلام ذكره: فلو قد جاء المتحميا هذا النبي يرسله الله إليكم فهو يشهد معي. وقيل: المتحميا بالسريانية محمد، وهو بالرومية الفرقليط. وفي التوراة لن يعدم سبط يهودا نبيًا مرسلاً أو مليكًا مسلطًا حتى يلقى الله له الملك، اليعرب إياه يرتجون، وفي ترجمة أخري. حتى يأتي الذي بني له وإياه ينتظر السحرت، ولا يمكن أن يكون المراد بهذا المسيح صلوات الله عليه. لأنه لم يكن له الملك، ولا لأحد أن يقول: إن كان المراد ما يدعون، فإنما أخبر عنه بالملك، لأن الملك لا يقطع النبوة، فلما أخبر أن سبط يهودا تنقطع عنه النبوة والملك معًا بمجيء المنتظر علمنا أن ذلك إنما يكون لاجتماع النبوة والملك للمنتظر. ووجدنا أحد الأمرين باتًا لسبط يهودا إلى وقت نبينا ﷺ ، ثم انقطعنا، فعلمنا أنه كان المراد بالمنتظر
وفي قصة شعيبا النبي ﵇
أنه لما خرج أمر نبي إسرائيل وفيهم شعيا لا يقتلون منه أوحي الله تعالى إليه "قم في
стр. 584
قومك أوح على لسانك" فلما قام أطلق الله لسانه بالوحي. وقال: يا سماء أسمعي ويا أرض انصتي، فإن الله يريد أن يقبض شأن بني إسرائيل فذكر معاتبة الله إياهم إلى أن قال "وزعموا أنهم لو شاءوا أن يطلعوا على الغيب بما توحي إليهم الشياطين اطلعوا، وكلهم يستخفى بالذي يقولونه، وهم يعلمون أني أعلم غيب السموات والأرض، واعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون، وإني قضيت يوم خلقت السموات والأرض فيما اتيته وصححته على نفسي وجعلت دونه أجلاً واقعًا، فإن صدقوا بما ينتحلون من علم الغيب فليتخيروا مني أبعده، وفي أي زمان يكون، وإن كانوا يقتدرون على أن يأتوا بما يشاءون، فليأتوا بمثل القدرة التي اقضيت، فإني مظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وإن كانوا يقدرون على أن يؤلفوا ما شاءوا، فليؤلفوا مثل الحكمة التي أدبر ذلك العصر كانوا صادقين. فإني قضيت يوم خلقت السموات والأرض، أي اجعل النبوة في الآراء، واجعل الملك في الرعاة، والعز في الأذلة والقوة في الضعفاء والغنى في الفقر، والثروة في الإملاء، والمدائن في الفلوات، والآجام في المفاوز، والبردي في الغيطان، والعلم في الجهلة، والحكم في الأميين، فسلهم متى هذا، ومن القائم بهذا؟ وعلى يد من أسبب؟ ومن أعوان هذا الأمر وأنصاره، وإن كانوا يعلمون فإني سبقت كذلك نبيا أميا أعمى من عميان، ضالاً من ضالين، وليس فقط غليظ، ولا صحاب في الأسواق، ولا يبر من الفحش، ولأقوال للخنساء، أسدده بكل جميل، وأهب له كل خلق كريم. أجعل السكنية لباسه، والبر شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة معقوله، والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والعدل سيرته، والحق شريعته، والهدى إمامه، والإسلام ملته، وأحمد اسمه أهدى بعد ضلاله، وأعلم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة، واسموا بعد النكرة، وأكبر به بعد القلة، وأتمنى به بعد الصلة، وأجمع به بعد الفرقة، وألف به بين قلوب مختلفة، وأهواء مشتتة، وأمم متفرقة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر. وتوحيدًا إلى وإيمانًا بي وإخلاصًا يصلون لي قيامًا وقعودًا، وركعا وسجدًا، ويقاتلون في سبيلي صفوفا وزحوفا، يخرجون من أموالهم ابتغاء رضوان الوفاء، إلهمتهم التكبير والتحميد والتوحيد والتسبيح والتحميد في مساجدهم ومجالسهم ومضاجعهم ومنقلبهم ومثواهم، يكبرون ويهللون ويقدسون على رؤوس الأشراف، ويظهرون إلى
стр. 585
الوجود والأطراف، ويعقدون النيات في الأنصار، قربانهم دماؤهم، وأناجيلهم صدورهم، رهبانا بالليل، ليوثا بالنهار ذلك فضلي أرينه من أشاء وأنا ذو العقل العظيم".
وروى عن ثعلب بن مالك أن عمر بن الخطاب ﵁ سأل أبا مالك عن صفة النبي ﷺ في التوراة، وكان من علماء اليهود، فقال: صفته في كتاب بني هارون الذي لم يبدل ولم يغير، أحمد من ولد إسماعيل بن إبراهيم وهو آخر الأنبياء وهو النبي العربي الذي يأتي بدين إبراهيم الحنيف مئذر على وسطه، ويغسل أطرافه في عينيه حمرة، وبين كتفيه خاتم النبوة مثل زر الحجلة، ليس بالقصير ولا الطويل، يلبس الشملة ويحتوي بالبلغة، ويركب الحمار ويمشي في الأسواق معه حرب وقتال وينبي سيفه على عاتقه، لا يبالي من لقي من الناس معه صلاة لو كانت في قوم نوح ما أهلكوا بالطوفان ولو كانت في قوم عاد ما أهلكوا بالصيحة مولده بمكة، ومنشأه بها، ونبوته دار هجرته يثرب. بين لا نبي حر ويحل وسبحه، وهو أمي لا يكتب بيده، وهو انجماد على كل شدة ورخاء، سلطانه بالشام صاحبه من الملائكة جبريل، يلقى من قومه أذى شديدًا، ويجبهونه جبها شديدًا ثم يدال على قومه فيجدهم تحصيدًا يكون له وقعات يثرب منها له، ومنها عليه، ثم تكون له العاقبة، معه أقوام هم إلى الموت أسرع من الماء من رأس الجبل إلى أسفله، صدورهم أناجيلهم، قربانهم دماؤهم، رهبان الليل ليوث النهار، يرعب منه عدوه مسيرة شهر يباشر القتال بنفسه حتى يخرج ويكلم لا شرطة معه ولا حرس يحرسه.
ومما روى من أمر تبع أنه لما قدم المدينة نزل بقباء بعث إلى أحبار تيماء وخيبر ووأدي القرى وممن كان بيثرب من زهرة وقينقاع وقريظة والنضير وغيرهم وقال: اللهم إني مخرب هذا البلد حتى لا يقوم يهود به أبدًا، ويرجع الأمر إلى دين العرب، فقال الأحبار: أن يدعنا فسنخيره. فلما تكلموا قال: سأتولى اليهودي، وهو يومئذ أعلمهم، أيها الملك. أن هذا بلد يكون إليه مهاجر من ولد إسماعيل. مولده بمكة واسمه أحمد. هذه دار هجرته، وإن منزلك هذا الذي أنت فيه يكون به من الجراح والقتل أمر كثير في أصحابه وفي عدوهم. قال تبع: ومن يقاتله يومئذ وهو نبي كما تزعمون قال: يسير إلى قومه فيقتتلون هاهنا. قال: فأين قبره؟ قال: بهذا البلد. قال: فإذا قوتل فلمن تكون الدحرة؟ قال تكون له مرة وعليه مرة. وبهذا المكان الذي أنت به يكون عليه، ويقتل
стр. 586
أصحابه، لم يقتلوا في موطن، ثم تكون له العاقبة فلا ينازعه في هذا الأمر أحد. قال: وما صفته؟ قال: رجل ليس بالقصير ولا بالطويل، في عينيه حمرة، يركب البعير، ويلبس الشملة، سيفه على عاتقه، لا يبالي من لاقاه أخا أو عما أو ابن عم، حتى يظهروا أمره.
قال تبع: مالي إلى هذه البلدة من سبيل، وما كان ليكون خرابها على يدي: فخرج تبع منصرفا إلى اليمن، وذكر الحديث.
وقيل: أنه قدم على تبع شافع بن كليب الصدمي، وكان كاهنًا فأقام عنده. فلما أراد توديعه، قال له تبع: ما بقي من علمك؟ قال: حبر ناطق وعلم صادق. قال: فهل تجد لقوم ملكًا يوازي ملكي؟ قال: لا، غلا لمثل غسان، قال: فهل تجد ملكًا يزيد عليه؟ قال: نعم. قال: لمن! قال: أجده لبار مبرور، أيد بالطهور، ووصف في الزبور، وفضلت أمه في السفور، بقدح الظلم بالنور، أحمد النبي طوبي لأمته، حين يجيء نبي لؤي ثم أخذ بني قصي. فبعث تبع إلى الزبور، فنظر فيه، فإذا هو يجد صفة محمد ﷺ .
وقال أبو سعيد الخدري ﵁، سمعت أبا مالك بن سنان يقول جئت بني عبد الأسهلي يومًا لنتحدث فيهم، ونحن يومئذ في هدنة من الحي، سمعت يوشع اليهودي يقول: أطل خروج نبي، يقال له أحمد، يخرج من الحرم، فقال له خليفة بن تغلبة الأسهلي، كالمستهذئ به. ما صفته؟ قال: رجل ليس بالطويل ولا بالقصير في عينيه حمرة، يلبس الشملة، ويركب الحمار سيفه على عاتقه، وهذا البلد مهاجره. قال فرجعت إلى قومي بني خدرة، وأنا يومئذ أتعجب مما يقوله يوشع. فقالوا ويوشع يقول هذا، وكل يهودي بيثرب يقول هذا: قال أبي: فخرجت حتى جئت قريظة فأخذ جمعًا منهم، فتذاكروا النبي ﷺ فقال الزبير بن باطا: قد طلع الكوكب الأحمر الذي لم يطلع إلا لخروج نبي وظهوره، ولم يبق إلا أحمد وهذه مهاجره.
قال أبو سعيد الخدري ﵁: فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة مهاجرًا، أخبره أبي هذا الخبر، فقال رسول الله ﷺ : (الزبير وذووه من رؤساء اليهود، لأسلمت
стр. 587
يهود كلها، إنما هم لهم تبع، ولكنهم أهل حسد).
وذكر المغيرة بن شعبة ﵁ أنه خرج مع بني مالك إلى المقوقس، فقال لهم: كيف تخلصتم إلى طائفيكم ومحمد وأصحابه بيني وبينكم؟ قالوا: أتينا البحر وقد خفناه على ذلك. قال: فكيف صنعتم؟ فيما دعاكم إليه؟ قالوا: ما تبعه منا رجل واحد. قال: ولم ذاك؟ قالوا: جاءنا بدين لا يدين به الآباء ولا يدين به الملك. ونجز على ما كان عليه آباؤنا. قال: فكيف صنع قومه؟ قالوا: تبعه أحزابهم وقد ناظر من خالفه من قومه، وغيرهم من العرب في مواطن تكون عليهم الدائرة مرة، وتكون له مرة. قال: ألا تخبرونني وتصدقونني، إلى ماذا تدعون؟ قالوا: ندعو إلى الصلاة والزكاة. قال: وما الصلاة والزكاة؟ ألهما وقت يعرف، وعذر ينتهي إليه؟ قالوا في اليوم والليلة خمس صلوات كلها لمواقيت، وعدد قد سموه له، ويؤدون من كل ما بلغ عشرين مثقالاً نصف مثقال، وكل إبل بلغت خمسًا شاة، وقال: حتى أخبروه بصدقات الأموال كلها. قال: أفرأيتم إذا أخذها، أين يضعها؟ قالوا يردها على فقرائهم، ويأمر بصلة الرحم والوفاء بالعهد ويحرم الزنا والخمر، ولا يأكل ما ذبح لغير الله. قال: هو نبي مرسل إلى الناس كافة، ولو أصاب القبط والروم تبعوه، وقد أمرهم بذلك عيسى بن مريم، وهو الذي يصفون، بعث به الأنبياء من قبله، وستكون له العاقبة حتى لا ينازعه أحد، ويظهر دينه إلى منتهى الخف والحافز، ومنقطع البحور ويوشك قومه يدافعونه بالراح، قال: فقلنا لو دخل معه الناس كلهم ما دخلنا معهم. قال: ما يغض رأسه، وقال: أنهم في الملعب، ثم قال: كيف نسبه في قومه؟ قلنا: هو أوسطهم نسبًا. وقال: وكذلك المسيح والأنبياء تبعث في نسب قومها. قال: فكيف صدق حديثه؟ قلنا: ما يسمى إلا الأمين من صدقه. قال: انظروا في أمركم أترونه بصدق فيما بينكم وبنيه، وتكذب على الله. قال: فمن اتبعه؟ قال: الأحداث. قال: هم أحداث الأنبياء قبله. قال: فما فعلت يهود يثرب، فهم أهل التوراة، قلنا خالفوه، فأوقع بهم، فقتلهم وسباهم وتفرقوا في كل وجه. قال: هم قوم حسد حسدوه أما أنهم يعرفون من أمره مثل ما نعرف. قال المغيرة: فقمنا من
стр. 588
عنده وقد سمعنا كلامًا ذللنا لمحمد وخضعنا، وقلنا: ملوك العجم يصدقونه ويخافونه في بعد أرجائهم منه، ونحن أقرباؤه وجيرانه لم نوجل منه، وقد جاءنا داعيًا إلى منازلنا. قال المغيرة: فرجعت إلى منزلنا بالإسكندرية، لا أدع إلا كنيسة إلا دخلتها وسألت أساقيفها من قبطها ورومها عما يجدون في صفة محمد ﷺ . وكان أسقف من القبط هو رأس الكنيسة التي يحبس كانوا يأتونه بمرضاهم فيدعو لهم، لم أر أحدًا قط أشد اجتهادًا منه. فقلت: أخبرني، هل بقي من الأنبياء أحد؟ قال: نعم، واحد وهو آخر الأنبياء ليس بينه وبين عيسى بن مريم أحد، وهو نبي، أمرنا عيسى باتباعه، وهو النبي الأمي العربي اسمه أحمد، ليس بالطويل ولا بالقصير في عينيه حمرة، ولا بالأبيض ولا بالأدهم. ويضفر شعره ويلبس ما غلظ من الثياب، ويحتوي بما بقي من الطعام، سيفه على عاتقه، ولا يبالى من لاقى، يباشر القتال بنفسه، ومعه أصحابه يفدونه بأنفسهم هم له أشد حياء منهم لأولادهم وآبائهم، ويخرج من أرض القرط من حرم يأتي وإلى حرم يهاجر إلى أرض ساع ويجل بدين إبراهيم ﷺ .
قال المغيرة: زدني من صفاته. قال: يأتزر على وسطه ويغسل أطرافه، ويخص بماله يكن للأنبياء قبله ﵈ قبله، كان النبي يبعث إلى قومه وبعث إلى الناس كافة وجعلت له الأرض مسجدًا طهورًا، أين ما أدركته الصلاة تيمم وصلى. ومن كان قبله كان مشددًا عليهم لا يصلون غلا (في الكنائس والبيع). قال المغيرة: فوعيت ذلك كله من قوله وقول غيره: وجئت إلى النبي ﷺ فأسلمت، ثم أحببته ﷺ عند مخرجنا من الطائف حتى قدمنا الإسكندرية، ثم أخبرته بما قال الملك وقالت الأساقفة ورؤساء القبط والروم، فأعجب ذلك رسول الله ﷺ وأحب أن يسمعه أصحابه، فكنت أحدثهم بذلك.
ويروي عن قصة إسلام ثعلبة بن شعبة وأسد بن شعبة وأسد بن عبيد: إنما كان إن رجلاً من اليهود قدم عليهم المدينة من الشام قبل الإسلام بسنوات، لم ير رجلاً يصلي الخمس أفضل منه، كان إذا أحبس عنهم المطر، قالوا له: أخرج فاستسق لنا، فيأمرهم أن يقدموا صدقة، ثم يخرج بهم إلى ظاهر واديهم، فلا يبرح مجلسه حتى تمطر، فعل ذلك مرات كثيرة وحضرته الوفاة، فقال: يا معشر اليهود دماء الذي تروني، أنه أخرجني من أرض
стр. 589
الحمر والحمير إلى أرض البؤس والجوع معًا. فقالوا: أنت أعلم. قال: إني إنما خرجت أتو كف نبيًا يبعث، وقد أظلكم زمانه، هذه البلدة مهاجرة، فكنت أرجو أن أدركه فاتبعه، فإن سمعتم به فلا تسبقن إليه، فإنه يبعث بسفك الدماء وبسبي النداري، فلا يمنعكم ذلك منه، ثم مات.
فلما كان في الليلة التي في صباحها صبحت قريظة، قال لهم ثعلبة وأسيد وأسد، كانوا فتيانًا شبابا. يا معشر يهود. أنه الرجل الذي كان وصف لنا، فاتقوا الله واتبعوه، قالوا: ليس به بلى والله، أنه هو ثم نزلوا فأسلموا.
وفي حديث سيف بن ذي يزن: أنه لما ظهر على الحبشة، وذلك بعد مولد رسول الله ﷺ بسنين أتاه وفود العرب وأشرافها وشعراؤها مهنئة، ونذكر ما كان من بلائه وطلبه بثأر قومه، وأتاه وفد قريش فيهم عبد المطلب بن هاشم وأمية بن عبد شمس وعبد الله ابن جدعان وأسد بن عبد العزى ووهب بن عبد مناف وقصي بن عبد الدار، فدخل عليه بأذنه، وهو في رأس قصر يقال له غمدان، عليه بردان أخضر أن مرا به يأخذهما متزر بالآخر، سيفه بين يديه، وعن يمينه وشماله الملوك وأبناء الملوك. فأخبر بمكانهم فأذن لهم، فدخل عليهم فدنا منهم عبد المطلب فاستأذنه في الكلام، فأذن له، فقال: أن الله أحلك أيها الملك محلاً رفيعا باذخا منيعا شامخا وأتاك بأطايب ارومية، وعظمة حرنونية وثبت أصله وبسق فرعه في أطيب مواطن وأكرم معدن، وأنت أبيت اللعن - ملك العرب وما فيها، وربيعها الذي به يخصب، وأنت ملك العرب، الذي له سباد وعودها الذي عليه العماد، ومعقلها الذي يلتجئ إليه العباد، سلفك خير سلف، وأنت لنا منه خير خلف، فلن يهلك ذكر من أنت خلفه، ولن يحمل ذكر من أنت سلفه، نحن أهل حرم الله وسدنة نبيه، أشخصنا إليك الذي أنهجنا من كشفك العرب الذي فرحنا فنحن وفد التهنئة، لا وفد الرزئة. فقال له الملك: ما أنت أيها المتكلم، فقال: عبد المطلب بن هاشم. قال: ابن أخي؟ قال نعم قال: أدنه ثم أقبل عليه وعلى القوم وقال: مرحبا وأهلاً وناقة ورجلاً ومشتاقا سهلاً وملكا ونجلاً يعطي عطاء جزلاً، وقد سمع الملك مقالتكم، وعرف رسالتكم، وقبل وسيلتكم فأنتم أهل الليل والنهار، لكم الكرامة ما أقمتم والخباء إذا أطعتم وكان أول من قال مرحبا وأهلاً وناقة ورجلاً فأرسلها مثلاً،
стр. 590
ثم انهضوا إلى دار الضيافة والوفود وأجرى عليهم الإنزال، فأقاموا بذلك شهرًا لا يصلون إليه ولا يؤذن لهم بالانصراف. ثم أن الملك انتبه لهم انتباهه، فأرسل إلى عبد المطلب، فأدناه، ثم قال له: يا عبد المطلب، إني مفض إليك بسر علمي، لو غيرك يكون لم أبح به، ولكني رأيتك معدله، فأطلعتك عليه، فليكن عندك مطويا حتى يأذن الله فيه. إني أجد في الكتاب المكنون والعلم المخزون الذي اخترناه لأنفسنا وحجبناه عن غيرنا خبرًا عظيما وخطرًا جسيما فيه شرف الحياة وفضله للناس عامة وأهلك كافة ولك خاصة. فقال له عبد المطلب مثلك أيها الملك سر وبر، فما هو فداك أهل الوبر زمرًا بعد زمر. قال إذا ولد بتهامة غلام بين كتفيه شامة، كانت له الإمامة، ولكم به الزعامة إلى يوم القيامة.
قال عبد المطلب: أبيت اللعن أيها الملك، لقد أتيت بخبر ما آت به وافد قوم ولولا هيبة الملك وإجلاله وإعظامه لسألته من ساره إياي، ما ازداد به سرورًا.
فقال له الملك: هذا حينه الذي يولد نيه أوفد، ولد اسمه محمد، يموت أبوه وأمه ويكفله جده وعمه، وقد ولد له مرارًا، والله باعثه جهارًا. أو عاجل له منا أنصارًا يعز بهم أولياءه، ويذل بهم أعداءه، ويضرب بهم الناس عن عرض، وسيفتح بهم كرائم الأرض، يخمد النيران، ويعبد الرحمن، ويدحر الشيطان، ويكسر الأوثان. قوله فصل، وحكمه عدل، يأمر بالمعروف ويفعله، وينهي عن المنكر ويبطله. فقال له عبد المطلب: عز جدك ودام ملكك وعلا كعبك، فهل الملك يساري إفصاح وقد أوضح لي بعض الإيضاح؟ فقال ابن ذي يزن: والبيت ذي الحجب، والعلامات على النصب، إنك يا عبد المطلب بجده غير كذب. فخر عبد المطلب ساجدًا. فقال ابن ذي يزن: ارفع رأسك، ثلج صدرك وعلا كعبك. فهل أمسست بشيء مما ذكرت؟ قال: نعم أيها الملك، أنه كان لي ابن وكنت معجبا به وعليه تنبيقا، وأنه زوجته كريمة من كرائم قومي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، فجاءت بغلام فسميته محمدًا، فمات أبوه وأمه، وكفلته أنا وعمه. فقال له الملك: أن الذي قلت كما قلت فاحتفظ من أنبأك واحفظ عليه فإنهم له أعداء ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا، وأطر ما ذكرت لك دون هؤلاء الرهط الذين معك فإني لست آمن أن يدخلهم التعاسة من أن تكون لك الرياسة، فينصبون لك
стр. 591
الحبائل ويبغون لكل العوائل، وهم فاعلون ذلك وابناؤهم غير شك، ولولا إني أعلم أن الموت مخرمي قبل مبعثة، لسرت بخيلي ورحلي حتى أجعل يثرب دار ملكي، فإني أجد في الكتاب الباطن، والعلم السابق، أن يثرب استحكام أمره ودار نصرته وموضع قبره، ولولا أني أقية الآفات، واخذر عليه العاهات، لا عليت على حدائه سنة أمره، ولا وطأت العرب كفيه، ولكني صارف ذلك لك من غير تقصير بمن معك. ثم دعا القوم، فأمر لكل واحد منهم بعشرة أعبد وعشر اماء وكرسي بماء وعنبر، ومائة من الإبل، وحلتين من حلل البرود وخمسة أرطال ذهب وعشرة أرطال فضة، وأمر لعبد المطلب بأضعاف ذلك، وقال: إذا كان الحول فاتني بما يكون من أمره سيف بن ذي يزن، قبل أن يحول عليه الحول. فكان عبد المطلب كثيرًا ما يقول: يا معشر قريش، لا يغتطبن أحد منكم بجزيل عطاء الملك وإن حل فإنه إلى نفاذ، ولكني يغبطني مما يبقى لي ولعقبى ذكره وفخره، فإذا سئل ما هو؟ قال: ستعلمون ما أقول: ولو بعد حين.
وفي قصة إسلام كعب: قال كعب الحبر: كان أبي أعلم الناس بما أنزل الله على موسى ابن عمران صلوات الله عليه، فكان لم يدخر عني شيئًا ما كان يعلم، فلما حضره الموت دعاني فقال: يا بني، إنك قد علمت أني لم أدخر عنك شيئًا فما كنت أعلم إلا إني حسبت عنك ورقتين فيهما ذكر نبي يبعث. وقد أطل زمانه، وقد جعلتها في هذه الكوة التي ترى، وظننت عليهما، فإذا يرد الله بك خيرًا، وخرج ذلك النبي تتبعه، ثم أنه مات فدفناه، ولم يكن شيء أحب إلى الله من المأتم حتى أنظر ما في الورقتين. فلما انقضى المأثم فتحت الكوة ثم استخرجت الورقتين فإذا فيها. محمد رسول الله. خاتم النبيين، لا نبي بعده، مولده بمكة، ومهاجره طيبة، لا فظ ولا غليظ، ولا صحاب في الأسواق، ويجري بالحسنة، ويعفو أو يصفح امته الحامدون، يحمدون الله على كل حال بذلك ألسنتهم بالتكبير، وينصر نبيهم على من ناو أهم، يغسلون فروجهم ويأتزرون على أوساطهم، أناجيلهم صدورهم، وتراجمهم بينهم، وهم أول من يدخل الجنة يوم القيامة من الأمم. فلما قرأت ذلك قلت في نفسي: وهل علمني أبي شيئًا خيرًا من هذا. فمكثت بذلك ما شاء الله، ثم بلغني أن النبي ﷺ خرج بمكة، فهو يظهر مرة ويستخفى أخرى. فقلت: هوذا. فلم يزل كذلك حتى قيل لي: أتى المدينة، ثم بلغني بعد، أنه توفي.
стр. 592
فقلت في نفسي. لا أدخل في هذا الدين حتى أعلم أنهم الذين ارجأوا وانظر سيرتهم وأعمالهم. فلم أزل أدافع ذلك وأوخر لا سبب، حتى قدم علينا عمر بن الخطاب ﵁. فلما رأيتهم ووفاءهم بالعهد وما صنع الله لهم على الأعداء، علمت أنهم الذين كنت أنتظر، فحدثت نفسي بالدخول في دينهم، فو الله إني ذات ليلة في سطحي، إذا رجل من المسلمين يتلو قول الله "يا أيها الذين أوتوا الكتاب، آمنوا بما نزلنا مصدقًا لما معكم من قبل أن نطمس وجوهًا فنزدها على أدبارها، أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت، وكان أمر الله مفعولا. فلما سمعت هذه الآية حسبت إني لا أصبح حتى يحول وجهي في قفاي. فما كان شيء أحب إلى من الصباح، فغدوت على المسلمين، فقال كعب: وقلت لعمر بالشام: أنه مكتوب في هذه الكتب أن هذه البلاد التي كانت لبني إسرائيل، أهلها مفتوحة على يد رجل من الصالحين، رحيم بالمؤمنين، شديد على الكفارين، سره مثل علانيته وقوله لا يخالف فعله، والقريب والبعيد سواء في الحق عنده، أتباعه رهبان في الليل، وأسد بالنهار، متراحمون متواصلون متبارون
فقال عمر ﵁: ثكلتك أمك، أحق ما تقول؟ فقلت: أي والذي اسمع ما أقول: فقال الحمد لله الذي أعزنا وأكرمنا وشرفنا ورحمة لنبينا محمد ﷺ ورحمته التي وسعت كل شيء.
وفي قصة إسلام سلمان ﵁، قال: كنت رجلاً فارسيًا من أهل أصفهان، وكانت لأبي صنيعة عظيمة، فأمرني أن أذهب إليها، فاطالعيا. فمررت بكنيسة النصارى، فسمعت أصواتهم منها وهم يصلون. فدخلت عليهم انظر ما يصنعون، فأعجبتني صلاتهم، وقلت هذا والله خير من الذي نحن فيه، فما برحت حتى غربت الشمس، وقلت لهم: أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام. فقدمتها. فقلت: من أفضل هذا الدين علمًا، قالوا: الأسقف في الكنيسة. فدخلت معه إلى أن مات. وجعلوا مكانه رجلاً فما رأيت أحدًا يصلي الخمس إني به حتى هرم في الدنيا ولا أذوب ليلاً ونهارًا منه، فأقمت معه إلى أن حضرته الوفاة، فأمرني أن الحق برجل بالموصل، فلما مات وغيب لحقت بالموصل. ووجدته على أمر صاحبه، فأقمت عنده، فلما حضرته الوفاة سالته، فأمرني أن الحق برجل بنصيبين، ذكره لي، فلحقت به وأقمت معه خير رجل، فلما
стр. 593
حضرته الوفاة، قلت ما تأمرني، قال والله ما أعلم أحدًا بقي على أمرنا إلا رجلاً بعمورية فإن أحببت فاته. فلما مات وغيب بحثت بصاحبه بعمورية. وأخبرته، قال: أقم عندي، فأقمت عنده واكتسبت، ثم نزل به أمر الله تعالى، فقلت: ما تأمرني، أي شيء لم يهيج على ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه، ولكنه قد ظلك زمان نبي يبعث بدين إبراهيم صلوات الله عليه، يخرج بأرض العرب مهاجرًا إلى أرض بين حربين، تحل به علامات لا تخفى، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد، فافعل، ثم مات.
فمر بي نفر من كلب تجار العرب، فأعطيتهم ما عندي ليحملوني إلى أرض العرب، فحملوني إلى وادي القرى، ثم باعوني من يهودي، وقدم ابن عم له من أهل المدينة من بني قريظة فاتباعني منه، واحتملني إلى المدينة، فوالله ما هو إلا أن ترابها فعرفتها بصفة صاحبي فأقمت بها فبعث الله رسوله ﷺ ، فأقام بمكة ما أقام لا أسمع له ذكرًا مما أنا فيه من شغلي، ثم هاجر إلى المدينة، فوالله إني لفي عذو أعمل فيه، إذ قبل ابن عمر لسيدي، فقال: فاتك الله نبي قبيلة، والله أنهم لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعمون أنه نبي، فلما سمعت أخذتني العذو حتى ظننت إني أسقط ونزلت عن النخلة وجعلت أقول لابن عمه: ماذا يقول؟ فغضب سيدي، فكلمني كلمة شديدة، ثم قال: مالك ولهذا؟ ولقد كان عندي شيء جمعته، فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت إلى رسول الله ﷺ وهو بقباء. فدخلت عليه، فقلت: هذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم، فقربته إليه فقال لأصحابه: كلوا ولم يأكل. فقلت في نفسي هذه واحدة. فانصرفت عنه، فجمعت شيئًا، وتحرك رسول الله ﷺ إلى المدينة، فجئته به، وقلت: هذه هدية أكرمتك بها لما رأيتك لا تأكل الصدقة، فأكل منها، وأمر أصحابه فأكلوا. فقلت في نفسي: هاتان اثنتان. ثم جئت رسول الله ﷺ وهو جالس في أصحابه عليه شملتان، فسلمت عليه، ثم ابتدأت انظر إلى ظهره، وهل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي، فعرف إني أتيت في شيء وصف لي، فألقى رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فأكببت عليه اقبله وأبكي. فقال لي رسول الله ﷺ تحول فتحولت، فقصصت عليه حديثي. فأعجب رسول الله ﷺ أن اسمع ذلك، وشغلفي الرق حتى يأتي يد
стр. 594
زوجتي، ثم قال لي رسول الله ﷺ ، كاتب يا سلمان، فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة ابتعتها له بالعفر وأربعين وقية ذهب. فقال رسول الله ﷺ : (أعينوا أخاكم فأعانوني بالنخل، الرجل بثلاثين ودية. والآخر بالعشرين والرجل بالخمسة عشر والرجل بعشرة حتى اجتمعت ثلاثمائة ودية. فقال لي رسول الله ﷺ : اذهب يا سلمان فقعرها فإذا فرغت فأتني أكن أنا أصفها بيدي فقعدت حتى إذا فرغت جئته، فخرج إليها فضرب له الوادي فيضعه بيده حتى فرغنا فوالذي نفس سلمان بيده ما ماتت منها ودية واحدة. فأديت النخل وبقي على المال. فأتى رسول الله ﷺ بمثل بيضة الدجاجة فرد هي من بعض المعادن، وقال: (فماذا فعل الفارسي إذ كانت قد دعيت له، قال (خذ هذه فأد بها ما عليك يا فارسي، قلت: وأين تقع هذه يا رسول الله؟ قال: خذها، فإن الله سيؤدي بها عنك) فأخذتها فوزنت له منها، والذي نفس سلمان بيده أربعين أوقية وشهدت مع رسول الله ﷺ الخندق حرًا.
وما ذكر وهب بن منبه ﵁ أن الله تعالى أوحي إلى داود صلوات الله عليه. يا داود، أنه يأبى من بعدك نبي يسمى أحمد ومحمد صادق سيد لا أغضب عليه أبدًا، وقيل: غفرت له، قيل: أن بعض ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وأمته مرحومة، أعطيتهم من النوافل مثل ما أعطيت الأنبياء، وأفرضت عليهم الفرائض التي أفرضتها على الأنبياء والرسل، حتى يأتوني يوم القيامة، ونورهم مثل نور الأنبياء، قبلهم. وأمرتهم بالجوار كما أمرت الأنبياء قبلهم. أعطيتهم ست خصال لم أعطها غيرهم من الأمم، لا اؤاخذهم بالخطأ والنسيان، وكل ذنب ركبوه عن غير عمد، إذا استغفروني منه غفرته لهم، وما قدموا لآخرتهم من شيء طيبه به تقواهم، عجلت لهم أضعافا مضاعفة، ولهم في المدخور عندي أضعاف مضاعفة، وأعطيتهم على المصائب والبلايا إذا صبروا، وقالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، الصلاة والهدى والرحمة إلى جنات النعيم. فإن دعوني استجب لهم فأما أن يروه عاجلاً وإما أن أصرف عنهم سوءًا، وإما أن أدخر لهم في الآخرة. يا داود من لقيني من أمة محمد. وقد كذب محمدًا أو كذب بما جاء به، واستهزأ بكتابي، صببت
стр. 595
عليه في قبره العذاب صبا، وضربت الملائكة وجهه ودبره عند منشره من قبره، ثم ادخله الدرك الأسفل من النار.
وأما خلقه وخلقه ﷺ : فقد روى عظمها في حديث جامع سوى ما جاءت به الأخبار متفرقة. وروى عن الحسن بن علي ﵄، وأنا استهي أن يصف لي منها شيئًا اتعلق به. قال: كان رسول الله ﷺ فخمًا مفخمًا يتلألأ وجهه تلألأ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، وأقصر من المشذب، عظيم الهامة، رجل الشعر إن انفرقت عقيصته وإلا فلا تجاوز شحمة أذنيه إذا هو وفره. أزهر اللون واضح الجبين، ازج الحاجب، سوابغ في غير قرن، بينهما عرق يدره الغضب، اقنى العرنين، اشنب، مفلج الأسنان، دقيق المسربة، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادن متماسك، سواء البطن والصدر، عريض الصدر، بعيد ما بين المكبين، ضخم الراديس، أنور المتجرد، موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط، عاري اليدين والبطن، مما سوى ذلك أشعر الذراعين والمنكبين، وأعلى الصدر وطول الزندين، رحب الراحة، سبط العجب، شتى الكعبين والقدمين، سابل الأطراف خمصان الأخمصين، مسح القدمين ينبو عنهما الماء، إذ زال زال فلعًا يخطو بكفؤ أو يمشى هونًا، ذريع المشية، كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت جميعًا، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة، يسبق أصحابه يبدأ بالسلام من لقيه.
قلت: صف لي منطقه؟
قال: كان رسول الله ﷺ متواصل الأحزان، دائم الفكر، ليست له راحة، ولا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتح الكلام ويختم بأشداقه. ويتكلم بجوامع الكلم فضل لا فضول ولا بقصير. دمث ليس بالجاهل ولا المهين. يعظم النعمة وإن دقت ولا يدم منها شيئًا ولا يذم ذواقًا. ولا يمدحه ولا تعصبه الدنيا وما كان لها فإذا به وطئ الحق، لم يعرفه أحد، لم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له، ولا يغضب نفسه ولا ينتصر لها. إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا تحدث ليفصل بها يضرب براحته اليمنى على باطن إبهامه اليسرى. وإذا غضب أعرض واشاح، وإذا فرح غض طرفه جل ضحكه النسيم. ويفتر عن مثل حب الغمام.
стр. 596
قال الحسن: فكتمنها للحسين زمانًا، ثم حدثته فوجدته قد سبقني إليه، فسألته عما سألته عنه، ووجدته قد سأل أباه عن مدخله ومخرجه ومجلسه وشكله فلم يدع منه شيئًا.
قال الحسن: سألت أبي عن دخول رسول الله ﷺ ، قال: كان دخوله ماذونًا له، فكان إذا أوتى منزلة جزأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزء لله تعالى وجزء لأهله وجزء لنفسه. ثم جزا جزأه بينه وبين الناس، فيرد ذلك على العامة بالحياضة ولا يدخر عنهم شيئا، فكان جزء سيرته في جزء الأمة اثبارًا أهل بأذنه. وقسمه على قدر تفضلهم في الدين. فمنهم ذو الحاجة ومنهم ذو الحوائج فيشاغل لهم ويشغلهم فما أصلحهم والأمة من مسألتهم عنهم، وأخبارهم بالذي ينبغي لهم. ويقول: ليبلغ الشاهد الغائب. وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته، فإنه من بلغ سلطانا حاجة من يستطيع إبلاغها إياه، ثبت الله قدميه، يوم القيامة لا يذكر عنده إلا ذلك ولا يقبل من أحد غيره، يدخلون عليه روادًا ولا يتفرقون إلا عن ذواق ويخرجون أذلة.
قال: فسألته عن مخرجه، كيف كان يصنع فيه؟ قال رسول الله ﷺ يخزن لسانه إلا بما يعنيه، ويؤلفهم ولا يفرقهم، أو قال: ولا يقربهم يكرم كريم كل قوم، ويوليه عليه، ويحذر الناس، ويحترس منهم من غير أن يطوي على أحد شره، ولا خلقه ويتفقد أصحابه ويحسنى الحسن ويقويه، ويقبح القبح ويوهيه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفلى مخافة أن يغفلوا أو يملوا، لكل حال عنده عباد، لا يقصو عن الخلق ولا يجوزه الذين يلونه من الناس خيارهم وأفضلهم عنده، أعمهم نصيحة وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة.
قال: فسألته عن مجلسه، فقال: كان رسول الله ﷺ لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر لا يوطن الأباكر وينهى عن أبطانها، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك، ويعطي كل جلسائه نصيبه، لا يحتسب جليسه أن أحدًا أكرم عليه منه من جالسه أو قاومه في حاجة صابره حتى يكون هو المتصرف. ومن سأله عن حاجة لم يرده غلا بها أو بميسور من القول، قد وسع الناس منهم بسطه وخلقه، فصار لهم أبا وصاروا
стр. 597
عنده في الحق سواء. مجلسه مجلس حكم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات ولا تؤتى فيه الحرم، ولا ينبي فلياته، وقيل لا يثنى متفاضلون فيه بالتقوى، ويحفظون القريب متواضعين، يوقرون فيه الكبير ويرحمون الصغير ويؤثرون الحاجة.
قلت: كيف كانت سيرته في جلساته؟ قال: كان رسول الله ﷺ دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب. ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب ولا فحاش، ولا غياب، ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهى. ولا يوس منه ولا يحب فيه. قد نزل نفسه من المراء والإكبار ما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث، كان لا يذم أحدًا ولا يعيره، ولا يطلب عورته ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه. إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير فإذا سكت تكلموا، ولا يتنازعون عنده، من تكلم أنصتوا له حتى يفرغ حديثهم عنده حديث أوليهم، يضحك مما يضحكون منه، ويعجب مما يعجبون.
ويصير للقريب على الجفوة في منطقة ومسألته، حتى أن كان يستجلبونهم. ويقول: إذا رأيتم طالب حاجة فارفدوه ولا يقبل إنشاء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجور فيقطعه بنهي أو قيام.
قال فسألته: كيف كان سكوته؟ قال: كان سكوت النبي ﷺ على أربع: الحلم والحذر والتقدير والتفكير. فأما تقديره ففي تسوية النظر والاستماع من الناس. وأما تفكيره ففيما يبقى ويغنى وجمع له الحلم والصبر فكان لا يغضبه شيء ولا يستنفره وجمع له في الحذر في أربعة أخذه بالحسن ليقتدي به. وتركه القبح بسلها عنه، واجتهاده الرأي فيما أصلح أمته، والقيام فيما جمع لهم الدنيا والآخرة.
ومنها ما يروي عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ لم يكن بالطويل البائن ولا بالمشذب الذاهب، ولا القصير المتردد، وكان ينسب إلى الرفعة إذا مشي، ولم يكن على ذلك يماشيه أحد من الناس. بسبب إلى الطول إلا طاله رسول الله ﷺ وربما اكتنفه الرجلان الطويلان فيطولهما، وإذا فارقا نسبا إلى الطول، ونسب رسول الله ﷺ إلى الرفعة ويقول: جعل الخير كله في الربعة. وكان لونه ليس باهق ولا بأدم وكان أزهر اللون، وكان عرقه في وجهه مثل اللؤلؤ، أطيب من المسك الأدفر. وكان
стр. 598
أول من سدل ناصيته بين عينيه كما تسدل نواصي الخيل، ثم جاءه جبريل صلوات الله عليه بالفرق ففرق، وكان أحسن الناس قضاء وأنورهم لونًا لم يصفه واصف قط إلا شبه وجهه بالقمر ليلة البدر. وقال بعضهم: رأيت النبي ﷺ ليلة أصحبان، وهو في حلة حمراء، فجعلت أنظر إليه وإلى القمر فهو كان أدنى في عيني من القمر.
وقال ﷺ : (إني أشبه الناس بأبي آدم، وكان أبي خليل الرحمن أشبه الناس به خلقًا وخلقًا) وقال بعضهم: كان أقنى العرنين، له نور يعلوه بجبينه، من لم يتأمله أثم، وكان كفه كأنه كف عطار مس طيبًا، أو لم يمسه بمصافحة المصافح فيظل يوم يجد ريحها أو يضعها على رأس الصبي فيعرف من بين الصبيان من ريحها على رأسه وكان بين القوم إذا سارع إلى خير أو مشى إليه، ويسوقهم إذا لم يسارع إلى شيء. وكان واسع الظهر، بين كتفيه خاتم النبوة، وهو مما يلي منكبه الأيمن، فيه شامة سوداء تضرب إلى الصفرة، حولها شعرات متواليات، كأنها من عرق فرس. ومنهم من قال: كانت شامة النبوة بأسفل كتفه خضراء منحفوة في اللحم قليلاً، وكان إذا طلع جبينه من بين السفر أو عند طفل الليل، أو طلع بوجهه على الناس، رأو جبينه كأنه ضوء السراج المتوقد تلألأ.
تفسير ما عسى يشكل من ألفاظ هذه الأخبار:
قوله: فخمًا مفخمًا، أي ممتلئ الوجه جميلاً مهيبًا. والمربوع: بين الطويل والقصير. والمشذب: المفرط في الطول. رجل الشعر: أي ليس بالسبط الذي لا يكثر فيه. والقطط: الشديد الجعوده. والعقيصة: الشعر المعقوص، وهو نحو من المظفور. والرجع في الحاجب: أي يكون فيه تقوس مع طول في أطرافها، وهو السبوع. والقرن: اتصال الحاجبين، فإذا كانت بينهما فرجة فذاك البلح، والعرب تستحبه بينهما عرق يدره القصب، أقنى الأنف أي علوه، والقنا في الأنف: أي يكون مستويًا لا تعوج في نصبته. والشمم: الارتفاع. وقوله: كث اللحية، أي كثيفة من غير عظم ولا طول. ضليع الفم: يعني حد الشفتين. الأشنب: الذي في لسانه دقة وتجرد. والفلج: مفرق الأسنان. والمسربة: الشعر الذي من اللبة إلى السرة. جيد دمية. الجيد العنق، والدمية. الصورة. ضخم الكراديس.
стр. 599
قيل عظم الألواح. وقيل رؤوس العظام والزندان العظيمان اللذان في الساعدين، المتصلان بالكفين. سبط العصب. أي ممتد، كل عظم فيه مخ، كالسلقين والعضدين والفراعين. شتن الكفين والقدمين. أي فيها بعض الغلظ. والأخمص من القدم. ما بين صدرها وعقبها وهو الذي يلصق بالأرض في الوطئ. وقوله خمصات الأخمص. يعني دقيق بطن القدمين فيه تجاف عن الأرض. فسيح القدمين. متساويان، ليس في ظهورها تكسر، فالماء ينبو عنهما كذلك إذا خطا بها أي تمايل. وذريع المشية واسع الخطى، كأنما ينحط في صبب، أي مقبل على ما بين يديه. لا يرفع بصره إلى السماء. وكذلك يكون المنحط قد فسره، فقال: خافض البصر. نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى السماء. قوله: إذا التفت التفت جميعًا. يريد لا يلوي عنقه دون جسده، فعل أهل الخفة والطيش. والدمث: اللين السهل. وقوله: اعرض وأشاح، يعني جد وبالغ يغتر عن مثل حب الغمام: أي يكسر ضاحكًا من غير قهقهة. وحب الغمام: البرد. يدخلون رواد: أي طالبين واحدهم رائد. ويخرجون أدلة. قيل الخبر. فكان المعنى: يدخلون متعلمين ويخرجون أئمة بكل حال عنده عباد: أي شيء أعده له. لا يوطن الأماكن: أي لا يجعل شيئًا منها، وطيئًا لنفسه بل يجلس حيث تيسر له الجلوس فيه. وقوله: لا تؤثر فيه الحرم. أي لا توصف فيه النساء إلا بشيء قليل أي لا يتحدث بالسقطات. والأمهر: الأبيض الذي يضرب بياضه إلى الشهية. والأزهر: الأبيض الناصع البياض الذي لا تشوبه حمرة ولا صفرة. قال صاحب هذا التفسير: فأما ما روى أنه كان أبيض مشرب حمرة، فإنما أريد به واضحًا منها الشمس والرياح، وما عدا ذلك فإنما كان أزهر، والذي تدل الأخبار عليه أنه لم يبعث بالأزهر لنصوع بياضه، لكن لإشراقه، كما قيل للزهرة التي هي أحد الكواكب السبغة زهرة لأنه ليس في أمثالها أشد إشراقًا منها في مناظر الناس. وقد كتبنا في جملة صفاته أن جبينه كان يكون كالسراج المتوقد وأنه على أنفه نور يعلوه فيحسبه لذلك متى يتأمله أشم، فإنما قيل له أزهر عن هذا الوجه والله أعلم.
وكانت عيناه نجلاوين، والنجلاء: الواسعة الحسنة. والدعج: شدة سواد الحدقة. وجاء أنه كان في عينيه تموج من حمرة، وأهدب الأشقار: كثيرها وطويلها. سهل الخدين صلتهما: أي أسيل مسنون. أي لا يفوق بعض لحمه لحمًا. وليس بالطويل الوجه ولا المكلثم
стр. 600
أو كانت لبكاء بارزتين. أي ما حول العنفقة من جانبيها، لم يكن فيه شعر، بل كان في بياض اللؤلؤة. كان عريض الصدر ممسوحه كالمرايا في شدتها واستوائها لا يعدو بعض لحمه بعضًا. وكان قليل الكند وهو مجتمع الكتفين والظهر. ومن قال: كان طويه مسربه الظهر، أراد بها القضاء، والذي في الظهر من أوله إلى آخره.
وفي حديث الهجرة. خرج رسول الله ﷺ ، ليله هاجر من مكة إلى المدينة هو وأبو بكر وعامر بن فهيرة ومولى أبي بكر ودليلهم عبد الله بن أريقط. فمروا بخيمتي أم معبد الخزاعية، فسألوا تمرًا أو لحمًا ليشتروه، فقالت: لو كان لم نعوزكم القرى. فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة في كسر خيمتها فقال: (هذه الشاة يا أم معبد. فقالت: شاة خلفهما الجهد عن الغنم. فقال هل بها لبن؟ فقالت: هي أجهد من ذلك؟ قال: أتأذنين أن أحلبها؟ قالت نعم. بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبًا فاحلبها. فدعا رسول الله ﷺ بالشاة، فمسح ضرعها، وذكر اسم الله وقال: اللهم بارك لها في شاتها. فتفاحت وأدرت وأحبرت، فدعا بإناء لها بربص الرهط، فحلب فيها نجاء فسقاها حتى رويت، ثم سقى أصحابه فشربوا حتى رووا وشرب آخرهم، وقال بباقي القوم آخرهم شربًا فشربوا جميعًا، ثم قعد نهل حتى أراضوا، ثم حلب فيه ثانيًا، فغادره عذبًا، ثم ارتحلوا عنها فقفل. ما لبث أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزًا حبلاً عجافًا، شاؤك هزلى فيجهر قليل، لا بقي لهن. فلما رأى اللبن عجب وقال: من أين لكم هذا والشاة عازبه، ولا حلوب في البيت. فقالت: والله ألا أخه مر بنا رجل مبارك وكان من حديثه كيت وكيت. قال إني والله لأراه صاحب قريش الذي يطلب. صفيه لي يا أم معبد؟ قالت رأيت رجلاً ظاهر الوضأة ملح الوجه حسن الخلق، لم تعيه نحله ولم ير بربه صلعه وسيم قسيم في عينيه دعج وفي أشفاره وطف، وفي صوته ضحل، أحور أكحل أزج أقرن، رجل شديد سواد الشعر، في عنقه سطح، وفي لحيته كثافة، إذا صمت يعلوه الوقار وإذا تكلم سماه البهاء، كان منطقه جهرات نظم يتجرون، جلو المنطق، فصل لا نزر ولا هدر، أجهد الناس وأجملهم من بعيد وأجلاهم وأحسنهم من قريب. ربعة لا تساوه عين من طول، ولا يفتحه من قصر غصن من غصنين، فهو من أنصر الثلاثة منظرًا وأحسنهم قدرًا له رفقا يحفون به. إن قال اجتمعوا لقوله: وإن أمر تبادروا إلى أمره، ولو كب وافقته لالتمست أن أصحبه ولا فعلته إن وجدت سبيلاً إلى ذلك.
следующие страницы →