← Акыда

Акыда · id 18567

المنهاج في شعب الإيمان

الحليمي

Полный текст (1 512 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

فإذا كانت تنتصف ابتداء بها بالتسمية بالكلم والحروف نصفين، فقد وقع بذلك الخروج من عهدة الخبر والله أعلم. وعلى أنه لو ثبت المراد بالحديث أن تنتصف السورة نصفين بالآي، فقد يجوز أن ينتصف بالآي، ويكون نصفه الأول أطول من نصفه الثاني، ألا ترى أن لنا في الشهر إذا لم يجاوز تسعًا وعشرين لم يحل ذلك الشهر من التنصيف غير أنه يكون نصفها خمسة عشر، ونصفها الآخر أربعة عشر، حتى لو قال رجل لامرأته في أول شهر: إذا انتصف هذا الشهر فأنت طالق، طلقت إذا انتصف من أيامه خمسة عشر يومًا، ولو نقص منه يوم لم يبن أن الطلاق كان واقعًا قبل الوقع الذي ذكرنا، وذلك محال. ولو قال لامرأته وقد مضى من الشهر خمسة عشر يومًا إذا مضى شهر فأنت طالق، فمضى من الشهر الثاني خمسة عشر يومًا، طلقت سواء نقص الشهر الأول أو الثاني، أو نقصا معًا أو كملا. فإذا جاز أن يكون الشهر نصفين، وأحدهما أطول من الآخر، جاز أن تكون السورة نصفين وأحدهما أطول من الآخر، والضرورة توجب أن تكون "بسم الله الرحمن الرحيم" من أول فاتحة الكتاب، لأن الله سماها: "السبع المثاني" وأجمع المسلمون على أنها سبع آيات وليس شيء مما يلي قوله المستقيم يصلح أن يكون مقطعًا لأن قوله: "صراط الذين" مع قوله: "أنعمت عليهم" كلام واحد، لأن المعنى: صراط المنعم عليهم، وهذه جملة لا تحتمل التفريق. وقوله: "أنعمت عليهم" ليس فيه من أوصاف المقاطع المعهودة لهذه السورة شيء إلا أنها حروف متحركة قبلها حرف مد ولين. وقوله: "عليهم" آخره حرف ساكن قبله حرف صلة فتحرك. ولو جاز أن يكون ذلك مقطعًا، لجاز أن يكون قوله: "غير المغضوب عليهم" مقطعًا، فتكون هذه السورة من غير "بسم الله الرحمن الرحيم". ثماني آيات. والأمة مجمعة على خلاف ذلك. فثبت أن القول المؤدي إليه باطل والله أعلم. وأما ما عدا فاتحة الكتاب فلا يبين كل البيان أن "بسم الله الرحمن الرحيم" منها. ومن يعتمد في إتيانها من فاتحة الكتاب على خبر أم سلمة، وعلى ما بينا آنفًا لا يقول أنها من فواتح السور كلها. فأما من يقول: إن الاعتماد في نقل إثبات القرآن على النقل العام، وإن المسلمين توارثوا خلفًا عن سلف، أن المصحف جامع القرآن، فكل ما أثبت

стр. 772

فيه على صفة واحدة، فلا جائز أن يفترق أبعاضه. لكن بعضها إذا كان قرآنًا وجب أن تكون جميعها قرآنًا. ووجدنا إثبات "بسم الله الرحمن الرحيم" في المصحف، وإثبات ما بعده إلى آخر الفاتحة بصفة واحدة، وعلى هيئة واحدة، فأوجبنا أن يكون كل من ذلك قرآنًا، حيث أثبت. فإن هذا المحتج لا يجد بدًا من إثباتها في أول كل سورة، والقول بذلك وإن كان يقرب في بعض الصور من طريق أنها كلها فواتح، فإنه يتعدى في بعضها لمباينتها ما يليها من فواتحها. ولا قائل بالفرق في ذلك بين السور والله أعلم. إلا أن الأحسن قراءتها في أول كل سورة ما خلا سورة التوبة، إتباعًا لخط المصحف، ولأنه قد ثبت أنها كانت تنزل مع كل سورة. قال عبد الله بن مسعود لا يعرف فصل ما بين السورتين حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم وكان ابن عمر ﵁ يقرأها بين كل سورتين ولا شك بأن قراءتها أحفظ من حذفها. فالقراءة إذًا أولى، وبالله التوفيق. وأما فضائل السور والآيات، فإن الله امتن على نبيه ﷺ بآية آتاد "السبع المثاني"، والقرآن العظيم، فجاء عن النبي ﷺ أنه قال لأبي بن كعب ﵁ يجب أن أعلمك سورة لم تنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها، قلت: نعم يا رسول الله، قال: كيف تقرأ في الصلاة، فقرأت أم القرآن: فقال رسول الله ﷺ (والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها، وإنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيت). وعن أنس ﵁، قال: كان النبي ﷺ في مسير فنزل، فمشى رجل من أصحابه إلى جنبه، فالتفت إليه النبي ﷺ فقال له: (ألا أخبرك بأفضل القرآن؟ قال: فتلا عليه الحمد لله رب العالمين). وقال النبي ﷺ : (لا صلاة إلا بأم القرآن). وقال (لكل صلاة لا تقرأ فيها فاتحة الكتاب فهي خداج). ذكر سورة البقرة أبو

стр. 773

أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (اقرأوا البقرة فإن آخرها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة). قال معاوية بن سلام: البطلة: السحرة. وعن النبي ﷺ قال: (لا تتخذوا بيوتكم مقابر صلوا فيها، فإن الشيطان ينفر من البيت تقرأ فيه سورة البقرة). وقال أبو ذر ﵁: قلت يا رسول الله بأبي ما أنزل عليك أعظم؟ قال: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم). وقرأ آية الكرسي حتى فرغ منها. وعن النبي ﷺ قال: (إن لكل شيء سنامًا، وسنام القرآن سورة البقرة، فيها آية سيدة أي القرآن "الله لا إله إلا هو الحي القيوم" لا تقرأ في بيت فيه شيطان). سورة الإنعام: قال ابن عباس ﵄ أنزلت سورة الأنعام جملة ليلاً بمكة، ومعها سبعون ألف ملك يحدونها بالتسبيح. وقال سعيد بن جبير ﵁: لم ينزل شيء من الوحي إلا نزل مع جبريل ﷺ أربعة من الملائكة يحفظونه من يديه ومن خلفه، وهو قوله ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم إلا الأنعام، فإنها نزلت معها سبعون ألف ملك. تنزيل السجدة والملك ويس عن جابر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ ، لا ينام حتى يقرأ: ألم تنزيل، وتبارك الذي بيده الملك. وعن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (قلب القرآن يس). وعن معقل بن يسار ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اقرأوها على موتاكم). يعني يس، أي على المحتضرين. حم: عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من صلى بحم الدخان في ليلة أصبح مغفورًا له).

стр. 774

وقال عبد الله بن مسعود ﵁: إذا وقعت في أي حم، وقعت في روضات دافئات وعن النبي: (من قرأ آية الكرسي وآيتين من حم المؤمن، من قرأها حين أصبح يحفظ يومه ذلك حتى يمسي، وإن قرأها حين يمسي حفظ ليلته حتى يصبح). والواقعة عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (من قرأ سورة الواقعة لم تصبه فاقة أبدًا). الملك: عن النبي ﷺ (سورة في القرآن ثلاثون آية، شفعت لصاحبها حتى غفر له، تبارك الذي بيده الملك). الكافرون: عن رسول الله أنه قال لرجل: اقرأ قل (يا أيها الكافرون، فإنها براءة من الشرك) وعنه ﷺ : (من قرأ يا أيها الكافرون فقد قرأ ربع القرآن). سورة القدر: عن أنس ﵁ قال: قال النبي: (من قرأ إنا أنزلناه في ليلة القدر عدلت بربع القرآن). سورة الإخلاص: عن رسول الله ﷺ قال: ("قل هو الله أحد" تعدل ثلث القرآن). وعن أنس بن عمر ﵁ قال: يا رسول الله حببت إلى هذه السورة، يعني "قل هو الله أحد" قال: (حبك إياها أدخلك المعوذتين). عن عقبة بن عامر ﵁ قال: (قرأ رسول الله ﷺ "قل هو الله أحد" حتى ختمها ثم قرأ "قل "قل أعود برب الفلق حتى ختمها، ثم قرأ "قل أعوذ برب الناس حتى ختمها، ثم قال:

стр. 775

(ما تعوذ أحد بمثلهن). وعنه ﷺ قال: (ما يقرأ شيء أبلغ عند الله من "قل أعوذ برب الفلق". فصل إن سأل سائل عن المفاضلة بين السور والآيات قيل له: قد روينا عن النبي ﷺ أنه قال لأنس ﵁: (إلا أبشرك بأفضل القرآن فذكر فاتحة الكتاب). ومن قبل فقد قال الله :﴾ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ﴿. فثبت بذلك جواز كل واحد من القولين. ومعنى ذلك يرجع إلى أشياء: أحدها أن تكون اثنان اثنان في التلاوة إلا أن إحداهما منسوخة، والأخرى ناسخة. فيقال: إن الناسخة خير، أي العمل بها أولى بالناس وأعود عليهم وعلى هذا يقال آيات الأمر والنهي والوعد والوعيد، خير من آيات القصص والوعود، لأن القصص إنما أريد به تأكيد الأمر والنهي والإنذار والتبشير، ولا غناء بالناس عن هذه الأمور. وقد يستغنون عن القصص فكان ما هو أعود عليهم وأنفع لهم مما يجري مجرى الأصول خيرًا لهم، مما يجعل تبعًا لما لابد منه. والآخر أن يقال: أن الآيات التي تشتمل على تعديد أسماء الله تعالى وبيان صفاته، والدلالة على عظمة وقدسه أفضل أو خير، بمعنى أن يتمين أنها أسنى وأجل قدرًا. والثالث أن يقال سورة وآية خير من آية، بمعنى أن القارئ يتعجل له بقراءتها الإحتراز مما يخشى بالله جل ثناؤه، وينادى بتلاوتها منه لله تعالى لما فيها من ذكر الله تعالى بالصفات العلى على سبيل الاعتقاد لها، وسكون النفس إلى فضل ذلك الذكر ويمنه وبركته. أما آيات الحكم فلا تقع نفس تلاوتها إقامة الحكم فإنما يقع بها علم وإذكار فقط. فكان ما قدمناه قبلها أحق باسم الخير والأفضل والله أعلم.

стр. 776

ثم لو قيل في الجملة: إن القرآن خير من التوراة والإنجيل والزبور، بمعنى أن التعبد بالتلاوة والعمل واقع به دونها، والثواب تجب بقراءته لا بقراءتها، وإنه من حيث الإعجاز حجة النبي المبعوث به. وتلك الكتب لم تكن معجزه، ولا كانت حجج أولئك الأنبياء، بل كانت دعوتهم، والحجج غيرها، لكان ذلك أيضًا نصير ما مضى ذكره والله أعلم. وقد يقال: إن سورة أفضل من سورة، لأن الله تعالى عند قراءتها كقراءة أضعافها مما سواها، وأوجب بها من الثواب ما لم يوجب بغيرها، وإن كان المعنى الذي لأجله بلغ بهما هذا المقدار لا نظير لهما، كما يقال: إن يومًا أفضل من يوم، وشهر أفضل من شهر، بمعنى أن العبادة فيه تفضل على العبادة في غيره، والذنب يكون أعظم في غيره، كما يقال: أن الحرم أفضل من الحل، لأنه يتأدى فيه من المناسك، ما لا يتأدى في غيره، والصلاة فيه تكون كصلاة متضاعفة مما يقام في غيره والله أعلم. وأما الاستشفاء بالقرآن، فلأن النبي ﷺ أخبر أن خاتمة القرآن المعوذات، وإن الخلق لم يتعودوا بمثلها. وقد ثبت في الجملة إن الكلام ما يستشفى به. فقد أخبرت عائشة ﵂ أنها كانت تعوذ رسول الله ﷺ في مرضه فتقول: اللهم أذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، اشف شفاء لا يغادر سقمًا. وأن جبريل صلوات الله عليه جاء إلى النبي ﷺ وهو يشكو، فقال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك والله يشفيك، بسم الله أرقيك. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من مريض لم يحضر أجله تعوذ بهؤلاء الكلمات: (بسم الله العظيم أعيذ، بالله العظيم من شر ما يجد، سبع مرات إلا شفاه الله). فإذا كان هذا هكذا، فإن القرآن الذي لا كلام أشرف منه ولم ينزله الله إلا ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور، ويتقدم به من النار، بعد أن كانوا على شفا حفرة منها ويهديهم به إلى الجنة، التي منها الحياة الدائمة، والراحة التامة من كل خوف وحزن،

стр. 777

أولى أن يشتفى به ويتبرك بقراءته، وقد سماه الله شفاء، فقال:﴾ وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ﴿. وقال:﴾ يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ﴿. فما كلام أولى بأن يكون فيه الشفاء من هذا الكلام. وقد روى عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية، فمررنا على حي من أحياء العرب، فاستضفناهم فلم يضيفونا، فنزلنا بالعراء فلدغ سيدهم فأتونا، فقالوا: هل منكم أحد يرقي؟ فقلت: أنا أرقي. قال: فارق صاحبنا فقلت: لا، فقد استضفناكم فلم تضيفونا. قالوا: إنا نجعل لكما جعلاً، فجعلوا اثنتين من الشياه، قال: فأتيت. وجعلت أمسحه وأقرأ فاتحة الكتاب، وأرده وأقفل حتى برأ. فأخذنا الشياه وقلنا: ما نحن بالذي نأكلها حتى نسل رسول الله ﷺ ، فأتيناه فذكرنا ذلك له. فجعل يقول: (وما أدراك أنها رقية، فقلت: يا رسول الله، ما دريت لكنه شيء ألقاه الله في نفسي. فقال رسول الله ﷺ : (كلوا واضربوا لي معكم بسهم). وجاء عن المتقدمين في أبواب الإحترازات من المخاوف والاستشفاء من الأمراض بآيات القرآن ما قد عرف وأثبت في الكتب وجرب فنجع، واختبر فنفع، فكان ذلك أحد الدلائل على أن القرآن من عند الله تعالى جده، ولو لم يكن كذلك لفترت قراءته ولم ينفع. وأما تقطيع القرآن آية آية، فإنه أولى عندنا من تتبع الأغراض والمقاصد والوقوف عند انتهائها، لما جاء عن أم سلمة ﵂، أن رسول الله ﷺ كان يقطع قراءته آية آية: "بسم الله الرحمن الرحيم" آية، "الحمد لله رب العالمين" آية "الرحمن الرحيم" آية، "مالك يوم الدين" آية، "إياك نعبد وإياك نستعين" آية، "إهدنا الصراط المستقيم" آية، "صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين" آية في هذا الحديث دلالات: أحدها أن أم سلمة لم تقل أن رسول الله ﷺ يقطع قراءة فاتحة الكتاب آية آية،

стр. 778

وإنما قالت: كان يقطع قراءته، فدخل في ذلك جميع ما كان يقرأه من القرآن، وإنما ذكرت فاتحة الكتاب لتبين صفة التقطيع، أو لأنها أم القرآن، يغني ذكرها عن ذكر ما بعدها، كما تغني قراءتها في الصلاة عن قراءة غيرها، لجواز الصلاة. وإلا فالتقطيع عام بجميع القراءة. هذا ظاهر الحديث وبالله التوفيق. والدلالة الثانية: أن أصحاب المعاني قالوا: معنى باسم الله، أو ابدأ باسم الله. وإذا كان كذلك، اقتضى هذا القول ما بعده، ولم يكن مبتدأ بنفسه، لأن المبتدأ به، لابد له من شيء يتلوه. فيكون الأول بدءًا لما يثنى عليه. وفي هذا ما أبان أن قول القارئ "بسم الله الرحمن الرحيم" يقتضي ما بعده وهو "الحمد لله رب العالمين". ومع هذا فقد قطع رسول الله ﷺ قراءة "بسم الله الرحمن الرحيم" لما عدها آية، عن قراءة "الحمد لله رب العالمين". فبان بذلك أنه لا ينتظر بالقطع تمام الكلام من نحو المعاني، وإنما ينتظر به انتهاء الآية، والله أعلم. والدلالة الثالثة: إن قوله "صراط الذين أنعمت عليهم" ليس بكلام مستأنف ولكنه تفسير للصراط المستقيم. وقد ثبت بهذه السنة، أن المستقيم موضع وقف. فثبت بذلك أن الوقف يختص بانتهاء الآية، لا باستتمام العرض. فإن قيل: إن النبي ﷺ إنما قطع الفاتحة آية آية، لأن لكل آية منها غرض ينتهي بانتهائها، فأخبر أن الله جل ثناؤه يقول: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: "الحمد لله رب العالمين" قال: حمدني عبدي، وإذا قال العبد: "الرحمن الرحيم"، قال الله: أثنى علي عبدي. وإذا قال العبد: "مالك يوم الدين"، قال الله: مجدني عبدي، وإذا قال العبد: "إياك نستعين"، قال الله: هنيئًا لي ولعبدي، وإذا قال: إهدنا الصراط المستقيم إلى آخره، قال الله: هذا لعبدي ما سأل). فكان الوقف على كل آية من الفاتحة لهذا المعنى، لا لأن أواخر الآيات مقاطع حسنة بكل حال. فالجواب: إن الوقف على إعجاز هذه الآيات لو كان، لأن لكل آية من غرض ينتهي بانتهاء لوقف النبي ﷺ على قوله : "إياك نعبد" لأن النصف الذي لله تبارك

стр. 779

وتعالى، ينتهي إلى هذا الحد. فلما كان ما ذكرت نهاية أحد النصفين، ثم لم يقف عليه، علمنا أنه لم ينظر إلى انتهاء الغرض، وإنما ينظر إلى انتهاء الآية. وإن غرض كل آية، وإن كان ينتهي بانتهائها، فلم يكن الوقف عندها لانتهاء الغرض، لكن لانتهاء الغرض، لكن لانتهاء نفسها والله أعلم. والنظر يدل على ما دلت عليه السنة، لأنه لما لم يكن إلى سرد القراءة سبل، ولم يكن بد من مقطع، فهو أحد أمرين، إلا أن يجعل العبرة لانتهاء الغرض، أو لانتهاء الآية. فكان انتهاء الآية لقطع القراءة عنده أولى، لأن الله تعالى فصل القرآن، وأنزله فصولاً. فكان ما جعله الله تعالى فواصل بنفسه، وهي إعجاز الآيات أولى بأن يتخذ مقاطع مما يحتاج فيه إلى الاجتهاد، والمكلف وكان من وقف عند انقضاء الآية فقد قطعها الله ﵎، وفي تجاوزها إلى بعض الآية التي تتلوها أو وقف قبل انقضائها أحدث للقرآن فصولاً سوى الفصول التي جعلها الله تعالى له، ورضيها لكلامه، وعمد إلى ما قطعه الله ووصله، وإلى ما وصله فقطعه. ومن أنصف علم أن هذا ليس بموضع الاستحباب والله أعلم. وأيضا فإن تفضيل القرآن واقع الآي والسور، لا خلاف في أن انتهاء السورة موضع وقف حسن. فالقياس على ذلك أن يكون انقضاء الآية موضع وقف حسن. وأيضًا فإنا وجدنا انقضاء السورة لا يكون إلا عند انقضاء السورة، لا تكون إلا عند انقضاء الآية. وما وجدنا سورة نقضت خلاف آية، ووجدناها تنقضي قبل استبقاء الغرض المقصود بها. وأجمعوا على أن انقضاء السورة مسوغ للوقف، فعلمنا أن المراعي في الوقف انقضاء الآية، لا انقضاء الغرض. وأيضا فإن القرآن إن لم يكن شعرًا ولا في وزن الشعر، فإنه منظوم ويقطع كما أن الشعر منظوم متقطع، وما يثبت من إثبات الشعر إلا والوقف عند انقضائه ليس مما يعاب به المنشد بل هو أحسن من الموقف على انقاء الآيات وإدراج القوافي وسردها، وكذلك ما آية من الآيات إلا والوقف عندها لا يعاب به القارئ، بل هو أحسن من الوقف خلال الآيات، أو إدراج الفواصل وظهورها والله أعلم. فإن قال قائل: ما أنكرت إن ما ذكرت حجة عليك، لأن القرآن بعد الكلام

стр. 780

من الشعر، والوقف على فواصل الآيات، كما لو وقف على قوافي الأشعار شبيه القرآن بالشعر. والجواب: إن هذا وإن خالف ما روته أم سلمة ﵂، عن رسول الله ﷺ ، هي تقطيعه القراءة آية آية، فهو متروك به ومرفوض لأجله. وجواب آخر: وهو أن القرآن مباين للشعر، بعيد منه من حيث أن الشعر كلام الشاعر والقرآن كلام الله ، ومن حيث أن القرآن معجز لا يشبه نظمه نظم الشعر ولا الخطب والرسائل، والشعر ليس بمعجز لكنه معهود مألوف أخذه الناس بعضهم من بعض، فيشعر الواحد بعد أن يكون شاعرًا، كما يتأدب بعد إن لم يكن أديبًا. ومن حيث أن الشعر كلام يغلب المجاز فيه على الحقيقة، والكذب على الصدق، والهزل على الجد، والقرآن كله حق وصدق وفضل، ليس بالهزل، كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. وأما القرآن كلام مقطوع لا منثور، ومفصل غير مسرود، والشعر منظوم أيضًا، وليس بمنثور، ليس بالذي ينكر أو بعض من القرآن، لأنهما لو لم يكونا جميعًا منظومين لما أمكننا أن نقابل بينهما. فعلم أن نظم القرآن مباين لنظمه. فإن المقابلة لا تقع إلا من شيئين مشتركين في وصف، فيقابل بينهما ليعلم أنهما في استحقاق ذلك الوصف على السواء. أو الثابت فيه لأحدهما فيه رجحان، وفضل على الثابت منه للآخر كالحيين، يقابل بينهما ليعلم أن حياة أحدهما كحياة الآخر وليست مثلها، فيتوصل ذلك إلى معرفة أن حياة الحيوان ليست كحياة الأشجار الرطبة. والعاقلين يقابل بينهما ليعلم أن عقل أحدهما كعقل الآخر أو ليس مثله. فيتوصل بذلك إلى معرفة أن عقل الإنسان ليس كعقل ما يوصف بالتمييز والاختيار من الدواب والطائر. والمصوتين يقابل بينهما ليعلم أن صوت أحدهما كصوت الآخر، أو ليس مثله، فيتوصل بذلك إلى معرفة إن كلام الناس ليس كمنطق الطير، وكذلك لما وجدنا القرآن منظومًا لا منثورًا، والشعر والخطب والرسائل منظومة لا منثورة، قابلنا بينه وبينها، ليعلم لنظمه نظمها أو المباين لها. فتوصلنا بهذه المقابلة إلى معرفة أن نظمه ليس كنظم كلام الناس. وفي هذا بيان أن الوقوف على إعجاز الآيات أن أشبه الوقوف على إتيان القصائد، فذلك لا ينقص من القرآن ولا يجعله شبيهًا بالشعر والله أعلم.

стр. 781

ويبين ما قلنا أن القاريء وإن لم يقف على فواصل الآيات، فإن الفواصل لا تصير عدمًا. فلو كان الوقوف على الفواصل يجعل القرآن شبيهًا بالشعر، لكان وجود الفواصل للقرآن قد جعله شبيهًا بالشعر. وإذا لم يكن وجودها له مشبهًا إياه بالشعر، فكذلك الوقوف على أواخر الآيات إن كان يشبه الوقوف على قوافي القصيد. فالوقوف عندتنا هي الأغراض يشبه الوقوف إيتاء الرسالات والمحاورات، لأن العادة أن من أدى إلى آخر كلام في معاني وأغراض شيء، فإنه يلقيه إليه فصلاً فصلاً، وكلما استوفى غرضًا وقف، ثم أخذ فيما سواه. والقرآن كما لا يشبه الشعر لا يشبه رسالات الناس ومحاوراتهم، فليتق من يشبه بها ما أوجب المعترض إيفاءه ممن يشبهه بالشعر والله أعلم. وأيضا فإن الله قال بما وصف كتابه لنبيه صلوات الله عليه:﴾ ولقد أنزلنا إليك آيات بينات ﴿فأخبر جل ثناؤه أن آيات القرآن بينات، ولم يفصل بين جهة وجهة، فهي بينات من كل وجه. فمنها أنها واضحات في الدلالة على ما أريد بها. ومنها أنها بينات أي بينات عن كلام البشر، ومنها أنها بينات بمعنى أن كل آية فهي بائنة عن صاحبها لا تختلط بها ولا تتحد معها، فمن وصل عند القراءة آية آية، فقد سلبها وصفها الذي وصفها الله تعالى به. ومن وقف عند أخرها فقد جلاها حليتها ووقر عليها صفتها التي أثبتها الله تعالى لها. فبان أن الوقف أولى من الوصل والله أعلم. فإن النبي ﷺ وأصحابه من بعده ما جزأوا القرآن إلا إلى الآيات والسور، وليس يحفظ عنه ﵇، ولا عن أحد من أصحابه بجزاء انتهاء الأغراض للوقف. ولا روى عنه ذلك ولا عنه في خبر صحيح ولا معلوم. وقد علمنا أنهم لم يكونوا بحسن من الوقف بدًا، فلما لم ينقل عنه في غيره تواصل الآيات شيء، علمنا إن الوقف إنما كان يقع منهم عند الوصل والله أعلم. وأيضًا فإن قوله :﴾ لإيلاف قريش ﴿متصل بقوله تعالى﴾ فجعلهم كعصف مأكول ﴿، وأجمع المسلمون على أن الوقف عند قوله "كعصف مأكول" أليس يفتتح، وكيف يقال أنه نسخ؟ وهذه السورة تقرأ في الركعة الثانية،

стр. 782

فيتخللها مع قطع القراءة الركوع والقيام بعده، وسجدتان بينهما جلوس، والقيام إلى الثانية وقراءته فاتحة الكتاب. وليس في العلماء أحد يكره ذلك. وما كانت العلة فيما ذكرت إلا أن قوله ﴾ كعصف مأكول ﴿انتهاء آية، فالقياس على ذلك أن لا يمنع الوقف عند إعجاز الآيات، سواء كان الكلام يتم والغرض ينتهي، أو لا يتم ولا ينتهي والله أعلم. وأيضًا فإن الفواصل حلية الكلام، وزينة للمنظوم، ولولاها لم يتبين المنظوم من المنثور، ولا حقًا بأن الكلام المنظوم أحسن من المنثور، فثبت بذلك الفواصل من محاسن الكلام المنظوم، فمن قرأه فأظهر فواصله بالوقوف عليها، فقد أبدى محاسن من ترك الوقف عليها، ووصل بها ما بعدها فقد أخفى تلك المحاسن وكتمها، وشبه المنظوم بالمنثور، وذلك إخلال بحق المقرر. فإن سأل سائل عن الآية الطويلة التي ينقطع عليها قياس، وإنما الكلام فيمن يختار لقراءته مقطعًا، وأن الأولى به أن يراعي انتهاء الآية وانتهاء الغرض، فأما من لا يمكنه المضي في القراءة لانقطاع نفسه فهو بمعزل عن هذا الكلام. فإن قيل: كيف يصنع إذا ضاق النفس وانقطع؟ قيل: يقف حيث انتهى نفسه فإن خاف أن ينقطع نفسه خلال كلمة وقف قبل أن يفتتحها لأنه إن لم يقف حتى افتتح الكلمة، فانقطع نفسه خلالها احتاج إلى أن يستأنفها، إذا عاد إلى القراءة، فإن الكلمة الواحدة لا تحتمل التفريق. وأما إذا انقطع نفسه مع تمام كلمة، إلا أنها كانت من الأدوات والصلات أو اسمًا ناقصًا مثل ذو وهن ومن وما، فحسن إذا ابتدأ أن يعيدها كأنه قرأ:﴾ أفمن يمشي مكبًا على وجهه أهدى ... ﴿وانقطع نفسه. فإذا ابتدأ قال:﴾ أمن يمشي سويًا على صراط مستقيم ﴿. وإن قرأ:﴾ إن الله عزيز ذو ... ﴿وانقطع نفسه، فإنه إذا ابتدأ قال:﴾ ذو انتقام ﴿. وإن قرأ:﴾ ولبثوا في كهفهم ﴿فانقطع نفسه، ثم يبتدئ: (فهم) لا يكسر الهاء ولا يضمها، وإنما يبتدئ في كهفهم لأن

стр. 783

الهاء والميم من الأسماء الناقصة. فإذا اتصلت بما قبلها لم تميز عنه، فإذا اتصلت بما بعدها لم يميز عنها أيضًا. فلو قرأ:﴾ يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم ... ﴿وانقطع نفسه ابتدأ وقال:﴾ ولا هم يذكرون ﴿. وإن قرأ كلمة من الأسماء التامة المعودة عن الصلاة والأفعال المفردة، وانقطع نفسه، ابتدأ بما بعدها، ولا يضره أن يكون أحد الكلامين متصلاً بالآخر في المعنى بأن قرأ:﴾ ولو شاء ربك لذهب ... ﴿فانقطع نفسه، ابتدأ﴾ إن الله ﴿. ولو قرأ:﴾ وإذ قال ربك للملائكة إني ... ﴿فانقطع نفسه، ابتدأ فقال:﴾ جاعل ﴿ولا يعيد إني كما يعيد أن، لأن (إن) صلة بما انفرد عما حصلت صلة له، وإني كلام تام، لأن (إن) التي هي صلة، فقد اتصلت بالباء التي هي أسلم للمخاطب، فتمت الكلمة. ولو قرأ:﴾ إني جاعل في ... ﴿فانقطع نفسه، ابتدأ فقال:﴾ في الأرض ﴿ولو كان قرأ﴾ في الأرض ﴿فذهب نفسه، لابتدأ فقال:﴾ خليفة ﴿لأن اسم الذي وقف عليه تام مفرد عن الصلات. ولو قرأ﴾ قالوا أتجعل فيها ... ﴿. وانقطع نفسه لم يعد فيها، لأن في التي هي صلة تقيدت بالهاء والألف اللتين هما كناية الأرض، فتمت الكلمة. ولو كان النفس عند قوله﴾ أتجعل فيها من ﴿لأعاد﴾ من ﴿إذا ابتدأ، وعلى هذا، هذا الباب والله أعلم. فإن قال قائل: إن الوقف على فواصل الآيات يؤدي إلى الابتداء بما لا يجوز أن يتكلم به إلا موصولاً بما يخلص من عهدته، أو الوقف على ثباته، وذلك إن قول الله :﴾ ألا إنهم من إفكهم ليقولون ﴿. آية تامة، فإذا وقف القارئ عليها يحتاج إلى أن يبتدئ من قوله:﴾ ولد الله ﴿. وذلك مما يجوز أن يتكلم به على الإنفراد. ولذلك قوله :﴾ وإنكم لتمرون عليهم مصبحين ﴿فإن الوقف عليه، ولا يبدأ

стр. 784

من قوله ﴾ وبالليل أفلا تعقلون ﴿. توهم أن يكون المعنى أفلا يعقلون بالليل، وذلك غير ما أريد بالآية. فوجب أن يبقى ما يجليه ويؤدى إليه. فالجواب: إن قارئ القرآن ليس بمتكلم عن نفسه، وإنما هو يؤدي عن غيره كلامًا يقطعه أو وصله أو سرده، فإن حكمه لا يتغير بذلك. فإن رجلاً لو شهد عند حاكم فقال: أشهد إني سمعت فلانًا يقول: امرأتي فلانة طالق أو لفلان علي مائة درهم، أو يقول لعبده هذا: أنت حر فسرد شهادته أو فصلها تفصيلا لم تخل شهادته من الصحة، إذا كانت بصلة بين الكلام، والكلام لا يزيد على ما بنفس المستفسر، فكذلك من أدى عن الله قوله:﴾ ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله ﴿فسرد ذلك كله سردًا، أو فصله تفصيلاً لم يخل من أن يكون مؤديًا عن الله ، فلا يقع المؤدى منه إلا على الوجه الذي أراده المؤدى عنه، ولا يكون المؤدي متكلمًا عن نفسه فيغيره الابتداء بها، لا يجوز أن يتكلم به إلا موصولاً بما لا يدخل في عهده والله أعلم. وتؤكد هذا أنه لا خلاف بين المسلمين في أن القارئ إذا وقف على قوله﴾ ليقولون ﴿وابتدأ﴾ ولد الله وإنهم لكاذبون ﴿. لم يكفر، وإن كان من يفهم المعاني لم يجعل قوله:﴾ ولد الله ﴿خبرًا وكلامًا لنفسه. فلو كان الوقف بغير النفي لكان العامد لذلك يكفر. وأيضًا فلا خلاف في أن رجلاً لم يحسن من القرآن شيئًا إلا هذه الآية وهي قوله﴾ ولد الله وإنهم لكاذبون ﴿وجب عليه قراءتها في الصلاة، فلو كانت كفرًا لم يجز اللفظ بها فضلاً من أن تجب قراءتها، فتجوز الصلاة بها ويجب للمصلي أجرها والله أعلم. وجواب آخر: وهو أن الابتداء من قوله﴾ ولد الله ﴿إن كان لا يصلح بالإطلاق، ولا من قوله﴾ وبالليل ﴿. فلذلك الابتداء بحرف التعليل لا يصلح إذا كان لا يذكر بعده ما هو علة له. فإن العرب لا تبتدئ فتقول لتكرمني حتى تقول قبله إنما جئتك أو تقول: ما جئتك أو شيئًا يشبه ذلك. وقد صلح الابتداء بالقرآن بقوله :﴾ لإيلاف قريش ﴿يعني أنه ليس كلام ينشئه الهادي من نفسه، وإنما هو كلام

стр. 785

يؤديه عن ربه جل ثناؤه، فكذلك عامة ما أنكر السائل الابتداء منه بالقول فيه على هذا المعنى والله أعلم. فإن قيل: ما أنكرت أن الابتداء من﴾ لإيلاف قريش ﴿يجعل قوله ﴾ فجعلهم كعصف مأكول ﴿. من طريق الإضمار، فيكون كأنه قال: وإنما جعلهم كذلك لائتلاف قريش. قيل: أيتعذر أن يقال مثل هذا في الابتداء من﴾ ولد الله ﴿فيقال: إن قولهم﴾ في إفكهم ﴿يصير كالمعاد من طريق الإضمار، فيكون كأنه قال: وقولهم﴾ في إفكهم ﴿هو هذا، ويجعل لمن في الإضمار معاد، مثل﴾ وبالليل ﴿فيصير كله قبل، ويمرون بالليل بل هذا أبين، لأن الواو للعطف، فهو أن يشرك الليل مع النهار في المرور، وهذا إن كان الضمير محتاجًا إليه، ولا حاجة لأن القارئ يؤدي كلام ربه ، فلا ينقلب ذلك خير أمته عن نفسه بالا إن يرفض قراءة القرآن، ويظهر النية كما يقول: "بسم الله الرحمن الرحيم" عند افتتاح عمل. (والحمد لله رب العالمين) عند الفراغ منه، لا يزيد بذلك القرآن، فلا يكون قارئًا والله أعلم. فإن قال قائل: أجمعنا على أن تقطع الكلمات لا مستحب، فما أنكرت أن تقطيع الآيات كذلك؟ الجواب: أن النبي ﷺ كان يقطع قراءته آية آية، كما روت أم سلمة ﵂، ولم يكن يقطعها كلمة كلمة فبطل أن تكون الآيات كالكلمات. وجواب آخر - هو أن تقطيع الكلمات يلبس ويذهب نسجها، وتقطيع الآيات يبين نظمها ويظهر حسنها وبهجتها فافترقا. ألا ترى أن تقطيع البيت من الشعر كلمة كلمة يعمي نظم القصيدة ويذهب بهاه، وتقطيع القصيدة أبياتا يظهر نظمه ويبدي حسنه وبهاه، فلذلك ما قلنا والله أعلم. فإن قالوا: الوقف عند تناهي الأغراض يقرب معاني القرآن من إفهام السامعين فما ذكرت إن ذلك أولى من الوقف على فواصل الآيات.

стр. 786

الجواب: أن هذا رأي يخالف النص الثابت عن رسول الله ﷺ في تقطيعه القراءة آية آية، وما خالف النص من الآراء فمردود. وأيضًا فإن كثيرًا من معاني القرآن إنما اعتاص إدراكها، إما للألفاظ التي وقفت العادة عنها بها، وإما من قبل النظم، ثم لا يجوز لتزاحم العريض بالسهل، وتزايل النظم لتقريب المعاني إلى إفهام السامعين، بل يجب المحافظة على اللفظ والنظم المنزلين لتسلم وتتحقق قراءة القرآن، فكذلك المقاطع المنزلة لا تترك إلى غيرها لتقريب المعاني من إفهام السامعين والله أعلم. وجواب آخر: وهو أن السامع لا يخلو من أن يكون متسعًا لإدراك المعاني والأغراض بدربته في اللسان وفصل فطنته لتصاريف الكلام أو لا يكون متسعًا لذلك، وإنما يحتاج إلى تعلم أو تفهم. فإن كان بالوصف الأول: فسواء سمع القرآن مقطع الآيات أو مفصل الأغراض، فإنه يدرك المراد، ويستبصر بالمعنى، وإن كان بالوصف الآخر: فسواء أيضًا سمع القرآن بعد هذا التقطيع، أو ذلك التقطيع، فلا غنى به عمن يعرفه سوء تفهمه، فبطل أن يكون في الوقف عند انتهاء الغرض التي ادعاها السائل والله أعلم. وجواب آخر: وهو أن الوقف عند انتهاء الغرض إن كان لتقريب المعنى على من سمع، فيكره في الصلاة ولا يلتحق بمعاني التعليم ولا يصلح التعليم والتفهيم في الصلاة وبالله التوفيق. فإن قال قائل: روى عن ابن جريح أنه قرأ، إنما يعلمه بشر، ثم ابتدأ فقال:﴾ لسان الذين يلحدون إليه أعجمبي، وهذا لسان عربي مبين ﴿. وقرأ﴾ وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ﴿يقولون: وهذا يدل على أنهم كانوا يعتبرون في الوقف المعاني لا فواصل الآيات. فالجواب: إن هذه الحكاية عن ابن جريح خاصة، وبينه وبين النبي ﷺ من قرأ من الصحابة والتابعين عدد لا يحصيهم إلا الله تعالى. فلو كان في هذا الباب عن أحد شيء لنقل

стр. 787

كما نقل عن ابن جريح قوله: ولو كان ابن جريح أخبر ما جاء عنه بخبر عنده ممن فوقه، لم يكتمه، ولا خبر به، لأن كتمان خبر من الأخبار والديانات جناية وغلول. وهو عند المسلمين من العدول. ثم إن في وقوع النص على هذه المواضع الثلاثة دليل على أنها قصدت قصدًا أو خصت بالوقوف عندها، ولو كانوا يتبعون في عامة الوقف الغرض والمعاني، لم يكن لتخصيص هذه الأحرف الثلاثة بالذكر معنى ولا فائدة. وإذا كان كذلك كان لنا أن نعارض المحتج ما جاء في هذه الآيات الثلاث عن ابن جريج، بأن ما عداها لم يكن الوقف فيها مأخوذًا من قبل المعاني والأغراض، وجب أن تكون هذه الثلاث كذلك والله أعلم. وأما التكثر بالقرآن والفرح به، فإن الله يقول لنبيه ﷺ :﴾ وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة، وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيمًا ﴿. وقال لنساء النبي:﴾ واذكرن نعمتي عليك وعلى والدتك ﴿وقال:﴾ وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ﴿. وسمى القرآن نورًا وسماه شفاء ورحمة، وسماه مباركًا وهدى فمن أنعم به عليه ويسره له ليعلمه ويقرأه، فقد أشركه مع نبيه ﷺ في عمله، وإن كان لم يشركه معه في جهة الإيتاء والتعليم، فإن لم يعظم المنعم عليه هذه النعمة، ولم يكن عنده أكبر وأسنى قدرًا من الأموال والأولاد، فهو من أجهل الجاهلين، قال رسول الله ﷺ فيما يروى عنه: (من قرأ ربع القرآن فقد أوتي ربع النبوة، ومن قرأ ثلث القرآن، فقد أوتي ثلث النبوة، ومن قرأ ثلثي القرآن فقد أوتي ثلثي النبوة، إلا أنه لا يوحي إليه). ويحتمل أن يكون معنى أوتي النبوة أي جمع في صدره ما أنزل على نبيه، لكن لا يوحى إليه فيجوز أن يدعي أنه نبي الله. وأما ترك المباحات بقراءة القرآن، فلما روى أن رجلاً جاء إلى أبي هريرة ﵁ فقال: حدثني حديثًا سمعته من النبي ﷺ حفظه قلبك ووعاه سمعك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أول الناس يدخل النار يوم

стр. 788

القيامة ثلاثة: يؤتى برجل فيقول: أي رب علمتني كتابك وقراءته آناء الليل والنهار، رجاء ثوابك وجنتك فيقال كذبت، إنك كنت تقرأ وتصلي ليقال: أنه قارئ ومصلي، وقد قيل: اذهبوا به إلى النار) وأيضًا فإن قراءة القرآن عبادة، والمباهاة بها مراءاة والرياء فيها كالرياء في غيرها من العبادات والله أعلم. وأما أن لا يستأكل بالقرآن، فقد جاء فيه عن رسول الله ﷺ أنه قال (تعلموا القرآن فإذا علمتوه، فلا تأكلوا به، ولا تستكبروا به ولا تخفوا فيه ولا تعلوا فيه). وعن رسول الله ﷺ قال: (تعلموا القرآن وسلوا الله به الجنة). قيل: أن يتعلمه قوم يسألون به الدنيا، فإن القرآن يتعلمه رجل يباهي به ورجل يستأكل به، ورجل يقرأه كله. وقال الحسن ﵁: كنت امشي مع عمران بن الحصين ﵁ فانتهى إلى رجل يقرأ سورة يوسف، فجلس إلى جنب حائط ونحن معه، ثم سأل الناس فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (اقرأوا القرآن وسلوا الله به، فإن بعدك اقوامًا يقرأون القرآن يسألون به الناس). وروى أن أبي بن كعب ﵁ كان يختلف إلى رجل بالمدينة يقرئه القرآن، فإذا فرغ من قراءة يومه ذلك، دعا له بطعام، فحل في نفسه منه شيء، وأتى رسول الله ﷺ يسأله فقال: (إن كان ذلك طعامه الذي يأكل ويأكل أهله فكل، وإن كان طعامًا يخصك به فلا تأكل). ومعنى هذا - والله أعلم - أنه كره أن يلزمه بالاختلاف إليه مؤونة، وحمل الأمر على ما يقدمه إليه، على أنه عسى يتذمم من أن يحضره، فيبقي عنده إلى وقت الغداء ثم ينصرف ولم يطعم عنده شيئًا. وأشفق من أن يطيب له ذلك، إذا كان الحياء هو الذي بعثه عليه، فقال له رسول الله ﷺ : (إن كان ذلك طعامه الذي ياكله ويأكل أهله فكل) فإنه شيء أخرجه من قلبه لأن يؤكل، وإنما أنت كأحد

стр. 789

الأضياف. وإن كان طعامك يخصك به فلا تؤمن من أن يكون كما ظننت وقدرت فلا تأكل، وهذا تنزيه. ولو كان على وجه التحريم لاستوى الطعامان، لأن الذي يقدمه إليه، وإن كان طعامه وطعام أهله، فهو شيء من ماله يصرفه إليه ويرفقه به لما لم ينهه عن ذلك. علمنا أنه أراد بهذا التفضيل أن يبين لأبي أن الذي حل في صدره إنما يليق بأحد الطعامين دون الآخر، وليس ذلك من معاني التحريم والله أعلم. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سيجيء على الناس زمان يسأل فيه بالقرآن فإذا سألوكم فلا تعطوهم. وقال ميمون بن مهران: يا أصحاب القرآن لا تتخذوا القرآن بضاعة تلتمسوا به السف من الدنيا يعني: الريح - واطلبوا الدنيا بالدنيا والآخرة بالآخرة. وصلى عبد الله بن معقل بهم في رمضان، فلما كان بعد الفطر أرسل إليه عبيد الله بن زياد خمسمائة درهم وحلة فردها، وقال: إنا لا نأخذ على كتاب الله أجرًا. وقال زادان: من قرأ القرآن ليستأكل به الناس، جاء يوم القيامة ووجهه ليس فيه لحم. وأما أنه لا يقرأ في الحمام، فلما روى عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: شر البيت الحمام ينزع من أهله الحياء، لا يقرأ فيه القرآن. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه كره قراءة القرآن في الحمام. وعن جماعة من التابعين مثل ذلك، والقراءة في الكيف والمواضيع القذرة مكروه أشد من كراهيتها في الحمام. ألا ترى أنا بكره القراءة لمن أكل ثومًا أو بصلاً أو كراتًا، ونأمر القائم من النوم الطويل اللازم أن يستاك وينظف فاه قبل أن يقرأ القرآن، لئلا تخالط الريح الكريهة قراءته. فالقراءة في النجس أولى بالكراهية، والقراءة في حال قضاء الحاجتين كذلك، فإن النبي ﷺ يرد السلام على من سلم عليه وهو يبول. وقال له بعد ذلك: (إذا رأيتني على هذه فلا تسلم علي، فإنك إن سلمت علي لم أردد). فإذا كان رد السلام يحاشى في حال البول، فقراءة القرآن أولى أن تكرم وتعظم والله أعلم.

стр. 790

وأما ترك التعمق في القرآن، فقد جاء عن سهل بن سعد ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نقرئ بعضنا بعضًا، فقال: (اقرأوا قبل أن تجيء أقوام يقرأونه، يقيمونه كما يقام المدح لا تجاوز تراه فيهم، يتعجلون أجره ولا يتأجلونه). وقال حذيفة ﵁: اقرأ الناس للقرآن منا من يقرأه ولا ينزل منه حرفًا: واوًا ولا ألفًا. وقال الحسن: إن هذا القرآن قرأه عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله، ولم يأتوا الأمر من قبل أوله. وقال الله :﴾ كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ﴿. وما يدبر آياته والله، أما والله ما هو يحفظ حروفه، وإضاعة حدوده، حتى أن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله وما أسقطت منه حرفًا، وقد والله لو سقط كله ما ترى في القرآن من خلق ولا عمل وحتى أن أحدهم ليقول: إني لأقرأ السورة في نفسي والله ما هو لا بالقراء ولا العلماء ولا الحكماء، ولا الورعة. ومتى كانت القراء تقول مثل هذا؟ لا أكثر الله مثلهم. وأما قراءة الجماعة معًا تجهرًا، فقد جاء فيها أن رسول الله ﷺ ، خرج على الناس وهم يصلون قد علت أصواتهم بالقرآن، فقال: (المصلي يناجي ربه، فلينظر من يناجيه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن). وعنه ﷺ أنه نهى أن يرفع الرجل صوته بالقرآن في الصلاة، يغلط أصحابه، ومعنى هذا أن الناس إذا اجتمعوا يقرأون القرآن في صلاة أو غير صلاة، لم يؤمر بعضهم بالإنصات إلى بعض، لأن الإنصات إذا كان للقمرآن، لم يؤمر بقطع القرآن للقرآن. فإن التعبد بالقرآن أكثر من التعبد بالأسماع إلى قراءة الغير، إذا كان القارئان متماثلي الحال، لا يلزم واحد منهما أن يلزم صاحبه، فلا يفارق حضرته. وإذا كان كذلك لم يجهر بعضهم على بعض، الجهر الذي يعدو غيره، ويخلط القراءة عليه. ألا ترى إلى ما روى أن رسول الله ﷺ ، على صلاة جهر فيها بالقراءة، وجهر خلفه

стр. 791

الناس. فلما فرغ قال: (مالي أنازع القرآن) وقال: (قد علمت أن بعضكم خالجها). قال الزهري ﵁: فأمسك الناس بعد ذلك عن القراءة خلف رسول الله ﷺ فيما جهر فيه رسول الله ﷺ بالقراءة. هكذا كل مصل وقارئ فلا ينبغي لمصل غيره وقارئ سواه أن يخلط قراءته عليه والله أعلم. وأما أنه لا تحل قراءته سماعًا، ولا يبتدئ حيث اتفق، فلأن المسلم إذا نهي عن أن يعرضه لمن يشبهه ويهتك حرمته. كان نهيه عن أن يروى به ويشبهنه بنفسه، أولى إذا نهى عن أن يحمله أو يمسه إلا طاهرًا، كان نهيه عن أن يمده بيده، لا خطر له فيأخذه من يشاء ويمسه من يشاء. ولعل فيهم من يلونه ويناله ينبغي صيانته أو يفعل عنه، يصيبه غبار البيت إذا كنس، والدخان إذا أوقد. أو يحمل عليه حسنات تجارته أو مفتاح حانوته أولى وأشد. ولأن الله تعالى وصف الكتاب بأنه:﴾ في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون ﴿. فإن كان فوق السموات مكنونًا محفوظًا، والناس مختلفون: الأماكن مختلفة، والأحوال شتى، أشد وأولى والله أعلم. وأما تفخيم قدر المصحف وتفريج خطه، فقد روى فيه أن عليًا ﵁ أتى على رجل يكتب مصحفًا، فقام ينظر إليه، فقال له أجد قلمك قال: فقصصت من قلمي قصة فقال: نعم هكذا نوره، كما نوره الله. وأيضًا فإن ذلك أشبه بالإجلال والتعظيم، ألا ترى أن الناس إذا أرادوا مكاتبة ذي ملك أو سلطان، تخيروا له من القراطيس أكبرها وأمتنها وأبقاها وأقومها من الخطوط، وأفخمها وأحسنها. ومن المداد أبرقه وأشد سوادًا، وفرجوا السطور ولم يقرمطوا، وما ذاك إلا ليكونوا قد ضنوا بشيء ما كانت إليه الحاجة في مكاتبته، وبخلوا به وصغروا قدره، فلذلك صغروا الكتاب إليه أو اسمه حيث أنبتوه بكتاب الله تعالى أولى أن يفرج ويحسن رقه وخطه ومداده، ولا يتصور كاتبه بصورة النجاد ما يخط فيه كتابه، أو المرزق بكلامه، والمصغرين قدر أسمائه وأسماء ملائكته ورسله، وتبيان أحكامه وحدوده وبالله التوفيق. وأيضًا فإن الكتاب كلما كان

стр. 792

أكبر كان من الضياع أبعد، لأن كل أحد لا يقدر حمله ولا كتمانه، فمن التيه بالمصحف أن يتخذ منه ما يحمي بنفسه، فيكون القلب عليم آمن، وإلى بقائه أسكن، ومن المساهلة فيه وترك الحفل به، فيكون عرضة للأيدي المخاطبة، وذوي الأمانات المحيلة الناقصة. ولن يغفل هذا أحد بما عنده إلا إذا قل مقداره عنده، وخف على قلبه أمره، وما ينبغي أن يكون هذا حال المصحف عند من يؤتمن بما فيه وبالله العصمة. وأما أفراد المصحف بالقرآن وتجريده عما سواه، فلأن النبي ﷺ كان يأمر بإثبات ما ينزل من القرآن، فلم يحفظ أنه أمر بإثبات آيات السور أو العواشر، أو الوقوف. وأمر أبو بكر بجمع القرآن من اللحافة والعشب، وقطع الادم، ونقل عنها إلى مصحف. كما كان حفظ عن رسول الله ﷺ من ترتيب الآيات والسور، ثم اتخذ عثمان ﵁ من ذلك المصحف مصاحف، وبعث بها إلى الأمصار. فلم يعرف أنه أثبت في المصحف الأول، ولا فيما نسخ منه شيء سوى القرآن. وكذلك ينبغي أن يعمل في كتابة كل مصحف. ومن كتب مصحفًا، فينبغي أن يحافظ على الهجاء الذي كتبوا به تلك المصاحف ولا يخالفهم فيه ولا يغير ما كتبوه شيئًا. فإنهم كانوا أكثر علمًا وأصدق قلبًا ولسانًا، وأعظم أمانة منا، فلا ينبغي لنا أن نظن بأنفسنا استدراكًا عليهم ولا سقطًا لهم. وأيضًا فإن من إجلال القرآن أن لا يخلط به في المصحف المنسوب إليه، المشرف باسمه غيره. ألا ترى أنه لا يجوز أن تضم صحيفة شعر إلى صحيفة قرآن في جلد واحد. فهذا من ذاك أشد، وبالمنع منه أحق، وأيضًا فإن غير القرآن، إذا كتب آيات القرآن لم يؤمن - لم تلبيس في الجاهل - فيرى أنه منه، فوجب الاحتراز من ذاك بتجريد القرآن، وإن كان عند من يترخص في هذا لأنه يعتصم من التباس ذلك بأن يكتب عدد الآيات والسجدات والعواشر بالذهب، والقرآن بالحبر. فليعلم أن من أشد الخرق وأسوأ الأدب أن يكتب كلام الله تعالى بالحبر. وعدد الآيات بماء الذهب. وإن ماء الذهب أغلى من الحبر، فلو جاز أن يضم إلى القرآن في المصحف غيره وحسن ذلك، لكان القرآن بأن يكتب بماء الذهب وعدد الآيات بالحبر أولى. فإذا كان لا يفعل فخلافه بأن يترك ولا يفعل أحق وأولى والله أعلم.

стр. 793

وأما النقط فليس فيها من الكراهية ما في عدد الآيات، لأن النقط ليست بمقروءة؛ فيتوهم لأجلها ما ليس بقرآن قرآنًا. وإنما هي دلالات على هيئة المقروء فلا يضر إثباتها لمن يحتاج إليها والله أعلم. وأما تنوير موضع القراءة، فلأنها مواضع تشهدها الملائكة، فمن الحق أن ينور ويطيب. ألا ترى أنه لا ينبغي للقارئ أن يكون قد أكل ثومًا أو بصلاً أو كراتًا لئلا ينادي به الملك، فكذلك لا ينبغي إذا قرأ في بيت أو مسجد أن يدعه مظلمًا فعلا، بل ينوره ويطيبه. فإن النور أحسن من الظلمة، والطيب خير من التفل، ومن أكرم كل أخ أو صديق نزل عند أحد أن لا يترك البيت على عينه مظلمًا، فالملائكة بذلك أولى وأحق والله أعلم. وأما الإنصات للقراءة، فإنه يؤمر به من ليس بقارئ، لأن الله يقول:﴾ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ﴿. ولأن غير القرآن ليس معادلاً للقرآن فيزاحم به ألا ترى أن واحدًا من أكبر الناس لا يحب ولا يرضى أن يقرأ كتابه على قومه، ومن يحب يده فلا ينصتوا له، فكيف يرضى الله ﷻ من عباده أن يقرأ كتابه بمشهدهم. وهو خطاب منه عز اسمه لهم فلا ينصتوا له. وأما تعظيم أهل القرآن فقد وردت فيه أخبار: روى عن رسول الله ﷺ : قال (أهل القرآن هم أهل الله وخاصته). وعنه ﷺ : (إن الله كريم يحب الكرم، وجواد يحب الجود، ويحب معالي الأخلاق، ويكره إسفافها. وإن من تعظيم إجلال الله أن يكرم الإمام العادل، وأن يكرم ذو السنة في الإسلام، وأن يكرم حامل القرآن إذا كان لا يخفوا عنه ولا يعلو فيه. وعنه ﷺ قال في قتلى أحد: (احفروا واوسعوا واضربوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في القبر، وقدموا أكثرهم قرانًا). وعنه ﷺ أنه أرسل سرية فاستقرأهم، وقرأ شيخ

стр. 794

ثم قرأ شاب فاستعمله على السرية. فقال الشيخ: يا رسول الله استعملته علي وأنا أكبر منه؟ فقال: (أنه أكثر منك قرآنًا). وروى أن عمر ﵁ أراد مكة، فتلقى أمرها نافع بن علقمة، فقال له: من استخلف؟ فقال: ابن افري فقال عمر ﵁: تستخلف رجلاً من الموالي على أصحاب رسول الله ﷺ ، ما حملك على ذلك؟ فقال: يا أمير المؤمنين: لم أخلف رجلاً اقرأ للقرآن وأعلم بالسنة منه. وعلمت أن الأنصار يأتونها، فأحببت أن يصدروا عن قراءة رجل وعلمه بالسنة. فقال عمر: نعم ما رأيت. قال عمر ﵁ أن الله رفع بالقرآن رجالا، ووضع بالقرآن رجالا، وإن ابن اقري ممن رفعه الله بالقرآن. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله: لا تستعينوا علي بشيء من أعمالي إلا أهل القرآن، فكتبوا إليه: استعملنا أهل القرآن فوجدناهم خاصة. فكتب إليهم لا تستعملوا إلا القرآن فإنه أن لم يكن عند أهل القرآن خير، فغيرهم أحرى أن لا يكون عندهم خير. وقال الحسن: ثلاثة يوسع الله عليهم في المجلس: ذو الشبيبة في الإسلام، وحامل القرآن، والإمام المقسط، وقد ذكرته مرفوعًا، وبالله التوفيق.

стр. 795

العشرون من شعب الإيمان وهو باب في الطهارات قال رسول الله ﷺ : (الطهور شطر الإيمان) وجاء عنه ﷺ قال: (الوضوء نصف الإيمان، والصوم نصف الصبر، وسبحان الله نصف الميزان، والحمد لله تملأ الميزان، والله أكبر تملأ ما بين السماء والأرض). وقال يحيي بن آدم: الوضوء نصف الإيمان، لأن الله جل ثناؤه سمى الصلاة إيمانًا، فقال:﴾ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴿يعني صلاتكم إلى بيت المقدس. ولا تجوز الصلاة إلا بوضوء، فهما شيئان، كل واحد منهما نصف للآخر. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (سددوا وقاربوا واعلموا أن خير خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن). وفي رواية أخرى قال رسول الله ﷺ : (استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن أفضل أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن). فثبت بهذه الأخبار أن الوضوء إحدى شعب الإيمان. وله من الفضل أن الله تعالى خص هذه الأمة به. قال رسول الله ﷺ لما سألوه: كيف تعرف أمتك يعنون يوم القيامة فقال: (لو أن رجلاً كانت له خيل غر محجلة بين ظهراني خيل بهم أما كان يعرفها: قالوا: بلى. قال: فأنتم تأتوني يوم القيامة غرًا محجلين من أثر الوضوء، وأنا أفرطهم على الحوض).

стр. 796

ومنه ما جاء من تكفير الذنوب، قال رسول الله ﷺ : (إن العبد إذا غسل وجهه حط الله عنه خطيئة أصابها بوجهه، فإذا غسل ذراعيه كان ذلك، فإذا مسح رأسه كان ذلك، فإذا طهر قدميه كان ذلك). فصل وأصل الوضوء ما روى أن النبي ﷺ في أول ما أوحى إليه (استعلى له جبريل ﷺ وهو بأعلى مكة من قبل حراء فوضع يده على رأسه وفؤاده وبين كتفيه، فقال: لا تخف، أنا جبريل، فأجلسه معه على مجلس كريم، وبشره برسالات الله حتى اطمأن النبي ﷺ إلى جبريل ﵇. قال: اقرأ: قال: كيف اقرأ؟ قال:﴾ اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم ﴿وأبدى له جبريل نفسه، له جناحان من ياقوت يخطفان البصر. ففتح عينًا من ماء فتوضأ ومحمد ﷺ ينظر إليه. فوضأ وجهه ويديه إلى المرفقين، ومسح برأسه ورجليه إلى الكعبين، وسجد سجدتين مواجهة البيت. ففعل محمد ﷺ كما رأى جبريل يفعل. وقبل رسالة ربه صلوات الله عليهما، واتبع الذي نزل به جبريل من عند رب العرش العظيم). وقد روى هذا الحديث مختصرًا ومستمعًا كما رويته. فكان رسول الله ﷺ إنما علمه الوضوء وأمر به لأجل السجود، فلما أمر بالصلاة التي يتكرر فيها السجود لم يخف عليه أن السجود وحده إذا كان لا يجوز بغير الوضوء، فهو مع اغبار له كثيرة، أولى أن لا يجوز بغير الوضوء. فكان هو ﷺ ، والمسلمون معه يتوضأون للصلاة من حيث شرعت الصلاة. فلما نزل قوله :﴾ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وامسحوا بروءسكم وأرجلكم إلى الكعبين ﴿. لم يكن المراد به شرع الوضوء، وإنما كان المراد به شرع التيمم. فذكر الوضوء والغسل

стр. 797

معًا وهما مشروعان معلومان، ثم عطف عليهم ذكر من لم يقدر عليهما إما لمرض أو لعدم ماء فأتيح له التيمم. وقد يجوز أن يكون المراد بها فرض غسل الرجلين في قراءة من قرأ "وأرجلكم" بالنصب، وإقرار المسح على الخفين بدلاً عن الغسل، كما كان من قبل بدلاً من المسح لا ما روينا في حديث بدء الوضوء مسح الرأس والرجلين. وثبت أن المسح على الخفين كان مشروعًا قبل نزول المائدة، فصح أنه كان حينئذ بدلاً من مسح الرجلين. فلما فرض غسلهما لم يتبدل حكم المسح بل أقر على حاله والله أعلم. فصل فقد ظهر أن فرض الوضوء غسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين. وهذا هو الذي استقر بالكتاب، ودل الكتاب على أن الغسل بالماء، ثم آيات الله بقوله:﴾ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ﴿. والنبي ﷺ قال: (إنما الأعمال بالنيات) أن الوضوء لا يعتقد عبادة إلا بنية. وزاد رسول الله ﷺ في الوضوء نوافل سنها بأمر الله : فمنها غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء. ومنها تسمية الله عند هذا الغسل. ومنها المضمضة والاستنشاق قبل غسل الوجه من كف واحد. ومنها استيعاب الرأس بالمسح. ومنها مسح الأذنين وإدخال الإصبعين في الصماخين. فإما تخليل أصابع الرجلين فإنه احتياط يستيقن المتوضئ أن الماء قد وصل إلى بطون الأصابع. وإنما تكرير هذه الأعمال ثلاثًا ثلاثًا فيكره مجاوزة الثلاث. وأما غسل اليديين قبل إدخالهما الإناء، فإنه جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده حتى يغسلها ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتت يداه). وأما التسمية فقد جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه). وأما المضمضة والاستنشاق فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال (من الفطرة المضمضة

стр. 798

والاستنشاق). وجاء عنه أنه توضأ فأدخل يده في الإناء، فمضمض واستنشق من كف واحد. وجاء عنه ﷺ أنه قال: (من توضأ فمضمض واستنشق خرجت خطاياه من فيه وأنفه). وأما استيعاب الرأس بالمسح، فإنه روى أن النبي ﷺ وضع كفيه على مقدم رأسه ثم مر بهما إلى القفاء، ثم رجعهما إلى المكان الذي بدأ منه وأما تخليل أصابع الرجلين فإنه روى عنه ﷺ أنه قال: (خللوا أصابعكم قبل أن يخللها الله تعالى بالنار يوم القيامة). وأما مسح الأذنين، فإنه روى أن النبي ﷺ مسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما. وجاء عنه ﷺ أنه أدخل أصبعيه في أذنيه فأخذ ماء جديدًا لهما، فلأنهما عضوان على حالهما، ولا يحال في الوضوء عضو على عضو. وأما التثليث، فإنه يروى أن رسول الله ﷺ توضأ مرة مرة. فقال: (هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به. ثم توضأ مرتين مرتين، فقال: من مرتين أتاه الله أجره مرتين. ثم توضأ ثلاثًا ثلاثًا. فقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي ووضوء خليلي إبراهيم). وإما ترك مجاوزة الثلاث، فلأنه روى أن النبي ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا ثم قال: (هذا الوضوء، فمن زاد فقد أساء وظلم). وجاء عنه ﷺ أنه قال: (فمن جاوز هذا من أمتي فسموه ظالمًا، ومن أظلم ممن يرغب عن سنتي، ثم استغفر له ربه). وجاء عنه ﷺ أنه قال: (ستكون في آخر هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء والطهور). وأما ما ذكر الله تعالى من الفرائض الأربع، فإن فيها من التفصيل: أن من كان أمرد

стр. 799

أو خفيف اللحية فعليه غسل شعره وبشرة وجهه، فإن كان شعره كثيفًا أجراه على أن لا يصل الماء إلى بشرة وجهه، ويدخل مرفقيه وكفيه في الوضوء، ولا يجريه على مسح الرجلين ولا أن يتفرق وضوؤه. وأن فرقة أجراه. وذلك كله ظاهر التنزيل. فأمامسح الخفين، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه رخص للمقيم يومًا وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، إذا تطهر فليس خفيه أن يمسح عليهما، وإذا انقضت المدة وهو طاهر، أو خلع الخفين أو أحدهما غسل قدميه وصلى والله أعلم. فصل والذي يوجب الوضوء النوم إلا قاعدًا، وخروج ما يخرج من السبيلين، والعلية على العقل بجنون أو غشي أو سكر أو ملامسة الرجل المرأة، ومسح الفرج ببطن الكف. قال الله :﴾ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ﴿. فجاء في التفسير إنها نزلت في القائمين من المضاجع. وجاء أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا ينتظرون العشاء فينامون قعودًا ثم يقومون إلى الصلاة ولا يتوضأون. وقال الله :﴾ أو جاء أحد منكم من الغائط ﴿والغائط مؤتي للخلاء والبول جميعًا. وقال:﴾ أولا مستم النساء ﴿وجاء عن رسول الله ﷺ : (من مس فرجه فليتوضأ). فكان في هذه الدلائل بيان ما ذكرنا من الأحكام والله أعلم. فصل والطهارة بالماء من الحدث ضربان: أحدهما الوضوء، وقد مضى ذكره. والآخر الغسل، والذي يوجبه خروج الماء الذي يكون منه الولد من الرجال ويواري الحشفة في فرج الإنسان فوجب الغسل عليهما، وإن لم يكن معه إنزال. وتوجبه على النساء خاصة

стр. 800

الحيض والولادة ولا تغتسل حتى تطهر، ولا التي ولدت حتى ينقضي نفاسها، قال الله :﴾ وإن كنتم جنبًا فاطهروا ﴿. أي بالماء فأبان بقوله تعالى:﴾ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا جنبًا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ﴿. أي فرض الجنابة الغسل. وهو أن يغسل عامة ما ظهر من بدنه شعره وبشره. وقال الله في الحيض:﴾ ولا تقربوهن حتى يطهرن ﴿. ثم إبان النبي ﷺ إن أطهارها غسلها، كما إن إطهار الجنب غسله. فقال للمرأة: (إذا أدبرت عنك الحيضة فاغتسلي وصلي). والولاد يوجب الغسل، لأن خروج الماء الذي يكون منه الولد إذا كان الغسل بالولد التام خلقه أولى بإيجابه والله أعلم. فصل والطهارة بالماء قد تجب من التنجس كما تجب من الحدث سواء أصابت النجاسة البدن أو الثوب أو المصلى عليه منه أو حفنة من الأرض. قال النبي ﷺ : (لا تقبل صلاة إلا بطهور). إلا أن الاستنجاء بالأحجار ثلاثًا ثلاثًا من الخلاء والبول في مكانهما تجري للصلاة، قال النبي ﷺ فليستنج بثلاثة أحجار، ونهى أن يقتصر على أقل من ثلاث. ودم البراغيث والبسير يخرج من النتره سينقطر أو النضج فيصيب الثوب أو البدن غفو عن المصلي، قد كان ذلك يصيب المسلمين في عهد النبي ﷺ وبعده فما حفظ عن أحداثه نجاساة. فصل وقد تكون الطهارة لا من حدث ولا من نجاسة إلا أن ما كان منها لحدث أو نجاسة. لم يكن إلا واجبًا، وما كان لأمر حدث ولا نجاسة لم يكن إلا غير واجب، وإنما سمي طهارة توسعًا ومجازًا وحقيقتهما النظافة والنترة، ومنهما السواك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 801

لقوم كانوا يدخلون عليه: (مالي أراكم تدخلون بلحاء تسوكوا، فلولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة). وقال: (السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب). ويستحب عند كل حال يغير فيهما الفم إلا أن يكون تغيرها من النوم. ومنها المضمضة، وذلك الأسنان بالأصابع والاستنشاق وإدخال طرفي الأصبع في أذني الأنف لإخراج قاذورات، كن فيه. ومنها قلم الأظافر وغسل مواضعه بالماء. وخلق الشعور أو تنظيفها بالغسل بما ينشف عرقه، ويقطع الرائحة الكريهة عنه. ومنها حلق العانة والتنور لها الحلق. ففي حديث الفطرة هو الاستحداد وماء التنور. فقد روى أن رجلاً نور رسول الله ﷺ ، فلما بلغ من أنفه كف الرجل نور رسول الله ﷺ نفسه. وعن أبي الدرداء ﵁ أنه وأصحاب رسول الله ﷺ ، دخلوا الحمامات حين قدموا الشام، وأطلوا بالنورة. ومنها ترك الاقتصار على الاستنجاء بالأحجار والتطهر بالماء، وذاك إزالة النجاسة بالحقيقة، إلا أن ابتداء النجاسة لما كان عفوًا عن المصلى، دخلت إزالته في باب التنظيف والبترة، وهو الذي أريد بالانتقاص بالماء في حديث الفطرة. ومنها الغسل للصلاة يوم الجمعة، قالت عائشة ﵂: كان الناس عمال أنفسهم وكانوا يلبسون الصوف فإذا حضروا المسجد بدت منهم روائح كريهة، فقيل لهم: لو اغتسلتم. وقال النبي ﷺ : (يوم الجمعة واجب على كل محتلم) وقال: (من أتى يوم الجمعة فليغتسل). ومنها الوضوء قبل الطعام وبعده، جاء عن النبي ﷺ قبل الطعام وبعده، إلا أنهما يغتسلان بعد الطعام حتى لا يبقى من الطعام أثر يؤدي إلى تغيير رائحة الفم. وقد تكون الطهارة لا من حدث ولا من نجاسة، ولا تقذرًا، ولكنه ازديادًا من بعض ذلك. فمنها

стр. 802

تكرير الوضوء، ومنها تجديد الوضوء لكل صلاة. ومنها الوضوء عند النوم، ومنها الوضوء عند الغضب، ومنها الوضوء من الغيبة والكذب وإنشاد الشعر. ومنها الوضوء من استغراق الضحك، ومنها الوضوء من حمل الميت وكل ذلك مستحب. وروى أن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة، وقيل: إذ ذلك كان واجبًا عليه ثم فسخ. وروى أن رسول الله ﷺ قال للبراء: (إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن، وقل: (اللهم أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رهبة منك، ورغبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بنبيك الذي أرسلت، وبكتابك الذي أنزلت، واجعلهن آخر كلامك، فإن مت من ليلتك مت على الفطرة). وروى أن رسول الله ﷺ قال: (إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإن الماء يطفي، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ). وروى أن رجلاً جلس إلى عمر ﵁ في مسجد رسول الله ﷺ فتمثل بيتين من شعر، فقال عمر: إنك قد تكلمت بما قد سمعت، فلو قمت فتوضأت، فإن الصلاة قد حضرت، وذكر ابن سيرين إن رجلاً كان يمر بأهل مجلس فيقول: توضأوا فإن ما نحوتم من الكلام أشد من بعض الحديث. ومن هذا الباب الاغتسال من غسل الميت. والغسل لدخول مكة، والغسل للوقوف بعرفة، والغسل للإحرام. ومن قال هذا كله ينظف الحقه بغسل يوم الجمعة. وكل قد روى عن النبي ﷺ أنه قد فعله إلا الغسل من غسل الميت، فإنه أمر به عليًا لما جاءه فأخبره أنه فرغ من أمر أبي طالب غسله ووراه. قال: (من غسل ميتًا فليغتسل). ولم يخلف في غسل بأجر سنه أنه غير فرض، ولا في غسل تقدم سنه أنه فرض إلا غسل من غسل الميت.

стр. 803

فصل وهذه الطهارة كما أنها تنقسم إلى فرائض وسنن، فكذلك تنقسم معهما إلى آداب. فأما الوضوء فمن آدابه: أن المتوضئ إذا فرغ ذكر الله جل ثناؤه. جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (من توضأ فأحسن وضوءه، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وإن محمدًا عبده ورسوله، صادقًا من قلبه فتح الله له ثمانية أبواب الجنة يوم القيامة دخل من أيها شاء). وعنه ﷺ : (ما من عبد يقول حين يتوضأ: بسم الله، ثم يقول لكل عضو أشهد إن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم يقول حين يفرغ: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، إلا فتحت له ثمانية أبواب الجنة، يدخل من أيها شاء. فإن قام من ذلك فصلى ركعتين يقرأ فيهما، ويعلم ما يقول إلا انتقل من صلاته كيوم ولدته أمه) ثم قال له: استأنف العمل. ومنها أن لا يسرف في استعمال الماء: روى أن النبي ﷺ مر بسعد وهو يتوضأ، فقال: (ما هذا السرف يا سعد، فقال: أفي الوضوء إسراف؟ فقال: نعم، وإن كنت على نهر جار). وروى أن النبي ﷺ كان يتوضأ من إناء على نهر، فلما فرغ من وضوئه أفرغ فضله في النهر. وروى أن النبي ﷺ كان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع. ومنها أن لا يقدم يسري على يمنى، ولا يمسح الأذنين قبل مسح الرأس، ولا يبدأ بعد الوجه من الذقن ثم يعلو إلى الجبهة. ومنها أن لا يفرق وضوءه ولا غسله، ويجمع ذلك كله في مقام واحد. فأما التجفيف بمنديل أو ثوب ما كان. فقد روى عن النبي ﷺ أنه عرض عليه فاباه. وروى أنه اغتسل، فيسد به فاطمة ﵍ بثوبه، فلما فرغ أخذه يتجفف به، ثم قام فصلى

стр. 804

ثماني سجدات وذلك ضحى. وروى عنه أنه كانت له خرقة يمسح بها وجهه إذا توضأ، وروى مثل ذلك عن عثمان ﵁، وعلي والحسين بن علي ﵃. وقال بعض الناس: إن النبي ﷺ إنما رد الخرقة التي عرضت عليه فلم يتمسح بها، لئلا يمسح أثر الطهور، وهو نور. وقد جاء أنه يوزن يوم القيامة، فيقال له أرأيت إذا لم يمسح أثر الوضوء كما ذكرت، أتصلى به قبل أن يجف، فيسجد على رمل أو تراب فإن قال: نعم. فيقال له: أرأيت إذا سجد فحملت جبهته رملاً أو تراب المسجد إذا أراد أن يسجد ثانيًا. فإن قال: لا. قيل: أيسجد بما حملت جبهته، وقد حال بينها وبين المسجد فلا يصح سجوده، ويكون كمن لم يسجد في قول بعض العلماء، ويصح في قول بعضهم: إلا أن فضل الاقضاء، بالجبهة إلى المسجد ليس بأدنى من فضل ترك بلل الوضوء على العضو فيكون قد ترك الأفضل لغير الأفضل. فإن قال: لا يفعل واحدًا منهما ويمسح جبهته. قيل: فإذا مسح فقد أزال أثر الوضوء والصلاة جميعًا، لأن البلل من آثار الوضوء، والتراب من آثار السجود، فإن كنت ترى أن يمسحها جميعًا، فهلا رأيت أن يمسح أحدهما وبالله التوفيق. وأما ضرب الماء على الوجه كهيئة اللطم، فقد روى عن إبراهيم: كانوا يكرهون أن يلطموا وجوههم بالماء إذا تظهروا وروى عن النبي ﷺ في صفة وضوئه، ثم أدخل يده جميعها في الإناء، فأخذ حفنة ماء، فضرب على وجهه، ثم الثانية ثم الثالثة مثل ذلك، فقد يجوز أن يقال أن الضرب الخفيف جائز ولابد منه، والضرب الشديد مكروه وهو اللطم. ومنها أن يغسل وجهه بيديه جميعًا، هذا هو الأغلب من وضوء رسول الله ﷺ . وما روى عنه من أنه كان يغسل وجهه بيمينه محمول على أنه كان يفعل ذلك إذا توضأ من إناء ضيق الفم، فيفرغ منه بشماله على يمينه. وأما إذا توضأ من هذا وإناء واسع باليدين معًا والله أعلم. ومنها إذا توضأ لم يصب الماء من يده فيمرها بالماء على أعضائه، كما روى عن النبي ﷺ ومنها أن يدلك عارضيه إذا كانت لحيته كثيفة. وروى ذلك عن النبي ﷺ . ومنها أن لا يتوضأ ولا يغتسل في ثوبه وإن كان نظيفًا. وجاء عن عائشة ﵂ أنها كانت إذا توضأت تدخل يدها من تحت الوقاية فتمسح رأسها كلها.

стр. 805

ومنها إذا خلل أصابع رجليه خلله بالخنصر، وكذلك يدخل الخنصر في ضماخي أذنيه، هكذا روي عن النبي ﷺ وأنه ذلك بالخنصر ما بين أصابع رجليه. ومنها أن يغسل رجليه جميعًا بيده اليسرى. وروى أن عليًا ﵁ دعا بطهور، فصب بيده اليمنى الثلاث مرات على يده اليمنى فغسلها بيده اليسرى، ثم صب بيده اليمنى على يده اليسرى ثم غسلها بيده اليسرى ثلاث مرات. ثم قال: هذا طهور رسول الله ﷺ . وليس هذا كالوجه إذا غسله بإحدى يديه غسله باليمنى لأن الرجلين موضع الأوساخ والأذى، واليسرى أولى بهما، والوجه عضو التحية والكرامة، فاليمنى له أولى والله أعلم. فصل واشتمل هذا الباب على الآيات التي ذكرتها مع الفرائض والسنن التي عددتها، فكذلك الاستنجاء وما يدخل في بابه من إزالة الأنجاس، يشتمل على سنن وآداب. فإن أول ذلك من قضاء حاجته من بول أو غائط، فينبغي أن يتحرى له مكانًا سترًا، فإن كان بيته فناحية منه لا يحسن بما يكون منه فيها. وإن كان شجرًا بحيث يبتعد عن أبصار الناس. روى عن النبي ﷺ أنه قال: (من أتى الخلاء فليستتر، وإن لم يجد إلا كثيبًا من الرمل فليجمعه وليستتر به). وفي حديث آخر قال جابر ﵁: خرجت مع رسول الله ﷺ في سفر فقال لي: (يا جابر، اجعل في الإدارة ماء، ثم انطلق بنا حيث لا نرى، فإذا هو بشجرتين بينهما أذرع، فقال لي: يا جابر، انطلق إلى هاتين الشجرتين، فقل لهما إن رسول الله ﷺ يأمركما أن تجتمعا حتى يجلس خلفكما، فجاءتا فجلس خلفهما، ثم رجعتا إلى مكانهما). وقال المغيرة ﵁: كان رسول الله ﷺ ، إذا تبرز تباعد وفي حديث آخر:

стр. 806

إذا خرج إلى الخلاء استبعد وتوارى. وعنه ﷺ كان إذا أتى الحاجة برز حتى لا يراه أحد، وكان لا يرفع ثيابه حتى يدنو من الأرض. وإذا خرج رجلان لقضاء الحاجة، فإن النبي ﷺ قال: (إن خرج رجلان فليتوار أحدهما عن أخيه). وقال: (لا يخرج الرجلان للغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان، فإن الله يمقت ذلك. ومنها إذا خرج أعد الطهور، فإن كان معه ماء وإلا أخذ الأحجار ومنها أن يتقي الملاعن وهي المواضع التي جرت العادة بارتفاق الناس بالجلوس فيها للصلاة، والأكل والاستراحة والأنحاء وقارعة الطريق والظلال وعند جدار المسجد، وفي الماء النافع وعند النخلة وفي المغتسل. جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (اتقوا الملاعن وأعدوا السبل. وقيل السبل هي الأحجار الصغار التي يستنجى بها). ومنها أن يتقي البول على مواضع صلب أو مرتفع يتراجع على يمينه شيء. جاء عن النبي ﷺ أنه كان إذا أراد أن يبول تواجد في عراء من الأرض أخذ عود فنكت به الأرض حتى ينبري التراب ثم بال فيه. وعنه ﷺ أنه أتى رمت حائط فبال، وقال: (إذا بال أحدكم فليرتد لبوله). وعنه ﷺ أنه قال: (لا يبولن أحد في الحجر) قيل لقتادة: وما يكره من ذلك: قال: إنها مساكن الجن. وقد يحتمل غير ما قال قتادة، وهو أنه ربما كان فيه بعض الهوام الساعة، فيخرجه البول فتلسع البائل. وقال الزهري ﵁ كان يكره أن يبول الرجل إلى جدار المسجد، أو يمسح أثر بوله بجداره. ويقول: أثر المسجد من ذلك. وكره الحسن ﵁ أن يقضي الرجل حاجته عند النخلة الحامل، ويحتمل أن يكون كره لأنه لا يؤمن أن يأتيها من يريد ثمرتها، فيصيب النجس قدمه أو ثوبه. وإذا هزت النخلة سقطت ثمرتها على النجاسة ففسدت على صاحبها. وجاء عنه ﷺ أنه قال: (اتقوا الملاعن الثلاث: أن يقعد أحدكم في ظل مستقبل

стр. 807

به، أو في طريق أو نبع ماء). وعنه ﷺ أنه نهى أن يبال في الماء الراكد. وأنه قال: (لا يبولن أحدكم في مستحمه، فإن عامة الوساوس منه) وأنه نهى أن يبول الرجل في مغتسله. وقال عطاء وسفيان: أراد المغتسل الذي لا يتجرد للماء منه. فإن كان الماء يمر عنه فلا بأس بذلك. ومنها أنه إذا أراد دخول الخلاء وضع عنه كل شيء كتب فيه ذكر الله ، لما رواه أنس ﵁، أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه وإنما كان يفعل ذلك لأنه كان نقش خاتمه محمد رسول الله. ومنها أنه إذا أراد أن يدخل الخلاء قال: (أعوذ بالله من الرجس النجس الخبيث الشيطان الرجيم). روى ذلك عن النبي ﷺ وروى عنه أنه قال: (أعوذ بك من الخبث والخبائث). ومنها أن لا يذكر الله تعالى وهو يتخلى أو يبول. روى عن ابن عباس ﵄ قال: يكره أن يذكر الله على خلائه، أو يذكر الله وهو يواقع امرأته، لأنه ذو الجلال والإكرام يجل عن ذلك. وقال مجاهد: كان يقال إن الملائكة يجتنبون الإنسان عند غائطه وجماعه. وكره ذلك جملة التابعين. وقال الحسن ﵁ فيمن يعطس وهو يتخلى بذكر الله في نفسه، وهذا كما قال: وإذا فرغ من حاجته، وزايل مكانه، فحمد الله بلسانه فذلك حسن. ومنها أن يقنع رأسه إذا أراد قضاء الحاجة. وروى أن رسول الله ﷺ كان إذا دخل الخلاء لبس حذاءه وغطى رأسه. وقال أبو بكر وهو يخطب الناس: يا أيها الناس استحيوا من الله فإني لأظل إذا أتيت الخلاء أغطي رأسي استحياء من ربي. وقال ابن طاووس ﵁، قال لي: إني إذا دخلت الكنيف تقنع رأسك. ومنها إذا جلس لقضاء حاجته في صحراء لم يستقبل القبلة ولم يستدبرها. وقال النبي ﷺ (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها لغائط ولا بول. فإن جلس في بيت فليس عليه ذلك).

стр. 808

قال ابن عمر ﵁ اطلعت فرأيت النبي ﷺ جالسًا على لبنتين مستقبل بيت المقدس يقضي حاجته. ومنها إذا جلس استخلى سكت، ولم يكلم أحدًا، لأن النبي ﷺ قال: (لا يجلس الرجلان على الغائط يتحدثان ينظر كل واحد منهما صاحبه، فإن الله يمقت ذلك). وقال للذي سلم عليه وهو يبول: (إذا رأيتني على هذه الحال فلا تسلم علي، فإني لا أرد عليك). ومنها إذا جلس لبول نضاح. يروي ذلك عن رسول الله ﷺ ، قال أبو موسى: حتى إن كنا لنأوي له أن يرحمه. ومعناه فرج ما بين رجليه لئلا ينتضح البول عليه، لأنه كان يقول: استتر هو من البول قائمًا، فإنه فقد روى أنه فعله. وروى عنه أنه نهى عنه. فقيل: أن أعجله البول أو كان بقربه ناس فبال قائمًا وولاهم ظهره، لأن ذلك أحصن لخوفه من أن يخرج منه ما لا يريد، فيسمعوه، فلا بأس فإن لم يكن عذر فليجلس فإنه أحسن. ومنها إذا جلس يتخلى يتوكأ على رجله اليسرى. قيل لسراقة بن جعثم في حي من أحياء العرب وهو يقول: علمنا رسول الله ﷺ كذا وكذا، أما علمكم كيف تجرون، فقال: بلى والذي بعثه بالحق، لقد أمرنا أن نتوكأ على اليسرى وننصب اليمنى. ومنها أن لا يطيل الجلوس على الخلاء، لما جاء عن لقمان الحكيم ﵇ أنه يورث البواسير. ومنها أن لا يمس ذكره إذا بال واستنجى. قال رسول الله ﷺ : (لا يمس أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه) ومنها أنه إذا أراد الاستنجاء بدا بدبره ثم ثنى بقبلة. وقال بعض الحكماء: السنة، ويحتمل ذلك لأن أغلظ النجاستين أهم، والبدأة بالأهم أولى. ويحتمل أن يكون لأنه إذا استنجى من الغائط أولاً، قدر على التمكن من الجلوس واستنجى بعد ذلك من البول متمكنًا أو ينزل بول إن كان قد بقي، فلا يحتاج إذا بدأ به إلى إعادة الاستنجاء.

стр. 809

ومنها أن لا يستنجي بيمينه، ولكن يأخذ الأحجار بشماله. وإذا استنجى من البول أخذ الحجر كأنه جدار، وأخذ فرجه بشماله فيمسحه عليه. نهى النبي ﷺ الرجل أن يستطيب بيمينه، ومنها أن لا يستنجي من البول حتى ينثر ذكره ثلاثًا. قال النبي ﷺ : (استبرئوا من البول، فإن غامة القبر منه) وقال: (إذا مال أحدكم فلينثر ذكره ثلاث مرات). ومنها أنه إذا فرغ من الاستنجاء فارق موضعه وقال: الحمد لله الذي أخرج عني ما يؤذيني وأمسك ما ينفعني. فإنه يروى أن النبي ﷺ كان يقول ذلك: وروى عنه أنه كان (إذا أخرج من الخلاء قال: غفرانك). فأما الاستنجاء فقد ذكرت فيما مضى أنه لا يجري بأقل من ثلاثة أحجار، وإن اتقي ما دونها، وإن لم يتق الثلاث زاد حتى يبقي، ولا يستنجي بشيء نجس، ولا بعظم ولا بلحم مقدد، ولا بكسر الخبز فإن فعل لم يتق، وإن أخذ الحجر بيمينه فاستنجى اتقاه لأن المتقى هو الحجر دون اليد والله أعلم. والمستحب أن يبدأ فيتقي بأحجار ثم يتطهر بالماء. وروى أنه لما نزل في أهل قباء قول الله :﴾ رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ﴿. قال لهم رسول الله ﷺ : (ما هذه الطهارة التي أنزل الله عليكم من أجلها؟ فقال النبي ﷺ : فهو ذاك هو ذاك). وإذا أراد الاقتصار على أحدهما فالماء لأنه أبلغ. فأما رسول الله ﷺ فقد استنجى بالماء كما استنجى بالأحجار. قال، أنس ﵁: كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام إناء فيه ماء، فيستنجي به. وقالت عائشة ﵂ للنساء: مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء، فإني استحيتهم منه أن رسول الله ﷺ كان يفعله. وإذا استنجى بالماء غسل يده بعد الاستنجاء بتراب أو اثنان. قال أبو هريرة رضي

стр. 810

الله عنه: دخل رسول الله ﷺ الخلاء فأتيته بماء فاستنجى به، ومسح يده بالأرض ثم غسلها، ثم أتيته بأخر فتوضأ. فصل فأما الاغتسال فإن المفروض منها غسل الجنابة، والغسل من الحيض ومن الولادة، وما عدا ذلك فكله سنة. والجنابة تكون بشيئين: أحدهما أن يغيب الحشفة في فرج آدمي أو آدمية فيجب الغسل على كل واحد منهما، وإن لم ينزل لقوله ﷺ (إذا التقى الختانان وجب الغسل). وإنزال الماء الدافق موجب للغسل. وكان الحكم في أول الإسلام: إنما الماء من الماء وإن من جامع ولم ينزل فعليه الوضوء. ثم فسخ بما ذكرت. وإذا جامع الرجل أهله، فأراد أن ينام قبل أن يغتسل، فإن رسول الله ﷺ أمر من سأله عن ذلك أن يتوضأ وضوءه للصلاة ثم لينم. وروى عنه ﷺ أنه كذلك كان يفعل، وعنه ﷺ أنه قال: (إن الملائكة لا تحضر جنازة كافر ولا جنب حتى يغتسل أو يتوضأ وضوءه للصلاة). وقالت عائشة: إذا كان أحدكم جنبًا فأراد أن يرقد فليتوضأ، فإنه لا يدري لعله تصاب نفسه في منامه، ولا ينبغي للجنب أن يأكل أو يشرب ما لم يتوضأ. قال جابر ﵁: سئل النبي ﷺ عن الجنب، هل ينام أو يأكل؟ قال: إذا توضأ وضوءه للصلاة. وقالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ إذا كان جنبًا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ). وإذا أراد الجنب الخروج بحاجته توضأ ثم خرج. روى ذلك عن سعد بن أبي وقاص ﵁، وعن جماعة سواه. وإن أراد الجنب أن يعود، فقد جاء الحديث عن النبي ﷺ : (إذا أراد أحدكم العود فليتوضأ). ولكن معناه فليتنظف بغسل فرجه لأنه روى في حديث آخر مفسرًا: (إذا أراد أحدكم
следующие страницы →