← Акыда

Акыда · id 18567

المنهاج في شعب الإيمان

الحليمي

Полный текст (1 512 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

إذا خرج إلى الخلاء استبعد وتوارى. وعنه ﷺ كان إذا أتى الحاجة برز حتى لا يراه أحد، وكان لا يرفع ثيابه حتى يدنو من الأرض. وإذا خرج رجلان لقضاء الحاجة، فإن النبي ﷺ قال: (إن خرج رجلان فليتوار أحدهما عن أخيه). وقال: (لا يخرج الرجلان للغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان، فإن الله يمقت ذلك. ومنها إذا خرج أعد الطهور، فإن كان معه ماء وإلا أخذ الأحجار ومنها أن يتقي الملاعن وهي المواضع التي جرت العادة بارتفاق الناس بالجلوس فيها للصلاة، والأكل والاستراحة والأنحاء وقارعة الطريق والظلال وعند جدار المسجد، وفي الماء النافع وعند النخلة وفي المغتسل. جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (اتقوا الملاعن وأعدوا السبل. وقيل السبل هي الأحجار الصغار التي يستنجى بها). ومنها أن يتقي البول على مواضع صلب أو مرتفع يتراجع على يمينه شيء. جاء عن النبي ﷺ أنه كان إذا أراد أن يبول تواجد في عراء من الأرض أخذ عود فنكت به الأرض حتى ينبري التراب ثم بال فيه. وعنه ﷺ أنه أتى رمت حائط فبال، وقال: (إذا بال أحدكم فليرتد لبوله). وعنه ﷺ أنه قال: (لا يبولن أحد في الحجر) قيل لقتادة: وما يكره من ذلك: قال: إنها مساكن الجن. وقد يحتمل غير ما قال قتادة، وهو أنه ربما كان فيه بعض الهوام الساعة، فيخرجه البول فتلسع البائل. وقال الزهري ﵁ كان يكره أن يبول الرجل إلى جدار المسجد، أو يمسح أثر بوله بجداره. ويقول: أثر المسجد من ذلك. وكره الحسن ﵁ أن يقضي الرجل حاجته عند النخلة الحامل، ويحتمل أن يكون كره لأنه لا يؤمن أن يأتيها من يريد ثمرتها، فيصيب النجس قدمه أو ثوبه. وإذا هزت النخلة سقطت ثمرتها على النجاسة ففسدت على صاحبها. وجاء عنه ﷺ أنه قال: (اتقوا الملاعن الثلاث: أن يقعد أحدكم في ظل مستقبل

стр. 807

به، أو في طريق أو نبع ماء). وعنه ﷺ أنه نهى أن يبال في الماء الراكد. وأنه قال: (لا يبولن أحدكم في مستحمه، فإن عامة الوساوس منه) وأنه نهى أن يبول الرجل في مغتسله. وقال عطاء وسفيان: أراد المغتسل الذي لا يتجرد للماء منه. فإن كان الماء يمر عنه فلا بأس بذلك. ومنها أنه إذا أراد دخول الخلاء وضع عنه كل شيء كتب فيه ذكر الله ، لما رواه أنس ﵁، أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه وإنما كان يفعل ذلك لأنه كان نقش خاتمه محمد رسول الله. ومنها أنه إذا أراد أن يدخل الخلاء قال: (أعوذ بالله من الرجس النجس الخبيث الشيطان الرجيم). روى ذلك عن النبي ﷺ وروى عنه أنه قال: (أعوذ بك من الخبث والخبائث). ومنها أن لا يذكر الله تعالى وهو يتخلى أو يبول. روى عن ابن عباس ﵄ قال: يكره أن يذكر الله على خلائه، أو يذكر الله وهو يواقع امرأته، لأنه ذو الجلال والإكرام يجل عن ذلك. وقال مجاهد: كان يقال إن الملائكة يجتنبون الإنسان عند غائطه وجماعه. وكره ذلك جملة التابعين. وقال الحسن ﵁ فيمن يعطس وهو يتخلى بذكر الله في نفسه، وهذا كما قال: وإذا فرغ من حاجته، وزايل مكانه، فحمد الله بلسانه فذلك حسن. ومنها أن يقنع رأسه إذا أراد قضاء الحاجة. وروى أن رسول الله ﷺ كان إذا دخل الخلاء لبس حذاءه وغطى رأسه. وقال أبو بكر وهو يخطب الناس: يا أيها الناس استحيوا من الله فإني لأظل إذا أتيت الخلاء أغطي رأسي استحياء من ربي. وقال ابن طاووس ﵁، قال لي: إني إذا دخلت الكنيف تقنع رأسك. ومنها إذا جلس لقضاء حاجته في صحراء لم يستقبل القبلة ولم يستدبرها. وقال النبي ﷺ (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها لغائط ولا بول. فإن جلس في بيت فليس عليه ذلك).

стр. 808

قال ابن عمر ﵁ اطلعت فرأيت النبي ﷺ جالسًا على لبنتين مستقبل بيت المقدس يقضي حاجته. ومنها إذا جلس استخلى سكت، ولم يكلم أحدًا، لأن النبي ﷺ قال: (لا يجلس الرجلان على الغائط يتحدثان ينظر كل واحد منهما صاحبه، فإن الله يمقت ذلك). وقال للذي سلم عليه وهو يبول: (إذا رأيتني على هذه الحال فلا تسلم علي، فإني لا أرد عليك). ومنها إذا جلس لبول نضاح. يروي ذلك عن رسول الله ﷺ ، قال أبو موسى: حتى إن كنا لنأوي له أن يرحمه. ومعناه فرج ما بين رجليه لئلا ينتضح البول عليه، لأنه كان يقول: استتر هو من البول قائمًا، فإنه فقد روى أنه فعله. وروى عنه أنه نهى عنه. فقيل: أن أعجله البول أو كان بقربه ناس فبال قائمًا وولاهم ظهره، لأن ذلك أحصن لخوفه من أن يخرج منه ما لا يريد، فيسمعوه، فلا بأس فإن لم يكن عذر فليجلس فإنه أحسن. ومنها إذا جلس يتخلى يتوكأ على رجله اليسرى. قيل لسراقة بن جعثم في حي من أحياء العرب وهو يقول: علمنا رسول الله ﷺ كذا وكذا، أما علمكم كيف تجرون، فقال: بلى والذي بعثه بالحق، لقد أمرنا أن نتوكأ على اليسرى وننصب اليمنى. ومنها أن لا يطيل الجلوس على الخلاء، لما جاء عن لقمان الحكيم ﵇ أنه يورث البواسير. ومنها أن لا يمس ذكره إذا بال واستنجى. قال رسول الله ﷺ : (لا يمس أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه) ومنها أنه إذا أراد الاستنجاء بدا بدبره ثم ثنى بقبلة. وقال بعض الحكماء: السنة، ويحتمل ذلك لأن أغلظ النجاستين أهم، والبدأة بالأهم أولى. ويحتمل أن يكون لأنه إذا استنجى من الغائط أولاً، قدر على التمكن من الجلوس واستنجى بعد ذلك من البول متمكنًا أو ينزل بول إن كان قد بقي، فلا يحتاج إذا بدأ به إلى إعادة الاستنجاء.

стр. 809

ومنها أن لا يستنجي بيمينه، ولكن يأخذ الأحجار بشماله. وإذا استنجى من البول أخذ الحجر كأنه جدار، وأخذ فرجه بشماله فيمسحه عليه. نهى النبي ﷺ الرجل أن يستطيب بيمينه، ومنها أن لا يستنجي من البول حتى ينثر ذكره ثلاثًا. قال النبي ﷺ : (استبرئوا من البول، فإن غامة القبر منه) وقال: (إذا مال أحدكم فلينثر ذكره ثلاث مرات). ومنها أنه إذا فرغ من الاستنجاء فارق موضعه وقال: الحمد لله الذي أخرج عني ما يؤذيني وأمسك ما ينفعني. فإنه يروى أن النبي ﷺ كان يقول ذلك: وروى عنه أنه كان (إذا أخرج من الخلاء قال: غفرانك). فأما الاستنجاء فقد ذكرت فيما مضى أنه لا يجري بأقل من ثلاثة أحجار، وإن اتقي ما دونها، وإن لم يتق الثلاث زاد حتى يبقي، ولا يستنجي بشيء نجس، ولا بعظم ولا بلحم مقدد، ولا بكسر الخبز فإن فعل لم يتق، وإن أخذ الحجر بيمينه فاستنجى اتقاه لأن المتقى هو الحجر دون اليد والله أعلم. والمستحب أن يبدأ فيتقي بأحجار ثم يتطهر بالماء. وروى أنه لما نزل في أهل قباء قول الله :﴾ رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ﴿. قال لهم رسول الله ﷺ : (ما هذه الطهارة التي أنزل الله عليكم من أجلها؟ فقال النبي ﷺ : فهو ذاك هو ذاك). وإذا أراد الاقتصار على أحدهما فالماء لأنه أبلغ. فأما رسول الله ﷺ فقد استنجى بالماء كما استنجى بالأحجار. قال، أنس ﵁: كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام إناء فيه ماء، فيستنجي به. وقالت عائشة ﵂ للنساء: مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء، فإني استحيتهم منه أن رسول الله ﷺ كان يفعله. وإذا استنجى بالماء غسل يده بعد الاستنجاء بتراب أو اثنان. قال أبو هريرة رضي

стр. 810

الله عنه: دخل رسول الله ﷺ الخلاء فأتيته بماء فاستنجى به، ومسح يده بالأرض ثم غسلها، ثم أتيته بأخر فتوضأ. فصل فأما الاغتسال فإن المفروض منها غسل الجنابة، والغسل من الحيض ومن الولادة، وما عدا ذلك فكله سنة. والجنابة تكون بشيئين: أحدهما أن يغيب الحشفة في فرج آدمي أو آدمية فيجب الغسل على كل واحد منهما، وإن لم ينزل لقوله ﷺ (إذا التقى الختانان وجب الغسل). وإنزال الماء الدافق موجب للغسل. وكان الحكم في أول الإسلام: إنما الماء من الماء وإن من جامع ولم ينزل فعليه الوضوء. ثم فسخ بما ذكرت. وإذا جامع الرجل أهله، فأراد أن ينام قبل أن يغتسل، فإن رسول الله ﷺ أمر من سأله عن ذلك أن يتوضأ وضوءه للصلاة ثم لينم. وروى عنه ﷺ أنه كذلك كان يفعل، وعنه ﷺ أنه قال: (إن الملائكة لا تحضر جنازة كافر ولا جنب حتى يغتسل أو يتوضأ وضوءه للصلاة). وقالت عائشة: إذا كان أحدكم جنبًا فأراد أن يرقد فليتوضأ، فإنه لا يدري لعله تصاب نفسه في منامه، ولا ينبغي للجنب أن يأكل أو يشرب ما لم يتوضأ. قال جابر ﵁: سئل النبي ﷺ عن الجنب، هل ينام أو يأكل؟ قال: إذا توضأ وضوءه للصلاة. وقالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ إذا كان جنبًا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ). وإذا أراد الجنب الخروج بحاجته توضأ ثم خرج. روى ذلك عن سعد بن أبي وقاص ﵁، وعن جماعة سواه. وإن أراد الجنب أن يعود، فقد جاء الحديث عن النبي ﷺ : (إذا أراد أحدكم العود فليتوضأ). ولكن معناه فليتنظف بغسل فرجه لأنه روى في حديث آخر مفسرًا: (إذا أراد أحدكم

стр. 811

أهله، ثم أراد أن يعود فليغسل فرجه). وفي رواية أخرى: (فلا يعودن حتى يغسل فرجه). وإذا أراد أن يطوف على نسائه أو على جواريه بغسل واحد، فذلك جائز، فعله رسول الله ﷺ ، وإن اغتسل عند كل واحدة فقد روى عن النبي ﷺ أنه فعله. وقال: (هذا أزكى وأطيب). فصل وينبغي للجنب إذا أراد الغسل أن يستتر. جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (يا أيها الناس أن الله يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم ليتوار من الناس بشيء). وسترت فاطمة رسول الله ﷺ بثوب حين اغتسل. وجاء أن النبي ﷺ رأى ثلاثة يغتسلون في حوض عراة، فأشار إليهم بأن يأخذوا ثيابهم فقال: (ما تستحيون الكرام الكاتبين، أما يستحي بعضكم من بعض، إذا كان أحدكم بالفلاة، فأراد أن يغتسل فليستتر ببعير أو بشجرة، فإن لم يجد فبأخيه وليوليه ظهره). وروى أن رسول الله ﷺ أجير في غنم الصدقة قائمًا عريانًا، فقال: كم عملت لنا؟ قال فلم يا رسول الله ﷺ ، فلك ما أريد أزكى لنا عملاً ما لا يستحي الله إذا خلا). وإذا أراد الجنب أو غيره دخول الماء في بحر كان أو حوض فلا يدخله إلا بمئزر. وجاء عن النبي ﷺ أنه لا يدخل أحدكم الماء إلا بمئزر، فإن للماء عابرًا. وجاء عن عمر بن الخطاب ﵁ إلى الجار فدعا بمناديل، فقال: واغتسلوا بماء البحر فإنه مبارك، وإذا دخل الحمام فلا تدخلوه إلا بمئزر. نهى رسول الله ﷺ الرجال والنساء عن الحمامات، ثم رخص للرجال أن يدخلوها

стр. 812

بالمآزر، ونهى النساء عنها إلا أن تكون نفسًا أو سقيمة. ومن دخل الحمام وقد سبقه غيره فلا ينظر إليه ولا يسلم عليه روى عن الحسن بن علي ﵄ قال: ليس في الحمام سلام ولا تسليم، وينبغي أن يرفع اسم الله عن أن يذكر في الحمامات. كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى الأشعري ﵁: أما بعد، فلا تدخل الحمام إلا بمئزر ولا تذكر الله فيه حتى تخرج منه، ولا يغتسل اثنان في حوض. فصل وإذا بدأ الجنب الإغتسال، فليسم الله ثم ليغسل يديه. قالت ميمونة ﵂: وضعت لرسول الله ﷺ غسلاً فاغتسل من الجنابة، فأكفأ الإناء بشماله على يمينه، فغسل يديه ثلاثًا ثم أدخل يده في الإناء ثم يغسل فرجه بشماله ثم يغسل يده بتراب أو بشيء نظيف. قالت ميمونة ﵂: كان رسول الله، إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه ثم يضرب بيديه الأرض فيمسحها ثم يغسلهما ثم يتمضمض ويستنشق ويغسل وجهه وذراعيه، ثم يفيض الماء على جسده، ثم يتنجى فيغسل قدميه. هكذا وصفت ميمونة غسل رسول الله ﷺ . وروى أنس ﵁ أنه تمضمض واستنشق ثلاثًا، وهذا يدل على أنه عده من وضوئه لا من غسله، لأنه ليس في الغسل عدد. وإذا كان على رأسه شعر، وكانت كث اللحية أو كانت المغتسلة امرأة أفاض الماء على شعوره ثلاثًا وغلغله في أصولها، ليعلم أن الماء قد وصل إلى ما تحت الشعر من بشرته، كما وصل إلى ظاهر شعره. وروى عن النبي ﷺ أنه أفاض الماء على رأسه ثلاثًا، وأقبل بيديه وأدبر، وخلل بيديه أصول الشعر. قالت عائشة ﵂ حتى يخيل إلى أنه استبرأ البشرة. وأما إفاضة الماء على سائر الجسد فلم يرو فيها عدة فإن لم يكن على رأس المغتسل شعور كثيرة، ولا على وجهه مجرى سائر جسده، ويدخل إصبعيه في سرته إن كانت غائرة فيعلم أن الماء قد وصلت إليها. روى ذلك عن ابن عمر ﵄. وقال الشعبي: إذا اغتسلت فلا تنس سرتك، وما تحت خاتمك، فإنهما خصلتان أغفلهما الناس.

стр. 813

وإن كانت المرأة قد شدت ضفائرها، فإن أم سلمة ﵂ قالت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفانفضه للغسل من الجنابة؟ قال: (لا إنما يكفيك أن تحثي عليها ثلاث حثيات، وتفيضي عليك من الماء، فإذا أنت قد طهرت). وإذا اغتسلت المرأة من الحيض فإنها تفعل ما ذكرنا كله، فإذا فرغت، وقد غسلت فرجها بالماء قبل الغسل كما يفعله الجنب شيئًا من مسك، فتتبعت بها أثر الدم. قال رسول الله ﷺ التي عليها الغسل من المحيض، ثم خذي فرضة من المسك فتطهري. قالت عائشة ﵂: تتبعي بها أثر الدم. وينبغي للمغتسل والمتوضئ إذا تطهرا وهما على حد عجلة، أو متاذيان بشدة برد، أن يستبغا طهارتهما ولا ينزعا حتى يعلما أن قد أكملا ولم يبقيا شيئًا. جاء عن النبي ﷺ في الغسل أنه قال: (الإيمان ثلاثة، والأمانة ثلاثة، من آمن بالله العظيم وصدق المرسلين أولهم وآخرهم، وعلم أنه مبعوث بعد الموت فقد طعم طعم الإيمان. والأمانة ثلاث: ائتمان بالله تعالى على العبد على صلاته وصيامه وغسله، ولو شاء قال: صليت ولم يصل. ولو شاء قال: إنما أنا صائم، ولم يصم ولو شاء قال: قد اغتسلت من الجنابة ولم يغتسل. فإن الله قال: ومن اغتسل من الجنابة فهو عبدي حقًا، ومن لم يغتسل من الجنابة لم يكن عبدي حقًا). وعن النبي ﷺ قال: (إذا قام - يعني الجنب عليه الماء - فله بكل شعره يمر بها عشر حسنات وتمحي بها عشر سيئات، ويرفع بها عشر درجات. ويباهي الله به الملائكة يقول: انظروا إلى عبدي هذا، قد قام في ليلة قرة يغتسل فيها من خشيتي، أشهدكم ملائكتي إني قد غفرت لعبدي). وهذا من كانت جنابته من حلال. فأما إذا كانت من حرام، لم يكن لغسله هذه المنزلة إلا أن يتوب قبله والله أعلم. ومما جاء في الوضوء أن رسول الله ﷺ قال: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا،

стр. 814

ويرفع به الدرجات، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة). وقال ابن عباس ﵄: كان رسول الله ﷺ عبدًا مأمورًا مضى لأمر الله، لم يشر إلينا شيئًا دون الناس غير أنه أمرنا أن لا نثري الحمائر على الفرس وأن لا نأكل الصدقة وأن لا نسبغ الوضوء، وفي بعض الروايات الحمر على الخيل، والمراد بالنهي العراب. فصل ولا يكون الوضوء ولا الغسل وإزالة النجس إلا بالماء المنزل من السماء والنابع من الأرض والراكد والجاري، والكدر الصافي والعذب والأجام والحار والبارد، وما انعقد ثم ذاب وما كان بحاله ذائبًا كله طهور، غير أن المسخن في القماقم والكراي المقدمة بالشمس يبقى، لأن عائشة ﵂ قالت: سخنت لرسول الله ﷺ ماء في الشمس فقال: (يا حميرة لا تعودي فإنه يورث الوضح). وأما ما انبسطت على الشمس من مياه الغدران والحياض والأودية والنجاد، فليس فيها هذا المعنى ولا كراهية. والأصل في هذا قول الله :﴾ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ﴿وكانت عادة المخاطبين بالآية أن يغتسلوا بالماء، فانصرف الأمر إليه، ولم يسقط الفرض غيره، لأن الأمر بالشيء نهي عن تركه، وغسل الجنابة قياس على الطهارة من الحدث لأنه طهارة الصلاة مثلها، والله أعلم. وأما النجاسات فهي كثيرة، منها: الخمر، قال الله تعالى:﴾ إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ﴿. والرجس أعظم الأنجاس وقال:﴾ فاجتنبوه ﴿وليس النجس إلا ما يجب اجتنابه، وكل شراب مسكر فهو نجس قياسًا على الخمر.

стр. 815

ومنها الأبوال والأرواث: أمر النبي ﷺ بالنترة من البول، وفرض الاستنجاء منه ومن الخلاء. ونهي عن البول في الماء الدائم، والخلاء في الماء النافع، وذلك في القليل من الماء، فعلم به نجاستهما، ومنها الميتة إلا استثنى رسول الله ﷺ منها من الحوت والجراد ولا الآدمي الميت، فإنه طاهر، ولولا ذلك لم يغسل. ولأن النبي ﷺ قبل عثمان بن مطعون وهو ميت ودموعه تسيل على لحيته، فلو كان نجسًا لتنزه عنه. وإذا كان الآدمي لا ينجس بالموت، فكذلك ما قصه من شعره وظفره وتقشر من جلده، وندر من سنه، فهو طاهر كله. وينبغي أن يدفن ولا يطرح. ولا سعر ما يؤكل لحمه إذا أخذ منه وهو حي، لأنه أخذ منه وهو حي، لأنه أخذ منه حلال. فهو لقطع الرأس في ذكوته، قال الله :﴾ ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثًا ومتاعًا إلى حين ﴿. فأباح الانتفاع بهذه الأشياء ولو كانت نجسة لأمر بطرحها والتنزه عنها، فأما ما عدا ما ذكرنا من الميتة فنجس. مر النبي ﷺ على شاة لآل ميمونة، فقال: (هلا انتفعتم باهابها فقالوا: أنها ميتة، فقال: دباغها طهورها) فأبان أنه نجس ولولا ذلك لم يحتج إلى ما يطهره. وقال: (أيما أهاب دبغ فقد طهر) فدل ذلك على أن الدباغ يزيل النجاسة الواقعة بالموت. وإذا كان المأكول لحمه إذ ذكي نجس إذا مات لا عن ذكوة، فالذي لا يؤكل لحمه بأن نجسه الموت أولى، والله أعلم. ومنه الكلب والخنزير، قال النبي ﷺ : (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا إحداهن بالتراب) وهذا يدل على أن نجاسته أغلظ النجاسات وقال الله : في الخنزير أو لحم الخنزير فإنه نجس. ومعنى ذلك فإن الخنزير رجس لأنه أقرب إلى الكناية من اللحم، والرجس أعظم الأنجاس، فعلمنا أن الخنزير الحي نجس وأنه أنجس من غيره، فالحق بالكلب في الحكم والله أعلم.

стр. 816

وأما الألبان، فإن لبن ما لا يؤكل لحمه نجس لأنه كلحمه لا حال له بعد الموت إلا النجاسة. وأما لبن ما يؤكل لحمه فهو كلحمه المذكي، لأن اللبن مباح. قال الله تعالى:﴾ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ﴿. وقال:﴾ فإن ارضعن لكم فاتوهن أجورهن ﴿. فهو كاللحم المباح. ولبن الآدمية كحملتها بعد الموت وهي طاهر ميته، فكذلك لبنها إذا فارقها والله أعلم. وأما القيء فإنه نجس قياسًا على الرجيع، المذي أو لودي نجاسان. فأما المذي فإن النبي ﷺ أمر المقداد بنضح الفرج منه. وأما الوذي فإنه من توابع البول لأنه إنما يخرج على أثره فكان بمعناه والله أعلم. وكل شيء رطب أصابته إحدى هذه النجاسات نجس، إلا الماء فإنه إذا كان دون القلتين نجس، وإن كان قلتين وأكثر لم ينجس إلا أن يتغير، لأن النبي ﷺ قال في ولوغ الكلب ما روينا. وقيل له: إنك تتوضأ من ماء بئر قضاعة، وهي تطرح فيها المحائض ولحوم الكلاب وما ينجي الناس، فقال: (الماء ينجسه شيء). فثبت بحديث الولوغ من الماء ما ينجس أو بحديث بئر قضاعة أن منه ما لا ينجس، فاحتيج إلى فصل بينهما. ثم جاء أنه سئل عن الماء يكون في الفلاة وما تنوبه السباع والدواب، فقال: (إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسًا) فصارت ذلك فصلا بين ما يحمل نجاسة وما لا يحملها والله أعلم. فصل وإذا لم يقدر المحدث والجنب أو الحائض على الماء، لعوز الماء في السفر، أو مرض يخشى أن يكون منه عند مس الماء التلف، قام التيمم مقام الوضوء والغسل. قال الله :﴾ وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ﴿ويحل للمسافر أن

стр. 817

يباشر أهله في الموضع الذي يخشى أن لا يجد فيه الماء، لأن الله تعالى أقام له التراب مقام الماء. ولا يجوز التيمم إلا التراب لأنه الصعيد. والتيمم أن يضرب يديه على التراب طاهر، أو على شيء يثور منه غبار، فيعلق باليد ثم يمسح بهما جميعًا ثم يضربهما مرة أخرى كذلك، فيمسح ظهر الكف والذراع من يده اليمنى ببطون أصابع كفه اليسرى إلى المرفق، ثم بطن الذراع من المرفق - مفصل الكف - ببطن الكف اليسرى، ثم يمسح اليسرى باليمنى كذلك، ويمسح إحدى الراحتين بالأخرى، ويخلل الأصابع بعضها ببعض. قال النبي ﷺ : (في التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين، ولا تيمم للمكتوبة إلا بعد دخول وقتها). وإن تطلب الماء رفقًا به وفيما وحوله ولا تجده بثمن ولا بغير ثمن، لأن الله يقول فلم تجدوا ماء ولا يعلم أنه غير واجد إلا أن يطلبه فلا يجده لا ضرورة به قبل وجوب المكتوبة إلى أن يترخص لها بالتيمم. وأما المريض فهو المحذور، وأي قرح كان أو الجرح ومن لم يخش من مس الماء التلف أو الضرر الشديد فهو كالصحيح، وأما من وجد الماء إلا أنه يخش الضرر على نفسه إن اغتسل به ولم يجد ما يسخن به الماء فإنه يتيمم ويصلي ويعبد إذا قدر على الاغتسال لأنه لا مريض ولا مسافر. فإن كان مع المسافر من الماء ما لا يستغني عنه لشربه تيمم. فهو كمن لا يجد شيئًا وكمن وجد عند رفيقه فلم يعطه. ولا يجمع بين مكتوبتين من المكتوبات الخمس بتيمم، ويطلب لكل واحد منهما الماء في وقتها. فإن لم يجد تيمم لظاهر الآية. وللمتيمم أن يجمع بين المكتوبة الواحدة وما شاء من النوافل. فصل وإذا حاضت المرأة حرمت عليها الصلاة والصيام، ولم يكن لزوجها أن يستمتع بها دون الازار منها. فأما فوقه فهو له مباح، أمر رسول الله ﷺ عائشة ﵂ وهي معه في الفراش فحاضت، أن تقوم فتأتزر ثم ترجع. فإن كانت مبتدأة تركت الصلاة إلى خمسة عشر يومًا، وإن انقطع فكله حيض. وإذا جاوز تحيضت من أول الدم يوماً

стр. 818

وليلة واغتسلت وأعادت صلاة أربعة عشر يومًا، فإذا رأت الدم في الشهر الثاني تحيضت من أول الدم يومًا وليلة ولم تزد على ذلك ثم اغتسلت وصلت. لذلك أمر النبي ﷺ المستحاضة لما سألته، وإذا كانت للمرأة عادة معروفة ثم اختلط حيضها بالاستحاضة ولم تقدر على التمييز رجعت إلى عادتها، وإذا انقطع دمها لم يكن لزوجها أن يأتيها حتى تغتسل، لقول الله :﴾ ولا تقربوهن حتى يطهرن. فإذا تطهرن فاتوهن ﴿وهذا سائر ما قدمنا ذكره، وإنما يليق إشباع القول فيه بالكتب المجردة بالأحكام وبالله التوفيق. * * *

стр. 819

الحادي والعشرون من شعب الإيمان وهو باب في الصلاة وليس في العبادات بعد الإيمان الدافع للكفر عبادة، سماها الله ، إيمانًا، وسمى رسول الله ﷺ تركها كفرًا إلا الصلاة. فإن الله لما حول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وأهم المسلمين أمر الصلاة التي صلوها إلى بيت المقدس، أنزل قوله :﴾ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴿. يعني تلك الصلوات. وقال النبي ﷺ (بيننا وبينكم الصلاة، من تركها فقد كفر). ولدت الدلائل وراء ذلك على أنها أعظم العبادات قدرًا وأعظمها حكمًا. فمنها، أنها تكرير الإيمان من وجوه: أحدها أنه لابد فيها من الشهادتين اللتين بهما ظاهر الإيمان، ولا تصلح الصلاة إلا بهما، على أنهما يتكرر أن في بعض الصلوات نقلاً مرة وتمرنًا أخرى، ولا تكرار لهما في صلب الإيمان. ومنها أن لا ينعقد الإيمان إلا بتسمية الله تعالى، وهو أن يقال: الله أكبر، كما لا ينعقد الإيمان إلا بتسمية الله توحيده، وهو أن يقال: لا إله إلا الله، وتتعلق صحتها بقراءة القرآن الذي هو حجة الرسول ﷺ ومعجزته فتقوم مقام الشهادة بنبوته ورسالته في صلب الإيمان. ومنها أن أفعالها أفعال متعينة للتعظيم في العادات كالقيام والركوع والسجود والجثو

стр. 820

على الركب، تدل من الفاعل على أنه يزيد بها معظمًا يقصده بقلبه ثم تتعلق صحة ذلك التوجه نحو جهة مخصوصة لا يتعلق التعظيم في العادات بهما. إلا أن الرسول المعظم المقصود هدى إليها وأمر بها، فتقوم تلك الأفعال مقام الشهادة بالله وبوحدانيته. ويقوم التوجه نحو الجهة المخصوصة بقول النبي ﷺ مقام الشهادة بنبوته. فتصير الصلاة من هذه الأوجه الثلاثة كالإيمان المطلق، ويجب لها بذلك أن تكون أعظم العبادات قدرًا، وأسناها منزلة. ويؤكد ما قلنا أن اسم الصلاة في اللسان موضوع للتعظيم، لأن الصلاة شرط التطهير. فإذا قيل: صلي قائمًا، يراد حتى صلبه لفلان قائمًا، يراد تواضع له بأن حني له صلبه فسميت هذه العبادة صلاة، لأنه لا جهة من جهات التعظيم من حني الصلب وغيره، إلا وقد اجتمعت فيها. فإن الواحد من الناس إذا دخل على معظم منهم وأراد توقيره والتواضع له لم يحز من وجوده: إما أن يمثل بين يديه، وهذا موجود في الصلاة، لأن فيها قيامًا، أو يتخفى لوجهه إذا رآه، وهذا موجود في الصلاة، لأن فيها ركوعًا أو يجثو له على وجهه، وهذا في الصلاة موجود، لأن فيها سجودًا أو يجثو بين يديه وعلى ركبتيه، وهذا في الصلاة موجود، لأن فيها قعودًا. أو يثني عليه ويمدحه ويدعوه بأسمائه الشريفة الكريمة عنده ليظهر له أنه غير مستغن عنه. وهذا موجود في الصلاة، لأن فيها إذكاء وثناء، أو يتصاغر له برفع حوائجه إليه، ويظهر له أنه غير مستغن عنه، وهذا موجود في الصلاة، لأن فيها دعاء، وأفضل الدعاء ما كان في الصلاة أو يتقرب إليه بقراءة كتابة وعهده وولوعه به وصرف الهمم إلى تحفظه، وهذا في الصلاة موجود لأن فيها قراءة القرآن أو تعظيمه بأن يلزم قصده ولا يعرض عنه، ولا يلتوي ولا يلتفت. وهذا في الصلاة موجود، لأن المصلي يلزم قصد الجهة التي ولاه الله إليها ولا يلتفت أو تعظيمه بأن لا يكلم أحدًا سواه بين يديه، ولا يشتغل إلا به. وهذا في الصلاة موجود لأن كلام الناس فيها محظور ممنوع. ويتقرب إليه بأن لا يراه إلا وهو متطهر متنظف لابس، ولا يعص منه بأن يتقدم إليه على أي حال كانت مستفتحة أو مستحسنة. وهذا في الصلاة موجود لأن من شرطها الطهارة وستر العورة. فهذه جهات التعظيم، ولا تعرف في العبادات عبادة جمعت منها ما جمعت الصلاة، فاستحقت بذلك أن تسمى بهذا الاسم، وتدعى قرينة الإيمان أو ثانيته وبالله التوفيق. ومن الدلائل التي ذكرتها أن النبي ﷺ جل إقامتها من أسباب حقن الدم، وإن

стр. 821

كان تركها لا يضر إلا تاركها، كما جعل الشهادتين حاقنتين للدم، وأن حبسهما. لا يضر إلا حابسهما. فقال النبي ﷺ (إني منعت عن قتل المسلمين) وقال الذي جاءه فسافر في قتل رجل، قال: (أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: بلى ولكن لا تشاهد له قال: أليس يصلي؟ قال: بلى، ولكن لا صلاة له. فقال: أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم) فدل بذلك على أن لا قام الصلاة من الحظ في العصمة ما لشهادة الحق، وليس هذا الشيء من العبادات سوى الصلاة. ومنها أن الصلاة أشغل العبادات للزمان بعد الإيمان، لأنها تتكرر في كل يوم وليلة خمس مرات، ومعها من السنن المذكورة، والنوافل المستحبة ليلاً ونهارًا ما يستغرق نحوًا من شطر الزمان. فإن صلاة الضحى إذا ضمت إلى المكتوبات المرادة على أفضل جهات التمام مع السنن المندوب إليها، ولزوم الذكر بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، ولزومه بعد العصر حتى تغرب الشمس. وصلاة التهجد في نحو من ثلثي الليل لم تشكل أن زمان الصلاة يكون نحوًا من زمان التجلي عنها، فيصير ذلك دليلاً على غلظ حق الصلاة، وأنه لو أمكن العبد أن لا يخلو منها، لما كان من حقه أن لا يخلو، كما أنه أمكنه أن يستديم الإيمان فلا ينفك منه لم يجعل له أن يخلو منه، لما كان من حقه أن يخلو. كما أنه لو أمكنه أن يستديم الإيمان إلى زمن، ولكن استغراق الأزمان كلها بالصلاة لما كان غير ممكن كان شغل شطرها فيها ممكنًا أمر بذلك فرضًا وندبًا، ويبين ما وضعت أن الزمان كله محتمل الصلاة إلا الأوقات المستثناة التي تذكر بعدها إن شاء الله. وتلك أوقات يسيرة من أزمان كثيرة، فبان أن القصد وقع على أن يكون التعبد بالصلاة مستمرًا في أكثر الأوقات. وإلى هذا وفقت الإشارة بقول الله : ﴿وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ﴿وقوله :﴾ ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلاً ﴿. وقوله:﴾ قم الليل إلا قليلاً ﴿إلى قوله ﴿سبحًا طويلا﴾.

стр. 822

وجاء أن داود ﵇ كان جرى على أهل بيته الصلاة، فلم تكن ساعة من الليل والنهار إلا وإنسان قائم من آل داود يصلي. وليس ذلك لعبادة سواها، وكان ذلك مما يدل على غلظها وعظم قدرها. ومنها أنها لا تسقط بالأعذار ولا تنزل إلى الإبدال، ولا تجري فيها الغاية، فإنها غير مرفوعة عن مخاطب مكلف على سبيل الترفيه عنه، ولكن كل أحد مأمور أن يصليها ولا يؤخرها عن وقتها، صحيحًا كان أم مريضًا، آمنًا كان أو خائفًا، مقاتلاً كان أو غير مقاتل، حتى الذي مر بها الطلق، وحتى المربوط على خشبة، كل هؤلاء مأمورون بالصلاة على ما يمكنهم ويقدرون عليه، ويليق بأحوالهم. لا يحل بأحد منهم تأخيرها عن وقتها، ولا يقبل من أحد عنها فدية، ولا يجوز عنه من غيره نيابة. وليس هذا الشيء من العبادات بعد الإيمان، فدل ذلك على دنو منزلتها من الإيمان، وفضلها بذلك على غيرها. ومنها أنه ليس في العبادات التابعة للإيمان عبادة تشتمل على أذكار وأفعال سوى الصلاة. ومعلوم أن كل واحد منهما يصلح للتقرب به إلى الله . فإن قيل: فالإيمان نفسه ليس إلا الذكر. فقولوا: إن الصلاة بجمعها بين الأذكار والأفعال أفضل منه. قيل: هذا غلط، لأن الإيمان جامع بين الأذكار والأفعال، وأحد أفعالها الصلاة التي نحن في ذكرها، فكيف يلزمنا أن نفضلها على الإيمان؟ فإن قيل: الدافع منه للكفر لا يحتاج إلى الصلاة: قيل: الدافع للكفر هو الذي جعلت الصلاة من شعبه وأركانه، ولكن دفع الكفر به بعجل قبل وجوب الصلاة. وذلك لا يخرج الصلاة من أن يكون من أركانها، كما أن النية والتكبير ينقلان عن لا صلاة إلى الصلاة، وذلك لا يدل على أن ما وراء التكبير ليس بصلاة والله أعلم. ومنها أن شيئًا من العبادات لا يقتضي من كثرة الشرائط ما تقتضيه الصلاة، قول ذلك على أن غلظ حكمها وعظم قدرها. فإن ألزمنا على هذا الإيمان كان الجواب عنه كالجواب عن الذي قبله. ومنها أن الصلاة من جنس عبادة الملائكة، فإنهم موصوفون بالقيام وبالركوع وبالسجود. قد جاءت الأخبار بذلك عنهم والبيان للذكر، ومعلوم أن الصيام والزكاة

стр. 823

ليسا لائقين بالملائكة، ولا الإحرام بالحج ولا العمرة، لأنهم ليسوا من أهل الأشياء التي تحرم على المؤمنين من بني آدم، فيليق لذلك أن يوصفوا بأنها حرمت عليهم. وإن كان شيء من عمل الحج يليق بهم فالطواف، والطواف صلاة، فصح أن الصلاة أشرف العبادات وأفضها والله أعلم. وبحسب ما ذكرت من منزلة الصلاة من سائر العبادات جرى ذكرها من الله ﵎ والدلالة من رسول الله ﷺ . فإن الله اسمه ما ذكر الصلاة مع غيرها إلا قدم الصلاة عليه فقال:﴾ الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ﴿. وقال:﴾ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴿. وقال:﴾ والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة ﴿. وقال:﴾ يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر، قالوا: لم نك من المصلين، ولم نك نطعم المسكين ﴿. إلى غير ذلك من الآيات التي تكثر على العد وقد ذكر الله الإيمان والصلاة، ولم يذكر معهما غيرهما، دلالة بذلك على اختصاص الصلاة بالإيمان والتزامها به. فقال:﴾ فلا صدق ولا صلى ﴿. أي فلا هو صدق رسول الله ﷺ فآمن به، ولا صلى لأنه إذا لم يصدق بالرسالة كانت الصلاة إحدى الرسالات لم يصل. وقال:﴾ وإذا قيل لهم اركعوا، لا يركعون فبأي حديث بعده يؤمنون ﴿. فوبخهم على ترك الصلاة كما وبخهم على ترك الإيمان. وقد ذكر الصلاة وحدها بذلك، دلالة بذلك على أنها عماد الدين، فذكر الأنبياء والمتقين ومدحهم بأنهم كانوا﴾ إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدًا وبكيًا ﴿. ثم ذكر من خالف هداهم فذمهم فقال:﴾ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ﴿. فقد مدحهم حين مدحهم على الصلاة أو ما يجري مجرى الصلاة من السجود. وقصر ذنبهم على ترك الصلاة، ثم أخبر بما يؤذيهم إليه من سوء العاقبة فقال: ﴿فسوف يلقون غيًا﴾.

стр. 824

يعني -والله أعلم- لا يرشدهم أمرهم مع إضاعة الصلاة، ولكنهم يقرون، فلا يزالون يقعون في فساد بعد فساد، كمن يضل الطريق، فلا يزال يقع في مهلكة بعد بعد مهلكة إلا أن ينقطع به فيبيد، فدل ذلك على عظم قدر الصلاة وجلال موقعها من العبادات والله أعلم. وأما النبي ﷺ ، فقد روي عنه أنه قال: (مثل الصلوات الخمس كمثل نهر عذب يجري على باب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، فماذا يبقى عليه من الذنوب). وقال: (الجمعة إلى الجمعة والصلوات الخمس كفارات لما بينهن ما اجتنب الكبائر). وقال: (إذا توضأ الرجل وأحسن الوضوء ثم أتى إلى المسجد لا يريد إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفع بها درجة أو حط عنه بها خطيئة، والملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى عليه، اللهم صل عليه، اللهم ارحمه ما لم يحدث، ما لم يؤدي فيه أحد). فأبان ﷺ بما قال عظم قدر الصلاة وارتابها على سائر العبادات ثم بين ذلك نصًا، فإنه سئل: أي العمل أفضل؟ فقال: (الصلاة لوقتها). وقال: (خير أعمالكم الصلاة). وقال: (الصلاة نور المؤمن). وهذا على معنى أنه أحسن ما يظهر منه. وجاء عنه ﷺ قال: (ما أذن الله لعبد في شيء أفضل من ركعتين يصليهما، وإن البر ليذر على رأس العبد ما دام في صلاته). ودل ﷺ عظم قدر الصلاة بقوله: (إن أول ما افترض على هذه الأمة من دينهم الصلاة، وآخر ما يبقي من دينهم الصلاة، وأول ما يحاسبون به الصلاة، يقول: انظروا في صلاة عبدي، فإن كانت تامة

стр. 825

حسبت له تامة، وإن كانت ناقصة، فإن كان له تطوع زيد في فريضته ثم تستقر الأعمال على ذلك). وقال لمعاذ بن جبل: (سأنبثك برأس الأمر، وعموده رأس الإسلام، وعموده الصلاة) وجاء عن كعب ﵁ قال: اختار الله البلاد، فأحب البلاد إلى الله البلد الحرام واختار الزمان فأحب الزمان إلى الله الأشهر الحرم، وأحب الأشهر الحرم إلى الله ذو الحجة وأحب ذو الحجة إلى الله العشر الأول. واختار الله الأيام، فأحب الأيام إلى الله يوم الجمعة واختار الله الليالي فأحب الليالي إلى الله ليلة القدر. واختار الله الساعات، فأحب ساعات الليل والنهار ساعات الصلوات المكتوبات. واختار الله الكلام، فأحب الكلام إلى الله، لا إله إلا الله والله أكبر، وسبحان الله والحمد لله. وفي بعض الحديث، إن الملائكة يأتون أهل الجنة في أوقات صلواتهم، فيسلمون عليهم، وإن كرامة الله تعالى لأهل الجنة تكون بمقادير صلواتهم وفي أوقات صلواتهم. وهذا أيضًا مما يميز الصلاة عن سائر العبادات ويبين فخامة أمرها وعظم قدرها. وجاء عن النبي ﷺ : (كان إذا حزبه أم فزع إلى الصلاة). وعن علي كرم الله وجهه قال: لقد رأينا ليله القدر وما فينا إلا نائم غير رسول الله ﷺ يصلي ويدعو حتى أصبح، وكذلك روى عنه ﷺ في ليلة الخندق أنه قام فصلى هونًا من الليل حتى أتاه الخبر بانصراف الناس. وروي عنه أنه كان إذا رأى بأهله ضيقًا وشدة أمرهم بالصلاة لقول الله :﴾ وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ﴿. وروي أن موسى صلوات الله عليه وسلم لما بلغ البحر ودنا فرعون من بني إسرائيل فزع لأن البحر كان أمامه، وفرعون بجنوده خلفه، فقام إلى الصلاة، وكانت الكرب العظام تكشف عن الأولين بالصلاة، فما زال يدعو ويتضرع إلى الله حتى أوحى إليه:﴾ أن اضرب بعصام البحر ﴿. فضربه فانفلق. وجاء عن النبي ﷺ : (إن الله

стр. 826

حرم على النار أن تأكل من بني آدم أثر السجود) يريد بذلك أن من أهل النار من المؤمنين لم تحرق النار مواضع السجود إذا صلوا منهم. فثبت بجميع ما ذكرنا وبغيره مما لم يذكره موقع هذه العبادة من بين العبادات، وما كان الله بهذه المنزلة فواجب على العبد أن يشكر الله تعالى على هدايته له أولاً، ويسأله التوفيق للاستكثار منه ثانيًا، ويبذل المجهود من نفسه ثالثًا، والله عز اسمه يرغب في تيسير ذلك لنا. أن مفاتيح الخير بيده، وما النصر والمعونة إلا من عند الله، وهو الولي الحميد. فصل وإذا ظهر عظم قدر الصلاة، فالصلاة تنقسم إلى قرآن وسنن معلومة وتطوع موكول إلى اختيار العبد لنفسه. والفرائض كلها إلى الأعيان - إلا صلاة الجنازة، فإنها من فروض الكفاية وهي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر. وقد ذكرهن الله تعالى مجملة ومفصلة. أما المجمل فقوله:﴾ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل ﴿. وكلتاهما بني الآيتين في هذا المعنى من المعجز العظيم البين إعجازه. فأما المفصل، فما روى نافع بن الأزرق قال: سألت ابن عباس ﵁: هل تجد في كتاب الله الصلوات الخمس؟ قال: نعم،﴾ فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ﴿وله الحمد في السموات والأرض وعشيًا العصر،﴾ وحين تظهرون ﴿الظهر. ثم قرأ:﴾ ومن بعد صلاة العشاء ﴿يعني العتمة. وجملتها سبع عشرة ركعة، ومعها من السنن ما قال ابن عمر ﵄: حفظت عن رسول الله ﷺ ركعتين قبل الفجر، وركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء. وذكر إن لم يكن يدعها. ويلتحق بهذه الجملة الركعات بعد الطواف والركعتان بعد دخول المسجد. وورائها صلوات مسبوقة بأنفسها وليست تابعة لغيرها كصلاة العيدين والاستسقاء والخسوف وقيام شهر رمضان، فإن ﷺ قال: (إن الله فرض عليكم صيام هذا الشهر وسننت

стр. 827

لكم قيامه) فأبان أن قيام شهر رمضان سنة. وأما قيام غيره من ليالي السنة فإنه رغب فيه جملة، ولم يطلق عليه اسم السنة، فهو إذًا من جملة التطوع كصلاة الضحى بالنهار، وصلوات التسبيح والأربع الركعات بعد الزوال، فإنه ذكر أن أبواب السماء تفتح في ذلك الوقت وسيجاب الدعاء. وأما الوتر، فإن النبي ﷺ قال: (إن الله زاد كم صلاة وهي الوتر فصلوها بين العشاء والفجر) ومعنى ذلك عندنا: أنها زيدت على سنة العشاء المعني وهو أن المغرب وإن كانت توتر العشاء كما توتر سائر المكتوبات، فإنها متقدمة على العشاء، وبالنية لغيرها. فزيدت هذه الوتر بعد العشاء لتؤكد ما أوجبته المغرب من إيثارها. وتضاهي العشاء بذلك سائر الصلوات لمن يصلي الفرض وحده، ثم تدركه في جماعة فيصليه معهم. وإن كان الفرض ساقطًا عنهم ليصير كأنه أدى الفرض في جماعة ولهذا المعنى تعلقت صحتها بفعل العشاء الآخرة، ولم يجز تقديمها عليها فهي من سنتها، وإن أخرت إلى الفراغ من صلاة الليل أوتر بها من بابها ونوعها، فإنها من صلاة التهجد مثلها. وهذه الصلوات كلها معلومة الهيئات، معروفة الأحكام، لا يخفي حملها على عامة المسلمين. وما وفاها من الفروع وبما يمكن أن يتحدث ويتوب. فأحكامها مفردة في الكتب المفردة لهذا الشأن. وإنما يذكر في هذا ما يتصل بآياته إن الصلاة من الإيمان. ويدل على عظم قدرها ووجوب المحافظة عليها، وغلظ الإثم على من أجل بها وقصر في حقوقها، وتعريف حكم الله في الأوقات التي وقت الصلاة بها، وفضل الاستكبار من نوافلها، وترتيبها من الآداب والهيئات فما شرع لها وترك الاقتصار منها على أقل ما يجري ويسقط به الفرض. وإظهار اليدين بها لأهل الملل بإقامتها جماعة في المساجد. والدلالة على حدود قيام رمضان والحث على قيام غيره وسائر ما جاء من وجوه التطوع والأمانة عن علم الوتر وتفضيل وجوهه، فإن هذه الأبواب تخلو منها أكثر كتب الفقهاء صنفوا في الفقه قديمًا، لأنهم أحبوا تجريده عما سواه، كما أفردوا لكل باب من أبواب الفقه كتابًا لا لمعنى سوى أنهم رأوا تجريده له أحسن من خلطه بما سواه. فأما اليوم فإن أكثر فقهاء زماننا أغفلوا

стр. 828

النظر في هذه الأبواب وظنوا أن علم الشريعة ليس إلا علم ما يستخرج بدقيق النظر من أحكام النوازل، وليس كذلك، بل علم العمل أهم وأفضل وأولى بالتقديم من علم اللسان، فإن الله خلق عباده ليعبدوه لا ليستخرجوا بجهدهم الحوادث أحكامًا ويشغلوا ليلهم ونهارهم بدرسها، ويبطلوا أمر العبادات التي كانت دأب الصالحين، فلهم علمها، فذاك الذي دعاني إلى تخريج هذا الكتاب، والله ينفع به ويجعله لوجهه بمنه وقدره. فصل ونقول قبل ما اقتصصنا من هذه المعاني إن الله تعالى لما فرض الصلوات الخمس علينا وجعلها موقوتة، فقال:﴾ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا ﴿. فيها من الليل والنهار، وأجل ما بين طلوع الشمس إلى زوالها من فرطها ليبسط الناس منه ويركنوا إلى التصرف في معايشهم وقضاء الحقوق التي تكون لبعضهم على بعض من الزيادة والعبادة والتهنئة والتعزية وغيرها. وأجلى منها الشطر الآخر من الليل أو ثلثهم ليستوفوا حظهم من النوم فيه، ويقضوا فيه وطرهم. وشغل بفرض الصلاة النصف الآخر من النهار، والنصف الأول من الليل، وما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وأنه وقت فارغ يعقب قضاء الناس حاجتهم من اليوم، ولا يتسع إلا للشراء والتصرف، ثم لم يفرض عليهم من الصلاة في هذه الأوقات يستغرقها بل السير منها لتجتمع لهم فيها العبادة والفراغ لما عسى يكون عليهم من إشغال المعاش، ويميلون إليه من الراحة والجمام ولله الحكمة البالغة. ووجه آخر: وهو أن الله لما جعل النهار لينتشر الناس فيه ويبتغوا نم فضله، والليل ليسكنوا فيه. فكانت حقيقة الليل والنهار أن تكون الشمس فوق الأرض أو تحتها، علق هذه الصلوات باحوال الشمس، ثم لم يجعل لطلوعها مدخلاً في إيجاب الصلاة، لأن لطلوعها من النهار، والحسن بما يأخذ بمجامع القلب، وقد يسجد في ذلك الوقت قوم من الكفار عبادة لها من دون الله تعالى وهم الذين أبادهم الله تعالى بقوله: ﴿لا

стр. 829

تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن ﴿. فلم يأمر الله تعالى في هذا الوقت بالصلاة لئلا تدخل الشبهة على بعض الناس، ويروا أن الصلاة في ذلك الوقت تعظيم للشمس، إذ لا يتصور ذلك منهم بهذه الصورة وإن كانوا لا يريدونها ولا يقصدونها. وقدم الإيجاب فوضعه عند طلوع الفجر الذي هو أول أحوال طلوع الشمس. فإنه ليس للفجر من الزهاء والبهاء والبهجة ما لعين الشمس، ولا يسبق إلى الأوهام من الصلاة في ذلك الوقت ما يسبق منها البهاء حال طلوع الشمس. ثم لم يعد الإيجاب صلاة أخرى حتى تزول الشمس. فإذا زالت الشمس وجب الظهر، وليس لزوالها من الحال التي وصفناها لطلوعها، لأن طلوعها ارتفاعًا وزوالها انحطاطًا. والسجود في وقت الانحطاط لا يشبه التعظيم ولا يوهمه. ثم لم يوجب صلاة حتى يصير ظل كل شيء مثله، ويزيد أدنى زيادة، فأخذ الظل في ازدياد، ويحدث له عليه كما أوجب الظهر حين حدث منه ما كان. وهذا أيضًا لا يوهم أن يكون المقصود بالسجود للشمس، لأن عليه الظل يحدث عن تزايد سقوط الشمس نحو المغرب، ثم لم توجب صلاة حتى تغرب الشمس غروبها أبعد الأحوال من اتهام أن يكون السجود لها. لأنها إذا غربت فقد غابت عن الأبصار وصارت كالمعدومة، ثم لم تجب صلاة أخرى حتى يغيب الشفق الذي هو الحمرة، لأن الحمرة من بقايا الإشراق الذي هو رتبة الشمس وبهجتها. وإيجاب الصلاة عند غروبها كإيجابها عند غروب قرصها إلا إيهام فيه لتعظيمها وأن تكون هي المقصودة في السجود دون خالقها، ولم تفرض هذه الصلاة إلى أن يغيب البياض، لأن صلاة قد وجبت بطلوع البياض فلم يجز أن يكون غروبه وقتًا للصلاة الأخرى، ليكون حكم الغروب خلاف حكم الطلوع. ألا ترى أن غروب الشمس لما كان وقت الصلاة لم يكن طلوعها وقت الصلاة، فخالف حكم الطلوع حكم الغروب، فكذلك هذا. وله وجه آخر: وهو أن أوقات الصلاة إذا كانت مأخوذة من أحوال الشمس وجب أن يكون أثر من آثار الشمس موجودًا حينما تجب الصلاة وتقام. فإذا كانت صلاة الفجر تجب بظهور بياض الشمس، والظهر يجب بزوالها، والعصر باستعلاء سقوطها، والمغرب

стр. 830

بمغيب عينها. وكانت هذه الصلوات كلها تقام والشمس نفسها، أو أثر من آثارها قائم باد، دل ذلك على أن العشاء هذا بسببها، وأنها تجب بغروب الحمرة، فتقام والبياض الذي هو من آثار الشمس قائم باد، ولا يتأخر وحوبها إلى أن يغيب البياض، فلا يبقى من الشمس عين ولا أثر والله أعلم. وأما الركوع فإن خط ابتدائه، بلا سبب يدعو إليه في وقت الطلوع ووقت الزوال ووقت الغروب، لأن الصلاة توجبه، وقد جرت العادة بأن يجتبي الناس من يطعمونه أو يجبونه في ثلاثة أوقات، إذا بدأ أو إذا أدنى، وإذا هم بأن ينأى أي فيعيدون التحية له أبدًا تعظيمًا كالسلطان إذا ظهر حجابه ثم طلع وجهه. ويعدون التحية له إذا دنا برًا وتكريمًا. ويعدون التحية له إذا هم بأن ينأى تسليمًا وتوديعًا فالصلاة إذا وقعت في هذه الأحوال الثلاثة التي ذكرناها للشمس شبهت التحية لها وخصوصًا إذا لم يكن لها سبب متقدم يستدعيها، فيكون قيامه في نفس المصلي من تجاهره الشبهة عن فكره، ودافعًا لما يخلج في القلب منها. ولهذا قال النبي ﷺ : (إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان، فإذا طلعت فارقها، فإذا دنت للزوال قارنها، فإذا زالت فارقها، ثم إذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها) ونهى عن الصلاة في هذه الأوقات. وقيل: إنما أراد بقرن الشيطان - الجماعة إلى سجود الشيطان عليها، وحملها على عبادة الشمس من دون الله فانقادت له. وأما إذا تم الطلوع وأخذت في الارتفاع فإن الشبهة تزول، لأنها تصير مألوفة معهودة فلا يوجد لها في القلب ما يوجد في حال الطلوع التي تشرف له الأرض وينزاح الظلام عنه بواحده وتنشرح الصدور وكذلك إذا تم الزوال وأخذت تدنو من الأرض، أو يتم الغروب فنسيت كما ينس الغائب إذا ولى ومر زمان بعد غيبته. فصلح أن يكون ما عدا هذه الأوقات أوقاتًا للصلاة فرضها وتطوعها والله أعلم.

стр. 831

فصل ويقول: بأن التطوع وإن كان مطلقًا فيما عدا هذه الأوقات الثلاثة، فإنه في بعض الأوقات أفضل منه في بعض ما فضل تطوع النهار ما جاء عن النبي ﷺ فيه أثر من قول أو فعل. وقد جاء عنه خبر في صلاة الضحى وفي صلاة التسبيح، وفي أربع ركعات إذا زالت الشمس وهي خارجة من جملة سنن الصلاة لأن سننها ركعتان قبلها وركعتان بعدها، وهذه تطوع، ولكل شيء من هذه الصلوات حد فلا ينصرف بعضها ببعض، لأن الفريضة ما لا يسع تركها وحد التطوع ما يستحب فعله، ولا يكره الترخص بتركه. وحد السنة ما يستحب فعلها، ويكره تركها وأحد الأسباب التي تدعو إلى كراهية الترك أن يكون النبي ﷺ حافظ على الفعل، ونص على تسميته سنة. وهذا إنما وجد في الركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها. فإن ابن عمر ﵁ ذكر أن النبي ﷺ لم يكن ليدعها، وأما الأربع فإنما جاء خبر في فضلها. ولم يرو أن النبي ﷺ كان يحافظ عليها فلا يدعها، ولا أنه سماها سنة، وإنما روى عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ كان نازلاً عليه في بيته، والنبي ﷺ يصلي أربع ركعات حين تزول الشمس يقرأ فيهن كلهن، فسأله عن ذلك فقال: (أن أبواب السماء تفتح حين تزول الشمس، فلا يرتج حتى يصلي الظهر، فأحب أن يصعد له إلى السماء) فلم يزده على ذلك أن أظهر له وجه يقربه، ولم يأمره بمثله. وهكذا روى ثوبان ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يستحب أن يصلي أربع ركعات حتى تزول الشمس. فقالت عائشة ﵂: يا رسول الله، أراك تستحب الصلاة في هذه الساعة، فقال: (أنها ساعة تفتح أبواب السماء، وينظر الله تعالى فيها بالرحمة إلى عباده). ولم يأمر عائشة ولا غيرها بفعلها. وأبان أن ابن عمر ﵄ بقوله: عشر ركعات، لم يكن يدعهن أن ما عداها فقد كان يدعهن. فثبت أن هذه الأربع مما كان يدعها وقتًا، فإذا لم يكن محافظة دائمة، ولا أمر، فقد ظهر أنها تطوع. ويدل على ذلك أن استعجاله بها كما تزول الشمس دليل على أنه كان

стр. 832

يصليها قبل الآذان، ولو كانت من سنن الظهر لصلاها بين أذانها وإقامتها، فلما عجلها قبل الآذان علمنا أنها ليست من سنن الظهر والله أعلم. وأما صلاة الضحى: فإنه روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (صلاة الضحى وصلاة ما بين المغرب والعشاء صلاة العابدين). وعنه ﷺ : (من حافظ على سبحة الضحى غفرت له ذنوبه وإن كانت أكثر من زبد البحر). وعن أبي ذر ﵁ قال: (أوصاني حبيبي ﷺ بثلاث لا أتركهن إن شاء الله إيداء صلاة الضحى والوتر قبل النوم، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر). وعنه ﷺ أنه خرج على قوم وهم يصلون صلاة الضحى، فقال: (إن هذه الصلاة لصلاة الأوابين، وهي إذا رفعت الفصال من الضحى) وروي عنه ﷺ بقول الله تعالى: (يا بني آدم لا تعجزوا من أربع ركعات أول النهار أكفتكم آخره) وعنه ﷺ (على كل سلامي من أحدكم صدقة ويجزيه منها ركعات الفجر). فثبت بهذه الأخبار أن صلاة الضحى مستحبة مندوب إليها، ولكن لا يقال أنها سنة، لأن النبي ﷺ أخبر: أن الله تعالى لا يجعلها لأمته، وقال: (هي صلاة ملائكتي). ومعلوم أنه قد أجازها لأمته. فصح أن معنى لم يجعلها لأمته من السنن الأمر في مقدارها إلى المصلي كسائر التطوع. وكان ابن عباس ﵄ يصليها يومًا ولا يصليها عشرًا. وروى أن رسول الله ﷺ صلى صلاة الضحى يومًا ركعتين ويومًا أربعًا، ويومًا ستًا، ويومًا ثمانيًا، وترك يومًا فلم يصل. فثبت أنها لم تكن من الصلاة التي كان يحافظ عليها والله أعلم.

стр. 833

وأما صفة صلاة الضحى فلم يبلغني أن النبي ﷺ خالف بينهما وبين سائر التطوع إلا ما سمعت من أنه لما افتتح صلاة الضحى قال: (الله أكبر ثلاث مرات، ثم قال: الحمد لله ثلاث مرات، ثم قال: سبحان الله بكرة وأصيلاً ثلاث مرات. قال: اللهم إني أعود بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفثه ونفخه) وقيل: أما همزة فالموته، ونفثه الشعر، ونفخة الكبر. وأما صلاة التسبيح: فإنه روى أن النبي ﷺ قال للعباس بن عبد المطلب: (يا عماه ألا أعطيك، ألا أمنحك، ألا أحبوك: تصلي أربع ركعات تقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة، فإذا فرغت من القراءة، قلت وأنت قائم: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خمس عشرة مرة، ثم تركع فتقولها عشرًا، ثم تسجد فتقولها عشرًا، ثم ترفع رأسك فتقولها عشرًا، ثم تسجد فتقولها عشرًا، ثم ترفع رأسك فتقولها عشرًا، فتلك خمس وسبعون مرة، تفعل ذلك في كل ركعة. فإن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل، فإن لم تفعل ففي كل جمعة، فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة، فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة، فإن لم تفعل ففي عمرك مرة، يغفر الله ذنبك كله). فدل هذا الحديث على أن هذه الصلاة مستحبة مندوب إليها، عظيمة الفضل، كبيرة الأجر. وفي سياقة دليل على أنها ليست من السنن التي يكره تركها والله أعلم. فصل وأما قيام الليل، فإنه في شهر رمضان سنة، وفي سائر الشهور مستحبة، ولا يقال له سنة. روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: (رمضان شهر كتب الله عليكم صيامه وسننت لكم قيامه. فمن صامه وقامه إيمانًا واحتسابًا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه). فنص أن القيام في هذا الشهر سنة، ثم أبان ذلك من وجه آخر، وهو أنه صلاة بهم جماعة

стр. 834

فقد روي أن رسول الله ﷺ كان في المسجد ذات ليلة في رمضان، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من الثانية فكثر الناس. ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة والرابعة فلم يخرج إليهم، فلما أصبح قال: (رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا إني خشيت أن تفرض عليكم). ودلت صلاته بهم جماعة على أن القيام في الشهر يتأكد حتى يداني الفرائض، ولولا ذلك لم يخش وأن يواظب على الصلاة بهم أن يدخل في حد المفروض بهم فيلزم. وجاء عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يخرج في آخر ليلة من رمضان من هذا المقبول الليلة فيهنئه، ومن المحروم المردود الليلة فيعزيه، أنها المقبول هناك، وأنها المحروم المردود، جبر الله مصيبتك. وكان ابن عون ﵁ إذا شهد رمضان جاء برمل فألقاه في المسجد، ثم يقول لبنيه: ما تبتغون بعد شهر رمضان، وكان لا ينام. فأما مقدار القياس فليس بموقوت في نص السنة. وقد روى أنهم كانوا يقومون في رمضان بعشرين ركعة، ويقرأون بالمائتين، ويعتمدون على العصي في زمان عمر بن الخطاب ﵁. ولذلك يروى عن عبد الله ابن مسعود ﵁ أنه كان يصلي بهم وهذا هو العمل المتوارث. ولا تعيق الزيادة على هذا ولا النقصان فيه. وروى أن معاذًا - أبا حليمة - كان يصلي بالناس في رمضان بإحدى وأربعين ركعة. وروى أن عمر بن الخطاب ﵁ أمر أبي بن كعب وتميم الدارمي أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة. وروى أن النبي ﷺ : صلى في شهر رمضان ليلة ثماني ركعات ثم أوتر. ولكنهم لم يروا هذا حدًا، لأنه خبر عن ليلة واحدة، وقد صلى بهم ثلاث ليال. فقد يجوز أن يكون زاد في غيرها على ما صلى منها، وإجماع الصحابة على الزيادة دليل على أنهم غفلوا عنه ﷺ أن فعله لم يكن حدًا، والله أعلم. وأما المتوارث عن عادة أهل مكة من قيام شهر رمضان، فهو أنهم يقومون بعشرين ركعة، إلا أنهم يطوفون بين كل ترويحتين سبعًا، فإذا صلوا التسليمة الأخرى لم يطوفوا ولكنهم بمضمون إلى التنغيم، فيحرمون بالعمرة، ثم يأتون البيت فيطوفون ثم يسعون

стр. 835

ويحلون، ثم يرجعون إلى المسجد فيوترون. وأما المتوارث كان من عادة أهل المدينة قبل أن يمنع المسلمون من الصلاة في مسجد رسول الله ﷺ وتحبس عن الكعبة كسوتها، ويسد باب شبابه العباسي، أن يقوموا بست وثلاثين ركعة، منها في العدد الذي يقيم به أهل مكة، وست عشرة مكان الأربعة الأطواف التي يخللها أهل مكة تراويحهم، فإن الطواف لما أحجبوهم بالمدينة أقاموا مقام كل طواف ترويحة، وهي أربع ترويحات وثماني تسليمات وست عشرة ركعة، فبلغت الجملة ستًا وثلاثين ركعة، ويوترون بثلاث. فتلك تسع وثلاثون، ومن أوتر بخمس بلغت صلاته إحدى وأربعين ركعة، وذلك تأويل صلاة أبي حليمة معاذ القارئ عندي، والله أعلم. فمن اقتدى بأهل مكة فقام بعشرين فذلك حسن. ومن اقتدى بأهل المدينة وتشبه بهم في ازدياد الصلاة كان ما فاتهم من طواف أهل مكة فقام بست وثلاثين، فذلك أيضًا حسن لأنهم إنما ازادوا بما صنفوا الإقتداء بهم والاستكثار من الفعل لا المنافسة كما ظن بعض الناس. ألا ترى أن يوم الفجر لما كان يوم طواف الزيارة للحجاج أقيم لغيرهم في عامة الأمصار الصلاة مقام الطواف، وجعل يوم عيد، يجتمعون فيه فرحين مستبشرين بما أذن الله تعالى فيه من زيارة نبيه وأسعد بها من وثق لقصده، فكما خلفت الصلاة الطواف يوم النحر، فكذلك تخلفه في قيام شهر رمضان. ويستوي فيه الناس كلهم كما استوى فيه يوم النحر والله أعلم. ومن اقتصر على عشرين ركعة وقرأ فيها بقراءة غيره في ست وثلاثين فذلك أفضل، لأن تطويل القيام أفضل من كثرة الركوع والسجود. سئل رسول الله ﷺ عن فضل الصلاة فقال: (طول القنوت). فصل ويحتمل القيام بعشرين ركعة أن يكون وجهه عامة سنن الليل والنهار سوى الوتر لما كانت عشر ركعات، كما ذكر ابن عمر ﵄: ضعفت في شهر رمضان إذا

стр. 836

كان الوقت وقت حدث وتسميد. ويحتمل أن يكون ذلك مأخوذًا من أصل آخر، وهو أن أغلب صلاة رسول الله ﷺ في غير رمضان من الليل إحدى عشرة ركعة أخرى وتر. فرأوا أن يجعلوا هذا العدد أصلاً ثم يضعفونه في شهر رمضان، لأن النبي ﷺ سن قيامه فلما أراد القيام فيه غلظ بان صار سنة، بعد أن كان في غيره تطوعًا غلظ عدد الركعات فيه بالتضعيف، فصارت عشرين بعد أن كانت في غير عشرًا. فإن قال قائل: وأين كان الناس عن هذا في عهد رسول الله ﷺ ومن الذي جعل إلى عمر أن يشرع في الدين، ويقدم ويؤخر ويبدل ويغير؟ قيل له: قد بينا أن النبي ﷺ هو الذي سن القيام في شهر رمضان وأنه خرج ثلاث ليال فصلى بهم جماعة، ثم ترك الخروج، لا لأنه لم ير الاجتماع لهذه الصلاة، ولكن رفقًا بأمته أن لا تكتب عليهم. فكان هذا بمنزلة العذر يعرض فيحول دون السنة أو دون الفرض، ولم يأمر غيره بأن يصلي بهم، لأنه لو أمر لكان ذلك المأمور بمنزلته إذا كان إما يصلي خلفه بأمره، ولم ينصب الناس بأنفسهم إمامًا فيصلوا خلفه لأن الإمامة حق النبي ﷺ ، فلا ينصب أحد إمامًا وهو حاضر. فكانوا يصلون في بيوتهم. وكان أيام أبي بكر ﵁ على هذه الجملة ولم يصل. فلما كان زمن عمر ﵁ رآهم أوزاعًا في المسجد يصلون، فكره ذلك لهم فدعاه علمه بأن هذه الصلاة تليق بها الجماعة، إذ كان النبي ﷺ صلاها بالناس جماعة، وإنما ترك الخروج لها لعذر، وقد زال ذلك العذر إلى أن يردها إلى حكم أصلها، فجمعهم على إمام واحد لئلا يتفرق المسلمون في مسجد واحد، فيصلون اوزاعًا بل يصلون مجتمعين كما يصلون المكتوبات مجتمعين. وليس هذا شرع في الدين، ولكنه عمل بالاجتهاد في موضع الحاجة والله أعلم. وأيضًا فقد روي أن الناس في عهد النبي ﷺ كانوا على أن أحدهم إذا سبق بشيء من الصلاة أشير إليه إذا حضر، فقضى ما فاته ثم تابع الإمام. فجاء معاذ ﵁ يومًا وقد سبقه النبي ﷺ بشيء من الصلاة، فأشير به إليه فقال: لا أجده على حال تابعته عليها، فصلى مع رسول الله ﷺ ثم قضى ما فاته. فقال النبي ﷺ : (قد سن لكم معاذ، فكذلك فافعلوا).

стр. 837

ولم ينكر عليه اجتهاده وأحداثه ما أحدث مما كان الناس يومئذ على خلافه. فإذا جاز له ذلك في حياة رسول الله ﷺ ، فكيف لا يجوز لعمر ﵁ ما هو دونه بعد وفاته. فإن قيل: إن معاذًا نسخ أو شرع: قيل: لا نقول واحدًا منهما، ولكنا نقول: إن الذين كانوا يبدأون بما سبقوا به إنما كانوا يصلون منفردين حتى إذا شاءوا الإمام دخلوا في صلاة، وكان ذلك رأيًا رآه من غير أن أمروا به، ولم يكن في سكوت النبي ﷺ عنهم أكثر من جواز ذلك لهم. ثم إن معاذًا ﵁ رأى أنه غير ذلك أحسن منه، وهو الدخول في صلاة الإمام ومتابعته وتأخير القضاء، لأن النبي ﷺ إذا كان يصلي كان الإنفراد عنه بالصلاة التي هو فيها رغبة عن إتباعه. فأجاز النبي ﷺ له هذا الاجتهاد وأمر بقبوله عنه، ولم يجعل اجتهاده في حياته شرعًا في الدين. فأولى أن لا يكون اجتهاد عمر ﵁ مردودًا عليه بأن شرع في الدين والله أعلم. فصل وأما وقت هذه الصلوات من الليل، فقد روى عن عمر ﵁ أمر بباقيه، فإنهم في شهر رمضان وكانوا ينامون ربع الليل ويقومون ربعه وينصرفون لربع يبقى منه لسحورهم وحوائجهم. وفيه وجه آخر وهو أن يؤخر العشاء الآخرة إلى ربع الليل، فإذا صلوها قاموا بعدها ربع الليل بالصلاة ثم رقدوا. يروى عن الحسن ﵁ أنه قال: كان الناس يصلون العشاء في شهر رمضان زمان عمر ﵁ وعثمان ربع الليل الأول، ثم يقومون الربع الثاني، يرقدون ربع الليل، ويحتمل أن يكون تمام ذلك، ثم يقومون لسحورهم وحوائجهم. وله وجه ثالث وهو أن يقام العشاء الآخرة لأول وقتها، ويرقد من شاء ويقيم من

стр. 838

شاء غير لاه ولا لائج إلى ربع الليل أو ثلثه، ثم يقوم النوام ويجتمع الاوزاع ويصلون، فأما إقامة العشاء لأول وقتها ووصل القيام بها فذلك من بدع الكسالى والمترفين، وليس من القيام المسنون بسبيل، إنما القيام المسنون ما كان من النوم، فهو كسائر المتطوعين ليلاً ونهارًا والله أعلم. فصل وأما مقدار القراءة فإنه ينظر فيما يريد أن يجيئه من الليل، فإذا كان يريد أن يختلف من الليل ربعًا ثم يقوم ونصفًا أو ربعًا آخر بعشرين ركعة أو بست وثلاثين، قرأ في كل ركعة ما يوافي العدد والوقت الذي في نفسه. وإن زاد في الركعات الأول، ونقص في الركعات الأخر فلا بأس، لأن الناس يكونون في الأوائل أقوى وأنشط منهم في الأواخر ولا يملهم فيخرجوا. فصل والمعهود من أمور الناس قديمًا وحديثًا أنهم إذا صلوا قيام شهر رمضان جماعة لم يخالفوا بين العشر الأواخر بين ما قبلها في مقدار القيام. فينبغي أن يكون العمل على هذا في المساجد وأما ما يستحب من فضل الجد والاجتهاد في العشر الأواخر وطلب ليلة القدر فيها في كل وتر، فذلك تطوع وندب إليه كل من اطاقه على الإنفراد ليس الاجتماع عليه سنة. وسنذكر ما في ليلة القدر في كتابة الصيام إن شاء الله . وأما القيام في غير شهر رمضان، فإنه تطوع مرغب فيه مندوب إليه، ولا يقال له سنة لأن الترخص بتركه غير مكروه، ولأن النبي ﷺ ذكر شهر رمضان فقال: (فرض الله عليكم صيامه وسننت عليكم قيامه). فلو كان القيام في غير شهر رمضان سنة لم يفارق شهر رمضان غيره، ولم يكن لقوله "وسننت لكم قيامه" معنى، ولا وجب

стр. 839

له بذلك فضل على ما سواه. ولأن قيام الليل في كل وقت سنة لصلاة الناس جماعة، كما أنه لما كان في شهر رمضان سنه صلاة الناس جماعة. فلما خلوا واختيارهم علمنا أنه تطوع ندب الناس إليه من غير أن ضيق عليهم في تركه والله أعلم. روى سعيد بن هشام ﵁ أنه سأل عائشة ﵂ عن قيام رسول الله ﷺ ، قالت له: ألست تقرأ هذه السورة﴾ يا أيها المزمل ﴿. قلت بلى قالت: فإن الله تعالى افترض القيام في أول هذه السورة فقام نبي الله ﷺ وأصحابه حولاً، ثم أنزل الله التخفيف في آخر هذه السورة. فصار قيام الليل تطوعًا بعد فرضه، وقال الله :﴾ ومن الليل فتهجد به نافلة لك، عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا ﴿. وقال:﴾ ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلاً ﴿. فرغبة في قيام الليل. ثم مدحه بقيامه، فقال:﴾ الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين ﴿. وأثنى على سائر المتهجدين فقال:﴾ أمن هو قانت آناء الليل ساجدًا وقائمًا يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ﴿. وقال الحسن ﵁: يزيح رأسه بقدميه وقدميه برأسه، وقال: آناء الليل أوله، وأوسطه، وآخره. فقال في صفة أهل الجنة الذين سماهم متقين:﴾ كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون ﴿وقال:﴾ والذين يبيتون لربهم سجدًا وقيامًا ﴿وقال:﴾ يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون ﴿. يعني يصلون. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (قيام الليل في خوف الله يكفر الخطيئة) وروى: صلاة الوجل، وتلا قوله تعالى:﴾ تتجافى جنوبهم عن المضاجع ﴿. وأنه ﷺ قال: (إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة،

стр. 840

ينادي مناد ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل، ثم يحاسب الناس). وعنه ﷺ قال: (عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وإن قيام الليل قربة إلى الله تعالى وتكفير للسيئات ومنهاة عن الآثم ومطردة للداء عن الجسد) وعنه ﷺ (عليكم بصلاة الليل ولو ركعة) عنه ﷺ : (أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل). وعنه ﷺ : (زينوا طعامكم بذكر الله ولا تناموا عليه فتقسوا له قلوبكم) وعنه ﷺ : (شرف المؤمن صلاته بالليل، وعزه استغناؤه مما في أيدي الناس). وعنه ﷺ قال (القرآن والصيام يشفعان للعبد) يقول القرآن: أي رب منعته النوم بالليل ويقول الصيام: رب منعته الطعام والشهوات فشفعني فيه، فيشفعان). فصل ومن آثار الصالحين في هذا الكتاب: جاء أن عبد الله بن الزبير كان يحيي الليل دهره أجمع، وكان يحيي ليلة قائمًا حتى يصبح، ويحيي ليلة راكعًا حتى يصبح، ويحيي ليلة ساجدًا حتى يصبح، وعن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان لا ينام من الليل إلا قليلاً وكان له مهراس فيه ماء فيصلي ما قدر عليه ثم يأوي إلى فراشه. فيغفو إغفاء الطير، ثم يقوم فيتوضأ، ثم يرجع إلى فراشه فيغفو إغفاء الطير، ثم يثب فيتوضأ ويصلي، ثم يفعل ذلك في ليله أربع مرات أو خمس. وقالت ابنة الربيع لأبيها: يا أبتاه، مالي أرى الناس ينامون ولا أراك تنام؟ قال يا بنتاه، أن أباك يخاف السبات.

стр. 841

وقالت المرأة التي نزل بها عامر بن عبد القيس لعامر: ما للناس ينامون ولا تنام؟ قال: إن جهنم تدعني أنام. وقال يزيد الرقاشي ﵁: إذا نمت فاستيقظت، ثم عدت الثانية في النوم، فلا أنام الله عيني. وكان عمر بن عقبة بن فرقة يخرج فيركب فرسه في جنح الليل فيأتي المقابر، فيقول يا أهل القبور طويت الصحف ورفعت الأقلام، ولا تستعينون من سيئة ولا تستزيدون في حسنة، ثم يبكي فينزل عن فرسه، فيصف ما بين قدميه، ثم يصلي حتى يصبح. فإذا طلع الفجر ركب فرسه حتى يأتي مسجد حبه، فيصلي مع القوم كأنه لم يكن في شيء مما كان فيه. وكان صلة بن أشم يخرج إلى الجنان فيتعبد، فكان يمر على شباب يلهون ويلعبون فيقول لهم: أخبروني عن قوم أرادوا سفرًا فحادوا النهار عن الطريق وناموا الليل متى يقطعون سفرهم أفكان كذلك يمر بهم ذات يوم، فقال لهم هذه المقالة، فانتبه شاب منهم فقال: يا قوم أنه والله ما يعني غيرنا، نحن بالنهار نلهو وبالليل ننام، ثم اتبع صلة فلم يزل يختلف إلى الجبال ويتعبد حتى مات. وعن بكر بن عبد الله المزني ﵀ قال: كانت امرأة متعبدة من أهل اليمن، فكانت إذا أمست قالت: يا نفس الليلة ليلتك لا ليلة لك غيرها. فاجتهدت، وإذا أصبحت قالت: يا نفس اليوم يومك، لا يوم غيره فاجتهدت، وقال عبد الله بن مسعود ﵀: فضل صلاة الليل على صلاة النهار، كفضل صدقة السر على صدقة العلانية. وكان عمرو بن العاص ﵀ يصلي من الليل وهو يبكي ويقول: اللهم أتيت عمروًا مالاً، فإن كان أحب إليك أن تسلب عمرًا مالاً ولا تعذبه بالنار فاسلبه ماله. وإنك أتيت عمروًا ولدًا، فإن كان أحب أن تثكل عمروًا ولده فلا تعذبه بالنار فاثكله ولده. فإنك آتيت عمرًا سلطانًا، فإن كان أحب إليك أن تنزع عنه سلطانه ولا تعذبه بالنار فانزع سلطانه. وكتب معاوية ﵀ إلى عامل البصرة: أما بعد جاءك كتابي هذا فزوج عامر بن عبد القيس أصلح نساء قومه، وأصدقها من بيت مال المسلمين، فأرسل إلى عامر فقرأ عليه الكتاب، فقال: إني لذائب الخطيئة. فلم يدعه حتى زوجه امرأة

стр. 842

من صلحاء قومه من مال بيت مال المسلمين. فجهزت ثم ذهب بعامر حتى أدخل عليها فقام إلى مصلاه لا يلتفت إليها، حتى إذا رأى تباشير الصبح قال: يا هذه، ضعي خمارك، فلما وضعها قال: أعيدي، ثم قال: أتدرين لم أمرتك أن تضعي خمارك، لئلا يؤخذ منك شيء أعطيت. وكان عامر ﵁ يقول: ما رأيت كالجنة نام طالبها وما رأيت مثل النار نام بها ربها. فكان إذا جاء الليل قال: أذهبت النار يا قوم فما ينام حتى يصبح، وإذا جاء النهار قال: أذهبت النار يا قوم، فما ينام حتى يمسي. وإذا جاء الليل قال: من خاف أدلج ويقول عند الصباح: يحمل القوم السرى. وكانت رابعة العدوية إذا جاء الليل تقول: هذه ليلتي أمرت فيها، فما تنام حتى تصبح، وإذا جاء النهار: قالت: هذا يومي الذي أمرت فيه فما تنام حتى تمسي. وإذا جاء الشتاء لبست الرقاق ليمنعها البرد من النوم. وقال الحسن ﵀: حضر رجل من الصدر الأول فبكى واشتد بكاؤه، فقالوا له رحمك الله﴾ إن الله غفور رحيم ﴿فقال: إني والله ما تركت بعدي شيئًا أبكي عليه إلا ثلاث خصال: ظماء هاجره في يوم تعبد ما بين الطرفين، أو ليلة يبيت الرجل تراوح ما بين جبهته وقدميه، أو غدوة أو روحة في سبيل الله. وقال سفيان الثوري ﵀: بت عند الحجاج بن القرامضة إحدى عشرة ليلة فلا أكل ولا شرب ولا نام. وكان بمكة مملوك يقال له صهيب يكاتب مولاته، تقول له: لا تدعنا ننام، فيقول لها: إنما لك نهاري وليس لك ليلي، إني إذا ذكرت النار طار نومي وإذا ذكرت الجنة اشتد شوقي، وقال عبيدة بن هلال الثقفي: لا تشهد على يمين تأكل أبدًا ولا يشهد على ليل يقوم أبدًا، فأقسم عليه عمر ﵁ في الأضحى والفطر أن يفطرهما. وقال الأوزاعي ﵀: بلغني أنه من أطال قيام الليل خفف الله عنه يوم القيامة. وقال طلحة بن مصرف: بلغني أن العبد إذا قام من الليل للتهجد ناداه ملكاه: طوبا لك سلكت منهاج العابدين مثلك. وقال يزيد الرقاشي ﵀: بطول التهجد

стр. 843

تقر عيون العابدين ويطول الظمأ تفرح قلوبهم عند لقاء الله. وجاء أن تميم الدارمي ﵀ نام ليلة لم يقم فيها، فقام سنة لم ينم فيها عقوبة لنفسه بتلك الليلة. وكان سليمان التيمي عامة دهره يصلي العشاء والصبح بوضوء واحد. وما من وقت صلاة إلا وهو يصلي فيه. وكان يسبح بعد العصر إلى المغرب، ويصوم الدهر. وسقط بيته فلم يبنه، وضرب خيمة وسط داره، فكان فيها حتى مات. وطوى فراشه أربعين سنة ولم يضجع جنبه بالأرض عشرين سنة وكان يطلب الحديث، فقدم على الأعمش، فخرج الأعمش في ساعة كان سليمان يصلي فيها فأقبل على الصلاة ولم يلتفت إلى الأعمش، وذكر مؤذن مسجده قال: صلى سليمان التيمي إلى جنبي بعد العشاء الآخرة، فسمعته يقرأ:﴾ تبارك الذي بيده الملك ﴿. فلما أتى على هذه الآية﴾ فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا ﴿. جعل يرددها حتى خف أهل المسجد فانصرفوا، فخرجت وتركته، وعدته لأذان الفجر فنظرت فإذا هو في مقامه، فسمعت، فإذا هو فيها لم يجزها وهو يقول:﴾ فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا ﴿. وكان لأبي مسلم الخولاني سوط يعلقه في مسجده، فإذا كان السحر فنعس أو مله أخذ السوط فضرب به ساقيه، ثم قال: لأنت أولى بالضرب من شرار الدواب، وكاووس يفترش فراشه ثم يضطجع فيتقلى كما تتقلى الحبة على المقلى، ثم يبيت ويستقبل القبلة حتى الصباح، ويقول: طير حر جهنم نوم العابدين. وقيل لفقرة العابدة: بلغنا أنك لا تنامين الليل فبكت ثم قالت: ربما اشتهيت أن أنام فلا أقدر عليه. وكيف ينام ويقدر على النوم من لا ينام عليه حافظاه ليلاً ونهارًا فأبكتني وقلت في نفسي: أراك في شيء وأراني في شيء، ويعبد رجل من بني تميم، فكان يحيي الليل بالصلاة، فقالت له أمة يا بني لو نمت الليل شيئًا فقال: ما شئت يا أماه، إن شئت أن أنام الليل وأجهد غدًا في الآخرة، وإن شئت لم أنم الليل لعلي أستريح غدًا. قالت: يا بني والله ما أردت لك إلا الراحة، فراحة الآخرة أحب إلى من راحة الدنيا،

стр. 844

فدونك يا بني، فخالف السهر أيام الحياة لعلك تنجو من عسر ذلك اليوم، وما أراك ناجيًا. فصرح الفتى صرخة فسقط بين يديها ميتًا. فاجتمع عندها رجال من بني تميم يعزونها وهي تقول وابنياه، قتيل يوم القيامة، وابنياه قتيل الآخرة، فكانوا يرون أنها أفضل من ابنها. وكان سفيان الثوري وسائر من مضى ذكره يصلي قائمًا حتى يعي ثم يصلي قاعدًا حتى يعي ثم يصلي مضطجعًا. فصل وأما أوقات التهجد، فإن ما بعد ربع الليل الأول إلى الصباح وقت التهجد إلا أن أفضلها لمن أراد أن يقوم بعض الليل الثلث الأوسط، سئل النبي ﷺ : أي الليل أسمع؟ قال: (جوف الليل الأوسط) وسئل أبو ذر أي الليل أفضل؟ قال: الليل الأوسط. قيل: ومن يطيق ذلك من خاف أدلج. وعن النبي ﷺ قال: (إن الله تعالى يمهل حتى يذهب ثلث الليل، يقول الله تعالى هل من سائل يعطى؟ هل من تائب؟ هل من مستغفر ذنب). وفي رواية أخرى: (إذا مضى ثلث الليل، يقول الله : ألا سائل يعطي إلا داع يجاب: ألا سقيم يشتفي فيشفى؟ ألا مذنب يستغفر فيغفر له)؟ فصل ويستحب لمن أحيي الليل أن يؤخر الدعاء إلى السحر، ولمن قام السحر أن يمتد إليه ثم يستغفر ويدعو. قال الله : ﴿وبالأسحار هم يستغفرون﴾.

стр. 845

قال الحسن ﵁ ﴿كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون ﴿مدوا الصلاة إلى السحر، ثم دعوا وتضرعوا. ذكر محارب بن دينار عن عمه أنه رأى رجلاً دخل المسجد فقال: اللهم دعوتني فأجبتك، وأمرتني فأطعتك، وهذا سحر فاغفر لي، فإن يعقوب صلوات الله عليه حين سرف بنيه أخرهم إلى السحر. وقال سعد بن العاص ﵁: رصدت عمر ﵁ فخرج إلى البقيع في السحر فاتبعته فأسرع حتى أترى البقيع فصلى ثم رفع يديه فقال: اللهم كبر سني وضعفت قوتي وخشيت الإنتشار من رغبتي، فاقبضني إليك غير عاجز ولا ملوم، ولم يزل يقولها حتى أصبح. وقال أنس ﵁ كنا نؤمر إذا صابنا من الليل أن نستغفر من السحر سبعين مرة. وقال نافع: أقبلنا مع هرم بن حيان من خراسان، فإذا كنا في بعض الطريق مثلت ليلة سحر ببيت من الشعر، فرفع هرم بن حيان على السوط، فجلدني جلدة التويت منها، ثم قال لي: إن هذه الساعة التي تنزل الرحمة وتستجاب الدعوة بمثل الشعر. وقال أبو الزيار كنت أخرج من السحر إلى مسجد النبي ﷺ ، فلا أمر ببيت إلا ويه قارئ، وقال ابن عمر ﵄: كنا نعد للنبي ﷺ في المجلس الواحد مائة مرة، رب اغفر لي وتب إنك أنت التواب الرحيم، أو التواب الغفور، فمن استغفر سحرًا أو غيره، فليقل هذا. أو ما جاء عنه ﷺ أنه قال: (سيد الاستغفار، اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أسألك بالنعمة وأبر بديني، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت). فصل وينبغي إذا قام أحد الزوجين للتهجد أن يوقظ الآخر. قال رسول الله ﷺ : (رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح وجهها بالماء. رحم الله امرأة
следующие страницы →