Полный текст (1 512 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
وقالت المرأة التي نزل بها عامر بن عبد القيس لعامر: ما للناس ينامون ولا تنام؟ قال: إن جهنم تدعني أنام. وقال يزيد الرقاشي ﵁: إذا نمت فاستيقظت، ثم عدت الثانية في النوم، فلا أنام الله عيني.
وكان عمر بن عقبة بن فرقة يخرج فيركب فرسه في جنح الليل فيأتي المقابر، فيقول يا أهل القبور طويت الصحف ورفعت الأقلام، ولا تستعينون من سيئة ولا تستزيدون في حسنة، ثم يبكي فينزل عن فرسه، فيصف ما بين قدميه، ثم يصلي حتى يصبح. فإذا طلع الفجر ركب فرسه حتى يأتي مسجد حبه، فيصلي مع القوم كأنه لم يكن في شيء مما كان فيه. وكان صلة بن أشم يخرج إلى الجنان فيتعبد، فكان يمر على شباب يلهون ويلعبون فيقول لهم: أخبروني عن قوم أرادوا سفرًا فحادوا النهار عن الطريق وناموا الليل متى يقطعون سفرهم أفكان كذلك يمر بهم ذات يوم، فقال لهم هذه المقالة، فانتبه شاب منهم فقال: يا قوم أنه والله ما يعني غيرنا، نحن بالنهار نلهو وبالليل ننام، ثم اتبع صلة فلم يزل يختلف إلى الجبال ويتعبد حتى مات.
وعن بكر بن عبد الله المزني ﵀ قال: كانت امرأة متعبدة من أهل اليمن، فكانت إذا أمست قالت: يا نفس الليلة ليلتك لا ليلة لك غيرها.
فاجتهدت، وإذا أصبحت قالت: يا نفس اليوم يومك، لا يوم غيره فاجتهدت، وقال عبد الله بن مسعود ﵀: فضل صلاة الليل على صلاة النهار، كفضل صدقة السر على صدقة العلانية.
وكان عمرو بن العاص ﵀ يصلي من الليل وهو يبكي ويقول: اللهم أتيت عمروًا مالاً، فإن كان أحب إليك أن تسلب عمرًا مالاً ولا تعذبه بالنار فاسلبه ماله. وإنك أتيت عمروًا ولدًا، فإن كان أحب أن تثكل عمروًا ولده فلا تعذبه بالنار فاثكله ولده. فإنك آتيت عمرًا سلطانًا، فإن كان أحب إليك أن تنزع عنه سلطانه ولا تعذبه بالنار فانزع سلطانه. وكتب معاوية ﵀ إلى عامل البصرة: أما بعد جاءك كتابي هذا فزوج عامر بن عبد القيس أصلح نساء قومه، وأصدقها من بيت مال المسلمين، فأرسل إلى عامر فقرأ عليه الكتاب، فقال: إني لذائب الخطيئة. فلم يدعه حتى زوجه امرأة
стр. 842
من صلحاء قومه من مال بيت مال المسلمين. فجهزت ثم ذهب بعامر حتى أدخل عليها فقام إلى مصلاه لا يلتفت إليها، حتى إذا رأى تباشير الصبح قال: يا هذه، ضعي خمارك، فلما وضعها قال: أعيدي، ثم قال: أتدرين لم أمرتك أن تضعي خمارك، لئلا يؤخذ منك شيء أعطيت.
وكان عامر ﵁ يقول: ما رأيت كالجنة نام طالبها وما رأيت مثل النار نام بها ربها. فكان إذا جاء الليل قال: أذهبت النار يا قوم فما ينام حتى يصبح، وإذا جاء النهار قال: أذهبت النار يا قوم، فما ينام حتى يمسي. وإذا جاء الليل قال: من خاف أدلج ويقول عند الصباح: يحمل القوم السرى. وكانت رابعة العدوية إذا جاء الليل تقول: هذه ليلتي أمرت فيها، فما تنام حتى تصبح، وإذا جاء النهار: قالت: هذا يومي الذي أمرت فيه فما تنام حتى تمسي. وإذا جاء الشتاء لبست الرقاق ليمنعها البرد من النوم.
وقال الحسن ﵀: حضر رجل من الصدر الأول فبكى واشتد بكاؤه، فقالوا له رحمك الله﴾ إن الله غفور رحيم ﴿فقال: إني والله ما تركت بعدي شيئًا أبكي عليه إلا ثلاث خصال: ظماء هاجره في يوم تعبد ما بين الطرفين، أو ليلة يبيت الرجل تراوح ما بين جبهته وقدميه، أو غدوة أو روحة في سبيل الله.
وقال سفيان الثوري ﵀: بت عند الحجاج بن القرامضة إحدى عشرة ليلة فلا أكل ولا شرب ولا نام. وكان بمكة مملوك يقال له صهيب يكاتب مولاته، تقول له: لا تدعنا ننام، فيقول لها: إنما لك نهاري وليس لك ليلي، إني إذا ذكرت النار طار نومي وإذا ذكرت الجنة اشتد شوقي، وقال عبيدة بن هلال الثقفي: لا تشهد على يمين تأكل أبدًا ولا يشهد على ليل يقوم أبدًا، فأقسم عليه عمر ﵁ في الأضحى والفطر أن يفطرهما. وقال الأوزاعي ﵀: بلغني أنه من أطال قيام الليل خفف الله عنه يوم القيامة. وقال طلحة بن مصرف: بلغني أن العبد إذا قام من الليل للتهجد ناداه ملكاه: طوبا لك سلكت منهاج العابدين مثلك. وقال يزيد الرقاشي ﵀: بطول التهجد
стр. 843
تقر عيون العابدين ويطول الظمأ تفرح قلوبهم عند لقاء الله. وجاء أن تميم الدارمي ﵀ نام ليلة لم يقم فيها، فقام سنة لم ينم فيها عقوبة لنفسه بتلك الليلة.
وكان سليمان التيمي عامة دهره يصلي العشاء والصبح بوضوء واحد. وما من وقت صلاة إلا وهو يصلي فيه. وكان يسبح بعد العصر إلى المغرب، ويصوم الدهر. وسقط بيته فلم يبنه، وضرب خيمة وسط داره، فكان فيها حتى مات. وطوى فراشه أربعين سنة ولم يضجع جنبه بالأرض عشرين سنة وكان يطلب الحديث، فقدم على الأعمش، فخرج الأعمش في ساعة كان سليمان يصلي فيها فأقبل على الصلاة ولم يلتفت إلى الأعمش، وذكر مؤذن مسجده قال: صلى سليمان التيمي إلى جنبي بعد العشاء الآخرة، فسمعته يقرأ:﴾ تبارك الذي بيده الملك ﴿. فلما أتى على هذه الآية﴾ فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا ﴿. جعل يرددها حتى خف أهل المسجد فانصرفوا، فخرجت وتركته، وعدته لأذان الفجر فنظرت فإذا هو في مقامه، فسمعت، فإذا هو فيها لم يجزها وهو يقول:﴾ فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا ﴿.
وكان لأبي مسلم الخولاني سوط يعلقه في مسجده، فإذا كان السحر فنعس أو مله أخذ السوط فضرب به ساقيه، ثم قال: لأنت أولى بالضرب من شرار الدواب، وكاووس يفترش فراشه ثم يضطجع فيتقلى كما تتقلى الحبة على المقلى، ثم يبيت ويستقبل القبلة حتى الصباح، ويقول: طير حر جهنم نوم العابدين.
وقيل لفقرة العابدة: بلغنا أنك لا تنامين الليل فبكت ثم قالت: ربما اشتهيت أن أنام فلا أقدر عليه. وكيف ينام ويقدر على النوم من لا ينام عليه حافظاه ليلاً ونهارًا فأبكتني وقلت في نفسي: أراك في شيء وأراني في شيء، ويعبد رجل من بني تميم، فكان يحيي الليل بالصلاة، فقالت له أمة يا بني لو نمت الليل شيئًا فقال: ما شئت يا أماه، إن شئت أن أنام الليل وأجهد غدًا في الآخرة، وإن شئت لم أنم الليل لعلي أستريح غدًا. قالت: يا بني والله ما أردت لك إلا الراحة، فراحة الآخرة أحب إلى من راحة الدنيا،
стр. 844
فدونك يا بني، فخالف السهر أيام الحياة لعلك تنجو من عسر ذلك اليوم، وما أراك ناجيًا. فصرح الفتى صرخة فسقط بين يديها ميتًا. فاجتمع عندها رجال من بني تميم يعزونها وهي تقول وابنياه، قتيل يوم القيامة، وابنياه قتيل الآخرة، فكانوا يرون أنها أفضل من ابنها.
وكان سفيان الثوري وسائر من مضى ذكره يصلي قائمًا حتى يعي ثم يصلي قاعدًا حتى يعي ثم يصلي مضطجعًا.
فصل
وأما أوقات التهجد، فإن ما بعد ربع الليل الأول إلى الصباح وقت التهجد إلا أن أفضلها لمن أراد أن يقوم بعض الليل الثلث الأوسط، سئل النبي ﷺ : أي الليل أسمع؟ قال: (جوف الليل الأوسط) وسئل أبو ذر أي الليل أفضل؟ قال: الليل الأوسط. قيل: ومن يطيق ذلك من خاف أدلج. وعن النبي ﷺ قال: (إن الله تعالى يمهل حتى يذهب ثلث الليل، يقول الله تعالى هل من سائل يعطى؟ هل من تائب؟ هل من مستغفر ذنب).
وفي رواية أخرى: (إذا مضى ثلث الليل، يقول الله : ألا سائل يعطي إلا داع يجاب: ألا سقيم يشتفي فيشفى؟ ألا مذنب يستغفر فيغفر له)؟
فصل
ويستحب لمن أحيي الليل أن يؤخر الدعاء إلى السحر، ولمن قام السحر أن يمتد إليه ثم يستغفر ويدعو. قال الله : ﴿وبالأسحار هم يستغفرون﴾.
стр. 845
قال الحسن ﵁ ﴿كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون ﴿مدوا الصلاة إلى السحر، ثم دعوا وتضرعوا. ذكر محارب بن دينار عن عمه أنه رأى رجلاً دخل المسجد فقال: اللهم دعوتني فأجبتك، وأمرتني فأطعتك، وهذا سحر فاغفر لي، فإن يعقوب صلوات الله عليه حين سرف بنيه أخرهم إلى السحر.
وقال سعد بن العاص ﵁: رصدت عمر ﵁ فخرج إلى البقيع في السحر فاتبعته فأسرع حتى أترى البقيع فصلى ثم رفع يديه فقال: اللهم كبر سني وضعفت قوتي وخشيت الإنتشار من رغبتي، فاقبضني إليك غير عاجز ولا ملوم، ولم يزل يقولها حتى أصبح.
وقال أنس ﵁ كنا نؤمر إذا صابنا من الليل أن نستغفر من السحر سبعين مرة. وقال نافع: أقبلنا مع هرم بن حيان من خراسان، فإذا كنا في بعض الطريق مثلت ليلة سحر ببيت من الشعر، فرفع هرم بن حيان على السوط، فجلدني جلدة التويت منها، ثم قال لي: إن هذه الساعة التي تنزل الرحمة وتستجاب الدعوة بمثل الشعر.
وقال أبو الزيار كنت أخرج من السحر إلى مسجد النبي ﷺ ، فلا أمر ببيت إلا ويه قارئ، وقال ابن عمر ﵄: كنا نعد للنبي ﷺ في المجلس الواحد مائة مرة، رب اغفر لي وتب إنك أنت التواب الرحيم، أو التواب الغفور، فمن استغفر سحرًا أو غيره، فليقل هذا. أو ما جاء عنه ﷺ أنه قال: (سيد الاستغفار، اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أسألك بالنعمة وأبر بديني، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت).
فصل
وينبغي إذا قام أحد الزوجين للتهجد أن يوقظ الآخر. قال رسول الله ﷺ : (رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح وجهها بالماء. رحم الله امرأة
стр. 846
قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت وجهه بالماء). وجاء عنه ﷺ : (من استيقظ من الليل وأيقظ امرأته فصليا ركعتين جميعًا كتبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات).
فصل
ومن خشي أن يضعف عن قيام الليل، فإن رسول الله ﷺ قال: (استعينوا بقائلة النهار على قيام الليل وبأكلة السحر على صيام النهار). وعن مجاهد قال: بلغ عمر ﵁ أن عاملاً له لا يقيل فكتب إليه: (أما بعد، قيل: فإن الشيطان لا يقيل) ومعنى هذا - والله أعلم - أنه استدل بترك العامل القيلولة على أنه ينام الليل كله، إذ لم يعلم له بالنهار، وما يمنعه من التروح بنومه، فقال: "قل بالنهار ليقوم الليل، فإن الذي لا يقيلون بالنهار من غير شغل يمنعهم عنه هم الذين لا يهمهم أمر ليلهم بهم الشياطين يعني شياطين الإنس.
ومر الحسن ﵁ يقوم في السوق، فرأى منهم ما رأى، فقال: أما يقيل هؤلاء؟ قالوا: لا قال: إني أرى ليلهم ليل سوء.
فصل
ومن قام للتهجد، فينبغي أن يكون أو كلامه ما روى عن النبي ﷺ أنه كان إذا قام من الليل قال سبحان الله رب العالمين، سبحان الله وبحمده.
روى إن رسول الله ﷺ استيقظ من نومه فجلس يمسح وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآيات خواتيم سورة آل عمران. ثم قام إلى شن معلق فتوضأ منه. والأصل في الباب
стр. 847
قول الله ﴾ وسبح بحمد ربك حين تقوم ﴿. وروى عنه أنه كان إذا قام من الليل قال: لا إله إلا الله الواحد القهار، رب السموات والأرض وما بينهما العزيز الغفار.
فصل
وإذا افتتح القائم بالليل الصلاة، فإن النبي ﷺ روى عنه أنه كان إذا قام من الليل كبر، ثم قال: (اللهم لك الحمد، أنت قيام السموات والأرض ولك الحمد أنت نور السموات والأرض، ولك الحمد أنت رب السموات والأرض ومن فيهن، أنت حق وقولك حق ووعدك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق والنار حق، والساعة حق. اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، أنت ربنا وإليك المصير. رب اغفر لي ما أسررت وما أعلنت وما قدمت وما أخرت. أنت إلهي لا إله إلا أنت).
وسئلت عائشة ﵂ بم كان يفتتح رسول الله ﷺ بالليل؟ فقالت: كان يقول: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدني لما اختلفت فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
فصل
وإذا ثبت وظهر استحباب قيام الليل، فأقرب الليالي شهر رمضان ليلة العيد، وجاء فيه عن أبي أمامة ﵁ قال: من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا لم يمت قلبه حين تموت القلوب. عن مجاهد ﵁ قال: ليلة الفطر كليلة من ليالي العشر الأواخر،
стр. 848
يعني في فضلها. قال أبو ذر: ثم كان عبد الرحمن بن الأسود يخرج إلينا ليلة الفطر في ملحفة حمراء كأنه عروس فيقوم بنا حتى يصبح. وقال: صلى بنا عبد الرحمن بن الأسود ليلة الفطر أربعين ركعة، وأوتر بسبع، وهذا حسن لأن في ليلة العيد معاني: أحدها: أنها مجاورة الشهر، فالشهر هو المؤدي إليها. والثاني: إنها ليلة سرور بإكمال العدد. والثالث: إنها ليلة الإباحة. والرابع: إنها ليلة التكبير. والخامس: إنها ليلة يوم فيه صلاة تخصه. والسادس: إنها أول وقت الحج. والسابع: إنها ليلة عيد. ومعنى العيد اجتماع المسلمين على الإشارة، فبأمر من أمور الدين في الصيام ليس في ظهوره من الصيام كالصلاة والحج، لكنه سر بين الله تعالى وبين العباد.
وتبين شرائع الإسلام كلها على السر والإعلان. فكان إعلان الصيام إنما يقع بإقامة العيد بعد انفصال الشهر. وهذا غير المعاني التي سبق ذكرها، فاستوجبت هذه الليلة الفضل من هذه الوجوه، وناسبت ليالي الشهر إذ كانت الإشارة بما أدى في الشهر عن الصوم وإعلانه ليصير في الظهور كسائر الشرائع، إنما يقع عندها. فإن إتمام الناس فيها سنة للصلاة مجتمعين، كما يفعلون ذلك في ليالي الشهر حسنًا إن شاء الله.
فصل
فأما الوتر فإنه روى عن النبي ﷺ قال: (الوتر حق فمن شاء فليوتر بسبع ومن شاء فليوتر بخمس، ومن شاء فليوتر بثلاث، ومن شاء فليوتر بواحدة). وبذلك نقول: إن الإتيان بأكثر من واحدة إنما يكون بالموالاة الركعات، وتأخير الجلوس في آخرهن فإن ذلك. روى سعد عن النبي ﷺ وهو أنه كان يرقد، فإذا استيقظ تسوك ثم توضأ ثم صلى ثماني ركعات يجلس في كل ركعتين ويسلم، ثم يوتر بخمس لا يجلس إلا في الخامسة. فلما ظهر أن صفة الإتيان بالخمس، هذا علمنا إن الإتيان بالسبع والثلاث كالإتيان بالخمس.
وروى عن عطاء ﵁ أنه كان يوتر بثلاث ركعات لا يجلس إلا في آخرهن.
стр. 849
وإن أوتر بتسع أو إحدى عشرة ركعة فصلى ما وصفنا والله أعلم.
وأما إذا صل ثلاث ركعات، وصلى في منتهاها وتشهد، ثم قام إلى الثلثة فصلاها، سلم من الثانية أو لم يسلم، لم يكن موترًا بها كلها، وإنما يكون موترًا بالثالثة وحدها، ويكون كأنه صلى ركعتين تطوعًا ثم اتبعها أخرى، فأوترهما بها. وذلك جائز لأن الوتر نافلة. فإن خلطت بالشفع الذي تقدمنا من النافلة فلا بأس ولا فرق من خلط الوتر بشفع قبله، وبين خلط شفع بشفع، إذ كل ذلك نفل. فليس للحد نفل حد لا يجاوز، وبأن ما وصفنا إن عائشة ﵂ أخبرت أن رسول الله ﷺ : كان يصلي من الليل عشرًا مثنى مثنى، ثم يوتر بواحدة. وأخبرت عنه: كان يقوم فيتسوك ويتوضأ ثم ينهض ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة فيقعد، ثم يحمد ربه ويذكره، ويدعو ثم يسلم تسليمًا بسمعناه، ثم يصلي ركعتين وهو جالس بعدما يسلم، فتلك إحدى عشرة ركعة، فأبانت بقولها فتلك إحدى عشرة ركعة، إن هذه هي الركعات التي كان تعود القيام بها وكان يصليها مثنى مثنى، ثم يوتر بواحدة. وظهر لنا من هذا أن النبي ﷺ كان ربما فرق هذه الركعات وربما جمعها. وكان إذا جمعها وإلى بينها إلى ثمان ولا يخالها جلوسًا ثم يجلس، ثم يقوم إلى التاسعة التي هي الوتر ليفضل بين الشفع والوتر ضربًا من الفضل، فيكون كأنه قام بثماني ركعات ثم أوتر بواحدة. وهذا لأن كلها نفل فجمعها كتفريقها، وتفريقها كجمعها. ثم كان يصلي بعد التسع ركعتين، فيبلغ الجميع إحدى عشرة ركعة.
قالت عائشة ﵂: فلما كبر رسول الله ﷺ وضعف أوتر بسبع ركعات لا يقعد إلا في السادسة منهن ثم ينهض ولا يسلم، فيصلي السابعة ثم يسلم تسليمًا، ثم يصلي ركعتين وهو جالس فتلك تسع، أي أنه نقص من عدد ركعات القيام فردها أيضًا من التفريق إلى الجمع. فكان يصلي سننًا لا يجلس فيهن إلا في السادسة فيجلس فيها ثم يقوم فيصل السابعة ليكون كأنه تطوع بست ركعات ثم أوتر بواحدة. ومعنى قولنا أوتر بتسع، أي أوتر بأن صلى سبعًا آخرهن وتر، ثم صلى ركعتين فتلك تسع إلى السبع التي كان يقوم بها. وإذا ظهر فيما روته عائشة ﵂ من هذين العددين اللذين
стр. 850
ذكرت، إن النبي ﷺ يقوم بها. وزاد ما جملنا عليه، وانتهى ثابتًا أنه لا يمكن أن يكون قيام النبي ﷺ للوتر وحدها، إذ لو كان كذلك، لكان يصليها بالعشاء ثم ينام. وإنما الأغلبية والاستدامة قام للوتر وغير، ثم صلى تسعًا أو سبعًا لم يجلس إلا في الثامنة، وإفساد بنيته، وجب أن يعلم أنه قصد بذلك ما قلنا من خلط الوتر، لأن الوتر خلاف الشفع والاشفاع، فيماثله بفضل بين الآخرة وبين ما قلنا، ليقع حكم الإيثار على الواحدة الآخرة. ولو والي بينهما وبين ما قلنا لكان الإتيان يقع بجميع الصلاة وهو لم يكن أراد هذا، وإنما أراد أن يكون إشفاعها من قيام الليل والآخرة وعددها وترًا. فلذلك لم يوال بينها وبين التي قبلها كما والي بين المتقدمة والله أعلم.
ثم وجب بأن يكون القول في الخمس والثلاث كالقول في السبع والتسع. ويدل ذلك على ما قلنا، إن النبي ﷺ لما صلى الوتر ثلاثًا قرأ السورة فيها كلها شهرًا. فدل ذلك على أنه إما أن يكون أراد الإتيان بالثلاث معًا، فلم يجلس إلا في آخرهن وينوي بينهن في القراءة والجهد، لأنه والي بينهن. أو يكون أراد الجمع بين ركعتين تطوع، وركعة وتر بسلام واحد، فكانت الصلاة في تقدير صلاتين، فلذلك سوى بينهن في القراءة والجهد. ولو أوتر بها كلها وجلس في الثانية لصلاها كالمغرب. ولما لم يفعل ذلك علمنا إن الإتيان بالثلاث لم يقع منه ﷺ إلا على أحد الوجهين اللذين ذكرتهما والله أعلم.
وروى عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه كان يوتر بتسع ركعات بوتر، يقرأ فيهن تسع سور: إذا زلزلت، والعصر، ثم إذا جاء نصر الله، ثم إنا أعطيناك الكوثر، ثم قل يا أيها الكافرون، ثم تبت يدا أبي لهب، ثم آية الكرسي، ثم الآيتين من آخر سورة البقرة، ثم قل هو الله أحد. ثم يقنت قبل أن يركع. وظاهر ذلك أنه والى بينهما ولم يفصل.
وأما معنى الركعتين بعد التسع والسبع، فهو أن الوتر لما لم ينفرد عن الإشفاع كان الحكم للاشفاع، لأنها أكثر من الوتر، فاحتملت الصلاة بعد بلا كراهية والله أعلم.
стр. 851
فصل
وأما الكلام في تعجيل الوتر وتأخيرها، فجملة ما روى عن النبي ﷺ أنه قال لأبي بكر ﵁: (متى توتر؟ قال: أوتر ثم أنام. قال بالحزم أخذت) وسأل عمر ﵁: (متى توتر؟ قال: أنام ثم أقوم من الليل فأوتر. ذلك فعل القوى أخذت). وروى أنه قال لأبي بكر (مؤمن حذر). وقال لعمر (مؤمن قوي). وروى أنه قال لأبي بكر (أخذت بالحزم) وقال لعمر (أخذت بالعزم) يعني الأمر بالجملة، إن من كان واثقًا عن نفسه بالقيام فليؤخر الوتر، ومن كان خائفًا أن يغلبه النوم فليوتر ثم ينم.
جاء عن النبي ﷺ : (من خشي منكم أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله. ومن طمع منكم أن يقوم آخر الليل فليوتر آخر الليل، فإن قراءة الليل محصورة) ومن قام من آخر الليل ومد قيامه إليه فيوتر في آخر الصبح لقول النبي ﷺ : (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح فيوتر بركعة) وروى: (فليصل ركعة يوتر بها قد صلى).
وقال علي ﵁: هما وتران: وتر حين يحل للصائم الطعام، ووتر حين يحرم على الصائم الطعام، ومعنى هذا - إن شاء الله - وتر يعقبها حرمة الطعام على الصائم، ووتر يعقبه حل الطعام للصائم.
стр. 852
فصل
وإذا فرغ من الوتر وسلم قال: سبحان الملك القدوس ثلاثًا ويرفع بها صوته. روى ذلك عن النبي ﷺ ، وإن وصل بذلك قوله: سبوح قدوس، رب الملائكة والروح، فهو حسن.
فصل
وإذا أوتر ثم قام، فقد ذهب بعض السلف إلى أنه يصلي ركعة واحدة ليصير ما نفل من أول الليل وآخره شفعًا، ثم يستقبل الوتر إذا فرغ من قيامه، وذهب آخرون إلى أنه إذا فعل ذلك كان أوتر في ليلة واحدة وترين، فيصلي ما بدا له، ويكفيه الذي صلاها قبل أن ينام، وبهذا نقول بأن جميعها نوافل ليلة واحدة. وقد علم النبي ﷺ أن أبا بكر ﵁ من المجتهدين، وروى عنه ﷺ أنه كان يوتر من أول الليل، ثم يقوم فيصلي مثنى مثنى حتى يصبح ولم يأمره بنقض الوتر ثم إعادته، ولم يزده على أن قال: (أخذت بالحزم)،
وروى عنه ﷺ أنه قال: (لا وتران في ليلة). وقد روينا عن النبي ﷺ من فصله أنه أوتر فصلى تسعًا وصلى سبعًا ثم ركع ركعتين بعدما سلم.
فصل
وقد بقي من سنن الصلاة ما لم يذكر، وهو ركعة الطواف وركعتا دخول المسجد. قال النبي ﷺ لسليك الغطفاني حين دخل المسجد وهو يخطب: (أركعت؟ قال: لا. قال: فاركع ركعتين، قال: لكل شيء تحية وتحية المسجد ركعتان، فإذا دخلت المسجد فلا تجلس حتى تصليها).
وأما ركعة الطواف فإنه روى أن النبي ﷺ لما طاف بالبيت، أتى المقام فصلى خلفه ركعتين، قرأ فيهما سورتي التوحيد: قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد. ثم تلا
стр. 853
قول الله :﴾ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴿. وهو من الأعمال الموروثة. وقد ألحق بعض الناس بهذا الباب ركعتي الإحرام، وليس كما قال: لأن سنة الإحرام أن تكون خلف صلاة. وليس من سنته أن تصلي لأجله والله أعلم.
فصل
ومن الصلوات المستحبة غير المسنونة: الصلاة عند الزلازل والرياح العاصفة، والظلمة الغاشية. فإن النبي ﷺ قال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة). فأبان ﷺ إن ظهور الآيات مقتض الفزع إلى الصلاة. والزلزلة والريح الشديدة والظلمة لا في وقتها، من الآيات. فكان من حقها الصلاة.
وروى عن ابن عباس ﵄ أنه صلى بالناس في زلزلة وقعت وقال علقمة: إذا فزعتم من أفق من آفاق السماء فافزعوا إلى الصلاة. وظهرت بالكوفة ظلمة فصلى تميم ابن حزام، وأمر بالصلاة إلى أن تنجلي. وقال عبد الله بن مسعود ﵁: إذا سمعتم الخسوف فافزعوا إلى الصلاة، وأما صفة الصلاة عند هذه الأحداث، فإن عبد الله ابن عباس وعائشة ﵄، رأيا أنها كصلاة الخسوف. ويحتمل إلى الاقتصار: إلى أن تقرير الصلاة المعهودة إلا بتوقيت، والتوقيت وجد في صلاة الخوف، ولم يوجد في غيرها. فكانت سائر الآيات قياسًا عليها في الصلاة عندها، ومردودة في صفة الصلاة إلى سائر أسباب الصلاة والله أعلم.
فصل
فقد بدأت هذا الباب من آياته عظم قدر الصلاة، بما وفق الله تعالى بفضله له. وأقول في جهة: إن من خصائص الصلاة، التي تزيدها فضلاً ويوجب لها فخامة وقدرًا أنه لا
стр. 854
عبادة أشغل للجوارح منها. فإنه ليس في الصيام إلا الكف عن الطعام والشراب والمباشرة ولا في الزكاة إلا دفع مال إلى مستحقه، ولا في الحج إلا أشياء معلومة وكف عن أشياء معلومة وأما الصلاة فإن مبناها على الخشوع لظاهر البدن وباطنه، فإن من حق الصلاة أن لا يشغل المصلي قلبه بغيرها، فيها فناؤه ينتشي عندما صلى، وباؤه يستكلم، فيدعو عنده كوامنه، أو يفارق مصلاه، ويدخل بيته، أو يستدبر القبلة أو يقوم في موضع القيام، أو يتشهد في وقت القراءة، ويقرأ في وقت التشهد. فإن كان هذا مضى، وللصلاة يخالف لها، ثبتت عليه ومن حقها أن يسكن المصلي يده فلا يعبث، ويلزم قصد وجهه، فلا يلتفت ولا يستمع إلى كلام متكلم، فربما اختلفت القراءة عليه، وربما التفت بعض ما يسمعه فقاله. ولا يحدث نفسه في الصلاة فربما ذكر أمرًا فضحك منه، وربما يذكر ما يعمله فاضطربت صلاته عليه. ولا يستكثر من الإشارات في صلاته فيقضي حوائجه بها وهو في الصلاة. ولا يفرقع أصابعه، ولا يلبس في صلاته ثوبًا ولا يضع عن نفسه ثوبًا من غير ضرورة. وإذا أراد أن ينزعه أو ينتجم، فلا يرمي به نحو القبلة، وليأخذ ذلك بطرف ثوبه إن جاء في مسجد. فإن كان في موضع يقدر على قذفه فيه برفق قذفه وكل ذلك داخل في قول الله :﴾ قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ﴿.
ووردت في هذا الباب أخبار: روى عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا كان أحدكم في صلاته فلا يبزقن أمامه فإنه مستقبل ربه). وروى أنه قال: (إن أحدكم إذا قام إلى الصلاة فإنما يستقبل ربه والملك عن يمينه، فلا يبزقن بين يديه ولا عن يمينه وليبزق عن يساره) وعنه ﷺ أن فصل: (إذا قام في الصلاة فالتفت، قال له الرب: ابن آدم أقبل إلي. فإن التفت الثانية قال له الرب: ابن آدم أقبل إلى فان التفت الثالثة قال: أو الرابعة قال له الرب: لا حاجة لي فيك) وعنه ﷺ قال: (إن المصلي ليناجي
стр. 855
ربه، فلينظر أحدكم ما يناجي به ربه) وقال ابن سيرين: كانوا يرفعون أبصارهم في الصلاة ويلتفتون يمينًا وشمالاً، ولما نزل قوله :﴾ قد أفلح المؤمنون، الذين هم في صلاتهم خاشعون ﴿لم يلتفتوا يمينًا وشمالاً. وقال مجاهد في قول الله تعالى﴾ وقوموا لله قانتين ﴿. قال في القنوت الركوع والسجود والخشوع وغض البصر وخفض الجناح من رهبة الله، كان العلماء إذا قام أحدهم إلى صلاة يهاب الرحمن أن يشد بصره إلى شيء أو يلتفت أو يقلب الحصى، أو يعبث، أو يحدث نفسه بشيء من شأن الدنيا إلا ناسيًا، ما دام في صلاته.
وقال الحسن: إذا قمت إلى الصلاة فقم قانتًا كما أمرك الله، وإياك والسهو والالتفات أن ينظر الله إليك وتنظر إلى غيره. وتسأل الله الجنة. وتعوذ بالله من النار وقلبك ساه لا يدري ما تقول بلسانك.
وقال ابن جريج: قلت لعطاء بن أبي رياح: أقبض بكفي اليمنى على عضدي اليسرى، وكفى اليسرى على عضدي اليمنى، فكرهه وقال: إنما الصلاة خشوع قال الله تعالى:﴾ الذين هم في صلاتهم خاشعون ﴿. وقد عرفتم الركوع والسجود والتكبير ولا يعرف كثير من الناس الخشوع قلت لعطاء: أيجعل الرجل يده على أنفه أو ثوبه؟ قال لا. قلت: من أحد يناجي ربه، وأحب إلى أن يخرقاه.
سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: (إذا صليت فإنك تناجي ربك فلا تبزقن أمامك ولا عن يمينك. قلت لعطاء: هل يبطل الالتفات الصلاة؟ قال: لا. قلت فأنظر عن يميني وشمالي: قال: لا، إلا أن تقيم صفًا ولا تطمح ببصرك أمامك، وتطمح به هاهنا وهاهنا، إنما الصلاة تخشع لله. قلت: والالتفات أشد من النظر عن اليمين أو الشمال قال: نعم، ينهى عن الالتفات في الصلاة. وبلغنا أن الرب ﵎ يقول: إلى من تلتفت يا ابن آدم؟ إني خير لك ممن تلتفت إليه.
وقال مجاهد: كان ابن الزبير إذا قام في الصلاة كأنه عود من الخشوع. وحدث أبا
стр. 856
بكر كذلك. وقال ابن سرين: كانوا يقولون: لا يجاوز بصر الرجل في صلاته موضع سجوده فقال له مسلم بن بشير، ورأى حذيفة بن اليمان رجلًا يصلي ويعبث بلحيته، فقال: لو خشع قلبه لسكنت جوارحه، وقال سعيد بن جبير ينتقص الصلاة الاحتكاك وتعضضك أصابعك في الصلاة والوسوسة
وتقليب الحصى. وجاء عن رسول الله ﷺ أنه صلى بصلاة يجهز فيها القرآن، فلما فرغ من صلاته قال: (يا فلان، هل أسقطت من هذه السورة من شيء؟ قال: لا أدري فقال رسول الله ﷺ : هل فيكم أمي؟ قال: نعم. قال: يا أمي هل أسقطت من هذه السورة من شيء؟ قال: نعم يا رسول الله، كذا كذا. فقال رسول الله ﷺ : هؤلاء الأقوام يتلى عليهم كتاب الله، ولا يدري ما تلى عنه مما نزل. هكذا خرجت عظمة الله من قلوب بني إسرائيل، فشهدت أبدانهم وغابت قلوبهم، ولا يقبل من عبد عملًا حتى يشهد قلبه مع بدنه).
وعن عمار بن ياسر ﵁ أنه صلى ركعتين فخففهما ولم ينتقص من حدودهما شيئًا. وقال: أني أبادر بهما السهو، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أن الرجل ليصلي الصلاة ما يكون له منها إلا عشرها تسعها ثمنها سبعها حتى انتهى إلى آخر العدد).
فصل
ومن معرفة المصلي بقد صلاته أن لا يجرد المكتوبات عن السنن المشروعة قبلها أو بعدها. قال رسول الله ﷺ : (من رغب عن سنتي فليس مني). وقال الله : ﴿ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه﴾.
ومنها أن لا يقتصر من المكتوبة على أقل ما يجري كما ذكرناه في السنن المنفصلة عنها فلأن ذلك دلالة لاستقبال العبادة والتبرم بها، كما أن المقبل في الصلاة وأدائها بفرائضها.
стр. 857
وسننها وهيئاتها وآدابها دليل الحرص على العبادة والحث والاغتنام لما شرع وسهل السبيل إليه منها. ولكل ساع عند الله سعيه، فمن أساء السعي فعلى نفسه جنى، ومن أحسنه فبمثله يجزى وبالله التوفيق.
ومنها أن لا ينفرد بإقامة الفرائض في بيته، لكن يقيمها مع الجماعة في المساجد لما يروى عن النبي ﷺ من قوله: (إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان). قال الله : ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر﴾. ولأن المساجد إنما تبني لأجل الصلاة والذكر. قال الله في بيوت الله: ﴿أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تليهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾. وثبت لها لذلك من الحرمة ما تتميز به عن سائر البيوت، وهو أن لا يحل للجنب أن يلبث فيها، وإن الاعتكاف فيها يصح وفيما سواها لا يصح، وأن من جعل داره خرج من ملكه فلا ينفذ فيها بعد ذلك تصرفه، وإن مات لم يورث عنه. فلذلك يجب لها على المسلمين من الجواز ما لا يجوز لهم تعطيلها وتخريبها إذا تركوها ولم يصلوا فيها، لم يعثوا بخرابها ولم يعمروها. وهو سوى ما جاء عن النبي ﷺ من قوله: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد تسعًا وعشرين درجة). والصلاة جماعة أفضل وإقامتها أفضل لما ذكرت من الحديث في كل واحد من الأمرين والله أعلم.
وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: (صلاتك مع الرجل أزكى من صلاتك وحدك، وصلاتك مع الرجلين أزكى من صلاتك مع رجل، وما كان أكثر هو أحب إلى الله .
فإن قيل: كيف يجوز أن يقول النبي ﷺ : (إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان) ويستدل على ذلك بقول الله : ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله
стр. 858
واليوم الآخر﴾ وقد علم أن المراد بالآية عمارة ما خرب من المسجد، ورم ما استرم ألا ترى أنه قال: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة﴾ فلو كان المراد بالعمارة والصلاة لصار كأن قال: إنما يصلي في مساجد الله من آمن بالله وأقامن أن الخبر لا يجوز أن يأتنا عن النبي الصلاة. وذلك لا وجه له. هذا وقد قال: ﴿أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد كمن آمن بالله واليوم الآخر﴾. أي أجعلتم ولاية المسجد والقيام بعمارته كسقاية الحاج كإيمان من آمن بالله فثبت أن معنى قوله ﴿إنما يعمر مساجد الله﴾. أي إنما ينبغي أن يتولى عمارة البيت من يؤمن بالله ويقيم الصلاة. في هذا ما أبان أن ذلك الخبر لا يجوز أن يأتنا عن النبي ﷺ .
فالجواب: أن ما جاء عن النبي ﷺ فهو ملائم لما قاله هذا القائل من معنى الآية. ووجه ذلك والله أعلم- أن الاهتمام بعمارة المسجد وحضوره لا يليق بالمشركين، وإنما هو من عمل المؤمنين. لأن الإيمان هو الذي يبعث عليه يدعو المؤمن إليه. فكما أن الله نفي ولاية المسجد والقيام بعمارتها عن المشركين، لأن الكفر بالله يحول بينهم وبينا الاهتمام بالبيوت المضافة إليه المختصة بعبادته. فكذلك اعتياد المساجد والولوع بها والانقطاع إليها بالتعبد، لا يليق بالكفار بالله، إذ الكفر يحول بينهم وبين عبادته، وتعظيم البيوت المضافة إليه. فمن روى ذلك منه وعرف به فينبغي أن يشهد له بالإيمان، فإنما تلا رسول الله ﷺ تلك الآية، ليجعل ما جاءت به مثلا لما ذكره من اعتياد الرجل المسجد لا ليحتج بلفظها به والله أعلم.
فأما إقام الصلاة جماعة فقد قيل: أنه من فروض الكفاية. فلا ينبغي لبد وإن صغر، أو لقرية أو حصن من أن تقام فيه الجماعة للمكتوبات الخمس، ومن أتى بها منهم سقط بذلك الفرض عن الباقين، وإن تركوها جميعًا فكلهم خرجون، وقيل: أنها سنة مؤكدة، وقد جاء عن النبي ﷺ تغليظ شديد على من تركها، نحو قوله: (من سمع النداء فلم يجب من غير عذر فلا صلاة له). ونحو قوله: (لقد هممت أن آمر فتياني أن يجمعوا الحطب ثم آمر بالصلاة فتقام، فإن خالف إلى أقوام لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم
стр. 859
بيوتهم) وقد قيل، إنما قال ذلك لأنه لم يكن يتخلف عن الصلاة خلفه بالعلل الداحضة إلا المنافقون، وهم لا صلاة لهم بالحقيقة. فإن أحرقت بيوتهم كانوا لذلك أهلًا.
وجاء عنه ﷺ ما يبين أنها فرض وليست بفرض، وهو قوله (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة). وهذا يحتمل أن يكون، على أن فرائض اليوم والليلة سبع عشرة ركعة. وقال ابن عمر ﵄: حفظت عن رسول الله ﷺ عشر ركعات لم يدعهن: ركعتين قبل الفجر، وركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء، فأما الوتر فإنه لم يذكرها لأنها من صلاة التهجد، ولعله علم أنه كان يدعو في الشهر لذلك. روى عنه نفسه أنه كان لا يوتر في السفر، يقول: لو كنت منتقلًا لأتممت، فإذا ضممت بالعشر ركعات إلى السبع عشرة كانت صلاة اليوم والليل، فرضها ونفلها سبعًا وعشرين ركعة. فإذا أراد النبي ﷺ أن كل صلاة أقيمت جماعة كصلاة يوم وليلة إذا أقيمت لا في جماعة.
ويحتمل ذلك وجهًا آخر وهو أن يكون إشارة إلى الفوائد التي تعود على المصلي في الجماعة، لأجل اجتماعه مع الناس على الصلاة، فيكون منها آمنه من السهو عن بعض أركان الصلاة، والشك في أنه ركع أو لم يركع، وسجد سجدة أو سجدتين وصلى ركعة أو ركعتين. ومنها أن الصلاة في الجماعة إظهار للدين وليس إظهاره كإخفائه. ومنها أن الشغل في صلاة الجماعة أكثر منه في الانفراد، ولولا ذلك لما يجري المتخلف عن الجماعة بتخلفه عنها تخفيفًا عن نفسه، والشغل بالعبادة عبادة.
ومنها أن الكاره لا تفوته الجماعة: أما أن يلزم المسجد منتظرًا الصلاة فذلك في حكم الصلاة وهو له عبادة. قال النبي ﷺ : (أن أحدكم في الصلاة ما دام ينتظر الصلاة).
وأما أن يتردد إلى المسجد في الظلمة مرة وفي الضياء أخرى والحر الشديد والبرد الشديد ومقاساة العناء في العبادة عبادة.
стр. 860
ومنها أن المسلمين إذا التقوا كل يوم وليلة خمس مرات للاجتماع على الصلاة عاد ذلك عليهم بالألفة والمودة، ولم يتقاطعوا ولم يستوحش بعضهم من بعض بأدنى بلاغ وأقل سبب. ويلتحق بهذا أن بعضهم يسأل عن بعض إذا لم يره، وأن كان وجل له حق قضاء، وإذا لم يجتمعوا ولم يتلاقوا جهل حال بعضهم حال بعض، ولم يصل إلى قضاء حق إن كان قد وجب له.
ومنها أنهم إذا قصدوا أن يصلوا جماعة احتاجوا إلى مكان يضمهم، فبينوا المساجد وعمروا ما قد بني منها. وكل واحد من البناء والعمارة عبادة. قال النبي ﷺ : (من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة بني الله له بيتًا في الجنة).
ومنها أنهم إذا أرادوا ذلك احتاجوا إلى مؤذن يحافظ عليهم الأوقات، ويعلمهم بها، فإذا نصبوه فالآذان للمؤذن عبادة. ونصبهم إياه الفرض الذي وصفنا عباده.
ومنها أنهم يحتاجون إلى إمام يكون لهم بمنزلة القائد والوالي، فإمامته إذا أدى الإمامة فيها له عبادة، واقتداؤه به لهم عبادة.
ومنها إن أكمل الصلاة هي الجمعة، فإذا صلى الناس غيرها جماعة فقد شهرها بها وحصلوا فيها بعض معانيها وأوصافها متبرعين، فكان ذلك نظيرًا أن يصلوا في الوقت الذي لا فرض عليهم فيه متنقلين، فشبهوه بالوقت الذي فيه عليهم فرض، وتحصوا فيه معناه ووصفه.
ومنها: أن الصلاة في الجماعة تقع لأوقاتها لأن كل واحد يفزع نفسه لشهورها وإقامتها، وصلاة المنفرد تقع مرة لأول الوقت ومرة لآخره، وربما تنتهي عن الوقت، وليس المحاسب نفسه كالمساهل إياه.
ومنها أن التدرب على الجماعة عصمة من ترك الصلاة، لأن المنفرد قد ينام عن الصلاة وقد ينساها، وقد يغفل منها وقد يكسل عنها ويتركها. والموكل بالجماعة ما بين هذا كله.
стр. 861
ومنها أن في ذلك غيظًا على الكفار إن شاهدوا من المسلمين جموعهم ومساجدهم واجتماعهم بأمر دينهم ومواظبتهم على عبادتهم. ومنها: أن منها تشبهًا بالملائكة المرقبين حيث يقولون: ﴿وما منا إلاله مقام معلوم، وإنا لنحن الصافون، وإنا لنحن المسبحون﴾. ومنها: أن الصلاة من بعضهم على عين بعض أجزى وأخضع، ومن التجبر والتعظم أبعد.
ومنها: أنه قد يدخل مع النوم من لا يحسن الصلاة فيصلي بصلاتهم ويأخذ عنهم فيكون أقام الصلاة بإجماعه من هذا الوجه إعانة على البر وهداية إلى الخير.
ومنها: أن الإجماع على الاقتداء بالإمام الذي إليه جمعهم وإليه إمامتهم، قضى حق الطاعة له، وإنما ذلك للسلطان، وطاعة السلطان عبادة.
ومنه أنها إذا مرقوا على الصلاة خلف سلطنهم أسرعوا إلى طاعته فيما يدعوهم إليه، ويحملهم عليه من جهاد وغيره. وإذا مرقوا على الإنفراد لم يؤمن أن يحدث عنهم من التباطؤ ما يدعو إلى الشقاق والفرقة.
ومنها أن ذلك تشبهًا منهم بصف المقاتلين الذين يقول الله : ﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص﴾.
ومنها أن القبلة هي البيت وعنده كانت إمامة جبريل ﵇ للنبي ﷺ . ومعلوم أن المسلمين إذا اجتمعوا حول البيت فصلوا، صارت جهاته مستوفاة لهم ضرورة، واستيفاؤها للمنفرد غير ممكن.
ومنها: أنهم إذا صلوا جماعة سلم بعضهم على بعض.
ومنها: أن الإمام يدعو لنفسه وللقوم، وكل واحد من القوم يدعو لنفسه وللجماعة، وذلك أرجى من دعاء المنفرد وحده.
ومنها: أن المسلمين يصومون معًا ويحجون معًا، فلما أمكن أن يصلوا معًا كان ذلك أولى بهم من أن ينفردوا ويتباينوا بين الصلاة وقرينتها من أركان الصلاة.
ومنها: إن في الجماعة تعظيمًا للمقصود بالخدمة لما يستشعره كل واحد من استضعاف نفسه، وإظهاره الحاجة إلى آخرين، فينصتون إليه فيتقوى بهم.
стр. 862
ومنها: أن الإمامة سبب جهر الإمام، إذ كان لولا الإمامة ما كانت منتهى الجهر والجهد زيادة في صفة الذكر، زيادة الخير خير.
ومنها: أن الصلاة جماعة زينة تين بها الفرض وغيره لما يمكن من وجوه الذين أولى من التسوية بينه وبين النفل، كما يؤذنوني له ولا يؤذنون للنفل.
ومنها: أن الجماعة من مناسك الحج، فإنهم أمروا أن يجتمعوا بعرفة بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، وإنما يفعلون ذلك جماعة، ولا يخل الانفراد في مناسك الحج.
ومنها: أن الجماعة نصرة حاضرة، حتى لو حدث خوف لحرس بعضهم بعضًا ليبتلوا والانفراد خذلان ووحشة، فتلك سبع وعشرون والله أعلم، لما أراد رسول الله ﷺ وبه التوفيق للصلوات.
فصل
وإذا ظهر حضور المساجد للجماعات. والصلوات متفاوتة في ذلك، وأفضل الصلوات في ذلك العشاء والفجر.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: (لو يعلم المتخلفون عن صلاة العشاء والغداة لأتوهما ولو حبوًا). وعنه (أن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر).
وعن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: اسمعوا وأبلغوا من خلفكم حافظوا على هاتين الصلاتين العشاء والصبح لو تعلمون ما فيهما لأتيتموها ولو حبوًا على مرافقكم وركبكم. وقال عمر ﵁: لأن أصليهما في جماعة أحب إلى من أن أحيي ما بينهما، وجاء عن النبي ﷺ قال: (شهود صلاة العشاء لآخرة كقيام نصف الليل، وشهود الصبح كقيام ليلة حق الصبح). ثم لذلك آداب وشروط يحتاج إلى المحافظة عليها.
أحدها أنه ينبغي لكل أحد منهم أن يتنظف، ويتحرى أن يحضر المسجد على حال
стр. 863
لا يؤذي بها أحدًا. وقد ذكر من ذلك في الغسل للجمعة ما قد ذكر. وجاء في هذا الباب أن أنسًا ﵁ سئل عن الثوم فقال: قال رسول الله ﷺ : (من أكل من هذه الشجرة شيئًا فلا يقربنا ولا يصلين معنا). وفي رواية أخرى قال رسول الله ﷺ : (من أكل من هذه الشجرة شيًا فلا يقربنا- ويريد الثوم في مجلسنا فقلت: المسجد الحرام؟ فقال: (في المساجد كلها). وفي بعض الرواية أنه لما قال ذلك قال الناس: محرم. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فخرج علينا فقال: (يا أيها الناس أنه ليس لي تحريم ما أحل الله، ولكنني أكره ريحها).
وفي بعض الروايات أنه قال: (من أكل من هذه البقلة الخبيثة فلا يقربن مسجدنا) وجاء أن النبي ﷺ ، كان لا يأكل الثوم ولا الكرات ولا البصل، من أجل أن الملائكة تأتيه. ومن أجل أنه يكلم جبريل.
وفي رواية أخرى: (من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا، أو يعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته). وهذا كله فيمن أكل ثومًا أو بصلًا، فكان إذا دخل مسجدًا وحضر جمعًا من جموع المسلمين آذى الناس برائحته الخبيثة. فأما إذا كان مطقوخًا لا تبين منه رائحته ما ينأى به، فلا بأس به. فقد روى مفسرًا أن النبي قال: (من أكل البصل والثوم والكرات نيًا، فلا يقربنا مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى به الناس).
وخطب عمر بن الخطاب ﵁ فقال في خطبته: "يا أيها الناس أنكم تأكلون من شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين، هذا الثوم وهذا البصل، لقد كنت أرى الرجل على عهد رسول الله ﷺ يؤخذ منه ريحه، فيؤخذ بيده، حتى يخرج به من الجمع. إلا فمن أكلها فليمتهما طبخًا. وروى هذا مسندًا عن النبي ﷺ قال: (إن كنتم لابد من آكليهما فأميتوها طبخًا). يعني البصل والثوم. وقال علي ﵁: لا يصلح أكل الثوم إلا مطبوخًا.
стр. 864
فصل
وينبغي لمن أراد المجد أن يمشي غليه، وإن بعدت داره، إلا أن لا يطيقه. قال رسول الله ﷺ : (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قلوا: بلى يا رسول الله قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط).
وعنه ﷺ قال: (إذا عاج أحدكم مريضًا فليقل: اللهم اشف عبدك شكا لك عدوًا أو يمشي إلى صلاة). وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: أقيمت صلاة فخرج رسول الله ﷺ يمشي وأنا معه يقارب في الخطى، فقال: (أتدري لأي شيء مشيت هذه المشية؟ ليكثر عدد خطاي في طلب الصلاة) وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: أراد بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأتاهم فقال: (يا بني سلمة، دياركم دياركم، فإنما تكتب آثاركم). فأقاموا وقالوا: ما يسرنا إن كنا تحولنا، يعني قول الله : ﴿ويكتب ما قدموا وآثارهم﴾ فإن كان المشي في الظلماء فقد (روى) أن رسول الله ﷺ قال: (بشر الماشي في ظلم الليل بالنور التام يوم القيامة). وعنه أنه قال: (من مشى في ظلمة الليل إلى المسجد آتاه الله نورًا يوم القيامة). وعنه أنه قال: (بشر المشائين إلى لمساجد في الظلم، فإن أولئك الخواضون في رحمة الله).
ورأى رجل الحسن البصري، وهو المسجد لصلاة العشاء في ليلة مظلمة ذات ريح، فقال: في هذه الليلة يا أبا سعيد؟ فقال: التشدد أو الهلكة. ولا ينبغي لمن أراد
стр. 865
الجماعة، وخشي أن يسبقه الإمام أن يسعى، لأن النبي ﷺ قال: (إذا أتيتم الصلاة فلا تأثرها وأنتم تسعون، وأتوها وانتم تمشون وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا). ومن دخل المسجد فإنه يقول ما رواه علي ﵁: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد قال: (اللهم افتح لي أبواب رحمتك) وإذا خرج قال (اللهم افتح لي أبواب فضلك).
فصل
وقد كانت النساء يحضرن في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄، وأمرهن رسول الله ﷺ أن لا يخرجن إلا بفلاة، وغلظ عليهن في حس الطيب إذا خرجن، إلا أن عائشة ﵂ قالت: لو رأى رسول الله ﷺ ما نرى لمنعهن المسجد كما منعت بنو إسرائيل نساءها.
وقال عبد الله؛ احبسوا النساء في البيوت، فإنما النساء عورة، فإن المرأة إذا خرجت من بيتها استسرقها الشيطان، وقال لها: إنك لا تمرين بأحد إلا أعجب بك، وجاء أن النبي ﷺ قال: (لفضل صلاة المرأة في بيتها على صلاتها في الجماعة خمسًا وعشرين درجة).
وجاءت امرأة أبي حميد الساعدي إلى رسول الله ﷺ فقالت: (يا رسول الله إني أحب الصلاة معك، فقال: قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي) فأمرت فبني لها مسجدًا في بعض شيء من بيتها، وأظلمته. وكانت تصلي فيه حتى لقيت الله .
стр. 866
فإن قيل: فهلا منعنهن المساجد إذا كان الفضل لهن في الخلوة والانفراد، كما منع الرجال من التخلف عن الجماعة، إذا كان الفضل لهم في حضورها.
قيل: لأنه كان لهن في الحضور عذر لم يكن مثله للرجال في التخلف. وهو الدخول في دعاء النبي ﷺ إذا قنت، وفي سلامه إذا سلم على القوم فيحلل. فإن كان ذلك يحصل بهن إذا حضرن ويقربهن إذا تخلفن، وكي لا يطبن نفسًا بالفوت فلم يضيق عليهن. وجاء أن يصل بحب ظنهن، وينتهي ببركة دعاه وسلامه إلى أكثر من الفضل الذي كان يكون لهن في لزوم البيوت. وهذا المعنى في جانب غيره، لا يقوى كقوته في جانب النبي ﷺ كان الأولى بهن لزوم البيوت والله أعلم.
فصل
وإذا أراد الرجل الخروج إلى الصلاة، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا خرجت من منزلك فصل ركعتين يمنعانك مخرج السوء، وإذا دخلت منزلك فصل ركعتين يمنعانك مدخل السوء). وهذا فيمن خرج إلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة صلى في بيته، وإن رجع من الفجر أو العصر لم يصل.
فصل
وينبغي للجماعة أن يسووا صفوفهم، والإمام يتعهد ذلك منهم، ويأمرهم به. جاء عن النبي ﷺ كان يسوي الصفوف كما يسوي القداح والرماح، وكان يقول: (ما يمنعكم أن تصف الملائكة الذين عند الرحمن؟ قالوا: وكيف يصفون؟ قال: يتمون الصف الأول، ويرصفون الصفوف رصفًا). وكان يقول: (لا تختلفوا فتختلف قلوبكم ولتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم). وجاء أنه كان إذا أقيم الصلاة،
стр. 867
أخذ العود بيده اليمنى ثم التفت وقال: (اعدلوا صفوفكم واستووا، ثم أخذ بيده اليسرى ثم التفت فقال: اعدلوا صفوفكم). وإذا اصطف الناس صفين، وفي الأول فرجة، فينبغي لأحد من في الصف الثاني أن يتقدم فيسد الفرجة. قال رسول الله ﷺ : (من سد فرجة في صف رفع الله بها درجة). ولا ينبغي أن يصطفوا صفوفًا ناقصة، ويفعلوا كما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (أتموا الصف الأول ثم الذي يليه، فإن كان نقص وليكن في المؤخر).
وينبغي إذا كان القوم طبقات أن يلي الإمام منهم أفاضلهم ثم الأمثل، وإن تعدل الصفوف على هذا فإن رسول الله ﷺ قال: ليلين منكم ذوو الأحلام والنهي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم). وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: تقدميا فلان، تقدم يا فلان).
وقال قيس بن عياد ﵁: بينا أنا أصلي في مسجد المدينة في الصف المتقدم، إذ جاء رجل من خلفي فجيذني جبذة فنحاني، وقام في مقامي. فوالله ما علقت صلاتي، فلما سلم التفت إلى، فإذا هو أبي بن كعب ﵁، فقال: يا فتى لأبشرك أن هذا عهد النبي ﷺ قال: (كونوا في الصف الذي يليني، وما فعلته). وما فعلته تجاهله، وأفضل الصف الأول ما كان عن يمين الإمام، ومنه ما كان أقرب إلى الإمام.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: (أفضل الصفوف الصف الأول، وأفضل الصف الأول ميمنته، وأفضل ميمنة الصف الأول أقربهم إلى الإمام). وينبغي إذا صف الناس خلف الإمام فدخل رجل فأحسوا به، وأمكنهم يوسعوا له أن يفعلوا. قال النبي ﷺ : (خياركم أحبكم مناكب في الصلاة). وإذا كثر الناس في المسجد فليصفوا في وجوه السواري أو يخلفوا وراءهم ولا يصطفون بين السواري.
стр. 868
وعن عبد الله كان يرى أن يصف بين الاسطوان. وعن حذيفة وابن عباس ﵄ مثله. وقال أنس بن مالك ﵁: كنا نتقي هذا على عهد رسول الله ﷺ يعني: الاصطفاف بين السواري. ويجهل أن يكون ذلك، لأن سنة الصف الاتصال والسواري مقطعة، وإذا اجتمع الناس في المسجد ينتظرون الإقامة، فأقام المؤذن. فإن كان الذي أذن وأقام فهو الإمام، فينبغي للقوم إذا سمعوا قوله قد قامت الصلاة، أن يقوموا. وإن كان الإمام غيره، فلا يقوموا حتى يروا الإمام قد خرج أو يروه إن كان بينهم. روى أن النبي ﷺ قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا تقوما حتى تروني قد خرجت).
فصل
واختلف السلف في الإمام إذا سلم، فكان ابن عمر ﵁ يسلم ويقول: لا تسبق من صلاتك بعد الإمام شيئًا، وإذا سلم الإمام، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا سلم الإمام فردوا عليه). وروى أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يردون على الأمام ثم يسلموا.
وروى عن ابن عمر ﵄ أنه كان يسلم أولًا عن يمينه، ثم يرد على الإمام. وتأويل ما جاء عن النبي ﷺ في هذا عندما كان يتولى القوم بسلاحهم الإمام والحفظة. فإما أن يردوا عليه في صلاتهم فا أزادوه مما هو جائز. والخبر عن الصحابة أرسله كحول، ولا حجة في المرسل إذا انفرد.
فصل
ولا ينبغي لأحد من القوم أن يفارق مكانه بعدما قضى الإمام صلاته حتى يقوم الإمام، إلا أن يكون عليه قضاء. روى عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالعقود ولا بالانصراف).
стр. 869
فصل
ومن صلى وحده ثم أدرك الجماعة فليعدها معهم، لأن النبي ﷺ قال: (إذا جثتما فصليا، وإن كنتما قد صليتما). فإن كان يصلي في جماعة، فمن علل النص بادر إلى فصل الجماعة، قال: لا يعيد، ومن علله بالاحتراز من الخلاف والشذوذ، قال: يعيد.
فصل
ومن فاتته الصلاة في مسجد، فيتبع المساجد رجاء أن يوافق جماعة فحسن. جاء عن حذيفة بن اليمان ﵁ أنه كان يفعل ذلك وإن كان في بيته قوم فرجع إليهم فصلى معهم فجائز. فإن فات الجماعة أجرى معهم فخلوا المسجد فصلوا فيه جماعة جائز. ولا ينبغي لمن كان في مسجد فأقيمت فيه الصلاة أن يخرج قبل أن يصلي إلا أن يكون له عذر بين. فعل ذلك رجل فقال أبو هريرة ﵁: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ . وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، قال رسول الله ﷺ .
* * *
стр. 870
الثاني والعشرون من شعب الإيمان
وهو باب في الزكاة
وفي الزكاة التي جعلها الله جده قرينه الصلاة فقال: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، وذلك دين القيمة﴾. ﴿وآتيتم الزكاة﴾. وقال ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة). وقال: (يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة﴾. وقال: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ إلى غير ذلك من الآيات التي لم يفرد فيها ١ كر الصلاة عن ذكر الزكاة، ولا أدخل بينهما، فرضا سواهما. فصارت الزكاة لذلك ثالثة الإيمان. كما صارت الصلاة ثانية الإيمان. ووجب لذلك تعظيم قدرها وتفخيم أمرها. وجرى الرسول ﷺ في ذكر الصلاة والزكاة على منهاج الكتاب فقال: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وإن محمدًا رسول الله، وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت) فقد قرن الزكاة بالصلاة.
وقال لمعاذ ﵁ لما بعثه إلى اليمن: (ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وإن محمدًا رسول الله، فإن أجابوا إلى ذلك فأعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم) فقرن الزكاة بالصلاة.
стр. 871
وعنه ﷺ أنه قال لرجل سأله عن الإسلام: (أن نسلم قلبك لله، وتوجه وجهك إلى الله، وتصلي الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، إخوان نصيران، لا يقبل الله من عبد أشرك بعد إسلامه).
وعنه أن الجصاص بن السدوسي جاء ليبايعه على الإسلام قال: فاشترط على أن أشهد أن لا إله إلا الله. قلت: يا رسول الله، أما اثنتان فلا أطيقهما، أما الزكاة فمالي إلا عشر ذود، وهن لرسل أهلي وخمواتي. وأما الجهاد فأخاف إن حضر لي القتال كرهن الموت وحتفت نفسي. قال فقبض رسول الله ﷺ يده عني فقال: (لا صدقة ولا جهاد، ففيم تدخل الجنة؟ فقلت: يا رسول الله ﷺ يده عني فقال: (لا صدقة ولا جهاد، ففيم تدخل الجنة؟ فقلت: يا رسول الله، ابسط يدك، فقد بايعتك عليه كله). وعنه ﷺ : (من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان من عند الله وحده). سببًا لنقاء النفوس إذا كانت المطاعم والمشارب والملابس والمساكن والمراكب والمرافق والمعادن كلها أموالًا، وامنن على العبد بالرزق كما امنن عليه بالخلق فقد ينبغي مع هذا كله إذا فرض على العبد في ماله زكاة فتح لها طيب النفس عنها، وحم به إليها في غير أوقات الفرض من نوافل الأعطيات وكرائم الصدقات مثلها وأكثر منها، أن يكون ذلك أقرب العبادات منها بالصلوات أولها بأن يكون قربها وبانيها وأحسنها عند الله تعالى للعبد ذكرًا، وأعظمها لديه أجرًا. فقد دل الكتاب والسنة على ذلك كما وصفنا، ثم جاءت في التغليظ على مانعي الزكاة أنه قال: (ما منع قوم زكاة أموالهم إلا حبس الله عليهم مددًا من غيرهم، وأخذوا ما كان بأيديهم. ولا نقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالشين وشدة الموتة، وجور للسلطان عليهم، وإذا لم يحكم أئمتهم بكتاب الله جعل نالهم بينهم).
وقال الله : ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم. يوم يحمي عليها من نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم،
стр. 872
هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون﴾.
وجاء عن رسول الله ﷺ : (ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إي أحمي عليه في نار جهنم، فتجعل صفائح فيكوى بها جنبيه وجبينه وظهره، حتى يفضح بين الناس ثم يرى سبيله). وعنه ﷺ : (من كان له مالًا فلم يعط حق الله منه جعل يوم القيامة أقرع. فإذا رآه يعود فيقول: لن تعدل مني، أنا كنزه الذي كنزتني فخذتني بما بدعه حتى يأخذه، فما هو إلا أن يقبض عليه فيلزم بيده وجعل حميه ما يشاء).
وفي حديث آخر: (يضع يده في فيه فلا يزال يعضها حتى يقضي بين الناس).
وفي حديث آخر عن رسول الله ﷺ : (ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمي عليه في نار جهنم صفائح فيكوى بها جبينه وجبناه حتى يحكم الله بين عباده ثم يرى سبيله، أما إلى الجنة وأما إلى النار، وما من صاحب أبل لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها بقاع فرقد ما كانت تسبق عليها، كلما مضت عليه أخراها ردت عليه أولاها حتى يحكم الله بين عباده، ثم يرى سبيله أما إلى الجنة وأما إلى النار. وما من صاحب غنم لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها بقاع فرقد أوفر ما كانت فتطأه بإطلاقها، وتبطحه بقروها، ليس فيها غيبها ولا خلجا، كما مضى عليه أخراها ردت عليه أولى حتى يحكم الله بين عباده، ثم يرى سبيله أما إلى الجنة وأما إلى النار).
وجاء عنه ﷺ : (من كان عنده مال يبلغه الحج فلم يحج، أو عنده مال تحل فيه الزكاة فلم يزكه سأل الرجعة). فقيل: يا ابن عباس إنما كنا نرى هذا الكفار: فقال: أنا اقرأ عليكم به قرآنا: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله، ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون. وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن
стр. 873
يأتي أحدكم الموت فيقول: رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين﴾.
وقال قتادة ﵀: من منع زكاة ماله سلط الله عليه العين وقال إبراهيم التيمي ﵀: من كان له مال فمنع حقه سلط الله عليه أن ينفقه في الماء والتراب، وأن المرء ليؤجر في نفقته كلها إلا في شيء يجعله في هذا التراب.
وقال عبد الله بن مسعود ﵀: من أقام الصلاة ولم يؤت الزكاة فلا صلاة له، وهذا موافق لما جاء في بعض الروايات عن النبي ﷺ أنه قال: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت، لا يقبل الله بعض ذلك دون بعض).
وعن عبد الله ﵀ قال: ما تارك الصلاة بمسلم، ثم أن المعنى في وجوب الزكاة بين، لأن المال نعمة من نعم الله تعالى كسلامة البدن وصحته، إلى إزاحة علة المحتاجين، والإنفاق على الفقراء والمساكين حتى يتقووا بها على العبادة، ولا يستغرق جهدهم باضطرابهم لزمانه، فلا يتفرغوا معه بخدمة مولاهم. ثم يكون في ذلك ما يبين في بخل الأغنياء وقلة ما فيهم، فيلزم الأغنياء بذلك تتمة الكفران والطغيان، ويعود المال الذي أنعم الله عليهم نقمة عليهم، بعد أن كانت نعمة أنزلها الله إليهم.
وأيضًا فإن من تأمل وجه الحكمة في فرض الزكاة علم أن أهل الدين إذا كانوا مختلفين، فمنهم أغنياء، ومنهم ذو الحاجة، كان في إهمال الأغنياء أمر المحتاجين والاستبداد بما أوتوه من النعمة هلاك المحتاجين. وليس من حق ما أنعم الله تعالى به على بعض عباده من المال الذي يجاوز قدر حاجته درجات كثيرة، ويربي على حد كفايته أضعافًا مضعفة، أن يرى مشاركًا في الخير والجبلة مواقعًا في الدين والملة، مغلوب الشرف، متكافئ الضرب، وهو يقدر على إصلاح حاله بأدنى شيء يعطيه من ماله، فبخل به عليه، فيكون إلى مثل نفسه، وبغض واحد من أهله عليه، وآثر البخل على الإحسان، وببذل اليسير من
стр. 874
المال لقرينه وشكله، وكما أنه إذا قدر على مواساة المحتاج فلم يفعل ذلك حتى هلك المحتاج، كأن قلبه حلت سر صنيعته إلى نفسه من المحامد والمحاسن بحبسه، لا يجمع بذلك حياه مثله، والزيادة في عدد أهل ملته، واختار الفضل على البخل، واعتاض عن مال يسير أخرجه من ملكه أحدًا يدعو له في وقت الدعاء، ويثنى عليه في أحوال الثناء. ولا يشكل على ذي عقل ومعرفة. أن الأمر إذا كان ما وصفنا، فالدفع خير من البيع، والإعطاء أحين من الاستبقاء. فلئن كانت الشريعة جاءت بفرض الزكاة، فإنما جاءت بأفضل الخصلتين وأجمل المعاملتين، ودعت إلى إحدى السبيلين وأزكى الأمرين. فلا يتمسك بها إلا فاطر مبصر له شده ولا يرون منها إلا غافل عن مصلحته، جاهل بصواب أمره وبالله التوفيق.
وإذا ظهر عظم الزكاة بما وصفنا. والزكاة اسم لفرض مطلق، ولا سنة من جنسه، وهي في هذا مخالف الصلاة. ويشبه أن يكون وجه الفرق بينهما: أن الصلاة تقام بالبدن متشبهة لأكثر من الصلاة المفروضة، فسن عليها من الزيادة ما سن، لأنها لا تفرح ولا تسر وليس المال في هذا البدن لأن المفروض من الزكاة إنما اعتبر فيه الثاني، والإمكان. فأوجب قليلًا من كثير، أو يسيرًا من جليل خطير، لأن لا تصير المواساة بالمؤاسي ويتحول الداء للتداوي. فلو سن مع المفرض منها من النوافل مثل ما سن منها من فرائض الصلاة لشق ذلك على أرباب الموال وأجحف بهم، وأثر في أحوالهم، فلهذا لم يلق أن يسن من الزكاة كما سن من الصلاة والله أعلم.
وجملة الزكاة قسمان: أحدهم حق المال، والآخر حق البدن.
فأما حق للبدن فزكاته الفطر، لأنها أوجبت شكرًا للإباحة الواقعة بعد الحظر، تلك الإباحة للأبدان إذا كان الحظر عليها. فالزكاة إذا حقها. وأما التي هي حق الغناء والثروة فهي التي تدعي زكاة المال. حملة الأموال التي تحب فيها الزكاة ثمانية أصناف: الذهب والفضة والإبل والبقر والغنم والزروع النخل والكرم. ومن هذه الأموال ما يتعجل وجوب الزكاة فيه عند الملك، كالذهب والفضة المستخرجين من المعدن إذا بلغا كمل النصاب، ثم تتكرر الزكاة عليه بالأحوال ما دام باقيًا في الملك.
ومنها ما يتعجل وجوبها فيه ثم لا تتكرر عليه بتكرر الأحوال ما دام باقيًا في الملك
стр. 875
كتمر النخل والكرم والحب. فإن من بدأ صلاح شيء منذ لك في ملكه وجب عليه زكاته، فإن كان ملكه في ساعته. ومنها ما لا تجب الزكاة فيه حتى يحول عليه حول تان، ثم تتكرر الزكاة فيه بتكررها عليه في الملك، وهو المواشي التي ذكرناها، وما حكم من هذه الأحكام إلا وله دلائل. وما أصل من هذه الأصول إلا ويتفرع ويتشعب الكلام فيه، وعلم ذلك موجود في الكتب المفردة لهذا الفن. وإنما نذكر في هذا الكتاب محاسن الشريعة وعلم الآداب ما يجرب مجرى التكلم لما ألفه الفقهاء في تلك الأبواب. ونقول في الجملة: أن نعمة الله تعالى بالمال كانت تضم جميع أصنافه والزكاة لا تضمها ولكن تخص بالوجوب وإلا حد بعضها وفي ذلك وجهان.
وأن أحدهما أن الله تعالى أوجب الزكاة في كل جنس من أجناس المال في أعلى أنواعه وعفا عما دونه، بأن الحاجة إلى الأعلى عامة شديدة. وكذلك ما كان أعلى وأشرف من غيره، فإن فضل المال ليس إلا أنه محتاج إليه. فما كانت الحاجة إليه أشد، والمحتاجون إليه أكثر، فهو أسم الفضل أولى وأحق. وإذا كان ذلك اقتصر فرض المواساة على هذا النوع لأن علة المحتاجين ينزاح بما يوفون منه، ولا يبقى لهم بعدما يستنفذونه منها ضرورة، ولا يطيقون جملتها، ولا يقدرون على الصبر معها، وإنما يبقى العجز عن تبعات الشهوات التي لو أمكنوا منه، وألزم الأغنياء أقدراهم عليه، لبطل ابتلاؤهم بالحاجة، ولم يظهر منهم وبين الممكنين بزمامه ما يحبونه ويشتهونه فرق. ثم أن أصناف الأموال معلومة: أحدهما ما يستخرج من وأعلاه الذهب والفضة، لأن الناس كلهم محتاجون إليهما ولا غنى بأحد عنهما، فإنهما مالا الثقل والتجارة، وبهما تقوم الممتلكات وتقدر رؤوس الخبايات، وما عدا ذلك من النحاس والحديد والرصاص فسلع يمكن التجهز دونها. وقد يقوم غيرها مقامها، أو مقام بعضها. ومنها الحيوانات التي تقتني فأعلاها الإنعام، فأن الدر والنسل منها يقتني، وفيها ما يؤكل لحمه، ويركب ظهره، ويحمل عليه الأثقال إلى أقاصي البلدان والأطراف. وفيها ما لا يصلح لذلك، إلا أن المنفعة تتوفر بلحومها وألبانها وأصوافها وأشعارها وجلودها. فأما ما عداها مما بعد وثبة أولًا فكمل كمال هذه الأصناف فائدة ومنفعة، وأصناف الظاهر التي تقتني رج، وأما الصيد التي تلو فليست الحاجة إليها كالحاجة إلى الأنعام التي وصفنا. ألا ترى أن الحاجة إلى البغل والحمار إنما تكون للحمل والركوب، والإبل تعمل عملها ثم تزيد عليهما بأن منهما طعامًا وشرابًا وليسا في البغال والحمير.
стр. 876
وأما الخيل فإنها لا تطيق من الجهد ما تطيقه الإبل ولا تفيد من الرسل ما تفيده، فهي من هذا الوجه أيضًا بمنزلة سائر التوابع لها لقصورها عن منزلتها مما يراد ويصلح له، ومنها ما كسبت من الأرض فأداة الأبدان التي لا قوام للأبدان إلا عليها، وما عدا ذلك مما يطعم يلد أو يراد للقوات طيبة له، فهو فضل جعلت الزكوات واجبة في أعالي هذه الأجناس التي تعم وتشتد الحاجات إليها، فإن في ارتقاق المحتاجين أن يصيروا على مضض الحاجة التي يقع لهم إليها إهلاكهم، ولم يكن لهم في إخراجهم أهلاكهم، وإنما كان ابتلاؤهم. وجعلت الزكاة مقصورة على هذه الأنواع ليتم الابتلاء الذي يعد فدولهم بإخراجهم والله اعلم.
وأما الموضع الآخر: فهو أن هذا الذي ذكر وقع عليه الاقتصار من الزكاة المأخوذة وعلى هذه الأجناس المذكورة. وإلا فالحق الذي يجب لله تعالى في مال الغني لا يقتصر بها على نوع دون نوع، لكنه سبع في الأنواع كلها، بأن لهذه الزكاة التي أوجبها في أصناف مخصوصة، فمن لم يكن عنده سواها، فأخرج زكاتها، فقد قضى حقها. ومن ملكها وملك معها خيلًا وبغالًا وحميرًا وأثاثًا وضياعًا وجواهر حقها، فأخرج الزكاة من الأصناف المعلومة قضى لما يخرجه منها حقها، وحق عامة ما يملكه من صنوف الأموال. ومن قال هذا، قال: إن كانت الزكاة لن تجب إلا في الموال مخصوصة، والصلاة لم تجب إلا في أوقات مخصوصة، ثم لا يجوز أن يقال أنها حتى يلزم لبقاء البدن وسلامته في تلك الأوقات خاصة. لكنه حق لبقائه وسلامته في عامة الأوقات، غير أنه جعل ما يقام من الصلاة، وفي بعض الأوقات قاضيًا حقها وحق غيرها من ساعات العمر كلها، فكذلك الصيام إنما أوجب في شهر من أثنى عشر شهرًا، ثم لا يجوز أن يقال: أنه حق لبقاء البدن وسلامته في ذلك الشهر خاصة، لكنه حق لبقائه وسلامته فيه وفي غيره، إلا أنه جعل الصيام فيه خاصة قاضيًا حقه وحق السنة كلها. وكذلك الحج إنما أوجب في وقت معلوم من سنة ثم أخذه، وليس يجوز أن يقال: أنه حق البقاء والسلامة في تلك السنة، ولكنه حق العمر كله وإن طال وامتد، وأشبه من هذا أمر الزكاة، إنما تجب في ثمر وشجره. لأن الله قال: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ والكل خارج من الأرض.
стр. 877
وأقرب من هذا أن من ملك قضايا من مال زكاة، لم تجب عليه الزكاة حتى يمر به حول، فإذا انتهى الحول وجبت، ثم لا يجوز أن يقال: أنها تقضي حق الملك في الحلول كله. وإن كان كله خاليًا عن الوجوب إلا ساعة الانتهاء. وأقرب من ذلك أيضًا أن من ملك قصايا من مال الزكاة إلى أربعين شاة حولًا، وجبت الزكاة عليه وهو شاة. فلو كانت هاية وعشرين لم تجب فيها أيضًا إلا شاة. فقد صارت الشاة بعد حق الأربعين، وحق لأربعين الأخريين، فلا تتكرر إن كان معها أموال من غير جنس المواشي أن يقضي حقها وحق ملك الأموال. فيكون ما مضى ذكره من الاعتبار أعالي الصفاق والأحوال عليه بتخصيصها بأخذ الزكاة منها، واعتبار الاقضية فيها، إلا أنه لا حق لله تعالى فيما عداها من الأموال والله أعلم.
فصل
قم أن هذه الزكاة كما أوجبت في هذه الأصناف الثمانية من أجناس المال، ولذلك لثمانية أصناف من طبقات الناس، قال الله : ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل). ولم يدخل غير هؤلاء من المحاويج معهم كالأسير الفقير في أيدي العدو ليفتدي به، فيخرج من أيديهم، ولا في المحبوس ظلمًا في ما لا طاقة له به أو يكفن ميت المعسر ودفنه. لأن الأسير لو كان واجدًا مالًا لزمه أن يفتدي نفسه، والمحبوس ظلمًا في مال يراد عنه لو وجده، فألزمه أن يعطيه. لأن النبي ﷺ قال: (من قتل جون ماله فهو شهيد). ولذلك أهل الصدقات، لأن كل واحد منهم لو كان واجدًا كفايته من ماله. وأما الميت المعسر فلا سبيل إلى تمليكه. شرط الزكاة التمليك. فلهذا لم يكن لهذه الأبواب مدخل في الزكوات والله أعلم.
стр. 878
فصل
ومن الأموال ما يظهر كالمواشي والنخل والكرم والزرع فيكون أخذ صدقاتها إلى الولاة. قال لنبينه ﷺ : ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) ولذلك أخذ صدقة الفطر في وجوبها لوقت معلوم، فلا تخفي كما لا تخفي زكاة ما أخرجته الأرض إذا بدأ صلاحه.
ومنها ما خفي كالذهب والفضة، فيكون لرب المال تفريق زكاته بنفسه. فكل ما كان أخذ زكاته إلى الوالي، فالسمع والطاعة واجبان له على من خلت الزكاة ماله. ولا ينبغي له أن يقل، ولا أن يكتم إن كان الوالي عدلًا، على ما يجيء بيانه. وإذا أحضر المصدق المال، فإن قدر على دفع حقه إليه في الحال لينصرف لم يحبس. فإن كان ذلك مما يحتاج فيه إلى مهلة وزمان أنزل وأكرم، فإن النبي ﷺ أوصى بالضيف، ومن أكرم الاضياف فيساوى الحق من حقوق الله تعالى، وكان مؤتمنًا عليه ليؤدي كما أمر به إليه، ثم لا يبتغي لرب المال أن يتضجر من الصدقة ويتحرى بها رد له المال. فيكون كمن حبس بعضها عليه فأدى بعضه. فإن وصي رجلًا إياه مصدق رسول الله ﷺ ، فبعث هضيل محلول، فلما أتاه قال النبي (لا يبارك فيه وفي إبله) فبلغ ذلك الرجل فبعث بناقة حسنة، فقال: (اللهم بارك فيه وفي إبله). وقال الله تعالى: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون).
وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا جاءكم المصدق فلا تصدون، إلا وهو عنكم راض). فقد يدخل في هذا أن لا يطال حبسه، ولا يكثرن عليه ولا يستهان، بل يكرم ويوقر ويعرف حقه. ويدخل فيه أن يؤدي إليه ما يطالب به مما هو حقه، ولا يبخس عنه شيئًا. فأما أن طلب أكثر من حقه فلا يعطي، لأن النبي ﷺ بين فرائض
стр. 879
الصدقات، ثم قال: (فمن سئلها على وجهها فليعطه، ومن سأل فوقها فلا يعطه). وإن سأله الوالي قيمة الزكاة، فإن كان الوالي من أهل الاجتهاد فأداه رأيه إلى أن ذلك جائز، فحكم به على رب المال، جاز عليه حكمه وسقط به أن وقع الحق. وإن لم يكن من أهل الاجتهاد، فإنما هو ظلم يظلمه به فلا يسقط به الحق عنه والله أعلم.
فصل
وينبغي إذ أخذ المصدق زكاة مال رجل كما وجب عليه أن يدعو له بالخير والبركة، قال الله لنبيه ﷺ : (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها، وصل عليهم إن صلاتك سكن). وروى عنه أنه لما جاءه ابن أبي أوفى بصدقات قومه قال: (اللهم صلي على آل أبي أوفى). فإن أغفل المصدق أن يدعو لرب المال فحق لرب المال أن يأمر بأن يدعو له.
قال النبي ﷺ لشبر بن الجصاص، لما قال له: أن أصحاب الصدقة يعتدون علنا أفمكنتهم من أموالنا قدر ما يريدون علينا؟ فقال: (لا، ولكن أخرجوه لهم، فإن أخذوهم وهم فليصلوا عليكم، وتلا: ﴿وصل عليهم أن صلاتك سكن لهم﴾.
وكان جرير بن عبد الله يقول لنبيه: إذا جاءكم فلا تدعوا، إذا صدق الغنم الماشية أن تأمروه أن يدعو لكم عليها بالبركة، والدعاء أن يقول لرب المال: آجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت.
فأما ما قيل في الحديث أن النبي ﷺ نهى سيدًا عن كتمان ماله، فليس على معنى أنه أمره أن يعطي المصدق ما لا يلزمه، ولكن لأن لا يكون قد جاء المصدق فمنعه إحصاء ما كان به إحصاؤه، فلا ينبغي للمصدق أن يتعدى في الصدقة، فإنه إن تعدى، فقد قال
стр. 880
النبي ﷺ : (لا إيمان لم لا أمانة له) والمعتدي في الصدقة كمانعها. وقال لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: (إياك وكرائم أموالهم، وإياك ودعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب). وإن عدل لم يتعد به فقد قال النبي ﷺ : (العامل على الصدقة بالحق كالغازي في سبيل الله حق يرجع إلى بيته فليختر الآن لنفسه).
وجاء أن النبي ﷺ بعث قيس بن سعد بن عبادة ساعيًا، فقال له أبوه: لا تخرج حق يحدث برسول الله ﷺ عهدًا، فلما أراد الخروج أتى رسول الله ﷺ فقال له: (يا قيس ابن سعد، لا تأتين يوم القيامة على رقبتك بعير له رغاء، أو بقرة لها ثواء، أو شاة لها لها ثغاء، ولا تكن كأبي رغال فقال سعد: وما أبو رغال قال: مصدق بعثه صالح رسول الله ﷺ فوجد رجلا بالطائف في غنم قريبة من المائة سقاها إلا شاة واحدة ومعه بني له صغير لا أم له ويحلب له الشاة عشية، فقال له صاحب الغنم: من أنت؟ فقال: أنا رسول الله ﷺ ، فرحب به. فقال: هذه الغنم، خذ أيها أحببت، فنظر إلى الشاة اللبون، فقال: هذه فقال الرجل: هذا الغلام كما ترى ليس له طعام ولا شراب غيرها قال: إن كنت تحب اللبن فأنا أحبه. فقال: خذ شاتين مكانها فأبى. فلم يزل يزيده ويروج له حتى بدل له خمسين شاة مكانها، فأبى عليه. فلما رأى ذلك عهد إلى قومه فرمي بسهم فقتله. قال: ما ينبغي أن يأتي رسول الله بهذا الخبر أحد قبلي. فأتى صالحًا النبي ﷺ ، فأخبره الخبر. فقال صالح: اللهم العن أبا رغال. فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله، اعف قيسًا من السعاية).
وعنه أنه دعا أبا بكر ﵁ ليخرج ساعيًا ثم قال له: (احذر يا أبا بكر، لا تأتيني تحمل يوم القيامة بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة لها ثغاء، تحملها على عنقك ثم تقول: يا رسول الله، أنقذني فأقول: قد حذرتك. فقال أبو بكر: مالي بها
следующие страницы →