← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18568

التعيين في شرح الأربعين

الطوفي

Полный текст (391 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أنه عالم به، فكان ظاهر حاله أنه عالم بذلك، غير عالم به، وهو محل التعجب (أ)، وإنما زال التعجب عنهم بقوله ﵊: "أنه حبريل أتاكم يعلمكم دينكم". فتبين أنه كان عالما في صورة متعلم لقصد التعليم والتبيين لهم وذلك لا عجب فيه. الرابع: الإسلام مصدر أسلم إسلاما، وهو في اللغة الطاعة والانقياد، وفي الشرع ما فَسَّر به في هذا الحديث، وهو الأعمال الظاهرة كالشهادتين وباقي العبادات. والإيمان مصدر آمن إيمانًا وزن أكرم إكرامًا فالهمزة الثانية في آمن نظير الكاف في أكرم فإذًا آمن من أفعل، لا فَاعَلَ إذ لو كان فاعل لكان مصدره فِعَالًا نحو قاتل قِتَالًا، وضارب ضِرَابًا ونحوه وهو قياس في مصدر فاعل الفِعَال والمفاعلة كالمقاتلة والمضاربة. الخامس: اختلف في الإسلام والإيمان هل هما واحد أو متغايران وهذا الحديث يقتضي تغايرهما لأن حبريل ﵇ سأل عنهما سؤالين، وأجيب عنهما بجوابين، وفُسرَ له الإسلام بأعمال الجوارح كالصلاة والزكاة والحج، وفُسرَ الإيمان بعمل القلب وهو التصديق، ولو كانا واحدًا لكان السؤال والجواب عن أحدهما كافيا عن السؤال عن الآخر، ولكان تفسير أحدهما هو عين تفسير الآخر كما لو سأل عن الخمر والعقار لكان حوابه أنهما جميعا الشراب المسكر.

стр. 107

احتج القائل بأنهما واحد بقوله ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦] والمراد بهما آل لوط، فوصفهم تارة بأنهم مؤمنون، وتارة بأنهم مسلمون، فَدَلَّ على أن الإسلام والإيمان شيء واحد. وحوابه أنه معارض بقوله ﴿قالت الأعراب آمنّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾ [سورة الحجرات: ١٤] الآية فنفى الإيمان عنهم وأثبت الإسلام، ولو كانا واحدًا لمّا صَحَّ ذلك. ثم الجواب عن الآية الأولى أنه وصف آل لوط بمجموع الأمرين الإيمان والإسلام لأنه أمدح وأكمل، وأيضًا لئلا تتكرر فاصلة واحدة في آيتين متواليتين. واحتج أيضًا بحديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال لوفد عبد القيس: هل تدرون ما الإيمان؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تؤدوا خمسا من المغنم" (١) الحديث. ففسر الإيمان هاهنا بما فسر به الإسلام في حديث جبريل من الأعمال الظاهرة فدلَّ على أنهما شيء واحد. وجوابه من وجوه: أحدها: أن حديث حبريل مصطحب، وحديث ابن عباس هذا مضطرب لأن فيه أنه ﵊ أمرهم بأربع ولم يأمرهم إلا

стр. 108

بالإيمان وحده (١). فإن قيل: الإيمان يشتمل على الأربع ولذلك فسَّره بها. قلنا: هذا لكم أن تقولوه، غير أنه فسر الإيمان بخمس: إحداهن: الشهادتان، والثانية: الصلاة، والثالثة: الزكاة، والرابعة: الصوم، والخامسة: أداء الخمس من الغنيمة، وفي بعض الروايات أنه قال: شهادة أن لا إله إلا الله وعقد واحدة (٢).

стр. 109

وهو يقتضي أنها ستٌّ، فإذا أخبر بأنه أمر (أ) بأربع، ثم أمر بست، كان ذلك اضطرابا في الحديث لعدم مطابقة العدد المعدود والخبرِ المُخبَرَ. وقد روي هذا الحديث من غير جهة ابن عباس في الصحيح (١)، وهو مضطرب أيضًا كذلك (٢)، فالاضطراب لازم له، فلا يعارض حديث جبريل المنتظم المصطحب. فإن قيل: الاضطراب إنما يكون في الإسناد لا في المتن قلنا: بل يكون فيهما واضطراب هذا الحديث في متنه. الوجه الثاني: أن حديث ابن عباس ليس فيه ذكر الحج فلا يخلو وقوعه إما أن يكون بعد فرض الحج أو قبله فإن كان بعده فمحال أن لا يذكره النبي ﷺ للقوم في جملة خصال الإيمان خصوصًا وهم في مقام البيان. وحينئذ يكون سقوط الحج من الحديث مؤكدا لاضطرابه موجها للقدح فيه لترك راويه بعض مهماته (٣)، وإن كان قبله فابن عباس كان حينئذ صغيرًا لا يضبط ما يروي فلا تعارض روايته رواية عمر المتقن الضابط المشاهد لما روى، ويترك حديث ابن عباس هاهنا إما لذلك كما ترك حديثه أن النبي ﷺ تزوج ميمونة

стр. 110

وهو محرم (١)، أو حملا لحديثه على أنه أرسله عن غيره كما أرسل حديث: "إنما الربا في النسيئة" (٢) عن أسامة بن زيد، ومراسيل الصحابة وإن كانت صحيحة لكنها لا تعارض متصلاتهم، وحديث عمر في مغايرة الإسلام الإيمان متصل فلا يعارضه مرسل ابن عباس في اتحادهما. الوجه الثالث: أن حديث ابن عباس قول رسول واحد وهو النبي ﷺ وحده، وحديث جبريل قول رسولين محمد ﷺ ، وجبريل ﵇ لأنه أقَرَّ النبي ﷺ على ما قاله، وتقريره كقوله وقول رسولين أرجح من قول رسول واحد (٣). فإن قيل: النبي ﷺ معصوم وحده، ومع غيره فلا أثر لهذا الترجيح. قلنا: الترجيح بين أخبار الآحاد يحصل بما ذكرناه، وما هو دونه في القوة كالترجيح بكثرة الرواة والروايات وهذا شبيه بقول عبيدة السلماني لعلي حين

стр. 111

خالف في بيع أم الولد: رأيك مع الجماعة خير من رأيك لنا وحد (١) ك (٢). الوجه الرابع: أن حديث عمر هو تعليم جبريل لجمهور المسلمين أو لجميعهم مجموع الدين، وحديث ابن عباس هو تعليم النبي ﷺ لشرذمة يسيرة من الناس بعض أحكام الدين، فكانت العناية في حديث جبريل أشَدّ (٣)، فكان تقديمه أولى. البحث الخامس: قوله: "الإيمان أن تؤمن بالله" إن قيل: في هذا تعريف الشيء بنفسه لأن تؤمن مشتق من الإيمان فهو كقوله: الأكل أن تأكل، والشرب أن تتسرب، والتصديق أن تصدق! فجوابه: أنا لا نسلم أن هذا من باب تعريف الشيء بنفسه، وإنما هو من باب تعريف الشرعي باللغوي، وذلك أن الإيمان في اللغة التصديق، وفي الشرع تصديق خاص وهو التصديق بالله وما ذكره بعد فكأنه قال: الإيمان شرعًا هو التصديق بهذه الأشياء، أو الإيمان الشرعي هو الإيمان اللغوي بهذه الأشياء، كما يقال: الصلاة شرعًا هي الصلاة لغة وهي الدعاء وزيادة أمور أخر وهو كلام صحيح. واعلم أنه قد تبين من هذا الحديث أن مسمى الإيمان والإسلام لغة غير مسمَّاهما شرعا. وفيه دليل على إثبات الحقائق الشرعية، وهي من

стр. 112

مسائل الخلاف في أصول الفقه (١). البحث السادس: لم قدم السائل في سؤاله الإسلام على الإيمان وهل له وجه مناسب أم وقع اتفاقا؟ وحوابه بأنَّ في رواية الترمذي قدم الإيمان على الإسلام، وهي أولى بالتقديم. فإن قيل: لم تلك (أ)، ومسلم أشهر بالصحة وأقعد بها من الترمذي؟ قلنا: لأن السنة بيان لكتاب الله فأولاها بالتقديم أوفقها للكتاب، ورواية الترمذي هاهنا أوفق لكتاب الله في تقديم الإيمان على الإسلام بدليل قوله ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾ [سورة الأنفال: ٢] الآيتين، قدم فيهما الإيمان على الإسلام. وقوله ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١، ٢] فقدم ذكر الإيمان. وقوله ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك﴾ [سورة محمد: ١٩] و ﴿سبح باسم ربك﴾ [سورة الواقعة: ٧٤] فقدم التوحيد الذي هو من قبيل الإيمان، على الاستغفار والتسبيح الذي هو من قبيل الإسلام، لأنه اعتقاد، وهما عمل. وقوله ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧] الآية ذكر فيها الإيمان بأركانه قبل الإسلام بأعماله.

стр. 113

فإن قيل: علام تحمل رواية مسلم في تقديم الإسلام؟ قلنا: تحمل على التقديم والتأخير من بعض الرواة بناء على الرواية بالمعنى، أما الجمع بينهما بوجه من الوجوه فعسر جدًّا. البحث السابع: قوله: "فأخبرني في الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" اعلم أنه فسر الإحسان بالمراقبة والإخلاص في العبادة، وأن الإنسان يشاهد الله بعين إيمانه مطلعا عليه في جميع أحواله حتى كأنه يشاهده عيانا فلا يَنْحرِف في عبادته عن الطريق الذي نهجه له الشرع وأدَّاه إليه طريق المعرفة، فإن الله قائم على كل نفس بما كسبت، مشاهد لكل واحد من خلقه في حركته وسكونه، فمن أحسن الأدب أحسن إليه، ومن أساء الأدب عاقبه أو عفا عنه، فمن اعتقد هذا وصدق به جرى على طريق الاستقامة، ووقى الحسرة والندامة، وكان في عبادة الرب ﷻ كشخص ضعيف، بين يدي ملك جبار قوي بينهما حجاب، وهو يتيقن أنه ملاحظ له فإنه يتحرى أن لا يصدر منه سوء أدب فيأمر بتأديبه عليه. واعلم أن العبادة تكون إما بالقلب كالإيمان، وإما بالبدن كالإسلام، ولما كان الإحسان هو المراقبة في العبادة كان الإحسان هو المراقبة والإخلاص في الإيمان والإسلام فلا يظهر الإيمان رياء أو خوفا فيكون منافقا، ولا يظهر أعمال الإسلام كالصلاة ونحوها لغير الله ، فيكون مرائيا مشركا، بل يرى أن الله معه مطلع عليه وأقرب إليه مما سواه فلا يعبد إلا إياه ولا يراقب سواه، وعلى هذا فالإحسان شرط في الإسلام والإيمان أو كالشرط فيهما إذ بدون الإخلاص والمراقبة فيهما

стр. 114

لا يقبلان لقوله ﵇، إن الله لا يقبل إلا ما كان خالصًا لوجهه (١)، ويدل على ذلك قوله ﴿بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه﴾ [سورة البقرة: ١١٢]. ﴿ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾ [سورة لقمان: ٢٢] فشرط الإحسان في الإسلام. وقال ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾ [سورة المائدة: ٩٣] الآية، فاشترط الإحسان في التقوى والإيمان. فائدة: حكى بعض (أ) الفقراء عن الشيخ أبي محمد (ب) بن سكران وهو من مشاهير مشايخ بغداد المتأخرين رحمة الله عليه وعليهم أجمعين أنه ذكر هذا الكلام يوما فقال: "اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه" (٢) ثم وقف هاهنا. وهي إشارة صوفية معناها أنك إذا فنيت عن نفسك فلم ترها شيئًا شاهدت الله ، فإن النفس ورؤيتها حجاب دون الله ، فمن ألقى الحجاب شاهد الجناب. وهذا شبيه بما حكي عن بعض المشايخ أنه قال: رأيت رب العزة في النوم فقلت: يا رب كيف الطريق إليك؟ فقال: خَل نفسك وتعال.

стр. 115

البحث الثامن: قوله: "فأخبرني عن الساعة" يعني عن القيامة، أي: عن زمن وجودها، سميت ساعة وإن طال زمنها اعتبارا بأول أزمنتها فإنها تقوم بغتة في ساعة، ومن الناس من يكون قد تناول لقمة فلا يمهل حتى يبتلعها ﴿فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها﴾ [سورة محمد: ١٨] قوله: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل" أي: كلانا سواء في عدم العلم بزمن وقوعها ﴿إن الله عنده علم الساعة﴾ [سورة لقمان: ٣٤] ﴿إن الساعة آتية أكاد أخفيها﴾ [سورة طه: ١٥] ﴿يسئلونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي﴾ [سورة الأعراف: ١٨٧] الآيات. وفي الصحيح "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله" وتلا ﴿إن الله عنده علم الساعة﴾ (١) الآية. قوله: "فأخبرني عن أمارتها" أي: شرطها وعلامتها، قال: "أن تلد الأمة ربتها" فيه وجوه: أحدها: أن تكثر السراري حتى تلد الأمة السُّريه بنتًا لسيدها وبنت السيد في معنى السيد. والثاني: أن يكثر بيع السراري حتى تشتري المرأة أمَّهَا فتستعبدها جاهلة أنها أمها. الثالث: معناه أن الإماء يلدن الملوك فتلد الأمة الملك وهي من رعيته فهو كَرَبهَا. قوله: "وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان"

стр. 116

قال الشيخ: معناه أن أسافل الناس يصيرون أهل ثروة ظاهرة، انتهى كلامه. قلت: ولعل هذا ينظر إلى قوله ﷺ : "وإذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة" (١) لأن أسافل الناس وأراذلهم ليسوا من أهل الإمرة (أ) والولاية، فإذا تأمروا آثروا. قلت: وقد ذكر للساعة أمارات وشروط كثيرة في كتب الحديث، كطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، والدجال، ويأجوج ومأجوج، وكثرة الهرج، وفيض المال حتى لا يقبله أحد، وأن يحسر الفرات عن جبل من الذهب، ونحو ذلك كثير. ولعله إنما اقتصر في هذا الحديث على هاتين الأمارتين تحذيرا للحاضرين وغيرهم منها، أعني كثرة اتخاذ السراري وبيعهن، والتطاول في البنيان، وتوسيد الأمر إلى غير أهله، لاقتضاء الحال ذلك إذ لعلهم كانوا يتعاطون شيئًا من ذلك فزجرهم عن (ب) ذلك. قوله: "فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" قيل: إنه ﵊ لم يعرف جبريل حين سأله، وإنما عرفه بعد ذلك بوحي أو نظر. ويقال: إنه ﵊ قال: "ما جاءني في صورة لم أعرفها

стр. 117

إلا هذه المرة" (١) وجبريل لم يعلمهم شيئًا، وإنما الذي علمهم بالحقيقة هو النبي ﷺ لكن جبريل لما كان سؤاله سببا للتعلم من النبي ﷺ نسب التعليم إليه مجازا من باب إطلاق اسم المُسَبَّبِ على السبب. البحث التاسع: احتج الاتحادية والحلولية من هذا الحديث على مذهبهم بوجهين (أ): أحدهما: أن جبريل ﵇ روحاني وقد خلع في هذا الحديث صورة الروحانية وظهر بمظهر البشرية، مع أن جبريل أحد مخلوقات الله ، ولذلك كان يظهر في سورة دحية الكلبي فيعلمه النبي ﷺ مَلَكا، والناس حوله يعتقدونه بشرا. قالوا: فالله أقدر على الظهور في صورة الوجود الكلي أو بعضه، وبنحو هذا احتج ابن الفارض في نظم السلوك (٢). الوجه الثاني: قوله ﵊: "فإن لم تكن تراه فإنه يراك" قالوا: هذا يدل على أنه ماهية لطيفة في غاية اللطافة بحيث أنه يَرَى

стр. 118

ولا يُرى، ويشهد لذلك قوله ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ [سورة الحديد: ٤] ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ [سورة المجادلة: ٧] ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ [سورة ق: ١٦] ﴿ونحن أقرب إليه منكم﴾ [سورة الواقعة: ٨٥] ﴿ونعلم ما توسوس به نفسه﴾ ﴿لا تدركه الأبصار﴾ الآية [سورة الأنعام: ١٠٣] وقوله ﵊: "إن المصلي يناجي ربه فلا يتنخمنَّ في قبلته فإن الله بينه وبين قبلته" (١) وقوله ﵊: "اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا بصيرًا أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته" (٢) قالوا: فكل هذه النصوص من الكتاب والسنة تدل على أن الله سار بذاته في الوجود. والجواب: أن البرهان قد قام على استحالة الاتحاد مطلقا، وعلى استحالة الحلول على الرب ﷻ . وما ذكرتموه من الاستدلال بهذا الحديث وغيره ظواهر لا تعارض البرهان القاطع. وقد أجمع علماء الكتاب والسنة على تأويلها على خلاف ما ذكرتم فبطل ما ادعيتم والحمد لله رب العالمين. وإنما ذكرت استدلالهم وحوابه لئلا يُمَوهَ به بعضهم على أحد، ويحتج بهذا الحديث الصحيح ونحوه عليه فيقبله وليس كذلك، فإن الحديث صحيح،

стр. 119

ولكن الاستدلال به على ما ذكرتموه باطل، ولا يلزم من صحة النقل صحة الاستدلال به. البحث العاشر: أن اللام في "الحفاة العراة العالة" يحتمل أنها فيه للعموم، فيكون مخصوصا بقاطع العادة، إذ العادة تقتضي أن ليس جميع الفقراء يتطاولون في البنيان بل بعضهم. ويحتمل أنها لمعهود بين المتخاطبين، أو لتعريف الماهية، أو لبعض الجنس كما ذهب إليه بعضهم، فلا عموم ولا تخصيص. وكذلك قوله: "أن تلد الأمة ربَّتها" ليست اللام للعموم إذ ليس كل أمة يتفق لها ذلك ففيها الوجهان في لام الحفاة. وقوله ﵊ لعمر: "أتدري من السائل" إلى آخره فيه دليل على استحباب تنبيه المعلم تلاميذه والرئيس من دونه على سائر فوائد العلم وغرائب الوقائع طلبا لنفعهم وفائدتهم. البحث الحادي عشر: هذا الحديث يرجع من كتاب الله إلى آيات كثيرة تضمنت ما تضمنه من ذكر الإسلام والإيمان نحو قوله ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾ إلى قوله ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ [سورة الأنفال: ٢ - ٣] ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه﴾ الآية [سورة البقرة: ٢٨٥]. ﴿ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر﴾ الآية [سورة النساء: ١٣٦] ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم﴾ الآية [سورة البقرة: ١٧٧] ونحو ذلك. ويرجع من السنة إلى أحاديث منها الثالث والثامن من هذه الأربعين. ثم هاهنا سؤال: وهو أنه ﵊ سمَّى مجموع ما تضمنه

стр. 120

هذا الحديث دينا وهو الإسلام والإيمان والإحسان بقوله: "إنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" وإنما علمهم هذه الثلاثة فمجموعها هو الدين، لكن هذا معارض لقوله ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ [سورة المائدة: ٣] إذ يقتضي أن الدين هو الإسلام وحده، وهو جزء الدين المذكور في حديث جبريل. وهذا سؤال أوردته في درس بعض الفضلاء فلم يحصل عنه ما يشفي. والذي أستحضره الآن في الجواب عنه: أن الدين لفط يطلق على الثلاثة التي سأل عنها جبريل، وعلى الأول منها وحده، وإطلاقه على هذين المعنيين إما بالاشتراك، أو بالحقيقة والمجاز، أو بالتواطئ أو غير ذلك، ففي الحديث أطلق الدين على مجموع الثلاثة، وهو أحد مدلوليه، وفي الآية أطلق على الإسلام وحده وهو مسماه الآخر. ويحتمل أن يقال في الجواب: إن قوله ﴿ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ لا عموم فيه لأن دينا نكرة لا عموم لها، وهي نصب على التمييز، والتقدير رضيت لكم الإسلام من الدين، والمتيقن من ذلك أن الإسلام بعض الدين لا كله، وهو موافق للحديث لأن الإسلام فيه بعض الدين وهو ثلثه، خصلة من ثلاث خصال، وهي الإسلام والايمان والإحسان، لكن هذا الجواب يعارضه قوله ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ [سورة آل عمران: ١٩] وقوله ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه﴾ [سورة آل عمران: ٨٥] فإنه يقتضي أن الإسلام جميع الدين، لا بعضه والأقرب هو الجواب الأول.

стр. 121

البحث الثاني عشر: أن الإيمان هل هو التصديق المجرد أو التصديق بالقلب مع أعمال الجوارح الظاهرة. حجة الأول حديث جبريل هذا حيث قال: "الإيمان أن تؤمن بالله" وهو التصديق كما مَرَّ، وخص أعمال الجوارح باسم الإسلام، وأيضًا قوله ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ [سورة الكهف: ١٠٧] والعطف يقتضي التغاير فالأعمال غير الإيمان (أ). حجة الثاني وهم جمهور أهل الحديث حديث ابن عباس في وفد عبد القيس حيث فسر لهم الإيمان بالأعمال مع التوحيد وقد سبق أنه لاضطرابه لا يعارض حديث جبريل (١)، وأيضًا احتجوا بقوله عليه الصلة والسلام: "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان" (٢). وجوابه: أن الأعمال من آثار الإيمان وَمسَبَّباتِهِ لا من حقيقته، بدليل ما سبق من حجة الآخرين وجمعا بينه وبين حديث جبريل. واحتجوا بما رووه عن النبي ﷺ أنه قال: "الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان". وجوابه أن هذا لا يصح عن النبي ﷺ ، وإنما هو قول بعض مجتهدي أئمة

стр. 122

السلف، وقول النبي ﷺ في حديث جبريل حجة عليهم في أن الإيمان هو التصديق المجرد. فإن قيل: قوله ﵊: "الإيمان بضع وسبعون شعبة" يقتضي أن أعمال الجوارح من الإيمان فلم لا يجعل هذا زيادة على مقتضى حديث جبريل فيعمل به (أ)، ويكون الإيمان هو التصديق مع الأعمال عملا بالحديثين؟ قلنا (ب): لأن حديث جبريل محل تعليم وبيان بحضرة رسولي السماء والأرض ومعصومي الملائكة والبشر (١)، فلو كان الإيمان زيادة على التصديق لما أخر بيانه عن وقت الحاجة. وقد أخبر النبي ﷺ أن جبريل علمهم دينهم ومقتضاه أنه علمهم دينهم كاملًا، فلو كان مع ذلك قد أخل بجزء الإيمان ولم يبينه لم يكن قد علمهم دينهم كاملًا هذا خلف، فثبت أن الإيمان هو التصديق، وهو مذهب أبي حنيفة وجماعة من العلماء (٢)، نعم يتفاضل الناس في آثار الإيمان وهي الأعمال. البحث الثالث عشر: أنه ﵇ ذكر أجزاء الدين ثلاثة: أحدها: الإسلام وهو الشهادتان والعبادات الخمس وتفصيلها التام في

стр. 123

كتب الفقه، والثاني: الإحسان وهو المراقبة والإخلاص وتفصيلها التام في كتب التصوف والحقائق والمعاملات كالرعاية للمحاسبي (١)، وقوت القلوب لأبي طالب المكي (٢)، والإحياء للغزالي ونحوها، والثالث: الإيمان ومُتَعَلَّقُهُ ستة أشياء الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، والعلم بهذه (أ) الأشياء الستة هو العلم المسمى بأصول الدين، فأما ما ضَمَّته إليه متأخروا المتكلمين فموضعه اللائق به كتب الفلسفة، ولا حاجة بالمسلم إليه إلا ليناضل به عن دينه أو يعرف غثَّ كلام الناس من سمينه، ونحن إن شاء الله تعالى نشير إلى بعض تفصيل هذه الجملة لتكون كالعقيدة المختصرة، ولئلا يلتبس على بعض الناس ما هو من أصول الدين بغيره فنقول: أما الإيمان فقد سبق القول في لفظه وأنه التصديق المجرد وأنه مغاير للإسلام، وقال بعض العلماء: لا يدخل الجنة والنار إلا مؤمن! لكن إيمان أهل الجنة نافع لأنه مستصحب من حين التكليف، وإيمان أهل النار لا ينفع (ب)؛ لأنه مستأنف حينئذ اضطرارًا ﴿فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا﴾ الآية [سورة غافر: ٨٥] ونحوها.

стр. 124

أما الله فيتعلق الإيمان بذاته وصفاته وأفعاله، أما ذاته فيجب الإيمان بوجودها وجودا قديما لم يسبقه ولا يلحقه عدم، وأن ما سواه محدث هو أحدثه وأوجده: وأما صفاته فَضَرْبَان: ذاتي مقارن في الوجود للذات لم يفارقها كالعلم والحياة والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر، وغير ذاتي وهو إما سلبي أو إضافي (١)، وقد اشتمل على أكثر ذلك الأسماء الحسنى، وتفصيل أحكام الصفات يطول، ومنها الوحدانية وهو أنه واحد لا شريك له، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، وصفاته الذاتية معان زائدة على مفهوم ذاته قائمة بها عند الجمهور ولا محذور. وأما أفعاله فهي متعلق الإيمان بالقدر فيجب اعتقاد أن الله قدر الخير والشر قبل خلق الخلق وأن جميع الكائنات بقضاء الله وقدره وهو مريد لها، وأن له رحمة من شاء من خلقه متفضلا، وله تعذيب من شاء من خلقه عادلًا، كل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وأنه أعلم بطباع خلقه منهم ﴿هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم﴾ الآية [سورة النجم: ٣٢] فما فعل فيهم فهو غير ملوم ولا مطعون على عمله ولا عدله، وله تكليفهم بما شاء من الأفعال مع تقدير أسباب منعهم منها، وهو المسمى تكليف ما لا يطاق.

стр. 125

قال بعض العلماء: يجب السكوت عن (كيف) في صفاته، وعن (لم) في أفعاله. وأما الملائكة فيجب الإيمان بأنهم عباد مكرمون، وأنهم خلقوا من نور، وأنهم مطيعون معصومون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فقولنا: عباد، رَدٌّ على من تألههم كالكفار، وقولنا: مكرمون، رَدٌّ على من تنقصهم كاليهود. أما التفضيل بين الملائكة والبشر فالأشبه أنهم أفضل من البشر في الجملة، وأما التفصيل ففيه تطويل، وأنهم جواهر روحانية أعطوا من القوة والنفوذ في الموجودات ما لم يعط غيرهم، وأنهم كثيرون بحيث لا يعلم جنود ربك إلا هو. وأما الكتب المنزلة من السماء كالتوراة والإنجيل والزبور والفرقان (أ) فيجب الإيمان بإنزالها وبما تضمنته من حكم وخبر والعمل بما فيها ما لم يثبت نسخه، أما قدمها وحدوثها فقد اختلف فيه المتكلمون، والتحقيق فيه يحتاج إلى تدقيق من نظر دقيق. وأما الرسل فيجب الإيمان بعد النظر في معجزاتهم بإرسالهم وبما أرسلوا به وأن إرسالهم واجب من الله لا عليه، واختلف (ب) في النبوة: هل هي موهبة أو مكتسبة (١).

стр. 126

وأما اليوم الآخر فأوله من ساعة الموت إلى المحشر، ثم إلى الأبد إما في نعيم مخلد -جعلنا الله وإياكم من أهله- وإما في عذاب شديد (أ) -أعاذنا الله وإياكم منه، فيجب الإيمان بما بينَ الموت إلى دخول إحدى الدارين فما بعد ذلك مما صحَّت به نصوص الشرع، إذ لا طريق إلى معرفة ذلك إلا خبر الشرع المعصوم، وهي كثيرة موجودة في كتاب البعث والنشور (١) للبيهقي، وفي العاقبة لعبد الحق (٢)، وفي غيرهما من كتب السنة، وفي القرآن العظيم أكثرها؛ بل جميعها، لكن على طريق الإجمال في بعضها. وأما القدر: فقد سبق معنى الإيمان به في ذكر أفعاله . وظاهر هذا الحديث أن القدرية يكفرون بإنكار القدر لأنه ﵊ جعل الإيمان به من جملة أركان الدين التي لا يتم بدونها، ويشهد لهذا قول ابن عمر: أخبرهم: يعني القدرية أني منهم برئ، ولولا أنه علم كفرهم من السنة لما تبرأ منهم، وقوله ﵊: "القدرية

стр. 127

مجوس هذه الأمة" (١) والأشبه أنهم لا يكفرون لأن تعارض الشبه في مسألة القدر شديد، فهم فيه معذورون، وكذلك غيرهم من فرق الأمة ممن حاله في ذلك كحالهم. وتحقيق ذلك أن مسائل الشريعة إما قاطع كالتوحيد والنبوات فيكفر منكره، وإما ظني (أ) اجتهادي كمسائل الفروع فلا يكفر منكره كإنكار وجوب النية للوضوء، وجواز الوضوء بالنبيذ، أو متردد بين القسمين كمسألة الجبر والقدر، وحدوث الكلام، وإثبات صفة العلو، ونحوها مما قويت فيه الشبهة من الطرفين فاختلف الناس في التكفير به، والأشبه عدم التكفير إلحاقا له بالاجتهاديات. واعلم أنه لو لم يكن في الأربعين، بل في السنة جميعها غير هذا الحديث

стр. 128

لكان وافيا بأحكام الشريعة لاشتماله على جملها مطابقة، وعلى تفاصيلها تضمنا، وجمعه بين الطاعات المتعلقة بالقلب والبدن أصولا وفروعا. تم الكلام على هذا الحديث إن شاء الله .

стр. 129

الحديث الثالث: عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان. رواه البخاري ومسلم (١). أقول: هذا الحديث داخل في ضمن الذي قبله حيث سأل جبريل عن الإسلام فأجابه ﵊ بهذه الخمس. وقوله: "بني الإسلام" أي أُسِّسَ. وقوله: "على خمس" أي: خمس دعائم، هي خصاله المذكورة، فلذلك لم تلحق التاء في خمس، ولو أراد الأركان لقال على خمسة. وإقام الصلاة، أصله إقامة الصلاة لكن حذف التاء تبعًا للفظ القرآن، وحذفت في القرآن طلبا للازدواج مع وإيتاء الزكاة، والحذف ونحوه للازدواج كثير في كلام العرب نحو الغَدايَا (٢) والعشَايَا (٣)، و"ارجعن مأزورات غير مأجورات" (٤)

стр. 130

"والرِّجْسُ النِّجْسُ" (١) وهو كثير. وإيتاء الزكاة محذوف المفعول، أي: وإيتاء الزكاة أهلها، بدليل ﴿وآتى المال على حبه ذوي القربى﴾ [سورة البقرة: ١٧٧] والإيتاء الإعطاء. وقد سبق معنى الصلاة. وأما الزكاة فهي في اللغة: الزيادة والنماء، ومنه ﴿أقتلت نفسا زكيَّة﴾ [سورة الكهف: ٧٤] ﴿ويزكيهم﴾ [سوره آل عمران: ١٦٤] و ﴿قد أفلح من زكَّاها﴾ [سورة الشمس: ١٠] ولعلها مأخوذة من الزَّكَا، وهو الاثنين (٢) من قوله في وصف السيف (٣): إذَا هَوَى فِي جُثَّةٍ غَادَرَها ... مِنْ بعدِ ما كانَتْ خَسًا وَهْيَ زَكَا أي: من بعد ما كانت واحدا وهي اثنان. وفي الشرع: إخراج جزء مقدر من مال مخصوص إلى جهة مخصوصة على جهة القربة. والحج في اللغة: القصد، وفي الشريعة (أ): قصد المسجد الحرام وما حوله

стр. 131

لأداء النسك. والصوم في اللغة: الإمساك، وفي الشرع: إمساك ما بين طلوع الفجر وغروب الشمس عن المفطرات الشرعية بنية القربة. ورمضان قيل: من أسماء الله تعالى، والصحيح أنه اسم الشهر المشهور سمى رمضان لاشتداد حَرِّ الرمضاء فيه حين وضع له هذا الاسم. واعلم أن الشرع تعبَّدَ الناس في أبدانهم وأموالهم فلذلك كانت العبادات إما بدنية كالصلاة أو مالية كالزكاة أو مركبة منهما كالحج والصوم لدخول التكفير بالمال فيهما، وعمل البدن فيهما ظاهر كالطواف وتجويع البدن. وقوله: "بني الإسلام على خمس" شبهه ببيت بني على دعائم خمس كما قال في حديث آخر "ألا أنبئك بملاك الأمر وعموده وذروة سنامه؟ الجهاد" (١) ثم من المعلوم أن البيت لا يثبت بدون ركنه ودعائمه (أ) التي يبنى عليها. وظاهر هذا الحديث أن من ترك شيئًا من هذه الخمس يخرج عن كمال الإسلام الجزئي بقدر ما ترك منها لكنه لا يدخل في الكفر إلا إن ترك (ب) ذلك جاحدا لوجوبه، إذ قد بينا أن الإسلام غير الإيمان وإنما يكفر من فارق الإيمان

стр. 132

بأن كذبَ الله (أ) وملائكته وكتبه ورسله واليومَ الآخِرَ أو بعضها (ب)، أما من فارق الإسلام (١) أو بعضه فإنما يدخل في الفسق لا في الكفر، وظاهر هذا التقرير أن تارك الصلاة تهاونا لا يكفر خلافا لمشهور قول الحنابلة (٢). وها هنا تقسيم: وهو أن الإيمان والإسلام قد عرفت حقيقتهما ومعناهما، فمن أتى بهما فهو مؤمن كامل، ومن تركهما فهو كافر كامل، ومن ترك الإسلام وحده فهو فاسق وهو مؤمن ناقص، ومن ترك الإيمان وحده فهو منافق يؤمن بلسانه وفعله، ويكفر باعتقاده وقلبه. ومرجع هذا الحديث من آي الكتاب إلى قوله ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ [سورة محمد: ١٩] ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ [سورة الفتح: ٢٩] ﴿أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ [سورة البقرة: ٤٣] ﴿كتب عليكم الصيام﴾ [سورة البقرة: ١٨٣] ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [سورة البقرة: ١٨٥] ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [سورة البقرة: ١٩٦] ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ [سورة آل عمران: ٩٧] ومن السنة إلى نظائره وهي عديدة، والله أعلم بالصواب.

стр. 133

فائدة: إن قيل: هذا الحديث مطلق في الأزمان لا عموم له فيها فيقتضي تقرر الإسلام المعتبر لمن أتى بهذه الأركان الخمسة مرة واحدة، فبماذا يثبت (أ) عمومها في الأزمان، وتكَرُّرُهَا فيها؟ قلنا: بالأدلة المنفصلة الدالة على العموم، نحو قوله ﷺ "خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة" (١). وقوله ﵊: "من ترك الصلاة فقد كفر" (٢) يقتضي من تركها مرة واحدة كفر، وذلك يقتضي عموم وجوبها في الأزمان، والأدلة على ذلك كثيرة.

стр. 134

الحديث الرابع: عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق إن أحدكم مجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد. فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها". رواه البخاري ومسلم. الكلام على هذا الحديث في لفظه ومعناه. أما لفظه فمنه قوله: حدثنا رسول الله ﷺ ، وهو أصل فيما يستعمله المحدثون من قولهم حدثنا، وأخبرنا، وأنبأنا. ومعنى حدثنا أنشأ لنا خبرًا حادثا. ومنه الصادق المصدوق فالصادق الآتي بالصدق، وهو الخبر المطابق، والمصدوق الذي يأتيه غيره بالصدق، وعلى هذا القياس الكاذب والمكذوب، ومنه قول على ﵁ يوم النهروان: والله ما كَذَبْتُ وما كُذِبتُ (١)، أي: ما كذبني من أخبرني.

стр. 135

والنبي ﷺ صادق فيما أخبر به، مصدوق فيما أخبر لأن جبريل مخبره، وعكسه ابن صياد حين قال: يأتيني صادق وكاذب، وأرى عرشا على الماء فقال: "خُلِّط عليه الأمر" (١) فهو إذًا كاذب مكذوب (٢). ومنه قوله: "يجمع خلقه في بطن أمه" أي: مادة خلقه، وهو الماء الذي يخلق (أ) منه. و "يجمع" أي: يضم ويحفظ. ومنه العلقة قطعة دم، والمضغة قطعة لحم قدر ما يمضغ. ومنه الروح وهو المعنى الذي يحيى به الإنسان، وهو من أمر الله كما أخبر، وللناس في تحقيقه خلاف كثير، ولفظه مشترك بين عدة معانٍ. ومنه الرزق وهو ما يتناوله الإنسان في إقامة بدنه من مأكول ومشروب وملبوس وغيره. والأجل مدة الحياة. وأما معناه ففيه أبحاث: الأول: قوله: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه" إلى قوله: "ثم يرسل الملك" هو راجع إلى قوله ﴿هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة﴾ [سورة غافر: ٦٧] وأيضًا ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين﴾ [سورة المؤمنون: ١٢] الآية ونحوها.

стр. 136

البحث الثاني: أنه ذكر نفخ الملك الروح في الجنين بعد مائة وعشرين يوما، مضروب ثلاثة في أربعين، فاستفيد من ذلك أنه لا يصلى على السقط حتى يستكمل أربعة أشهر وهي مائة وعشرون يوما، إذ قبل ذلك لا روح فيه وما لا روح فيه فهو موات، والصلاة إنما تكون على الميت، وهو من حلَّه (أ) الروح، ثم فارقه لا على الموات بالأصالة. فإن قيل: قد تضمن هذا الحديث أن الجنين يُصلَّى عليه بعد ثلاثة أطوار وهي طور النطفة والعلقة والمضغة، وإذا صُلِّي عليه ضمن بالجناية عليه. ونقل عن عليّ ﵁ أنه قال: لا يضمن حتى تأتي عليه الأطوار السبعة. يعني المذكورة في أوَّل سورة المؤمنين (١). فاعلم أنه لا تعارض بين الحديث وقول عليّ لأن الأطوار الثلاثة في الحديث متضمنة الأطوار (ب) السبعة التي في الآية، وهي السلالة، والنطفة، والعلقة، والمضغة، ثم العظام، ثم كسوتها لحما، ثم إنشاؤها خلقا آخر، وهي الصورة الإنسانية الكاملة التي تضمن الحديث أنها تكون بعد مائة وعشرين يوما. البحث الثالث: يستفاد من الحديث أن الأمة لا تصير أم ولد إلا بوضع ما تجاوز أربعة أشهر من سيدها لأن النبي ﷺ قال في أم الولد: "أعتقها

стр. 137

ولدها" (١) فعلق العتق بالولد، ومقتضى حديث ابن مسعود أنه لا يسمى ولدا قبل أربعة أشهر لأنه سماه قبلها نطفة وعلقة ومضغة، ولا شيء من ذلك بولد لغة ولا عرفا، وإنما يسمى ولدا إذا نفخ فيه الروح بعد ذلك، ثُمَّ وُلِدَ. فإن قيل: الشرع علَّق عتقها بالولد، والولد مشتق من الولادة، وهي الخروج من الرحم؟ قلنا: يلزم على هذا أن تصير أم ولد بوضع النطفة إذا خرجت من الرحم وليس كذلك، ولو قال به قائل لكان بعيدا عن دليل الشرع، وإنما ذهب بعض الفقهاء إلى صيرورتها أم ولد بدون ما ذكرناه حرصا على عتقها وتشوُّفا إليه ولو بسبب ضعيف كالعتق بالسراية. البحث الرابع: أن نفخ الروح في هذا الحديث بعد مائة وعشرين يوما، وصحَّ في حديث آخر أنه بعد أربعين، أو اثنين وأربعين يومًا (أ) (٢). وأشبه ما يجمع به بينهما حمله على أن بعض الأجنّة ينفخ فيه الروح بعد مائة وعشرين يوما، وبعضهم بعد اثنين وأربعين تخصيصا لكل واحد من الحديثين بالآخر. والله أعلم.

стр. 138

البحث الخامس: قوله: "يؤمر بأربع كلمات" أي: بكتابة أربعة أشياء من أحوال الجنين، رزقه قليلا أو كثيرا، حراما أو حلالا، من أي جهة هو ونحو ذلك، وأجله طويل أو قصير، وعمله صالح أو فاسد، وشقي في الآخرة أو سعيد. قوله: "فيسبق عليه الكتاب" أي: حكم الكتاب الذي كتب له في بطن أمِّه مستندا إلى سابق العلم الأزلي فيه "فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها" يعني بحكم القدر الجاري عليه المستند إلى خلق الدواعي والصوارف في قلبه إلى ما يصدر عنه من أفعال الخير والشر، فمن سبقت له السعادة صرف الله قلبه إلى خير يختم له به، ومن سبقت له الشقاوة صرف الله قلبه إلى شرٍّ يختم له به. وفي بعض روايات هذا الحديث "وإنما الأعمال بالخواتيم، والأعمال بخواتيمها" (١) وفي حديث آخر "اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فييسَّرُ لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فييسَّرُ لعمل أهل الشقاوة" (٢) وهذا أيضًا إشارة إلى تصريف الإنسان في أفعاله إلى ما يراد منه بحسب القدر الجاري عليه المستند إلى سابق العلم فيه بحسب خلق الدواعي والصوارف فيه المشار إليه بقول النبي ﵊: "قلوب الخلق بين أصبعين من أصابع الله يقلبها كيف

стр. 139

يشاء" (١). البحث السادس: قوله: "يعمل بعمل أهل الجنة" إلى آخره، هو قسمان من أربعة، لأن الإنسان إما أن يعمل بعمل أهل الجنة من أول عمره إلى آخره، أو بعمل أهل النار مثل ذلك، أو يعمل بعمل أهل الجنة أول عمره ويعمل بعمل أهل النار عند انختامه (أ)، أو بالعكس. واعلم أن أهل التحقيق اختلفوا، فمنهم: من يراعى (ب) حكم السابقة وجعلها نصب عينه، ومنهم: من راعى حكم الخاتمة، والأشبه الأول لأن الله سبق في علمه الأزلي سعيد العَالَم وشقيه، ثم الخاتمة عند الموت مرتبة على العلم الأزلي ومبنية عليه بحسب صلاح العمل عندها وفساده ثم حقيقة السعادة والشقاوة في الدار الآخرة مبنية على الخاتمة، والمبنيُّ على المبنيِّ على الشيء مبنيٌّ على ذلك الشيء، فحقيقة السعادة والشقاوة مبنية على سابق العلم بها، فهي إذن أولى بالخوف منها والمراعاة لها. البحث السابع: قوله: "إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، ويعمل بعمل أهل النار فيسبق عليه الكتاب فيعمل ... " كل هذا إشارة إلى أنه لا بُدَّ من سببيَّة الأعمال للسعادة والشقاوة.

стр. 140

وتحقيق هذا المقام أن الله خلق الخلق وركب (أ) فيهم طباع الخير والشر، فعلم ما يكون منهم بحسب مقتضى طباعهم المركوزة فيهم، فلو أسعدهم وأشقاهم بدون تكليف وعمل اعتمادًا على سابق علمه وحكمته فيهم لكان في ذلك مأمونا غيرَ مُتَّهَمٍ، لكنه عادل في حكمته (ب) حليم في عدله، والحكمة تقتضي اجتناب مظان التُّهَمِ، فلو عذب بعضهم بموجب علمه فيهم لاتَّهَمُوهُ، فدفع هذه التهمة بأن كلَّفهم حتى ظهرت معصيتهم عن طباعهم المركوزة فيهم من القوة إلى الفعل، وهذا هو سِرُّ قوله ﴿لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ [سورة النساء: ١٦٥] وقوله ﵊ في أطفال المشركين: "الله أعلم بما كانوا عاملين" (١) وفي هذا المقام بسط وتحقيق وفيما ذكرناه تنبيه على المقصود منه. ومرجع هذا الحديث من الكتاب إلى آيات القدر، نحو ﴿إنا هديناه السبيل إمَّا شاكرا وإمَّا كفورا﴾ [سورة الإنسان: ٣] ﴿من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدا﴾ [سورة الكهف: ١٧]. ومن السنة إلى أحاديث القدر، كحديث محاجَّة آدم وموسى، وحديث عليٍّ "كل ميسر لما خلق له" (٢) وقوله ﵊ "اعملوا على

стр. 141

مواقَع القدر" وقوله: "قدَّر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف عام" (١) أو كما قال وهي كثيرة. البحث الثامن: تصرف الله في خلقه إما ظاهر أو باطن، والظاهر إما بخرق العادات كالمعجزات، أو بنصب الأدلَّة والأمارات كأحكام التكليفات، والباطن إما بتقدير الأسباب نحو ﴿ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد﴾ [سورة الأنفال: ٤٢] وشبهه، أو بخلق الدواعي والصوارف نحو ﴿كذلك زيّنا لكل أمَّة عملهم﴾ [سورة الأنعام: ١٠٨] ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم﴾ [سورة الأنعام: ١١٠] ﴿ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم﴾ [سورة التوبة: ١٣٧] وقوله ﵊: "يا مصرف القلوب صَرِّفْ قلبي على طاعتك" (٢). وهذا البحث مناسب لما ذكرنا في قوله: "فيسبق عليه الكتاب". وهذا الحديث يتعلق (أ) بمبتدأ الخلق ومنتهاه، وأحكام القدر في المبدأ والمعاد. تم الكلام على هذا الحديث إن شاء الله .

стр. 142

الحديث الخامس: عن أم المؤمنين أم عبد الله عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدٌّ" رواه البخاري ومسلم (١)، وفي رواية لمسلم "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ". الكلام على إسناده ولفظه ومعناه. أما إسناده ففي موضعين: أحدهما: أن عائشة ﵂ وغيرها من أزواج رسول الله ﷺ يقال لهن: أمَّهات المؤمنين لقوله ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾ [سورة الأحزاب: ٦] ولهذا حرم نكاحهن على غيره بدليل ﴿وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا﴾ [سورة الأحزاب: ٥٣] ولأنه لما كان النبي ﷺ للناس كالأب لرأفته ورحمته بهم -ولذلك قال: "إنما أنا لكم كالوالد أعلمكم" (٢) كُنَّ أزواجه كالأمَّهات لهم، فأمَّا قوله ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله﴾ [سورة الأحزاب: ٤٠] فالمراد نفي أبوة النسب، ولذلك لم يعش له ابن حتى يصير من الرجال. الموضع الثاني: إنما كنيت عائشة أم عبد الله بابن أختها أسماء، روي أنها قالت: يا رسول الله كل نسائك لهن كنى إلا أنا، فقال: "اكتني بابن

стр. 143

أختك عبد الله بن الزبير" (١) فقيل لها: أم عبد الله، وإلا فالأصحُّ أنها لم تلد من النبي ﷺ شيئًا، وقيل: ألقت سقطا وليس بثابت. وأما لفظه فقوله: "من أحدث" أي: أتى بأمر حادث، و "أمرنا" ديننا وشرعنا، و "ما ليس منه" أي: لا يستند إلى شيء من أدلة الشرع "فهو رَدٌّ" أي: مردود كالخلق بمعنى المخلوق، وثوب نسج اليمن أي: منسوجه، ومنه في الحديث "الغنم والوليدة ردٌّ عليك" (٢) أي: مردودة (أ). وقوله: "ليس عليه أمرنا" أي: لا يرجع إلى دليل شرعنا كما سبق في قوله: "ما ليس منه". وأما معناه من حيث الجملة فهو أن ما خرج عن الشرع فهو باطل، لا صيور له ولا عبرة به. وأما من حيث التفصيل فهذا الحديث على إيجازه واختصاره من أعظم قواعد الشرع وأعمِّهَا نفعا من جهة منطوقه ومفهومه. أما من جهة منطوقه فلأنه مقدمة كلية في كل دليل نافٍ لحكم، مثل أن يقال في الوضوء بماء مغصوب، أو مسروق، أو نجس، أو بدون النية، وفي الصلاة لغير القبلة، أو بغير سترة، أو الصوم بلا نية من الليل، أو بيع الغائب، أو النجش، أو الغرر، أو نكاح الشغار، أو المتعة، أو بلا وليٍّ أو شهود

стр. 144

ونحو ذلك (أ) من أحكام لا تحصى، يقال في كل واحد منها: هذا عمل ليس من الشرع، أو ليس عليه أمر الشرع، وكل ما كان كذلك فهو باطل مردود، فهذا العمل باطل مردود، فالمقدمة الثانية ثابتة بهذا الحديث الصحيح الصريح، وإنما يتجه النزاع في المقدمة الأولى فإذا ثبت تم الدليل، وثبتت الدعوى، وانتفى الحكم. وأما من جهة مفهومه فهو مقدمة كلية في كل دليل مثبت للحكم، لأن مفهوم قوله: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ" أن من عمل عملا عليه أمرنا فليس مردودًا، فيكون صحيحًا، فيقال في الوضوء بدون المضمضة والاستنشاق، والتسمية، وغسل اليدين من نوم الليل، وبدون النية، والترتيب، والموالاة، واستيعاب مسح الرأس ونحوها: كل واحد منها عمل عليه أمر الشرع، وكل ما دَلَّ (ب) عليه أمر الشرع فهو صحيح، فهذا العمل أو الوضوء صحيح. والمقدمة الثانية ثابتة بمفهوم هذا الحديث الصحيح عند من يحتج بالمفهوم، وإنما النزاع في الأولى فيثبتها المستدل بدليلها إن أمكنه، فيتم الدليل وتثبت الدعوى ويثبت الحكم. وهذه قاعدة كلية في إثبات الأحكام ونفيها، وهذا الحديث يصلح أن يسمى نصف أدلة الشرع لأن الدليل إنما يتركب من مقدمتين صغرى

стр. 145

وكبرى، وإن شئت قلت: أولى وأخرى، ثم المطلوب بالدليل إما إثبات الحكم أو نفيه، وهذا الحديت مقدمة كبرى في إثبات كل حكم شرعي، ونفيه، وإنما يقع الخلاف في المقدمة الصغرى، فلو وجد حديث يكون مقدمة صغرى في إثبات كل حكم شرعي ونفيِه لاستقل الحديثان بأدلة أحكام الشرع، لكن هذا لم يوجد، فإذن هذا الحديث نصف أدلة الشرع باعتبار ما ذكرناه. فإن قيل: كثير من أوامر الشرع العامة خُصَّت بصور فتلك الصور ليس عليها أمر الشرع، وإلا لما كان مخصوصًا بها، ومع ذلك فهي صحيحة في الشرع فإذًا قد صَحَّ في الشرع ما ليس عليه أمر الشرع. قلنا: تخصيص تلك الصور من أوامر الشرع إن كان بغير دليل شرعي فهي باطلة، ولا نسلم صحتها، وإن كان بدليل شرعي فعليها أمر الشرع فلا نسلم خروجها عن أمر الشرع. فإن قيل: ثبت أن خالد بن الوليد تأمَّر على جيش مؤتة بعد قتل أُمَرَائِهِ من غير إمرة (١)، وهي ولاية ليس عليها أمر الشرع، ثم قد صحَّت؛ قلنا: لا نسلم أنه ليس عليها أمر الشرع، لأن المراد بأمر الشرع دليله، وإمرة خالد يومئذ كان عليها دليل الشرع من وجهين: أحدهما: أنه هو وأصحابه رأوا في إمرته المصلحة العامة الراجحة للمسلمين، واعتبار المصالح من أدلة الشرع القوية على ما سنقرر في أثناء هذا
следующие страницы →