← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18568

التعيين في شرح الأربعين

الطوفي

Полный текст (391 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

مواقَع القدر" وقوله: "قدَّر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف عام" (١) أو كما قال وهي كثيرة. البحث الثامن: تصرف الله في خلقه إما ظاهر أو باطن، والظاهر إما بخرق العادات كالمعجزات، أو بنصب الأدلَّة والأمارات كأحكام التكليفات، والباطن إما بتقدير الأسباب نحو ﴿ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد﴾ [سورة الأنفال: ٤٢] وشبهه، أو بخلق الدواعي والصوارف نحو ﴿كذلك زيّنا لكل أمَّة عملهم﴾ [سورة الأنعام: ١٠٨] ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم﴾ [سورة الأنعام: ١١٠] ﴿ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم﴾ [سورة التوبة: ١٣٧] وقوله ﵊: "يا مصرف القلوب صَرِّفْ قلبي على طاعتك" (٢). وهذا البحث مناسب لما ذكرنا في قوله: "فيسبق عليه الكتاب". وهذا الحديث يتعلق (أ) بمبتدأ الخلق ومنتهاه، وأحكام القدر في المبدأ والمعاد. تم الكلام على هذا الحديث إن شاء الله .

стр. 142

الحديث الخامس: عن أم المؤمنين أم عبد الله عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدٌّ" رواه البخاري ومسلم (١)، وفي رواية لمسلم "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ". الكلام على إسناده ولفظه ومعناه. أما إسناده ففي موضعين: أحدهما: أن عائشة ﵂ وغيرها من أزواج رسول الله ﷺ يقال لهن: أمَّهات المؤمنين لقوله ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾ [سورة الأحزاب: ٦] ولهذا حرم نكاحهن على غيره بدليل ﴿وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا﴾ [سورة الأحزاب: ٥٣] ولأنه لما كان النبي ﷺ للناس كالأب لرأفته ورحمته بهم -ولذلك قال: "إنما أنا لكم كالوالد أعلمكم" (٢) كُنَّ أزواجه كالأمَّهات لهم، فأمَّا قوله ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله﴾ [سورة الأحزاب: ٤٠] فالمراد نفي أبوة النسب، ولذلك لم يعش له ابن حتى يصير من الرجال. الموضع الثاني: إنما كنيت عائشة أم عبد الله بابن أختها أسماء، روي أنها قالت: يا رسول الله كل نسائك لهن كنى إلا أنا، فقال: "اكتني بابن

стр. 143

أختك عبد الله بن الزبير" (١) فقيل لها: أم عبد الله، وإلا فالأصحُّ أنها لم تلد من النبي ﷺ شيئًا، وقيل: ألقت سقطا وليس بثابت. وأما لفظه فقوله: "من أحدث" أي: أتى بأمر حادث، و "أمرنا" ديننا وشرعنا، و "ما ليس منه" أي: لا يستند إلى شيء من أدلة الشرع "فهو رَدٌّ" أي: مردود كالخلق بمعنى المخلوق، وثوب نسج اليمن أي: منسوجه، ومنه في الحديث "الغنم والوليدة ردٌّ عليك" (٢) أي: مردودة (أ). وقوله: "ليس عليه أمرنا" أي: لا يرجع إلى دليل شرعنا كما سبق في قوله: "ما ليس منه". وأما معناه من حيث الجملة فهو أن ما خرج عن الشرع فهو باطل، لا صيور له ولا عبرة به. وأما من حيث التفصيل فهذا الحديث على إيجازه واختصاره من أعظم قواعد الشرع وأعمِّهَا نفعا من جهة منطوقه ومفهومه. أما من جهة منطوقه فلأنه مقدمة كلية في كل دليل نافٍ لحكم، مثل أن يقال في الوضوء بماء مغصوب، أو مسروق، أو نجس، أو بدون النية، وفي الصلاة لغير القبلة، أو بغير سترة، أو الصوم بلا نية من الليل، أو بيع الغائب، أو النجش، أو الغرر، أو نكاح الشغار، أو المتعة، أو بلا وليٍّ أو شهود

стр. 144

ونحو ذلك (أ) من أحكام لا تحصى، يقال في كل واحد منها: هذا عمل ليس من الشرع، أو ليس عليه أمر الشرع، وكل ما كان كذلك فهو باطل مردود، فهذا العمل باطل مردود، فالمقدمة الثانية ثابتة بهذا الحديث الصحيح الصريح، وإنما يتجه النزاع في المقدمة الأولى فإذا ثبت تم الدليل، وثبتت الدعوى، وانتفى الحكم. وأما من جهة مفهومه فهو مقدمة كلية في كل دليل مثبت للحكم، لأن مفهوم قوله: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ" أن من عمل عملا عليه أمرنا فليس مردودًا، فيكون صحيحًا، فيقال في الوضوء بدون المضمضة والاستنشاق، والتسمية، وغسل اليدين من نوم الليل، وبدون النية، والترتيب، والموالاة، واستيعاب مسح الرأس ونحوها: كل واحد منها عمل عليه أمر الشرع، وكل ما دَلَّ (ب) عليه أمر الشرع فهو صحيح، فهذا العمل أو الوضوء صحيح. والمقدمة الثانية ثابتة بمفهوم هذا الحديث الصحيح عند من يحتج بالمفهوم، وإنما النزاع في الأولى فيثبتها المستدل بدليلها إن أمكنه، فيتم الدليل وتثبت الدعوى ويثبت الحكم. وهذه قاعدة كلية في إثبات الأحكام ونفيها، وهذا الحديث يصلح أن يسمى نصف أدلة الشرع لأن الدليل إنما يتركب من مقدمتين صغرى

стр. 145

وكبرى، وإن شئت قلت: أولى وأخرى، ثم المطلوب بالدليل إما إثبات الحكم أو نفيه، وهذا الحديت مقدمة كبرى في إثبات كل حكم شرعي، ونفيه، وإنما يقع الخلاف في المقدمة الصغرى، فلو وجد حديث يكون مقدمة صغرى في إثبات كل حكم شرعي ونفيِه لاستقل الحديثان بأدلة أحكام الشرع، لكن هذا لم يوجد، فإذن هذا الحديث نصف أدلة الشرع باعتبار ما ذكرناه. فإن قيل: كثير من أوامر الشرع العامة خُصَّت بصور فتلك الصور ليس عليها أمر الشرع، وإلا لما كان مخصوصًا بها، ومع ذلك فهي صحيحة في الشرع فإذًا قد صَحَّ في الشرع ما ليس عليه أمر الشرع. قلنا: تخصيص تلك الصور من أوامر الشرع إن كان بغير دليل شرعي فهي باطلة، ولا نسلم صحتها، وإن كان بدليل شرعي فعليها أمر الشرع فلا نسلم خروجها عن أمر الشرع. فإن قيل: ثبت أن خالد بن الوليد تأمَّر على جيش مؤتة بعد قتل أُمَرَائِهِ من غير إمرة (١)، وهي ولاية ليس عليها أمر الشرع، ثم قد صحَّت؛ قلنا: لا نسلم أنه ليس عليها أمر الشرع، لأن المراد بأمر الشرع دليله، وإمرة خالد يومئذ كان عليها دليل الشرع من وجهين: أحدهما: أنه هو وأصحابه رأوا في إمرته المصلحة العامة الراجحة للمسلمين، واعتبار المصالح من أدلة الشرع القوية على ما سنقرر في أثناء هذا

стр. 146

الكتاب إن شاء الله ، وقد قال به مالك ﵀ حيث اعتبر المصالح المرسلة (١). الوجه الثاني: أن النبي ﷺ لما بلغه إمرة خالد سُرَّ بها ورضي، وهو ﵊ صاحب الشرع، ورضى صاحب الشرع أقوى أدلة الشرع والله أعلم.

стр. 147

الحديث السادس: عن أبي عبد الله النعمان بن بشير ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع (أ) فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب. رواه البخاري ومسلم (١). النعمان هذا هو الذي تنسب إليه معرة النعمان لأنه كان مقيما بها أو واليا عليها، وأمه عمرة بنت رواحة، أخت عبد الله بن رواحة، أحد الأمراء الذين قتلوا بمؤتة، وأبوه بشير بن سعد الذي قال: يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ (٢) وهو بفتح الباء الموحدة وبشين معجمة مكسورة. ثم الكلام في لفظه ومعناه. أما لفظه فالحرام الممنوع منه شرعا لأن حكمه أن يُحرَمَهُ الإنسانُ، أي:

стр. 148

يمنع منه حِسًّا، والحلال ضده (١). والمشتبهات ما تَردَّد بينهما فقامت فيه شبهة الحل وشبهة الحرمة. واتقى: اجتنب، والشبهات جمع شبهة، وهي ما خُيِّلَ (أ) للناظر أنه حجة وليس كذلك. واستبرأ لدينه مهموز وقد يخفَّف، ومعناه طلب البراءة لدينه من النقص وحصَّلها له، وكذلك استبرأ من البول حصَّل البراءة منه. وعرضه بكسر العين محل المدح والذم منه. والحمى هو الشيء الممنوع، وحمى الملك ما تحجَّره لخيله ونحوها من آلات مصالحه ومنع منه غيره، ومنه حمى كليب، قال الشاعر: (٢) أَبَحْتَ حِمَى تِهَامَةَ بَعْدَ نَجْدٍ ... وَمَا شَيءٌ حَمَيْتَ بِمُسْتَبَاح ومحارم الله ما حرَّم على خلقه. والقلب عضو باطن في الجسد عليه مدار حال الإنسان، قيل: سمي قلبا لتقلبه (ب) كما قال الشاعر: وما سمي الإنسانُ إلا لِنَسْيِهِ (جـ) ... ولا القلبُ إلا أنه يتقلبُ (٣)

стр. 149

وهو عضو صغير الجِرْمِ، ولذلك سماه مضغة ولكنه عظيم الجُرْمِ. وأما معناه ففيه أبحاث: الأول: أن قسمة أحكام الأشياء إلى حلال وحرام وما بينهما قسمة صحيحة، لأن كل شيء أو فعل يفرض فإما منصوص على الإذن فيه، وهو الحلال البين، أو على المنع منه وهو الحرام البين، أو لا ينص فيه لا على هذا ولا على هذا، وهو المسكوت عنه، وهو مشتبه بناء على أن الأصل في الأشياء الإباحة أو الحظر، أو ينص فيه عليهما فإن علم آخر النصين فالحكم له من حِلٍّ أو حرمة، والأول منسوخ به ويرجع هذا إلى الحلال أو إلى الحرام، وإن لم يعلم آخر النصين فهو مشتبه أيضًا. وقد يقع الاشتباه من جهة أخرى وهي أن تكاليف الشرع إما أن تأتي بالتخيير بين الفعل والترك وهو الإباحة، أو باقتضاء الفعل، أو باقتضاء الترك لكن الاقتضاء تارة يُصرَّح فيه بالجزم فيكون إيجابا أو حظرا، وتارة بعدم الجزم فيكون ندبا أو كراهة، وتارة يطلق فلا يُصرح فيه بجزم ولا بعدمه فيبقى مترددًا بين الأمرين الإيجاب والندب، أو الكراهة والحظر، فينشأ الاشتباه من ها هنا. البحث الثاني: قوله: "لا يعلمهن كثير من الناس" أي: ليست أحكام تلك الشبهات معطلة لا تعلم، بل يعلمها بعض الناس وهم أولوا العلم والنظر في أحكام الشرع، وفيه إشارة إلى فضل العلماء لعلمهم بما لم يعلم غيرهم، وحَلِّهم ما أشكل على غيرهم. ثم الناس في الشبهات قسمان:

стр. 150

أحدهما: يتَّقيها ويتجنَّبُهَا (أ) فذلك يستبرئ لدينه وعرضه، أي: يصونهما عن النقص والخلل، ووقوع الناس فيه، لاتهامهم إياه بمواقعة المحظورات، وقد جاء في الأثر "من وقف موقف تهمة فلا يلومنَّ من أساء به الظن" ولهذا لما رأى النبي ﷺ رجلين ومعه امرأته صفية قال لهما: "على رسلكما، إنها صفية بنت حيي" خشية أن يتهماه (١) فيأثما (٢)، ولذلك قالا له: يا رسول الله من كنا نتهمه فلا نتهمك، فقال: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًّا" (٣) وكذلك لما رأى تمرة ملقاة قال: "لولا أني أخشى أنَّها من الصدقة لأكلتها" (٤) وذلك من اتقاء الشبهة تورعا. فإن قيل: لم لم يتورع عن لحم بريرة والشبهة قائمة به؟ قلنا: لا نسلم أن الشبهة قائمة به، وقد بين انتفاء الشبهة بقوله: "هو عليها صدقة، ولنا هدية" (٥) ولئن سلمنا قيام الشبهة به لكنه ﵊

стр. 151

كان مُشَرِّعًا، فهو تارة يترك الشيء تورعا لئلا ينهمك الناس في الشبهات، وتارة يفعل الشيء توسيعا (أ) لئلا يَحْرَجَ الناسُ بضيق مجال الشهوات. والثاني: من يواقع الشبهات فذلك يعرض دينه للنقص وعِرْضَه للمضغ، ثم تفضي به مواقعة (ب) الشبهات إلى مواقعة المحظورات بالتدريج والتسامح ولذلك أمثلة: أحدهما: ما ضربه النبي ﷺ مثلًا لذلك وهو الراعي يرعى حول الحمى وهو المرعى الممنوع منه، فيوشك، أي: يقرب أن يرتع فيه لأن من قارب الشيء خالطه غالبا، ومنه ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] نهى عن المقاربة حذرا من المواقعة. وثانيها: يسير الخمر ليس محذورا في نفسه، وإنما حرم لئلا يتدرج منه إلى الكثير المحذور. وثالثها: الخلوة بالأجنبية لا محذور فيه إلا كونه داعية بالتدريج إلى الوطء المحرم. ورابعها: قبلة الصائم إذا حَرَّكت شهوته تكره لئلا يتدرج بها إلى الوطء المفسد للصوم. وخامسها: في التدريج قوله ﵊: "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده" (١) الحديث.

стр. 152

أي: يتدرج من سرقة مالا يقطع به، إلى سرقة ما يقطع به، وأمثلة هذا كثيرة. وقد أجاز بعض أهل العلم وطء الزوحة والأمة فيما بين الأليتين، وهذا الحديث يقتضي كراهته (أ) لما فيه من التعريض للإيلاج المحرم، والتعرض (ب) للحرام أقل أحواله أن يكون مكروها، وأقل ما يقال فيه: إن الورع تركه. البحث الثالث: قوله: "ألا وإن لكل ملك حمى" أي: ما يحميه ويمنعه عن غيره، وأقل ذلك ملكه وبلاده فيمنعها (جـ) من غيره أن يغلبه عليها، وقد يكون الحمى خاصة (د) كما سبق ذكره. وقد جعل النبي ﷺ حول المدينة اثني عشر ميلا حِمىً (١)، أي: حرما لا يقطع شجره ولا يصاد صيده، وحمى عمر ﵁ لإبل الصدقة أرضا ترعى فيها (٢) "ألا وإن حمى الله محارمه" هذا من باب قياس الغائب على الشاهد، والمعقول على المحسوس. ونظم القياس هكذا: الله ملك، وكل ملك فله حمى، فالله له حمى، ثم حمى كل ملك ما منعه، فكذلك حمى الله

стр. 153

ما منعه وهو المحارم. قوله: "ألا وإن" هو افتتاح كلام يقصد به تنبيه السامعين لفهم الكلام نحو ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ﴾ [هود: ٨]، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ﴾ [فصلت: ٥٤] ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤]. البحث الرابع: قوله: "ألا وإن في الجسد مضغة" إلى آخره معناه أن صلاح الجسد تابع لصلاح القلب، وفساده تابع لفساده، لأن القلب مبدأ الحركات البدنية والإرادات النفسانية، فإن صدرت عنه إرادة صالحة تحرك الجسد حركة صالحة، وإن صدرت عنه إرادة فاسدة تحرك الجسد حركة فاسدة. وبالجملة فالقلب كالملك، والجسد وأعضاؤه كالرعية، ولا شك أن الرعية تصلح بصلاح الملك، وتفسد بفساده، وأيضًا القلب كالعين والجسد كالمزرعة إن عَذُبَ ماءُ العين عذب الزرعُ، أو مَلُحَ مَلُحَ، وأيضًا القلب كالأرض وحركات الجسد كالنبات ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨] وشاهد ما ذكرناه من أمر القلب والجسد أن النبي ﷺ شق عن قلبه مرتين (١)، واستخرج منه علقة سوداء، قيل: هذه حظُّ الشيطان منك، ثم غسل بالماء المبارك الطهور، فلما طاب قلبه طاب جسده، ثم صار إماما للمتقين، ورحمة للعالمين،

стр. 154

وخاتما للنبيين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين. البحث الخامس: هذا الحديث أصل في الورع وهو ترك المشتبه من الأفعال إلى غيره (١). وإن شئت قلت (أ): هو (٢) الأخذ في الأفعال بنفس الإباحة وبراءة الذمة. وقد نقل عن الحسن البصري أنه قال: أدركنا قوما يتركون سبعين بابًا من الحلال خشية الوقوع في باب من الحرام. وقد ثبت عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه أكل شبهة غير عالم بها، فلما علم بها أدخل يده في فيه (ب) فقاءها (٣). وهذا الحديث يرجع من آي الكناب إلى قوله ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وإطلاق الطيب يقتضي المحض الخالي من الشبهة، لأن الشيء إما طيب، أو خبيث، أو مركب منهما، والخبيث لا يدخل تحت لفظ الطيب، والمركب منهما يرجع كل جزء منه إلى أصله، فلا يدخل منه تحت لفظ الطيب إلا الجزء الطيب، ومن السنة إلى قوله ﵊: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" وهو من أحاديث الأربعين.

стр. 155

الحديث السابع: عن أبي رُقية تميم بن أوس الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال: الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم رواه مسلم (١). قال المصنف: رقية بضم الراء وفتح القاف وتشديد الياء، والداري منسوب إلى جد له اسمه الدار، وقيل: إلى موضع يقال له: دارين، ويقال له أيضًا: الديري نسبة إلى دير كان يتعبد فيه، انتهى كلامه. والنصيحة إخلاص القول والعمل، وهي في العرف إخلاص الرأي من الغش للمستشير ونحوه، وإيثار مصلحته. والنصيحة على ما ذكرنا تختلف باختلاف المنصوح. فنصيحة الله الإيمان به، وطَاعَتُهُ بالقلبِ توحيدًا وبالبدن عِبَادةً، وفي التنزيل ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١]. ونصيحة كتاب الله تعظيمه، والإيمان به، والعمل بما فيه. ونصيحة الرسول ﷺ تصديقه فيما جاء به، وإعانته على إقامة أمر ربه بالقول والعمل والاعتقاد، كما فعل الصحابة ﵃. ونصيحة أئمة المسلمين بالوفاء لهم بعهدهم، والتنبيه لهم على مصالحهم ورشدهم. ونصيحة عامة المسلمين بذلك، وبأن يحب لهم ما يحب لنفسه.

стр. 156

واعلم أن هذا الحديث وإن أوجز في العبارة فلقد أعرض في الفائدة، وهذه الأحاديث الأربعون وسائر السنن داخلة تحته، بل تحت كلمة منه وهي قوله: "ولكتابه" لأن الكتاب مشتمل على أمور الدين جميعًا أصلا وفرعًا، وعملا واعتقادًا، فإذا آمن به وعمل بما تضمنه على ما ينبغي فقد جمع الكل. تنبيه: تميم الداري روى عن النبي ﷺ أحاديث، وروى عنه النبي ﷺ حديث الدجال إذ وجده تميم وأصحابه في البحر (١)، وهذه من غرائب مسائل علم الحديث، يقال: أي الصحابة روى عنه النبي ﷺ ؟ فيقال: تميم الداري روى عنه النبي ﷺ الحديث المذكور. تنبيه: إن قيل: هل الدين محصور في النصيحة على قاعدة حصر المبتدأ في الخبر، أو وراء النصيحة من الدين شيء ويكون قوله: "الدين النصيحة" من باب قوله: "الحج عرفة" (٢) أي: معظم الدين النصيحة؟ قلنا: بل الدين محصور في النصيحة لأن من جملة النصيحة طاعة الله ورسوله، والإيمان والعمل بما قالاه من كتاب وسنة، وليس وراء ذلك من الدين شيء، إذ قد سبق في حديث حبريل أن الدين هو الإسلام والإيمان والإحسان وجميع ذلك مندرج تحت ما ذكرناه في النصيحة والله أعلم.

стр. 157

الحديث الثامن: عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى. رواه البخاري ومسلم (١). في هذا الحديث مباحث: الأول: قوله: "أمرت" أي: أمرني الله تعالى إذ ليس فوق رتبة النبي ﷺ من يأمره إلا الله ، ولا يأتي هاهنا الاحتمال الوارد في قول الصحابي: أُمِرْنَا أَوْ نُهِيْنَا، لأن فوق الصحابي من يحتمل إضافة الأمر إليه، والإحالة به عليه من خليفة ومعلم ووالد ورئيس ونحوه، وليس فوق الرسول ﵊ من يضاف أمره إليه إلا الله وجبريل، وهو إنما يأتي بأمر الله . البحث الثاني: "أمرت أن أقاتل الناس" أي: بأن أقاتل، لأن أمر غالبًا إنما يتعدى غالبًا بالباء، و "أمرتُك الخيرَ" ونحوه قليل جاء في الشعر (٢)، على أنهم قد جعلوا أمر مما يتعدى بنفسه وبغيره، وتقدير الحديث

стр. 158

أمرت بقتال الناس. ولو قال قائل: أمرت قتال الناس لكان نائيًا عن اللسان. البحث الثالث: قوله: "حتى يشهدوا" إلى آخره، فيه دليل على قتل تارك الصلاة والزكاة غير جاحد لهما لأن غاية الأمر بالقتال فعل الصلاة والزكاة، فما لم يفعلا لا يبلغ القتال غايته، فيكون قتال تاركهما جائزًا بل واجبا بموجب الأمر الإلهي، ثم القتال ينتهي إلى القتل غالبًا ولو لم يكن إلا جواز إفضائه إليه، وذلك يدل على جواز بل وجوب قتل تاركهما. فإن قيل: الحديث إنما دل على قتال الكافر الأصلي حتى يؤمن ويصلي ويزكي، فلم قلتم: إن المسلم إذ تركهما يجوز قتاله؟ قلنا: لوجهين: أحدهما: أن الكافر الأصلي إذا قوتل على تركهما مع أنه لا يعتقد وجوبهما، فالمسلم المعتقد لوجوبهما أولى بالقتال عليهما. ولمثل هذا قال أهل العلم: إن المرتد يقضي بعد إسلامه ما تركه في حال ردته، بخلاف الكافر الأصلي. الوجه الثاني: أن قوله ﵊: "حتى يشهدوا" إلى آخره وإن كان غاية ففيه معنى الشرط، ولهذا قيل: إن حكم ما بعد الغاية مخالف لما قبلها، فصار كفُّ القتال عنهم مشروطا بالشهادتين والصلاة والزكاة، وإذا انتفى الشرط انتفى المشروط، فإذا انتفى فعل الصلاة والزكاة انتفى كفُّ القتال والقتل، وصار التقدير إن صلوا وزكوا كُفَّ عنهم القتالُ، ويشهد لهذا قوله ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١] ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥].

стр. 159

البحث الرابع: إذا ثبت أن في الحديث دليلًا على قتله فيشبه أن فيه دليلا على كفره لقوله ﵊: "فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأمولهم إلا بحق الإسلام" مفهومه إن لم يفعلوا ذلك لم يعصموا مني دماءهم، يعني بحق الكفر؛ لأن حق الإسلام فد ذكره بعد إلا، وما بعدها مخالف لما قبلها، والذي بعدها هو حق الإسلام، والذي قبلها وهو عدم العصمة، لعدم الفعل، يكون بحق الكفر. ومعنى عصموا: منعوا. فإن قلت: لم ذكر الصوم والحج في الحديث الثاني والثالث، وهو من رواية ابن عمر أيضًا، ولم يذكرهما هاهنا؟ قلنا: لأنه ﵊ قال هذا الحديث قبل فرضهما، بخلاف الحديثين الآخَرَينِ (أ) فإنه قالهما بعد فرض الحج والصوم، فروى الراوي كل حديث على ما سمعه، والحديثان الأولان مع هذا من باب الزيادة في الأحكام، وليس من باب التعارض ولا النسخ. البحث الخامس: قوله: "إلا بحق الإسلام" يعني القتل بالقصاص والزنا والقطع بالسرقة فإنها حدود واجبة بحق الإسلام، والمسلم التزمها بإسلامه فتقام عليه بمقتضى إسلامه (ب) "وحسابهم على الله " أي: أنا أحكم فيهم بهذه الأحكام أهل الكفر والإسلام ظاهرا، وحسابهم فيما يتعلق بالباطن إلى الله ، فرب عاص في الظاهر يصادف عند الله

стр. 160

عزَّ وجلَّ خيرا في الباطن، وبالعكس. وشبيه بهذا قوله ﵊: "إنكم تختصمون إليَّ (أ) ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض" (١) الحديث، وقوله ﵊: "نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر" (٢). واعلم أن من العجب أن هذا الحديث الثابت كان عند ابن عمر، وهو نص في قتال مانعي الزكاة، ولم يبلغ أبا بكر وعمر حتى تشاجرا في قتالهم، وجرت بينهما مناظرة في ذلك، واحتاج أبو بكر إلى القياس بأن قال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، وإلى الاستنباط من قوله ﵊: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" قال أبو بكر: والزكاة من حقها. قلت: فلعل ابن عمر كان غائبًا أو مريضًا أو ناسيًا للحديث ذلك الوفي، ولقد وُفِّق أبو بكر حيث وقع استنباطه وقياسه موافقا لهذا النص، وخالفه عمر في هذا المقام، وكان الأولى موافقته لما عهد منه من موافقة النصوص، حتى قال: وافقت ربي في ثلاث (٣). ثم إن عمر رجع في هذه القضية إلى متابعة أبي بكر والله أعلم بالصواب.

стр. 161

الحديث التاسع: عن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرةُ مسائِلهِمْ واختلافُهُمْ على أنبيائهم. رواه البخاري ومسلم (١). الكلام على هذا الحديت في إسناده ولفظه ومعناه. أما إسناده: فإن أبا هريرة كني بهرة كان يصحبها إمَّا صغيرًا يلعب بها، أو كبيرًا يحسن إليها، لأنه هو الذي روى أن امرأة عذبت في هرة (٢). فلعله أخذ بقياس العكس (٣)، ورجا الثواب في هرة. واختار الشيخ من أسمائه عبد الرحمن بن صخر، وفيه بضعة عشر قولا، أصحها هذا. وأما لفظه: فقوله: "واختلافهم" مضموم الفاء، لا مكسورها (أ) عطفا على كثرة، لا على مسائلهم، أي: أهلكم كثرة مسائلهم (ب) وأهلكهم اختلافهم، وهو أبلغ لأن الهلاك بمسمى الاختلاف ومطلقه أبلغ في الزجر والازدجار من الهلاك بالاختلاف الكثير.

стр. 162

وأما معناه فاعلم أن هذا الحديث من الجوامع، وقد تضمن أحكامًا: أحدها: وجوب ترك المنهيات لقوله: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه" والأمر باجتنابه للوحوب. والثاني: وجوب فعل المستطاع من المأمورات لقوله: "فأتوا" أي: فافعلوا منه ما استطعتم، والأمر بفعله للوجوب، وهذا راجع إلى قوله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. فإن قيل: الآية دلت على وجوب اتباع أوامره ﷺ مطلقًا، ولم يستثن المستطاع من غيره، والحديث المذكور خصَّ المستطاع من ذلك دون غيره، فهذا الحديث مخصص للآية أو مبين لها. قلنا: يحتمل أن يقال هذا، ويحتمل أن يقال: إن الآية المذكورة خُصَّت بقوله ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] والتقوى تشتمل على جميع المأمورات فصار ذلك في قوة قوله: ما آتاكم (أ) به فافعلوا منه ما استطعتم، ثم جاء هذا الحديث موافقا لهذه الآية، كما جاء قوله في حديث جبريل: "وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا" موافقا لقوله ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. فإن قيل: ما الفرق بين المأمور به، وبين المنهي عنه حيث سقط التكليف بما لا يستطاع من الأول، دون الثاني؟. قلنا: لأن ترك المنهي عنه عبارة عن استصحاب حال عدمه والاستمرار

стр. 163

على عدمه، وليس في ذلك ما لا يستطاع حتى يسقط التكليف به، بخلاف فعل المأمور به فإنه عبارة عن إخراجه من العدم إلى الوجود، وذلك يتوقف على شروط وأسباب كالقدرة على الفعل ونحوها، وبعض ذلك يستطاع، وبعضه لا يستطاع، فلا جرم سقط التكليف به، لأن الله أخبرنا أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، وهذه رخصة عظيمة في كثير من الأحكام، مثل من لم يجد إلا ما يكفي بعض الوضوء أو الغسل، أو وجد ترابا يكفي بعض التيمم، أو لم يقدر إلا على غسل بعض محل الحديث، أو لم يجد إلا بعض الفطرة، أو لم يقدر أن يصلي إلا جالسًا، أو نائما، أو لا يطوف إلا راكبًا، أو لا يفي من الإيلاء إلا بالقول، وهي فيئة المعذور ونحو ذلك كله يأتي منه بالمستطاع ويسقط غيره هدرًا أو إلى بدل. فإن قيل: لو وجد بعض الرقبة في الكفارة هل يلزمه عتقه، ويسقط ما لم يجده منها؟. قلنا: لا، لأن الرقبة لها بدل، وهو الإطعام أو الصيام بخلاف الفطرة إذا وجد بعضها إذ لا بدل لها. الحكم الثالث في الحديث: تحريم الاختلاف وكثرة المسائل عن (أ) غير ضرورة لأنه توعد عليه بالهلاك، والوعيد على الشيء يقتضي تحريمه. أما الاختلاف فلأنه سبب تَفَرُّقِ (ب) القلوب وَوَهْنِ الدين كما جرى للخوارج حين تبرأ بعضهم من بعض وهن أمرهم واندحضوا، وذلك حرام،

стр. 164

وسبب الحرام حرام. وأما كثرة السؤال عن غير ضرورة فلأنه مشعر بالإعنات ومفض (أ) إليه، وهو (ب) أيضًا حرام. وقد نهى النبي ﷺ عن قيل وقال، وكثرة السؤال (١)، ونهى النبي ﷺ عن الأغلوطات، وهي صعاب المسائل (٢). وكان أبي بن كعب (٣) وزيد بن ثابت (٤) وغيرهما من أفاضل (جـ) الصحابة إن سئل أحدهم عن مسألة يقول: أوَقَعت هذه؟. فإن قيل: نعم، قال فيها بعلمه، أو أحال على غيره، وإن قيل: لا، قال: فدعها حتى تقع. وهذا الحكم يرجع إلى قوله ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الأنعام: ١٥٩] ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الروم: ٣١ - ٣٢] الآيات ونحوها والله أعلم بالصواب.

стр. 165

الحديث العاشر: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك. رواه مسلم (١). وغذي بالحرام بغين معجمة مضمومة، وذال معجمة مكسورة مخففة، أي: كان غذاؤه الحرام. ثم في هذا الحديث أبحاث: البحث الأول: قوله: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا" هذا توطئة لباقي الحديث، وهو طيب المطعم لإجابة الدعاء. واعلم أن الطيب يطلق بمعان: أحدهما: المُستَلَذُّ طبعا نحو هذا طعام طيب ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]. والثاني: بمعنى الحلال، ويقابله الخبيث نحو قوله ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠].

стр. 166

والثالث: الطيب بمعنى الطاهر ومنه قوله ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ ﴿وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: ٢٦] أي: الطاهرون من العيوب للطاهرات، والله طيب بهذا المعنى، أي: هو طاهر منزه عن جميع النقائص، فلا يقبل من الأعمال إلا طاهرًا من المفسدات كالرياء، والعجب ونحوه، ولا من الأموال إلا طاهرا (أ) من الحرام، وفي الحديث: "من عمل عملا أشرك فيه غيري تركته وشركه" (١) وفيه "من صلى في ثوب قيمته عشرة دراهم فيه درهم حرام لم يقبل الله له صلاة " (٢). البحث الثاني: قوله: "وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين" إلى آخره، فيه دليل على أن الرسل وأممهم سواء في عبادة الله ، والدخول تحت خطابه إلا ما قام عليه الدليل من اختصاصهم على الأمم ببعض الأحكام لأن الجميع عبيد الله، ومأمورون بعبادة الله . والظاهر أن المراد بالطيبات في الآيتين الحلال بدليل ما سِيْقَ (ب) قبله وما بعده من ذم المطعم الحرام. البحث الثالث: قوله: "ثم ذكر الرجل يطيل السفر" هذا من كلام أبي هريرة ﵁ يعني أن النبي ﷺ بعد ما سبق ذكره استطرد الكلام

стр. 167

حتى ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر إلى آخره. وفيه أمران: أحدهما: قوله: "يمد يديه" إلى السماء يدل على أن من أدب الدعاء رفع اليدين إلى السماء، وكان النبي ﷺ يرفع يديه في الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه، أو كما روى أنس (١). وجاء في الحديث "إن الله حيي كريم يستحي من عبده أن يرفع إليه كفيه ثم يردهما صفرا " (٢). والثاني: أن تناول الحلال في المطعم والمشرب والملبس ونشوء الجسد على الغداء الحلال -وبالجملة اجتناب الحرام من كل شيء- شرط في إحابة الدعاء، وأن تناول الحرام مانع منه لقوله: "فأنى يستجاب لذلك" ووجه ذلك أن مبدأ إرادة الدعاء القلب، ثم تفيض تلك الإرادة على اللسان فينطق به، والقلب يفسد بتناول الحرام، وهو مدرك بالنظر والوحدان، وإذا أفسد القلب فسد الجسد وجوارحه، والدعاء نتيجة الجسد الفاسد، ونتيجة الفاسد فاسدة، فالدعاء فاسد، والفاسد ليس بطيب، والله لا يقبل إلا الطيب، فالله لا يقبل دعاء من أكل الحرام وغذي به. وللدعاء آداب وشروط أخر ذكرها القرافي (٣) وغيره في كتاب الدعاء.

стр. 168

منها أن الداعي لا يدعو بمعصية كالإثم وقطيعة الرحم. ومنها أن لا يدعو بمحال لأن وجوده ممتنع. ومنها أن لا يخرج عن العادة خروجا بعيدا لأنه سوء أدب على الله لأنه جعل للأشياء عادات مضبوطة فالدعاء بخرقها شبيه بالتحكم على القدرة. قلت: إلا أن يدعوه باسمه الأعظم فيجوز تأسيا بالذي عنده علم من الكتاب إذ دعا بحضور عرش بلقيس فأجيب. ومنها حضور القلب عند (أ) الدعاء لقوله ﷺ : "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فإن الله لا يسمع دعاء من قلب غَافِلٍ لاَهٍ" (١). ومنها أن يحسن ظنه بالإجابة للحديث المذكور قبله، ولقوله ﷺ : يقول الله : "أنا عند ظن عبدي بي" (٢). ومنها أن لا يستعجل فيقول: قد دعوت فلم يستجب لي لأن ذلك استحثاث للقدرة، وهو سوء أدب، ولأن ذلك يقطعه عن الدعاء فتفوته الإجابة. واعلم أن هذا الحديث عظيم (ب) النفع لأنه تضمن بيان حكم الدعاء،

стр. 169

وشرطه، ومانعه، والدعاء كما ورد في السنة "مخ العبادة" (١) وقال الله ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: ٦٠] الآية جعل الدعاء عبادة، ولأن الداعي إنما يدعو الله عند انقطاع أمله مما سواه، وذلك حقيقة التوحيد والإخلاص ولا عبادة فوقهما. فالدعاء مخ العبادة من هذا الوجه. والله أعلم بالصواب.

стр. 170

الحديث الحادي عشر: عن أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب سبط رسول الله ﷺ وريحانته ﵄ قال: حفظت من رسول الله ﷺ دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. رواه النسائي والترمذي وقال: حديث حسن صحيح (١). الكلام في إسناده ولفظه ومعناه. أما إسناده فسبط الرجل هو ابن ابنته. وقوله: "ريحانته" إشارة إلى قوله ﷺ في الحسن والحسين: "هما ريحانتاي من الدنيا" (٢) أي: يُسَرُّ بهما ويَتَرَوَّحُ، وكنية الحسن أبو محمد. وقال النبي ﷺ فيه: "إن ابني هذا سيد ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" (٣) فأصلح الله به بين أهل العراق والشام، وسلَّم الأمر لمعاوية صلحا. وكان الحسن ﵁ من الحلماء الكرماء الأسخياء، وكان مطلاقًا للنساء، فيقال: إنه أحصن مائة امرأة أو أكثر. وكنية الحسين أبو عبد الله، وكنية علي أبو الحسن، كني بالحسن أكبر أولاده، وأبو تراب كناه به النبي ﷺ إذ وجده نائما في المسجد على التراب. وأما لفظه فقوله: "يريبك" بفتح الياء وضمها لغتان، والفتح أفصح

стр. 171

يقال: راب يريب ثلاثيا، وأراب يُريب رباعيا، من الريبة وهي الشك والتردد. وأما معناه: فاترك ما فيه شك من الأفعال إلى ما لا شك فيه منها. وهذا أصل في الورع، وهذا (أ) موافق لقوله ﵇: "الحلال بين الحرام بين" إلى قوله: "فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه". ويروي عن زيد بن ثابت أنه قال: ما شيء أسهل من الورع إذا أرابك (ب) شيء فدعه. قلت: هذا سهل على من سهله الله عليه، وهو على كثير من الناس أصعب من نقل الجبال، وإنما هذا شبيه بقول بعض سليمي الصدور: لا شيء أسهل من صيد الأسد! قيل: وكيف ذلك؟ قال: واحد يفتح رأس الجوالق (جـ)، وآخر يكشكش! (١). واعلم أن الأشياء إما واضح الحِل، أو واضح الحرمة، أو مرتاب فيه، والريبة، قد تقع في العبادات والمعاملات والمناكحات وسائر أبواب الأحكام، وترك الريبة في ذلك كله إلى غيرها أمر عميم النفع كثير الفائدة وتفاصيل ذلك تكثر، وهذه قاعدته، والله أعلم بالصواب.

стр. 172

الحديث الثاني عشر: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. حديث حسن رواه الترمذي وغيره هكذا (١). يقال: عناه الأمر يعنيه إذا تعلقت عنايته به، وكان من غرضه وإرادته، والذي يعني الإنسان من الأمور ما يتعلق بضرورة حياته في معاشه، وسلامته في معاده، وذلك يسير بالنسبة إلى ما لا يعنيه، فإذا اقتصر الإنسان على ما يعنيه من الأمور سلم من شر عظيم عميم، وذلك يعود بحسن الإسلام لأن السلامة من الشر خير عظيم (أ)، والسلامة من الشر من حسن إسلام المرء. ومن كلام بعض السلف: من علم أن كلامه من عمله قلَّ كلامه إلا فيما يعنيه. ومن كلام بعضهم من سأل عما لا يعنيه كما يُعنِّيه. فإن قيل: لم قال: من حسن إسلام المرء، ولم يقل من حسن إيمانه؟. قلنا (ب): لأنه سبق أن الإسلام هو الأعمال الظاهرة، والترك والفعل

стр. 173

ضدان إنما يتعاقبان على الأعمال الظاهرة دون الباطنة، لأن الظاهرة حركات اختيارية يتأتى فيها الترك والفعل اختيارا والباطنة اضطرارية تابعة لما يخلقه (أ) الله في النفوس من العلوم ويوقعه فيها من الشبه (ب). فإن قيل: فلم قال: من حسن إسلام المرء على التبعيض، ولم يقل: حسن إسلام المرء؟. قلنا: لأن ترك ما لا يعني ليس هو كل حسن الإسلام، بل بعضه، وإنما جميع حسن الإسلام ترك ما لا يعني، وفعل ما يعني، فإذا فعل ما يعنيه وترك ما لا يعنيه فقد كمل حسن إسلامه. فإن قيل: فلم قال: من حسن إسلامه، ولم يقل من إسلامه؟. قلنا: لأن ترك ما لا يعني ليس هو نفس الإسلام ولا جزءًا منه (جـ)، بل هو وصفه وهو حسنه، وحسن الشيء ليس هو ذاته ولا جزءَه. أما الإسلام نفسه فهو الانقياد لغة، والأركان الخمسة شرعا فهو كالجسم، وترك ما لا يعني كالشكل واللون له. واعلم أن كل شيء فإما أن يعني الإنسان أو لا يعنيه، وعلى التقديرين فإما أن يفعله أو يتركه فهي أربعة أقسام: فعل ما يعني، وترك ما لا يعني، وهما حسنان، وترك ما يعني وفعل

стр. 174

ما لا يعني، وهما قبيحان. والذي يعني الإنسان من أمر معاشه ما يشبعه من جوع، ويرويه من عطش، ويستره من ظهور عورته، ويعفه من زنا، وما تعلق بذلك على جهة دفع الضرورة لا على جهة التلذذ والتمتع والاستكثار، والذي يعنيه من أمر معاده الإسلام والإيمان والإحسان على ما سبق بيانه، والإمعان في ذلك والاستكثار أولى من الإقلال والاختصار. وهذا الحديث يرجع إلى قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٠] ونحوه، لأن ذلك جميعه مما لا يعنيه. والله أعلم بالصواب.

стр. 175

الحديث الثالث عشر: عن أبي حمزة أنس بن مالك ﵁ خادم رسول الله ﷺ عن النبي ﷺ قال: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. رواه البخاري ومسلم (١). الكلام على إسناده ومعناه. أما إسناده: فأبو حمزة كنية أنس، وهو بحاء مهملة وزاي معجمة، وهي بقلة كني بها. أما أبو جمرة الضبعي الراوي عن ابن عباس فهو بجيم وراء مهملة (٢). وأنس خدم النبي ﷺ عشر سنين فلذلك قيل: خادم النبي ﷺ . وأما معناه فمقصوده ائتلاف قلوب الناس وانتظام أحوالهم، وهو (أ) قاعدة الإسلام الكبرى التي أوصى الله بها بقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] وبيان ذلك أنه إذا أحبَّ كل واحد من الناس لباقيهم ما يحب لنفسه أحسن إليهم، ولم يؤذهم لأنه هو يحب لنفسه أن يُحسَنَ إليه، ولا يُؤذَى، وإذا أحسن إليهم، ولم يؤذهم أحبوه فتسري بذلك المحبة بين الناس، وبسريان المحبة بينهم يسرى الخير

стр. 176

ويرتفع (أ) الشر، وبذلك ينتظم أمر المعاش والمعاد وتصلح أحوال العباد. وقوله: "لا يؤمن" أي: لا يؤمن إيمانا كاملًا، أو لا يكمل إيمانه بدليل ما سبق في حديث جبريل أن الإيمان هو التصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، ولم يذكر حُبَّ الإنسان لأخيه ما يحب لنفسه، فدل على أنه من كمال الإسلام لا من أجزائه بحيث تختل ذاته بعدمه. ويشبه أن محبة الإنسان لغيره ما يحب لنفسه إنما هو باعتبار عقله، أي: يحب له ذلك ويؤثره من جهة عقله، أما التكليف بذلك من جهة الطبع فصعب (ب)، إذ الإنسان مطبوع (جـ) على حب الاستئثار على غيره بالمصالح، بل على الغبطة والحسد لإخوانه، فلو كلف أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه بطبعه لأفضى إلى أن لا يكمل إيمان أحد إلا نادرا. وفي الحديث "انظر ما تحب أن يأتيه الناس إليك فأته إليهم" (١). وفي كلام بعضهم: "ارضَ للناس ما لنفسك ترضَى" (٢) وهذا الحديث عام مخصوص بأن الإنسان يحب لنفسه وطء زوجته أو أمته ولا يجوز أن يحب ذلك لأخيه حال كون المرأة في عصمته لأن ذلك حرام، وليس له أن يحب لأخيه فعل الحرام، وبما أشبهه من الصور. والله أعلم بالصواب.

стр. 177

الحديث الرابع عشر: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة. رواه البخاري ومسلم (١). المقصود بهذا الحديت يبين عصمة الدماء، وما يباح منها وما لا يباح. والأصل في الدماء العصمة عقلا وشرعا، أما عقلا فلأن في القتل إفساد الصورة الإنسانية المخلوقة في أحسن تقويم، والعقل ينكر ذلك، وأما شرعا فلقوله ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣] ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣] الآية. وقوله ﷺ : "فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها". وقوله ﷺ : "ليحذر أحدكم أن يحول (أ) بينه وبين الجنة ملء كفٍّ من دم يهريقه بغير حق" (٢). وقوله ﷺ : "من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة لقي الله مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله" (٣) ثم استثنى من ذلك ثلاثة يجوز قتلهم لتعلق

стр. 178

المصلحة به، بل يجب على الإمام ذلك. أحدهم: الثيب الزاني يقتل رجما، وهل يجلد قبل الرحم؟ فيه خلاف، أوجبه أحمد (١)، ونفاه الشافعي (٢) أعني الجلد. ودليل قتله ما ثبت من القرآن المنسوخ لفظا الثابت حكما ﴿الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة﴾ (٣) ولأن النبي ﷺ رجم ماعزًا (٤) والغامدية (٥)، والجهنية (٦) والتي اعترفت بالزنا فرجمها أنيس (٧)، ولأن في الزنا مفسدة عظيمة فكانت الحكمة في درءها بهذا الحد. والثيب احتراز من البكر فإنه يجلد ويغرب ولا يرحم. وتفاصيل ذلك في الفقه. والثاني: القاتل يقتل قصاصا لقوله ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ورضَّ النبي ﷺ رأس يهودي بين حجرين قصاصا بجارية فعل بها ذلك (٨)، واقتص الخلفاء بعده، وأجمع عليه الناس،

стр. 179

ولأن في القتل العدوان مفسدة عظيمة، وفي القصاص مصلحة جسيمة دافعة لها فوجب لذلك. والثالث: التارك لدينه المفارق للجماعة يعني المرتد يقتل لأن في إقراره على الردة حلًّا لنظام عقد الإسلام فوجب قتله دفعا لذلك. واختلف (أ) في المرأة المرتدة هل تقتل أم لا؟ فقال الشافعي (١) وأحمد (٢): تقتل لقوله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" (٣) وهو عام في الرجل والمرأة، ولأن إشارة الحديث المذكور إلى أن العلة تبديل الدين، وهي موجودة في المرأة فوجب قتلها كالرجل، وقال أبو حنيفة: لا تقتل (٤) لنهيه ﷺ عن قتل النساء (٥)، وهو خاص فيهن فيقدم على عموم "من بدل دينه فاقتلوه" ولأن العلة في قتل الرجال بالردة أنه لو أُقِرَّ لَلَحِقَ بالكفار فكثَّر سوادهم، وحارب المسلمين فَكُفَّت عاديته بالقتل، وهذا مفقود في المرأة فإنها ليست من أهل الحرب والنكاية فلا يخاف منها. والأول أجود لسلامة علته من التخصيص بمن لا نكاية له كالأعمى والزمن (ب)

стр. 180

والأعرج ونحوهم. وقوله: "المفارق للجماعة" أي: بقلبه واعتقاده بخلاف قوله: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" (١) فإن المراد التفرق بأبدانهما. فإن قيل: النبي ﷺ استثنى الزاني والقاتل والمرتد من المسلم، واستثناء الزاني والقاتل منه ظاهر لأن الزنا والقتل لا يخرجهما عن الإسلام، أما المرتد فاستثناؤه من المسلم مشكل لأنه بالردة يصير كافرا واستثناء الكافر من المسلم لا يجوز. فالجواب أنه استثنى (أ) من المسلم باعتبار ما كان قبل ردته مسلمًا خصوصًا وعلاقة الإسلام مرتبطة به بدليل أنه لا يقتل حتى يستتاب ثلاثًا، ولهذا قال بعضهم: لا يجوز أن يشتري الكافر مرتدا لبقاء عُلقة الإسلام. وأكثر ما في هذا الجواب الجمع بين حقيقة المسلم وبين مجازه في جملة واحدة، وهي مسألة خلاف، والظاهر جوازه خصوصًا إذا اقتضاه دليل. ثم هنا مسائل: الأولى: أن الله قال ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [المائدة: ٣٣] فأوجب قتلهم وليسوا زناة ولا قاتلين ولا مرتدين، فبطل حصر من يجوز قتله في الثلاثة المستثنين في الحديث.
следующие страницы →