← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18568

التعيين في شرح الأربعين

الطوفي

Полный текст (391 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ويرتفع (أ) الشر، وبذلك ينتظم أمر المعاش والمعاد وتصلح أحوال العباد. وقوله: "لا يؤمن" أي: لا يؤمن إيمانا كاملًا، أو لا يكمل إيمانه بدليل ما سبق في حديث جبريل أن الإيمان هو التصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، ولم يذكر حُبَّ الإنسان لأخيه ما يحب لنفسه، فدل على أنه من كمال الإسلام لا من أجزائه بحيث تختل ذاته بعدمه. ويشبه أن محبة الإنسان لغيره ما يحب لنفسه إنما هو باعتبار عقله، أي: يحب له ذلك ويؤثره من جهة عقله، أما التكليف بذلك من جهة الطبع فصعب (ب)، إذ الإنسان مطبوع (جـ) على حب الاستئثار على غيره بالمصالح، بل على الغبطة والحسد لإخوانه، فلو كلف أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه بطبعه لأفضى إلى أن لا يكمل إيمان أحد إلا نادرا. وفي الحديث "انظر ما تحب أن يأتيه الناس إليك فأته إليهم" (١). وفي كلام بعضهم: "ارضَ للناس ما لنفسك ترضَى" (٢) وهذا الحديث عام مخصوص بأن الإنسان يحب لنفسه وطء زوجته أو أمته ولا يجوز أن يحب ذلك لأخيه حال كون المرأة في عصمته لأن ذلك حرام، وليس له أن يحب لأخيه فعل الحرام، وبما أشبهه من الصور. والله أعلم بالصواب.

стр. 177

الحديث الرابع عشر: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة. رواه البخاري ومسلم (١). المقصود بهذا الحديت يبين عصمة الدماء، وما يباح منها وما لا يباح. والأصل في الدماء العصمة عقلا وشرعا، أما عقلا فلأن في القتل إفساد الصورة الإنسانية المخلوقة في أحسن تقويم، والعقل ينكر ذلك، وأما شرعا فلقوله ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣] ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣] الآية. وقوله ﷺ : "فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها". وقوله ﷺ : "ليحذر أحدكم أن يحول (أ) بينه وبين الجنة ملء كفٍّ من دم يهريقه بغير حق" (٢). وقوله ﷺ : "من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة لقي الله مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله" (٣) ثم استثنى من ذلك ثلاثة يجوز قتلهم لتعلق

стр. 178

المصلحة به، بل يجب على الإمام ذلك. أحدهم: الثيب الزاني يقتل رجما، وهل يجلد قبل الرحم؟ فيه خلاف، أوجبه أحمد (١)، ونفاه الشافعي (٢) أعني الجلد. ودليل قتله ما ثبت من القرآن المنسوخ لفظا الثابت حكما ﴿الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة﴾ (٣) ولأن النبي ﷺ رجم ماعزًا (٤) والغامدية (٥)، والجهنية (٦) والتي اعترفت بالزنا فرجمها أنيس (٧)، ولأن في الزنا مفسدة عظيمة فكانت الحكمة في درءها بهذا الحد. والثيب احتراز من البكر فإنه يجلد ويغرب ولا يرحم. وتفاصيل ذلك في الفقه. والثاني: القاتل يقتل قصاصا لقوله ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ورضَّ النبي ﷺ رأس يهودي بين حجرين قصاصا بجارية فعل بها ذلك (٨)، واقتص الخلفاء بعده، وأجمع عليه الناس،

стр. 179

ولأن في القتل العدوان مفسدة عظيمة، وفي القصاص مصلحة جسيمة دافعة لها فوجب لذلك. والثالث: التارك لدينه المفارق للجماعة يعني المرتد يقتل لأن في إقراره على الردة حلًّا لنظام عقد الإسلام فوجب قتله دفعا لذلك. واختلف (أ) في المرأة المرتدة هل تقتل أم لا؟ فقال الشافعي (١) وأحمد (٢): تقتل لقوله ﷺ : "من بدل دينه فاقتلوه" (٣) وهو عام في الرجل والمرأة، ولأن إشارة الحديث المذكور إلى أن العلة تبديل الدين، وهي موجودة في المرأة فوجب قتلها كالرجل، وقال أبو حنيفة: لا تقتل (٤) لنهيه ﷺ عن قتل النساء (٥)، وهو خاص فيهن فيقدم على عموم "من بدل دينه فاقتلوه" ولأن العلة في قتل الرجال بالردة أنه لو أُقِرَّ لَلَحِقَ بالكفار فكثَّر سوادهم، وحارب المسلمين فَكُفَّت عاديته بالقتل، وهذا مفقود في المرأة فإنها ليست من أهل الحرب والنكاية فلا يخاف منها. والأول أجود لسلامة علته من التخصيص بمن لا نكاية له كالأعمى والزمن (ب)

стр. 180

والأعرج ونحوهم. وقوله: "المفارق للجماعة" أي: بقلبه واعتقاده بخلاف قوله: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" (١) فإن المراد التفرق بأبدانهما. فإن قيل: النبي ﷺ استثنى الزاني والقاتل والمرتد من المسلم، واستثناء الزاني والقاتل منه ظاهر لأن الزنا والقتل لا يخرجهما عن الإسلام، أما المرتد فاستثناؤه من المسلم مشكل لأنه بالردة يصير كافرا واستثناء الكافر من المسلم لا يجوز. فالجواب أنه استثنى (أ) من المسلم باعتبار ما كان قبل ردته مسلمًا خصوصًا وعلاقة الإسلام مرتبطة به بدليل أنه لا يقتل حتى يستتاب ثلاثًا، ولهذا قال بعضهم: لا يجوز أن يشتري الكافر مرتدا لبقاء عُلقة الإسلام. وأكثر ما في هذا الجواب الجمع بين حقيقة المسلم وبين مجازه في جملة واحدة، وهي مسألة خلاف، والظاهر جوازه خصوصًا إذا اقتضاه دليل. ثم هنا مسائل: الأولى: أن الله قال ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [المائدة: ٣٣] فأوجب قتلهم وليسوا زناة ولا قاتلين ولا مرتدين، فبطل حصر من يجوز قتله في الثلاثة المستثنين في الحديث.

стр. 181

والجواب أن العلماء اختلفوا في قطاع الطريق، فقال بعضهم: إن قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإن قتلوا فقط قتلوا، وإن أخذوا المال فقط قطعوا (١)، وهؤلاء لا يرد السؤال عليهم لأنهم لم يقتلوا منهم إلا قاتلا كما في الحديث، وذهب بعضهم إلى تخيير الإمام فيهم بين القتل والصلب والقطع والنفي (٢)، وهو ظاهر الآية، لكن يلزمهم الجواب عن السؤال المذكور. وجوابهم عنه بأن قتل قطاع الطريق وإن لم يقتلوا ثبت (أ) بدليل وارد (ب) على الحديث المذكور وهو هذه الآية، ويحمل الحديث على أنه صدر من النبي ﷺ قبل نزول الآية، فلا تنافيه زيادتها عليه، بخلاف ما لو كان صدوره بعدها فإنه يصير مُصادمًا لها. المسألة الثانية: قوله: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث" مفهومه حل دم الكافر بدونها حربيًّا كان أو ذميًّا لعموم المفهوم فيهما، لكن خرج منه الذمي بدليل منفصل عن الحديث (٣)، فلا يجوز قتله في الذمة

стр. 182

فيبقى (أ) الحربي على مقتضى المفهوم يقتل. المسألة الثالثة: قوله ﷺ : "النفس بالنفس" يقتضي بعمومه قتل الحر بالعبد، والمسلم بالذمي، وهو قول أبي حنيفة (١)، وروى في مسنده أن النبي ﷺ قتل مسلمًا بذمي وقال: "أنا أحق من وفى بذمته" (٢) وخالفه الشافعي (٣) وأحمد (٤) لقوله ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ ومفهومه أن الحر لا يقتل بالعبد، ولأن العبد ناقص فلا يؤخذ به كامل، وإن ذلك خلاف ما يقتضيه لفظ القصاص ومعناه، ولقوله ﷺ : "لا يقتل مسلم

стр. 183

بكافر، ولا ذو عهد في عهده" (١) وفي المسألة تأويل وبحث طويل (٢). المسألة الرابعة: عموم قوله ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ يقتضي وجوب القصاص في القتل بالمُثَقَّل كالخشبة والحجر، وهو قول الشافعي (٣) وأحمد (٤) ولأنه أخذ نفس بنفس، فأوجب القصاص كالقتل بالمُحَدَّدِ، وقال أبو حنيفة: لا قصاص فيه (٥) ولو رماه بأبا قبيس، هكذا (أ) لفظه: بأبا قبيس بالألف، وهو لغة في أبا (٦) مثل عصا، لأن القتل بالمثقل ليس بكامل، فلا يؤخذ به قتل كامل، وذلك يلزمهم في قتل الحر بالعبد. المسألة الخامسة: عموم قوله "التارك لدينه" يقتضي أنه إذا تهَوَّد نصراني، أو تنصَّر يهودي أنه يقتل لأنه تارك لدينه. ولقائل أن يقول: التارك لدينه مستثنى من المسلم كالزاني والقاتل، وحينئذ لا يدل على ما ذكرتم وهو سؤال صحيح. المسألة السادسة قوله: "الثيب والقاتل والمرتد" هي بيان لقوله: "إلا

стр. 184

بإحدى ثلاث" يعني خصال، وبدل منه، والثلاثة المذكورون لا يصح إبدالهم من الخصال لأن المذكر لا يبدل من المؤنث. والجواب أن هذا بدل على المعنى، والتقدير إلا بإحدى ثلاث خصال، خصلة الزاني، والقاتل، والمرتد، أو خصلة الزاني، وخصلة ذي النفس، أي: قاتل النفس ونحو هذا من التقدير. والله أعلم بالصواب.

стр. 185

الحديث الخامس عشر: عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فيكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه. رواه البخاري ومسلم (١). اللام في ليقل وليصمت وليكرم لام الأمر، ويصمت قال الشيخ: بضم الميم قلت: وقد سمعناه بكسرها، وهو القياس لأن قياس فعل بفتح العين ماضيا، يفعل بكسرها مضارعا، نحو ضرب يضرب، ويفعل بضم العين فيه دخيل. نص عليه ابن جني في الخصائص (٢). وقد بسطت الكلام في هذا في أول شرح الفصيح. والصمت السكوت مع القدرة على الكلام فإن كان عن العجز (أ) عنه فإمَّا لفساد آلة النطق فهو الخرس، أو لتوقفها وهي العِيُّ. وقوله: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت" ظاهره توقف الإيمان على هذه الأشياء المذكورة، إكرام الضيف والجار، وقول الخير أو الصمت، وليس كذلك، وإنما هو على المبالغة في الاستجلاب إلى هذه الأفعال كما يقول القائل لولده: إن كنت ابني فأطعني، ونحوه

стр. 186

تحريضا وتهييجا له على الطاعة، لا على أنه بانتفاء طاعته ينتفي أنه ابنه، أو على أن المعنى من كان كامل الإيمان بالله واليوم الآخر فليقل خيرا، أو ليصمت وليكرم، فيكون متوقفا على هذه الأفعال كمال الإيمان لا حقيقته، وكلا التأويلين جيد. ثم في الحديث ثلاثة أحكام: أحدها: أمر المؤمن بأنه إما أن يقول خيرا أو يسكت، لأن قول الخير غنيمة، والسكوت عن الشر سلامة، وفوات الغنيمة والسلامة ينافي حال المؤمن وما يقتضيه شرف الإيمان، لأن الإيمان مشتق من الأمان، ولا أمان لمن فاتته الغنيمة والسلامة. وضبط هذا الموضع أن الإنسان إما أن يتكلم، أو يسكت، فإن تكلم فإما بخير وهو ربح، أو بشر فهو خسارة، وإن سكت (أ) فإما عن شر فهو ربح، أو عن خير فهو خسارة، فللإنسان في كلامه وسكوته ربحان ينبغي أن يحصلهما وخسارتان ينبغي أن يتخلص عنهما. وقد ذكر النبي ﷺ ربح قول الخير والسكوت عن الشر، ونبه على ترك خسارة قول الشر والسكوت عن الخير. وهذا راجع إلى قوله ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠]: وقوله ﷺ "أمسك عليك لسانك. . . وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم" (١).

стр. 187

الحكم الثاني: الأمر بإكرام الجار ومقصوده مقصود قوله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (١) من الألفة والاجتماع وعدم التفرق والانقطاع، لأن الناس جيران بعضهم لبعض، فإذا أكرم كل منهم جاره ائتلفت القلوب واتفقت الكلمة وقام الإسلام بذلك، وإذا أهان كل منهم جاره تنافرت القلوب واختلفت الكلمة فانعكس الحال، وأيضًا فإن الجاهلية كانوا شديدين (أ) في مراعاة الجار وحفظ حق الجوار (ب)، فكان في الوصية بإكرام الجار ما يرغبهم في الإسلام ويحسنه في أعينهم. وهذا يرجع إلى قوله ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ﴾ [النساء: ٣٦] وقوله ﷺ : "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" (٢). قلت: والجيران ثلاثة: كافر فله حق واحد بالجوار، ومسلم أجنبي فله حقان بالجوار والإسلام، ومسلم قريب فله ثلاث حقوق بالجوار والإسلام والقرابة (جـ)، كذا قاله بعض العلماء. الحكم الثالث: إكرام الضيف والمقصود به كالمقصود بإكرام الجار لأن

стр. 188

الناس إما ضيف، أو مضيف فإذا أكرم بعضهم بعضا ائتلفت كلمتهم، ولأن العرب كانوا شديدين العناية (١) بالضيف، فكان في الأمر بإكرامه استجلابهم إلى الإيمان. واعلم أن الحكم الأول وهو قول الخير أو الصمت عام مخصوص بما لو أكره على قول شر، أو سكوت عن خير، أو نسي، أو خاف على نفسه من قول الخير ونحوه، كمن خاف من إنكار منكر ونحوه لقوله ﷺ : "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٢) وقوله ﷺ : "ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم" (٣) ونحوه من المخصصات. أما إكرام الجار والضيف فيحتمل تخصيصهما بالجار الفاسق والمبتدع والمؤذي ونحوهم فلا يكرمون، بل يهانون ردعا لهم عن فجورهم، ويحتمل جعلهم من ذوات الجهتين فيكرمون من حيث إنهم جيران، ويهانون من حيث إنهم فُجَّار، كل جهة بما تستحق، ولأن الكافر يرعى حق حواره، فالمسلم على علاته أولى، وكما قيل: "في كل كبد حَرَّى أجر" (٤). وقال بعضهم: حتى الحية والكلب العقور ونحوه يطعم ويسقى إذا اضطر إلى ذلك ثم يقتل. والله أعلم بالصواب.

стр. 189

الحديث السادس عشر: عن أبي هريرة ﵁ أن رجلا قال للنبي ﷺ : أوصني، قال: لا تغضب، فردَّد مرارا، قال: لا تغضب. رواه البخاري (١). الغضب في حق الآدمي قيل: فوران دم القلب وغليانه، وقيل: عرض يتبعه غليان دم القلب لإرادة الانتقام. وفي الحديث "الغضب جمرة تتوقد في قلب ابن آدم أما ترون إلى انتفاخ أوداجه وحمرة (أ) عينيه" (٢) أو كما قال، وأما غضب الله -أعاذنا الله منه- فقيل: هو إرادة الانتقام (٣)، وقيل غير ذلك. واعلم أن هذا الحديث تضمن دفع أكثر الشرور عن الإنسان لأن الإنسان في مدة حياته بين (ب) لذة وألم، فاللذة سببها ثوران الشهوة للأكل أو الشرب أو النكاح أو غيره، ودفع الألم والمكروه سببه ثوران الغضب، ثم كل واحد من اللذة والألم قد يكون تناوله أو دفعه مباحا كنكاح الزوجة ودفع قاطع الطريق، وقد يكون حرامًا كالزنا وقتال المسلمين عدوانا، وهذا

стр. 190

القسم أعني دفع المكروه عدوانا هو شَرٌّ سببه الغضب، فإذا اجتنب الغضب اندفع عنه نصف الشر بهذا الاعتبار، وأكثره في الحقيقة، فإن الإنسان يغضب فيقتل أو يقذف أو يطلق امرأته أو يهاجر صاحبه أو يحلف يمينًا فيحنث فيها أو يندم عليها كما جاء في الحديث "اليمين حنث أو ندم" (١) وقد يغضب فيكفر كما كفر جبلة بن الأيهم (٢) حين غضب من لطمة أخذت منه قصاصا. وبالجملة فالشر إنما يصدر عن الإنسان بشهوة كالزنا أو غضب كالقتل فهما أعني الشهوة والغضب أصل الشرور ومبدؤها، ولهذا لما تجرد الملائكة

стр. 191

عن الشهوة والغضب تجردوا عن جميع الشرور البشرية (أ). وللغضب دواء مانع ورافع، فالمانع تذكر فضيلة العلم، وخوف الله ، كما حكي (ب) عن بعض الملوك: أنه كتب ورقة فيها "ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء، ويل لسلطان الأرض من سلطان السماء، ويل لحاكم الأرض من حاكم السماء، اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب" ثم دفعها إلى وزيره وقال له: إذا غضبت فادفعها إليَّ (جـ)، فجعل الوزير كلما غضب الملك دفعها إليه فينظر فيها فيسكن غضبه. والرافع للغضب نحو ما ذكرناه (د) عن الملك، وما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا غضب أحدكم وهو قائم فليقعد، وإذا (هـ) كان قاعدا فليضطجع" (١) والغرض أن يبعد عن هيئة الوثوب والتسرع إلى الانتقام ما أمكن حسما لمادة المبادرة (و). وكان معاوية يقول: ما غضبي على من أقدر عليه، وما غضبي على من لم أقدر عليه. يعني أن الغضب لا فائدة فيه، بل هو تعب محض ومفسدة

стр. 192

محضة، لأن المؤذي لي إن كنت قادرا عليه عاقبته إن شئت ولا حاجة إلى الغضب، وإن لم أكن قادرا عليه فالغضب المجرد لا يشفيني منه، فلا حاجة إليه. واعلم أن هذا الكلام مقبول بادئ الرأي، وعند النظر يظهر فيه شيء، وهو أن الغضب من الأعراض الطبيعية التي لا تندفع (أ) بالاختيار كالخجل والوجل لأنه فوران دم القلب باطنا فهو كالرعاف ظاهرا، وإنما جعله الله سببًا للانتقام ودفع المكاره وحينئذ لا يندفع الغضب عند قيام سببه، كما لا يندفع الخوف عند قيام سببه. وحكي عن موسى ﷺ أنه لما قيل له: ﴿خُذْهَا وَلَا تَخَفْ﴾ [طه: ٢١] لَفَّ كمَّه على يده وتناولها بها، فقيل له: أرأيت لو أذن الله فيما تحذر هل كان ينفعك كُمُّكَ؟ قال: لا، ولكني ضعيف، ومن ضعف خلقت (ب). والتحقيق أن الناس في الغضب على ضربين: أحدهما: مغلوب للطبع الحيواني فلا يمكنه دفعه وهو الغالب نمط الناس. والثاني: غالب للطبع بالرياضة فيمكنه منعه، ولولا هذا وإلا لكان قوله ﷺ : "لا تغضب" تكليفا أو أمرا بما لا يطاق. وأقوى الأشياء في منع الغضب ورفعه التوحيد الحقيقي العام وهو اعتقاد الإنسان أن لا فاعل في

стр. 193

الوجود إلا الله ، وأن الخلق آلات لفعله (١)، فإذا تَوَجَّهَ إليه مكروه من جهة غيره يرى فاعله الله لا غيره، وأن ذلك الغير آلة للفعل الإلهي كالسيف للضارب والقوس للرامي والرمح للطاعن والقدوم للنجار والسكين للجزار، وحينئذ يندفع عنه الغضب، لأنه لو غضب والحالة هذه لكان غضبه إما على الخالق وهي جُرأةٌ تنافي العبودية، أو على المخلوق وهو إشراك ينافي التوحيد، ولهذا جاء في حديث أنس (أ) قال: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لشيء فعلته لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله لم لم تفعله؟ ولكن يقول: "قدر الله وما شاء فعل، أو لو قدر لكان" (٢). قلت: وما ذاك إلا لكمال معرفته ﷺ بأن لا فاعل (٣) ولا معطي ولا

стр. 194

مانع إلا الله ، بخلاف غيره من الناس فإن غلامه إذا لم يقف شغله غضب عليه وقام فضربه، فعلى هذا لا فاعل في الوجود إلا الله وحده (أ)، وله آلات كبرى وصغرى ووسطى، فالكبرى من له قصد واختيار كالإنسان الضارب بالعصا، والصغرى ما لا قصد له ولا اختيار كالعصا المضروب بها، والوسطى من له قصد ولا عقل له كالدابة ترفس ونحوها (١). فإن قلت: قد صح في الحديث أن موسى ﷺ اغتسل عريانا، ووضع ثوبه على حجر، فنفر (ب) الحجر، فجمح موسى في أثره يقول: ثوبي يا حجر، ثوبي يا حجر، ثم طفق يضربه بعصاه، وإن أثر عصاه بالحجر (جـ) لندب ستة أو سبعة (٢). وإنما ذلك غضب على الحجر مع أن موسى كان من أعرف الناس (د) بالله وتوحيده وأن لا فاعل غيره. فالجواب أن الحجر إنما فرَّ بثوب موسى لحياة خلقها الله فيه

стр. 195

فصار كالدابة تجمح براكبها، أو تفر بصاحبها (أ)، فله أن يضربها تأديبًا لها أو زجرا، ويحتمل أن يجعل غضبه على الحجر من باب غلبة الطباع، كما غلب عليه الطبع البشري حتى لَفَّ كُمَّه على يده عند أخذ العصا، وقد ثبت أن موسى كان حديدًا حتى كان إذا غضب خرج شعر جسده من مدرعته كَسَل (١) النخل، ولهذا لما علم بما أحدث قومه من بعده أخذ برأس أخيه ولحيته يجره إليه. وكذلك يحكى أنه لما خرق الخضر السفينة غضب موسى وأخذ برجل الخضر يجره ليلقيه في البحر حتى ذكره يوشع عهده مع الخضر فخلّاه. والله أعلم بالصواب. وقوله: "فردَّد مرارا" يعني السائل كرَّر السؤال مرارا يقول: أوصني يا رسول الله لأنه لم يقنع بقوله: "لا تغضب" فطلب وصيَّةً أنفع وأبلغ منها فلم يزده النبي ﷺ عليها لعلمه بعموم نفعها، ونبه السائل على ذلك بتكرارها وصار هذا (ب) كما قال له العباس علمني دعاء أدعو به يا رسول الله فقال: "سل الله العافية" فعاوده العباس مرارا، فقال له: "يا عباس يا عم رسول الله سل الله العافية في الدنيا والآخرة، فإنك إذا أعطيت العافية أعطيت كل

стр. 196

خير" (١) أو كما قال. وكذلك لما قال لأصحابه: "اجتمعوا فإني أتلو عليكم ثلث القرآن، فاجتمعوا فَتَلاَ عليهم ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إلى آخرها ثم دخل منزله، فأقاموا ينتظرونه ليكمل لهم ثلث القرآن فخرج عليهم، فقال: "ما تنتظرون أما إنها تعدل ثلث القرآن" (٢) يعني سورة الإخلاص. والله أعلم بالصواب.

стр. 197

الحديث السابع عشر: عن أبي يعلى شداد بن أوس ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِبحة، وليُحِدَّ أحدكم شفرته وليرح ذبيحته" رواه مسلم (١). أبو يعلى كنية هذا الصحابي، وكنية حمزة ﵁ (٢) عَمُّ النبي ﷺ ، وكنية: أبي يعلى الموصلي صاحب المسند (٣)، وكنية القاضي أبي يعلى ابن الفراء (أ) الحنبلي (٤)، ويكنى حمزة أبا عمارة أيضًا. ويعلى مضارع عَلِيَ يعلى مثل رَضِيَ يَرضَى، وعلى هذا الوزن يرفأ (٥) مولى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. قال الشيخ: القِتْلَة والذِبْحَة بكسر أَوَّلهما لأنهما من باب الهيئة كالجلسة والرِّكبة، أي: هيئة الذبح والقتل والجلوس والركوب. قال: وليحد بضم الياء وكسر الحاء وتشديد الدال، يقال: أحَدَّ السكين

стр. 198

وحدَّدها واستحدَّها بمعنى. قلت: قوله: "على كل شيء" يحتمل أن على بمعنى إلى، أو في، تقديره كتب الإحسان إلى كل شيء، أو في كل شيء، ويحتمل أن على على بابها، والتقدير كتب الإحسان في الولاية على كل شيء. وكتب بمعنى أوجب نحو ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] ﴿يَكُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨] ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] ونحوه كثير. ويشهد لذلك قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] وقوله ﴿وَأَحْسِنُوا﴾ [البقرة: ١٩٥] ونحوه (أ). ثم قوله: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء" هو قاعدة الحديث الكلية، ثم ذكر من جزئياته التخفيف في الذبح، والقتل عن الحيوان، إما لأنَّ سبب الحديث اقتضاه لأنهم كانوا في الجاهلية يذبحون بالمدى الكالَّة ونحوها مما يعذب الحيوان، ويمثلون في القتل كَجَدْع الأنوف وصَلْمِ الآذان (ب) وقطع الأيدي والأرجل فنهى عن ذلك بقوله: "أحسنوا الذبحة والقتلة". وإما أنه ضرب ذلك مثالًا للإحسان اتفاقا لا عن مقتضى خصَّه بالذكر، وقد تبيَّن فائدة قوله: "ليحد أحدكم شفرته" بقوله: "وليرح ذبيحته" لأن الذبح بآلة كالة يعذب الذبيحة فراحتها في الذبح بآلة ماضية موجبة،

стр. 199

وكذلك يجب أن يقتص بآلة حادة فلو اقتص بآلة كالَّة لم يُعدَّ مريحا، فلو سرى القصاص ضمن لتفريطه، ومن ثم قال النبي ﷺ : "من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين" (١) أي: فقد عرض نفسه لعذاب يجد فيه ألما كألم الذبح بغير سكين أو نحو هذا. واعلم أن هذا الحديث هو قاعدة الدين العامة، فهو متضمن لجميعه لأن الإحسان في الفعل هو إيقاعه على مقتضى الشرع أو العقل، ثم الأفعال التي تصدر عن الشخص إما أن تتعلق بمعاشه أو بمعاده، والمتعلق بمعاشه إما سياسة نفسه وبدنه، أو سياسة أهله وإخوانه وملكه، أو سياسة باقي الناس، والمتعلق بمعاده إما الإيمان وهو عمل القلب، أو الإسلام وهو عمل البدن كما مَرَّ في حديث جبريل فإذا أحسن الإنسان في هذا كله وأتى به على مقتضى الشرع فقد حصل على (أ) كل خير وسلم من كل شرٍّ ووفى بجميع عهد الشرع، ولكن دُونَ ذَلِكَ خَرْطُ القَتَاد (٢)، وأبْعَدُ مِمَّا دُونَ سُعَاد. يقال: أحَدُّ يُحِدُّ إحدادًا، وكذلك أحدَّت المرأة في عدتها إحدادًا، ويقال: حدَّت أيضًا ثلاثيًّا. والشفرة المدية، وهي السكين ونحوه مما يذبح به، سميت باسم شفرتها وهي حَدُّها، تسمية للشيء باسم جزئه.

стр. 200

ويقال: أراح يريح إراحة إذا حلب الراحة للشيء (أ)، أو تسبب إلى حصولها له بوجه. والذبيحة أي: المذبوحة فعيلة بمعنى مفعولة كأنه قال: الدابة الذبيحة، أو يكون من باب غلبة الاسمية على الوصفية. قال الخطابي كلامًا، معناه: أن العلماء لما كانوا ورثة الأنبياء، ومما ورثوا عن الأنبياء تعليم الناس كيفية الإحسان إلى كل شيء ألهم الله الأشياء الاستغفار (ب) للعلماء مكافأة لهم على ذلك (١)، فمن ثُمَّ قال النبي ﷺ : "إن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتَّى الحيتان في جوف البحر" (٢) وتفاصيل الإحسان إلى كل شيء كثير لا ينحصر، لكن نذكر منه شيئًا على طريق (جـ) ضرب المثل. وذلك كما قالوا: لا تجاع الدابة، ولا يحمل عليها ما تعجز عنه، ولا تركب واقفة إلا لحاجة، وإذا ذبحت فلا يسلخ جلدها حتَّى تزهق نفسها، ولا تُحدُّ المُدْيَةُ وهي تراها، ولا تُوَلَّهُ على ولدها، ولا يحلب منها ما يضرُّ به، ولا يشوي السمك والجراد حتَّى يموت، ولا يُضَّارُّ (٥) شيء عبثًا

стр. 201

ونحو ذلك كثير. واعلم أن الموجود إما قديم أو حادث، والقديم لا حاجة به إلى الإحسان إليه لاستغنائه بذاته عما سواه، والحادث إما عرض ولا يتأتى الإحسان إليه، أو جوهر وهو إما جماد أو نبات أو حيوان، والجماد -فيما أحسب- كالعرض لا يتأتى الإحسان إليه لعدم إحساسه، والنبات والحيوان إنسان أو غيره يتأتى الإحسان إليه لاشتماله على قوة النماء والحِسِّ. ويَعُمُّ الحديث الإِحسان إلى الملائكة والجن، أما الملائكة فبإِحسان عشرتهم بأن لا يفعل بحضرة الحفظة ما يكرهون، ولا يأكل ما يتأذون بريحه كالثوم والبصل ولذلك قال ﷺ : "إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم" (١) وقال: "إني أناجي من لا تناجي" (٢). يعني الملك. واعلم أن الملائكة يستغفرون لبني آدم كما ورد في التنزيل ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [سورة غافر: ٧]. والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض. وقد كان بعض أهل العلم يقرأ القرآن، ويسبح ويذكر الأذكار المأثورة (أ)،

стр. 202

ويهدي ثواب ذلك ونوره لكل عبد لله صالح في السموات والأرض من ذكر أو أنثى من ملك أو جني نبي أو صديق أو شهيد، فينبغي لمن وُفِّقَ فِعلُ ذلك. وقد صح لي عن بعض من كان يفعل ذلك صحة قاطعة لا ريب فيها أنَّه نام يومًا بعد هذا الذكر وأهدى ثوابه إلى من ذكر فرأى في منامه كأنه عُرج به إلى السماء وأنه خرج للقائه كل من فيها من الأنبياء والملائكة وغيرهم، فكان يرى أن ذلك دليل على أنَّه يصل إليهم ما أهداه لهم وأنهم خرجوا للقائه مكافأة له على ذلك. واعلم أن ذكر الله عظيم وإن قلَّ لفظه، وثوابه جزيل، فلا تكسل أن تقرأ سورة الإخلاص ثلاث مرات تعدل ختمة، أو تقول: سبحان الله وبحمده، أو سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإن هذا أحب الكلام إلى الله كما ثبت في الصحيح (١)، ثم تقول: اللهم أثبني على هذا الذكر واجعل ثوابي عليه هدية مني إلى كل عبد لك صالح في السموات والأرض. ولا يمنعك من هذا قول من لا يرى (٢) وصول ثواب القرآن إلى الميت

стр. 203

احتجاجًا بقوله ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى﴾ [سورة النجم:٣٩] فإنه مذهب مرجوح بيَّنَّا (أ) ضعفه في غير موضع، وباقي الأئمة على خلافه. ومذهب أحمد أن الحيَّ إذا تطوع بقربة وأهدى ثوابها لميت مسلم نفعه ذلك، وفي الحيِّ وجهان: أصحهما ينفعه أيضًا وهو موجب النظر. وأما الجن فقد ثبت وجودهم بالنصوص القاطعة، وقد أحسن النبي ﷺ إليهم ليلة وفدوا عليه فعلَّمهم وقراهم بأن جعل لهم كل عظم طعاما لهم، وكل روثة وبعرة علفا لدوابهم (١)، وفي رسول الله ﷺ أسوة حسنة، فإذا اتفق ظهورهم لأحد من الناس فينبغي أن يحسن إليهم بما يليق بهم. فأما الشياطين والمردة ونحوهم فينبغي الإحسان إليهم بدعائهم إلى الخير وترك الشرِّ، كما يدعى كفار (ب) الإنس، فإن أبوا فلا حظَّ لهم في الإحسان، بل في الإساءة والهوان. وأما الحشرات والهوامُّ والسباع المؤذية بالفعل أو القوة فلا حظَّ لها في الإحسان، بل الإساءة، وهي مخصوصة من عموم هذا الحديث بقوله ﷺ : "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحية والعقرب والفأرة والحدأة والكلب العقور" وقوله: "اقتلوا الأبتر وذا الطفيتين فإنهما يسقطان الحبل ويطمسان البصر" والله أعلم بالصواب.

стр. 204

الحديث الثامن عشر: عن أبي ذر جندب بن جنادة، وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: اتق الله حيث ما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن. رواه الترمذي وقال: حديث حسن، وفي بعض النسخ حسن صحيح. من عَرَفَ اللهَ فلم تُغْنِهِ ... مَعْرِفَةُ اللهِ فذاك الشَّقِي ما يَصنَعُ العبد بِعِز الغِنَى ... فالعزُّ كل العِز للمُتَّقِي جُندب وجُنَادة بضم الجيم، ومعاذ بضم الميم، وأبو ذر أصدق الناس لهجة وزهدًا، ومعاذ أعلم الأمة بالحلال والحرام. وفي الحديث أحكام ثلاثة جامعة في بابها: أحدها: يتعلق بحق الله ، وهو أن يتقيه حيث ما كان فإن الله معه وناظر إليه ورقيب عليه حيث ما كان. وتقوى الله : امتثال مأموره واجتناب محظوره، وقيل: تقوى الله : أن لا يراك حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك، ولهذا قال بعضهم لصاحبه: إذا أردت أن تعصي الله فاعصِه حيث لا يراك -ففيه غاية الاعتبار، وأي شيء يمنع الإنسان من رؤيته تعالى- أو أخرج من داره، أو كل غير رزقه. وتقوى الله يتضمن ما تضمنه قوله ﷺ : "إن الله كتب الإحسان على كل شيء" وما تضمنه حديث جبريل من الإسلام والإيمان والإحسان، لأن سائر أحكام التكليف لا تخرج عن الأمر والنهي،

стр. 205

فإذا اتقى الله بفعل ما أمر، وترك ما نهى فقد أتى مجميع وظيفة التكليف. الحكم الثاني: يتعلق بحق المُكلَّفِ، وهو أنَّه إذا فعل سيئة أتبعها حسنة تمحوها، وتدفع عنه حكمها لقوله ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [سورة هود: ١١٤] أي: عظة لمن اتعظ، فلا تعجَزَنَّ أيها الإنسان إذا أتيت بسيئة بقلبك أو لسانك أو جارحتك أن تتبعها حسنة من صلاة ركعتين، أو صدقة وإن قلَّت، أو ذكر الله ، ولو أن تقول: سبحان الله وبحمده فإنه أحبُّ الكلام إلى الله ، والحمد لله تملأ الميزان. وفي الصحيح: "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" فلا تعجزن عن إتباع السيئة نحو هذا الكلام المبارك يمحها إن شاء الله . ثم إن كانت السيئة صغيرة كفاها الحسنة اليسيرة، والذكر اليسير، وإن كانت كبيرة فأكثر مما يمحوها من ذلك. الحكم الثالث: يتعلق بحقوق الناس وهو مخالقتهم، أي: معاشرتهم بخلق حسن، والخلق الحسن قيل: كفُّ الأذى وبذل الندى. والأشبه تفسيره بأن يحب للناس ما يحب لنفسه، ويأتي إليهم ما يحب أن يؤتى إليه، ففي ذلك أعني معاشرتهم بخلق حسن اجتماع القلوب (أ)، وانتظام الأحوال، وكفُّ الشرِّ عنهم واكتفاء شرهم، وذلك جماع الخير وملاك الأمر

стр. 206

إن شاء الله . ومما يتعلق بالحكم الأول: وهو التقوى أنها مذكورة في قوله ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [سورة البقرة: ١٧٧] الآية. ثم قال الله ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [سورة يونس: ٦٢ - ٦٣] فنقول: من أتى بما في الآية الأولى من الإيمان والإسلام فهو متقى، والمتقي (أ) وليُّ الله ، فصار معنى قوله ﵊: "اتق الله حيث ما كنت" كن وليًّا لله بتقواك إياه. وفيه دليل على أن الولاية (ب) مكتسبة، وإلا لم يصحَّ الأمر بها، ولا يجيء في النبوة مثل ذلك لأن النبوة ولاية خاصة كاملة، لكن الجمهور على أنهما موهوبتان (جـ) من الله عز وحل لا مكتسبتان، والتحقيق أنهما موهوبتان (جـ) من فضل الله ، وهو مرتب على زكاء النفس وصلاح (د) العمل كالرزق هو من فضل الله ، وهو مرتب على الأسباب، والاكتساب الَّذي جرت به العادة في حصول الرزق، وكما قال الله

стр. 207

عزَّ وجلَّ ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [سورة الملك: ١٥] وقال ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [سورة السجدة: ٢٤] وقال الله ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [سورة الأنبياء: ٩٠] يعني الأنبياء المذكورين في سورتهم، علَّل ما مَنَّ به عليهم بمسارعتهم في الخيرات وما بعده. ومن شعر أبي الدرداء في التقوى (أ): يريد المرءُ أن يعطَى مُناه ... ويأبَى اللهُ إلا ما أَرادَا يقول المرءُ: فائِدَتِي وَمَالِي ... وَتَقوَى اللهِ أفضلُ ما استَفَادَا (١) وأما قول الترمذي حديث حسن صحيح فهو مشكل على اصطلاحه، لأنه قد ذكر في كتاب العلل من جامعه (٢): أنَّه يريد بالحسن ما ليس في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون شاذا، ويروى مع ذلك من غير وجه. والصحيح عنده وعند غيره: ما رواه العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه. ثم إن الترمذي كثيرًا ما يقول في كتابه: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وهذا ينافي اشتراطه في الحسن أن يكون قد روي من غير وجه. والذي أجيب عن قول الترمذي حديث حسن صحيح فيما يُعلم وجهان:

стр. 208

أحدهما: أن معناه أنَّه حسن بإسناد صحيح بإسناد آخر، وما ذكرناه (أ) من قوله: حسن صحيح غريب يبطل هذا الجواب. والثاني: أن قوله: حسن، يريد به الحسن اللغوي، وهو ما يوافق القلب، وتهواه النفس وهو باطل بأنَّ الترمذي فسَّر الحسن بغير ذلك وهو ما ذكرناه، وبأن من أحاديثه (ب) ما ليس حسنا باعتبار اللغة نحو "من نوقش الحساب عذب" (١) وأشباهه من نصوص الوعيد فإنها لا توافق القلب ولا تهواها النفس، بل تجد منها كربا وألما من الخوف. والصواب في ذلك ما أشار إليه بعض العلماء، وهو أن الحسن قسم من الصحيح، لكن ليس قسيمه (٢).

стр. 209

قلت: وبيانه أن مدار الرواية على عدالة الراوي، وضبطه، فإن كان مبرزًا فيهما كشعبة وسفيان ويحيى القطان ونحوهم فحديثه صحيح، وإن كان دون المبرز فيهما، أو في أحدهما، لكنه عدل ضابط بالجملة فحديثه حسن، هذا أجود ما قيل في هذا المكان. واعلم أن العدالة والضبط إما أن ينتفيا من (أ) الراوي، أو يجتمعا فيه جميعا، أو توجد فيه العدالة وحدها، أو الضبط وحده، فإن انتفيا منه (ب) لم يقبل حديثه أصلا، وإن اجتمعا فيه قبل، وهو الصحيح المعتبر، وإن وجدت فيه العدالة دون الضبط قُبِلَ حديثه لعدالته، ويُوْقَفُ فيه -لعدم ضبطه- على شاهد منفصل، يجبر ما فات من صفة الضبط، وإن وجد فيه الضبط دون العدالة لم يقبل حديثه لأن العدالة هي الركن الأكبر في الرواية، ثم كل واحد من العدالة والضبط له مراتب عليا ووسطى ودنيا، ويحصل بتركيب بعضها مع بعض مراتب الحديث (جـ) مختلفةً في القوة (١) والضعف، ظاهرةً مما ذكرناه. واعلم أن نسخ الترمذي تختلف في التحسين والتصحيح (٢)، ففي بعضها

стр. 210

يوجد حديث حسن، وفي بعضها حسن صحيح، وفي بعضها حسن غريب، وفي بعضها حسن صحيح غريب، أعني في بعض أحاديثه هذا وغيره، وذلك بحسب اختلاف الرواة عنه لكتابه والضابطين له، والله أعلم بالصواب.

стр. 211

الحديث التاسع عشر: عن أبي العباس عبد الله بن عباس ﵄ قال: كنت خلف رسول الله ﷺ يومًا فقال: يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسئل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفّت الصحف. رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح (١)، وفي رواية غير الترمذي "احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا" (٢). الكلام في لفظه ومعناه. فأما لفظه: فقوله: "كنت خلف النبي ﷺ " أي: على دابة فرس أو بعير أو غيره، كذلك جاء في بعض الروايات، وشبيه (١) به قول معاذ: كنت ردف النبي ﷺ (٣)، وفيه جواز الإرداف على الدابة.

стр. 212

وقوله: "يا غلام" هو بضم الميم لأنه نكرة مقصودة، وكان ابن عباس ﵄ حينئذ غلامًا لأن النبي ﷺ توفي وله عشر سنين. وتجاهك وأمامك بفتح الهمزة: قدامك يلي وجهك، وأصل تُجاه وُجاه بضم الواو وكسرها قلبت واوها تاء كما في تراث وتخمة وتُكَأَة وتهمة. وجفَّت الصحف، بالجيم: أي: فرغ من الأمر وجفَّت كتابته لأن الصحيفة حال كتابتها لا بد أن تكون رطبة المداد أو بعضه، بخلاف ما إذا فرغ منها. تعرَّف إلى الله بتشديد الراء، أي: تحبب إليه بالطاعة حتَّى يعرفك في الرخاء مطيعا، فإذا وقعت في الشدة عرفك بالطاعة، فجعلك ناجيا. وأما معناه فقوله: "إني أعلمك كلمات" هو مقدمة يسترعي (أ) بها سَمْعَهُ ليفهم ما يسمع ويقع منه بموقع. وقوله: "احفظ الله يحفظك" أي: احفظ الله بالطاعة يحفظك بالرعاية. "احفظ الله تجده تجاهك": أي: أمامك يراعيك في أحوالك، وهذا في معنى الَّذي قبله وتأكيد له، وهذا يشبه قوله ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [سورة البقرة: ١٥٢] أي: أذكروني بالطاعة، أذكركم بالمغفرة والرعاية. وقوله: "إذا سألت فاسئل الله" هو كقوله ﴿وَسْئَلُوا اللهَ

стр. 213

مِنْ فَضْلِهِ﴾ [سورة النساء: ٣٢] ومعناه وحد الله في السؤال، فإن خزائن الوجود بيده، وأمرها (أ) إليه لا معطي ولا مانع سواه. قوله: "وإذا استعنت فاستعن بالله" أي: وحده في الاستعانة به إذ لا معين غيره. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قدَّم المفعول ليفيد الاختصاص. قوله: "واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء" إلى آخره هو راجع إلى قوله ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ الآية. والمعنى وحد الله في لحوق الضر (ب) والنفع، فهو الضار النافع ليس لأحد معه في ذلك شيء. وبيانه أن أزمَّة الموجودات بيده منعًا وإطلاقا، فإذا أراد زيد مثلًا ضُرَّ (جـ) عمرو بما لم يكتب عليه صَدَّ الله ذلك الضُّرَّ عنه بأن يمنع زيدا من مراده بمرض أو بشغل أو نسيان أو صرف قلب أو نحوه، أو بأن يعارض فعل زيد ما يبطله ويَرُدَّهُ، مثاله: لو أراد زيد أن يرمي عمرًا بسهم وأراد الله دفع كيده (د) فإما أن يمنع زيدًا من الرمي بأن يضعفه عن مَدِّ القوس ونحوه، أو

стр. 214

يعارض سهمه. مما يَرُدَّ ضرره مثل أن يرسل عليه ريحا عاصفة (أ) تشوش حركته وتميل به عن سمته فيخطئه. وإذا أردت أن تعرف تصاريف الأقدار في الوجود فانظر إلى رقعة الشطرنج كيف بعض أقطاعها (ب) تحمي بعضها، وبعضها يقتل بعضا، كذلك أسباب المقادير في الوجود بعضها يمنع وصول الشر إلى زيد، وبعضها يوصله إلى عمرو، ومصائب قوم عند قوم فوائد. ولعلك تستغرب هذا فإن (جـ) نظرته وجدته كما ذكرت. وقوله: "كتب الله لك، وكتبه عليك" سبق في حديث الصادق المصدوق "يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد". وقوله: "رفعت الأقلام": أي: تركت الكتابة بها لفراغ الأمر وإبرامه كما سبق في "وجفَّت الصحف". وقوله: "وما أخطأك لم يكن ليصيبك" إلى آخره يرجع إلى قوله ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [سورة الحديد: ٢٢] أي: قد فرغ مما أصابك، أو أخطأك من خير أو شر، فما أصابك كانت إصابته لك محتومة فلا يمكن أن يخطئك، وما أخطأك فسلامتك منه لك محتومة فلا يمكن أن يصيبك، لأن ذلك كالسهام

стр. 215

الصائبة وُجِّهت من الأزل فلا بد أن تقع مواقعها. واعلم أن كل أمر بالنسبة إلى كل إنسان فهو لذاته جائز أن يصيبه، وأن يخطئه على جهة الإمكان الخاص، وإنما تعين في بعض الأمور إصابة الشخص، وفي بعضها خطؤه له بتعلق الإرادة والعلم الأزليين بذلك، فقتل عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب مثلًا هو لذاته كان جائزا أن يصيبهم، وأن لا يصيبهم، وإنما تعين وتحتم وقوعه بتخصيص الإرادة وتعلق العلم الأزليين بذلك. وإذا تعلق علم الله بوقوع الممكن أو عدم وقوعه فهل يبقى خلاف ما تعلق به العلم مقدورًا؟ فيه قولان للمتكلمين (١) حكاهما الإمام فخر الدين الرازي (٢) في نهاية العقول. قوله: "إن النصر مع الصبر، وإن الفرج مع الكرب" اعلم أن هذه المعية تؤخذ تارة بالنظر إلى العلم الأزلي، وتارة بالنظر إلى الوجود الحقيقي الخارج، فإن (أ) أخذت بالنظر إلى العلم الأزلي كانت (مع) على أصلها في
следующие страницы →