← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18568

التعيين في شرح الأربعين

الطوفي

Полный текст (391 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الحديث التاسع عشر: عن أبي العباس عبد الله بن عباس ﵄ قال: كنت خلف رسول الله ﷺ يومًا فقال: يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسئل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفّت الصحف. رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح (١)، وفي رواية غير الترمذي "احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا" (٢). الكلام في لفظه ومعناه. فأما لفظه: فقوله: "كنت خلف النبي ﷺ " أي: على دابة فرس أو بعير أو غيره، كذلك جاء في بعض الروايات، وشبيه (١) به قول معاذ: كنت ردف النبي ﷺ (٣)، وفيه جواز الإرداف على الدابة.

стр. 212

وقوله: "يا غلام" هو بضم الميم لأنه نكرة مقصودة، وكان ابن عباس ﵄ حينئذ غلامًا لأن النبي ﷺ توفي وله عشر سنين. وتجاهك وأمامك بفتح الهمزة: قدامك يلي وجهك، وأصل تُجاه وُجاه بضم الواو وكسرها قلبت واوها تاء كما في تراث وتخمة وتُكَأَة وتهمة. وجفَّت الصحف، بالجيم: أي: فرغ من الأمر وجفَّت كتابته لأن الصحيفة حال كتابتها لا بد أن تكون رطبة المداد أو بعضه، بخلاف ما إذا فرغ منها. تعرَّف إلى الله بتشديد الراء، أي: تحبب إليه بالطاعة حتَّى يعرفك في الرخاء مطيعا، فإذا وقعت في الشدة عرفك بالطاعة، فجعلك ناجيا. وأما معناه فقوله: "إني أعلمك كلمات" هو مقدمة يسترعي (أ) بها سَمْعَهُ ليفهم ما يسمع ويقع منه بموقع. وقوله: "احفظ الله يحفظك" أي: احفظ الله بالطاعة يحفظك بالرعاية. "احفظ الله تجده تجاهك": أي: أمامك يراعيك في أحوالك، وهذا في معنى الَّذي قبله وتأكيد له، وهذا يشبه قوله ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [سورة البقرة: ١٥٢] أي: أذكروني بالطاعة، أذكركم بالمغفرة والرعاية. وقوله: "إذا سألت فاسئل الله" هو كقوله ﴿وَسْئَلُوا اللهَ

стр. 213

مِنْ فَضْلِهِ﴾ [سورة النساء: ٣٢] ومعناه وحد الله في السؤال، فإن خزائن الوجود بيده، وأمرها (أ) إليه لا معطي ولا مانع سواه. قوله: "وإذا استعنت فاستعن بالله" أي: وحده في الاستعانة به إذ لا معين غيره. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قدَّم المفعول ليفيد الاختصاص. قوله: "واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء" إلى آخره هو راجع إلى قوله ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ الآية. والمعنى وحد الله في لحوق الضر (ب) والنفع، فهو الضار النافع ليس لأحد معه في ذلك شيء. وبيانه أن أزمَّة الموجودات بيده منعًا وإطلاقا، فإذا أراد زيد مثلًا ضُرَّ (جـ) عمرو بما لم يكتب عليه صَدَّ الله ذلك الضُّرَّ عنه بأن يمنع زيدا من مراده بمرض أو بشغل أو نسيان أو صرف قلب أو نحوه، أو بأن يعارض فعل زيد ما يبطله ويَرُدَّهُ، مثاله: لو أراد زيد أن يرمي عمرًا بسهم وأراد الله دفع كيده (د) فإما أن يمنع زيدًا من الرمي بأن يضعفه عن مَدِّ القوس ونحوه، أو

стр. 214

يعارض سهمه. مما يَرُدَّ ضرره مثل أن يرسل عليه ريحا عاصفة (أ) تشوش حركته وتميل به عن سمته فيخطئه. وإذا أردت أن تعرف تصاريف الأقدار في الوجود فانظر إلى رقعة الشطرنج كيف بعض أقطاعها (ب) تحمي بعضها، وبعضها يقتل بعضا، كذلك أسباب المقادير في الوجود بعضها يمنع وصول الشر إلى زيد، وبعضها يوصله إلى عمرو، ومصائب قوم عند قوم فوائد. ولعلك تستغرب هذا فإن (جـ) نظرته وجدته كما ذكرت. وقوله: "كتب الله لك، وكتبه عليك" سبق في حديث الصادق المصدوق "يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد". وقوله: "رفعت الأقلام": أي: تركت الكتابة بها لفراغ الأمر وإبرامه كما سبق في "وجفَّت الصحف". وقوله: "وما أخطأك لم يكن ليصيبك" إلى آخره يرجع إلى قوله ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [سورة الحديد: ٢٢] أي: قد فرغ مما أصابك، أو أخطأك من خير أو شر، فما أصابك كانت إصابته لك محتومة فلا يمكن أن يخطئك، وما أخطأك فسلامتك منه لك محتومة فلا يمكن أن يصيبك، لأن ذلك كالسهام

стр. 215

الصائبة وُجِّهت من الأزل فلا بد أن تقع مواقعها. واعلم أن كل أمر بالنسبة إلى كل إنسان فهو لذاته جائز أن يصيبه، وأن يخطئه على جهة الإمكان الخاص، وإنما تعين في بعض الأمور إصابة الشخص، وفي بعضها خطؤه له بتعلق الإرادة والعلم الأزليين بذلك، فقتل عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب مثلًا هو لذاته كان جائزا أن يصيبهم، وأن لا يصيبهم، وإنما تعين وتحتم وقوعه بتخصيص الإرادة وتعلق العلم الأزليين بذلك. وإذا تعلق علم الله بوقوع الممكن أو عدم وقوعه فهل يبقى خلاف ما تعلق به العلم مقدورًا؟ فيه قولان للمتكلمين (١) حكاهما الإمام فخر الدين الرازي (٢) في نهاية العقول. قوله: "إن النصر مع الصبر، وإن الفرج مع الكرب" اعلم أن هذه المعية تؤخذ تارة بالنظر إلى العلم الأزلي، وتارة بالنظر إلى الوجود الحقيقي الخارج، فإن (أ) أخذت بالنظر إلى العلم الأزلي كانت (مع) على أصلها في

стр. 216

اقتضاء المقارنة والمصاحبة لأن النصر والصبر مقترنان في تعلق العلم الأزلي بهما، أي: لم يكن نفس تعلقه بأحدهما بعد الآخر، وإن تعلق بأن أحدهما سيقع بعد الآخر، مثاله: لو أطلقنا سهمين في مدة واحدة ثم وقعا الأرض متعاقبين، وهذا كلام متحقق فلا تظنه متناقضًا، وإن أخذت بالنظر إلى الوجود الحقيقي، أعني وقوع الصبر والنصر، كانت (مع) بمعنى بعد، أي: أن النصر بعد الصبر، والفرج بعد الكرب، لأن بينهما تضادًا أو شبيها به فلا يتصور أحدهما مع الآخر مقارنة، إنما يكون أحدهما بعد الآخر، ويحتمل تخريج (مع) على بابها أيضًا بأن آخر أوقات الصبر أول أوقات النصر، فقد حصلت المعية والاقتران بينهما في آخر أوقات الصبر إذ هو بينهما مشترك. "وإن مع العسر يسرا" هذا نص القرآن، والكلام في (مع) فيه كما سبق. وجاء عن ابن عباس أنَّه قال: لن يغلب عسر يسرين (١)، يشير إلى قوله ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ فَنَكرَ اليُسر، وَعَرَّفَ العسر، والمُنَكر متعدد، والمُعَرَّفُ متحد بناء على أن اللام فيه للمعهود السابق نحو ﴿أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [سورة المزمل: ١٥، ١٦]. واعلم أنَّا إذا ذكرنا اسمين لفظهما ومعناهما واحد أحدهما بعد الآخر،

стр. 217

فإما أن يكونا معرفتين، أو نكرتين (أ)، أو أحدهما معرفة والآخر نكرة، فهي أربعة أقسام: أحدهما: أن يكونا معرفتين نحو لقيت الرجل، فقلت للرجل فكلاهما راجع إلى معهود سابق. الثاني: أن يكونا نكرتين نحو لقيت رجلا، فقلت لرجل، فالثاني غير الأول. الثالث: أن يكون الأول معرفة فقط نحو لقيت الرجل، فقلت لرجل، فكالذي قبله. الرابع: عكس الثالث نحو لقيت رجلا فقلت للرجل فالثاني هو الأول، وهذا مع تجرد الكلام عن قرينه، فإن كان هناك قرينة تدل على خلاف ما ذكرناه فهو من خاص دلالتها. وهذا الحديث أصل في رعاية حقوق الله تعالى والتفويض لأمر (ب) الله . ويقال: إن العبد إذا تعرف إلى الله بالطاعة في الرخاء، ثم دعا في الشدة، قال الله تعالى هذا صوت أعرفه، وإذا لم يكن متعرفا إليه قال: هذا صوت لا أعرفه، دعوه، أو كما قيل. والله أعلم بالصواب.

стр. 218

الحديث العشرون: عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ إن مما أدركه الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت. رواه البخاري (١). قلت: أبو مسعود البدري لم يشهد بدرًا، وإنما سكنها، أو نزلها مرة فنسب إليها (٢)، وشبه هذا أبو سعيد المقبري كان ينزل المقبرة (أ) أو يكثر غشيانها فنسب إليها (٣)، ويزيد الفقر كان من رجال الصحيح لم يكن فقيرا من المال إنما انكسر فقاره فقيل له: الفقير، وفلان الضال لم يضل في دينه بل في طريق مكة. وقوله: "فاصنع ما شئت" هل هو أمر تهديد، أو أمر إباحة؟ فيه قولان (ب): أحدهما: أنَّه أمر تهديد نحو ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾. وقوله ﷺ لبشير أبي النعمان والد نعمان: "اشهد على هذا

стр. 219

غيري" (١) والمعنى على هذا إذا نزع منك الحياء فافعل ما شئت، فإن الله يجازيك عليه، ويكون هذا تعظيمًا لأمر الحياء، وتثبيتا (أ) لموضعه عند فقده. والثاني: أنَّه أمر إباحة، أي: إذا أردت فعل شيءٍ فإن كان مما لا يستحى من الله ولا من الناس في فعله فافعله، وإلا فلا. قال الشيخ: وعلى هذا مدار الإسلام. قلت: لأن أفعال الإنسان جميعها إما ما يستحى منه أو ما لا يستحى منه، فالأول: يشمل الحرام والمكروه وتركهما هو المشروع. والثاني: يشمل الواجب والمندوب والمباح وفعلها مشروع في الأولين، جائز في الثالث، وهذه هي أحكام الأفعال الخمسة تضمنها الحديث لم يشذَّ منها شيء، فثبت أن عليه مدار الإسلام. وقال بعضهم: معناه إذا لم تستح (ب) صنعت ما شئت، وهو خبر، معناه: إن عدم الحياء يوجب الاستهتار والانهماك في هتك الأستار. وقد ثبت أن الحياء شعبة من الإيمان (٢). وقال ﷺ : "إن الحياء لا يأتي إلا بخير" (٣) وقال: "استحوا (جـ) من

стр. 220

الله حق الحياء" (١). وهذا الحديث شبيه بقوله ﷺ : "الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس" (٢) والله أعلم بالصواب.

стр. 221

الحديث الحادي والعشرون: عن أبي عمرو، وقيل أبي عمرة، سفيان بن عبد الله ﵁ قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدا غيرك، قال: قل آمنت بالله ثم استقم. رواه مسلم (١). عمرة تأنيث عمرو، ومنه عمرة بنت رواحة أم النعمان بن بشير، وعمرة بنت عبد الرحمن التي تروي عن عائشة. وسفيان مثلث السين. وقوله: "قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك" أي: قولًا لا احتاج معه إلى سؤال غيرك. وقوله: "قل آمنت بالله ثم استقم" هذا مقتضب من قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [سورة فصلت الآية: ٢٠] فقوله: "آمنت بالله" هو بمعنى قوله ﴿رَبُّنَا اللَّهُ﴾ إذ لا يعتقد ربوبيته إلا من آمن به. وهذا (أ) على اختصاره من أجمع الأحاديث لأصول الإسلام، إذ الإسلام توحيد وطاعة، فالتوحيد حاصل بقوله: "آمنت بالله" والطاعة حاصلة بجميع أنواعها في ضمن قوله: "استقم" لأن الاستقامة هي امتثال كل مأمور، واجتناب كل محظور، وذلك يدخل فيه أعمال القلوب والأبدان من الإيمان والإسلام والإحسان.

стр. 222

وروى أن النبي ﷺ قال: "شيبتني هود وأخواتها" (١) وإنما أهمَّه أمر هود لأن فيها قوله ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [سورة هود: ١١٢] فهي كلمة جامعة لجميع أنواع التكاليف وفي التنزيل ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [سورة فصلت: ٦] والله أعلم بالصواب.

стр. 223

الحديث الثاني والعشرون: عن أبي عبد الله جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ فقال: أرأيت إذا صليت المكتوبات وصمت رمضان وأحللت الحلال وحرَّمت الحرام ولم أزد على ذلك شيئًا أأدخل الجنّة؟ قال: نعم. رواه مسلم (١). ومعنى حرمت الحرام: اجتنبته، ومعنى أحللت الحلال: فعلته معتقدًا حلّه والله أعلم. جابر بن عبد الله بن حرام الأنصاري قتل أبوه عبد الله يوم أحد، وجابر من المكثرين من (أ) الرواية. وقوله: "أرأيت" حقيقته همزة الاستفهام، ودخلت على رأيت، وهي بمعنى ترى من رؤية القلب كأنه قال: أترى وتقضي بأني إذا فعلت هذه الأفعال أدخل الجنّة؟ ولعله إنما اقتصر من العبادات على الصلاة والصوم ولم يذكر الحج، لأنَّ الحجَّ لم يكن فرض كما سبق في حديث ابن عمر (٢)، أو أنَّه أدرجه في تحليل الحلال وتحريم الحرام لأن ترك الحج وغيره من الواجبات حرام فتناوله تحريم الحرام. ومعنى أحللت الحلال: اعتقدت حله سواء فعله أو لم يفعله.

стр. 224

ومعنى حرمت الحرام: اجتنبته معتقدًا تحريمه، وتحليل الحلال وتحريم الحرام كلام جامع لأصول الدين وفروعه لأن أحكام الشرع إما قلبية أو بدنية، وعلى التقديرين إما أصلية أو فرعية، فهي أربعة بحسب القسمة، ثم جميعها إما مأذون فيه وهو الحلال، أو ممنوع منه وهو الحرام، واللام في الحلال والحرام للاستغراق فإذا أحَلَّ كل حلال، وحرَّم كل حرام، فقد أتى بجميع وظائف الشرع، وذلك مستقل بدخول الجنّة إن شاء الله تعالى. والله أعلم بالصواب.

стр. 225

الحديث الثالث والعشرون: عن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن، أو تملأ ما بين السموات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها، أو موبقها. رواه مسلم (١). الطهور بفتح الطاء ما يتطهر به من مائع أو حامد، وبضمها هو التطهر به، وهو المراد هاهنا (٢). وقال المصنف: المراد بالطهور الوضوء. قلت: وهو أعم من ذلك، إذ يشمل الوضوء والغسل وغيرهما. ثم في قوله: "الطهور شطر الإيمان" أقوال: ذكرها المصنف: أحدها: أنَّه ينتهى تضعيف ثوابه إلى نصف أجر الإيمان. الثاني: أن الإيمان يَجُبُّ ما قبله من الخطايا، وكذلك الوضوء، لكن الوضوء تتوقف صحته على الإيمان فصار نصفا، أي: لأن الوضوء يحتاج إلى نيَّة، والنِّيَّة لا تصح من الكافر والله أعلم.

стр. 226

الثالث: أن المراد بالإيمان الصلاة، والطهور شرط لصحتها فصار كالشطر. قلت: يشهد لهذا قوله ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [سورة البقرة: ١٤٣] أي: صلاتكم (أ) إلى بيت المقدس قبل أن تفرض الصلاة إلى الكعبة وتحت هذا كلام طويل ليس هذا محله. قال المصنف: وقيل: معناه غير ذلك. قلت: الإيمان شرط لصحة الصلاة باطن، والطهور شرط لها ظاهر، فاقتسماها بالشرطية أشبه افتِسَامَهُمَا لها بالشَّطريَّة. قوله: "والحمد لله تملأ الميزان" أي: ثوابها يملأ الميزان خيرًا، ولعل السبب المناسب لذلك أن اللام في الحمد لله للاستغراق، وجنس الحمد الَّذي يجب لله ويستحقه يملأ الميزان فكذا ثوابه. وهذا الحديث ظاهر في ثبوت الميزان في المعاد حقيقة خلافًا للمعتزلة أو بعضهم إذ قالوا: إن الميزان الوارد ذكره في الكتاب والسنة كناية عن إقامة العدل في الحساب، لا أنَّه ميزان حقيقة ذو كفَّتين ولسان، كما يقال: يد فلان ميزان، والظواهر (ب) في إثبات كونه حقيقة مع أهل السنة. وقد قيل للنبي ﷺ : أين نجدك يا رسول الله في القيامة؟ قال: "عند الحوض أو الصراط أو الميزان" (١) وهو كما تراه ظاهر فيما ذكرناه.

стр. 227

قوله: "وسبحان الله والحمد لله تملآن، أو تملأ ما بين السموات والأرض" أقول: إن هذا التردد في تملآن، وتملأ شك من بعض الرواة، وكلا الأمرين جائز لغة لأن سبحان الله والحمد لله جملتان في اصطلاح النحاة، ويطلق (أ) عليهما كلمة عند أهل اللغة كما يسمون الخطبة والقصيدة والرسألة كلمة، ويقولون: قال فلان في كلمته، فإن كانت الرواية سبحان الله والحمد لله تملآن فباعتبار كونهما (ب) جملتين اصطلاحًا، وإن كانت تملأ فباعتبار أنهما كلمة لغة. ومعنى سبحان الله: نزهت الله عما لا يليق به، وسبحان الله علم على معنى التنزيه، قال الشاعر (١): سُبْحَان ذِي العَرْشِ سُبْحَانًا يَدُوْمُ لَهُ ... وَقَبْلُ سَبَّحَهُ الجُوْدِيُّ وَالجُمُدُ قال المصنف: ومعناه أن ثوابهما لو قدر جسما لملأ ما بين السماء والأرض وسببه ما اشتملتا عليه من التنزيه والتفويض إلى الله تعالى. قلت: أما التنزيه فظاهر من سبحان الله، وأما التفويض إلى الله فلعله مأخوذ من عموم الحمد لله، إذ يقتضي عموم الحمد على كل حال من السراء والضراء، وذلك رضى وتفويض. قوله: "والصلاة نور" ذكر الشيخ فيه أقوالًا:

стр. 228

أحدها: أن الصلاة تمنع من المعاصي، وتنهى عن الفحشاء، وتهدي إلى الصواب، فهي نور بهذا الاعتبار. والثاني: أن ثوابها يكون نورًا لصاحبها يوم القيامة. الثالث: أنها سبب في استنارة القلب. قلت: الأقوال الثلاثة صحيحة، ويجوز أن يكون جميعها مرادة. قوله: "والصدقة برهان" ذكر المصنف فيه قولين: أحدهما: أنها حجة لصاحبها في أداء حق المال. الثاني: أنها حجة في إيمان صاحبها لأن المنافق لا يفعلها غالبًا. قلت: البرهان هو الحجة المركبة من مقدمات قاطعة (١)، وهو حاصل هاهنا فإنه يقال مثلًا: فلان يؤدي الزكاة، وكل من أدى الزكاة فقد أدَّى حقَّ المال، ففلان أدَّى حقَّ المال، أو يقال: فلان أدَّى الزكاة طيبة بها نفسه، وكل من أدَّى الزكاة طيبة بها نفسه فهو مؤمن، ففلان مؤمن. قوله: "والصبر ضياء" قال الشيخ أي: الصبر المحبوب، وهو الصبر على طاعة الله تعالى، والبلاءِ ومكارهِ الدنيا، وعن المعاصي، ومعناه لا يزال صاحبه مستضيئا مستمرا على الصواب.

стр. 229

قلت: يحتمل وجهين: أحدهما: أن ثواب الصبر ضياء ونور في الآخرة. والثاني: أن أثر الصبر على الطاعات وعن المعاصي نور (أ) القلب واستضاءتُهُ (ب) بالحق، وشاهده في قياس العكس ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [سورة المطففين: ١٤] أي: أن المعاصي سوَّدت قلوبهم وصيَّرتها مظلمة سوداء، لما ورد أن الشخص إذا أذنب ذنبًا انتكت في قلبه نكتة سوداء، فإذا أذنت الثاني انتكت كذلك، ولا يزال كلما أذنب ذنبا انتكت نكتة إلى أن يسودَّ القلب كله، والعياذ بالله فيصير أسود مظلما. فهذا معنى ما قلنا من أن المعاصي تُسَودُ القلب. فإن قلت: لم جعل الصلاة نورا والصبر ضياء، وهل بينهما فرق؟. قلت: أما الفرق بين النور والضياء فقد قيل: إن الضياء أعظم وأبلغ من النور بدليل قوله ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [سورة يونس: ٥] والشمس أعم وأعظم نورًا من القمر، ولذلك قال الله ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ [سورة البقرة: ١٧] ولم يقل بضيائهم لأن نفي الأعم أبلغ. وأورد على هذا قوله ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة النور: ٣٥] ولم يقل ضوءهما ولا ضياءهما ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ

стр. 230

رَبِّهِا﴾ [سورة الزمر: ٦٩] ولم يقل بضوء ربها. وأجيب بأن معنى الآية: الله نَوَّر السموات والأرض. وأورد عليه أن السؤال باق، ولم يقل: مضيء أو يضئ السموات والأرض. فأجيب بأن النور أعمَّ وأشمل لأنه ليلا ونهارًا، والضوء ليس إلا نهارًا (أ) بالشمس، على أن المراد بنور السموات والأرض هادي أهلهما، وإنما جرت العادة لغة وشرعًا أن يقال: نور الهداية لا ضوء الهداية وبذلك استعمل في الكتاب والسنة نحو ﴿يُخْرِجَهُمْ مِنَ الْظُّلُمَاتِ إِلَى الْنُّورِ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٧] ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [سورة النور: ٤٠]. أما قوله ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبْهِا﴾ ولم يقل بضوء ربها، فيجاب عنه بأن الضوء كالوصف الزائد على النور، وإنما يحتاج إلى النور المخلوق الناقص، أما نور الله فهو قديم كامل لذاته لا يحتاج إلى معنى زائد يضيء به، كما أن القديم لذاته لم يحتج إلى علة توحده، ويحتمل أن المعنى أشرقت الأرض بنور ملائكة ربها، أو بنور عدل ربها بدليل أن الأرض لو أشرق عليها نور الرب ﷻ لاضطربت وتصدعت كالجبل لما تجلَّى له، ولا يلزم من نور الملائكة والعدل أن يكون ضوءًا. وبالله التوفيق. وأما لم جعل الصلاة نورًا والصبر ضياء، فلأن الصبر أخص من الصلاة

стр. 231

لاشتماله على الصلاة وغيرها من الطاعات، أو تعلقه بذلك إذ هو حبس النفس على الطاعة، وعن المعصية فكان جعله الضياء الَّذي هو أخص من النور أولى به، ولأن الله قال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [سورة البقرة: ٤٥] والتقديم للأهم فالأهم. وقال الله ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [سورة السجدة: ٢٤] ولم يقل لما صلوا. وقال ﷺ : "ما أعطي أحد خيرًا وأوسع عطاء من الصبر" (١). وقال الله ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [سورة الزمر: ١٠] ولم يأت ذلك لغيرهم. قوله: "والقرآن حجة لك أو عليك" يعني إن عملت به واهتديت بأنواره كان حجة لك، وإن أعرضت عنه كان حجة عليك. وفي الحديث: "القرآن شافع مشفع، وما حل مصدق، من قدمه أمامه قاده إلى الجنّة، ومن جعله وراءه دفع في قفاه إلى النار" (٢) ذكر معناه ابن الأنباري (٣). وإنما تقوم الحجة بالقرآن لمن اتبعه عملًا، وإن حَفِظَهُ تَذَكرَهُ وتَعَاهَدَهُ تلاوةً.

стр. 232

قوله: "كل الناس يغدو" إلى آخره، أي: يسعى، فمنهم من يبيع نفسه بطاعة الله فيعتقها من العذاب، ومنهم من يبيعها للشيطان بطاعته فيوبقها، أي: يهلكها بسخط الله ، أعاذنا الله من ذلك. والله أعلم بالصواب.

стр. 233

الحديث الرابع والعشرون: عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه أنَّه قال: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أُدْخِلَ البَحْرَ، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله تعالى، ومن وجد شرًّا فلا يلومن إلا نفسه. رواه مسلم (١). القول في لفظه ومعناه. أما لفظه فقوله: "لا تظالموا" بفتح التاء أصله لا تتظالموا.

стр. 234

وقوله: "تخطئون بالليل والنهار" ضبطه بعض الفضلاء بفتح التاء والطاء على وزن تفترون من الافتراء، وقال: لم أخطأ يخطيء رباعى إذا فعل عن غير قصد، وخَطِيء يَخْطَأُ وزن عَلِمَ يَعْلَمُ ثلاثيا إذا فعل عن قصد، ومنه ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾. قال: وإنما وجب أن يكون هاهنا تَخطئون ثلاثيا لأنه جعله ذنبا يغفر لقوله: "وأنا أغفر الذنوب جميعًا" والخطأ عن غير قصد معفو عنه ولا يعتد به ذنبًا أصلا ولا غيره، لقوله ﷺ : "عفى لأمتي عن الخطأ والنسيان" (١). وينقص يستعمل لازمًا نحو نقص المال، ومعتديا نحو نقصتُ زيدًا حقَّه. وينقص المَخِيَطُ هاهنا متعد لأن محل من البحر نصب به (٢). والمخيط الإبرة ونحوها وهو بكسر الميم وسكون الخاء وفتح الياء وهو من الآلات فلذلك كسر أوَّله. وأما معناه فقوله: "إني حرمت الظلم على نفسي". قال الشيخ: إني تقدست عنه، فالظلم مستحيل في حق الله لأنه مجاوزة الحد، أو التصرف في غير ملك، وهما جميعا محال في حق الله .

стр. 235

قلت: هذا قول الجمهور (١)، وقد ذهب قوم إلى أن الله قادر على الظلم، وهو متصور منه، لكنه لا يفعله عدلًا منه، وتنزها عنه، واحتجوا بقوله ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [سورة ق: ٢٩] وهو تمدح بنفي الظلم، والحكيم (أ) لا يمتدح إلا بما يقدر عليه، ويصح منه، ولو قال الأعمى: إني لا أنظر إلى المحرمات على جهة التمدح (ب) لضحك منه الناس، وقالوا: شيء لا يقدر عليه، كيف يتمدح بتركه، وأيضًا قوله: "إني حرمت الظلم

стр. 236

على نفسي" حقيقته أني منعت نفسي منه، وإنما يمنع الحكيم نفسه مما يقدر على فعله، ولو قال آدمي: إني منعت نفسي من صعود السماء لسخر منه كذلك، ولأن الله عامل عباده معاملة المستأجر مع الأجراء (أ) حيث قال لأهل الكتاب: هل ظلمتكم من أجوركم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء. والمستأجر يصح منه ظلم الأجراء، ولأن ترك الظلم مع إمكانه والقدرة عليه، أمدح من تركه مع استحالته والعجز عنه، كما أن ترك الفحل الزنا أمدح له بالعفاف من ترك الخصي والعنين له. وقوله: "وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا" أصله تتظالموا فحذفت إحدى التاءين تخفيفا، أي: حرمته عليكم ومنعتكم منه شرعا. والظلم لغة وضع الشيء في غير موضعه، وشرعا التصرف في غير ملك، أو في ملك الغير، (فلا تظالموا) أي: فلا يظلم بعضكم بعضًا. ويحتج بهذا أهل القدر، ووجه الحجة أنَّه نهى عن الظلم، فلو كان خالقًا له لكان ناهيًا عما خلق، وهو باطل. وجوابه بمنع بطلانه، فإن لله في خلقه تصريفين ظاهرًا وباطنا، فبتصريفه للظاهر (ب) ينهى عنه شرعًا، وبتصريفه للباطن (جـ) يقضي به ويخلقه حقيقة، وهو الأول والآخر والظاهر والباطن. قوله: "كلكم ضال إلا من هديته" هذا كقوله ﴿مَنْ يَهْدِ

стр. 237

اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ [سورة الأعراف: ١٧٨] ونحوها ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ ولبيان ذلك أنَّه خلق النفوس بقواها وطباعها وما أرصد لها من الأهواء والشياطين، مائلة إلى الضلال، فمن أراد ضلاله أرسله على سجيته وتخلى عنه، ومن أراد هدايته عارضه بأسباب الهدى فصده عن الضلال فاهتدى. ومثال (أ) ذلك راع له إبل عطاش أو جياع فهي بداعيتها تهوي إلى موارد الهلكة ومراتع الغرة إلا ما عارضه الراعي فصدَّه عن ذلك، وفي التنزيل ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة يونس: ٢٥]. "فاستهدوني" أي: اسألوني (ب) الهداية، واعلموا واعتقدوا أنها لا تكون إلا من فضلي وبأمري "أهدكم". قوله: "كلكم جائع إلا من أطعمته" وذلك لأن الناس عبيد، لا يملكون شيئًا، وخزائن الرزق بيد الله ، فمن لا يطعمه بفضله بقي جائعًا بعدله (جـ)، إذ ليس عليه إطعام أحد. فإن قلت: كيف هذا مع قوله ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [سورة هود: ٦]. قلنا: هذا التزام منه تفضلا، لا أن عليه للدابة حقًّا بالأصالة، ويشبه (د)

стр. 238

هذا قوله ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [سورة النساء: ١٧] الآية: أي: ذلك واجب منه تفضلًا التزاما، لا عليه لزوما. فإن قيل: كيف نسب (أ) الإطعام إلى الله ونحن نشاهد الأرزاق مرتبة على هذه الأسباب الظاهرة من الحرف والصناعات وأنواع الاكتسابات؟. قلنا: هو المقدر لتلك الأسباب الظاهرة بقدرته وحكمته الباطنة، فالجاهل محجوب بالظاهر عن الباطن، والعارف محجوب بالباطن عن الظاهر. وفي بعض الحكمة: ابن آدم أنت أسوأ بربك ظنا حين كنت أكمل عقلًا لأنك تركت الحرص جنينا محمولًا ورضيعًا مكفولًا، ثم ادَّرَعْتَهُ عاقلا قد أصبت رشدك وبلغت أشدَّك. معناه عن عيسى بن مريم. "فاستطعموني" أي: سلوني الطعام "أطعمكم" أي: بتقدير أسبابه وتيسير طِلَابه واسألوا الله من فضله. واعلم أن العالم جماده وحيوانه مطيع لله طاعة العبد لسيده، فكما أن السيد يقول لعبده: أعط فلانًا كذا، وأهد لفلان كذا وتصدق على هذا الفقير بكذا، كذلك الله يُسَخِّرُ السحابَ فيسقي أرض فلان، أو البلد الفلاني، ويحرك قلب فلان لإعطاء فلان، ويخرج فلان إلى فلان بوجه من الوجوه لينال منه نفعا ونحو ذلك، وتصرفات الله في العالم عجيبة لمن تدبرها ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [سورة الذاريات: ٥٨].

стр. 239

قوله: "إنكم تخطئون بالليل والنهار" هذا من باب مقابلة الجمع بالجمع، أي: تصدر منكم الخطيئة (أ) ليلًا ونهارا، من بعضكم ليلا، ومن بعضكم نهارا، وليس (ب) كل عبد من العباد يخطئ بالليل والنهار، مع أنَّه غير ممتنع، فيجوز أن يكون مرادًا. وقوله في هذا الحديث متكررا: "يا عبادي" متناول للإماء، وهن النساء إجماعا، ولكن بقرينه التكليف. وقد قال الأصوليون: إن الخطاب إما بلفظ يخص الذكور كالرجال، أو يخص الإناث كالنساء فحكمه واضح، أو بلفظ يصلح لهما نحو من، والأناسي فيتناول القبيلين (جـ)، واختلف في نحو المسلمين والمؤمنين هل يتناول النساء أم لا؟ فالأشبه أنَّه لا يتناولهن وضعا، بل بقرينة أو عرف (١). قوله: "وأنا أغفر الذنوب جميعًا" هو كقوله : ﴿إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الْذُّنُوبَ جَمِيْعًا﴾ [سورة الزمر: ٥٣] وهو عام مخصوص بالشرك وما شاء الله أن لا يغفره، لقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. "فاستغفروني" أي: اطلبوا مني المغفرة "أغفر لكم" وجاء في الحديث

стр. 240

"لو أنكم لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم غيركم فيذنبون فيستغفرون فيغفر لهم" وأصل الغفر الستر، وغفرت المتاع سترته، والمغفر وقاية تستر (أ) الرأس في الحرب، وغفر الذنب ستره ومحو أثره وأمن عاقبته. قوله: "يا عبادي إنكم لم تبلغوا ضري فتضروني" إلى آخره. اعلم أن الإجماع والبرهان على أن الله منزه مقدس غني بذاته لا يلحقه ضرٌّ ولا نفع ولا يحتاج إلى ذلك، وظاهر هذا الحديث أن لضره ونفعه غاية لكن لا يبلغها العباد، وهذا الظاهر مؤول محمول على ما دلَّ عليه الإجماع من غناه المطلق، أو يكون من باب: ......................... ... وَلَا تَرَى الضَّبَّ بِهَا يَنْجَحِرْ (١) وقوله: عَلَى لَاحِبٍ لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِه (٢) ... ..........................

стр. 241

أي: لا ضب بها فينجحر، ولا منار له لم فَيُهتَدَى به، كذلك المعنى هاهنا، لا يتعلق بي ضر ولا نفع فتضروني أو تنفعوني، ولأن الحق ﷻ غنيٌّ مطلق، والعبد فقير مطلق ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ والفقير المطلق لا يملك ضرًّا ولا نفعًا خصوصا للغني المطلق. قوله: "لو أن أولكم وآخركم" إلى آخره، معناه إنَّ تقوى العالم بأجمعه لا يزيد في ملك الله شيئًا، وكذلك فجورهم لا ينقص من ملكه شيئًا، لأن ملك الله يرتبط (أ) بقدرته وإرادته، وهما دائمان لا انقطاع لهما، فكذلك ما ارتبط بهما، وإنما يفيد (ب) التقوى والفجور على أهلهما نفعا أو ضرًّا. قوله: "قاموا في صعيد واحد" أي: في أرض واحدة ومقام واحد "ما نقص ذلك من ملكي شيئًا" إلى آخره، لأن ملك الله بين الكاف والنون، إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن فيكون. وفي بعض الأثر: "عطائي كلام، ورضاي كلام" أو كما قال، إشارة إلى قوله: كن، فيكون. فإن قيل: هل يعقل ملك يعطى منه هذا العطاء العظيم ولا ينقص؟ قلنا: نعم كالنار والعلم يقتبس منهما ما شاء الله ولا ينقصان (جـ)، بل يزيد العلم على البَذْل.

стр. 242

وفي الحديث "يد الله ملأى سَحَّاءُ الليلَ والنهارَ، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض لم ينقص ما في يمينه" (١) أو كما قال. قوله: "إلا كما ينقص المخيط من البحر" أي: لا ينقص شيئًا لأن الإبرة لا يتعلق بها من الماء شيء أصلا، وهذا بظاهره مخالف لقول الخضر لموسى: "ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من البحر" فإن نقر العصفور من البحر لا بد أن ينقصه شيئًا وإن قلَّ، لأن منقار العصفور يتعلق به شيء من الماء، ولذلك يزيل عطشه، بخلاف الإبرة، لكن ليس المراد أن علمهما نقص من علم الله قليلًا ولا كثيرًا، إنما المراد تقريب أنَّه لم ينقص (أ) من علم الله شيئًا أصلًا. ويحكى أن رجلًا سأل ابن الجوزي: هل ينقص بشرب العصفور البحر؟ فقال: أمعه شيء يضعه فيه؟. وهذا جواب على جهة التحقيق، وقول الخضر لموسى على جهة التقريب، وإلا فلو فرضنا الوجود مملوءًا خردلًا وأخذنا (ب) منه خردلة لنقصه بالضرورة. قوله: "أحصيها لكم" أي: تضبطها (ح) الحفظة. فإن قيل: ما

стр. 243

الحاجة إلى الحفظة مع علمه (أ)؟ قيل: ليكونوا شهودا بين الخالق وخلقه، ولهذا يقال لبعض الناس يوم القيامة: كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا، وبالكرام الكاتبين شهودا، وقيل فيه غير ذلك. وقوله: "ثم أوفيكم إياها" أي جزاءها وثوابها، فحذف المضاف فانقلب الضمير المخفوض منصوبا منفصلًا كالمفعول المحذوف. قوله: "فمن وجد خيرًا فليحمد الله" إلى آخره، أي: أن الطاعات التي يترتب عليها الثواب والخير بتوفيق الله ، فيجب حمده على التوفيق، والمعاصي التي يترتب عليها العقاب والشر وإن كان بقدر الله وخذلانه العبد فهي بكسب العبد فليلم نفسه لتفريطه بالكسب القبيح (ب). ويحتج القدرية بهذا، ووجه احتجاحهم منه أن لوم العبد نفسه على سوء العاقبة يقتضي أنَّه الخالق لأفعاله، وقوله : "فلا يلومن إلا نفسه" تنصل من القضية، وأنه ليس له فيها أثر بخلق فعل ولا تقديره. وجوابه بما سبق بقوله: "لا تظالموا" ثم يلزمهم أن من وجد خيرًا لا يحمد الله إذ ليس له في القضية أثر كما ذكروا، بل يحمد الإنسان نفسه لأنه الخالق لطاعته الموجب لسلامته، وهو مراغمة للنص (جـ) المذكور وغيره.

стр. 244

وقد أخبر الله عن أهل الجنّة أنهم يقولون فيها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [سورة الأعراف: ٤٣]. فإن قلت: فوله: "إنما هي أعمالكم" إلى آخره، يقتضي انحصار فائدة الناس في معادهم في ثواب أعمالهم، ونفي المزيد من فضل الله ، لكن بالنص والإجماع يثبت المزيد نحو ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [سورة ق: ٣٥] ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [سورة يونس: ٢٦]. فالجواب أن الحصر إنما هو للجزاء في سببية الأعمال، أي: لا جزاء إلا عن عمل يكون سببًا له، أما الجزاء وزيادته وتضعيفه فالجميع من فضل الله ، إذ العبد وعمله ملك لسيده، لا يستحق عليه ثوبًا إلا تفضلًا. والله أعلم بالصواب.

стр. 245

الحديث الخامس والعشرون: عن أبي ذر أيضًا ﵁ أن ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا للنبي ﷺ : يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: أوليس قد جعل الله لكم ما تَصَدَّقُون. إنَّ بِكُل تسبيحةٍ صدقةً، وكل تكبيرةٍ صدقةً، وكل تحميدةٍ صدقةً، وكل تهليلةٍ صدقةً، وأمرٍ بالمعروف صدقةً ونهي عن منكر صدقةً، وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته فيكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر. رواه مسلم (١). القول في لفظه ومعناه. أما لفظه فالدثور بضم الدال والثاء المثلثة الأموال، واحدها دثر كفلس وفلوس. والبضع بضم الباء وإسكان الضاد المعجمة كناية عن الجماع. وأصله آلة الجماع ذكرًا أو فرجا. والوزر الإثم. وأما معناه ففيه أبحاث: الأول: إن أجر التسبيح والتكبير والتحميد كأجر الصلاة والصيام والصدقة في الجنس لأن الجميع صادر عن رضى الله مكافأة على طاعته ، أما في القدر والصفة فيتفاوتان بتفاوت الأعمال في مقاديرها وصفاتها، فليس ثواب ركعتين، أو صوم يوم، كثواب أربع ركعات،

стр. 246

وصوم يومين، وليس ثواب عتق رقبة نفيسة، كثواب عتق رقبة دونها. البحث الثاني قوله: "بكل تسبيحة صدقة" أي: حسنة كحسنة الصدقة في الجنس لأن الأعمال مقدرة بالحسنات بدليل ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [سورة الأنعام: ١٦٠] والحسنة صفة في الأصل تستعمل في العمل وجزائه يقال: عَمِلَ فلانٌ حسنةً، فجزاؤه حسنة، أي: عمل خصلة حسنة، فجزاؤه خصلة حسنة، كأنه قال: في كل تسبيحة خصلة حسنة تأتيكم من الله . البحث الثالث: قوله: "في كل تسبيحة حسنة" (١) أي: بسببها كقوله عليه الصلاة والصلام: "في النفس المؤمنة مائة من الإبل" أي: بسبب قتلها وجوب مائة، وقيل: هي ظرف مجازا كأن النفس لما ضمنت بمائة من الإبل صارت كالظرف لها. البحث الرابع: التكبيرة قول: الله أكبر، والتسبيحة قول: سبحان الله، والتهليلة قول: لا إله إلا الله، وهو شبيه بالبسملة والهيللة والحيعلة والسبحلة ونحوها من المصادر المنحوتة. قوله: "وأمر بالمعروف صدقة، ونهى عن منكر صدقة" لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واحدٌ على الكفاية، فإذا قام به شخص فقد أسقط الفرض عن نفسه، وعن سائر المكلفين، وهي عبادة عامة متعدية وهي من أفضل (أ) العبادات، حتَّى قال إمام الحرمين: إن أداء فرض الكفاية

стр. 247

أفضل من أداء فرض العين لهذا المعنى، وحقيقة الصدقة أو شبيه بها جدًّا موجودة فيه لكونه ينتفع به باقى الناس بأداء الفرض عنهم. فإن قيل: لم أتى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مُنَكَّرًا (١)، فقال: وأمر ونهي ولم يقل: والأمر والنهي؟ قلنا: لأن التنكير أبلغ في المقصود إذ يقتضي أن كل فرد من أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صدقة، ولو عَرَّفَ لاقتضى أن جنس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صدقة، ولا يلزم أن كل فرد منه صدقة، لأن اللام للاستغراق. البحث الخامس: قوله: "وفي بضع أحدكم صدقة". قال الشيخ ﵀: إذا نوى به العبادة، وهو قضاءُ حق الزوجة وطلبُ ولدٍ صالح وإعفافُ النفس وكَفُّها عن المحارم. قلت: ظاهر الحديث يقتضي أن الوطء صدقة وإن لم ينو به شيئًا، كما أنَّه لو زنى لأثم وإن لم ينو شيئًا، وإنما هذا أشار النبي ﷺ بقياس العكس الَّذي ذكره حيث قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام" إلى آخره، وإذا ثبت ذلك فهو يشير إلى شبيه بما قاله الكعبي (٢) من أن المباح مأمور به، لأن كل مباح تركه حرام، وترك الحرام مأمور به، فَكُلُّ مباح مأمور به، وعليه

стр. 248

ما ذكر في الأصول من الاعتراض (١). البحث السادس: الاستدلال الَّذي ذكره النبي ﷺ يُسَمَّى قياسَ العكس فهو: إثبات ضد الحكم في ضد الأصل، كإثبات الوزر الَّذي هو ضد الصدقة، في الزنا الَّذي هو ضد الوطء المباح، ومثله قول ابن مسعود: قال النبي ﷺ : "من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنّة" وأنا أقول: "من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار" (٢). والقياس على ضربين: قياس عكس، وهو ما ذكرناه، وقياس طرد، وهو إثبات مثل حكم الأصل في الفرع، ثم هو على ثلاثة أضرب: قياس علة، وقياس دلالة، وقياس شَبَهٍ (٣)، فالأول: مثل قولنا: النبيذ مسكر فكان حراما كالخمر، والثاني: كقولنا: الذمي صحَّ طلاقه، فصح ظهاره، كالمسلم، والثالث: كقولنا: العبد يباع ويوهب فَلا يَمْلِكُ كالبهيمة. والله أعلم بالصواب.

стр. 249

الحديث السادس والعشرون: عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس، تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرحل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة. رواه البخاري ومسلم (١). السلامى بضم السين وتخفيف اللام وفتح الميم هو المفاضل والأعضاء، وجمعه سُلَامَيَاتٌ بفتح الميم. ومعنى قوله: "على كل سلامي صدقة" أي: على كل عضو ومفصل صدقة، وفي المراد به احتمالان: أحدهما: أن الصدقة كما قيل: تدفع البلاء (أ)، فإذا تصدق عن أعضائه كما ذكر كان جديرًا أن يدفع عنها البلاء. الثاني: أن لله على الإنسان في كل عضو ومفصل نعمة، والنعمة تستدعي الشكر، ثم إنَّ الله وهب (ب) ذلك الشكر لعباده صدقة عليهم، كأنه قال: أجعل شكر نعمتي في أعضائك أن تعين بها عبادي وتتصدق عليهم بإعانتهم.

стр. 250

وقوله: "كل يوم تطلع فيه الشمس" لأن دوام نعمة الأعضاء نعمة أخرى، ولما كان الله قادرًا على سلب نعمة الأعضاء عن عبده كل يوم، وهو في ذلك عادل في حكمه كان عفوه عن ذلك وإدامة العافية عليه صدقة توجب الشكر والرعاية، ثم النعمة دائمة فالشكر يجب أن يكون دائمًا. واعلم أن الصدقة على ضربين: صدقة الأموال: كالزكاة وصدقة التطوع، وصدقة الأفعال: كالذي ذكره في هذا الحديث، ويجمعها عبادة الله كالمشي إلى الصلاة ونفع الناس، فمنه العدل بين اثنين تحاكما أو تخاصما سواء كان حاكما أو مصلحا إذا نوى بذلك دفع المنافرة بينهما امتثالا لقوله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠] ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥] ونحوه من الأمر بذلك، ومنه إعانة الرجل بحمله أو حمل متاعه على الدابة لأنه نفع له، ومنه الكلمة الطيبة نحو سلام عليك، وحياك الله، وإنك لمحسن، وأنت إن شاء الله رجل صالح، ولقد أحسنت جِوَارَنَا أو ضيافتنا ونحو ذلك؛ لأنه مما يَسُرُّ السامع ويجمع القلوب ويؤلفها، ومنه إماطة الأذى عن طريق الناس، أي: إزالته كالشوك المؤذي، والحجر الذي يعثر به، والحيوان المخوف منه، ودعم الجدار المائل ونحوه؛ لأنه نفع عام، وفي الحديث "الإيمان بضع وستون (أ) شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" (١). ويروى أن رجلًا ممن كان قبلكم رأى غصن شوك في الطريق فقطعه
следующие страницы →