وصوم يومين، وليس ثواب عتق رقبة نفيسة، كثواب عتق رقبة دونها.
البحث الثاني قوله: "بكل تسبيحة صدقة" أي: حسنة كحسنة الصدقة في الجنس لأن الأعمال مقدرة بالحسنات بدليل ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [سورة الأنعام: ١٦٠] والحسنة صفة في الأصل تستعمل في العمل وجزائه يقال: عَمِلَ فلانٌ حسنةً، فجزاؤه حسنة، أي: عمل خصلة حسنة، فجزاؤه خصلة حسنة، كأنه قال: في كل تسبيحة خصلة حسنة تأتيكم من الله .
البحث الثالث: قوله: "في كل تسبيحة حسنة" (١) أي: بسببها كقوله عليه الصلاة والصلام: "في النفس المؤمنة مائة من الإبل" أي: بسبب قتلها وجوب مائة، وقيل: هي ظرف مجازا كأن النفس لما ضمنت بمائة من الإبل صارت كالظرف لها.
البحث الرابع: التكبيرة قول: الله أكبر، والتسبيحة قول: سبحان الله، والتهليلة قول: لا إله إلا الله، وهو شبيه بالبسملة والهيللة والحيعلة والسبحلة ونحوها من المصادر المنحوتة.
قوله: "وأمر بالمعروف صدقة، ونهى عن منكر صدقة" لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واحدٌ على الكفاية، فإذا قام به شخص فقد أسقط الفرض عن نفسه، وعن سائر المكلفين، وهي عبادة عامة متعدية وهي من أفضل (أ) العبادات، حتَّى قال إمام الحرمين: إن أداء فرض الكفاية
стр. 247
أفضل من أداء فرض العين لهذا المعنى، وحقيقة الصدقة أو شبيه بها جدًّا موجودة فيه لكونه ينتفع به باقى الناس بأداء الفرض عنهم.
فإن قيل: لم أتى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مُنَكَّرًا (١)، فقال: وأمر ونهي ولم يقل: والأمر والنهي؟
قلنا: لأن التنكير أبلغ في المقصود إذ يقتضي أن كل فرد من أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صدقة، ولو عَرَّفَ لاقتضى أن جنس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صدقة، ولا يلزم أن كل فرد منه صدقة، لأن اللام للاستغراق.
البحث الخامس: قوله: "وفي بضع أحدكم صدقة".
قال الشيخ ﵀: إذا نوى به العبادة، وهو قضاءُ حق الزوجة وطلبُ ولدٍ صالح وإعفافُ النفس وكَفُّها عن المحارم.
قلت: ظاهر الحديث يقتضي أن الوطء صدقة وإن لم ينو به شيئًا، كما أنَّه لو زنى لأثم وإن لم ينو شيئًا، وإنما هذا أشار النبي ﷺ بقياس العكس الَّذي ذكره حيث قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام" إلى آخره، وإذا ثبت ذلك فهو يشير إلى شبيه بما قاله الكعبي (٢) من أن المباح مأمور به، لأن كل مباح تركه حرام، وترك الحرام مأمور به، فَكُلُّ مباح مأمور به، وعليه
стр. 248
ما ذكر في الأصول من الاعتراض (١).
البحث السادس: الاستدلال الَّذي ذكره النبي ﷺ يُسَمَّى قياسَ العكس فهو: إثبات ضد الحكم في ضد الأصل، كإثبات الوزر الَّذي هو ضد الصدقة، في الزنا الَّذي هو ضد الوطء المباح، ومثله قول ابن مسعود: قال النبي ﷺ : "من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنّة" وأنا أقول: "من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار" (٢).
والقياس على ضربين: قياس عكس، وهو ما ذكرناه، وقياس طرد، وهو إثبات مثل حكم الأصل في الفرع، ثم هو على ثلاثة أضرب: قياس علة، وقياس دلالة، وقياس شَبَهٍ (٣)، فالأول: مثل قولنا: النبيذ مسكر فكان حراما كالخمر، والثاني: كقولنا: الذمي صحَّ طلاقه، فصح ظهاره، كالمسلم، والثالث: كقولنا: العبد يباع ويوهب فَلا يَمْلِكُ كالبهيمة. والله أعلم بالصواب.
стр. 249
الحديث السادس والعشرون:
عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس، تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرحل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة. رواه البخاري ومسلم (١).
السلامى بضم السين وتخفيف اللام وفتح الميم هو المفاضل والأعضاء، وجمعه سُلَامَيَاتٌ بفتح الميم.
ومعنى قوله: "على كل سلامي صدقة" أي: على كل عضو ومفصل صدقة، وفي المراد به احتمالان:
أحدهما: أن الصدقة كما قيل: تدفع البلاء (أ)، فإذا تصدق عن أعضائه كما ذكر كان جديرًا أن يدفع عنها البلاء.
الثاني: أن لله على الإنسان في كل عضو ومفصل نعمة، والنعمة تستدعي الشكر، ثم إنَّ الله وهب (ب) ذلك الشكر لعباده صدقة عليهم، كأنه قال: أجعل شكر نعمتي في أعضائك أن تعين بها عبادي وتتصدق عليهم بإعانتهم.
стр. 250
وقوله: "كل يوم تطلع فيه الشمس" لأن دوام نعمة الأعضاء نعمة أخرى، ولما كان الله قادرًا على سلب نعمة الأعضاء عن عبده كل يوم، وهو في ذلك عادل في حكمه كان عفوه عن ذلك وإدامة العافية عليه صدقة توجب الشكر والرعاية، ثم النعمة دائمة فالشكر يجب أن يكون دائمًا.
واعلم أن الصدقة على ضربين: صدقة الأموال: كالزكاة وصدقة التطوع، وصدقة الأفعال: كالذي ذكره في هذا الحديث، ويجمعها عبادة الله كالمشي إلى الصلاة ونفع الناس، فمنه العدل بين اثنين تحاكما أو تخاصما سواء كان حاكما أو مصلحا إذا نوى بذلك دفع المنافرة بينهما امتثالا لقوله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠] ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥] ونحوه من الأمر بذلك، ومنه إعانة الرجل بحمله أو حمل متاعه على الدابة لأنه نفع له، ومنه الكلمة الطيبة نحو سلام عليك، وحياك الله، وإنك لمحسن، وأنت إن شاء الله رجل صالح، ولقد أحسنت جِوَارَنَا أو ضيافتنا ونحو ذلك؛ لأنه مما يَسُرُّ السامع ويجمع القلوب ويؤلفها، ومنه إماطة الأذى عن طريق الناس، أي: إزالته كالشوك المؤذي، والحجر الذي يعثر به، والحيوان المخوف منه، ودعم الجدار المائل ونحوه؛ لأنه نفع عام، وفي الحديث "الإيمان بضع وستون (أ) شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" (١).
ويروى أن رجلًا ممن كان قبلكم رأى غصن شوك في الطريق فقطعه
стр. 251
فشكر الله له ذلك فغفر له (١).
واعلم أنه ليس مراد الحديث حصر أفعال الصدقة فيما ذكر فيه، وإنما هي مثال لذلك، ويجمعها ما قلنا من أفعال العبادة أو نفع خلق الله ، حتى إن رجلًا رأى فرخا قد وقع من عُشه فردَّه إليه فغفر الله له، وآخر رأى كلبا يأكل الثرى من العطمش فسقاه فغفر له (٢)، وكذلك امرأة بغي رأت كلبا عطشانًا فنزعت له بخفها ماء فسقته فغفر لها (٣)، وعكس ذلك امرأة دخلت النار في هرة ربطتها فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض (٤).
وقد ورد "في كل كبد حَرَّى أجر" (٥) وقد سبق "أن الله كتب الإحسان على كل شيء" (٦) وورد "أن الخلق عيال الله فأحب الناس إلى الله أشفقهم على عياله" (٧) وإذا تصدق كل واحد من الناس عن أعضائه
стр. 252
بنفع خلق الله حصل من ذلك مقصود قوله: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (١) "ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فيكرم جاره، وليكرم ضيفه" (٢) من جمع القلوب وائتلافها وإقامة كلمة الحق بواسطة ذلك، فإذًا يكون نفع ذلك خاصًّا بالمسلم المتصدق وعامًّا للإسلام والمسلمين، وهذا هو مقصود الشرع.
وهذا الحديث يرجع إلى قوله ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وإلى قوله ﵊: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا" (٣) "المؤمن كثير بأخيه" (٤) "المؤمن مرآة المؤمن" (٥).
أي: يبصره (أ) من نفسه بما لا يراه كالمرآة، وهو ضرب من الإعانة "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" (٦) يعني إعانة المظلوم بنصرته،
стр. 253
وإعانة (أ) الظالم بِكَفِّهِ عن ظلمه "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد" (١) الحديث ونحوه. والله أعلم بالصواب.
стр. 254
الحديث السابع والعشرون:
عن النواس بن سمعان ﵁ عن النبي ﷺ قال: البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس. رواه مسلم (١).
وعن وابصة بن معبد ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ فقال: جئتَ تسأل عن البر؟ قلت: نعم، فقال: استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك. حديث حسن رويناه في مسندي الإمامين أحمد بن حنبل والدارمي بإسناد حسن (٢).
القول في لفظه ومعناه.
أما لفظه فالنواس بفتح النون وتشديد الواو. وسمعان بكسر السين وفتحها. والبر ضد الفجور والإثم، ولذلك قابله به. وحاك في نفسك أثَّر وتردَّد، ومنه قولهم: ضربته فما حاك فيه السيف، أي: ما أثَّر. ووابصة بباء موحدة مكسورة ثم صاد مهملة. واطمأن سكن، ومنه ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٠٣] أي: سكنتم من انزعاج الحرب وحركته.
وأما معناه فقوله: "البر حسن الخلق" قد سبق تفسير حسن الخلق بأنه بذل الندى، وكف الأذى، وأن يحب للناس ما يحب لنفسه.
стр. 255
وأما البر فتارة يقابل بالفجور والإثم، فيكون عبارة عما اقتضاه الشرع وجوبا أو ندبا، كما أن الإثم عبارة عما نهى الشرع عنه، وتارة يقابل بالعقوق فيكون عبارة عن الإحسان، كما أن العقوق عبارة عن الإساءة.
قوله: "والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس" اعلَم أن النفس لها شعور من أصل الفطرة بما تحمد عاقبته، وما لا تحمد عاقبته، ولكن الشهوة غالبة (أ) عليها بحيث توجب لها الإقدام على ما يضرها كاللص تغلبه الشهوة على السرقة وهو خائف من الوالي أن يقطعه، والزاني ونحوه كذلك.
إذا عرفت (ب) هذا فقد تضمنت هذه الجملة علامتي الإثم (جـ):
إحداهما: تأثيره (د) في النفس وتردده، وما ذلك (هـ) إلا لشعورها بسوء عاقبته.
والثانية: كراهية اطلاع الناس على الشيء يدل على أنه إثم لأن النفس بطبعها تحب اطلاع الناس على خيرها وبرها. ومن ثم هلك جمع كثير من الناس بالرياء، فإذا كرهت بعض اطلاع الناس على بعض أفعالها علمنا أنه ليس خيرًا وبرًّا، فهو إذًا شِرٌّ وإثم.
стр. 256
ثم يحتمل أن هذين العلامتين علامة واحدة مركبة من أمرين، ويحتمل أنهما علامتان مستقلتان، والأول أظهر لأنه عطف إحداهما على الأخرى بواو الجمع، وينشأ لنا من هذا (أ) قسمة رباعية، وهي أن الفعل إما أن يحيك في النفس ويكره اطلاع الناس عليه، أو لا يحيك فيها ولا يكره اطلاعهم عليه، أو يحيك ولا يكره الاطلاع عليه، أو يكره الاطلاع عليه ولا يحيك فيها، فإن حاك في النفس وكره الاطلاع عليه فهو إثم كالربا والزنى، وإن لم يحك فيها (ب) ولا كره الاطلاع عليه فليس بإثم كالعبادة والأكل والشرب ونحوه، وإن حاك فيها ولم يكره الاطلاع عليه، أو كره الاطلاع عليه ولم يحك في النفس فهذا إن أمكن وجوده مشتبه متردد بين الإثم والبر من باب قوله: "الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات" (١) أو يكون مكروهًا تنزيها.
والكراهة المعتبرة ها هنا هي الكراهة الدينية الجازمة، فالدينية احتراز عن العادية، كمن يكره أن يرى على الأكل حياء أو بخلًا ونحو ذلك، والجازمة احتراز عن غير الجازمة كمن يكره أن يركب بين المشاة تواضعا أو نحوه، ثم لو رأى كذلك لم يبال لأن كراهته لذلك غير جازمة.
واعلم أن الأفعال إما من أعمال الجوارح، أو من أعمال القلوب، وعلى التقديرين فهي إما أن لا يكره اطلاع الناس عليها كالعبادة والأكل والشرب
стр. 257
والإخلاص والمعرفة والتوكل ونحوه فهو برٌّ، أو يكره اطلاع الناس عليه فهو إما من أعمال الجوارح كالزنا والسرقة والغصب ونحوه فهو إثم، أو من أعمال القلوب فهو إمَّا مستقل أو غير مستقل، فإن كان مستقلا بأن لا يتوقف الجزاء عليه على عمل في الجوارح كالحسد والكبر ونحوه فهو إثم، وإن كان غير مستقل كنية الزنا والغصب والهم بقتل النفس ونحوه، فإن ضعف ذلك حتى كان من باب الخطرات والهمم غير الجازمة فليس بإثم لقوله ﷺ "إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست به نفوسها ما لم تعمل به أو تتكلم" (١) وربما أثيب على مثل هذا لأن الفرض أنه حاك في النفس وكره اطلاع الناس عليه، وقد قال النبي ﷺ في مثله "ذلك صريح الإيمان" (٢) حيث قيل له: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن ينطق به، أي: إعظام النطق به صريح الإيمان، فكذلك إذا هَمَّ شخص بالزنا أو القتل ثم حاك ذلك في نفسه ونفرت منه جاز أن يثاب على نفور نفسه منه، إذ لم ينفرها منه إلا ضرب من التقوى والإيمان فصار من باب قوله: "اكتبوها له حسنة، إنما تركها من جَرَّائِي" (٣) أو قريبا منه، وإن قوي ذلك حتى جزمت النفس بالإقدام عليه وصار من باب العقود والعزائم فهو إثم لقوله ﵊: "الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس" وهذه مسألة خلاف، وقد كان عموم
стр. 258
هذا الحديث يقتضي أن الخطرات والهمم الضعيفة بالمعاصي إثم، لكن خصصنا عمومه بها لقوله ﵊ "إن الله تجاوز لأمتي" الحديث جمعا بين الحديثين.
وحينئذ نقول: في كل عزم على معصية بدنية هذا العزم يحيك في النفس ويكره أن يطلع عليه الناس، وكلما كان كذلك فهو إثم، فهذا العزم إثم، ومما يشهد لما ذكرناه قوله ﵊: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" قيل: هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه" (١) فَعَلَّل دخولَه النار بحرصه على قتل صاحبه، وهو عزم مجرد ترتب عليه العقاب فدل على أنه معصية.
فإن قيل: هذا الحرص قد اقترن به العمل، وهو لقاؤه خصمه بالسيف، فاندرج تحت قوله ﵊: "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم".
قلنا: تعليل دخول النار بمجرد الحرص فلغا ما ذكرتم، وأيضًا مما يشهد لذلك قوله ﵊: "الرجال أربعة: رجل أوتي مالا فأنفقه في البر، ورجل قال: لو كان لي مثل مال فلان لفعلت كما فعل، قال: فهما سواء في الأجر، ورجل آتاه الله مالا فأنفقه في الفجور، ورجل قال: لو كان لي مثل مال فلان لفعلت كما (أ) فعل، قال: فهما في الوزر
стр. 259
سواء" (١).
قلت: فهذا وزر على العزم المجرد على المعصية إذ لم يقارنه فعل معصية.
فإن قيل: هو وإن لم يقترن (أ) به عمل بمعصية فقد قارنه القول، وهو قوله: "لو كان لي مثل مال فلان لفعلت كما (ب) فعل" فدخل تحت قوله ﷺ : "إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست به صدورها ما لم تعمل أو تتكلم به" قلنا: هذا ليس بشيء لأن معنى الحديث ما لم تعمل أو تتكلم به كلاما مؤثرًا في المفسدة مثل أن يعزم على القذف فيقذف، أو على الكذب فيكذب أو على النميمة فَيَنُمَّ، أما كلام لا أثر له في المفسدة فوجوده كعدمه.
وقوله: "لو كان لي مثل مال فلان لفعلت كما فعل" فكلام لا أثر له في مفسدة هذا الحكم، فكان وجوده كعدمه، وبقي ترتب الوزر على مجرد العزم. وهذا (جـ) من باب تنقيح المناط بحذف ما لا يصلح لتعليق الحكم به من الأوصاف، وانتقاء ما يصلح لذلك منها، فافهم هذا البحث.
وقوله لوابصة: "جئت تسأل عن البر" هو من باب الكشف، كذلك جاء في بعض الروايات أن وابصة جاء يتخطى رقاب الناس حتى جلس إلى (د)
стр. 260
النبي ﷺ فقال: "يا وابصة تحدثني ما جئت فيه، أو أحدثك؟ " فقال: بل أنت حدثني يا رسول الله فهو أحب إليَّ، فقال: "جئت تسأل عن البر والإثم" قال: نعم.
قوله: "استفت قلبك" إلى آخره هو راجع إلى ما سبق من شعور النفس والقلب بما يحمد أو يذم.
وقوله: "البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن له القلب" هو كقوله أولًا: "البر حسن الخلق" لأن حسن الخلق تطمئن إليه (أ) النفس والقلب.
وقوله: "الإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر" هو شبيه بقوله: "الإثم ما كرهت أن يطلع عليه الناس" لأن ما تردد في الصدر فهو إثم أو محل شبهة ولا بد، وذلك مما يكره اطلاع الناس عليه.
قوله: "وإن أفتاك الناس وأفتوك" أي: قد أعطيتك علامة الإثم فاعتبرها في اجتنابه، ولا تقلد من أفتاك في مقاربته.
واعلم أن بين هذا، وبين حديث "الحلال بين" ضرب من التعارض لأن قوله ها هنا: "الإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر" يقتضي أن الأمور المشتبهة إثم لأنها تحيك في النفس وَتَرَدَّدُ في الصدر، وقوله هناك: "فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه" يقتضي أنها ليست إثما وإنما شرع اجتنابها ورعًا كما مَرَّ، فقد اجتمع فيها ما يدل على أنها إثم، وأنها ليست بإثم، وهو عين التعارض.
стр. 261
ويجاب عن هذا بوجهين:
أحدهما: لا نسلم أن قوله: "فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه" يقتضي أنها ليست إثما؛ لأن الاستبراء للدين والعرض واجب، واتقاء الشبهات طريق إليه، والطريق إلى الواجب واجب، فاتقاء الشبهات واجب، فملابستهما إثم.
الوجه الثاني: سلمنا أن حديث النعمان يقتضي أنها ليست إثما، لكنه محمول على ما إذا ضعفت الشبهة فيبنى على أصل الحل، ويجتنب محل الشبهة وَرَعًا، وحديث وابصة محمول على ما تَرَدَّدَ في الصدر لقوة الشبهة وتمكنها في النفس، فيكون إثما أخذًا بظاهر قوة الشبهة، ويكون من باب ترك الأصل للظاهر، أعني أصل الحل لظاهر الشبهة وتمكنها، ويزول التعارض.
قوله: "أفتاك الناس وأفتوك" إنما وَحَّدَ الفعل الأول لاستناده إلى ظاهر، وجمع الثاني لاستناده إلى ضمير، والأصل فيه أن الفعل إنما يكون له فاعل واحد، فإن كان ظاهرًا امتنع اتصال ضميره بالفعل نحو أفتاك الناس، لئلا يتعدد الفاعل، وهو غير جائز، وإن لم يكن ظاهرًا وحب إضماره، نحو أفتوك لئلا يتجرد الفعل عن الفاعل وهو غير جائز.
وأما قوله ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣] و ﴿عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١] فهو من باب البدل من الضمير، لا من باب تعدد الفاعل، ولا من باب أكلوني البراغيث، فإنها لغة ضعيفة، وقد تأوَّلها قوم على أن الضمير علامة جمع الفاعل كالتاء في قامت هند علامة تأنيث الفاعل.
стр. 262
والدارمي منسوب إلى دارم من تميم، الذي يقول فيهم الفرزدق (١):
.................... ... وَأَعْبَدُ أَنْ تُهْجَى كُلَيبٌ بِدَارِمِ
ومسند الدارمى لطيف، وغالبه الصحة، وأما مسند أحمد بن حنبل فكثير، سمعناه من نسخة عشرين مجلدا أو أكثر، وجملة ما فيه من الأحاديث أربعون ألف حديث، يتكرر منها (أ) عشرة آلاف، يبقى (ب) ثلاثون ألف حديث. قال أحمد: جمعته من سبعمائة وخمسين ألف حديث، وجعلته حجة بيني وبين الله ، فكل حديث لا تجدونه فيه فليس بشيء (٢).
وهذا يدل على إحاطته بالسنة واطلاعه عليها، وكذلك قوله في المحنة: كيف أقول ما لم يُقَلْ، يدل على ذلك أيضًا لأنه لم يجزم بأن ذلك لم يُقَل إلا بعد اطلاعه على السنة، وأقوال الأئمة، ومع ذلك فقد أخَلَّ فيه بحديث أُم زَرْعٍ، وهو في الصحيح (٣).
وخرج ابن الجوزي في الموضوعات عن مسند أحمد سبعة أحاديث، وفي العلل المتناهية في الأحاديث الواهية كثيرا، لكن ابن الجوزي جازف في موضوعاته احتياطا لتهذيب السنة، وقد أنكر عليه ذلك علماء الحديث.
стр. 263
واعلم أن أحمد بن حنبل لم يلتزم الصحيح في مسنده، إنما أخرج فيه ما لم يجتمع الناس على تركه.
واعلم أن مسند أحمد بن حنبل ومسند إسحاق بن راهويه ومصنف ابن أبي شيبة متقاربة في الكثرة والشهرة، ومسند البزار ومسند أبي يعلى الموصلي متقاربان في التوسط، ومسند الحميدي والدارمي متقاربان في الاختصار.
ومصنفوا الحديث منهم من رتبه على المسانيد كمسند أحمد وإسحاق وأبي يعلى والبزار، ومنهم من رتبه على الأحكام وأبواب العلم كالبخاري ومسلم وابن أبي شيبة في مصنفه ونحوهم، وفي كل فائدة وحكمة.
والله أعلم بالصواب.
стр. 264
الحديث الثامن والعشرون:
عن أبي نجيح العرباص بن سارية ﵁ قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة.
رواه أبو داود والترمذي (١) وقال: حديث حسن صحيح.
الكلام (أ) على لفظه ومعناه.
أما لفظه: فالعرباص بعين مهملة وباء موحدة، وسارية بسين مهملة وياء آخر الحروف، ووجلت خافت من الوجل ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ وذرفت بفتح الذال المعجمة والراء المهملة أي: سالت، والنواجذ الأنياب، وقيل: الأضراس، وهي بذال معجمة، والبدعة لغة: ما كان مخترعا على غير مثال سابق، أما في الشرع: فهي ما أحدث على خلاف أمر الشارع ودليله.
وأما معناه: فقوله: "وعظنا رسول الله ﷺ " يقتضي استحباب موعظة الرجل أصحابه لينفعهم في دينهم ودنياهم.
وقوله: "موعظة" وفي بعض الروايات "موعظة بليغة" (٢) إلى آخره
стр. 265
فيه استحباب الإبلاغ في الموعظة لترقق القلوب فتكون (أ) أسرع إلى الإجابة (ب)، وفي التنزيل ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣] وكان ﵊ إذا خطب احمَرَّت عيناه، وانتفخ وَدَجَاهُ كأنه منذر جيش، يقول: صَبَّحَكُم مَسَّاكم (١).
وقوله: "كأنها موعظة مُوَدعٍ" فيه جواز الحكم بالقرائن لأنهم إنما فهموا توديعه إياهم بقرينة إبلاغه في الموعظة أكثر من العادة.
وقوله: "أوصنا" فيه استحباب استدعاء الوصية والوعظ من أهلهما، واغتنام أوقات أهل الخير والدين قبل فواتهم.
قوله: "أوصيكم بتقوى الله "، جمع في ذلك كلما يحتاج إليه لما سبق أن التقوى (جـ) امتثال المأمورات واجتناب المحظورات وتكاليف الشرع ليست إلا بذلك.
قوله: "والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد" هذا عطف خاص على عام، إذ قد اشتملت الوصية بتقوى الله على السمع والطاعة.
وأعلم أن العرب تعطف الخاص على العام نحو ﴿فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] وتعطف العام على الخاص نحو ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا
стр. 266
الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧].
وقوله : ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
قوله: "من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا" الظاهر أن هذا بوحي أوحي إليه، فإنه ﷺ كشف له عما يكون إلى أن يدخل أهل الجنة والنار منازلهم كما صح ذلك في حديث أبي سعيد (١) وغيره، ويحتمل أنه بنظر واستدلال، فإن اختلاف المقاصد والشهوات لاختلاف الآراء والمقالات (أ)، ويجوز أن يكون بقياس أمته على أمم الأنبياء السابقين (ب) بعَدهم، بدليل قوله ﵊: "إنها لم تكن نبوة إلا كان بعدها اختلاف" (٢) أو كما قال.
قوله: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين" اختلف الناس في هذه اللام، فقال أهل السنة: هي للعهد، والخلفاء الراشدون هم الأربعة بعد النبي ﷺ بدليل قوله: "اقتدوا باللَّذين من بعدي أبي بكر وعمر" (٣)
стр. 267
ونحوه، وقال: الشيعة: اللام لاستغراق الوصف، أي: كل من اتصف بالرشد والهداية من الخلفاء بعدي، فعليكم بسنته، وإنما قالوا ذلك لأن أبا بكر وعمر وعثمان عندهم ليسوا من الخلفاء الراشدين المهديين لتقدمهم على علي بن أبي طالب بغير حق، ووضعهم الخلافة في غير النصاب الذي وضع الله فيه النبوة، وهم بنو هاشم بزعمهم.
ونصوص السنة وإجماع أهلها ترد عليهم في ذلك.
والراشد الذي أتى بالرشد واتصف به، والمهدي الذي هداه الله لأقوم الطرق.
قوله: "عضوا عليها بالنواجذ" هو كناية عن شدة التمسك بها لأن النواجذ مُحَدَّدَةٌ فإذا عضت على شيء نشبت فيه فلا يتخلص، وكذلك يقال: هذا الشيء يعقد عليه الخناصر ويلوى عليه الأنامل، قال الشاعر:
حَنَانَيكَ يَا ابنَ الأكرَمِينَ فَلم تَدعْ ... لَنَا أَمَلًا يُلوىَ عَلَيهِ الأَنَامِلُ
قوله: "وإياكم ومحدثات الأمور" أي: اتقوها واحذروا الأخذ بها فإنها بدعة، والمراد ما أحدث من الأمور غير راجع إلى أصل، أو دليل شرعي، وإلا فسنة الخلفاء الراشدين من محدثات الأمور، وقد أمرنا باتباعها وسوَّاها بسنته في وجوب الاقتداء بها، وما ذلك (أ) إلا لرجوعها إلى أصل شرعي، واعتمادها على دليل مرعي، فإذًا قوله: "إياكم ومحدثات الأمور" عام أريد به الخاص، وكذلك قوله ﵊ "عليكم بسنة
стр. 268
الخلفاء الراشدين" هو عام أريد به الخاص، إذ لو فرض خليفة راشد في عامة أموره سنَّ سنة لا يعضدها دليل شرعي لما جاز اتباعها.
فإن قلت: هذا لا يتصور؛ لأن رشده ينافي أن يسن مثل هذه السنة.
قلنا (أ): لا نسلم إذ قد يخطيء المصيب ويزيغ المستقيم يومًا ما، وفي الحديث "لا حليم إلا ذو عثرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة" (١).
واعلم أن كلام العرب يجئ بالإضافة إلى العموم والخصوص على أربعة أقسام:
أحدها: عام يراد به العام نحو ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥].
وثانيها: خاص يراد به الخاص نحو ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧]. وثالثها: عام يراد به الخاص (ب) نحو ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا﴾ [النمل: ٢٣] و ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] وقول لبيد (٢):
................... ... وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ
ورابعها: خاص يراد به العام (جـ) نحو ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] خص التأفيف بالنهي عنه، والمراد النهي عن جميع أنواع
стр. 269
أذاهما. فاعرف هذه القاعدة فإنه لا يخرج عنها شيء من الكلام.
قوله: "كل بدعة ضلالة" أي: كل بدعة لا يساعدها دليل الشرع ضلالة؛ لأن الحق فيما جاء به الشرع، فما لا يرجع إليه بوجه يكون ضلالة، إذ ليس بعد الحق إلا الضلال.
واعلم أن كل حكم فإما أن يجيزه الشرع، أو يمنعه وحكمهما واضح، أو مجيزه ويمنعه معًا فآخرهما ناسخ للأول، أو لا يرد عن الشرع إجازته ولا منعه ولا يمكن رَدَّهُ إليه بوجه فهذا يرجع فيه إلى المصلحة السياسية فما وافقها منه أخذ، وما لم يوافقها ترك.
وفي بعض روايات هذا الحديث "فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" (١) وهو قياس مركب متصل من الشكل الأول، ينتج أن كل محدثة في النار، يعني صاحبها من فاعل ومتبع. والله أعلم بالصواب.
стр. 270
الحديث التاسع والعشرون:
عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلي الجنة ويباعدني عن النار، قال: لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يَسَّرَهُ الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت. ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير، الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفيء الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل، ثم تلا ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حتى بلغ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه، قلت: بلى يا رسول الله قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد، ثم قال: ألا أخبرك بِمِلاَكِ ذلك كله، قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه وقال: كُفَّ عليك هذا، قلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به! فقال: ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو قال: على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم. رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح (١).
القول في لفظه ومعناه.
أما لفظه: فالجنة الوقاية والساتر، ومادة (جن) كيفما تصرفت تفيد معنى الستر.
стр. 271
وقوله: "من جوف الليل" أي: في جوفه، وحروف الصفات (١) تتناوب، ويحتمل أن مبدأ الصلاة جوف الليل فتكون لابتداء الغاية، ويحتمل أنها للتبعيض، أي: صلاته بَعْضَ -أَيْ في بَعْضِ- جوف الليل. ورأس الأمر، أي: العبادة أو الأمر الذي سألت عنه. وعموده ما اعتمد عليه كعمود الخيمة. وذروة سنامه بكسر الذال المعجمة وضمها، أي: أعلاه، استعار له صورة البعير وأجزاءه.
ومِلاَك ذلك بكسر الميم مقصوده وجماعه. وحصائد الألسنة ما اكتسبته من الإثم بالكلام (أ) فيما لا يباح.
وأما معناه فقوله: "لقد سألت عن عظيم" هو كما قال ﵇؛ لأن عظم المُسَبَّبَات بعظم الأسباب، ودخول الجنة والتباعد عن النار أمر عظيم سببه امتثال كل مأمور، واجتناب كل محظور.
وذلك عظيم صعب قطعًا، ولولا ذلك لما قال الله ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧] قوله: "وإنه ليسير على من يسره الله عليه" أي: بشرح الصدر للطاعة وتهيئة أسبابها والتوفيق لها ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] وبالجملة فالتوفيق إذا ساعد على
стр. 272
شيء تَيَسَّرَ ولو نقل الجبال، قال الشاعر:
...................... ... إذَا اللهُ سَنَّى عِنْدَ شَيْءٍ تَيَسَّرَا (١)
قوله: "تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة" إلى "وتحج البيت" الظاهر أن المراد بالعبادة ها هنا التوحيد بدليل قوله "لا تشرك به شيئًا" ومنه ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] أي: وحدوه ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] أي: يوحدون، فعلى هذا يكون قد ذكر له التوحيد وأعمال الإسلام، ويحتمل أن العبادة ها هنا ما يتناول الإيمان الباطن والإسلام الظاهر فيكون قوله: "وتقيم الصلاة" إلى آخره عطف خاص على عام لتضمن قوله: "تعبد الله" لما بعده.
قوله: "ألا أدلك على أبواب الخير" أي: طرقه الموصلة إليه.
وقوله: "ألا أدلك" عرض نحو ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] أي: عرضت ذلك عليك فهل تحبه أو نحو ذلك (أ).
стр. 273
قوله: "الصوم جنة" أي: وقاية من ثورة (أ) الشهوة في العاجل، ومن النار في الآجل (ب)، والجنة بضم الجيم.
قوله: "والصدقة تطفئ الخطيئة" أي: تمحوها ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] وإنما استعار لفظ الإطفاء بمقابلته بقوله (جـ): "كما يطفئ الماء النار"، أو أن الخطيئة يترتب عليها العقاب الذي هو أثر الغضب، والغضب يستعمل فيه الإطفاء، يقال: طفئ غضب فلان، وانطفأ غضبه لأنه في الشاهد فوران دم القلب عن غلبة الحرارة، ولعله إنما خص الصدقة لتعدي نفعها، ولأن الخلق عيال الله ، والصدقة إحسان إليهم، والعادة أن الإحسان إلى عيال شخص يطفئ غضبه.
وسبب إطفاء الماء النار أن بينهما غاية التضاد إذ النار حارة يابسة، والماء بارد رطب، فقد ضادها بكيفيته جميعا، والضد يدفع الضد ويعدمه.
وقوله: "وصلاة الرجل من جوف الليل" أي: وسطه أو آخره، إذ في الحديث "أي الدعاء أسمع قال: جوف الليل الآخر" (١) والمعنى أن صلاة الرجل من الليل من أبواب الخير، وإنما خص الرجل بالذكر لأن السائل
стр. 274
رجل، ولأن الخير غالب في الرجال، وأن أكثر أهل النار النساء، وتلاوته ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ شاهد لما قال من أن الصلاة من جوف الليل من أبواب الخير لأنه رتب عليها ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧].
قوله: "ألا أخبرك برأس الأمر" إلى آخره لأن الجهاد مقرون بالهداية بدليل قوله ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] والهداية محصلة لمقصود هذا السائل إذ يلزمها دخول الجنة، والمباعدة عن النار، فلا جرم كان الجهاد رأس أمر السائل وعموده وذروة سنامه.
قوله: "ألا أخبرك بملاك ذلك كله" إلى آخره أي: رابطه وضابطه لأن الجهاد وغيره من أعمال الطاعات غنيمة، وكف اللسان عن المحارم سلامة، والسلامة في نظر العقلاء مقدمة على الغنيمة.
وقد سبق قوله ﵊: "من كان يومن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت" وثبت في الحديث "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بَالًا يكتب له رضوانه إلى يوم يلقاه (أ)، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يعلم أنها تقع حيث تقع فيكتب له بها سخطه إلى يوم يلقاه، أو قال يهوي بها في النار سبعين خريفا" (١) أو كما قال.
стр. 275
وقوله: "كف عليك هذا" إما أنه وضع (على) موضع (عن)، أي: كُفَّهُ عنك، أو أنه ضمن كُفَّ بمعنى احبس، أي: احبس عليك لسانك، لا يَزِلُّ عليك بكلام يؤذي. وفي الحكمة "لِسَانُكَ أَسَدُكَ إِن أَطْلَقْتَهُ فَرَسَكَ، وإن أَمْسَكْتَهُ حَرَسَكَ" وكان أبو بكر الصديق ﵁ يمسك لسانه فيقول: هذا الذي أوردني الموارد (١).
وقوله: "كف عليك" يحتمل أنه عام خص بالكلام بالخير لقوله "فليقل خيرا أو ليصمت" ويحتمل أنه من باب المطلق، وقد عمل به في كف اللسان عن الشر فلا تبقى له دلالة على غير ذلك، وأصل الاحتمالين أن الفعل يدل على المصدر لكن هل يقدر المصدر مُعَرَّفًا فيعم نحو (اكفف الكفَّ) أو منكرا فلا يعم نحو (اكفف كفًّا) أو يبنى على أن المصدر جنس فيعم، أو لا فلا يعم. وعليه اختلف فيما أحسب فيما إذا قال: (طلقتك طلاقا) هل يقع ثلاثا أو واحدة.
قول معاذ: "وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به" هذا استفهام استثبات وتعجب واستغراب يدل على أن معاذا لم يكن يعلم ذلك.
فإن قيل: كيف (أ) خفي هذا عن معاذ مع قوله ﵊: "أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل" (٢) والكلام المؤاخذ به حرام،
стр. 276
وها هو (أ) لم يعلمه؟
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن ظاهر الحلال والحرام في المعاملات الظاهرة بين الناس، لا في معاملة العبد مع ربه، فلا يرد السؤال.
الوجه الثاني: إنما صار أعلمهم بالحلال والحرام بعد هذا بمثل هذا السؤال وأمثاله من طريق التعلم والاستفادة.
قوله: "ثكلتك أمك" حقيقته الدعاء بموته، وليس المراد ذلك، إنما غلب في ألسنتهم للتحريض على الشيء والتهييج إليه، أو لاستقصار المخاطب عن أمر، ونحو ذلك بحسب الحال وقرائنه، وكذلك تَرِبَتْ يَدَاكَ، وعَقْرَى حَلْقَى، ولا أُمَّ لَكَ ولا أبَا لَكَ، ولا دَرَّ دَرُّكَ، وأشباه ذلك.
قوله: "وهل يكب الناس" هو بضم الكاف أي: يلقيهم "في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم" جمع حصيدة بمعنى محصودة، شبه ما تكسبه الألسنة (ب) من الكلام الحرام بحصائد الزرع بجامع الكسب والجمع.
قوله: "وهل يكب الناس" استفهام إنكار أي: ما يكب الناس إلا حصائد ألسنتهم، وهو يقتضي أن كل من يكب في النار فسبب ذلك لسانه، وهو عام أريد به الخاص، فإن في الناس من يكب في النار بكلامه، وبعضهم بعمله، وإنما خرج هذا مخرج المبالغة في تعظيم الكلام كقوله:
стр. 277
"الحج عرفة" (١) والمراد معظمه الوقوف، كذلك معظم أسباب النار الكلام كالكفر والقذف والسب والنميمة والغيبة ونحو ذلك، ولأن الأعمال يقارنها الكلام غالبا فله حصة في سببية الجزاء ثوابًا وعقابًا. وفي المثل "يقول اللسان للقفا كل يوم: كيف أصبحت؟ فيقول: بخير إن سلمت منك" والله أعلم بالصواب.
стр. 278
الحديث الثلاثون:
عن أبي ثعلبة الخشني جرثوم بن ناشر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحدَّد حدودا فلا تعتدوها، وَحَرَّمَ أشياءَ فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياءَ رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها. حديث حسن رواه الدارقطني وغيره (١).
قلت: يقال أيضًا: جرهم، وفي اسم أبيه ناشب (٢).
وقد تضمن هذا الحديث قواعد الشرع؛ لأن الحكم الشرعى في نفس الأمر إما مسكوت عنه، أو متكلم به، وهو إما منهي عنه، أو مأمور به، أو حَدٌّ زَاجِرٌ عن منهى عنه، والمنهي عنه إما مكروه أو محرم، والمأمور به إما مندوب أو مفروض، فالمفروض حقه أن لا يُضَيَّعَ كالإيمان والإسلام وما وجب من خصالهما، والحرام حَقُّهُ أن لا يقارب كالكفر والزنى والربا والسرقة والقذف والسحر وشهادة الزور وأكل مال اليتيم، والحدود وهي الزواجر الشرعية كحد الردة والزنى والسرقة والشرب ونحوها حقها أن تقام على أهلها من غير محاباة ولا عدوان لقوله ﷺ : "حد يقام في الأرض خير
стр. 279
من مطر أربعين صباحا" (١) وإنما حملنا (أ) الحدود في الحديث على أنها الزواجر دون الوقوف عند النواهي والأوامر لئلا يتكرر مع ما قبلها وبعدها، إذ الفرائض المفروضة حدود محدودة لأنها مقدرة محصورة يجب الوقوف عند تقدير الشرع فيها، وكذلك المحرمات المحظورة حدود محدودة، وكلا الأمرين محتمل فيها، أعني حملها على الزواجر، وعلى الوقوف عند النواهي والأوامر.
فإن حملت على الزواجر فمعنى لا تعتدوها أي: لا تزيدوا عليها عما (ب) أمر به الشرع.
فإن قيل: كيف جلد عمر ثمانين في الخمر وإنما جلد النبي ﷺ وأبو بكر فيه أربعين؟ (٢).
قلنا: قد قال علي: "إن ذلك كله سنة" (٣) ولأن الناس أكثروا من الشرب في زمن عمر ما لم يكثروا منه قبله فزاد في جلدهم تنكيلا وزجرًا، وقد قال ﷺ : "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" (٤) وقال:
стр. 280
"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" فمن ها هنا كانت زيادة عمر في حد الشرب سنة إذ كان مأمورا بالاقتداء به.
فإن قيل: فكيف قال علي: "لا يموت أحد في حد وفي نفسي منه شيء إلا شارب الخمر فإنه لو مات وديته، وذلك أن رسول الله ﷺ لم يَسُنَّهُ" (١) وهذا يعارض قوله: "وكل سنة".
قلنا: أراد لم يسنه بِنَصٍّ بقوله (أ) أو بفعله، وأراد بقوله: "كل سنة" لأن حكم عمر بذلك مجتهدًا فيه مراعيا للمصلحة به سنة أيضًا.
وإن حملت (ب) الحدود على الوقوف عند النواهي والأوامر فمعنى لا تعتدوها لا تجاوزوا مَا حُدَّ لكم بمخالفة المأمور، وارتكاب المحظور.
وإضاعة الفرائض إما بتركها، أو بتأخيرها عن وقتها وهو أيسر التضييعين. وتنتهكوها ترتكبوها مقتحمين لها.
وأما ما سكت الله عنه أي: لم يذكر حكمه فهو رحمة لهم وتخفيف عنهم لا نسيان لتلك الأحكام ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢] ويشهد لهذا قوله ﵊: "إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسئلته" (٢) دَلَّ على أنَّ
стр. 281
ثَمَّ أشياءَ لم تذكر أحكامها، أو لا أحكام لها.
قوله: "فلا تبحثوا عنها" لا تستكشفوا عن أحوالها وتسألوا، ويرجع هذا إلى قوله ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].
واعلم أن للظاهرية في هذا الحديث ضربا من التمسك لأن مذهبهم اتباع ظواهر النصوص، وما لا حكم له في النصوص ردوه إلى حكم ما قبل الشرع، وهو ظاهر هذا الحديث؛ لأنه نهي عن البحث عما سكت عنه، والقول بالقياس وإلحاق المسكوت عنه بالمنطوق بحكمه بحث عما سكت عنه فيكون على خلاف الشرع، فيكون مردودًا عملا بقوله ﵊: "كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ".
واعلم أن هذا الاستدلال ظني، وأدلة القياس قاطعة فلا يعارضها الظني. والله أعلم بالصواب.
стр. 282
الحديث الحادي والثلاثون:
عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس فقال: "ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس" حديث حسن رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة (١).
أمَّا أن الزهد في الدنيا سبب لمحبة الله فلأن الله يحب من أطاعه، ويبغض من عصاه، وطاعة الله مع محبة الدنيا مما لا يجتمع، عرف ذلك بالنصوص والنظر والتجربة والطبع والتواتر، ولهذا قال ﵊: "حب الدنيا رأس كل خطيئة" (٢) والله لا يحب الخطايا ولا أهلها، ولأن الدنيا لهو ولعب والله لا يحب اللهو ولا اللعب، ولأن القلب بيت الرب ، والله لا شريك له، ولا يحب أن يشركه (أ) في بيته حب الدنيا ولا غيره.
وبالجملة فنحن نعلم قطعا أن محب الدنيا مبغوض عند الله ، فالزاهد فيها الراغب عنها محبوب له ، ومحبة الدنيا المكروهة هي إيثارها لقضاء شهوات النفس وأوطارها لأن ذلك يَشغل عن الله ،
стр. 283
أما محبتها لفعل الخير وتقديم الآخرة (أ) بها عند الله ونحو ذلك فهي عبادة لقوله ﵊: "نعم المال الصالح للرجل الصالح يصل به رحما أو يصنع به معروفا" (١) أو كما قال.
وفي الأثر "إذا كان يوم القيامة جمع الله الذهب والفضة كالجبلين العظيمين ثم يقول: هذا مالنا عاد إلينا سَعِدَ به قوم وشقي به آخرون".
وأمَّا أن الزهد فيما عند الناس سبب لمحبة الناس فلأن الناس يتهافتون على الدنيا بطباعهم، إذ الدنيا ميتة والناس كلابها، فمن زاحمهم عليها بغضوه (ب)، ومن زهد فيها وَوَفَّرَهَا عليهم أحبوه، وعَدُوُّ المرء من يعمل عمله.
ومما يروى من شعر الشافعي ﵁ في هذا المعنى قوله (٢):
وَمَنْ يَذُقِ الدُّنْيَا فَإِنِّي طَعِمْتُهَا ... وَسِيْقَ إِلَيْنَا عَذْبُهَا وَعَذَابُهَا
فَلَمْ أَرَهَا إلا غُرُوْرًا وَبَاطِلًا ... كَمَا لاَحَ فِي ظَهْرِ الفَلاَةِ سَرَابُهَا
وَمَا هِيَ إلا جِيفَةٌ مُسْتَحِيْلَةٌ ... عَلَيْهَا كِلاَبٌ هَمُّنَّ اجتِذَابُهَا
فَإِن تَجْتَنِبْهَا كُنْتَ سِلْمًا لأَهْلِها ... وَإِن تَجْتَذِبْهَا نَازَعَتْكَ كِلاَبُهَا.
стр. 284
واعلم أن الزهد في اللغة هو الإعراض عن الشيء لاستقلاله واحتقاره وارتفاع الهمة عنه، مأخوذ من قولهم: شيء زهيد، أي: قليل. وفي الحديث "إنك لزهيد" (١). وقال الشاعر:
وَأَغْدُو عَلَى القُوْتِ الزَّهِيدِ ... ................... البيت
وأما في الحكم فهو على أضرب:
أحدها: الزهد في الحرام، وهو الزهد الواجب العام.
والثاني: الزهد في الشبهات، والأشبه وجوبه لأنه وسيلة إلى اتقاء الوقوع في الحرام لقوله ﵊: "ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام" الحديث، واجتناب الحرام واجب، ووسيلة الواجب واجبة، فالزهد في الشبهات واجب.
الثالث: الزهد فيما عدا الضرورات من المباحات وهو المراد من هذا الحديث ظاهرا، وهو زهد الخواص العارفين بالله .
والرابع: الزهد فيما سوى الله من دنيا وجنة وغير ذلك، فلا قصد لصاحب هذا الزهد إلا الوصول إلى الله والقرب منه، وهو زهد المقربين، فلا جرم لما حصل لهم مقصودهم اندرج في ضمنه كل مقصود لغيرهم عفوا من غير طلب ولا قصد له، ولا جعلوه ثمن عبادتهم، و "كل الصيد في جوف الفرا" (٢) والله أعلم بالصواب.
стр. 285
الحديث الثاني والثلاثون:
عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لا ضرر ولا ضرار. حديث حسن رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما مسندًا، ورواه مالك في الموطأ عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي ﷺ مرسلًا فأسقط أبا سعيد (١)، وله طرق يُقَوَّى بعضُها ببعض.
الكلام على إسناد هذا الحديث ولفظه ومعناه.
أما إسناده فالكلام عليه في مواضع:
أحدها: الخدري بخاء معجمة مضمومة بعدها دال مهملة ساكنة، نسبة إلى خدرة اسم قبيلة من الأنصار، وإنما ضبطت هذا اللفظ على ظهوره لأن بعض مشايخنا الفضلاء أخبرني (أ) أنه تنازع هو وولده، وكان أيضًا فاضلا، في الخدري هل هو بدال مهملة أو معجمة وأنهما سألا عن ذلك الشيخَ تقي الدين ابن دقيق العيد ﵀ فأخبرهما أنها بدال مهملة.
الموضع الثاني: في المسند والمرسل وهما من ألقاب الحديث، فالمسند المتصل الذي لم يحذف من إسناده أحد، والمرسل ما حذف من إسناده الصحابي عند المحدثين، وَأَيَّ رَاوٍ كَانَ عند الأصوليين.