ثَمَّ أشياءَ لم تذكر أحكامها، أو لا أحكام لها.
قوله: "فلا تبحثوا عنها" لا تستكشفوا عن أحوالها وتسألوا، ويرجع هذا إلى قوله ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].
واعلم أن للظاهرية في هذا الحديث ضربا من التمسك لأن مذهبهم اتباع ظواهر النصوص، وما لا حكم له في النصوص ردوه إلى حكم ما قبل الشرع، وهو ظاهر هذا الحديث؛ لأنه نهي عن البحث عما سكت عنه، والقول بالقياس وإلحاق المسكوت عنه بالمنطوق بحكمه بحث عما سكت عنه فيكون على خلاف الشرع، فيكون مردودًا عملا بقوله ﵊: "كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ".
واعلم أن هذا الاستدلال ظني، وأدلة القياس قاطعة فلا يعارضها الظني. والله أعلم بالصواب.
стр. 282
الحديث الحادي والثلاثون:
عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس فقال: "ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس" حديث حسن رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة (١).
أمَّا أن الزهد في الدنيا سبب لمحبة الله فلأن الله يحب من أطاعه، ويبغض من عصاه، وطاعة الله مع محبة الدنيا مما لا يجتمع، عرف ذلك بالنصوص والنظر والتجربة والطبع والتواتر، ولهذا قال ﵊: "حب الدنيا رأس كل خطيئة" (٢) والله لا يحب الخطايا ولا أهلها، ولأن الدنيا لهو ولعب والله لا يحب اللهو ولا اللعب، ولأن القلب بيت الرب ، والله لا شريك له، ولا يحب أن يشركه (أ) في بيته حب الدنيا ولا غيره.
وبالجملة فنحن نعلم قطعا أن محب الدنيا مبغوض عند الله ، فالزاهد فيها الراغب عنها محبوب له ، ومحبة الدنيا المكروهة هي إيثارها لقضاء شهوات النفس وأوطارها لأن ذلك يَشغل عن الله ،
стр. 283
أما محبتها لفعل الخير وتقديم الآخرة (أ) بها عند الله ونحو ذلك فهي عبادة لقوله ﵊: "نعم المال الصالح للرجل الصالح يصل به رحما أو يصنع به معروفا" (١) أو كما قال.
وفي الأثر "إذا كان يوم القيامة جمع الله الذهب والفضة كالجبلين العظيمين ثم يقول: هذا مالنا عاد إلينا سَعِدَ به قوم وشقي به آخرون".
وأمَّا أن الزهد فيما عند الناس سبب لمحبة الناس فلأن الناس يتهافتون على الدنيا بطباعهم، إذ الدنيا ميتة والناس كلابها، فمن زاحمهم عليها بغضوه (ب)، ومن زهد فيها وَوَفَّرَهَا عليهم أحبوه، وعَدُوُّ المرء من يعمل عمله.
ومما يروى من شعر الشافعي ﵁ في هذا المعنى قوله (٢):
وَمَنْ يَذُقِ الدُّنْيَا فَإِنِّي طَعِمْتُهَا ... وَسِيْقَ إِلَيْنَا عَذْبُهَا وَعَذَابُهَا
فَلَمْ أَرَهَا إلا غُرُوْرًا وَبَاطِلًا ... كَمَا لاَحَ فِي ظَهْرِ الفَلاَةِ سَرَابُهَا
وَمَا هِيَ إلا جِيفَةٌ مُسْتَحِيْلَةٌ ... عَلَيْهَا كِلاَبٌ هَمُّنَّ اجتِذَابُهَا
فَإِن تَجْتَنِبْهَا كُنْتَ سِلْمًا لأَهْلِها ... وَإِن تَجْتَذِبْهَا نَازَعَتْكَ كِلاَبُهَا.
стр. 284
واعلم أن الزهد في اللغة هو الإعراض عن الشيء لاستقلاله واحتقاره وارتفاع الهمة عنه، مأخوذ من قولهم: شيء زهيد، أي: قليل. وفي الحديث "إنك لزهيد" (١). وقال الشاعر:
وَأَغْدُو عَلَى القُوْتِ الزَّهِيدِ ... ................... البيت
وأما في الحكم فهو على أضرب:
أحدها: الزهد في الحرام، وهو الزهد الواجب العام.
والثاني: الزهد في الشبهات، والأشبه وجوبه لأنه وسيلة إلى اتقاء الوقوع في الحرام لقوله ﵊: "ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام" الحديث، واجتناب الحرام واجب، ووسيلة الواجب واجبة، فالزهد في الشبهات واجب.
الثالث: الزهد فيما عدا الضرورات من المباحات وهو المراد من هذا الحديث ظاهرا، وهو زهد الخواص العارفين بالله .
والرابع: الزهد فيما سوى الله من دنيا وجنة وغير ذلك، فلا قصد لصاحب هذا الزهد إلا الوصول إلى الله والقرب منه، وهو زهد المقربين، فلا جرم لما حصل لهم مقصودهم اندرج في ضمنه كل مقصود لغيرهم عفوا من غير طلب ولا قصد له، ولا جعلوه ثمن عبادتهم، و "كل الصيد في جوف الفرا" (٢) والله أعلم بالصواب.
стр. 285
الحديث الثاني والثلاثون:
عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لا ضرر ولا ضرار. حديث حسن رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما مسندًا، ورواه مالك في الموطأ عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي ﷺ مرسلًا فأسقط أبا سعيد (١)، وله طرق يُقَوَّى بعضُها ببعض.
الكلام على إسناد هذا الحديث ولفظه ومعناه.
أما إسناده فالكلام عليه في مواضع:
أحدها: الخدري بخاء معجمة مضمومة بعدها دال مهملة ساكنة، نسبة إلى خدرة اسم قبيلة من الأنصار، وإنما ضبطت هذا اللفظ على ظهوره لأن بعض مشايخنا الفضلاء أخبرني (أ) أنه تنازع هو وولده، وكان أيضًا فاضلا، في الخدري هل هو بدال مهملة أو معجمة وأنهما سألا عن ذلك الشيخَ تقي الدين ابن دقيق العيد ﵀ فأخبرهما أنها بدال مهملة.
الموضع الثاني: في المسند والمرسل وهما من ألقاب الحديث، فالمسند المتصل الذي لم يحذف من إسناده أحد، والمرسل ما حذف من إسناده الصحابي عند المحدثين، وَأَيَّ رَاوٍ كَانَ عند الأصوليين.
стр. 286
الموضع الثالث: أن الحديث اللين، أو الضعيف من جهة الضبط قد يقوى بالشواهد المنفصلة حتى يبلغ درحة ما يجب العمل به، كالمجهول من الناس إذا وجد مزكيا صار عدلا تقبل شهادته وروايته، ثم الشاهد قد يكون كتابًا مثل أن يضعف الحديث لكن يوافقه ظاهر آية، أو عموم، فيقوى بها ويتعاضدان على صيرورتهما دليلا، وقد يكون سنة إما عن راوي الحديث نفسه، أو عن غيره، وقد قيل في المثل:
لَا تُخَاصِمْ بِوَاحِدٍ أَهْلَ بَيْتٍ ... فَضَعِيفَانِ يَغْلِبَانِ قَوِيَّا
وقال الآخر:
إِنَّ القِدَاحَ إذَا اجتَمَعْنَ فَرَاَمَها ... بِالكسْرِ ذُو حَنَقٍ وبَطْشٍ أَيِّدِ
عَزّتْ فلم تُكْسَرْ، وَإِنْ هِيَ بُدِّدَتْ ... فَالكَسْرُ والتَّوْهِيْنُ لِلْمُتَبَدِّدِ (١)
قلت: فكذلك الأسانيد اللينة إذا اجتمعت حصل منها إسناد قوي، كما قال الشافعي ﵁ في قلتين نجستين (أ) ضمت (ب) إحداهما إلى الأخرى صارتا طاهرتين، وله نظائر (جـ)، فإذًا هذا الحديث ثابت يجب العمل بموجبه.
وأما لفظه فالضرر مصدر ضَرَّة يَضرُّة ضُرًّا وضَرَرًا، والضرار مصدر ضارَّهُ يُضَارُّهُ ضِرارًا. وفي التنزيل ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [سورة
стр. 287
البقرة: ٢٣١] والضرر إلحاق مفسدة بالغير مطلقا، والضرار إلحاق مفسدة به على جهة المقابلة، أي: كل منهما يقصد ضرر (أ) صاحبه.
ويروى هذا الحديث "ولا إضرار" بزيادة ألف، وهو مصدر أضر به إضرارًا إذا ألحق به ضررًا، وهو في معنى الضرر.
وقوله: "لا ضرر ولا ضرار" فيه حذف، أصله لا لحوق أو إلحاق ضَرَرٍ بأحد، ولا فعل ضِرَارٍ مع أحد. ثم المعنى لا لحوق ضرر شرعا إلا بموجب خاص مُخَصصٍ، أما التقييد بالشرع فلأن الضرر بحكم القدر الإلهي لا ينتفي، وأما استثناء لحوق الضرر لموجب خاص فلأن الحدود والعقوبات ضرر لاحق بأهلها، وهو مشروع بالإجماع، وإنما كان ذلك لدليل خاص، وإنما كان الضرر منفيا (ب) شرعا فيما عدا ما استثني لأن الله يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨] ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦] ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقال ﷺ "الدين يسر" (١) "بعثت بالحنفية السمحة السهلة" (٢) ونحو ذلك من النصوص المصرحة بوضع الدين على
стр. 288
تحصيل النفع والمصلحة، فلو لم يكن الضرر والضرار (أ) منفيا شرعا لزم وقوع الخلف في الأخبار الشرعية المتقدم ذكرها وهو محال.
وأما معناه فهو ما أشرنا إليه من نفى الضرر والمفاسد شرعا، وهو نفي عام إلا ما خَصَّصَهُ (ب) الدليل، وهذا يقتضي تقديم مقتضى هذا الحديث على جميع أدلة الشرع وتخصيصها به في نفي الضرر وتحصيل المصلحة؛ لأنا لو فرضنا أن بعض أدلة الشرع تَضَمَّنَ ضررا فإن نفيناه بهذا الحديث كان عملا بالدليلين، وإن لم ننفه به كان تعطيلا لأحدهما وهو هذا الحديث، ولا شك أن الجمع بين النصوص في العمل بها أولى من تعطيل بعضها.
ثم نقول: إن أدلة الشرع تسعة عشر بالاستقراء، لا يوجد بين العلماء غيرها.
أولها: الكتاب، وثانيها: السنة، وثالثها: إجماع الأمة، ورابعها: إجماع أهل المدينة، وخامسها: القياس، وسادسها: قول الصحابي، وسابعها: المصلحة المرسلة، وثامنها: الاستصحاب، وتاسعها: البراءة الأصلية، وعاشرها: العوائد، الحادي عشر: الاستقراء، الثاني عشر: سد الذرائع، الثالث عشر: الاستدلال، الرابع عشر: الاستحسان، الخامس عشر: الأخذ بالأخف، السادس عشر: العصمة، السابع عشر: إجماع أهل الكوفة، الثامن عشر: إجماع العشرة، التاسع عشر: إجماع الخلفاء
стр. 289
الأربعة، وبعضها متفق عليه، وبعضها مختلف فيه، ومعرفة حدودها، ورسومها، والكشف عن حقائقها، وتفاصيل أحكامها مذكور في أصول الفقه.
ثم إن قوله ﵊: "لا ضرر ولا ضرار" يقتضي رعاية المصالح إثباتا، والمفاسد نفيا، إذ الضرر هو المفسدة، فإذا نفاها الشرع لزم إثبات النفع الذي هو المصلحة لأنهما نقيضان لا واسطة بينهما.
وهذه الأدلة التسعة عشر أقواها النص والإجماع، ثم هما إما أن يوافقا رعاية المصلحة، أو يخالفاها، فإن وافقاها فَبِهَا وَنِعْمَت، ولا نزاع إذ قد اتفقت الأدلة الثلاثة على الحكم، وهي النص والإجماع ورعاية المصلحة المستفادة من قوله ﵊: "لا ضرر ولا ضرار" وإن خالفاها وجب تقديم رعاية المصلحة عليهما بطريق التخصيص والبيان لهما، لا بطريق الافتيات عليهما والتعطيل لهما، كما تقدم السنة على القرآن بطريق البيان.
وتقرير ذلك أن النص والإجماع إما أن لا يقتضيا ضررًا ولا مفسدة بالكلية، أو يقتضيا ذلك، فإن لم يقتضيا شيئًا من ذلك فهما موافقان لرعاية المصلحة، وإن اقتضيا ضررا فإما أن يكون مجموعَ مدلوليهما أو بعضَه، فإن كان مجموعُ مدلوليهما ضررًا فلا بد أن يكون من قبيل ما استثني من قوله ﵊: "لا ضرر ولا ضرار" وذلك كالحدود والعقوبات على الجنايات، وإن كان الضررُ بعضَ مدلوليهما فإن اقتضاه دليل خاص اتبع الدليل فيه، وإن لم يقتضه دليلٌ خاصٌّ وجب تخصيصهما بقوله ﵊: "لا ضرر ولا ضرار" جمعا بين الأدلة.
стр. 290
ولعلك تقول: إن رعاية المصلحة المستفادة من قوله ﵊: "لا ضرر ولا ضرار" لا تقوى على معارضة الإجماع لتقضي عليه بطريق التخصيص والبيان؛ لأن الإجماع دليل قاطع، وليس كذلك رعاية المصلحة؛ لأن الحديث الذي دَلَّ عليها واستفيدت منه ليس قاطعا، فهي أولى.
فنقول لك: إن رعاية المصلحة أقوى من الإجماع، ويلزم من ذلك أنها أقوى أدلة الشرع؛ لأن الأقوى من الأقوى أقوى، ويظهر ذلك بالكلام (أ) في المصلحة والإجماع.
أما المصلحة: فالنظر في لفظها، وَحَدهَا، وبيان اهتمام الشرع بها، وأنها مُبَرْهَنَةٌ.
أما لفظها: فهو مفعلة من الصلاح، وهو كون الشيء على هيئة كاملة بِحَسَبِ مَا يُرَادُ ذلك الشيء له، كالقلم يكون على هيئته الصالحة للكتابة به، والسيف على هيئته الصالحة للضرب به.
وأما حدها بحسب العرف: فهي السبب المؤدي إلى الصلاح والنفع كالتجارة المؤدية إلى الربح، وبحسب الشرع هي السبب المؤدي إلى مقصود الشارع عبادة أو عادة.
ثم هي تنقسم إلى ما يقصده الشارع لحقه كالعبادات، وإلى ما يقصده لنفع المخلوقين وانتظام أحوالهم كالعادات.
стр. 291
وأما بيان اهتمام الشرع بها: فمن جهة الإجمال والتفصيل:
أما الإجمال فلقوله (أ) تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧] الآيتين، ودلالتهما من وجوه:
أحدها: قوله ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ حيث اهتم بوعظهم، وفيه أكبر مصالحهم، إذ في الوعظ كفهُّم عن الردى (ب) وإرشادهم إلى الهدى.
الوجه الثاني: وصف القرآن بأنه شفاء لما في الصدور، يعني من شك ونحوه، وهو مصلحة عظيمة.
الوجه الثالث: وصفه بالهدى.
الوجه الرابع: وصفه بالرحمة، وفي الهدى والرحمة غاية المصلحة.
الوجه الخامس: إضافة ذلك إلى فضل الله ورحمته ولا يصدر عنهما إلا مصلحة عظيمة.
الوجه السادس: أمره إياهم بالفرح بذلك لقوله ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ وهو في معنى التهنئة لهم بذلك، والفرح والتهنئة إنما يكونان لمصلحة عظيمة.
الوجه السابع: قوله ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ والذي
стр. 292
يجمعونه هو من مصالحهم، فالقرآن ونفعه أصلح من مصالحهم، والأصلح من المصلحة غاية المصلحة، فهذه سبعة أوجه من هذه الآية تدل على أن الشرع راعى مصلحة المكلفين واهتَمَّ بها، ولو استقريت النصوص لوجدت على ذلك أدلة كثيرة.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون من جملة ما راعاه من مصالحهم نصب النص والإجماع دليلا لهم على معرفة الأحكام؟.
قلنا: هو كذلك، ونحن نقول به في العبادات، وحيث وافقا المصلحة في غير العبادات، وإنما نحن نرجح رعاية المصالح في العادات والمعاملات ونحوها؛ لأن رعايتها في ذلك هي قطب مقصود الشرع منها، بخلاف العبادات فإنها حق الشرع، ولا يعرف كيفية إيقاعها إلا من جهته نصًّا أو إجماعًا.
وأما التفصيل ففيه أبحاث:
الأول: في أن أفعال الله معللة أم لا؟
حجة المثبت: أن فعلًا لا علة له عبث، والله منزه عن العبث، ولأن القرآن مملوء من تعليل الأفعال نحو ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥] ونحوه.
حجة النافي (أ): أن كل من فعل فعلا لعلة فهو مستكمل بتلك العلة ما لم يكن له قبلها، فيكون ناقصا بذاته، كاملًا بغيره، والنقص على الله
стр. 293
عزَّ وجلَّ محال.
وأجيب عنه بمنع الكلية، فلا يلزم ما ذكروه إلا في حق المخلوقين.
والتحقيق أن أفعال الله معللة بِحِكَمٍ غائية يعود بنفع المكلفين، فَكَمَالُهُمْ لا ينفع اللهَ وَكَمَالَهُ، لاستغنائه بذاته عما سواه.
البحث الثاني: أن رعاية المصالح تفضل من الله على خلقه عند أهل السنة، واجبة عليه عند المعتزلة.
حجة الأولين: أن الله متصرف في خلقه بالملك، ولا يجب لهم عليه شيء، ولأن الإيجاب يستدعى موجبا أعلى، ولا أعلى من الله يوجب عليه.
حجة الآخرين: أن الله كلَّف خلقه بالعبادة، فوجب أن يراعى مصالحهم إزالة لعللهم في التكليف، وإلا لكان ذلك تكليفا بما لا يطاق أو شبيهًا به.
وأجيب عنه بأن هذا مبني على تحسين العقل وتقبيحه، وهو باطل عند الجمهور.
والحق أن رعاية المصالح واجبة من الله حيث التزم التفضل بها، لا واجبة عليه، كما قلنا في ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٧] أن قبولها واجب منه، لا عليه، وكذلك الرحمة في قوله ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] ونحو ذلك.
البحث الثالث: في أن الشرع حيث راعى مصالح الخلق هل راعى مطلقها في جميع محالها، أو أكملها في جميع محالها، أو أوسطها في جميع محالها،
стр. 294
أو راعى مطلقها في بعض، وأكملها في بعض، وأوسطها في بعض، أو أنه راعى منها في كل محل ما يصلحهم وينتظم به حالهم؟
والأقسام كلها ممكنة، وأشبهها الأخير (أ).
البحث الرابع: في أدلة رعاية المصلحة على التفصيل، وهي من الكتاب والسنة والإجماع والنظر، ولنذكر من كل منها يسيرا على جهة ضرب المثال إذ استقصاء ذلك يتعذر.
أما الكتاب: فنحو قوله ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] وهو كثير، ورعاية مصلحة الناس في نفوسهم وأموالهم وأعراضهم مما ذكرناه ظاهرة، وبالجملة فما من آية من كتاب الله إلا وهي تشتمل على مصلحة، أو مصالح كما بينَّاه (ب) في غير هذا الموضع.
وأما السنة: فنحو قوله ﷺ : "لا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا يبع حاضر لباد" (١) "ولا تنكح المرأة على عمتها أو خالتها، إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم" (٢) وهذا ونحوه في (جـ) السنة كثير؛ لأنها بيان الكتاب،
стр. 295
وقد بيَّنا اشتمال كل آية منه على مصلحة، والبيان على وفق المُبَيَّن.
وأما الإجماع: فقد أجمع العلماء إلا من لا يعتد به من جامدي (أ) الظاهرية على تعليل الأحكام بالمصالح ودرء المفاسد، وأشدهم في ذلك مالك حيث قال بالمصالح المرسلة، وفي الحقيقة لم يختص بها، بل الجميع قائلون بها غير أنه قال بها أكثرَ منهم (١)، وحتى إن المخالفين في كون الإجماع حجة قالوا بالمصالح، ومن ثَمَّ عُلِّلَ وجوبُ الشفعة برعاية حق الجار ومصلحته، وجواز السلم والإجارة لمصلحة الناس مع مخالفتهما القياس (ب)، إذ هما معاوضة على معدوم. وسائر أبواب الفقه ومسائله فيما يتعلق بحقوق الخلق معلل بالمصالح.
وأما النظر: فلا شك عند كل ذي عقل صحيح أن الله راعى مصلحة خلقه عموما وخصوصا، أما عموما ففي مبدئهم ومعاشهم.
أما المبدأ فحيث أوجدهم بعد العدم على الهيئة التي ينالون بها مصالحهم في حياتهم ويجمع ذلك قوله ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار: ٦ - ٨] وقوله ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠].
стр. 296
وأما المعاش فحيث هيَّأ (أ) لهم أسباب ما يعيشون به ويتمتعون به من خلق السموات (ب) والأرض، وما فيهما، وما بينهما، وجماع ذلك في قوله ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)﴾ [الجاثية: ١٣] وتفصيله بعض التفصيل في قوله ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦)﴾ إلى قوله ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾ [النبأ: ٦ - ١٧] وفي قوله ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ إلى قوله ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾ [عبس: ٢٤ - ٣٢].
وأما خصوصا فرعاية مصلحة المعاد (جـ) في حق السعداء حيث هداهم السبيل ووفقهم لنيل الثواب الجزيل في خير مقيل.
وعند التحقيق إنما راعى مصلحة المعاد (د) عموما حيث دعا الجميع إلى الإيمان الموجب لمصلحة المعاد، ولكن بعضهم فرط بعدم الإجابة بدليل قوله ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧].
وتحرير هذا المقام أن الدعاء كان عموما والتوفيق المُكَملُ للمصلحة
стр. 297
المُصَححُ لوجودها كان خصوصا بدليل قوله ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥] فدعا عاما، وهدى ووفَّق خاصًّا.
إذا عرف هذا فمن المحال أن يراعى الله مصلحة خلقه في مبدئهم ومعادهم ومعاشهم، ثم يهمل مصلحتهم في الأحكام الشرعية، إذ هي أهم، فكانت بالمراعاة أولى، ولأنها أيضًا من مصلحة معاشهم إذ بها صيانة أموالهم ودمائهم وأعراضهم فلا معاش لهم بدونها فوجب القول بأنه راعاها لهم، وإذا ثبت (أ) رعايته إياها لم يجز إهمالها لها بوجه من الوجوه، فإن وافقها النص والإجماع وغيرهما من أدلة الشرع فلا كلام، وإن خالفها دليل شرعي وُفِّقَ بينه وبينها بما ذكرناه من تخصيصه بها، وتقديمها بطريق البيان.
وأما رعاية المصلحة مبرهنة فقد دلَّ عليه ما ذكرناه من اهتمام الشرع بها وأدلته.
وأما الإجماع فالنظر في لفظه وحَده وأدلته والاعتراض عليها، ثم معارضتها.
أما لفظه: فهو إفعال من أجمع يُجمِع، وهو في اللغة العزم والاتفاق يقال: أجمع القوم على كذا إذا عزموا، وإذا اتفقوا أيضًا.
وأما حده اصطلاحا: فهو اتفاق مجتهدي هذه الأمة على أمر ديني.
стр. 298
وأما أدلته فالكتاب والسنة والنظر.
أما الكتاب ففيه (أ) آيات:
الأولى: قوله ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
وجه دلالتها (ب) أنه توعَّد من شاقق الرسول واتبع غير سبيل المؤمنين، والوعيد لا يكون إلا عن فعل محرم، أو ترك واجب، والإجماع هو سبيل المؤمنين، وقد وقع الوعيد على تركه، فهو محرم، فاتباعه واجب.
والاعتراض عليه بوجوه كثيرة أقواها ستة:
أحدها: أن الوعيد في الآية على شيئين: مشاقة الرسول، واتباع غير سبيل المؤمنين، فهما جميعا واجبان، ولا يلزم من وجوب الشيء مع غيره وجوبه منفردًا (جـ)، لجواز أن يكون الآخر شرطا فيه، أو ركنًا له.
الثاني: أن اللام في المؤمنين يحتمل العهد والاستغراق، وبتقدير كونها للعهد لا يتم الدليل لاحتمال إرادة جماعة من المؤمنين مخصوصة كالصحابة، أو بعضهم، كما ذهب إليه الظاهرية من أن الحجة في إجماع الصحابة، لا غير؛ لأن الخطاب لهم، وفي عصرهم فيختص بهم.
стр. 299
الثالث: أن الإضافة في غير سبيل المؤمنين ليست محضة (١)؛ لأن غير لا تتعرف بالإضافة لشدة إبهامها، وحينئذ لا تدل الآية على ترتب الوعيد على كل فرد فرد من اتباع غير سبيل المؤمنين، إذ يبقى تقدير الآية: ويتبع أمرًا مغايرا لسبيل المؤمنين، فيحمل ذلك الأمر على غير (أ) سبيلهم في الإيمان،
стр. 300
وحينئذ يصير الوعيد على مشاقة الرسول والكفر، ولا دليل فيه على اتباع الإجماع.
وفي هذا الوجه نظر، لأن الكلام في سياق الشرط، والنكرة في سياق الشرط تعم، كما في سياق النفى، ويمكن دفع هذا النظر بأن يحمل الأمر المنكور (أ) في قوله: (ويتبع أمرا مغايرا لسبيل المؤمنين) (١) على معهود معين وهو الكفر، ويدل عليه سياق الآية بعدها وقبلها، فإنها في الكفر والكفار.
ويمكن تقرير هذا الوجه ابتداء بأن يمنع العموم في سبيل المؤمنين، فيحمل على سبيلهم في خصوص الإيمان، فيكون الوعيد على مخالفتهم فيه بالكفر، وهذا غير ما قَدَّرَته أوَّلًا، لأن هذا منعٌ لعموم سبيل المؤمنين، وذلك منعٌ لعموم المغايرة التي دلت عليها غير.
الرابع: أن السبل ثلاث: سبيل المؤمنين، وسبيل غير المؤمنين، والسبيل المتوسط بينهما، لا سبيل هؤلاء، ولا سبيل هؤلاء، بل السبيل المباحة التي لا وعد عليها ولا وعيد، وبتقدير وجود هذه الواسطة لا يتم الدليل على وجوب اتباع سبيل المؤمنين.
الخامس: أن الآية مقابلة للتي قبلها في الجملة الشرطية والعطف عليها، وفي التي قبلها خصال ثلاث، فوجب أن يكون المراد بسبيل المؤمنين فيها أضداد تلك الخصال الثلاث تصحيحًا للمقابلة، وتحقيقا لها في الآيتين.
стр. 301
بيان ذلك أن الآية التي قبل هذه ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما﴾ [سورة النساء: ١١٥] ثم قابلها بقوله ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾ أي: في الأمر بالصدقة والمعروف والإصلاح، بأن أمر بأضداد ذلك، وهذا (أ) تأويل له ظهور في الآية ولو لم يكن إلا مجرد احتماله قدح في دلالة الآية على المطلوب.
السادس: بتقدير تسليم ما ذكرتم فإنما يدل على وجوب اتباع الإجماع، ونحن نقول به في العبادات وأشباهها من المقدرات التي لا تعلم إلا بالنص أو ما قام مقامه، والنزاع إنما هو (ب) في تقديم المصلحة عليه بطريق البيان لكونها أقوى منه، وليس في دليلكم ما يمنع ذلك.
الآية الثانية (١): قوله ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس﴾ [سورة البقرة: ١٤٤] وجه دلالتها (جـ) أن الوسط هو العدل الخيار، والعدل الخيار لا يصدر عنه إلا الحق، والإجماع صادر عن هذه الأمة العدول الخيار، فليكن حقًّا.
стр. 302
والاعتراض عليه أن العدل إنما يلزم صدور الحق عنه بطريق الظاهر فيما طريقه الصدق والكذب، وهو نقل الأخبار، وأداء الشهادات، أما فيما طريقه الخطأ والصواب في استخراج الأحكام والاجتهاد فيها فلا.
فإن قيل: إذا ثبت عدالة الأمة لزم أنهم لا يجمعون إلا عن مستند قاطع، والقاطع يجب العمل به.
قلنا: لا نسلم أنهم لا يجمعون إلا عن قاطع، وقد صرح جمهور مثبتي الإجماع بجواز انعقاده عن الأمارات كالقياس وخبر الواحد، بل قد ذهب كثير إلى انعقاد الإجماع لا عن مستند أصلا، بل بالبحث المحض بناء على أن الأمة معصومة، فكيفما اتفقت على حكم كان اتفاقها حجة، عن مستند كان أو غيره.
سلمنا أنهم لا يجمعون إلا عن قاطع، لكن ما المراد بالقاطع؟ إن أريد به القاطع القطع العقلي الذي لا يحتمل النقيض فمثله نادر، أو متعذر في أدلة الشرع، وبتقدير وجوده لا نسلم أنه يخالف المصلحة فيعود إلى الوفاق، وإن أريد به القاطع الشرعي فقد بيَّنَّا أن أدلة الشرع تسعة عشر، وليس فيها ما بمكن دعوى القطع فيه إلا الإجماع والنص ورعاية المصلحة.
أما الإجماع فلا يجوز اعتباره في مستند (أ) الإجماع لأنه إثبات الشيء بنفسه، ولو اعتبر كان نزاعنا فيه كالنزاع في فرعه المنعقد عنه.
وأما النص فهو إما متواتر أو آحاد، وعلى التقديرين فهو إما صريح في
стр. 303
الحكم أو محتمل، فهي أربعة أقسام:
فإن كان متواترا صريحا فهو قاطع من جهة متنه ودلالته، لكن قد يكون محتملا من جهة عموم أو إطلاق (أ)، وذلك يقدح في كونه قاطعا مطلقا، فإن فرض عدم احتماله من جهة العموم والإطلاق ونحوه وحصلت فيه القطعية من كل جهة بحيث لا يتطرق إليه احتمال بوجه منعنا أن مثل هذا يخالف المصلحة فنعود إلى الوفاق.
وإن كان آحادا محتملا فلا قطع، وكذا إن كان متواترا محتملا، أو آحادا صريحا لا احتمال في دلالته بوجه، لفوات قطعيته من أحد طرفيه إما متنه أو سنده، وأيضًا فإن الإجماع أقوى من النص فإذا نازعناكم في الإجماع ورجحنا عليه المصلحة فالنص بذلك أولى، فانتفت بذلك دعوى القطعية في مستند (ب) الإجماع من جهة الإجماع والنص، فلم يبق إلا رعاية المصلحة، فإذا استند الإجماع إليها فهو موافق لما نقوله، لأنا نعتمد في الأحكام المصلحة سواء كانتا بواسطة الإجماع ونحوه أو بغير واسطة.
الآية الثالثة (١): قوله ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [سورة آل عمران: ١١١] الآية، وهو ثناء عليهم، وثناء الله عليهم تعديل لهم فليكن إجماعهم حجة.
стр. 304
والاعتراض عليه كالاعتراض على الذي قبله فهذه الآيات المستدل بها على الإجماع من القرآن.
وأما السنة فقوله ﵊: "أمتي لا تجتمع على ضلالة" (١) وما ورد بمعناه.
وجه الاستدلال به أنه ورد بألفاظ كثيرة، وروايات متعددة تبلغ التواتر المعنوي، كشجاعة علي، وسخاء حاتم، ودلالته قاطعة في وجوب اتباع الإجماع، فصار في قوة النص القاطع إسنادًا ومتنا على المطلوب، فيجب اتباعه.
والاعتراض عليه بأن هذا الخبر وإن تعددت ألفاظه ورواياته لا نسلم أنه بلغ رتبة التواتر المعنوي، لأنا إذا عرضنا هذا الخبر على أذهاننا، وسخاء حاتم، وشجاعة علي، ونحوهما من المتواترات المعنوية وجدناها قاطعة بثبوت الثاني، غير قاطعة بالأول، فهو إذًا في القوة دون سخاء حاتم، وشجاعة علي، وهما متواتران، وما دون المتواتر ليس بمتواتر، فهذا الخبر ليس بمتواتر، لكن في غاية الاستفاضة.
فإن قيل: تلقته الأمة بالقبول فدل على ثبوته (أ)، فجوابه من وجوه:
أحدها: لا نسلم تلقيها له بالقبول، إذ منكروا الإجماع كالنظام والشيعة والخوارج والظاهرية -فيما عدا إجماع الصحابة- لو تلقوه بالقبول لما خالفوه.
стр. 305
الثاني: أن الاحتجاج بتلقي الأمة له بالقبول احتجاج للإجماع (أ) بالإجماع، وهو إثبات الشيء بنفسه.
الثالث: سلمنا تلقيهم له بالقبول، لكن قبولا مظنونا لا مقطوعًا، والظن لا يصلح مستندًا للإجماع (ب) المُدَّعَى قطعيته، وكونه أقوى أدلة الشرع بحيث تُسْفَكُ به الدماء وتترتب عليه الأحكام القواطع، فإن ذلك (جـ) تفريع للقوي على الضعيف، والقاطع على المظنون.
سلمنا أنه بلغ رتبة التواتر، لكن لا نسلم أنه قاطع في وجوب اتباع الإجماع، لاحتمال أنه أراد (د) بها لا تجتمع على ضلالة الكفر، فلا يكون حجة في وجوب اتباع الإجماع فيما سوى الإيمان المقابل للكفر.
فأما نحو قوله ﵊: "اتبعوا السواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار" (١) و "يد الله على الجماعة" (٢) فإنما المراد به طاعة الأئمة والأمراء، وترك الخروج عليهم بدليل قوله ﷺ : "اسمعوا وأطيعوا
стр. 306
وإن تأمر عليكم عبد حبشي" (١) وقوله ﵊: "من مات تحت راية عمية مات ميتة جاهلية" (٢).
ثم يرد على دليل الإجماع من الكتاب والسنة سؤالان:
أحدهما: أنه استدلال بظواهر سمعية إذ (أ) لا قاطع فيها لورود الإشكالات المذكورة عليها، والظواهر السمعية إنما وجب الاحتجاج بها بالإجماع، فلو ثبت الإجماع بها لزم الدور.
الثاني: أن المؤمنين في الآية وأمتي في الخبر يقتضي كل مؤمن وجميع الأمة، لكن الأمة قد افترقت بموجب النص على ثلاث وسبعين فرقة، ونحن نقول بموجب الدليل، فإنَّ ما اجتمعت عليه الأمة بجميع فرقها الثلاث والسبعين حجة قاطعة يجب اتباعها، لكن مجموع الأمة بفرقها إنما أجمعوا على الإيمان بالله ورسوله (ب)، ومسائل يسيرة بعد ذلك، ولا جرم أن إجماعهم في تلك المسائل حجة، وبهذا يظهر سر قوله ﵊: "أمتي لا تجتمع على ضلالة" (٣) أي: أمتي بفرقها.
وأما النظر (٤) فلأن الجمَّ الغفير من أهل الفضل والذكاء مع استفراغ
стр. 307
الوسع في الاجتهاد (أ) وإمعان النظر في طلب الحكم يمتنع في العادة اتفاقهم على الخطأ.
واعترض عليه بالنقض بإجماع اليهود والنصارى وسائر أهل الملل على ضلالهم مع كثرتهم وفضلهم واجتهادهم وإمعانهم في النظر، ثم إنهم مخطئون بإجماع المسلمين.
وأما معارضة أدلة الإجماع فمن وجوه:
أحدها: لو كان الإجماع حجة لكان إما لذات المجتمعين، أو لشهادة الشرع لهم بالعصمة، والأول باطل، إذ المجمعون ليسوا معصومين على إرادتهم، إذ لا يلزم من فرض عدم عصمتهم محال لذاته، والثاني باطل، لأن شهادة الشرع بعصمتهم إما متواترة، لكن تواترها ممنوع كما تقرر، أو آحاد، وهو لا يفيد المقصود، فظهر أن الإجماع ليس بحجة.
الوجه الثاني: قوله ﵊: "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة" (١) مع قوله: "أمتي لا تجتمع (ب) على ضلالة" فنقول: المراد بالأمة التي لا تجتمع على ضلالة، مجموع الفرق الثلاث والسبعين، أو الفرقة الناحية منهم؟
стр. 308
فإن أريد مجموع الفرق لم يصح (أ) لوجهين:
أحدهما: أن منهم من لا يقول بالإجماع، فلا يصح اعتبار إجماع من لا يرى الإجماع حجة.
الثاني: أن من فرق الأمة من يكفر ببدعته، والكافر لا يعتبر في الإجماع، وإن أريد الفرقة الناجية فليست مجموع الأمة، بل هي ثُمُنُ تُسُعِ الأمة تقريبا، جزء من ثلاثة وسبعين جزءًا، فيبقى تقدير الحديث ثمن تسع أمتي لا يجتمع على ضلالة، أو جزء من ثلاثة وسبعين جزءًا من أمتي لا يجتمع على ضلالة، وهو ركيك من الكلام، لا يجوز نسبة مثله إلى النبي ﷺ .
الوجه الثالث: أن عثمان بن عفان ﵁ والإمامين قبله حجبوا الأم عن الثلث إلى السدس بأخوين، ولم يحجبها ابن عباس إلا بثلاثة، وناظر عثمان في ذلك، حيث قال لعثمان: إن الله يقول: ﴿فإن كان له إخوة فلأمه السدس﴾ [سورة النساء: ١٢] وليس الأخوان إخوة في لسان قومك، فقال عثمان: إني لا أدع أمرا كان قبلي (١).
وهذا احتجاج من عثمان بالإجماع، ولو كان حجة لما خالفه ابن عباس لظاهر القرآن ابتداء، ولما أقره عثمان على خلافه دومًا (ب)، بل كان يأخذ على يده، ويرده إلى إجماع الناس، وهذا يدل على أن الإجماع دون ظواهر
стр. 309
النصوص في القوة، كما فعله ابن عباس حيث قدم ظاهرًا من ظواهر الكتاب على الإجماع، وخصوصا إجماع الخلفاء الثلاثة ومن في عصرهم.
الوجه الرابع: أن الصحابة أجمعوا على جواز التيمم للمرض وعدم الماء، وخالف ابن مسعود حيث قال: لو رخصنا لهم في هذا لأوشك أن يبرد على أحدهم الماء فيتيمم وهو يرى الماء، فاحتج أبو موسى عليه بالآية، وحديث عمار فلم يلتفت (١)، وهذا ترك للنص (أ) والإجماع بمجرد المصلحة، ثم اشتهر هذا عن ابن مسعود ولم ينكر عليه أحد، فهو في ذلك إما مصيب أو مخطئ، فإن كان مصيبا لزم جواز ترك النص والإجماع بالمصلحة ونحوها، وهو المطلوب، وإن كان مخطئا لزم خطأ أهل الإجماع في ترك الإنكار عليه، فأحد الأمرين لازم، إما جواز ترك الإجماع لفعل ابن مسعود فلا يكون حجة، أو وقوع الإجماع على الخطأ، لإقرار الصحابة ابن مسعود على خطئه، وكلا الأمرين قادح في الإجماع.
فإن قيل: لا نسلم انعقاد الإجماع على التيمم عند عدم الماء لمخالفة ابن مسعود فيه، ولا نسلم اتفاق الصحابة على ترك الإنكار على ابن مسعود قوله، لرد أبي موسى عليه، فبطل ما احتججتم به على القدح في الإجماع.
قلنا: بتقدير أن ابن مسعود لم يخالف الإجماع فقد خالف النص الذي هو أصل الإجماع بمجرد المصلحة، وأنتم لا تقولون بترك النص لقياس ولا مصلحة، فهو إذًا مخطئ عندكم، وقد أقره الصحابة على الخطأ، ولزم
стр. 310
المحذور، وأما رَدُّ أبي موسى على ابن مسعود فهو رَدُّ مُنَاظَرَةٍ وجدال، لا رَدُّ إنكار، والفرق بينهما واضح.
واعلم أن غرضنا من هذا كله ليس القدح في الإجماع وإهداره بالكلية، بل نحن نقول به في العبادات والمقدرات ونحوهما، وإنما غرضنا بيان أن رعاية المصلحة المستفادة من قوله ﵊: "لا ضرر ولا ضرار" أقوى من الإجماع، ومستندها أقوى من مستنده.
وقد ظهر ذلك مما قررناه في دليلها (أ)، والاعتراض على أدلة الإجماع.
ومما يدل على تقديم رعاية المصلحة على النصوص والإجماع على الوجه الذي ذكرناه وجوه:
أحدها: أن منكري الإجماع قالوا برعاية المصاع فهو إذًا محل وفاق، والإجماع محل خلاف (ب)، والتمسك بما اتفق عليه أولى من التمسك بما اختلف فيه.
الوجه الثاني: أن النصوص مختلفة متعارضة فهي سبب الخلاف في الأحكام المذموم شرعا (١)، ورعاية المصالح أمر حقيقي في نفسه ولا يختلف فيه،
стр. 311
فهو سبب الاتفاق المطلوب شرعا، فكان اتباعه أولى.
وقد قال الله ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾ [سورة آل عمران: ١٠٤] ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء﴾ [سورة الأنعام: ١٦٠] وقوله ﵊: "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم" (١) وقد قال في مدح الاجتماع ﴿وألَّف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم﴾ [سورة الأنفال: ٦٤] وقال ﵊ "وكونوا عباد الله اخوانا" (٢) ومن تأمل ما حدث بين اتباع أئمة المذاهب من التشاجر والتنافر (أ) علم صحة ما قلنا، حتى إن المالكية استقلوا بالمغرب، والحنفية بالمشرق، فلا يُقارُّ أحد المذهبين أحدًا من غيره (ب) في بلاده إلا على وجهٍ ما، حتى بلغنا أن أهل جيلان من الحنابلة إذا دخل إليهم حنفي قتلوه وجعلوا ماله فيئًا، كحكمهم في الكفار، وحتى بلغنا أن بعض بلاد ما وراء النهر من بلاد الحنفية كان فيه مسجد واحد للشافعية، فكان والي البلد يخرج كل يوم لصلاة الصبح فيرى ذلك المسجد، فيقول: أما آن لهذه الكنيسة أن تغلق! فلم يزل كذلك حتى أصبح يومًا وقد سُدَّ باب ذلك المسجد بالطين واللبن
стр. 312
فأعجب الوالي ذلك. ثم إن كُلًّا من أتباع الأئمة يفضل إمامه على غيره في تصانيفهم ومحاوراتهم (أ). (١)
حتى رأيت حنفيًّا صنف مناقب (ب) أبي حنيفة فافتخر فيه (جـ) بأتباعه كأبي يوسف ومحمد وابن المبارك ونحوهم، ثم قال (د) يعرض بباقى المذاهب:
أُولَئِكَ أَصْحَابِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ ... إِذَا جَمَعَتْنَا يَا جَرِيرُ المَجَامِعُ (٢)
وهذا شبيه بدعوى الجاهلية، وغيره كثير.
وحتى أن المالكية يقولون: إن الشافعي غلام مالك، والشافعية يقولون: أحمد بن حنبل غلام الشافعي، والحنابلة يقولون: الشافعي غلام أحمد بن حنبل، وقد ذكره أبو الحسين ابن الفراء في كتاب الطبقات (٣)، من أتباع أحمد، والحنفية يقولون: الشافعي غلام أبي حنيفة، لأنه غلام محمد بن
стр. 313
الحسن، ومحمد غلام أبي حنيفة، قالوا: ولولا أن الشافعي من أتباع أبي حنيفة لما رضينا أن ننصب معه الخلاف، وحتى أن الشافعية يصفون (أ) أبا حنيفة بأنه من الموالي، وأنه ليس من أئمة الحديث، وأحوج ذلك الحنفية إلى الطعن في نسب الشافعي، وأنه ليس قرشيا، بل هو من موالي قريش، ولا إمامًا في الحديث لأن البخاري ومسلما أدركاه (١)، ولم يرويا عنه، ولم يدركا إمامًا إلا ورويا عنه، حتى احتاج الإمام فخر الدين والتميمي (٢) في تصنيفهما مناقب الشافعي إلى الاستدلال على هاشميته (٣).
وحتى جعل كل فريق يروي السنة في تفضيل إمامه، فالمالكية رووا "يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل، فلا يوجد عالم أعلم من عالم المدينة" (٤) قالوا: وهو مالك.
стр. 314
والشافعية رووا "الأئمة من قريش" (١) و "تَعَلَّمُوْا من قريش وَلَا تُعَلِّمُوْهَا" (٢) و "عالم قريش يملأ الأرض علمًا" (٣) قالوا: ولم يظهر من
стр. 315
قريش بهذه الصفة إلا الشافعي.
والحنفية رووا "يكون في أمتي رجل يقال له: النعمان، هو سراج أمتي، هو سراج أمتي، هو سراج أمتي، ويكون فيهم (أ) رجل يقال له: محمد بن إدريس هو أضر على أمتي من إبليس" (١).
والحنابلة رووا "يكون في أمتي رجل يقال له: أحمد بن حنبل يصبر على سُنَّتِي صبر الأنبياء"، أو كما قال، ذهب عني لفظه. وقد ذكره أبو الفرج الشيرازي (٢) في أول كتابه المبهج (ب).
واعلم أن هذه الأحاديث ما بين صحيح لا يدل، أو دالٍّ لا يصح.
أما الرواية في مالك والشافعي فجيدة لكنها لا تدل على مقصودهم، لأن عالم المدينة إن كان اسم جنس فعلماء المدينة كثير، ولا اختصاص لمالك دونهم، وإن كان اسم شخص فمن علماء المدينة الفقهاء السبعة وغيرهم من مشايخ مالك الذين أخذ عنهم، وكانوا حينئذ أشهر منه فلا وجه لتخصيصه
стр. 316
بذلك دونهم، وإنما حمل أصحابَهُ على حمل الحديث عليه كثرةُ أتباعه وانتشار مذهبه في الأقطار، وذلك أمارة على ما قالوه.
وكذلك "الأئمة من قريش" لا اختصاص للشافعي به، ثم (أ) هو محمول على الخلفاء في ذلك، وَرِدْفٌ على ذلك، احتجَّ به أبو بكر ﵁ يوم السقيفة.
وكذلك "تعلموا من قريش" لا اختصاص لأحد به.
أما قوله: "عالم قريش يملأ الأرض علما" فابن عباس يزاحم الشافعي فيه، وهو أحق به لسبقه وصحبته ودعاء النبي ﷺ له في قوله: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" (١) وكان يسمى بحر العلم وحبر العرب، وإنما حمل الشافعية الحديث على الشافعي لاشتهار مذهبه وكثرة أتباعه، على أن مذهب ابن عباس مشهور بين العلماء لا ينكره أحد.
وأما الرواية في أبي حنيفة وأحمد بن حنبل فموضوعة باطلة لا أصل لها.
أما حديث "هو سراج أمتي" فأورده ابن الجوزي في الموضوعات، وذكر أن مذهب الشافعي لما اشتهر أراد الحنفية إخماله (ب) فتحدثوا مع مأمون بن أحمد السلمي (٢)، وأحمد بن عبد الله الجويباري (٣)، وكانا كذابين
стр. 317
وضَّاعين فوضعا هذا الحديث في مدح أبي حنيفة، وذم الشافعي، ويأبى الله إلا أن يتم نوره.
وأما الرواية في أحمد بن حنبل فموضوعة قطعا، لأنا قدَّمنا أن أحمد كان أحفظ الناس للسنة وأشدهم بها إحاطة، حتى ثبت أنه كان يذاكر بألف ألف حديث، وأنه قال: خرجت مسندي من سبعمائة ألف حديث وخمسين ألف حديث، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله ، فما لم تجدوه فيه فليس بشيء. ثم إن هذا الحديث الذي أورده الشيرازي في مناقب أحمد ابن حنبل ليس في مسنده، فلو كان صحيحًا لكان هو أولى الناس بإخراجه والاحتحاج به في محنته التي طبق الأرض ذكرها.
فانظر بالله أمرًا يحمل الأتباع على وضع الأحاديث في تفضيل أئمتهم وذم بعضهم، وما سَبَبُه إلّا تَنَافِيْهِم في المذاهب، بتحكيمهم الظواهر ونحوها على رعاية المصالح، الواضع بيانُها الساطعِ برهانُها، فلو اتفقت كلمتهم بطريق ما لما كان شيء مما ذكرناه عنهم.
واعلم أن (أ) من أسباب الخلاف الواقع بين العلماء تعارض الروايات والنصوص.
وبعض الناس يزعم أن السبب في ذلك عمر بن الخطاب، وذلك أن الصحابة (ب) استأذنوه في تدوين السنة من ذلك الزمان فمنعهم من ذلك،
стр. 318
وقال: لا أكتب مع القرآن غيره، مع علمه أن النبي ﷺ قال: "اكتبوا لأبي شاه" (١) خطبة الوداع، وقال: "قيدوا العلم بالكتابة (أ) " (٢) قالوا: فلو ترك الصحابة يدون كل واحد منهم ما روى عن النبي ﷺ لانضبطت السنة، ولم يبق بين أحد (ب) من الأمة وبين النبي ﷺ في كل حديث إلا الصحابي الذي دون روايته، لأن تلك الدواوين كانت تتواتر عنهم إلينا، كما تواتر البخاري ومسلم ونحوهما (٣).
стр. 319
الوجه الثالث (١): فقد ثبت في السنة معارضة النصوص بالمصالح ونحوها في قضايا؛
منها: معارضة ابن مسعود النص (أ) والإجماع في التيمم لمصلحة الاحتياط للعبادة كما سبق.
ومنها قوله ﵊ لأصحابه حين فرغ من الأحزاب: "لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة" (٢) فصلى بعضهم قبلها، وقالوا: لم يرد منا ذلك، وهو شبيه بما ذكرناه.
ومنها قوله ﵊ لعائشة: "لولا قومك حديث عهد بالإسلام لهدمت الكعبة، وبنيتها على قواعد إبراهيم" (٣) وهو يدل على أن بناءها على قواعد إبراهيم هو الواجب في حكمها، فتركه لمصلحة التألف (ب).
ومنها أنه ﵊ لما أمرهم يحعل الحج عمرة، قالوا: كيف وقد سَمَّينَا الحَجَّ؟ (٤) وتوقفوا، وهو معارضة للنص بالعادة، وهو شبيه بما نحن فيه، وكذلك يوم الحديبية لما أمرهم بالتحلل توقفوا تمسكا
стр. 320
بالعادة في أن لا حلَّ (أ) قبل قضاء المناسك، حتى غضب النبي ﷺ ، وقال: ما لي آمر بالشيء فلا يفعل (١).
ومنها ما روى أبو يعلى الموصلي في مسنده أن النبي ﷺ بعث أبا بكر ينادي: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، فوجده عمر فَرَدَّهُ، وقال: إذن (ب) يتكلوا (٢).
وكذلك رَدَّ عمر أبا هريرة عن مثل ذلك في حديث صحيح (٣).
وهو معارضة لنص الشرع بالمصلحة.
ومنها ما روى الموصلي أيضًا أن رجلا دخل المسجد يصلى فأعجب الصحابة سمته، فقال النبي ﷺ لأبي بكر: "اذهب فاقتله" فذهب فوجده يصلي، فرجع عنه، ثم أمر عمر بذلك فرجع عنه، كلاهما يقول: كيف أقتل رجلا يصلي؟ ثم أمر عليا بقتله فذهب فلم يجده، فقال النبي ﷺ : "لو قتل لم يختلف من أمتي إثنان" (٤). فهذان الشيخان قد تركا النص،