← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18569

الميسر في شرح مصابيح السنة للتوربشتي

التوربشتي

Полный текст (1 323 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

[٣٦١٧] ومنه حديث عمرو بن العاص: لو قصد في قوله لكان خيرا له سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لقد رأيت أو أمرت أن أتجوز في القول ..) الحديث. قوله: لو قصد أي: لو أخذ في كلامه الطريق المستقيم، والقصد ما بين الإفراط والتفريط. ومعنى قوله: أن أتجوز: أي أسرع فيه وأخفف المؤنة على السامة، من قولهم تجوز في صلاته: أي خفف، ويقال تجوز في كلامه، أي تكلم بالمجاز، وليس له في هذا الحديث وجه.

стр. 1017

ومن باب حفظ اللسان والغيبة (من الصحاح) ] ٣٦٢٩ [حديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: (إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم). أهلكهم بضم الكاف. ويروى أيضا] ١٥٥/أ [بفتح الكاف. قيل: هذا إذا قاله استحقارا واستصغارا لشأنهم وما هم عليه، لا تحزنا وإشفاقا، فيكون ما أكتسب بذلك عجبا بنفسه أشد مما هم فيه. وقيل: المراد به أهل البدع والغلاة الذين يؤيسون الناس من رحمة الله ويوجبون لهم الخلود بذنوبهم، إذا قال ذلك في أهل السنة والجماعة. وعلى الفتح معناه أنهم ليسوا كذلك إلا هلكوا، إلا من قبله، بما نسبهم إليه من الهلاك، لا من قبل الله.

стр. 1018

[٣٦٣٧] ومنه حديث عائشة: (أن رجلا استأذن النبي ﷺ فقال: ائذنوا له فبئس أخو العشيرة ..) الحديث. لا سبيل الى معرفة وجه هذا الحديث وما ورد في معناه إلا بعد التحقق بامتياز حال النبي ﷺ في ذلك من حال غيره، فإنه كان يخبر عن الغيب بأمر الله، ولو لم يأذن له لم يكن ليفعل، ففي قوله: (ائذنوا له فبئس أخو العشيرة) تنبيه للسامعين على أخذ حذرهم منه، ورخصة للأمة في التوقى عن شر من لا يؤمن شره، بإظهار البشر له والانبساط اليه. وقولها: تطلق له، يحتمل أنه بني من الطلاقة. ويحتمل أنه بمعنى الانشراح يقال: ما تطلق له نفسي، أي ما تنشرح.

стр. 1019

[٣٦٣٨] ومنه حديث أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : (كل أمتي معافى إلا المجاهرين) .. الحديث. يعني الذين يعملون المعاصي جهرة، ويكشفون ما ستره الله عليهم من ذلك. وفيه وجه آخر، وهو أنهم يجاهرون بأعمالهم القبيحة فيتحدثون به. يقال: جهر به وأجهره. وهذا الوجه أشبه بنظم الكلام.

стр. 1020

و (المجاهرين) حرف في كتاب المصابيح، وقدم الهاء على الجيم ثم كتب مرفوعا، وحقه النصب على الاستثناء،] والمجانة [أن لا يبالي الإنسان ما صنع. (ومن الحان) ] ٣٦٤٧ [حديث أبي سعيد الخدري رفعه الى النبي ﷺ قال: (إذا أصبح ابن دم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان ..) التكفير: أن يخضع الإنسان لغيره كما يكفر العلج للدهاقين يضع يده على صدره ويتطامن له. قال جرير: وإذا سمعت بحرب قيس بعدها ... فضعوا السلاح، وكفروا تكفيرا.

стр. 1021

[٣٦٥٩] ومنه حديث عائشة: قلت للنبي ﷺ : (حسبك من صفية أنها كذا) يعني قصيرة. فقال: (لقد قلتي كلمة لو مزجت بالبحر لمزجته) قلت: قد حرفت الفاظ هذا الحديث في كتاب المصابيح، والصواب على ما ذكرناه، والمزج على معنى] ١٥٥/ب [المجاز والاتساع. والمراد منه أن تلك الكلمة التي اغتبت بها أختك المؤمنة، وعبتها بها لو قدر أن لو كانت مما تمزج بالبحر مع غزارته لغيرته عن حاله.

стр. 1022

ومن باب الوعد (من الحسان) [٣٦٦٧] حديث عبد الله بن أبي الحسماء العامري قال: بايعت النبي قبل أن يبعث بيعا.

стр. 1023

ومن باب المزاح (من الحسان) [٣٦٧٣] حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال لي: (يا ذا الأذنين) الأظهر أنه حمده لذكائه وفطنته ويقظته وحسن استماعه. ويحتمل أنه قال ذلك على سبيل الانبساط اليه والمزاح معه.

стр. 1024

=====

стр. 1025

باب المفاخرة والعصبية [٣٦٨١] حديث البراء بن عازب: (فلما غشيه المشركون نزل فجعل يقول: أنا النبي لا كذب, أنا بن عبد المطلب). ليس لأحد أن يحمل هذا على المفاخرة، والشيخ لم يصب في ايراد هذا الحديث في هذا الباب المترجم بالمفاخرة والعصبية, ولا أشك أنه اتبع بعض أصحاب الحديث في مصنفاتهم على ما ذكره, ولم يصيبوا أولئك أيضا وقد نفى نبي الله عن نفسه أن يذكر الفضائل التي خصه الله بها فخرا، بل شكرا لأنعمه، فقال: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)، وذم العصبية في غير موضع, فأنى لأحد أن يعد هذا الحديث من أحد القبيلين, وكيف يجوز على نبي الله ﷺ أن يفتخر بمشرك، وكان ينهى الناس أن يفتخروا بآبائهم. وإنما وجه ذلك أن نقول: تكلم بذلك على سبيل التعريف ; فإن الله تعالى قد أرى قوما قبل ميلاده، وقبل مبعثه في ابن عبد المطلب ما قد كان علما لنبوته، ودليلا على ظهور أمره، وأظهر علم ذلك على الكهنة، حتى شهد به غير واحد منهم، فالنبي ﷺ ذكرهم بذلك، وعرفهم أنه ابن عبد المطلب الذي رؤى فيه ما رأى، وذكر فيه ما ذكر. ] ٣٦٨٢ [زمنه حديث أنس (جاء رجل الى النبي ﷺ فقال: يا خير البرية، فقال: ذلك ابراهيم) وجه ذلك الحديث أن يحمل على معنى التواضع منه, حتى يوافق الأحاديث التي دلت على فضله على سائر البشر، أو يحمل على أنه قال ذلك ولم ينبأ بعد أنه خير الناس. أو يحمل على أن ابراهيم كان يدعى بهذا النعت حتى صار علما له كالخليل، فقال: (ذلك ابراهيم) أي: المدعو بهذه التسمية إبراهيم، إجلالا له وتوقيرا، ويكون معنى (خير البرية) في ابراهيم راجعا الى خلق حينئذ دون من لم] ١٥٦/أ [يخلق، ولم يكن ذكر البرية على معنى العموم، فلم يدخل النبي ﷺ في غمارهم.

стр. 1026

ومن الحسان [٣٦٨٥] حديث أبي هريرة عن النبي قال: (لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم ..) الحديث. قلت: كفانا هذا الحديث دليلا على ما ذهبنا اليه في معنى قوله (أنا ابن عبد المطلب). وفيه يدهده الخر أي: يدحرجه يقال: دهدهته فتدهده أي دحرجته فتدحرج والدحروجة: ما يدحرجه الجعل. وفيه: (أن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية) أي: نخوتها، يقال: رجل فيه عبية، وعبية بضم العين وكسرها أي: كبر وتجبر. والمحفوظ عن اهل الحديث بتشديد الباء، وذكر ابو عبيد الهروي عن بعض أهل اللغة أنه من العبء يعني: الحمل الثقيل، ثم قال: وقال الأزهري: بل هو مأخوذ من العبء وهو النور والضياء, يقال هذا عبء الشمس, وأصله عبوء الشمس, وعلى هذا فالتشديد فيه كما هو في الذرية من الزرء بالهمز، والجوهري أورده في باب المضاعف. ] ٣٦٨٦ [ومنه حديث سمرة ابن جندب عن رسول الله ﷺ أنه قال (الحسب المال ..) الحديث الحسب عند العرب ما يعده الرجل من مفاخر آبائه. وأما معنى قوله: (الحسب المال) فقد قال وكيع: أراد أن الرجل إذا صار ذا مال عظموه. ] ٣٦٨٧ [ومنه حديث أبي ابن كعب سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا). يقال عزوته الى أبيه. وعزيته الى أبيه أيضا لغة, إذا نسبته اليه فاعتزى وتعزى، قال أصحاب

стр. 1027

الغريب: أنتسب وأنتمي اليها في قوله: يا آل فلان. قال أبو عبيد الهروي: أي: قولوا] ١٥٦/ب [،أعضض بأير أبيك، ولا تكن عن الأير بالهن ; تأديبا له وتنكييلا. وأرى المعنى -والله أعلم- أن من أنتسب وأنتمى الى الجاهلية بإحياء سنة أهلها، واتباع سبيلهم في الشتم واللعن ومواجهتهم بالفحشاء والمنكر فاذكروا له ما تعرفون من مثالب أبيه ومن مساوئه، وما كان يعير به من لوم ورذالة صريحا لا كتابة، كي يرتدع به عن التعرض لأعراض الناس، هذا هو وجه الحديث. ] ٣٦٨٩ [ومنه حديث أبي مسعود الأنصاري عن رسول الله ﷺ قال: (من نصر قومه على غير الحق فهو كالبعير الذي تردى ..) الحديث. ردي في البئر وتردى: إذا سقط فيها والمعنى: أن من أراد أن يرفع نفسه بنصرة قومه على الباطل فهو كالبعير الذي سقط في بئر، فماذا يجدي عنه أن ينزع بذنبه، فإنه وإن اجتهد كل الجهد لم يتهيأ له أن يخلصه من تلك المهلكة بنزعه أياه بالذنب.

стр. 1028

[٣٦٩٤] ومنه حديث عبد الله بن الشخير العامري قال: (انطلقت في وفد بني عامر الى رسول الله فقلنا: انت سيدنا، فقال: السيد هو الله ...) الحديث. سلك القوم معه في الخطاب مسلكهم مع رؤساء القبائل فإنهم كاموا يخاطبونهم بنحو هذا الخطاب فكره ذلك ; لأنه كان من حقه أن يخاطبوه بالنبي والرسول، فهي المنزلة التي لا منزلة وراءها لأحد من البشر، وحول الأمر فيه الى الحقيقة فقال: السيد هو الله أي: الذي يملك نواصي الخلق ويتولى أمرهم ويسوسهم. وقوله (قولوا قولكم) أي: قول أهل ملتكم فخاطبوني بما تخاطبونني به، ودعوا التكلف والهرت في المدح. ويحتمل أنه أراد بالقول القول الذي جئتم له وقصدتموه ولا يستجرينكم أي: ليستتبعنكم الشيطان فيتخذكم جرية أي: وكيله فيتكلم على ألسنتكم. يقال: جريت جريا واستجريته أي اتخذته وكيلا. ومن باب البر (من الصحاح) ] ٣٦٩٧ [قول أسماء ﵂ في حديثها (يا رسول الله، إن أمي قدمت علي وهي راغمه)، قيل أي: هاربة من قومها، وقيل كارهة اسلامي وهجرتي، وهذا أولى التأويلين.

стр. 1029

يقال: راغمت فلاناً إذا هاجرته، ولم تبالي رغم أنفه، وقد روي بالباء بدل الميم أي: راغبة في صلتي، وكذلك هو في المصابيح، والصواب ما قدمناه. ] ٣٦٩٨ [ومنه حديث عمرو بن العاص، سمعت النبي ﷺ : (إن آل أبي ليسوا لي بأولياء ...) الحديث. المعنى أني لا أوالي أحدا بالقرابة وانما احب الله -سبحانه- لما يحق له على العباد، وأحب صالحي المؤمنين لوجه الله وأوالي من أوالي بالإيمان والصلاح، وأراعي لذوي الرحم حقهم في صلة الرحم. وقوله: (أبلها ببلالها) أي: أنديها بما يجب أن تندى لئلا تنقطع. ومنه قوله: (بلوا أرحامكم) أي صلوها وندوها والعرب تقول للقطعية والعرب تقول للقطعية اليبس. قال الشاعر: فلا تيبسوا بيني وبينكم الثرى .... فإن الذي بيني وبينكم مثرى يريد لا تقطعوا رحمي. وبلال يروي بفتح الباء على المصدر، وبكسرها فيكون جمع بلل مثل جمل وجمال، شبه قطيعة الرحم بالحرارة تطفئ بالماء. ويندى بالصلة. ] ٣٦٩٩ [ومنه حديث المغيرة بن شعبة (إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات ...) الحديث. عبر] ١٥٧/أ [بالكلمتين منع وهات عن البخل والمسالة أي: كره أن يمنع الرجل ما عنده، ويسأل ما عند غيره. و (منع) يروى على بناء الماضي، وعلى بناء المصدر. (وقيل وقال): يحتما أن يكونا على بناء الماضي، ويحتمل أن يكونا مصدرين، يقال قلت قولا وقيلا.

стр. 1030

وقالا وقد أتى بالمصدرين إما إرادة التأكيد، وإما للدلالة على كراهة المقاولة والمنازعة في القول، وأقل ما يوجد ذلك بين الاثنين، وإذا كانا على بناء الماضي ففيهما تنبيه على ترك الخوض في اقتصاص أخبار الناس وتتبع أحواهم وحكاية أقوالهم. (وكثرة السؤال): يحتمل أن يكون كثرة السؤال عن أحوال الناس، ويحتمل أن يكون عن المسائل فإنه يفضي به إلى مالا يعنيه. ولا أرى حمله على سؤال المال: فإن ذلك مكروه، وإن لم يبلغ حد الثرة. ] ٣٧٠١ [ومنه حديث بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (إن من أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولى). الكلمة الخيرة من الحديث يتخبط الناس فيها، والذي أعرفه هو أن الفعل مسند إلى أبيه، أي: بعد أن يغيب أبوه أو يموت، من ولى يولى، يدل على ذلك قوله ﷺ في حديث أبي أسيد الساعدي ﵁: (وانفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما). ] ٣٧٠٢ [ومنه حديث أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ : (من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره ...) الحديث. في أثره، أي في أجله، وسمي الأجل أثرا، لأنه يتبع العمر. قال كعب ابن زهير: يسعى الفتى لأمور ليس يدركها .... والنفس واحدة والهم منتشر والمرء ما عاش ممدودا له أمل .... لا ينتهي العمر حتى ينتهي الأثر وروى: لا ينتهي العين، وهو أشبه. وقيل: يجوز أن يكون المعنى: أن الله يبقي أثر واصل الرحم في الدنيا طويلا] ١٥٧/ب [فلا يضمحل سريعا. ] ٣٧٠٣ [ومنه حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (خلق الله الخلق فلما فرغ ...) الحديث.

стр. 1031

فرغ: أي قضاه وأتمه ونحو ذلك مما يشهد بأنه من مجاز القول فإنه أن يشغله شأن عن شأن، أو يطلق عليه الفراغ الذي هو ضد الشغل. وفيه: (فأخذ بحقوى الرحمن) معناه فاستجارت بكنفي رحمته والأصل في الحقو معقد الإزار، ولما كان من شأن المستجير أن يستمسك بحقوى المستجار به، وهما جانباه الأيمن والأيسر، أستعير الأخذ بالحقو في اللياذ بالشيء تقول العرب: عذت بحقو فلان أي: استجرت به واعتصمت. وفيه: (فقال مه) أي: ما تقول؟ على الزجر أو الاستفهام. وها هنا إن كان على الزجر فبين، وإن كان على الاستفهام فالمراد منه الأمر بإظهار الحاجة دون الاستعلام، فإن الله تعالى يعلم السر وأخفى. وقيل: هو في الحقيقة ضرب مثل واستعارة، اذ الرحم معنى وهو اتصال القربى بين أهل النسب. ] ٣٧٠٤ [ومنه حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (الرحم شجنة من الرحمن). الشجنة بالكسر: عروق الشجر المشتبكة، وكذلك الشجنة بالفتح، والشجن بالتسكين: واحد شجون الأودية وهي طرفها، ويقال الحديث ذو شجون أي: يدخل بعضها في بعض. قال أصحاب الغريب في معناه، أي قرابة مشتبكة كاشتباك العروق، وعلى هذا فكأنهم يريدون أنها موهوبة من الرحمن أو مجعولة كذلك، وهذا المعنى صحيح، فإن كل الأشياء من الله خلقا وإيجادا، ولكنه ليس بمعنى الحديث، وإنما المراد من الرحمن أي: من هذا الاسم، يدلك عليه حديثه الآخر: (شققت لها من اسمي) وفي الحدث (إن لله تعالى مائة رحمة أنزل منها واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون وبها يتراحمون) الحديث. فتبين لنا من هذا الحديث أن معنى قوله (شجنة من الرحمن): أي اسم اشتق من رحمة الرحمن أو أثر من آثار رحمته مشتبكة بها، فالقاطع منها قاطع من رحمة الله.

стр. 1032

[٣٧٠٨] ومنه قوله ﷺ : (فكأنما تسفهم المل). يقال: سففت الدواء بالكسر واسففته: إذا أصبت منه غير ملتوت، وأسففته غيري أيضا. والمل: التربة المحماة-قاله الأزهري- تدفن فيها الخبزة ثم يهال عليها. وقال القتيبي: المل الجمر. قلت: والتربة المحماة والرماد، الذي] ١٥٨/أ [فيه قوة من النار أشبه بالاستفاف، فإن الجمر وما كان مثله في الجرم لا يستعمل فيه الاستفاف، يقال استف الرمل، ولا يقال استف الحجر. وقال أصحاب الغريب في معناه: إنهم اذا لم يشكروك فإن عطاءك إياهم حرام عليهم، ونار في بطونهم، قلت: والأشبه به والأمثل فيه أن يقال: إحسانك إليهم إذا كانوا يقابلونه بالإساءة، يعود وبالا عليهم، حتى كأنك في إحسانك إليهم مع إساءتهم إياك أطعمتهم النار؟ (ومن الحسان) ] ٣٧٠٩ [حديث ثوبان ﵁ قال رسول الله ﷺ : (لا يرد الدعاء إلا القدر) الحديث. قلت: معنى رد القدر أن يهون عليه الأمر المقدور حتى يصير كأنه قد رد. وتحمل الزيادة في العمر معنى البركة فيه، ويحتمل أن يكون المراد من القدر: الأمر الذي كان يقدر لولا دعاؤه، ومن العمر: العمر الذي كان يقصر لولا بره، فيكون الدعاء والبر [سببان] من أسباب

стр. 1033

ذلك، وهما مقدران أيضا، كما أن الأعمال حسنها وسيئها سببان من أسباب السعادة والشقاوة، ولا شك أنهما مقدران أيضا. ] ٣٧١٢ [ومنه حديث أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ : (الوالد أوسط أبواب الجنة). أوسط أي أفضل باعتبار أن الشيء كان بين الإفراط والتفريط فإنه أفضل مما سواه. ومنه قوله : ﴿قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون﴾ أي: خيرهم وافضلهم. ] ٣٧١٥ [ومنه حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تنزل الرحمة على قوم فيهم قاطع رحم). قلت: يحتمل أنه أراد بالقوم الذين يساعدونه على قطيعة الرحم، ولا ينكرون عليه. ويحتمل أنه أراد بالرحمة المطر, أي يحبس عنهم المطر بشؤم القاطع.

стр. 1034

[٣٧١٧] ومنه حديث جبير بن مطعم ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يدخل الجنة منان ..) الحديث. محمل هذا الحديث أنه لا يدخلها مع الفائزين، أو لا يدخلها حتى يعاقب بما اجترحه من الإثم بكل واحد من الأعمال الثلاثة.

стр. 1035

ومن باب الشفقة والرحمة (من الصحاح) [٣٧٢٤] قوله ﷺ في حديث [١٥٨/ب] عائشة- ﵂: (من بلي من هذه البنات ...) الحديث. (بُلى): من البلاء، وفي كتاب مسلم: (من ابتلى من هذه البنات بشيء) وهو الصواب، ويتخبط الناس في الرواية التي اختارها المؤلف لمكان قوله (شيئاً). ويروى (يلي) من الولاية، وليس بشيء، والصواب فيه: (من بلى من هذه البنات بشيء)، وهذه إشارة إلى جنسهن.

стр. 1036

[٣٧٣٥] ومنه حديث عياض بن حمار المجاشعي- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط ...) الحديث. المقسط: العادل، والقاسط: الجائر. قال الله تعالى: ﴿واقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾. وفيه: (وعفيف متعفف) أي: عفيف عما لا يحمل، متعفف عن السؤال. ويحتمل أن يكون أشار بالأول إلى ما في نفسه من القوة المانعة عن الفواحش، وبالثاني إلى إبراز ذلك بالفعل. وفيه: (الضعيف الذي زبر له)، فسر أصحاب الغريب الزبر بالعقل، وهو صحيح من طريق اللغة، غير أن المعنى لا يستقيم عليه؛ لأن من لا عقل له لا تكليف عليه، فكيف يحكم بأنه من أهل النار. وأرى الوجه فيه أن يفسر بالتماسك، فإن أهل اللغة يقولون: لا زبر له، أي: لا تماسك له كما يقولون: لا عقل له. وهو في الأصل مصدر، والمعنى: لا تماسك له عند مجئ الشهوات، فلا يرتدع عن فاحشة ولا يتورع عن حرام. وفيه: (الذين هم فيكم تبع لا يبغون أهلا ولا مالا) يعنى به الخدام الذي يكتفون بالشبهات والمحرمات التي يسهل عليهم التطرق غليها عما أبيح لهم، فليس له همة ناهضة إلى ما وراء ذلك من أهل ومال. وفيه: (والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه)، أي: لا يتطلع إلى موضوع خيانة إلا خان، وإن كان المطموع فيه شيئاً يسيراً، وإنما قال: (لا يخفى)؛ لأن الإنسان قلما يظهر طمعه، بل يستسر به.

стр. 1037

ويحتمل أن يكون لا يخفى على بناء المجهول، من أخفيته أي: أزلت خفاءه، أي: لا يبرز له شيء يطمع فيه، ويكون الطمع الذي هو المصدر بمعنى القول أي: لا يظهر له شيء يطمع فيه إلا خانه، وإن كان شيئاً يسيراً. وفيه: (وذكر البخل والكذب) أي: البخيل والكذاب، أقام المصدر مقام اسم الفاعل: والشنظير: السيء الخلق، يقال: رجل [١٥٩/أ] شنظير وشنظيرة. والفحاش: نعت للشنظير وليس بمعنى له، أي: يكون مع سوء خلقه فحاشا. [٣٧٤١] ومنه حديث تميم الداري- ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الدين النصيحة ثلاثاً، قلنا: لمن يا رسول الله). الحديث. الأصل في النصيحة تحري قول أو فعل فيه صلاح صاحبه، أو تحري إخلاص الود له، وهو لفظ جامع لمعان شتى، فالنصيحة لله: إخلاص العمل له ونصرة الحق فيه وتحري مرضاته بالدعاء إلى توحيده، والذب عن حريم حرمته. والنصيحة لكتابه: هي بذل المجهود في الذب عنه دون تأويل الجاهلين وتحريف الغالين وانتحال المبطلين. والنصيحة لرسوله هي: النصرة له والنصيحة بحقه والذب عن سنته، ونحو ذلك، والنصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم هي: تحري قول يكون فيه صلاحهم، وذلك يختلف باختلاف مراتبهم.

стр. 1038

=====

стр. 1039

(ومن الحسان) [٣٧٥٢] حديث عوف بن مالك الأشجعي- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أنا وإمرأة سفعاء الخدين ...) الحديث. السفعة في الوجه: سواد في خدي المرأة الشاحبة، لم يرد أنها كانت من أصل الخلقة سفعاء. ألا ترى أنه قال: (ذات منصب وجمال) بل أراد أنها أقامت على ولدها بعد وفاة زوجها، فتركت الزينة وعودت نفسها الجهد والمشقة حتى شحبت وذهب تناصف وجهها و (آمت) أي: مات زوجها، وصارت أيما فصبرت على الأيمة.

стр. 1040

ومن باب الحب في الله (من الصحاح) [٣٧٦٦] حديث أبي هريرة- ﵁: (الأرواح جنود مجندة ...) الحديث. (مجندة) مفسرة بمجموعة، وهو مثل آلاف مؤلفة، والمراد أنها جبلت على ضرائب وشواكل، فكل ما شامل منها في عالم الأمر في شاكلته تعارفت في عالم الخلق فانتلف، وكل ما كان على غير ذلك في عالم الأمر تناكرت في عالم الخلق فاختلفت.

стр. 1041

[٣٧٦٩] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁: (هل له عندك من نعمة تربها) أي: تقوم بشكرها، من قولهم: رب الصنيعة [١٥٩/ب] أي: أصلحها وأتمها.

стр. 1042

(ومن الحسان) [٣٧٧٤] حديث أبي مالك الأشعري- ﵁ قال: (كنت عند النبي ﷺ فقال: إن لله عباداً بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء بقربهم ...) الحديث. الغبطة: أن يتمنى الإنسان مثل حال المغبوط من غير أن يريد زوالها عنه، وهي في الحقيقة عبارة عن حسن الحال، ومنه قولهم: اللهم غبطاً لا هبطاً، أي: نسألك الغبطة ونعوذ بك أن نهبط. فإن قيل: على أي وجه نتصور ذلك في أنفسنا، وقد عرفنا من أصل الدين أن المؤمن المستعد لثواب الله في الدار الآخرة معصوم عن الحرة والتلهف والتطلع إلى ما ليس له، والغبطة لا تخلو عن شيء من ذلك؟. قلنا: مراد النبي ﷺ من ذلك بيان فضل المتحابين وأن الله يحلهم من الكرامة محلاً يقع ممن فوقهم في المنزلة بمحل الشيء المغبوط به؛ لأن النفوس الصالحة المستعدة لنيل ثواب الله [لا] يبقى فيها تنازع وتطلع إلى ما ليس لها، ولا ينبغي لها من المرتبة. فإن قيل: فهل يلزم من ذلك أن المغبوطين ينالون من المرتبة ما لا يناله ذوو الغبطة؟ قلنا: لا، ونظير ذلك الرجل له من المماليك ألف، ولآخر واحد، وصاحب الألف يريد أن لو كان له مثل ذلك الواحد أيضاً، فلا يلزم من ذلك أن صاحب الفرد أتم غنى من صاحب الألف. فإذا قيل: فلم لم يؤت الأنبياء والشهداء مثل ما أوتي أولئك؟ قلنا: أراد النبي ﷺ أن يقدر تقديراً يبين به مقدار تلك الفضيلة فقد ذلك في فئتين اختارهم الله بفضله، وأكرمهم برحمته. فأما الشهداء فيقدر فيهم أن المرادين بذلك هو الذين- وإن- بلغوا رتبة الشهادة فإنهم لم يعاملوا الله سبحانه بتلك المعاملة، فلما وردوا القيامة، ورأوا قربهم من الله أحبوا أن لو أنهم عاملوا الله بمثل معاملتهم، وذلك لأن التحاب في الله غير ذلك، وهو أنهم أحبوا الاتباع دون ما أحبوا هم؛ فكان قسط الأتباع في [١٦٠/أ] حبهم في الله إياهم أوفى وأوفر من قسط الأنبياء. وذلك لأن التحاب في الله إنما يقع على قدر المنزلة والقرب من الله، ولما كان الأنبياء أحب إلى الله من الأتباع، لم يكن للأنبياء أن يتعدوا سنة الله فيهم، بل وجب عليهم أن يحبوا أنفسهم في موافقة الحق سبحانه فوق ما يحبون أنفس الأتباع، وعلى الأتباع أن يحبوهم فوق ما يحبون أنفسهم، فصار قسطهم من هذه المنزلة أوفى وأوفر من قسط الأنبياء

стр. 1043

من الوجه الذي ذكرناه؛ فلهذا اغتبطوهم، وهذا معنى دقيق وقع لي من طريق الفهم، والله ألهمهم للصواب. وفيه: (يتحابون بروح الله). روح الله: بضم الراء، فسروا روح الله بالقرآن قال الله تعالى: ﴿وأيدهم بروح منه﴾ قيل: أراد به القرآن، والمراد منه في الحديث أن السبب الداعي بينهم إلى المحابة هو الوحي المنزل الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 1044

ومن باب ما ينهى من التهاجر (من الصحاح) [٣٧٨٣] حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (إياكم والظن ...) الحديث. يحذرهم اتباع الظن، وقد سبق بيان الحديث بتمامه. [٣٧٨٥] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ عن رسول الله ﷺ : (تعرض أعمال الناس في كل جمعة مرتين ...) الحديث. المراد منه الأسبوع، وقد بينه بقوله: يوم الاثنين ويوم الخميس. وقوله: (فيغفر لكل عبد مؤمن إلى عبداً) وجدناه في كتاب المصابيح: إلى عبد على الرفع، وهو في كتاب مسلم بالنصب، وهو الأوجه؛ فإنه استثناء من كلام موجب، وبه وردت الرواية الصحيحة. [١٦٠/ب]. وفيه: (اتركوا هذين حتى يفيئا). هذا الحديث على هذا السياق رواه مسلم في كتابه، وفيه: (اتركوا أو اركوا) فأسقط عنه في المصابيح (أو اركوا). وقد رواه مسلم بطرق شتى، وفي بعضها: (اتركوا)، وفي بعضها: (انظروا)

стр. 1045

وأما السياق الذي في المصابيح فعلى ما ذكرت، وقد ورد في بعض الروايات (اركوا)، من غير تردد، وهو الأمثل، ومعناه أخروا، يقال للغريم: اركني إلى كذا، أي: أخرني. [٣٧٨٧] ومنه حديث أم كلثوم بنت عقبة- ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، فيقول خيراً أو ينمي خيراً). يقال: نميت الحديث: إذا بلغته على وجه الإصلاح وطلب الخير أنميه، فإذا بلغته على وجه النميمة وإفساد ذات البين قلت: (نميته) بالتشديد، وإنما لم يكن هذا النوع كذباً؛ لأن القصد فيه صحيح، ثم على قائله أن يوري ما استطاع عن حقيقة القول بالكناية، فنقول مثل قوله: أرجو أن لا يصدر عن صاحبك شيء تكرهه، وإني لا أظن أنه يقول فيك قولاً سيئاًن وقد سمع منه أخبث قول وأفحش كلام فيوري عنه بقوله: (لا أظن)، وحقيقة القول أني لا أظن بل أتحقق. ومثل ذلك أراد النبي ﷺ بقوله: (إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب). هذا هو السبيل في الأنواع الثلاثة التي ذكرتها في حديثها، وكذلك في حديث أسماء بنت يزيد الأنصارية- ﵂ وهو تال لهذا الحديث. (ومن الحسان) [٣٧٨٩] حديث عائشة- ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يكون لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة ...) الحديث.

стр. 1046

قلت: إنما لم يكن له الزيادة على ثلاثة أيام فيما كان بينهما من الأمور الدنيوية. وأما إذا كان الهجران في حق من حقوق الله، فله ما فوق ذلك، ولقد هجر رسول الله ﷺ الثلاثة الذين خلفوا: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع- ﵃ فلم يكلمهم خمسين يوماً، وأمر الناس بهجرانهم. ولما اعتل بعير صفية فقال رسول الله ﷺ لزينبك أعطيها بعيراً، وكان عندها فضل ظهر، فقال: أنا أعطي تلك اليهودية، فغضب رسول الله [١٦١/ب] ﷺ فهجرها ذا الحجة والمحرم وبعض صفر. قلت: ولم نجد في السنة مدة الهجران عن المسلم أبلغ من هذا. قلت: قد وجدنا من السلف من هجر أخاه المسلم في أمر كرهه عنه من أمور الدين السنة والسنتين، ومنهم من هجر صاحبه في ذلك عمره، ورأوا أنفسهم في فسحة من ذلك ما لم يعد المهجور عما ابتدعه. وفيه: (فقد باء بإثمه) أي: رجع بإثمه فصار عليه، والضمير في (إثمه) محتمل لوجهين: أحدهما: أن يعود إلى الهاجر أخاه، أي اكتسب وزراً من حيث لم يرد السلام عليه فرجع به. ويحتمل أن يعود على المسلم فيكون ذلك على الاتساع وهو الواصل المسلم يكسب عملاً صالحاً فيحط به عن خطيئته، والمعرض يكتسب خطيئة بعدما كان عليه من الهجران وذلك تركه لرد السلام لواجب عليهن فصار هو فيما زاد من خطئه (ونقص من خطيئة) صاحبه كالذي عاد بإثم صاحبه.

стр. 1047

وقوله في هذا الحديث (ثلاثة)، أي: ثلاثة أيام، وفي الحديث التالي لهذا الحديث، وهو حديث أبي هريرة- ﵁ (ثلاث) أي: ثلاث ليالي، وفي حديثه هذا: (فمات دخل النار)، أي استوجب الدخول، والواقع في الإثم كالواقع في العقوبة. [٣٧٩٥] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب) استدل بهذا الحديث من يقول بإحباط العمل من المبتدعة الضلال، ولا حجة لهم في ذلك، لما في الأحاديث الصحاح من خلاف ما ذهبوا إليه، وهي أكثر وأظهر وأوضح مما تمسكوا بالمفهوم عنه، فمنها حديث المفلس (الذي يأتي يوم القيامة وقد ضرب هذا وشتم هذا وأخذ مال هذا وسفك دم هذا، فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته ..) الحديث. فلو كانت الكبيرة محبطة للحسنات لم يكن يبقى لهذا المتعاطي تلك الكبائر حسنة يعطي خصمه مع الكبائر التي ذكرت؛ فلابد إذاً أن يأول هذا الحديث على وجه لا يخالف الأحاديث الصحاح والأصول المستنبطة من الكتاب والسنة، وذلك من وجهين: أحدهما: أن نقول إن الحسد يفضي بصاحبه إلى اغتياب المحسود، وشتمه، وربما يتلف ماله [١٦١/ب] ويسعى في سفك دمه، وكل ذلك مظالم يقتص عنها بها في الآخرة، ويذهب في عرض ذلك حسناته، وهذا هو المراد من الإحباط. والوجه الآخر: أن نقول: التضعيف في الحسنات يوجد على حسب استعداد العبد وصلاحه في دينه، فمهما كان مرتكباً للخطايا نقص من ثواب عمله فيما يتعلق بالتضعيف ما يوازي انحطاطه في المرتبة بما اجترحه من الخطايا، مثل أن يقدر أن ذا رهق عمل حسنة فأثيب عليها عشراً، ولو لم يكن رهقه لأثيب أضعاف ذلك، فهذا الذي نقص من التضعيف بسبب ما ارتكبه من الذنب هو المراد من الإحباط. وقد مر في باب الصلاة نحو هذا القول، والله أعلم.

стр. 1048

[٣٨٠٠] ومنه حديث سعيد بن زيد العدوي- ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق). قوله: (أربى الربا) الربا أكثرها وبالاً وأشدها في التحريم، والأصل في الربا الزيادة والارتفاع والكثرة، والاستطالة والتطاول: استحقار النار والترفع عليهم، وإنما عبر عنه بلفظ الربا؛ لأن المتعدي يضع عرضه في مقابلة عرضه ثم يستزيد عليه. وفي قوله: (بغير حق) تنبيه على أن العرض ربما تجوز استباحته في بعض الأحوال، وذلك في مثل قوله ﷺ : (لي الواجد يحل عرضه). فيجوز لصاحب الحق أن يقول فيه: إنه ظالم، وإنه متعد، ونحو ذلك. ومثله الكلام في جرح الشاهد، والشهادة على الخائن، ونحو ذلك.

стр. 1049

[٣٨٠٤] ومنه حديث المستورد بن شداد أن رسول الله ﷺ قال: (من أكل برجل مسلم ..) الحديث. يريد أنه يقع في عرض مسلم ويتعرض له بالأذية حتى ينال ممن يعاديه ويريد هوانه، طعمة أو كسوة. وأما قوله: (ومن قام برجل مقام سمعة ورياء) أي: ينبه إلى ذلك ويشهره به فإن الله يفضحه ويهينه ويقيمه مقام أهل السمعة والرياء ويشهره بذلك على رءوس الأشهاد، ويعاقبه عقوبة المرائين. ومن باب الحذر والتأني (من الصحاح) [٣٨٠٦] حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين). قال الخطابي- ﵀ هذا يروى على وجهين: أحدهما: على الخبر، والآخر: على النهي.

стр. 1050

فمعنى الأول أن المؤمن الممدوح هو المتيقظ الحازم الذي لا يؤتي من ناحية الغفلة فيخدع مرة بعد أخرى، ولا يفطن هو به. قال: وقد قيل: إنه الخداع في أمر الآخرة [١٦٢/أ] دون أمر الدنيا. ومعنى الثاني لا يخدعن المؤمن ولا يؤتين من ناحية الغفلة فيقع في مكروه. قال: وهذا يصلح أن يكون في أمر الدنيا والآخرة. قلت: وأرى أن الحديث لم يبلغ الخطابي على ما كان عليه وهو مشهور عند أهل السير، وذلك أن النبي ﷺ مَن على بعض أهل مكة وهو أبو عزة الشاعر الجمحي، وشرط عليه أن لا يجلب عليه، فلما بلغ مأمنه عاد إلى ما كان عليه، فأسر تارة أخرى فأمر بضرب عنقه، فكلمه بعض الناس في المن عليه فقال: (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين). (ومن الحسان) [٣٨١٢] حديث عبد الله بن سرجس- ﵁ أن النبي ﷺ قال: (السمت الحسن والتؤدة والاقتصاد ..) الحديث. التؤدة: السكون، يقال: اتأد في مشيه وتوأد وهو افتعل وتفعل من التؤدة. والاقتصاد على ضربين: أحدهما: ما كان متوسطاً بين محمود ومذموم كالمتوسط بين الجور والعدل، والبخل والجود، وهذا الضرب أريد بقوله سبحانه: ﴿فمنهم مقتصد﴾. والثاني: محمود على الإطلاق، وذلك فيما له طرفان: إفراط وتفريط، كالجود فإنه بين الإسراف والبخل، والشجاعة فإنها بين التهور والجبن. [وهذا] الذي في الحديث هو الاقتصاد المحمود على الإطلاق. وذكر في حديث ابن سرجس أن الخلال المذكورة جزء من أربع وعشرين جزءاً من النبوة وفي حديث ابن عباس- ﵁ الذي يليه: من خمس وعشرين.

стр. 1051

ومن حق (أربع وخمس) في هذا الحديث أن يلحق به تاء التأنيث، ومثل ذلك لا يعرف في كلام القرن الأول، بل يقع ذلك من الرواة الذين لا دربة لهم بعلوم العربية، والتفاوت الذي بين العددين يحتمل أن يكون من غلط الرواة. والطريق إلى معرفة حقيقة ذلك العدد ووجهه بالاختصاص من قبل الرأي [والاستنباط] مسدود، فإنه من علوم النبوة وقد سبق القول في هذا المعنى في كتاب الرؤيا. ومن باب الرفق والحياء (من الصحاح) [٣٨١٨] حديث عائشة- ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله يحب الرفق ..) الحديث. ٍ

стр. 1052

معنى ذلك أن الله يريد بعباده اليسر، ولا يريد بهم العسر، فلا يكلفهم فوق طوقهم، بل يسامحهم ويلطف بهم. والرفق [١٦٢/ب] ضد العنف، وهو لطافة الفعل ولين الجانب. فإن قيل: فما معنى قوله في الحديث: (أنت رفيق والله الطبيب)؟ قلنا: الطبيب الحاذق بالشيء الموصوف، ولم يرد بهذا القول نفي هذا الاسم مما يتعاطى ذلك، وإنما حول المعنى من الطبيعة إلى الشريعة، وبين لهم أن الذي يرجون من الطبيب فالله فاعله والمنان به على عباده، وهذا كقوله: (فإن الله هو الدهر) وليس الطبيب بموجود في أسماء الله سبحانه، ولا يجوز أن يقال في الدعاء: يا طبيب وكذلك لا يجوز أن يقال: يا رفيق؛ فإن أسماء الله تعالى إنما تؤخذ عن النقل والمتواتر. ولم يوجد في الطبيب ولا في الرفيق نقل متواتر يجب به العلم. وقد ذهب بعضهم في (الرفيق الأعلى) أنه اسم من أسماء الله تعالى. قال الأزهري: غلط قائل هذا، والرفيق- هاهنا- جماعية الأنبياء الذين يسكنون أعلى عليين، اسم جاء على فعيل، ومعناه الجماعة، ومنه قوله سبحانه ﴿وحسن أولئك رفيقًا﴾. يقال للمرافق: الرفيق، ويطلق الرفيق على الواحد والجمع، وقوله: (إن الله رفيق). لم يوجب إطلاق هذا الاسم عليه، كما لم يوجب (إن الله حي ستير) إطلاق ذلك عليه، وإنما أراد به إيضاح معنى لم يكن يقع في الأفهام إلا من هذا الطريق. [٣٨٢٢] ومنه حديث ابن مسعود- ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى ...) الحديث. المعنى: إن مما بقي بين الناس فأدركوه من كلام الأنبياء أو مما أوحى إليهم في أول الخلق، وأشار بقوله: (النبوة الأولى) إلى أنه كان مندوباً إليه في الأولين، كما أنه محثوث عليه في الآخرين.

стр. 1053

وفيه: (فاصنع ما شئت)، قيل: أمر أريد به الخبر، أي: صنعت ما شئت، وقيل: وعيد كقوله سبحانه: ﴿اعملوا ما شئتم﴾. وقيل: إن الشيء إذا كان مما لا يستحيي منه من قبل الله أو قبل الخلق فاصنع ما شئت منه، فإنه لا حرج عليك منه، بل أنت في سعة منه. [٣٨٢٣] ومنه قوله ﷺ في حديث النواس بن سمعان- ﵁: (والإثم ما حاك في صدرك). حاك: أثر، من الحيك، وهو أخذ القول في القلب. يقال: ما تحيك فيه الملامة: إذا لم تؤثر فيه، يريد أن الإثم ما كان في القلب منه شيء، فلا ينشرح له الصدر. والأقرب أن ذلك أمر يتهيأ لمن شرح الله صدره للإسلام دون عموم المكلفين. ومثله قوله ﷺ لوابصة بن معبد- ﵁: [١٦٣/أ] (وإن أفتاك المفتون]. (ومن الحسان) [٣٨٢٩] قوله ﷺ في حديث عكرمة بن وهب: (لا يدخل الجنة الجواظ والجعظري).

стр. 1054

الجواظ: قيل إنه الضخم المختال في مشيته، وقيل: هو الذي جمع ومنع، والأول أمثل؛ لأنه أشبه بالتفسير الذي أدرج في الحديث من قول بعض الرواة. والجعظري: قيل إنه الفظ الغليظ، يقال للرجل إذا كان ضخماً قصيراً: جعظارة بكسر الجيم. والحديث مرسل؛ لأن عكرمة بن وهب لم يذكره أحد في الصحابة. [٣٨٣٤] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (المؤمن غر كريم، والفاجر خب لئيم). الغر: الذي يغره كل أحد، ويغتر بكل شيء، أي: ليس بذي [نكر] ينخدع لانقياده ولينه وسلامة صدره وحسن ظنه بالناس. والخب: بفتح الخاء الجربز الذي يسعى بين الناس بالفساد، وشاكلة الخب خلاف شاكلة الغر. [٣٨٣٥] ومنه قوله ﷺ في الحديث الذي يليه وهو مرسل: (المؤمن كالجمل الأنف) مقصورة. أنف البعير

стр. 1055

أي: اشتكى أنفه من البره، فهو أنف على القصر، والمد فيه خطأ، والبعير إذا كان أنفًا للوجع الذي به ذلول منقاد، أي سبيل سلكوا به فيه اتبع وأي مناخ وعر ناب أنيخ عليه استناخ. قال أبو عبيد: كان الأصل في هذا أن يقال: مأنوف: لأنه مفعول به، كما قالوا: مصدور ومبطون، وجميع ما في الجسد على هذا، وجاء هذا الحرف شاذاً، والله أعلم. ومن باب الغضب والكبر (من الصحاح) [٣٨٣٨] حديث أبي هريرة- ﵁ (أن رجلاً قال للنبي ﷺ أوصني، قال: لا تغضب ..) الحديث. قلت: قد كان ﷺ مكاشفاً بأوضاع الخلق عارفاً بأدوائهم، يضع الهناء مواضع النقب، يأمرهم بما هو أولى بهم، فلما استوصاه الرجل، وقد رآه ممنواً بالقوة الغضبية لم ير له خيراً ان يتجنب عن دواعي الغضب، ويزحزح نفسه عنه. [٣٨٣٩] ومنه حديثه الآخر عن النبي ﷺ (ليس الشديد بالصرعة). الصرعة على مثال الهمزة: الذي يصرع الناس [١٦٣/ب]. حول المعنى فيه من القوة الظاهرة إلى القوة الباطنة، وقد سبق القول فيه.
следующие страницы →