← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18569

الميسر في شرح مصابيح السنة للتوربشتي

التوربشتي

Полный текст (1 323 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

[٣٤٥١] ومنه حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ (إذا اقترب الزمان لم تكد تكذب رؤيا المؤمن) [١٤٥/أ] ذهب بعضهم في تأويل اقتراب الزمان إلى اعتدال الليل والنهار، واعتمد فيه على ما حكى عن ذوي العبارة أن أصدق المنامات ما يرى عند اعتدال الليل والنهار، أو عند اعتدال الزمان، الشك مني، ولا خفاء بأنهم أرادوا بقولهم ذلك على كلا التقديرين فصل الربيع؛ لما فيه من اعتدال الهواء، واستقامة أحوال المزاح، ولو أرادوا به اعتدال الليل والنهار على ميزان الساعات الزمانية، لكان فصل احريف في هذا الباب كالربيع، وليس الأمر على ذلك. وقال آخرون: أراد بالاقتراب اقتراب الساعة، فإنهم يقولون للشيء إذا ولى وأدبر: تقارب. ويقال للقصير: مستقارب. وهو أولى التأويلين كما في غير هذه الرواية (إذا كان آخر الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب). وفيه (ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) قيل: معناه أن الرؤيا جزء من أجزاء علم النبوة، والنبوة غير باقية وعلمها باق، وهو معنى قوله ﷺ (ذهبت النبوة وبقيت المبشرات: رؤيا الصالحة). قلت: ونظير ذلك قوله ﷺ : (السمت الحسن، والتؤدة، والاقتصاد جزء من أربعة وعشرين جزءااً من النبوة) أي: من أخلاق أهل النبوة. وقيل: معناه أنها تجئ على موافقة النبوة، لا أنها جزء باق من النبوة. وقيل: معناها أنها تجئ على موافقة النبوة، لا أنها جزء باق من النبوة. وقيل: إنما قصر الأجزاء على ستة وأربعين؛ لأن زمان النبوة كان ثلاثاً وعشرين سنة، وكان أول ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصالحة، وذلك على ستة أشهر من سنى الوحي، ونسبة ذلك إلى سائرها، نسبة جزء إلى ستة وأربعين جزءاً.

стр. 982

قلت: أما حصر سني الوحي في ثلاث وعشرين، فإنه مما ورد به الروايات المعتد بها، مع اختلاف في ذلك وأما كون زمان الرؤيا فيها ستة أشهر فشيء قدره هذا القاتل في نفسه، لم يساعده فيه النقل، وأرى الذاهبين إلى التأويلات التي ذكرناها قد هالهم القول بأن الرؤيا جزء من [١٤٥/ب] النبوة، وقد قال ﷺ : (ذهب النبوة) ولا حرج على أحد في الأخذ بظاهر هذا القول، فإن جزءاً من النبوة لا يكون نبوة، كما أن جزءاً من الصلاة على الانفراد لا يكون صلاة، وكذلك عمل من أعمال الحج، وشعبة من شعب الإيمان. وأما وجه تحديد الأجزاء بستة وأربعين، فأرى ذلك مما يتجنب القول فيه، وتلقى بالتسليم، فإن ذلك من علوم النبوة التي لا تقابل بالاستنباط، ولا يتعرض له بالقياس، وذلك مثلما قال في حديث عبد الله بن سرجس في السمت الحسن والتؤدة والاقتصاد إنها (جزء من أربعة وعشرين جزءاً من النبوة) وقلما يصيب مأول في حصر هذه الأجزاء، ولئن قيض له الإصابة في بعضها؛ لما يشهد له الأحاديث المستخرج منها، لم يسلم له ذلك في البقية. [٣٤٥٦] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي موسى (فذهب وهلى) الوهل بتسكين الهاء: الوهم. يقال: وهلت إليه بالفتح أهل وهلاً: إذا ذهب وهمك إليه، وأنت تريد غيره. وليس لك أن تحرك الهاء منه، لمكان الاشتباه فإن الوهل بالتحريك الفزع. [٣٤٥٧] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة: (فأوحى إلى أن أنفخهما) أنفخهما: من النفخ بالخاء المعجمة يقال: نفخته ونفخت فيه قال الشاعر: لولا ابن جعدة لم يفتح فهندزكم .... ولا خراسان حتى ينفخ الصور نبه بالنفخ على استحقار شأن الكذابين: أسود العنسي صاحب صنعاء، ومسيلمة صاحب اليمامة، وعلى

стр. 983

أنهما يمحقان بأدنى ما يصيبهما من بأس الله، حتى يصيرا كالشيء الذي ينفخ فيه فيطير في الهواء، قال القطامي: ألم يخز التفرق آل كسرى .... ونفخوا في مدائنهم فطاروا [٣٤٥٩] ومنه قوله ﷺ في حديث سمرة بن جندب (ورجل قائم على رأسه بفهر) الفهر: حجر ملء الكف، يذكر ويؤنث، والجمع: أفهار، وكان الأصمعي يقول فهرة وفهر.

стр. 984

وفيه: (إذا ضربه تدهده الحجر) أي: تدحرج. يقال: دهدهت الصخرة ودهديتها [١٤٦/أ] وتدهدي وتدهده بمعنى. (ومن الحسان) [٣٤٦٠] قوله ﷺ في حديث أبي رزين العقيلي ﵁ (وهي على رجل طائر ما لم يحدث بها) قلت: وفي أكثر الروايات وأوثقها عن أبي رزين (ما لم تعبر) تعبر: على بناء المفعول خفيفة الباء، والتشديد فيها لم يوجد في الكتاب ولا في السنة، وهي وإن وردت في كلامهم، فإنها لغة قليلة. ومعنى الحديث: لا تستقر الرؤيا قرارها كالشيء المعلق على رجل طائر، وذلك مثل قولهم: كأنه على جناح طائر. أراد بذلك -والله أعلم- أن الرؤيا على ما يوقة التقدير إليه من التفسير، فإذا كانت في حكم الواقع قيض لك من يتكلم بتأويلها على ما قدر. وقد فسره أبو عبيدة الهووى في كتابه فقال: نقول ذلك القسم الذي قسمه الله معلق بما قدره الله له وطيره له يعني قسمه، ولا استقامة لهذا القول مع بقية الحديث، والأول هو الصحيح. وفي هذا الحيث عن النبي ﷺ (وهي لأول عابر) يريد أن العبرة فيها بعبارة أول عابر، وذلك إذا كان عارفا بمعاني التعبير. فإن قيل: كيف له التخير فيمن يعبر على ما ورد به الحديث ولا يقصها إلا على واد أو ذي رأي والأقضية لا ترد بالتوقي عن الأسباب، ولا تختلف أحكامها باختلاف الدواعي. قلنا: هو مثل السعادة والشقاوة والسلامة والآفة المقضي بكل واحدة منها لصاحبها، ومع ذلك فقد أمر العبد بالتعرض للمحمود منها، والحذر عن المكروه منها. وفيه (ولا تقصها إلا على واد أو ذي أرى) قال الزجاج: إنما أمر بذلك؛ لأن الواد لا يحب أن يستقبلك في تفسيرها إلا بما تحب؛ لأن تعبيرها يزيلها عما جعلها الله عليه، وأما ذو الرأي فمعناه: ذو العلم بعبارة الرؤيا فإنه يخبرك بحقيقة تفسيرها أو بأقرب ما يعلم منه.

стр. 985

[٣٤٦٢] ومنه قول أبي بكرة في حديثه: (فرأيت الكراهة في وجه رسول الله ﷺ ). قلت: إنما ساءه -والله أعلم- من الرؤيا التي ذكرها ما عرفه من تأويل رفع الميزان، فإن فيه احتمالاً لانحطاط رتبة الأمر في زمان القائم به بعد عمر ﵁ عما كان عليه من النفاذ [١٤٦/ب] والاستعلاء والتمكن بالتأييد. ويحتمل أن المراد من الوزن: موازنة أيامهم، لما كان يطرأ فيها من رونق الإسلام وبهجته، ثم إن الموازنة إنما تراعى في الأشياء المقاربة مع مناسبة ما، فيظهر الرجحان، فإذا تباعدت كل التباعد لم يوجد للموازنة معنى فلهذا رفع الميزان، والله تعالى أعلم.

стр. 986

ومن كتاب الآداب (من الصحاح) [٣٤٦٣] حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (خلق الله آدم على صورته) ذهب بعض أهل العلم أن الضمير من الصورة راجع إلي آدم لمعنى خص به، وذلك أن الناس كلهم خلقوا على أطوار سبعة: نطفة ثم علقة إلى تمام ما فصله نص الكتاب، ثم إنهم كانوا يتدرجون من صغر إلى كبر حتى تسموا سن النماء ويبلغوا سن النشوء سوى آدم، فإنه خلق أولا علي ما كان عليه آخرا، فهذا وجه التخصيص، وهذا كلام صحيح في موضعه، وأما في تأويل هذا الحديث فإنه غير سديد؛ لما في حديث آخر (خلق آدم على صوره الرحمن) لما في غير هذه الرواية أن النبي ﷺ رأى رجلا يضرب وجه غلامه فقال (لا تضرب الوجه، فإن الله خلق آدم علي صورته) والمعنى الذي ذهب إليه هذا المأول لا يلائم هذا القول، وأهل الحق في تأويل ذلك علي طبقتين: أحدهما المتنزهون عن التأويل، مع نفي التشبيه، وعدم الركون إلى مسميات الجنس، وإحالة المعنى فيه إلى علم الله الذي أحاط كل شيء علما، علي ما ذكرنا في غير موضع، وهذا أسلم الطريقين والطبقة الأخرى: يرون الإضافة فيها إضافة تكريم وتشريف، وذلك أن الله تعالى خلق آدم أول البشر على صورة لم يشاكلها شرف الصور، في الجمال والكمال، وكثرة ما احتوت عليه من الفوائد الجليلة، فاستحقت الصورة البشرية أن تكرم ولا تهان إتباعا لسنة الله فيها تكريما لما كرمه. (٣٤٦٤) ومنه حديث عبد الله بن عمر (أن رجلا سأل رسول الله ﷺ أي الإسلام خير) الحديث. أراد

стр. 987

أي أدب الإسلام وخصال أهله خير؟ وإنما قال: (تطعم الطعام [١٤٧/أ] ولم يقل: إطعام الطعام، وإلقاء السلام، ليعلم بذلك أن الناس متفاوتون في تلك الخصال على حسب أوضاعهم ومراتبهم في المعارف، وأن الخصلتين المذكورتين تناسبان حال السائل، وأنهما خير له بالنسبة إليه، لا إلى سائر المسلمين، أو علم النبي ﷺ أنه يسأل عما يعامل به المسلمين في إسلامه، فأخبره بذلك، ثم رأى أن يجيب عن سؤاله بإضافة الفعل إليه، ليكون أدعى إلى العمل، والخبر قد يقع موقع الأمر. [٣٤٧١] ومنه حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ (إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم). قلت: قد روى جمع من الصحابة حديث رد السلام علي أهل الكتاب، فمنهم من روى (عليكم) ومنهم

стр. 988

من رواه بغير واو وحديث ابن عمر ﵄ الذي قبل هذا الحديث (إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السام عليك فقل: عليك) رواه البخاري في كتابه بالواو: (فقل: وعليك) بإثبات الواو في الرد عليهم، إنما يحمل على معنى الدعاء لهم بالإسلام إذا لم يعلم منهم تعريض بالدعاء علينا، وأما إذا علم ذلك فالوجه فيه أن يكون التقدير، وأقول: عليكم ما تستحقونه، وإنما اختار هذه الصيغة ليكون أبعد من الإيحاش وأقرب إلى الرفق، فإن رد التحية يكون إما بأحسن منها، أو بقولنا: وعليكم السلام والرد عليهم بأحسن مما حيونا به فلا يجوز لنا. وعليك وأما الرد بغير الواو فظاهر، أي: عليكم ما تستحقونه. (ومن الحسان) [٣٤٧٤] حديث أبي جرى الهجيمى ﵁ (أتيت النبي ﷺ فقلت: عليك السلام يا رسول

стр. 989

الله ... الحديث) لم يرد بذلك أن الميت ينبغي أن يسلم عليه على هذه الصيغة، فإنه كان يسلم على الموتى فيقول: (السلام عليكم ديار قوم مؤمنين) وإنما أراد بذلك أن قولك هذا مما تحيي به الأموات لا الأحياء، لأن الحي شرع له أن يسلم على صاحبه، وشرع لصاحبه أن يرد ﵇، فلا يحسن أن يوضع ما وضع للجواب موضع التحية، ولا ينكر ذلك في الأموات إذ لا جواب هنالك فاستوت التحيتان في حقهم، ثم إن السلام شرع لمعاني أحدهما: المسارعة إلي أمان المسلم عليه، مما يتوهم من قبل المسلم مكروه. وإذا قال: عليك السلام لم يحصل له الأمن حصوله بتقديم السلام؛ لاشتباه الحال على المسلم عليه في الدعاء والدعاء عليه حتى يذكر السلام، وإذا قدم [١٤٧/ب] السلام تبين له الأمر من أول الوهلة، ولا مدخل لشئ مما ذكرنا في تحية الأموات وأبو جرى هذا هو: جابر بن سليم وقيل: سليم بن جابر. [٣٤٨٤] وحديث جابر ﵁ عن النبي ﵊ (السلام قبل الكلام) مداره علي عنبسة بن عبد الرحمن وهو ضعيف جدا، ثم إنه يرويه عن محمد بن زاذان، وهو منكر الحديث، وهذا من جملة مازعم المؤلف أنه أعرض عنه، ولم يعرض عنه.

стр. 990

[٣٤٨٨] وكذلك حديثه الآخر (إذا كتب أحدكم كتابا فليرتبه) والمحنة فيه من قبل حمزة بن عمرو النصيبينى فإنه الراوي عن أبي الزبير عن جابر. وكذلك الحديث الذي يتلوه عن زيد بن ثابت (ضع القلم على أذنك) الحديث. ومداره أيضا على عنبة بن عبد الرحمن ومحمد بن زاذان، وقد وجدناه في كتاب المصابيح وقد أخطئ، فيه في موضعين: أحدهما (على أذنيك) وإنما هو (على أذنك) والآخر: (فإنه أذكر للممل) وإنما هو (للمملي).

стр. 991

ومن باب الاستئذان (من الصحاح) [٣٤٩٤] قوله ﷺ في حديث ابن مسعود: (وأن تستمع سوادى) السواد، بالكسر: السرار. يقال: ساودته مساودة وسوادا. والأصل فيه: اقتراب السوادين، وهما شخصا المتناجيين. (ومن الحسان) [٣٤٩٨] حديث كلدة بن حنبل- ﵁ (أن صفوان بن أمية بعث بلبن وجداية

стр. 992

وضغابيس ... الحديث) الجداية بكسر الجيم: الغزال وقد يفتح، وقال الأصمعى: هو بمنزلة العناق من الغنم، والضغابيس: صغار القثاء، واحدها ضغبوس، ويشبه به الرجل الضعيف. ومن باب المعانقة والمصافحة (من الصحاح) [٣٥٠٢] قوله ﷺ في حديث أبي هريرة: (أثم لكع) يقال للصبي الصغير: لكع، ذهابا إلى صغر جثته، كما يقال في الجحش. وأما قولهم للعبد واللئيم: لكع، فلعلهم ذهبوا فيه إلى صغر قدره.

стр. 993

[٣٥٠٧] ومنه حديث عائشة ﵂ في حديثها (ما رأيته عريانا قبله ولا بعده) كذا رواه الترمذي في كتابه ومن العجاب أن تحلف أم المؤمنين على أنها لم تره عريانا قبله أي: قبل ذلك اليوم ولا بعده مع طول الصحبة وكثرة الاجتماع في لحاف واحد. ولعل الصواب: ما رأيت عريانا، تريد: مثله، فحذف مثله اعتمادا على وضوحه. وهذا من الحذف الذي هو أتم في المعنى لما فيه من الاتكال، فكأنه يشير إلى تأكيد الأمر فيه بحيث [١٤٨/أ] لا يفتقر إلى تمام القول فيه. [٣٥١٠] ومنه قول أسيد بن حضير: (اصبرني) معناه: أقدنى. يقال: أصبره القاضي أى: أقصه، والاصطبار: الاقتصاص.

стр. 994

[٣٥١٣] ومنه قوله عائشة ﵂ في حديثها (أشبه سمتا وهديا ودلا) السمت: هيئة أهل الخير في الدين، وليس من الجمال في شئ. والأصل فيه: القصد والطريق. والهدى: السيرة. يقال: فلان حسن الهدى. أى: حسن المذهب في الأمور كلها، والدل قريب منه. وهما يستعملان في السكينة والوقار، ويستعمل الدل في حسن الحديث. وكأنها أشارت بالسمت: إلى مايرى علي الإنسان من الخشوع والتواضع لله، وبالهدى: إلى ما يتحلى به من السكينة والوقار، وإلى ما يسلكه من المنهج المرضى، وبالدل: على دماثة الخلق وحسن الحديث. ومن باب القيام (من الصحاح) [٣٥١٥] قوله ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري للأنصار: (قوموا إلى سيدكم).

стр. 995

قلت: ليس هذا من القيام الذي يراد به التعظيم على ما كان يتعاهده الأعاجم في شئ، وكيف يجوز أن يأمر بما صح أنه نهى عنه، وعرف منه النكير فيه إلى آخر العهد، وإنما كان سعد بن معاذ وجعا لما رمى في أكحله، مخوفا عليه من الحركة، حذرا من سيلان العرق بالدم، وقد أتى به يومئذ للحكم الذي سلمت بنو قريظة إليه عند النزول على حكمه، فأمرهم بالقيام إليه ليعينوه على النزول من الحمار، ويرفقوا به فلا يصيبه ألم، ولا يضطر إلى حركة ينفجر منه العرق، فكان معنى قوله: (قوموا إليه) أى: إلى إعانته وإنزاله من المركب، ولو كان يريد به التوقير والتعظيم لقال (قوموا لسيدكم) وما ذكر في قيام النبي ﷺ لعكرمة بن أبي جهل عند قدومه عليه، وما يروى عن عدي بن حاتم (ما دخلت على رسول الله ﷺ إلا قام لي أو تحرك لي) فإن ذلك لا يصح الاحتجاج به لضعفه، والمشهور عن عدى (إلا وسع لي) ولو ثبت فالوجه فيه أن يحمل على الترخيص حيث يقتضيه الحال، وقد كان عكرمة من رؤساء قريش، وعدى كان من سيد بني طئ، فرأى تأليفهما بذلك على الإسلام، أو عرف من جانبهما تطلعا عليه، على حسب ما يقتضيه حب الرياسة. والله أعلم.

стр. 996

ومن باب الجلوس والنوم والمشي (من الصحاح) [٣٥٢٦] [١٤٨/ب] حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني: (رأيت رسول الله ﷺ مستلقيا واضعا إحدى رجليه على الأخرى). قلت: قد خالف حديثه هذا حديث جابر الذي يتلوه، ولا سبيل إلى القول بالنسخ، لأن الأعلام من الصحابة قد فعلوا ذلك بعد رسول الله ﷺ ولم ينكر عليهم أحد منهم. ووجه التوفيق بين الحديثين أن يقال: إن النهى يختص بلابسي الأزر دون السراويلات، فإنهم إذا فعلو ذلك بدت سوءاتهم، وأما أصحاب السراويلات فإنهم في فسحة من ذلك. [٣٥٢٩] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة (فهو يتجلجل فيها) أي: يسوخ في الأرض من حين خف به إلى يوم القيامة. والأصل في الجلجلة: الحركة مع صوت.

стр. 997

(من الحسان) [٣٥٣٢] حديث قيلة بنت مخرمة الغنوية (أنها رأت رسول الله ﷺ في المسجد وهو قاعد القرفصاء ... الحديث) القرفصاء بضم الفاء: ضرب القعود يمد ويقصر، أخذ من القرفصة وهو: أن يجمع الأنسان ويشد يديه ورجليه، وقعد فلان القرفصاء: كأنك قلت: قعد قعودا مخصوصا، وهو: أن يجلس على أليتيه، ويلصق ببطنه فخذيه، ويحتبي بيديه يضعهما على ساقيه. وقيل: هو أن يجلس على ركبتيه متكئا، ويلصق بطنه بفخذيه، ويتأبط كفيه. وفيه: (فلما رأيت رسول الله ﷺ المتخشع) يجوز أن يكون التخشع نعتا له، ويجوز إن يكون مفعولا ثانيا، ويكون التقدير: الرجل المتخشع. وفيه تنبيه على أنها فزعت منه، حيث رأته خاشعا. والأول اتم معنى، فإنه يفيد أنه مع تخشعه كان قد ألقيت عليه المهابة، والمتخشع بمعنى الخاشع، ويحتمل أنها أرادت بذلك الزيادة علي الخشوع، حتى كانه بلغ من ذلك مبلغا لا يتهيأ لغيره إلا على وجه التكلف. [٣٥٣٣] ومنه قول جابر بن سمرة في حديثه (حتى تطلع الشمس حسنا) قلت: قد وجدنا كثيرا من الناس يروونه: حسنا على الصفة، وهو خطأ وإنما الصواب حسنا على المصدر أى: طلوعاً حسناً.

стр. 998

[٣٥٣٨] ومنه حديث علي بن شيبان الدئلي قال رسول الله ﷺ : (من بات على ظهر بيت ليس عليه حجاء) يروى بفتح الحاء وكسرها، فمن كسره ذهب فيه إلى معنى الستر المانع عن الوقوع، تشبيها بالحجى الذي هو العقل؛ لأنه المانع عن الوقوع في الهلكات، ومن فتحه أراد به أيضا الستر، فإن الحجا هو الطرف والناحية والستر. وفي غير هذة الرواية: (من بات على ظهر إجار) والإجار بالكسر: هو السطح بلغة أهل الحجاز والشام. وفيه (برئت منه الذمة) يريد بذلك [١٤٩/أ] أن لكل أحد من الله عهدا وذمه بالكلاءة، فإذا ألقى بيده إلى التهلكة، خذلته ذمة الله. [٣٥٤١] ومنه حديث حذيفة (ملعون على لسان محمد من قعد وسط الحلقة) المراد منه الماجن الذي يقيم نفسه مقام السخرية ليكون ضحكة بين الناس وما يجرى مجراه من المتأكلين [بالمسمعة] والشعوذة.

стр. 999

[٣٥٤٤] ومنه حديث أبي هريرة إذا كان أحدكم في الفئ فقلص عنه ... الحديث) قلص أي: ارتفع وقلص الظل أي: أرتفع. وقلص الماء في البئر أي: ارتفع. وفيه (فإنه مجلس الشيطان) هذا الحديث روى موقوفا على أبي هريرة وروى مرفوعا إلى رسول الله ﷺ والأصل فيه الرفع، وإن لم يرو مرفوعا؛ لأن الصحابي لا يقدم على التحدث عن بالأمور الغيبية إلا من قبل الرسول، لا سيما وقد وردت به الروايات من غير هذا الوجه عن نبي الله، ولعله نهى عن ذلك؛ لأن الإنسان إذا قعد ذلك المقعد فسد مزاجه؛ لاختلاف حال البدن لما يحل به من المؤثرين المتضادين، وأضاف المجلس إلى الشيطان؛ لأنه الباعث على الجلوس فيه، أو كره ذلك المجلس لوقوعه بين النقيضين، واحتوائه علي اللونين، وذلك يشبه من حيث الصورة [مراصيد] الشيطان بين الكفر والإيمان، والطاعة والعصيان، والذكر والنسيان من حيث المعنى. ومبني القولين علي الاحتمال، والحق الأبلج فيه وفيه أمثاله التسليم لنبي الله ﷺ في مقاله، فإنه يعلم ما لا يعلم غيره، ويرى ما لا يرى غيره. [٣٥٤٥] ومنه قول على في حديثه: (إذا مشى تكفأ تكفيا) تكفأت المرأة في مشيتها: ترهيات ومادت كما تتحرك النخلة العيدانة على هذا فسره أبو عبيد وغيره. قالوا: والأصل فيه الهمزة ثم تركت وألحقت بالمعتل وقد رواه بعضهم على الأصل تكفأ تكفئا. قلت: والأشبه في تفسير هذا اللفظ أن يحمل على صب المشي دفعة واحدة كالإناء الذي يفرغ، ويدل عليه ما بعده (كأنما ينحط [١٤٩/ب] من صبب) وفي معناه (إذا مشي تقلع) أي: دفع رجله دفعا ثابتا متداركا إحداهما بالأخرى مشية أهل الجلادة. [٣٥٤٦] ومنه قول أبي هريرة في حديثه (لنجهد أنفسنا) يجوز فيه فتح النون وضمه، يقال: جهد دابته وأجهدها: إذا حمل عليها في السير فوق طاقتها.

стр. 1000

وفيه (وإنه لغير مكترث) أي: مبال بمشينا يقال: ما أكترثت له أي: ما أبالي به. [٣٥٤٧] ومنه قوله ﷺ في حديث أسيد الأنصاري: (فأنه ليس لكن أن تحققن الطريق) أي: تمشين في حاقتها وهو وسط الطريق. يقال: سقط فلان على حاق رأسه أي: وسطه، وكذلك جثته في حاق الشتاء. ومن باب العطاس والتثاؤب (من الصحاح) [٣٥٥٠] حديث أبي هريرة (إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب) قلت: العطاس يورث الخفة في الدماغ ويروحه ويزيل كدر النفس، ولهذا عدَّه الشارع نعمة من الله فنّ الحمد عقيبه، والتثاؤب إنما ينشأ من ثقل النفس وامتلائها، فيورث الغفلة والكسل. وبذلك يجد الشيطان إليه سبيلا، ويقوي سلطانه عليه فيستلذه ويرضى به وهو المعنى في ضحكه، وقد كتب تثائب والتثاؤب في جميع المواضع الذي يذكر فيها من هذا الكتاب بالواو، وليس بسديد وإنما هو باب التفاعل وعينه الهمزة، وهاؤه حكاية صوت المتثائب وذلك يكون في أبلغ أحواله من المكظة وعليه النوم، ومعنى قوله في حديث أبي سعيد: (فإن الشيطان يدخل) أي: يجد السبيل إلى ما يبتغيه: من تثبيطه عن العبادة عند استرسال العبد فيما يهيج الغفلة، ويذهب التيقظ.

стр. 1001

(ومن الحسان) [٣٥٥٦] حديث أبي هريرة: (أن النبي ﷺ كان إذا عطس غطى وجهه بيده أو بثوبه) قلت: هذا نوع من الأدب بين يدي الجلساء، وذلك لأن العاطس لا يأمن عند العطاس مما يكرهه الراءون من فضلات الدماغ. [٣٥٥٩] ومنه قوله ﷺ في حديث سالم بن عبيد الأشجعي للعاطس المسلم: (السلام عليك وعلى أمك) قلت: نبه بهذا القول على بلاهته وبلاهة أمه، فإنها كانت محمقة، فصارا مفتقرين إلى السلام، فيسلمان به من الآفات.

стр. 1002

ومن باب الضحك (من الصحاح) [٣٥٦٢] حديث عائشة: (ما رأيت النبي مستجمعاً ضاحكاً) المعنى مستجمعاً في الضحك حالة الضحك فكأنها قالت: مستجمعاً ضحكاً [١٥٠/أ] يقال استجمع الفرس جرياً: إذا وجد منه سائره. ويقال: استجمع كل مجمع. ومن باب الأسامي (من الصحاح) [٣٥٦٦] حديث جابر أن رسول الله ﷺ قال: (سَمُّوا باسمي ولا تكنوا بكنيتي) قلت: العرب تخاطب الأكابر بالكنى، ثم الكنى تكون على مراتب:

стр. 1003

منها: ما يوجد على نعت التعظيم: كأبي المكارم، وأبي المعالي، وأبي الدنيا. ومنها ما يسند إلى البنين والبنات، وفي نوعه كثرة) وهو الأغلب. ومنها: ما يشترك فيه النوعان: كأبي الفضل، وأبي العلاء، وأبي الغوث، وأبي الخير، وأبي الرجاء، ونحوها. ومنها: ما يجري مجرى الأسماء [ومنها ما] يعدم منه النوعان كأبي عمير وأبي عمرو، ومثل ذلك للمولود. وقد كان النبي ﷺ يقول لأبي عمير بن طلحة وهو رضيع: (يا أبا عمير ما فعل النغير). ومنها: ما يكنى به الرجل للحال التي هو عليها كأبي هريرة قال: (كنت أحمل هرة يوماً في كمي فرآني رسول الله فقال: (ما هذه؟ قلت: هرة فقال لي: يا أبا هريرة. وروي عنه من غير هذا الوجه أنه قال: كنيت بأبي هريرة؛ لأني وجدت هرة فحملتها في كمي فقيل لي: ما هذه فقيل لي: وأنت أبو هريرة. ومثله عن أنس (كناني رسول الله ببقلة كنت أجتنيها) يعني: أبا حمزة، أو يكنى به المولود لمهنى يعرض للوالد حال الولادة، كأبي ذر، وأبي ذرة، وأبي عقرب، وأبي شيخ ونحوها. ومنها: ما يكون للنعت الذي هو عليه: كأبي شقرة، وأبي السواد ونحوها. وعلى جملة: فمذهب العرب في العدول عن [الاسم إلي] الكنية هو التوفير، إلا أن تكون الكنية نبزا يتأذى منه المدعو به. ولما كان من حق الرسول فيما يراد به التعظيم أن لا يشاركه فيه أحد، كره أن يكنى أحد بكنيته، ودخل هذا في الباب الذي نهينا عنه أن نسوي بينه وبين غيره. قال الله تعالى:﴾ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً ﴿وقد بين النبي ﷺ هذا المعنى في بقية الحديث وذلك قوله: (وإنما جعلت قاسماً أقسم بينكم) فقد كان يتولى القسمة من قبل الله في العلم الذي يوحي إليه، وإنزال الناس منازلهم في الفضيلة، وإعطائه المال إياهم على قدر عنايتهم وحسب حاجاتهم [١٥٠/ب] وكان ذلك مما لم يشاركه فيه أحد. وأكثر الناس يرون أنه كني بابن له من خديجه يقال له: قاسم وهذا، وإن ذكره أصحاب السير، فإن هذا الحديث يرد عليهم ما ذهبوا إليه، فإنه أشار فيه إلى المعنى الذي أوجب له أن يكنى بأبي القاسم. فإن قيل: فكيف التوفيق بين هذا الحديث وما ورد في معناه من أحاديث النهي، وبين حديث عائشة (قالت امرأة: يا رسول الله، إني ولدت غلاماً فسميته محمداً وكنيته بأبي القاسم) وهو مذكور في الحسان من هذا الباب.

стр. 1004

قلنا: هذا الحديث لا يقاوم أحاديث النهي في السند، وإن ثبت، فإن نأوّله على أنه نفي فيه التحريم دون الكراهة، فعرفهم بأحاديث النهي ما خصه الله به من المنزلة، وأرشدهم إلى طريق الأدب، ثم لم ير أن يحرج عليهم، حتى يفضي بهم إلى الحرمة، فقال قوله ذلك، وأرى فيه وجهاً هو أبلغ من ذلك، وهو أنه نهي الرجال إذا ولد لهم مولود أن يسموه قاسماً ليكتنوا به، فينادون بحضرته فيقع الاشتباه في المنادى، فيقضي إلى الوضع من حقه، ألا ترى أن ذلك كان عاة النهي، وذكر ذلك في حديث أنس الذي أورده المؤلف في أول هذا الباب، ولم ينه عن ذلك في حديث عائشة؛ لأن المولود كان المكنى بأبي القاسم وقد علم أنه لا يبلغ في زمانه السن الذي يدخل به في غمار من يصحبه وينادي يحضرته؛ فكان في هذا المعنى كالذي كان في غير زمانه، وقد استبان بحديث على أن التمييز كان مقصوراً على زمانه، وهو أنه قال: (يا رسول الله، أرأيت إن ولد لي بعدك ولد، أأسميه محمداً وأكنيه بكنيتك؟ قال: نعم). على هذا رأينا التوفيق بين هذه الأحاديث. [٣٥٦٩] ومنه حديث سمرة بن جندب عن النبي ﷺ أنه قال: (لاتُسمينَّ غلامك يساراً ولا رباحاً ولا نجيحاً ولا أفلح ...) الحديث. المراد من الغلام -على ما بّينه الصحابي في هذه الرواية -الرقيق. أخرج مسلم في كتابه عن سمرة أنه قال: (نهانا رسول الله ﷺ أن نسمي رقيقنا بأربعة أسماء ....) الحديث. قلت: والمشكل من هذا الحديث هو أن المعنى الذي يمنع عن التسمية بها على ما ذكره في الحديث أنه إذا قال: أثم أفلحُ؟ فيقال: لا عاد الأمر فيه من الفأل الحسن إلى ما ينافيه. وهذا معنى يستوي فيه العبيد [١٥١/أ] والأحرار، فما وجه تخصيص العبيد به، وقد كان الأحرار يُسمون بتلك الأسماء في زمان النّبوة وقبلها؟! يشهد به أسماء الصحابة من وجوه القبائل وأسماء آبائهم الذين لم يجر عليهم رق في جاهلية ولا إسلام. قلنا: يحتمل أنه أسند النهي إلى تسمية الأرقاء؛ لأنهم هم الأكثرون في تسميتهم بتلك الأسماء. ويحتمل أنه أراد بالغلام الصبي الذي يسمى، حراً كان أو عبداً. ويحتمل أنه أراد بالغلام الصبي الذي يسمى، حراً كان أو عبداً. قال الله تعالى حكاية عن زكريا ﵇:﴾ قال رب أنى يكون لي غلام ﴿ففهم الصحابي عنه المملوك، ففسره على حسب ما وقع له، وإنما أقدمنا عل هذا التأويل؛ لأن الغلام في الحديث لفظ النبي ﷺ وتفسيره بالرقيق من كلام الصحابي، فالأشبه أنه سمعه على ما ذكرنا ثم فسره على ما نقلناه من كتاب مسلم. ويحتمل أن النبي ﷺ لم ير التسمية بها للعلة التي ذكرت في متن الحديث، ولما فيه من التزكية.

стр. 1005

ثم إن تركه المسمّين بها على ما هم عليه من غير تغيير تلك الأسماء، دال على أنه سلم الأمر فيما مضى، ووصاهم بغير ذلك فيما بقي واكتفاؤه في النهي بخطاب الواحد يشير إلى شيء من ذلك. ويدل على صحة هذا التأويل. [٣٥٧٠] حديث جابر ﵁ (أراد النبي ﷺ أن ينهى أن يسمي بيعلي ...) الحديث. إلى قوله: (ثم قبض ولم ينه عنه). [٣٥٧١] ومنه حيث أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : (أخنى الأسماء يوم القيامة ...) الحديث. أخنى الأسماء: أي: أفحشها وأفسدها. وفي غير هذه الرواية: (أخنع الأسماء)، أي: أذلها وأوضعها، والخانع: الذليل. وهذه الرواية أولى بأن تتبع؛ لأنها أقوم في اللغة العربية، وكذلك رواه مسلم في كتابه. وقوله: (ملك الأملاك)، فسره سفيان الثوري فقال: هو شاهنشاه. [٣٥٧٢] ومنه حديثه الأخر عن النبي ﷺ (أغيظ رجل على الله يوم القيامة ...) الحديث. قيل: إن هذا من مجاز الكلام، معدول به عن ظاهره، والمراد به عقوبة الله للمتسمّى بهذا الاسم، أي أنه أشد أصحاب هذه الأسماء عقوبة.

стр. 1006

[٣٥٧٨] ومنه حديثه الآخر عن النبي ﷺ (لا تقولوا: الكْرمُ، فإن الكرم قلب المؤمن). إنما سَمّت العربُ كرماً ذهاباً إلى أن الخمر تكسب شاربها كرما. وإلى هذا يلتفت قول الشعراء في تسميتهم الخمر بابنة الكرم. [١٥١/ب] ومنه قول القائل: فيا بنة الكرم لا .... بل يا بنة الكرم فلما جاء الله بالإسلام وحرم الخمر نهاهم النبي ﷺ عن قولهم ذلك، وبين لهم أن قلب المؤمن هو الكرم؛ لأنه معدن التقوى، وأن ما كان سبياً لسخط الله ومقته فهو بمعزل عن المعنى الذي قصدوه، وهذا من باب تحويل الكلام من معنى إلى معنى آخر، وفيه تحويل من المجاز إلى الحقيقة. والحيلة هي الأصلة من العتبة، تخفف وتثقل. [٣٥٧٩] قوله: [فإن الله هو الدهر]، قد مر تفسيره في أول الكتاب. [٣٥٨٢] ومنه حديث عائشة -رضى الله عنها- عن النبي ﷺ : (لا يقولن أحدكم خبثت نفسي، ولكن ليقل: لقست نفسي).

стр. 1007

لقست نفسه أي: غثت. والعرب تستعمل كلا اللفظين مكان الآخر، أعني: لقس وخبث. وكان ﷺ يسلك في ألفاظه مسلك التنزه؛ فكره أن يضرب المؤمن لنفسه مثل السوء، ويضيف إليها الخباثة التي هي ملحقة بالكفار الُمصرين على المعاصي، ولم ير للمؤمن أن يصف نفسه بالخبث. فإن قيل: ففي الحديث: (وإلا أصبح خبيث النفس كسلان) فيمن لم يقم لصلاة الليل فكيف نهى عنه واستعمله في حق المؤمن. قلت: سئل عنه الطحاوي ﵀ فأجاب بما ينبئ أنه رأى الحديث الذي ذكرناه كالناسخ لما بعده. وأرى الوجه في التوفيق بينهما أن أقول: حديث صلاة الليل ورد مورد الوعيد في حق من يثبطه الشيطان عن القيام، لا في حق رجل بعينه، وكم مثل ذلك في السنن: (نهى عن لعن المسلم أشد النهي، ثم قال: (لعن الله من تولى غير مواليه)، و (لعن الله من سرق منار الأرض)، وأمثال ذلك، مما كان القصد فيه الوعيد والزجر، لا اللعن لمسلم بعينه. وكذلك قوله: (أصبح خبيث النفس) وأما الحديث الذي نحسن فيه، فإنه للنهي عن إضافة المؤمن الخبث إلى نفسه، ولهذا المعني كان يغير الأسماء القبيحة، كما غير اسم عمر التي سماها عاصية، وغنما كان ذلك منه في الجاهلية؛ فإنهم كانوا يسمون بالعاصي والعاصية ذهاباً إلى معنى الإباء عن قبول النقائص والرضا بالضيم، فلما جاء الله بالإسلام كره ذلك لهم، والله أعلم.

стр. 1008

(ومن الحسان) [٣٥٨٩] حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول في زعموا: (بئس مطية الرجل). قلت: أراد بذلك المتحدث الذي يتوعر عليه طرق الكلام، فيأخذ في أساليب القول مستعيتاً في اختراع القول بإسناده إلى من لا يعرف، فيقول: زعموا أن قد كان كذا وكذا، فيتخذ قوله (زعموا) مطية يقطع بها أودية الإسهاب، وما أشبه ذلك بقول من يروي ما لا يكاد يصح، ثم يقول: العهدة على الراوي. والزعم حكاية قول يكون مطية للكذب؛ ولهذا جاء في كتاب الله تعالى في كل موضع ذم القائلون به نحو قوله:﴾ زعم الذين كفروا ﴿،﴾ بل زعمتم ألن نجعل لكم موعداً ﴿. [١٥٢]،﴾ أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ﴿،﴾ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه ﴿.

стр. 1009

ومن باب البيان والشعر (من الصحاح) [٣٥٩٦] حديث ابن عمر: (قدم رجلان من الشرق فخطبا ...) الحديث يحسب أكثر الناس أن هذا القول مورده مورد المدح، وليس الأمر على ما توهم، بل ورد مورد الذم، والمراد منه أن من البيان نوعاً يحل من العقول والقلوب في التمويه محل السحر، فإن السحر من شأنه أن يزين الباطل في عين المسحور حتى يراه حقاً، وكذلك المعجب بحسن البيان وترصيف النظم يُرى الباطل في لبسة الحق، والحق في لبسة الباطل، وهو أن المتكلم بمهارته في البيان ومعرفة تصرف القول يَسلُبُ العقل بتفنُّته في البلاغة، ويشغل السامع عن التفكير فيه والتدبر له، حتى يخيل إليه الباطل حقاً، فبين النبي ﷺ أن جنس البيان وإن كان محموداً فإن فيه ما يذم للمعنى الذي ذكرناه، وأن جنس الشعر وإن كان مذموماً فإن فيه ما يُحمد، للمعنى الذي ذكرناه لاشتماله على الحكمة. ويبين المعنى الذي ذهبنا لإليه قوله في حديث بريدة في آخر هذا الباب: (إن من البيان سحراً، وإن من العلم جهلاً ....) الحديث. والبيان: اجتماع الفصاحة والبلاغة وذكاء القلب مع اللسن، وكان هذا القول منه عند قُدوم وفد بني تميم، وكان فيهم قيس بن عاصم والزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم، ففخر الزبرقان فقال: (يا رسول الله: أنا سيد تميم، والمطاع فيهم والمجاب، أنعهم من الظلم، وآخذ لهم بحقوقهم، وهذا يعلم ذلك -يعني عمرو بن الأهتم، فقال عمرو بن الأهتم: إنه لشديد العارضة مانع لجانبه، مطاع في أذنيه. فقال الزبرقان: والله، يا رسول لقد علم مني غير ما قال، وما منعه أن يتكلم إلا الحسد. فقال عمرو بن الأهتم: أنا أحسدك! فوالله إنك للئيم الخال، جديب المال، ضيق العطن، أحمق الولد، مضيع في العشيرة. والله، يا

стр. 1010

رسول الله لقد صدقت فيما قلت أولاً. وما كذبت فيما قلت آخراً، ولكني رجل إذا رضيت قلت أحسن ما علمته، وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدته، ولقد صدقت في الأولى [١٥٢/ب] والأخرى جميعاً فقال النبي ﷺ : (إن من البيان لسحراً). [٣٥٩٨] ومنه حديث عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: (هلك المتنطّعون) قالها ثلاثاً، أراد به المتعمقين الغالين في خوضهم فيما لا يعنيهم من الكلام، والأصل في المتنطع الذي يتكلم بأقصى حلقه، مأخوذ من النطع، وهو الغار الأعلى فيه آثار كالتحزيز، تخفف وتثقل، وإنما ردَّد القول ثلاثاً تهويلاً منه وتنبيهاً على ما فيه من الغائلة، وتحريضاً على التيقظ والتبصر دونه، وكم تحت هذه الكلمة من مصيبة تعود على أهل اللسان والمتكلفين في القول الذين يرومون بسبك الكلام سبى قلوب الرجال، نسأل الله العافية. [٣٦٠٠] ومنه حديث الشريد بن سويد الثقفي (ردفت رسول الله ﷺ يوماً، فقال: (هل معك من شعر أية بن أبي الصلت شيء ....) الحديث. قلت: إنما استنشده شعره؛ لأن أمية أيضاً كان ثقفيا، وكان أمية ممن ترهب قبل الإسلام، وكان حريصاً على استعلام أخبار النبي الموعود به من العرب مصدقاً بخروجه، فلما أخبر بأنه من أهل الحرم وأنه من قريش، قال: كنت أرجو أن يكون من قومي، وكان يشير بذلك إلى نفسه، فلما بلغه خروج النبي منعه الحسد عن الإيمان به، ولم يلبث أن مات وكان قبل معنياً بالحقائق، مكاشفاً بالعجائب، يشعر بذلك شعره، ولهذا كان نبي الله ﷺ يستنشد شعره. وفي بعض طرق هذا الحديث أنه قال: (أسلم شعره وكفر قلبه). ولما قدمت أخته القارعة بنت أبي الصّلت بعد فتح الطائف على رسول الله ﷺ وكانت ذات نسب ومنصب وجمال، قال لها رسول الله يوماً: (أتحفظين من شعر أخيك شيئاً)؟ فأخبرته بخبره وما رأت منه، وأنشدته أبياته التي يقول فيها: ما أرغب النفس في الحياة وإن .... تحيا قليلاً فالموت لاحقها من لم يمت عبطه يمت هرماً .... للموت كأس والمرء ذائقها

стр. 1011

[١٥٣/أ]. وذكرت في خبر وفاته أنه قال عند المعاينة: إن تغفر الّلهم تغفر جما .... وأي عبد لك لا ألّما ثم قال: كل عيش وإن تطاول دهراً .... صائر مرة إلى أن يزولا ليتني كنت ما قد بدا لي .... في قلال الجبال أرعى الوعولا ثم مات. فقال لها رسول الله ﷺ : (كان مثل أخيك كمثل الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين). وقوله: (هيه) بمعنى: إيه. على هذا رواه الراوون، وكأنه قلب الهمزة هاء. وإيه: اسم سُمّي به الفعل؛ لأن معناه الأمر، تقول للرجل إذا استزته من حديث أو عمل: إيه بكسر الهاء. وقال ابن السكيت: فإن وصلت نونت قلت: إيهٍ حديثاً. وقول ذي الرُمة: وقفنا فقلنا إيه عن أم سالم .... وما بال تكليم الديار البلاقع فلم ينون وقد وصل؛ لأنه نوى الوقف. قال ابن السَري: إذا قلت إيهِ يا رجل فإنما تأمره بأن يزيدك من الحديث المعهود بينكما، كأنك قلت: هات الحديث، وإن قلت: إيهٍ بالتنوين كأنك قلت: هات حديثاً؛ لأن التنوين تنكير. وذو الرمُمة أراد التنكير فترك للضرورة، وإنا سلكنا هذا المسلك، لأن المحدثين يلحنون فيه؛ فيه؛ فمنهم من ينونه، وليس بسديد على القولين. ومنهم من يرويه على السكون، وليس بصحيح. [٣٦٠١] ومنه حديث جندب بن سفيان البجلي أن النبي ﷺ كان في بعض المشاهد وقد دميت إصبعيه، فقال: (هل أنت إلا إصبع دميت .... وفي سبيل الله ما لقيت) يسأل عن ذلك وعما أشيهه من الرجز الذي جرى على لسان رسول الله ﷺ ، مع شهادة الله له بأنه لم يعلمه الشعر وما ينبغي له، وقد سبقنا بالجواب عنه فنقل الخطابي في ذلك وجوهاً عن أهل العلم: منها: قول بعض أهل العلم: إن الرجز ليس بشعر [١٥٣/ب] وإنه خارج عن المعاريض المشهورة، وإن النبي ﷺ لم ينشد قط بيت الشعر؛ ولهذا لما ذكر قول طرفَة أخرجه عن وزان الشعر بتأخير الحرف المقدم فقال: (ويأتيك من لم تزود بالأخبار) فأعيد عليه فأبى إلا قوله ذلك.

стр. 1012

ومنها: قول بعضهم في قول الله سبحانه:﴾ وما علمناه الشعر ﴿رد على المشركين قولهم: بل هو شاعر، ولا يلزم من البيت الواحد هذا الاسم، فإن الشعر هو الذي يقصد الشعر، ويعرف أفانينها ويراعي قوانينها، فلا يلزمه الاسم المنفي عنه إنشاد البيت الواحد ونحوه. ومنها قول بعضهم: إنه لم يقصد به الشعر، وإنما جرى على لسانه بحكم الاتفاق، وقد وجدنا لذلك نظائر كلام الله. قلت: وكل هذه الوجوه قويمة، والوجه الأخير أقومها. [٣٦٠٥] ومنه قوله ﷺ في حديث عائشة لحسان: (إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله). روح القدس: جبريل؛ لأنه يأتي إلى أنبياء الله بما فيه الحياة والطهارة، أو لأنه الروح الذي طبع على الطهارة. ونافحت: أي دافعت واجتهدت في الذب عن حرمهما. من قولهم: قوس تَفُوح، إذا كانت بعيدة الدفع للسهم. والمعنى: أن شعرك هذا الذي تنافح به عن رسوله يلهمك الملك سبيله، بخلاف ما يتقوله الشعراء إذا اتبعوا الهوى، وهاموا في كل واد، فإن مادة قولهم من إلقاء الشيطان إليهم. [٣٦٠٦] ومنه قوله في حديثها أيضاً: (فشفي واشتفى) يحتمل أنه أراد بالكلمتين التأكيد، أي: شفي من الغيظ بما أمكنه من الميسور من القول والمعسور. ويحمتل أنه أراد أنه شفى غيره واشتفى نفسه.

стр. 1013

[٣٦٠٧] ومنه حديث [البراء] بن عازب: (كان رسول الله ينقل التراب يوم الخندق ...) الحديث. الرجز الذي في هذا الحديث قاله عبد الله بن رواحة. ذكره البخاري من قول البراء أن النبي ﷺ تمثل بكلمات ابن رواحة. وفي قصة خيبر أن بعض الصحابة قال لعامر بن سنان الأكوع عم سلمة بن الأكوع: يا عامر ألا تُسمعُنا من هُنَيّهاتك، فجعل يرتجز ويقول ... الحديث. فتبين لنا من حديث البراء أن قائل تلك الأراجيز هو ابن رواحة فقالها رسول الله ﷺ يوم الخندق، وارتجز بها عامر في حُدائه في مسراهم إلى خيبر، وأما وجه تلُّفظ النبي ﷺ بها فقد سبق في هذا الباب. [٣٦٠٩] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (لأن يمتلئ [جوف أحدكم] حتى يريه ...) الحديث. يقال: رآه الرائي يريه وريا وهو أن يدوي جوفه. قال الشاعر: قالت له وريا إذا تنحنحا أي: دعت عليه بالورى. وإنما يمتلئ من الشعر ما كان خالياً من كتاب الله وسنة رسوله، فلا يسعه [١٥٤/أ] غير ذلك. وهذا الحديث رواه مسلم في بعض طرقه عن أبي سعيد الخُدري، وفي رواية أنه قال: (بينا نحن نسير مع رسول الله ﷺ بالعرج إذ عرض شاعر ينشد فقال رسول الله ﷺ خذوا الشيطان أمسكوا الشيطان) ثم ذكر بقية الحديث.

стр. 1014

(ومن الحسان) [٣٦١٠] قوله ﷺ في حديث كعب بن مالك- ﵁: (لكأنما ترمونهم به نضح النبل). تضحته بالنبل أي: رميته به. يقال: انضح عنا الخيل أي: ارمهم، استعير من نضح الماء ورشه. يقال: نضحهم بالنبل ورشهم به. والمعنى أن الهجاء يقع منهم موقع النبل. [٣٦١١] ومنه حديث أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ : (الحياء والعي شعبتان من الإيمان). أرى معنى ذلك -والله أعلم- أن المؤمن يحمله الإيمان على الحياء فيترك المقابح حياء من الله، ويمنعه عن الاجتراء على الكلام شفقاً من عثرة اللسان وتبعة القول فهما شُعبتان من شعب الإيمان. [٣٦١٢] ومنه حديث أبي ثعلبة الخُشني ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: أنه قال: (إن من أحبكم إلى ...) الحديث. في بعض طرق هذا الحديث: (أحاسنكم أخلاقاً) وهو جمع أحسن، يذهب إلى معنى: وأحسن من يوجد، أو وجد خُلقاً، وفي حديث: (خيركم محاسنكم قضاءٌ) جمع محسن بفتح الميم والسين. ويحتمل أن يكون سماهم بالصفة، أي: ذوو المحاسن قضاءٌ، وكذلك القول في مساويكم أو أساويكم. والثرثار: الذي يكثر الكلام تكلفاً وخروجاً عن الحق، والمتشدق: الذي يتكلف في الكلام فيلوي به شدقيه. وقيل: هو المستهزئ بالناس الذي يلوي شدقه بهم وعليهم. والمتفيهق: هو المتوسع المتنطع في الكلام، وأصله الفهق وهو الامتلاء. وكل ذلك راجع إلى معنى التزيد والتكلف في الكلام ليميل بقلوب الناس وأسماعهم إليه.

стр. 1015

[٣٦١٣] ومنه حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال): لا تقوم الساعة حتى يخرج قوم يأكلون بألسنتهم) الحديث. ضرب للمعنى مثلا بما يشاهده الراءون من حال البقر; ليكون أثبت في الضمائر، وذلك أن سائر الدواب تأخذ من نبات الأرض بأسنانها والبقر بلسانها، فضرب بها] المثل [لمعنيين: أحدهما أنهم لا يهتدون من المآكل إلا] إلى [ذلك سبيلا] ١٥٤/ب [كما أن البقرة لا تتمكن من الاحتشاش إلا بلسانها. والآخر: أنهم في مغزاهم ذلك كالبقرة التي لا تستطيع أن تميز في رعيها بين الرطبة والشوكة، وبين الحلو والمر، بل يلف الكل بلسانه لفا، فكذلك أولئك الذين يتخذون ألسنتهم ذريعة إلى مآكلهم لا يميزون بين الحق والباطل، ولا بين الحلال والحرام ﴿سماعون للكذب أكالون للسحت﴾. ] ٣٦١٤ [وفي معناه حديث ابن عمر ﵄ الذي يليه، وفيه (الباقرة) مكان البقرة، كأنه أدخل الهاء فيها على أنها واحد من جنس كالبقرة من البقر، وقد قرئ في الشواذ ﴿إن البقر تشابه علينا﴾. والذي وجدناه من قول أهل اللغة، أن البقر اسم للجنس. وجمعه الباقر ولم نجد الهاء ملحقة بها إلا في هذا الحديث. ] ٣٦١٦ [ومنه قوله في حديث أبي هريرة (من تعلم صرف الكلام ...). أريد به الزيادة من القول على ما مر بيانه، مأخوذ من صرف الدراهم. والصرف الفضل يقال: هو لا يحسن صرف الكلام, أي فصل بعضه من بعض.

стр. 1016

[٣٦١٧] ومنه حديث عمرو بن العاص: لو قصد في قوله لكان خيرا له سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لقد رأيت أو أمرت أن أتجوز في القول ..) الحديث. قوله: لو قصد أي: لو أخذ في كلامه الطريق المستقيم، والقصد ما بين الإفراط والتفريط. ومعنى قوله: أن أتجوز: أي أسرع فيه وأخفف المؤنة على السامة، من قولهم تجوز في صلاته: أي خفف، ويقال تجوز في كلامه، أي تكلم بالمجاز، وليس له في هذا الحديث وجه.

стр. 1017

ومن باب حفظ اللسان والغيبة (من الصحاح) ] ٣٦٢٩ [حديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: (إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم). أهلكهم بضم الكاف. ويروى أيضا] ١٥٥/أ [بفتح الكاف. قيل: هذا إذا قاله استحقارا واستصغارا لشأنهم وما هم عليه، لا تحزنا وإشفاقا، فيكون ما أكتسب بذلك عجبا بنفسه أشد مما هم فيه. وقيل: المراد به أهل البدع والغلاة الذين يؤيسون الناس من رحمة الله ويوجبون لهم الخلود بذنوبهم، إذا قال ذلك في أهل السنة والجماعة. وعلى الفتح معناه أنهم ليسوا كذلك إلا هلكوا، إلا من قبله، بما نسبهم إليه من الهلاك، لا من قبل الله.

стр. 1018

[٣٦٣٧] ومنه حديث عائشة: (أن رجلا استأذن النبي ﷺ فقال: ائذنوا له فبئس أخو العشيرة ..) الحديث. لا سبيل الى معرفة وجه هذا الحديث وما ورد في معناه إلا بعد التحقق بامتياز حال النبي ﷺ في ذلك من حال غيره، فإنه كان يخبر عن الغيب بأمر الله، ولو لم يأذن له لم يكن ليفعل، ففي قوله: (ائذنوا له فبئس أخو العشيرة) تنبيه للسامعين على أخذ حذرهم منه، ورخصة للأمة في التوقى عن شر من لا يؤمن شره، بإظهار البشر له والانبساط اليه. وقولها: تطلق له، يحتمل أنه بني من الطلاقة. ويحتمل أنه بمعنى الانشراح يقال: ما تطلق له نفسي، أي ما تنشرح.

стр. 1019

[٣٦٣٨] ومنه حديث أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : (كل أمتي معافى إلا المجاهرين) .. الحديث. يعني الذين يعملون المعاصي جهرة، ويكشفون ما ستره الله عليهم من ذلك. وفيه وجه آخر، وهو أنهم يجاهرون بأعمالهم القبيحة فيتحدثون به. يقال: جهر به وأجهره. وهذا الوجه أشبه بنظم الكلام.

стр. 1020

و (المجاهرين) حرف في كتاب المصابيح، وقدم الهاء على الجيم ثم كتب مرفوعا، وحقه النصب على الاستثناء،] والمجانة [أن لا يبالي الإنسان ما صنع. (ومن الحان) ] ٣٦٤٧ [حديث أبي سعيد الخدري رفعه الى النبي ﷺ قال: (إذا أصبح ابن دم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان ..) التكفير: أن يخضع الإنسان لغيره كما يكفر العلج للدهاقين يضع يده على صدره ويتطامن له. قال جرير: وإذا سمعت بحرب قيس بعدها ... فضعوا السلاح، وكفروا تكفيرا.
следующие страницы →