Полный текст (1 323 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
ومن حق (أربع وخمس) في هذا الحديث أن يلحق به تاء التأنيث، ومثل ذلك لا يعرف في كلام القرن الأول، بل يقع ذلك من الرواة الذين لا دربة لهم بعلوم العربية، والتفاوت الذي بين العددين يحتمل أن يكون من غلط الرواة. والطريق إلى معرفة حقيقة ذلك العدد ووجهه بالاختصاص من قبل الرأي [والاستنباط] مسدود، فإنه من علوم النبوة وقد سبق القول في هذا المعنى في كتاب الرؤيا.
ومن باب الرفق والحياء
(من الصحاح)
[٣٨١٨] حديث عائشة- ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله يحب الرفق ..) الحديث. ٍ
стр. 1052
معنى ذلك أن الله يريد بعباده اليسر، ولا يريد بهم العسر، فلا يكلفهم فوق طوقهم، بل يسامحهم ويلطف بهم.
والرفق [١٦٢/ب] ضد العنف، وهو لطافة الفعل ولين الجانب.
فإن قيل: فما معنى قوله في الحديث: (أنت رفيق والله الطبيب)؟
قلنا: الطبيب الحاذق بالشيء الموصوف، ولم يرد بهذا القول نفي هذا الاسم مما يتعاطى ذلك، وإنما حول المعنى من الطبيعة إلى الشريعة، وبين لهم أن الذي يرجون من الطبيب فالله فاعله والمنان به على عباده، وهذا كقوله: (فإن الله هو الدهر) وليس الطبيب بموجود في أسماء الله سبحانه، ولا يجوز أن يقال في الدعاء: يا طبيب وكذلك لا يجوز أن يقال: يا رفيق؛ فإن أسماء الله تعالى إنما تؤخذ عن النقل والمتواتر. ولم يوجد في الطبيب ولا في الرفيق نقل متواتر يجب به العلم.
وقد ذهب بعضهم في (الرفيق الأعلى) أنه اسم من أسماء الله تعالى.
قال الأزهري: غلط قائل هذا، والرفيق- هاهنا- جماعية الأنبياء الذين يسكنون أعلى عليين، اسم جاء على فعيل، ومعناه الجماعة، ومنه قوله سبحانه ﴿وحسن أولئك رفيقًا﴾.
يقال للمرافق: الرفيق، ويطلق الرفيق على الواحد والجمع، وقوله: (إن الله رفيق).
لم يوجب إطلاق هذا الاسم عليه، كما لم يوجب (إن الله حي ستير) إطلاق ذلك عليه، وإنما أراد به إيضاح معنى لم يكن يقع في الأفهام إلا من هذا الطريق.
[٣٨٢٢] ومنه حديث ابن مسعود- ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى ...) الحديث.
المعنى: إن مما بقي بين الناس فأدركوه من كلام الأنبياء أو مما أوحى إليهم في أول الخلق، وأشار بقوله: (النبوة الأولى) إلى أنه كان مندوباً إليه في الأولين، كما أنه محثوث عليه في الآخرين.
стр. 1053
وفيه: (فاصنع ما شئت)، قيل: أمر أريد به الخبر، أي: صنعت ما شئت، وقيل: وعيد كقوله سبحانه: ﴿اعملوا ما شئتم﴾.
وقيل: إن الشيء إذا كان مما لا يستحيي منه من قبل الله أو قبل الخلق فاصنع ما شئت منه، فإنه لا حرج عليك منه، بل أنت في سعة منه.
[٣٨٢٣] ومنه قوله ﷺ في حديث النواس بن سمعان- ﵁: (والإثم ما حاك في صدرك). حاك: أثر، من الحيك، وهو أخذ القول في القلب. يقال: ما تحيك فيه الملامة: إذا لم تؤثر فيه، يريد أن الإثم ما كان في القلب منه شيء، فلا ينشرح له الصدر.
والأقرب أن ذلك أمر يتهيأ لمن شرح الله صدره للإسلام دون عموم المكلفين.
ومثله قوله ﷺ لوابصة بن معبد- ﵁: [١٦٣/أ] (وإن أفتاك المفتون].
(ومن الحسان)
[٣٨٢٩] قوله ﷺ في حديث عكرمة بن وهب: (لا يدخل الجنة الجواظ والجعظري).
стр. 1054
الجواظ: قيل إنه الضخم المختال في مشيته، وقيل: هو الذي جمع ومنع، والأول أمثل؛ لأنه أشبه بالتفسير الذي أدرج في الحديث من قول بعض الرواة.
والجعظري: قيل إنه الفظ الغليظ، يقال للرجل إذا كان ضخماً قصيراً: جعظارة بكسر الجيم.
والحديث مرسل؛ لأن عكرمة بن وهب لم يذكره أحد في الصحابة.
[٣٨٣٤] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (المؤمن غر كريم، والفاجر خب لئيم).
الغر: الذي يغره كل أحد، ويغتر بكل شيء، أي: ليس بذي [نكر] ينخدع لانقياده ولينه وسلامة صدره وحسن ظنه بالناس.
والخب: بفتح الخاء الجربز الذي يسعى بين الناس بالفساد، وشاكلة الخب خلاف شاكلة الغر.
[٣٨٣٥] ومنه قوله ﷺ في الحديث الذي يليه وهو مرسل: (المؤمن كالجمل الأنف) مقصورة. أنف البعير
стр. 1055
أي: اشتكى أنفه من البره، فهو أنف على القصر، والمد فيه خطأ، والبعير إذا كان أنفًا للوجع الذي به ذلول منقاد، أي سبيل سلكوا به فيه اتبع وأي مناخ وعر ناب أنيخ عليه استناخ.
قال أبو عبيد: كان الأصل في هذا أن يقال: مأنوف: لأنه مفعول به، كما قالوا: مصدور ومبطون، وجميع ما في الجسد على هذا، وجاء هذا الحرف شاذاً، والله أعلم.
ومن باب الغضب والكبر
(من الصحاح)
[٣٨٣٨] حديث أبي هريرة- ﵁ (أن رجلاً قال للنبي ﷺ أوصني، قال: لا تغضب ..) الحديث.
قلت: قد كان ﷺ مكاشفاً بأوضاع الخلق عارفاً بأدوائهم، يضع الهناء مواضع النقب، يأمرهم بما هو أولى بهم، فلما استوصاه الرجل، وقد رآه ممنواً بالقوة الغضبية لم ير له خيراً ان يتجنب عن دواعي الغضب، ويزحزح نفسه عنه.
[٣٨٣٩] ومنه حديثه الآخر عن النبي ﷺ (ليس الشديد بالصرعة).
الصرعة على مثال الهمزة: الذي يصرع الناس [١٦٣/ب].
حول المعنى فيه من القوة الظاهرة إلى القوة الباطنة، وقد سبق القول فيه.
стр. 1056
[٣٨٤٢] ومنه قوله ﷺ في حديث ابن مسعود- ﵁: (الكبر بطر الحق وغمط الناس).
البطر: سوء احتمال الغنى. وقيل: الطغيان عند النعمة. وقيل: معنى بطر الحق أن يجعل ما جعله حقاً من توحيده وعبادته باطلاً. وأصله مأخوذ من قول العرب: ذهب دمه بطراً أو بطرا.
وقيل: البطر الحيرة، ومعناه أن يتحير عند الحق فلا يراه حقاً.
وقيل: هو أن يتكبر عند الحق فلا يقبله.
وتفسيره على الباطل أشبه لما ورد في غير هذه الرواية: (إنما ذلك من سفه الحق وغمض الناس)، أي: رأى الحق سفهاً.
وغمط الناس: أي احتقرهم، وفي معناه غمض وقد ورد بهما الرواية.
(ومن الحسان)
[٣٨٤٦] حديث عبد الله بن عمرو- ﵁ عن رسول الله ﷺ : (يحشر المتكبرون أمثال الذر).
стр. 1057
يحمل ذلك على المجاز دون الحقيقة، أي: أذلاء مهانين يطأوهم الناس بأرجلهم.
وإنما منعنا عن القول بظاهره ما أخبرنا به الصادق المصدوق ﷺ أن الأجساد تعاد على ما كانت عليه من الأجزاء حتى إنهم يحشرون غرلاً يعاد منهم ما انفصل عنهم من القلفة، وإلى هذا المعنى أشار بقوله ﷺ : (يغشاهم الذل من كل مكان).
وفيه: (تعلون نار الأنيار) المشهور في الأنيار أنها جمع النير وهو العلم، وهو أيضاً الخشبة المعترضة في عنق الثورين، ويجمع على نيران وأنيار، وجمع النار: نور وأنور ونيران، فلعل بعض الرواة رواه كذلك قياساً على النيران والأنيار.
ومعنى نار الأنوار: أن النار تحترق منها احتراق الأشياء من النار.
[٣٨٤٧] ومنه قوله ﷺ في حديث عطية بن عروة السعدي- ﵁: (إذا غضب أحدكم فليتوضأ).
أراد أن ذلك يسكن غضبه، وقد ذكر السبب فيه، وقد روى في هذا الحديث الاغتسال مكان الوضوء [١٦٤/أ] فيحمل أمر الاغتسال على الحال التي يكون الغضب فيها أقوى وأغلب [أم] يحمل على أنه أتم الأمرين.
[٣٨٤٩] ومنه حديث أسماء بنت عميس- ﵂ سمعت رسول الله ﷺ يقول: (بئس العبد تخيل واختال). أي: تخيل له أنه خير من غيره.
واختال أي: تكبر. (يختل الدنيا بالدين) أي يراودها ويطلبها.
стр. 1058
شبهه في مخرفته بالصائد يختل الصيد، والاصل فيه الخداع. والمعنى أن يطلب الدنيا بعمل الآخرة.
وفيه (يخبل الدين بالشبهات)، بالباء المنقوطة بواحدة، من الخبال وهو الفساد، أي يفسد دينه بالشبهات فصحف.
وفيه: (رغب يذله) الرواية عندي بفتح الغين، أي تذله الرغبة في الدنيا، ومن الناس من يقول رغب بضم الراء وسكون الغين، وهة الشره يقال: الرغب شؤم، ولعل الأصل في السعة، يقال: جوف رغيب، أي: واسع، فكنى به عن الحرص والشره. والحديث فيه كلام، رواه الترمذي بإسناد له عن هشام بن سعيد الكوفي وقد ذكره ابن أبي عدي في كتابه، وقال: عامة ما يرويه لا يتابع عليه.
وقد ذكر الترمذي بعد الحديث أن إسناده ليس بالقوي.
ومن باب الظلم
(من الصحاح)
[٣٨٥٣] حديث ابن عمر- ﵄ أن النبي ﷺ لما مر بالحجر قال: (لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا أنفسهم ...) الحديث.
الحجر: منازل ثمود، وذلك في مسيره إلى تبوك، خشى على أصحابه أن يجتازوا على تلك الديار ساهين غير متعظين بما أصاب أهل تلك الديار، وقد أمرهم الله بالانتباه والاعتبار في مثل تلك المواطن.
وفيه: (قنع رأسه) يحتمل وجهين:
стр. 1059
أحدهما: أنه أخذ قناعاً على رأسه شبه الطيلسان، وهو الأظهر.
والآخر: أن يكون مبالغة من الإقناع أي: أطرق فلم يلتفت يميناً ولا شمالاً كيلا يقع بصره عليها وقد حلت بأهلها المثلات، وهم فيهان فصارت معلمة بمقت الله وغضبه.
وفي الحديث: أنه نهاهم أن يشربوا ماءها، وكانوا قد خمروا به عجينتهم، فأمرهم أن يعلفوها [١٦٤/ب] دوابهم، ولم يرخص لهم في الأكل منها.
[٣٨٥٥] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁: (فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم، فطرح عليه ثم طرح في النار).
فإن قيل: كيف التوفيق بين قوله سبحانه: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ وبين هذا الحديث؟.
قلنا: تأويل هذا الحديث عندنا أن نقول: إذا لم يكن له حسنة يقتص بها ما عليه من المظالم أخذ بمظلمة صاحبهن فطرح في النار، وغفر لصاحبه خطاياه؛ لكون مظلوماً، فيصبر كأنه أخذ من المظلوم ما عليه من الوزر، وطرح على الظالم.
(ومن الحسان)
[٣٨٥٦] حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (لتؤدن الحقوق إلى أهلها ..) الحديث.
لتؤدن: على بناء المجهول، والحقوق مرفوع. هذه هي الرواية المعتد بها، ويزعم بعضهم ضم الدال ونصب الحقوق، والفعل مسند إلى الجماعة الذين خوطبوا به، والصحيح ما قدمناه.
(الجلحاء): التي لا قرن لها:، يقال: بقر جلح.
стр. 1060
[٣٨٥٧] ومنه قوله ﷺ في حديث حذيفة- ﵁: (لا تكونوا إمعة).
يقال: رجل إمع وإمعة للذي يكون لضعف رأيه مع كل أحد، ولا يستعمل ذلك في النساء، فلا يقال: امرأة إمعة، هذا قول أهل اللغة.
وأما معناه هاهنا فإنه جعل الإمعة من يكون مع من يوافق هواه ويلائم أرب نفسه.
ومن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
(من الصحاح)
[٣٨٦١] قوله ﷺ في حديث [أسامة بن زيد]﵁: (فتندلق أقتابه في النار).
стр. 1061
تندلق: أي تخرج خروجاً سريعاً، والاندلاق التقدم، يقال: اندلق السيف: إذا خرج من غمده من غير سل.
والأقتاب: الأمعاء، وأحدها قتب بالكسر، وقال أبو عبيدة: القتب ما يحوي من البطن وهو الحوايا، وأما الأمعاء فهي الأقصاب.
стр. 1062
(ومن الحسان)
[٣٨٦٧] قوله ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري- ﵁ (ولا غدر أكبر من غدر أمير [١٦٥/أ] العامة).
أراد أمير العامة المتغلب الذي يستولى على أمور المسلمين وبلادهم بتأمير العامة ومعاضدتهم إياه من غير مؤامرة من الخاصة وأهل العقد من أولي العلم ومن ينضم إليهم من ذوي السابقة ووجوه الناس.
وفيه: (يغرز لواؤه عند استه). من شأن الأمراء أن يكون لواؤهم خلفهم ليعرفوا به، ويوم القيامة يكون لكل من دعا إلى حق أو باطل لواء يعرف بهن وذكر عند استه استهانة به وتنبيهاً على أنه يلصق به ويدنى منه دنوا لا يكون معه اشتباه.
стр. 1063
[٣٨٧٠] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم).
عذر أو أعذر: إذا كثرت ذنوبه، وحقيقة المعنى في الحديث أنهم يذنبون فيستوجبون العقوبة فيقيمون عذر من يعاقبهم على ذلك.
ويحتمل أن يكون المعنى: يزيلوا عذرهم من قبل أنفسهم.
ولفظ الحديث يعذروا على بناء الفاعل من الإعذار، كذلك نرويه، ويجوز فيه فتح حرف المضارع.
[٣٨٧٢] ومنه قوله ﷺ في حديث ابن مسعود- ﵁: (حتى تأطروهم أطراً)، الأطر: العطف، أي: تعطفوهم على الحق، يقال: أطرت القوس، أي: عطفتها.
стр. 1064
ومن كتاب الرقاق
(من الصحاح)
[٣٨٧٧] حديث جابر- ﵁ (مر رسول الله ﷺ بجدي أسك).
الأسك: الصغير الأذن، ويقال للذي لا أذن له.
[٣٨٨١] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁ (تعس انتكس وإذا شيك فلا انتقش).
التعس: الهلاك، وأصله الكب، ويقال: نكسته نكساً إذا قلبته على رأسه فانتكس.
ونقشت الشوكة من الرجل وانتقشتها، أي: استخرجتها، يدعو على من استعبده الدينار والدرهم والخميصة بالهلاك والانكباب والانتكاس وفقدان الفرج فيما يصيبه من البلاء.
(فلا انتقش): على بناء المفعول.
ومنه قوله ﷺ في هذا الحديث أيضاً (إن كان في الحراسة كان في الحراسة [١٦٥/ب] وإن كان في الساقة ..).
أراد بالحراسة حراسة العدو أن يهجم عليهم، وذلك يكون في مقدمة الجيش.
والساقة: مؤخرة الجيش، والمعنى ائتماره لما أمر، وإقامته حيث أقيم لا يفقد من مكانه بحال، وإنما ذكر
стр. 1065
الحراسة والساقة، لأنهما أشد مشقة وأكثر آفة. الأول: عند دخولهم دار الحرب، والآخر: عند خروجهم منها.
قلت: هذا حديث واحد، وقد فصل بين قوله: (وإذا شيك فلا انتقش)، وبين قوله: (طوبي لعبد) في بعض نسخ المصابيح بفصل ظناً منهم بأن ذلك حديثان، وليس كذلك.
[٣٨٨٢] ومنه قول أبي سعيد الخدرى- ﵁ في حديثه: (فمسح عنه الرحضاء).
يريد أنه أوحى إليه ففاض عنه العرق، وكان يأخذه الرحضاء عند شدة البرحاء، فلما سرى عنه مسحها.
والرحضاء: العرق الذي في أثر الحمى.
وفيه: (وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حيطا أو يلم). حبطت الدابة تحيط حبطا: إذا أصابت مرعى طيباً فأفرطت في الأكل حتى تنتفخ فتموت.
وقوله: (أو يلم) أي يقرب أن يهلك أو يكاد.
وفيه: (إلا آكلة الخضر) في أكثر الروايات بكسر الضاد، وهو من النبات الرخص الغض.
قال الأزهري: الخضر- هاهنا -ضرب من الجنة وهو ما له أصل غامض في الأرض فالماشية تشتهيه فتكثر منه، واحدتها خضرة.
وقد روى بزيادة هاء، وروى بضم الخاء.
وفيه: (حتى امتدت خاصرتها)، وهو عبارة عن الشبع فإنهما تمتدان عند امتلاء البطن.
وقوله: (واستقبلت عين الشمس) أي: ذاتها وقرصها.
وفيه: (فثلطت)، ثلطت أي: ألقت بعرها، يقال: ثلط البعير: إذا ألقى بعره رقيقا.
وفيه: (وإن هذا المال خضرة حلوة) كذلك يرويه من كتاب البخاري على التانيث، وقد روى أيضا (خضر حلو).
стр. 1066
وهذا وإن كان أمثل من طريق اللغة، ويدل على ذلك الضمير من قوله: (فمن أخذه بحقه)، فإن الرواية في الأول أو ثق وأكثر، والحديث إذا روى عن جمع من الصحابة على سياق واحد كان وروده عن النبي ﷺ باللفظ الذي رووه [١٦٦/أ] أقوى وأثبت، وقد رواه أبو سعيد الخدرى وحكيم بن حزام وخولة بنت حكيم- ﵃ كذلك.
والوجه فيه أن يقال: إنما أنث على معنى تأنيث المشبه به، أي: أن هذا المال شيء كالخضرة.
وقيل: معناه كالبقلة الخضرة، أو يكون على معنى فائدة المال، أي: إن الحياة به (أو) العيشة خضرة.
وأما معناه على لفظ التذكير فظاهر، أي: إن هذا المال ناعم مشتهى، شبهه بالمراعي الشهية للأنعام. والحديث مشتمل على مثلين ضرب أحدهما: للمفرط في جمع الدنيا ومنعها، الآخذ من غير حلها، فلا تزال به حتى تهلكه، والآخر: للمقتصد الذي يأخذها من حلها فينتفع بها وينفق الفضل منها، ولا يحمله الحرص على تناول ما يهلكه وإمساك ما يستضر بإمساكه.
стр. 1067
(ومن الحسان)
[٣٨٩٦] قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- رضى الله عنه-: (... إلا هرماً مفنداً او موتاً مجهزاً). الرواية فيهما بالتخفيف، ومن شددهما فليس بمصيب.
(والهرم المنفد) الذي يبلغ بصاحبه إلى النفد: وهو ضعف الرأي، يقال: أفند الرجل: إذا كثر كلامه من الخوف، وأفنده الكبر أيضاً.
وموت مجهر أي: وحي، والجهيز: السريع.
стр. 1068
[٣٩٠٤] ومنه حديث عثمان- ﵁ عن النبي ﷺ : (ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال ..) الحديث.
أراد بالحق ما وجب له من الله من غير تبعة في الآخرة، ولا سؤال عنه إذا لكتفى بذلك من حله، لم يسأل عنه، لأنه من الحقوق التي لا بد للنفس منها.
وأما ما سواه فإنه من الحظوظ يسأل عنه ويطالب بشكره، ويلزمه فيه من حقوق الله وحقوق العباد ما حده الشرع.
стр. 1069
وفيه: (وجلف الخبز)، الجلف فسر هاهنا بالظرف كالخرج والجوالق، ويقال: للدن الجلف. وقد رواه الترمذي في كتابه ثم روى بإسناده عن النضر بن شميل أنه قال: جلف الخبز يعني: ليس له إدام. ولم يبين مأخذه، وقد وجدت هذا اللفظ في نسخة من كتاب الترمذي بخط بعض الحفاظ مقروءة على جمع من حفاظ اصبهان [١٦٦/ب] مقيدا بفتح اللام في متن الحديث، وفيما ذكره عن النضر بن شميل.
[٣٩٠٧] ومنه حديث أبي أمامة- ﵁ عن النبي ﷺ انه قال: (غن من أغبط اوليائي عندي عبد مؤمن خفيف الحاذ ..) الحديث.
المعنى: إن من أحق أحبابي وأنصاري عندي بالغبطة مؤمن مخف لا يثبطه أهل ولا مال. والحاذان من الدابة: ما وقع عليه الذنب من أدبار الفخذين، والإنسان غذا كان يحاذيه قلة لحم كان أمكن لمشيه، فاستعير خفة الحاذ لخفة الظهر.
وفيه: (ثم نقد بيده)، نقد بالدال من نقدت الشيء بأصبعي، ويقال: نقد الطائر الحب: إذا كان يلقطه واحدا بعد واحد، وأريد به- هاهنا- ضرب الأنملة على الانملة أو ضربها على الأرض كالمتقلل للشيء، أي: لم يلبث إلا قليلا حتى قبضه الله، يقلل مدة عمره وعدد بواكيه ومبلغ تراثه، وقد فسر ذلك في بعض طرق هذا الحديث في متن الحديث، أورده أبو عبد الله أحمد- ﵁ في مسنده، وفيه: يقلها. ومن الرواة من يروي (نقر) بالراء، أي نقر بأصبعه، وكذلك رواه الترمذي في كتابه، ومن كتابه نقله المؤلف.
стр. 1070
[٣٩٠٩] ومنه حديث عبد الله بن محصن الخطمى- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (من أصبح منكم آمنا في سربه ...) الحديث.
المشهور فيه كسر السين، يقال: فلان آمن في سربه، أي: في نفسه، وفلان واسع السرب، أي: رخى البال. وقيل: في سربه بفتح السين، أي: في مسلكه، يقال: خل له سربه أي: طريقه.
وأبى بعضهم إلا السرب بفتح السين والراء، أي: في بيته، ولم يذكر فيه رواية، ولو سلم له قوله أن يطلق السرب على كل بيت كان قوله هذا حريا بأن يكون أقوى الأقاويل، إلا أن السرب يقال للبيت الذي هو في الأرض.
[٣٩١١] ومنه حديث ابن عمر- ﵄ (سمع رسول الله ﷺ رجلاً يتجشأ ....) الحديث. الرجل هو وهب أبو جحيفة السوائي، روى عنه أنه قال: (أكلت ثريدة بر بلحم وأتيت رسول الله ﷺ وأنا أتجشأ ...) وذكر الحديث [١٦٧/أ].
الاسم من التجشؤ الجشأة على مثال الهمزة. قال الأصمعي: ويقال الجشاء على فعال كأنه من باب العطاس والبوال والدوار.
وقوله: (أقصر عنا) بقطع الألف، أي: اكفف عنا، يقال: أقصرت عنه أي: كففت ونزعت مع القدرة عليه، فإن عجزت قلت قصرت بلا ألف.
والنهي عن الجشاء هو النهي عن الشبع فإنه هو السبب الجالب له، والجشاء إذا استمر بالإنسان لم يقدر على دفعه، لأنه أمر طبيعي، فنهى عن السبب فإنه أمر مستطاع.
وكان أبو جحيفة في زمان النبي ﷺ لم يبلغ الحلم، وهو معدود في صغار الصحابة. وقد ذكر في كتاب المعارف أنه لم يأكل ملء بطنه حتى فارق الدنيا، كان إذا تعشى لا يتغدى، وإذا تغدى لا يتعشى- ﵁-
стр. 1071
[٣٩١٣] ومنه قوله ﷺ في حديث أنس- ﵁ (بجاء بابن آدم يوم القيامة كأنه بذج). البذج من أولاد الضأن بمنزلة العنود من أولاد المعز. أراد بذلك هوانه وعجزه. وفي بعض طرق هذا الحديث (كأنه بذج من الذل).
ومن باب فضل الفقراء
(من الصحاح)
[٣٩١٦] حديث أبي هريرة- ﵁ قال رسول الله ﷺ : (رب أشعث مدفوع بالأبواب ...) الحديث ..
يريد أنه يدفع عند الدخول إما باليد وإما باللسان، فيرد بالفعل وهو الفع بالقهر، أو بالقول وهو أن لا يؤذن له، بل يعلل بالعذر.
стр. 1072
وصحف الكلمتان في المصابيح فلم نجد نسخة إلا ما أصلح من النسخ غلا وفيها: (مرقوع الأثواب) بالراء والقاف والثاء المنقوطة بثلاث.
وفيه: (لو أقسم على الله لأبره). يذهب كثير من الناس في معنى ذلك إلى أنه مثل قول القائل: اللهم إني أقسم عليك بجلالك أن تفعل كذا.
ولا يستقيم هذا المعنى في مثل هذا الموضع، لأنه قال: لأبره، أي: صدقه وصدق يمينه، يقال: أبر الله قسمك: إذا لم يكن حانثا. ولا مدخل للصدق والكذب في مثل هذه اليمين، فيدخلها الإبرار.
وإنما المعنى أنه لو حلف يمينا على أن الله يفعل الشيء أو لا يفعله جاء الأمر فيه ما يوافق يمينه. يدل عليه حديث أنس بن النضر [١٦٧/ب] عم أنس- ﵄ أنه قال حين كسرت أخته الربيع ثنية جارية من الأنصار، وأمر النبي ﷺ بالقصاص: (لا والله لا تكسر ثنيتها يا رسول الله) فرضي القوم وقبلوا الأرش، فقال رسول الله ﷺ : (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره).
قلت: وقد وجدنا فيما ذكر عن السلف أن أبا جعفر الدوانيقي لما قرب من الحرم في آخر قدمة قدمها أنذر به سفيان الثوري وخوف منه، وكان سيء الرأي في سفيان فقال: برنت من رب هذه البنية لو دخلها ابو جعفر، فقتله القولنج ميمون ولم يدخلها.
[٣٩١٨] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ضي الله عنه: (وأصحاب الجد محبوسون). أصحاب الجد هم الأغنياء، والجد بالفتح الغنى.
стр. 1073
[٢٩٢٤] ومنه قول أنس- ﵁ في حديثه: (أنه مشى إلى النبي ﷺ بخبز شعير وإهالة سنخة).
الإهالة: الدسم ما كان. والنسخة: المتغيرة. يقالب: سنخ الطعام وزنخ: إذا تغير.
[٣٩٢٥] ومنه حديث عمر- ﵁: (دخلت على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على رمال حصير).
رملت الحصير أي: سففته، وأرملته مثله، ورمل سريره وأرمله إذا رمل شريطا أو غيره فجعله ظهرا له.
ورمال الحصير: ما نسج منه عودا عودا. يقال لكل نسجة منه رمل، وتجمع على رمال.
وفي كتاب الترمذي (على رمل حصير) مكان رمال، فكأنه جعل الكل نسجة واحدة، وفي بعض الروايات (على رمال سرير).
وفي حديث عمر هذا (رمال حصير) أثبت، وكذا روى في الصحاح.
стр. 1074
=====
стр. 1075
=====
стр. 1076
ومن باب الأمل والحرص
(من الصحاح)
[٣٩٤٥] حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (أعذر الله إلى امرئ ...) الحديث.
المعنى: أنه أفضى بعذره إليه، فلم يبق له عذرا. يقال: أعذر الرجل إلى فلان، أي: بلغ به أقصى العذر. ومنه قولهم: أعذر من أنذر، أي: أتى بالعذر أو أظهره، وهذا مجاز من القول، فإن العذر لا يتوجه على الله تعالى، وإنما يتوجه [١٦٨/أ] له على العبيد.
وحقيقة المعنى فيه: أن الله لم يترك له شيئا في الاعتذار يتمسك به.
стр. 1077
(ومن الحسان)
[٣٩٥٢] حديث عبد الله بن الشخير- ﵁ عن النبي ﷺ : (مثل ابن آدم [إلى جنبه تسعة وتسعون منية) الحديث.
الكلام فيه حذف كأنه قال: مثل ابن آدم] مثل الذي إلى جنبه ... الحديث.
وتسعة من حقها تسع وتسعون، وأمثال ذلك في الحديث يقع من تخبط الرواة.
стр. 1078
=====
стр. 1079
ومن باب التوكل والصبر
(من الصحاح)
[٣٩٦٥] قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁: (فإن لو [تفتح] عمل الشيطان) لم يرد به كراهة التلفظ بتلك الكلمة في جميع الأحوال وسائر الصور، وإنما عنى به الإتيان بها في صيغة يكون فيها منازعة القدر دون التأسف على ما فاته من أمور الدنيا، ويبين هذا المعنى قوله سبحانه: ﴿لو كان لنا من
стр. 1080
الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم﴾ فأتت الآية على القسمين ما يحمد منه وما يذم، وقول النبي ﷺ (لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت) وما أشبهه من كلامه غير داخل في هذا الباب؛ لأنه لم يرد منازعة القدر، وإنما قصد فيه القصد الصحيح. وقوله: (لو
стр. 1081
استقبلت)، كان في قصة نسخ الحج إلى العمرة، والتحليل عنها، فلما رأى ما يداخلهم من الكراهة قال هذا القول تطييبا لقلوبهم، وتنبيها لهم على أن العمل الذي أمرهم به ليس مما يتورع هو منه.
وفي غير هذه الرواية: (إياك ولو) أي: أن قولها واعتياد معناها يفضي بالعبد إلى تكذيب بالقدر أو عدم الرضا بصنع الله؛ لأن القدر إذا ظهر بما يلزم العبد قال: لو فعلت كذا لم يكن هذا، وقد مر في علم الله أنه لا يفعل إلا الذي فعل، ولا يكون إلا الذي كان، وقد أشار ﷺ بقوله قبل ذلك: (ولكن قدر الله وما شاء فعل).
ومن باب الرياء
(من الحسان)
[٣٩٧٦] حديث عبد الله بن عمرو- ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (من سمع الناس بعمله سمع الله به أسامع خلقه).
هذا الحديث يروى من وجهين: (سمع الله به سامع خلقه) سامع بالرفع على نعت [١٦٨/ب] الفاعل وهو الله.
(وأسامع خلقه) بالنصب على المفعولية. وأسامع: جمع الجمع. يقال: سمع وأسمع وأسامع، والمعنى: يفضحه يوم القيامة.
ومثله: (من راءى راءى الله به).
وقيل: من أذاع على مسلم عيبا، وسمعه عليه أظهر الله عيوبه.
وقيل: سمع به أي: أسمعه المكروه.
стр. 1082
[٣٩٨١] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁: (فإن صاحبها سدد وقارب) المعنى: إن لازم صاحبها، يعني صاحب الفترة والشرة القصد القويم وسلك المنهج المستقيم غير مفرط ولا مفرط، ولا يقصر ولا يتعمق.
وقد مر بيان الكلمتين فيما مضى، والله أعلم.
ومن باب البكاء والخوف
(من الصحاح)
[٣٩٨٤] حديث أم العلاء الأنصارية- ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: (والله لا أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم).
стр. 1083
لا يجوز حمل هذا الحديث ولا ما ورد في معناه على أن النبي ﷺ كان مترددا في عاقبة أمره، غير متيقن بما له عند الله من الحسنى؛ لما ورد عنه من الأحاديث الصحاح التي ينقطع العذر دونها بخلاف ذلك، وأنى يحمل على ذلك وهو المخبر عن الله تعالى أنه يبلغه المقام المحمود، وأنه أكرم الخلائق على الله، وأنه أول شافع وأول مشفع، وأنه وأنه ... إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في معاني الاجتباء.
فيحمل ذلك على أنه نفى علم الغيب عن نفسه، وأنه ليس بمطلع على المكنون من أمره وأمر غيره.
وقد كان هذا القول منه حين قالت امرأة لعثمان بن مظعون لما توفي: (هنيئا لك الجنة) وقد اختلف أهل النقل في تلك المرأة؛ فمنهم من قال: هي أم السائب. ومنهم من قال: هي أم خارجة. ومنهم من قال: هي أم العلاء الأنصارية.
وعلى مثل هذا التأويل تأويل قوله سبحانه: ﴿قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾ وقد حسن دخول (لا) في قوله: ﴿ولا بكم﴾ مع أن وجه الكلام: ما أدري ما يفعل بي ولا بكم، ليتناول النفي في: لا أدري، ما يفعل بي وما في حيزه، بل يتضمن فائدة لم تكن توجد بدونه، وهو اشتمال النفي على كل واحد من القبيلين على حدة، ثم فيه تنبيه على الافتراق في صيغتي ما يفعل به وما يفعل بهم.
[٣٩٨٥] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (رأيت عمرو بن لحى يجر قصيه في النار ...) الحديث [١٦٩/أ]
عمرو هذا هو ابن لحى بن قمعة بن خندف الكعبي، وهو أول من سن عبادة الأصنام بمكة، وسيب لها السوائب، حملهم على التقرب إليها بتسييب السوائب، وذلك بأن تسيب في المرعى فلا ترد عن حوض ولا علف، ولا يحمل عليها ولا تركب.
وكانوا يسيبون العبيد فيقولون: هو سائبة فيعتق، ولا يكون ولاؤه لمعتقه، ويضع ما له حيث يشاء.
وأصل الكلمة من سيبته فساب, وفي كتاب مسلم: (وكان أول من سيب السيوب) مكان السوائب، والمشهور في السيوب أنه الركاز.
ومنه الحديث: (وفي السيوب الخمس) فإن كان اللفظ محفوظا عن فصحاء الرواة دون العجم منهم، فالوجه فيه أن يكون جمع سيب، فإن السائبة تجمع على سيب مثل نائحة ونوح، ثم تجمع السيب على سيوب أو جمع السيايب، وعنى به: الظهر، على سيوب مثل راكب وركوب، وساجد وسجود.
стр. 1084
وفيه: (يجر قصبه في النار) القصب بالضم المعي. قال تعالى: ﴿وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم﴾.
ولعله كوشف من سائر ما كان يعاقب به في النار يجر قصبه في النار؛ لأنه استخرج من باطنه بدعة جر بها الجريرة إلى قومه، والله أعلم.
[٣٩٨٦] ومنه قوله ﷺ في حديث زينب بنت جحش- ﵂: (إذا كثر الخبث) يريد به الفسق والفجور. والعرب تقول للزنا وتدعوه خبثا وخبثة.
[٣٩٨٧] ومنه حديث [أبي مالك الأشعري] ﵁ أنه قال: (ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر ...) الحديث
الحر: بتخفيف الراء: الفرج. قال الأصمعي: أصله حرح، فنقصوا في الواحد وأثبتوا في الجمع فقالوا: أحراح.
قال الراجز:
في قبة موقرة أحراحا
وقيل: حرون، كما قالوا: لدون في جمع المنقوص، والواحد حرة، وقد صحف هذا اللفظ في كتاب المصابيح، وكذلك صحفه بعض الرواة من أصحاب الحديث فحسبوه الخز بالخاء والزاي المنقوطتين، والخز لم يحرم حتى يستحل.
وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ خطب وعلى رأسه عمامة خز، والنهي الذي في الخز إنما هو في ركوبه وفرشه للوطء؛ لأنه من الإسراف الذي يتعاطاه المترفون.
وأما لبسه فلم يرد فيه نهي، ولقد وجدت من الناس من اغتر بخط من كان [١٦٩/ب] يعرف بعلم الحديث وحفظه فقد كان قيده بالخاء والزاي المنقوطتين حتى يثبت له أنه صحف أو اتبع رواية بعض من لم يعلم.
وقد ذكر الحافظ أبو موسى هذا اللفظ من هذا الحديث في كتابه الموسوم (بالمجموع المغيث) في باب الحاء، وفسره على نحو ما فسرناه، ولم يرو فيه خلافا.
وفيه: (والمعازف) المعازف: الملاهي، والعازف: اللاعب بها، وقد عزف عزفا كأنه أخذ من عزف السحاب، وعزفت الجن. والعزيف: صوت الجن، وعزيف الرعد: دويه.
стр. 1085
وفيه: (ولينزلن أقوام إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحة لهم) سقط منه فاعل يروح فالتبس المعنى على من لم يعلم به.
وإنما الصواب (يروح عليهم رجل بسارحة لهم) كذلك رواه مسلم في كتابه، وإنما السهو من المؤلف؛ لأنا وجدنا النسخ سائرها على ذلك.
(والسارحة): الماشية السائمة، يقال: سرحت الماشية وسرحت هي نفسها.
يقال: سرحت بالغدوة وراحت بالعشي.
وفيه: (فيبيتهم الله ويضع العلم). المراد من العلم في الموضعين الجبل، وقد سقط عنه كلمة، وهو أني وجدت: (ويضع العلم عليهم) أي: عذبهم الله بياتا بوضع الجبل عليهم، فلم ير منهم أثر، ولم يسمع لهم حسيس.
(ومن الحسان)
[٢٩٩٢] قوله ﷺ في حديث أبي ذر- ﵁: (ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله).
الصعدات: جمع صعد، وصعد جمع صعيد، والصعيد: وجه الأرض، وقيل: التراب، ولا معنى له هاهنا، وإنما المعنى: لخرجتم من منازلكم إلى الجبانة متضرعين إلى الله.
стр. 1086
ومن حالة المحزون أن يضيق به المنزل فيطلب الفضاء الخالي لشكوى بثه.
وقوله: (قال أبو ذر: ليتني كنت شجرة تعضد) وهو من قول أبي ذر، ولكن ليس في كتاب أحد ممن نقل هو عن كتابه: قال أبو ذر، بل أدرج في الحديث.
ومنهم من قال: قيل هو من قول أبي ذر. قلت: وقد علموا أنه بكلام أبي ذر أشبه، والنبي ﷺ أعلم بالله من أن يتمنى عليه حالا هي أوضع عما هو فيه، ثم إنها مما لا يكون.
[٣٩٩٣] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁: (من خاف أدلج) أدلج بالتخفيف، وهو السير من أول الليل، والادلاج- بالتشديد: السير من آخر الليل. ومنهم [١٧٠/أ] من جعل الادلاج الليل كله، وهو أشبه بمعنى الحديث ومما ينشد من قول علي- ﵁:
اصبر على السير والإدلاج في السحر ... وفي الرواح على الحاجت بالبكر
فجعل الإدلاج في السحر على الاتساع. ويحتمل أن يكون قوله: في السحر متعلقا بالسير.
[٣٩٩٧] ومنه قول أبي سعيد- ﵁ في حديثه: (كأنهم يتكشرون).
стр. 1087
يكتشرون: أي يضحكون، والمشهور في اللغة الكسر، يقال: كشر الرجل إذا افتر فكشف عن أسنانه، وكشر البعير عن نابه، أي كشف عنها.
[٢٩٩٩] ومنه حديث أبي جحيفة السوائي- ﵁ عن النبي ﷺ : (شيبتني هود وأخواتها) يريد أن اهتمامي بما فيها من أهوال يوم القيامة والمثلات النوازل بالأمم الماضية أخذ مني مأخذه حتى شبت قبل أوان الشيب خوفا على أمتي.
ومن باب التغير
(من الصحاح)
[٤٠٠٠] حديث ابن عمر- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (إنما الناس كالإبل المائة ...) الحديث.
الرواية فيه على الثبت (كإبل مائة) بغير ألف ولام فيهما. والمعنى: أنك لا تكاد تجد في مائة إبل راحلة تصلح للركوب، فإنما يصلح للركوب ما كان وطئا سهل القياد، وكذلك لا تجد في مائة من الناس من يصلح للصحبة فيعاون صاحبه، ويدمث له جانبه.
стр. 1088
(ومن الحسان)
[٤٠٠٣] حديثه الآخر قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا مشت أمتي المطيطياء ...) الحديث.
المطيطياء: مشية فيها تبختر ومد يدين.
ومنه حديث أبي بكر- ﵁ (أنه مر على بلال وقد مطى في الشمس) أي: مد: ومنهم من يرويه المطيطاء من غير ياء بعد الطاء الأخيرة، وكذلك وجدناه في [كتب] أهل اللغة.
[٤٠٠٥] ومنه قوله ﷺ في حديث حذيفة ﵁: (لكع ابن لكع).
قال أبو عبيد: اللكع: العبد، وقد يكنى به عن الحمق، ويوصف به اللئيم.
قلت: ويقولون للعبد: لكع لما فيه من الذلة، وللجحش: لكع لما فيه من الخفة، وللصبي لما فيه من الضعف، ويقال أيضا [١٧٠/ب] للذليل الذي تكون نفسه نفس العبيد، وأريد به هاهنا الذي لا يعرف له أصل ولا يحمد له خلق.
стр. 1089
[٤٠٠٩] ومنه حديث ثوبان- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يوشك الأمم أن تداعى عليكم ...) الحديث.
يريد أن فرق الكفر وأمم الضلالة يوشك أن تتداعى عليكم بعضهم بعضا ليقاتلوكم ويكسروا شوكتكم، ويغلبوا على ما ملكتموه من الديار والأموال، كما أن الفئة الآكلة يتداعى بعضهم بعضا إلى قصعتهم التي يتناولونها من غير ما بأس ولا مانع، فيأكلونها عفوا صفوا فيتفرغوا ما في صحفتكم من غير تعب ينالهم، أو ضرر يلحقهم، أو بأس يمعنهم، والرواية في الأكلة بالمد على نعت الفئة أو الجماعة أو نحو ذلك. كذا روي لنا عن كتاب أبي داود، وهذا الحديث من أفرده.
وفيه: (ولكنكم غثاء كغثاء السيل) الغثاء- بالضم والمد وبالتشديد أيضا: ما يحتمله السيل من القماش، شبههم بذلك لقلة غنائهم ودناءة قدرهم وخفة أحلامهم.
وقول القائل: (وما الوهن؟) سؤال عن نوع الوهن، أو كأنه أراد من أي وجه يكون ذلك الوهن، فقال: (حب الدنيا) يريد أن حب البقاء في الدنيا وكراهية الموت يدعوهم إلى إعطاء الدنية في الدين، واحتمال الذل عن العدو.
نسأل الله العافية فقد ابتلينا به، وكنا نحن المعنيين بذلك.
стр. 1090
ومن باب آخر
(من الصحاح)
[٤٠١٠] قوله ﷺ في حديث عياض بن حمار المجاشعي- ﵁ فيما يرويه عن الله سبحانه (كل مال نحلته عبدا حلال) يعني أن كل ما أعطيت عبدا من مال وملكته إياه فهو حلال، لا يستطيع أحد أن يحرمه من تلقاء نفسه.
وفيه: (وإني خلقت عبادي حنفاء) أي مستعدين لقبول الحق والميل عن الضلال إلى الاستقامة.
وهو في معنى قوله: (كل مولود يولد على الفطرة) وقد بينا اختلاف أهل العلم فيه، ونصرنا الوجه الأسد من ذلك في موضعه.
وفيه: (وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم) أي: ساقتهم عنه وصرفتهم. يقال: اجتال الرجل الشيء: أي ساقه وذهب به.
وقيل: [استخفهم] فجالوا معه.
وفيه: (وأمرتهم أن يشركوا بي [١٧١/أ] ما لم أنزل به سلطانا) السلطان: الحجة، سميت به لتسلطه على القلوب عند الهجوم عليها بالقهر والغلبة.
أي: أمرتهم بالشرك الذي لم يجعل الله له سلطانا على قلوب عباده، ولم يقيض له موقعا منها، ولما لم تكن الحجج الباهرة والبراهين القاطعة متلقاة إلا من قبل الله رد عليهم بقوله: (ما [لم أنزل به] سلطانا) أن يكون لأحد منهم في الإشراك بالله تعلة.
وقد قيل: إن في سياق هذا القول- أعني (ما لم أنزل به سلطانا) تهكم إذ لا يجوز على الله أن ينزل برهانا بأن يشرك به غيره.
следующие страницы →