← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18569

الميسر في شرح مصابيح السنة للتوربشتي

التوربشتي

Полный текст (1 323 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

ومن حالة المحزون أن يضيق به المنزل فيطلب الفضاء الخالي لشكوى بثه. وقوله: (قال أبو ذر: ليتني كنت شجرة تعضد) وهو من قول أبي ذر، ولكن ليس في كتاب أحد ممن نقل هو عن كتابه: قال أبو ذر، بل أدرج في الحديث. ومنهم من قال: قيل هو من قول أبي ذر. قلت: وقد علموا أنه بكلام أبي ذر أشبه، والنبي ﷺ أعلم بالله من أن يتمنى عليه حالا هي أوضع عما هو فيه، ثم إنها مما لا يكون. [٣٩٩٣] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁: (من خاف أدلج) أدلج بالتخفيف، وهو السير من أول الليل، والادلاج- بالتشديد: السير من آخر الليل. ومنهم [١٧٠/أ] من جعل الادلاج الليل كله، وهو أشبه بمعنى الحديث ومما ينشد من قول علي- ﵁: اصبر على السير والإدلاج في السحر ... وفي الرواح على الحاجت بالبكر فجعل الإدلاج في السحر على الاتساع. ويحتمل أن يكون قوله: في السحر متعلقا بالسير. [٣٩٩٧] ومنه قول أبي سعيد- ﵁ في حديثه: (كأنهم يتكشرون).

стр. 1087

يكتشرون: أي يضحكون، والمشهور في اللغة الكسر، يقال: كشر الرجل إذا افتر فكشف عن أسنانه، وكشر البعير عن نابه، أي كشف عنها. [٢٩٩٩] ومنه حديث أبي جحيفة السوائي- ﵁ عن النبي ﷺ : (شيبتني هود وأخواتها) يريد أن اهتمامي بما فيها من أهوال يوم القيامة والمثلات النوازل بالأمم الماضية أخذ مني مأخذه حتى شبت قبل أوان الشيب خوفا على أمتي. ومن باب التغير (من الصحاح) [٤٠٠٠] حديث ابن عمر- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (إنما الناس كالإبل المائة ...) الحديث. الرواية فيه على الثبت (كإبل مائة) بغير ألف ولام فيهما. والمعنى: أنك لا تكاد تجد في مائة إبل راحلة تصلح للركوب، فإنما يصلح للركوب ما كان وطئا سهل القياد، وكذلك لا تجد في مائة من الناس من يصلح للصحبة فيعاون صاحبه، ويدمث له جانبه.

стр. 1088

(ومن الحسان) [٤٠٠٣] حديثه الآخر قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا مشت أمتي المطيطياء ...) الحديث. المطيطياء: مشية فيها تبختر ومد يدين. ومنه حديث أبي بكر- ﵁ (أنه مر على بلال وقد مطى في الشمس) أي: مد: ومنهم من يرويه المطيطاء من غير ياء بعد الطاء الأخيرة، وكذلك وجدناه في [كتب] أهل اللغة. [٤٠٠٥] ومنه قوله ﷺ في حديث حذيفة ﵁: (لكع ابن لكع). قال أبو عبيد: اللكع: العبد، وقد يكنى به عن الحمق، ويوصف به اللئيم. قلت: ويقولون للعبد: لكع لما فيه من الذلة، وللجحش: لكع لما فيه من الخفة، وللصبي لما فيه من الضعف، ويقال أيضا [١٧٠/ب] للذليل الذي تكون نفسه نفس العبيد، وأريد به هاهنا الذي لا يعرف له أصل ولا يحمد له خلق.

стр. 1089

[٤٠٠٩] ومنه حديث ثوبان- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يوشك الأمم أن تداعى عليكم ...) الحديث. يريد أن فرق الكفر وأمم الضلالة يوشك أن تتداعى عليكم بعضهم بعضا ليقاتلوكم ويكسروا شوكتكم، ويغلبوا على ما ملكتموه من الديار والأموال، كما أن الفئة الآكلة يتداعى بعضهم بعضا إلى قصعتهم التي يتناولونها من غير ما بأس ولا مانع، فيأكلونها عفوا صفوا فيتفرغوا ما في صحفتكم من غير تعب ينالهم، أو ضرر يلحقهم، أو بأس يمعنهم، والرواية في الأكلة بالمد على نعت الفئة أو الجماعة أو نحو ذلك. كذا روي لنا عن كتاب أبي داود، وهذا الحديث من أفرده. وفيه: (ولكنكم غثاء كغثاء السيل) الغثاء- بالضم والمد وبالتشديد أيضا: ما يحتمله السيل من القماش، شبههم بذلك لقلة غنائهم ودناءة قدرهم وخفة أحلامهم. وقول القائل: (وما الوهن؟) سؤال عن نوع الوهن، أو كأنه أراد من أي وجه يكون ذلك الوهن، فقال: (حب الدنيا) يريد أن حب البقاء في الدنيا وكراهية الموت يدعوهم إلى إعطاء الدنية في الدين، واحتمال الذل عن العدو. نسأل الله العافية فقد ابتلينا به، وكنا نحن المعنيين بذلك.

стр. 1090

ومن باب آخر (من الصحاح) [٤٠١٠] قوله ﷺ في حديث عياض بن حمار المجاشعي- ﵁ فيما يرويه عن الله سبحانه (كل مال نحلته عبدا حلال) يعني أن كل ما أعطيت عبدا من مال وملكته إياه فهو حلال، لا يستطيع أحد أن يحرمه من تلقاء نفسه. وفيه: (وإني خلقت عبادي حنفاء) أي مستعدين لقبول الحق والميل عن الضلال إلى الاستقامة. وهو في معنى قوله: (كل مولود يولد على الفطرة) وقد بينا اختلاف أهل العلم فيه، ونصرنا الوجه الأسد من ذلك في موضعه. وفيه: (وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم) أي: ساقتهم عنه وصرفتهم. يقال: اجتال الرجل الشيء: أي ساقه وذهب به. وقيل: [استخفهم] فجالوا معه. وفيه: (وأمرتهم أن يشركوا بي [١٧١/أ] ما لم أنزل به سلطانا) السلطان: الحجة، سميت به لتسلطه على القلوب عند الهجوم عليها بالقهر والغلبة. أي: أمرتهم بالشرك الذي لم يجعل الله له سلطانا على قلوب عباده، ولم يقيض له موقعا منها، ولما لم تكن الحجج الباهرة والبراهين القاطعة متلقاة إلا من قبل الله رد عليهم بقوله: (ما [لم أنزل به] سلطانا) أن يكون لأحد منهم في الإشراك بالله تعلة. وقد قيل: إن في سياق هذا القول- أعني (ما لم أنزل به سلطانا) تهكم إذ لا يجوز على الله أن ينزل برهانا بأن يشرك به غيره.

стр. 1091

وفيه: (إلا بقايا من أهل الكتاب) المراد بهم: من بقى على الملة القويمة من الفرقة الناجية من النصارى. وفيه: (وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الما) فيه أربعة أوجه: أحدها: أنا لم نكتف بإيداعه الكتب فيغسله الماء، بل جعلناه قرآنا محفوظا في صدور المؤمنين. قال الله تعالى: ﴿بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم﴾. وثانيها: أن المراد من الغسل النسخ، والماء مثل: أي: أنزلت عليك كتابا لا ينزل بعده مني كتاب ينسخه كالكتب التي قبله وقد ضرب الله مثل القرآن بالماء، فقال: ﴿أنزل من السماء ماء﴾. وثالثها: أنه ضرب المثل في الإبطال والإفناء بالماء؛ لأنه من أقوى الأسباب في هذا الباب، أي: لا تبطله حجة تبطل بمثلها الأشياء. وقد يستعمل الغسل في معنى الإبطال والإدحاض. قال الشاعر: سأغسل عني العار بالسيف جالبا ... على قضاء الله ما كان جالبا ورابعها: أنه لا يبطله غسل، ولا يفنيه، وإن غسل بالماؤ. وكل هذه الوجوه مذكور في كتب أهل العلم، وأسدها وأشبهها بنسق القول الوجه الأول. قلت: ويحتمل وجها آخر وهو أن يقال: أراد به غزارته وكثرة فوائده، فإن الواصف إذا وصف مال الرجل بالوفور والدثور قال: عنده مال لا يفنيه الماء والنار. وفيه: (يقرؤه نائما [ويقظان]) قيل: تجمعه حفظا وأنت نائم، كما تجمعه حفظا وأنت يقظان. وقيل: أراد يقرؤه في يسر وسهولة ظاهرا، يقال للرجل إذا كان قادرا على الشيء ماهرا به: هو يفعله نائما. وهذا أولى الوجهين بالتقديم. ويجوز أن يحمل على ظاهره، فإن الرجل إذا [١٧١/ب] كان شديد العناية تقول: غلب ذلك على مصورات خياله، ويسبق ذهنه إليه في نومه، كما يسبق إليه في يقظته، فيتلفظ بذلك وهو نائم لشدة عنايته بتحفظه ودراسته. وفيه: (وإن الله أمرني أن أحرق قريشا) يريد: أمرني أن أهلكهم، والإحراق يرد بمعنى الإهلاك. ومنه الحديث: (أحرقتنا نبال ثقيف). وفي حديث المظاهر: (احترقت) وفي رواية (هلكت). وفيه: (فقلت رب إذا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة). يثغلوا: أي يشدخوا. وقيل: الثلغ فضخك الشيء الرطب بالشيء اليابس حتى ينشدخ. قلت: ومعنى قوله: (فيدعوه خبزة) أي: يتركوه بالشدخ بعد الشكل الكروي مصفحا مثل خبزة.

стр. 1092

وقد وجدت بعض أهل العلم من رواة كتاب مسلم قيده في نسخته المسموعة عليه بكسر الخاء والراء المهملة، وفسره بخطه أو بخط غيره على حاشية الكتاب، أي: تجعلوا شدخ رأسي اختبارا وامتحانا لهم. وما أراه إلا مصحفا اخترع المعنى من عنده فأحال فيه. وقد غلط أيضا في قوله: (واغزهم نغزك) فرواه: نعزك بالعين المهملة وتشديد الزاي. وإنما هو بالغين المنقوطة من الإغراء، تقول: أغزيت فلانا، أي: جهزته للغزو، والمغزية: المرأة التي غزا زوجها. ومنه حديث عمر- ﵁ (لا يزال أحدهم كاسرا وساده عنده مغزية). قلت: وحديث عياض هذا حديث طويل أورد المؤلف نصفه في هذا الباب، والنصف الآخر وهو آخر الحديث في باب الشفقة والرحمة، وهو قوله ﷺ : (وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان ...) الحديث. [٤٠١١] ومنه قول أبي لهب في حديث ابن عباس- ﵄ (تبا لك سائر اليوم). التباب: الخسران والهلاك، يقال: تبا له، ينصب على المصدر بإضمار فعل، أي: ألزمه الله هلاكا وخسرانا. (وسائر اليوم): أجمعه، منصوب بالظرفية. وفي أمثالهم في اليأس من الحاجة: (أسائر اليوم وقد زال الظهر). ومن ذهب في (السائر) إلى البقية، فإنه غير مصيب؛ لأن الحرف من السير لا من السؤر. وفيه: (فانطلق يربأ أهله)، أي: يرقب ويعتان لهم، يقال: ربأت القوم ربئا، وارتبأتهم إذا رقبتهم. وكذلك [١٧٢/أ] إذا كنت لهم طليعة فوق شرف. وفيه: (غير أن لهم رحما سأبلها ببلالها) وقد فسرناه في باب البر والصلة. وفيه: (سليني ما شئت من مالي). قلت: أرى أنه ليس من المال المعروف في شيء، وإنما عبر به عما يملكه من الأمر وينفذ تصرفه فيه، ولم يثبت عندنا أنه كان ذا مال، لاسيما بمكة. ويحتمل أن الكلمتين، أعني (من) و (ما) وقع الفصل فيهما من بعض من لم يحققه من الرواة، فكتبهما منفصلتين.

стр. 1093

(ومن الحسان) [٤٠١٥] حديث عائشة- ﵂ سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أول ما يكفأ ...) الحديث. يكفأ: أي يمال فيفرغ، من قولك: كفأت القدر: إذا كببته لتفرغ ما فيها، وأريد به هاهنا الشرب؛ لأن من شأن الشارب إذا أراد أن يستفرغ ما في الكأس أن يميلها إلى فيه كل الميل. وقول الراوي: يعني الإسلام سقط منه (في) وصوابه (في الإسلام من الأشربة المحرمة شرب الماء الخمر). وقوله: (يسمونها بغير اسمها) يقول: إنهم يتسترون بما أبيح لهم من الأنبذة فيتوصلون بذلك إلى استحلال ما حرم عليهم منها.

стр. 1094

=====

стр. 1095

ومن كتاب الفتن (من الصحاح) [٤٠١٧] حديث حذيفة- ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول: (تعرض الفتن على القلوب كالحصير ...) الحديث. ذكر أبو عبيد الهروي عن بعضهم في تفسيره أي يحيط بالقلوب، يقال: حصر به القوم أي أطافوا به. وذكر عن الليث أنه قال: حصير الجنب عرق يمتد معترضا على جنب الدابة إلى ناحية بطنها. يريد أنها تلصق بقلبه لصوق ذلك العرق بجنب الدابة. وقيل. أراد عرض السجن. قال الله تعالى: ﴿وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا﴾. قلت: وذكر عن بعضهم أنه هو الحصير المنسوج، وهذا هو التأويل المستقيم على سياق الحديث. وأما البقية فقد ضربوا فيها يمينا وشمالا، ولم يبعدوا عن الإصابة، لولا مكان قوله: (عود عود). ولعل الذاهبين إلى غير ذلك لم يبلغهم الحديث بتمامه، فأولوه على ما بلغهم. وفي بعض طرق هذا الحديث: (تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير)، ولم يذكر (عود عود) وعلى المؤول أن لا [١٧٢/ب] يسارع إلى التأويل حتى يستوفي طرق الحديث، فإن الزيادات التي توجد فيها قلما تخلو عن لفظ يرشد إلى الأقوم والأقرب من وجوه التأويل. وإذا حمل على الحصير المعروف ففيه وجهان: أحدهما: أن يقال: تعرض الفتن عليها شيئا فشيئا، وتنسج فيها واحدا بعد واحد، كالحصير الذي ينسج عودا عودا. والآخر: أن يقال: يلصق بعرض القلوب كما يلصق الحصير بجنب النائم عليه، ويؤثر فيه. وقيل: (تعرض) تظهر لها وتعرف ما تقبل منها وما تأباه وتنفر منه. ومنه: عرضت الخيل، وعرض السجان أهل السجن، أي: أظهرهم واختبر أحوالهم.

стр. 1096

ومنه قوله سبحانه: ﴿وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا﴾ أي: أظهرناها لهم، وقوله: (عود عود)، فقد روي بالرفع، وهكذا نرويه عن كتاب مسلم، وعلى هذا الوجه أورده المؤلف، والتقدير: وهو عود عود. ورواه آخرون بالنصب، ورواه بعض من يرويه بالنصب بفتح العين على المصدر أي يعاد على القلب ويكرر، ولم يبعد في المعنى لو ساعدته الرواية. ورواه بعضهم بالذال المعجمة، أي أعوذ بالله منها عوذا، ولا عبرة به فإنه تصحيف يشبه الصواب. وفيه: (أبيض مثل الصفا). الصفا: الحجارة الصافية الملساء، وأريد به هاهنا النوع الذي صفا بياضه، وعليه نبه بقوله: (أبيض)، وإنما ضرب المثل به لأن الأحجار إذا لم تكن معدنية لم تتغير بطول الزمان، ولم يدخلها لون آخر لاسيما النوع الذي ضرب به المثل، فإنه أبدا على البياض الخالص الذي لا تشوبه كدرة. وفيه: (والآخر أسود مرباد)، الربدة لون بين السواد والغبرة، ومنه ظليم أربد، وقد اربد اربدادا، أي: تلون وصار على لون الرماد. ومنه الحديث: (كان إذا نزل عليه الوحي اربد وجهه). قلت: وإنما وصف القلب بالربدة، لأنه أنكر ما يوجد من أنواع السواد، بخلاف ما يشوبه صفاء ويعلوه طراوة من النوع الخالص. وفيه: (كالكوز مجخيا). التجخية: الميل. قال الشاعر: كفى سوءة أن لا تزال مجخيا وفي حديث البراء- ﵁ أنه جخى في سجوده، أي: خوى ومد ضبعيه وتجافى عن الأرض. وروى (جخ في سجوده). قلت: وإنما ضرب المثل بالكوز المائل، لأنه إذا مال انصب [١٧٣/أ] ما فيه. وفي بعض طرق هذا الحديث أن حذيفة أمال كفه عند التحدث بقوله: مجخيا. قلت: أبان بالإشارة ما أريد به من المعنى، وهو أن القلب يخلو ويفرغ عما أودع فيه من المعارف ومحاسن الأخلاق والآداب. [٤٠١٨] ومنه حديثه الآخر عن- النبي ﷺ أن: (الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ..) الحديث. جذر كل شيء بالفتح: أصله. روي عن الأصمعي. وروي بالكسر عن أبي عمرو.

стр. 1097

وعشرة في حساب الضرب جذر مائة، يريد أن الأمانة أول ما نزلت في قلوب رجال الله واستولت عليها، فكانت هي الباعثة على الأخذ من الكتاب والسنة. وفيه: (فيظل أثرها مثل الوكت). الوكتة كالنقطة في الشيء. يقال: وكت البسرة توكيتا من نقط الإرطاب. يريد أن الأمانة ترفع عن القلوب عقوبة لأصحابها على ما اجترحوه من الذنوب، حتى إن الرجل إذا استيقظ من منامه لا يجد قلبه على ما كان عليه، ويبقى فيه أثر تارة مثل الوكت، وتارة مثل المجل، وهو انتفاط اليد من العمل. أراد به خلو القلب عن الأمانة، مع بقاء أثرها من طريق الحسبان، فضرب المثل بالشاهد ليدله ذلك على ما خفي عليه واستتر منه من المعنى. وفيه: (كجمر دحرجته على رجلك). أي: يكون أثر ذلك في القلب كأثر جمر قلبته على رجلك. يقال: دحرجته فتدحرج، والمدحرج: المدور. وفيه: (فنفط فتراه منتبرا) قلت: إنما أتى بالحرفين على التذكير إرادة للموضع الذي دحرج عليه الجمر من رجله. (والمنتبر): المنتفط, ومنه الحديث: (إن الجرح ينتبر في رأس الحول) أي: يرم وينتفط. ومنه قول عمر- ﵁: (إياكم والتخلل بالقصب، فإن الفم ينتبر منه).

стр. 1098

والمعنى يخيل إليك أن الرجل ذو أمانة، وهو في ذلك بمثابة النفطة التي تراها منتفطة ولا طائل تحتها. ومنه قوله في حديثه الآخر: (وفيه دخن). الدخن بالتحريك: الدخان، والدخن أيضا: الكدورة، والمعنى أن ذلك لا يصفو بل تشوبه كدورة. ومنه قولهم: (هدنة على دخن)، أي سكون لعلة لا للصلح. وفيه: (يستنون بسنتي) أي يؤثرونها في الظاهر، ولا يقومون بما لا يطلع عليه منهم أحد، فيراعون سنتي في الظاهر، ويخالفون هديي في الحقيقة. وفيه: (وهم من جلدتنا)، أي من أبناء جنسنا، والجلدة: أخص من الجلد، وذلك مثل قولك: ما رأيت رجلا في مسلاخه خيرا من فلان. وفيه: (ولو أن تعض [١٧٣/ب] بأصل شجرة) أي: تتمسك بما يصبرك، وتقوي به عزيمتك على اعتزالهم، ولو بما لا يكاد يصح أن يكون متمسكا. [٤٠٢٢] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁ (من تشرف له تستشرفه) أي من تطلع لها دعته إلى الوقوع فيها. والتشرف: التطلع يقال: تشرفت الحرباء.

стр. 1099

ومنه الحديث: (لا تشرفوا للبلاء) واستعير هاهنا للإصابة بشرها من قولهم: استشرفت إبلهم. أي: تعينتها، وأريد به أنها تدعوه إلى زيادة النظر إليها وقيل: إنه من استشرفت الشيء أي: علوته، يريد من انتصب لها انتصبت له وتلته وصرعته. وقيل: هو من المخاطرة والإشفاء على الهلاك، أي: من خاطر بنفسه فيها أهلكته، وقد بينا معنى هذا اللفظ في قوله ﷺ (استشرفها الشيطان) يعني المرأة. [٤٠٢٦] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁ (يتقارب الزمان) يريد اقتراب الساعة، ويحتمل أنه أراد بذلك تقارب أهل الزمان بعضهم من بعض في الشر، أو تقارب الزمان نفسه في الشر حتى يشبه أوله آخره. وقيل: بقصر أعمار أهله.

стр. 1100

(ومن الحسان) [٤٠٣١] قوله ﷺ في حديث حذيفة- ﵁ (وإمارة على أقذاء) أي يكون اجتماع الناس على من جعل أميرا على فساد من القلوب. شبهه بقذى العين يقال: فعلت كذا وفي العين قذا، إذا فعله على كره. وأقذاء جمع قذى، وقذى جمع قذاة (وهدنة على دخن) قد مر تفسيره في هذا الباب. وفيه: (وإلا فمت وأنت عاض على جذل شجرة) أي: على أصلها، وربما جعلت العرب الجذل العود. ومنه حديث: (لا تبصر الجذل في عينك) ومعنى الحديث: أنك إذا لم تفعل ذلك أدتك المخالفة إلى ما لا تستطيع أن تصبر عليه. وفيه: (ثم ينتج المهر فلا يركب حتى تقوم الساعة) منج من النتج لا من النتاج ولا من الإنتاج، تقول: نتجت الفرس أو الناقة، على بناء ما لم يسم فاعله نتاجا، ونتجها أهلها نتجا، والإنتاج: اقتراب ولادها. وقيل: استبانة حملها. وقوله: (فلا يركب) بكسر الكاف من قولهم أركب المهر: إذا حان وقت ركوبه. وفيه: (عمياء وصماء) وزاد أبو هريرة- ﵁ في روايته: (بكماء).

стр. 1101

يريد أن الإنسان يقع فيها من غير بصيرة وحجة، فلا يرى فيها موضع قدمه، ولا يستطيع أن يقيم حجة على ما يأتيه من أمره، ولا يستمع إلى الحق ولا يلوى إلى من يريد نصحه، فأضاف العمى والصم والبكم إليها، لأن الناس يعمون فيها ويصمون ويبكمون على ما [١٧٤/أ] ذكرنا. [٤٠٣٢] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي ذر ﵁ (يبلغ البيت العبد) أراد بالبيت القبر، أي يباع بالعبد لكثرة الأموات، وقلة من يقوم بأمرهم. وقد ذهب بعض أهل العلم فيه إلى أن مواضع القبور تضيق عليهم. والصواب هو الأول، لأن الموت، وإن استمر بالأحياء وفشا فيهم كل الفشو لم ينته بهم إلى ذلك، وقد وسع الله عليهم الأمكنة. وفيه: (تغمر الدماء أحجار الزيت) أحجار الزيت هي من الحرة التي كانت بها الوقعة زمن يزيد، والأمير على تلك الجيوش العاتية مسلم بن عقبة المري، الملقب بالمسرف المستبيح لحرم الرسول ﷺ وكان نزوله بعسكره في الحرة الغربية من المدينة، فاستباح حرمتها وقتلها وقتل رجالها وعاث فيها ثلاثة أيام، وقيل: خمسة، فلا جرم أنه انماع كما ينماع الملح في الماء، ولم يلبث أن أدركه الموت وهو بين الحرمين، ﴿وخسر هنالك المبطلون﴾. [٤٠٣٣] ومنه حديث عبد الله بن عمرو- ﵁ أن النبي ﷺ قال: (كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس ...) الحديث.

стр. 1102

الحثالة: ما يسقط من قشر الشعير والأرز والتمر وكل ذي قشارة، ثم إنه يستعمل في الرديء من كل شيء. وفيه: (مرجت عهودهم) أي: اختلطت وفسدت فبلت فيهم أسباب الديانات. وقوله: (هكذا وشبك أصابعه) أي: يموج بعضهم في بعض، ويلتبس أمر دينهم، فلا يعرف الأمين من الخائن، ولا البر من الفاجر. [٤٠٣٤] ومنه حديث أبي موسى- ﵁ عن النبي ﷺ : (إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظلم). يريد بذلك التباسها وفظاعتها وشيوعها واستمرارها. وفيه: (كونوا أحلاس بيوتكم) أي: لا تبرحوا منها. وأحلاس البيوت: ما يبسط تحت حر الثياب، فلا تزال ملقاة تحتها. [٤٠٣٦] ومنه حديث عبد الله بن عمرو- ﵁ عن النبي ﷺ : (ستكون فتنة تستنظف) الحديث.

стр. 1103

(تستنظف العرب): أي تستوعبهم هلاكا. ويحتمل أن يراد أنها تعمهم حتى إنهم وإن اعتزلوها أصابهم من دخنها. يقال: استنظفت الشيء: إذا أخذته كله، واستنظفت الخراج. [٤٠٣٨] ومنه قول ابن عمر- ﵄ في حديثه عن النبي ﷺ (حتى ذكر فتنة الأحلاس) بينها لهم ﷺ لما سألوه عنها بأماراتها ولم يتعرض لمعنى اللفظ لظهوره، وهو أنه شبهها بالحلس للزومها ودوامها. وفيه: (ثم فتنة السراء دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي) يحتمل أن يكون سبب وقوع الناس في تلك الفتنة وابتلائهم بها أشر النعمة فأضيف إلى السراء.

стр. 1104

[١٧٤/ب] ويحتمل أن تكون صفة للفتنة فأضيف إليها إضافة مسجد الجامع، ويراد منها سعتها لكثرة الشرور والمفاسد. ومن ذلك قولهم: قناة سراء جوفاء، إذا كانت وسيعة. وقوله: (دخنها) أي إثارتها وهيجانها، شبهها بالدخان الذي يرتفع، وإنما قال (من تحت قدمي رجل) تنبيها على أنه هو الذي يسعى في إثارتها أو إلى أنه يملك أمرها. وفيه: (ثم يصطلح الناس على رجل كورك على ضلع) يريد أن الناس يصطلحون على بيعته ولا يستقيم له أمر كما أن الورك لا يستقيم على ضلع أو لا يستعد لذلك فلا يقع عن الأمر موقعه، كما أن الورك على ضلع يقع غير موقعه. وفيه: (ثم فتنة الدهيماء) قيل: أراد بها الدهماء السوداء، وإنما صغر على مذهب الذم. وقيل: أراد بها الداهية ذهابا إلى دهيم استعيرت في الداهية، وهي في الأصل اسم ناقة غزا عليها سبعة إخوة معاقبين فقتلوا عن آخرهم، وحملوا عليها فصارت مثلا في كل داهية. [٤٠٤٢] ومنه حديث عبد الله بن مسعود- ﵁ عن النبي ﷺ : (تدور رحا الإسلام لخمس وثلاثين) الحديث. قال الخطابي: دوران الرحا كناية عن الحرب والقتال. شبهها بالرحا الدوارة التي تطحن الحب لما يكون فيها من تلف الأرواح وهلاك الأنفس. قال الشاعر: فدارت رحانا واستدارت رحاهم قلت: إنهم يكنون عن اشتداد الحرب بدوران الرحا، ويقولون: دارت رحا الحرب، أي: استتب أمرها، ولم تجدهم استعملوا دوران الرحا في أمر الحرب من غير جريان ذكرها أو الإشارة إليها. وفي هذا الحديث لم يذكر الحرب وإنما قال (رحا الإسلام)، فالأشبه أنه أراد بذلك أن الإسلام يستتب أمره ويدوم على ما كان عليه المدة المذكورة في الحديث. ويصح أن يستعار دوران الرحا في الأمر الذي يقوم لصاحبه ويستمر له، فإن الرحا توجد على نعت الكمال ما دامت دائرة مستمرة.

стр. 1105

ويقال: فلان صاحب دارتهم: إذا كان أمرهم يدور عليه. ورحا الغيث: معظمه، ويؤيد ما ذهبنا إليه ما رواه الحربي في بعض طرقه: (تزول رحا الإسلام) مكان تدور. ثم قال: كأن تزول أقرب؛ لأنها تزول عن ثبوتها واستقرارها. قلت: وأشار بالسنين الثلاث إلى الفتن الثلاث: مقتل عثمان وكانت سنة خمس وثلاثين، وحرب الجمل، وكانت سنة ست، وحرب صفين وكانت سنة سبع، فإنها كانت متتابعة في تلك الأعوام الثلاثة. وفيه: (فإن [١٧٥/أ] هلكوا فسبيل من قد هلك) أي: فسبيلهم سبيل من قد هلك من القرون السالفة، (وإن يقم لهم أمر دينهم) قال الخطابي: أراد بالدين الملك، وأنشد قول زهير: لئن حللت بجو في بني أسد ... في دين عمرو وحالت بيننا فذك قال: ويشبه أن يكون أراد بهذا ملك بني أمية وانتقاله عنهم إلى بني العباس. وكان ما بين استقرار الملك لبني أمية إلى أن ظهرت الدعاة بخراسان، وضعف أمر بني أمية، ودخل الوهن فيه نحوا من سبعين سنة، ورحم الله أبا سليمان، فإنه قال قولا صحيحا، ولكن لا تعلق له بهذا الحديث، والجواد ربما يكبو، أو لو تأمل الحديث كل التأمل، وبني التأويل على سياقه لعلم أن النبي ﷺ لم يرد بذلك ملك بني أمية، دون غيرهم من الأمة، بل أراد به استقامة أمر الأمة في طاعة الولاة، وإقامة الحدود والأحكام، وجعل المبدأ فيه أول زمان الهجرة، وأخبرهم أنهم يلبثون على ما هم عليه خمسا وثلاثين أو ستا وثلاثين أو سبعا وثلاثين، ثم يشقون عصا الخلاف فتفترق كلمتهم، (فإن هلكوا فسبيلهم سبيل من قد هلك قبلهم) وإن عاد أمرهم إلى ما كان عليه من إيثار الطاعة ونصرة الحق، تم لهم ذلك إلى تمام السبعين. هذا مقتضى اللفظ، ولو اقتضى اللفظ أيضا غير ذلك لم يستقم له ذلك القول، فإن الملك في أيام بعض العباسية لم يكن أقل استقامة منه في أيام المروانية، مع أن بقية الحديث تنقض كل تأويل يخالف تأويلنا هذا، وهي قول ابن مسعود: قلت: يا رسول الله (أمما بقى أو مما مضى). يريد: أن السبعين تتم لهم مستأنفة بعد خمس وثلاثين، أم تدخل الأعوام المذكورة في جملتها. قال: مما مضى، يعني يقوم لهم أمر دينهم إلى تمام سبعين سنة من أول دولة الإسلام، لا من انقضاء خمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين إلى انقضاء سبعين. ومن باب الملاحم (من الصحاح) [٤٠٤٣] قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁: (وهو يليط حوضه). لطت الحوض بالطين،

стр. 1106

أي ملطته به وطينته والأصل فيه اللصوق يقال: لاط الشيء بقلبي يلوط ويليط، وهو أليط بقلبي وألوط، وإني لأجد في قلبي لوطا وليطا، يعني اللازق القلب. [٤٠٤٥] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوزا وكرمان ...) الحديث. [١٧٥/ب] خوز: جيل من الناس، وكذلك كرمان، وإنما جاء في الحديث منونا لسكون وسطه. وقد ذهب بعض المتقدمين في قوله: (نعالهم الشعر) إلى أنهم الديلم، فإن في بعض طرقه: (نعالهم الشعر) وهذا هو البارز، فقال بعضهم: هم الديلم، والبارز بلدهم.

стр. 1107

وقال سفيان مرة: هم أهل البارز بتقديم الزاي وفتحها أيضا. وذهب بعضهم في تفسير البارز إلى أنه عني به البارزين لقتال أهل الإسلام. قلت: والذي يدل عليه نسق الكلام والأحاديث التي وردت في هذا الباب هو أنه أراد بالموصوفين بما وصفهم الترك، ولعل فيهم من انتشر من هذين القبيلين، فنسب كل واحد منهما إلى أحد الأبوين. وقد ذكر في التواريخ أن أولاد نوح لما ضاق بهم أرض بابل انتشروا في البلاد، فنسب كل صقع إلى من استقر به كخوزستان وفارس وكرمان وخراسان والصين وصقلاب وخزر والسند والهند وأرمين والروم، وإلى غير ذلك، فلعل من الترك من ينسب إلى خوزا وكرمان لانتشاره من أحدهما، أو لأنهم سكنوا إحدى الناحيتين فسموا بها، وقد غلبت الترك غير مرة على تلك البلاد واستوطنوها، ثم إنه لم يشتهر عندنا كما لم يشتهر بنو قنطورا، وقد نسبهم النبي ﷺ إلى قنطورا. وقد روى الخطابي أن قنطورا كانت جارية لإبراهيم- ﵇ انتشر منها أمة من الترك. فإن قيل: فما يمنعكم أن تحملوا الحديث على أهل خوزستان وكرمان، فقد قاتلهم الصحابة في أول الإسلام؟ قلنا: يمنعنا منه الوصف الذي وصفوا به في الحديث، ولم يوجد أهل تلك الديار على النعت المذكور، بل وجدت عليه الترك، ثم إنه وصف الترك وما هم عليه من الحلية في غير هذا الحديث، فتوافق الوصفان فرددنا المبهم إلى الواضح الجلي. فإن قيل: فلم نجد الترك ينتعلون الشعر؟ قلنا: ولعلهم يظهرون بعد ذلك لو كانوا يعرفون بذلك السمت فيما قبل من الزمان. قلت: وفي بعض طرق هذا الحديث: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون الترك، قوما وجوههم كالمجان المطرقة، يلبسون الشعر، ويمشون في الشعر). رواه مسلم في كتابه. والأشبه أن أولئك نشء آخر سوى من ابتلينا بهم كفانا الله شرهم. وفيه: (فطس الأنوف) الفطس- بالتحريك: تطامن قصبة الأنف وانتشارها، والرجل أفطس، والجمع فطس. وفيه: (وجوههم كالمجان المطرقة) المجان- بفتح الميم: جمع المجن وهو التسرس. والمطرقة: التي يطرق بعضها على بعض كالنعل المطرقة المخصوفة. وقيل: هي أطرقت بالعقب أي: ألبست به أو بالجلد، وترس مطرقة. قلت: وفي أكثر نسخ المصابيح: (وجوههم المجان). [١٧٦/أ] وهو خلاف الروايات المعتد بها،

стр. 1108

فالظاهر أن قوله: (كأن)، سقط من قلم الكاتب، وإن وردت الرواية فالوجه فيه أن يقال: أحل وجوههم محل الشيء المشبه به ليكون أبلغ في التشبيه. [٤٠٤٩] ومنه حديث جابر بن سمرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (ليفتحن عصابة من المسلمين كنز آل كسرى). (ليفتحن) وجدناه في أكثر نسخ المصابين لتفتتحن بتاءين بعد الفاء، ونحن نرويه عن كتاب مسلم بتاء واحدة، وهو أمثل معنى؛ لأن الافتتاح أكثر ما يستعمل بمعنى الاستفتاح، فلا يقع موقع الفتح في تحقيق الأمر ووقوعه. والحديث إنما ورد في معنى الإخبار عن الكوائن. و (العصابة): الجماعة من الناس والخيل والطير، وأراد بالأبيض أبيض المدائن، وهو قصر حصين كان لكسرى، وكانت الفرس تسميه كوشك، وهو اليوم موضع المسجد بها. وقد سمعت بعض أهل الحديث [بهمدان أن] الأبيض الذي في الحديث هو الحصار الذي بهمدان، يقال له: شهرستان، وهو مما بناه دارا ب دارا، والأول أكثر. [٤٠٥٢] ومنه قوله ﷺ في حديث عوف مالك الأشجعي- ﵁ (ثم موتان يأخذ فيكم كعقاص الغنم). أراد بالموتان الوباء وهو في الأصل موت يقع في الماشية. والميم منه مضمومة، واستعماله في الإنسان تنبيه على وقوعه فيهم وقوعه في الماشية، فإنها تسلب سلباً سريعاً.

стр. 1109

وكان ذلك في طاعون عمواس في زمن عمر بن الخطاب ﵁ وهو أول طاعون وقع في الإسلام، مات منه سبعون ألفا في ثلاثة أيام. وعمواس: قرية من قرى بيت المقدس، وقد كان بها معسكر المسلمين. والعقاص: داء يأخذ الغنم فلا يلبثها أن تموت. ] ٤٠٥٣ [ومنه حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بالأعماق أو بدابق ..) الحديث. العمق والعمق: ما بعد من أطراف المفارز، وليس الأعماق ها هنا بجمع، وإنما هو اسم موضع بعينه من أطراف المدينة، وفيما وقع منها -على ليلتين أو ثلاث- موضع يقال له: العمق بضم العين وفتح الميم، والعامة بضم الميم وربما تسكنها. ويحتمل أن يقال له: الأعماق والعمق أيضا ويحتمل أنهما متغايران. (ودابق) بفتح الباء دار نخلة موضع سوق بالمدينة. وفيه: (فإن تصافوا قالت الروم خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا). قلت: سبوا منا على بناء الفاعل، يريدون بذلك مخايلة المؤمنين بعضهم عن بعض، ويبغون به تفريق كلمتهم، والمرادون بذلك هم اللذين غزوا بلادهم فسبوا ذريتهم. والأظهر أن هذا القول منهم يكون بعد الملحمة الكبرى التي تدور رحاها بين الفئتين بعد المصالحة والمناجزة لقتال عدو يتوجه الى المسلمين، وبعد الغدرة] ١٧٦/ب [الروم بهم، وذلك قبل فتح قسطنطينية، فيطأ الروم أرض العرب فتنزل بالأعماق أو بدابق، فنسأل المسلمين أن يخلوا بينها وبين من سبى ذريتهم فيردون الجواب عليهم على ما ذكرنا في الحديث. ومن الناس من يرويه على بناء المجهول، يرون أن المراد منهم الموالي، ولا أحققه.

стр. 1110

[٤٠٥٤] ومنه قوله ﷺ في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ (فيشرط المسلمون شرطة للموت).

стр. 1111

الشرطة-بضم الشين وسكون الراء: أول طائفة تشهد الوقعة وتستقدم الجيش. ومنه سمي الشرطين لتقدمها الربيع, وكونها أول المنازل المنحصرة في ثمانية وعشرين، (وأشراط الساعة): مقدماتها, وهي مقدمات بين يديها أيضا، وكذلك أشراط الأشياء أوائلها، وقيل: أشراطها: أعلامها. وقد مر القول في أشراط الساعة. وأشرط نفسه للشيء: أعمله. ومنه سمي الشرط، ويشكل معنى ذلك من بقية الحديث (فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب، وتفنى الشرطة) فلو كانت الشرطة؟ ههنا على ما وصفوه فما معنى قوله: ويفنى الشرطة وقد ذكر كل فئة من الفئتين يرجع غير غالب؟ والوجه في تصحيح هذه الرواية من طريق المعنى أن يقال: أراد بمن يفيئ غير غالب معظم الجيش وصاحب رايتهم، لا النفر الذين تقدموا وهم الشرطة. وقوله: (يتشرط) فإنه في الحديث كذلك استعمل تشرط مكان أشرط، يقال: أشرط فلان نفسه لأمر كذا، أي: قدمها وأعدها وأعلمها. ولو وجدت الرواية بفتح الشين من الشرطة لكان معناها أوضح وأقوم مع قوله: (ويفنى الشرطة) أي: يشترطون فيما بينهم شرطا أن لا يرجعوا إلا غالبة، يعني يومهم ذلك، فإذا حجز بينهم الليل ارتفع الشرط الذي شرطوه، وإنما أدخل فيه التاء ليدل على التوحيد، أي: يشترطون شرطة واحدة لا مثنوية فيها، ولم يعرف ذلك من طريق الرواية. وفيه: (ونهد اليهم بقية أهل الإسلام) نهد الى العدو ينهد بالفتح، أي: نهض. (والدبرة) بالتحريك: الهزيمة في القتال, وهو اسم من الإدبار. (ومن الحسان) ] ٤٠٦٠ [قوله ﷺ في حديث بن عمر ﵄ (حتى يكون أكبر مسالحهم سلاح)، والمسالح جمع مسلحة، وهي كالثغر والمرقب.

стр. 1112

ومنه الحديث: (كان أبعد مسالح فارس الى العرب العذيب) والمسلحة أيضا: قوم ذوو سلاح. ] ٤٠٦٣ [ومنه قوله ﷺ في حديث: (دعوا الحبشة ما ودعوكم). (ودعوكم): تركوكم، وقلما يستعملون الماضي منه إلا ما روى في بعض الأشعار كقول القائل: غاله في الحب حتى ودعه وقد ذكرنا ذلك في باب الجمعة. ويحتمل أن يكون الحديث:] ١٧٧/أ [(ما وادعوكم) , أي: سالموكم، فسقط الألم عن بعض الرواة.

стр. 1113

[٤٠٦٦] ومنه قوله ﷺ في حديث أنس ﵁ (وعليك بضواحيها) ضاحية كل شيء: ناحية البارزة. ومن حديث عمر ﵁ (أنه رأى عمر بن حريث فقال: إلى أين؟ قال: إلى الشام. قال: أما إنها ضاحية قومك). أي: ناحيتهم. ومنه الحديث: (قريش الضواحي). وفي الحديث: (أخاف عليك من هذه الضاحية) أي: الناحية البارزة التي لا حائل دونها. ] ٤٠٦٧ [ومنه قول أبي هريرة ﵁ في حديثه: (سمعت خليلي أبا القاسم ﷺ ). قلت: قد سبق منه هذا القول في عدة أحاديث، وكأنه قول لم يصدر عن روية، بل كان الباعث عليه ما عرف من قلبه من صدق المحبة، ولو تدبر القول لم يلتبس عليه كون ذلك زائغا عن منهج الأدب، وقال ﷺ : (لو كنت متخذا من الناس خليلا لاتخذت أبا بكرا خليلا) وقال ﷺ : (أني أبرأ إلى كل خليل من خلته). فليس لأحد أن يدعي خلته مع براءته عن خلة كل خليل، والله الهادي.

стр. 1114

ومن باب أشراط الساعة (من الصحاح) ] ٤٠٧٠ [قوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: (إذا وسد الأمر الى غير أهله). معناه أن يلي الأمر من ليس له بأهل، فتلقى له وسادة الملك. وأراد بالأمر الخلافة وما ينضم اليها من قضاء وإمارة ونحوهما. والوسد أخذ من الوساد، يقال وسدته الشيء بالتخفيف، وتوسده إذا جعله تحت رأسه، ولفظة (إلى) فيها إشكال إذ كان من حقه أن يقال: وسد الأمر لغير أهله، فلعله أتى به ليدل على إسناد الأمر إليه. وأكثر ظني أني وجدت في بعض الروايات: (إذا أسند الأمر الى غير أهله). ] ٤٠٧٢ [ومنه حديثه الآخر عن النبي ﷺ : (حتى يبلغ المساكن إهاب أو نهاب) يريد أن المدينة يكثر سوادها حتى تتصل مساكن أهلها بإهاب أو نهاب شك الراوي في اسم الموضع, فلم يدري أسمع إهاب أو نهاب بالنون بدل الهمزة. أو كان يدعى بكلا الاسمين فذكر (أو) للتخيير بينهما، وهو من المدينة على أميال. وفي كتاب مسلم في حديث سهيل ابن أبي صالح وهو الراوي ن أبيه عن أبي هريرة أن زهيرا قال: قلت لسهيل: وكم ذلك من المدينة قال: كذا وكذا ميلا. قلت: والذي يعتمد عليه في نهاب أنه بالنون المكسورة، ومن رواة كتاب مسلم من يرويه بالياء، ولا أحققه.

стр. 1115

[٤٠٧٦] ومنه حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : (تقئ الأرض أفلاذ كبدها) قيل: معناه أنها تخرج الكنوز المدفونة فيها. قلت: ويحتمل أنه أراد به أيضا ما رسخ فيها من العروق المعدنية، ويدل عليه] ١٧٧/ب [قوله: (أمثال الأسطوانة من الذهب والفضة) وسمي ما في الأرض كبدا تشبيها بالكبد التي في بطن البعير، وإنما قلنا في بطن البعير؛ لأن ابن الإعرابي قال الفلذ لا يكون إلا للبعير، وخص الكبد؛ لأنه عند العرب من أطايب الجزور، فإنها تقول أطايب الجزور: السنام والملحاء والكبد. والأفلاذ: جمع فلذة، وهي القطعة المقطوعة طولا. ] ٤٠٧٨ [ومنه حديثه الآخر: (لا تقوم الساعة حتى تخرج نار م أرض الحجاز ..) الحديث. يريد أنها تعلو وتستطع حتى تتضح لها أعناق الإبل في سواد الليل ببصرى. وبصرى مدينة حوران وقيل: هي مدينة قيسارية. فإن قيل: كيف التوفيق بين هذا الحديث وبين الحديث الذي يتلوه، وهو أيضا من حديث أبي هريرة، وهو مشكل جدا لأنه قال: (أول أشراط الساعة نار) فيلزم أن لا تتقدمها التي تخرج من أرض الحجاز، وقد سبقتها ورآها أهل المدينة ومن حولهم رؤية لا مرية فيها ولا خفاء، فإنها لبثت نحوا من خمسين يوما تتقد وترمي بالأحجار المحمرة بالنار من بطن الأرض إلى ما حولها مشاكلة للوصف الذي ذكره الله في كتابه عن نار جهنم: ﴿ترمى بشرر كالقصر (٣٢) كأنه جمالت صفر﴾، وقد سال من ينبوع النار في تلك الصحاري مد عظيم شبيه بالصفر المذاب فيجمد الشيء بعد الشيء فيوجد شبيها بخبث الحديد؟ فالجواب -وبالله التوفيق ومنه المعونة- أن نقول: أن في أشراط الساعة كثرة، وأولها بعثة نبينا ﷺ -

стр. 1116

-فعلمنا بذلك أن قوله: أول أشراط الساعة لم يصدر مصدر الإطلاق، بل في أشراط مخصوصة تقرب من زمان الوقوع. ويحتمل أنه أراد بالنار التي تحشر الناس من المشرق الى المغرب فتنة الترك، فإن الفتنة إذا عظمت وعمت وأسرعت في الناس، كانت أشبه شيء بالحريق، لا سيما وقد كان التحريق معظم ما استعانوا به على التخريب، ولا اختلاف بين الحديثين على هذا التأويل. فإن قيل: أنى يستقيم لك هذا التأويل وفي حديث أبي سريحة حذيفة بن أسيد في ذكر الآيات العشر، (وآخر ذلك نار تخرج من اليمن) وفي رواية: (من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر؟). قلنا لم يذكر في حديث أبي هريرة أن تلك النار تخرج من اليمن أو من قعر عدن، حتى يلزم من الأول] ١٧٨/أ [والآخر تضاد، فنذهب في حديث أبي هريرة إذا إلى ما ذهبنا ونذهب في حديث أبي سريحة إلى ما يقتضيه ظاهر اللفظ حتى لا يختلف الحديثان اختلاف تباين وتناقض، والأحاديث إذا صحت ووجد في ظواهرها اختلاف فلابد أن يؤول كل منها على وجه لا يلزم منه تباين وتناقض، فقد قدس كلام النبوة عن مقاربة أو وهم ومقاربة شك، اللهم إما أن يكون في حديث أخطأ فيه سمع يعض الرواة، فنقل فيه أول مكان آخر. (ومن الحسان) ] ٤٠٨٠ [حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان ..) الحديث. يحمل ذلك على قلة بركة الزمان وذهاب فائدته، أو على أن الناس لكثرة اهتمامهم بما دهمهم من النوازل والمشيبات شغل قلبهم بالفتن العظام، لا يدرون كيف تنقضي أيامهم ولياليهم فإن قيل: العرب تستعمل قصر الأيام والليالي في المسرات وطولها في المكاره. قلنا: المعنى الذي يذهبون اليه في القصر والطول مفارق للمعنى الذي نذهب اليه، فإن ذلك يرجع الى تمني الإطالة للرخاء وإلى تمني القصر للشدة. والذي نذهب إليه راجع الى زوال الإحساس بما يمر عليهم من الزمان؛ لشدة ما هم فيه، وذلك أيضاً صحيح.

стр. 1117

[٤٠٨١] ومنه قوله ﷺ في حديث عبد الله بن حواله ﵁: (قد دنت الزلازل والبلابل) البلبال: الهم ووسواس الصدر. ] ٤٠٨٢ [ومنه حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أتخذ الفئ دولا). الدول: جمع دولة، وهي اسم لكل ما يتداول من المال، يعني أن الأغنياء وأهل الشرف يستأثرون بحقوق الفقراء، أو يكون المراد منه أن أموال أن أموال الفيء تأخذ غلبة وأثرة، صنيع أهل الجاهلية وذوي العدوان وفيه (والأمانة مغنما) أي: يذهبون بها فيغتنمونها. يقال فلان يتغنم الأمر أي: يحرص عليه كما يحرص على المغانم. وفيه (والزكاة مغرما) أي: يشق أداؤها حتى يعدونها غرامة.

стр. 1118

[٤٠٨٧] ومنه قوله ﷺ في حديث أم سلمة ﵄: (فيخف بهم بالبيداء) البيداء: أرض ملساء بين الحرمين. وفي الحديث (يخف بالبيداء بين المسجدين)، وليست بالبيداء التي أمام ذي الحليفة وهي شرف من الرض. وفيه (أتاه أبدال الشام وعصائب أهل العراق) الأبدال: قوم من الصالحين لا تخلوا الدنيا منهم إذا مات واحد منهم أبدل الله مكانه بآخر. وقيل للواحد منهم بديل. (وعصائب أهل العراق، يحتما أنه أراد] ١٧٨/ب [بها خيارهم، من قولهم: ذاك رجل من عصب القوم وعصبهم: أي من خيارهم. وفيه (ثم ينشأ رجل من قريش أخواله كلب) يريد أن أم القرشي تكون كلبية فتنازع المهدي في أمره ونستعين عليه بأخواله من بني كلب فيبعث اليهم، أي: المبايعين بعثا، فيظهر المبايعون على البعث الذي بعثه القرشي. ] ٤٠٨٨ [ومنه قوله ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري ﵁: (حتى يتمنى الأحياء الأموات). الأحياء رفع بالفاعلية، وفي الكلام حذف، أي يتمنون حياة الأموات، أو كونهم أحياء، وإنما يتمنون ذلك ليروا ما هم فيه من الخير والأمن، ويشاركوهم فيه. ومن زعم أن الصواب فيه الأحياء بالنصب من باب الأفعال والعامل في التمني الأموات فقد أحال.

стр. 1119

ومن باب العلامات بين يدي الساعة (من الصحاح) ] ٤٠٩٢ [قوله ﷺ في حديث] أبي هريرة [﵁: (وأمر العامة: أو خويصة أحدكم). أمر العامة محتمل لوجهين: أحدهما أ، يراد به الفتنة التي تعم الناس. والآخر: أن يراد به الأمر الذي يكون تلقيه من قبل العامة دون خاصتهم في تأمير الأمير. وقد بينا وجه ذلك في معنى قوله: (ألا ولا غدر اعظم من غدر أمير عامة) من باب الإمارة.

стр. 1120

(وخويصة أحدكم): الصاد منها مشددة، وهي تصغير الخاصة، والخاصة: التي أختصصته لنفسك، وفسرت الخويصة بالموت، ولو قيل هي ما يختص به الإنسان من الشواغل المقلقة في نفسه وماله وما يهتم به فله وجه، بل هو أوجه. ] ٤٠٩٩ [ومنه قوله ﷺ في حديث ابن عمر ﵁: (وإن المسيح الدجال أعور عين اليمنى كان عينه عنية طافية). وقد ذكر وجه تسميته بالمسيح فيما مر من الكتاب وأحب الوجوه الينا أن الخير مسح عنه، فهو مسيح الضلالة كما أن الشر مسح عن مسيح الهداية صلوات الله عليه.

стр. 1121

وأما تسميته بالدجال، فلأنه خداع ملبس، والدجال الخلط، ويقال الطلى والتغطية. ومنه البعير المدجل، أي المهنوء بالقطران. ودجلة نهر بغداد، وسميت بذلك لأنها تغطي الأرض بمائها. وهذا المعنى قيل أيضا في الدجال، أي يغطي الرض بكثرة اتباعه، وقيل لأنه مطموس العين، من قولهم دجل الأثر: إذا عفى ودرس فلم يوجد منه شيء. وقيل دجل أي: كذب، والدجال] ١٧٩/أ [الكذاب. قلت ولم أجد دجل أي: كذب إلا في كتب اصحاب الحديث، ولم أطلع على أصل له من اللغة العربية، فإن صح فالظاهر أنهم عبروا به عن الكذب؛ لأن الدجال أكذب الناس، فلا يستقيم إذا أن نفسر الأصل بالكلمة المستعارة منه، ويدل على ما نبهنا عليه قوله ﷺ : (دجالون كذابون) فإن ذلك وارد مورد الوصف لا مورد التفسير. وأقوم الوجوه وأعرقها ما قدمناه أنه الخداع الملبس. وقوله: (عنبة طافية) قيل: الطافية من العنب التي خرجت عن حد بنية أخواتها، وتناءت وظهرت، ومنه الطافي من السمك. ورواه بعضهم بالهمز بعد الفاء. وقد أنكر عليه. وقد ذكر صاحب كتاب مطالع الأنوار أن لا وجه للإنكار عليه، إذ قد روي أنه ممسموح العين ومطموس العين، وروي أنها ليست بحجراء، ولا ناتئة، وهذه صفة العين إذا سال ماؤها فتشنجت وطفيت. قلت: وهذا الذي ذكره كلام موجه، غير أن من أنكر أنما أنكر ورود الرواية به، وقد أصاب. قلت: وفي الأحاديث التي وردت في وصف الدجال وما يكون منه كلمات نافرة يشكل التوفيق بينها، ونحن نسأل الله التوفيق في التوفيق بينها، وسنبين كلا منها على حدته في الحديث الذي ذكر فيه أو تعلق به، ففي هذا الحديث أنها طافية على ما ذكرنا، وفي آخر: أنه جاحظ العين كأنه كوكب، وفي آخر أنها ليست بناتئة ولا حجراء, والسبيل في التوفيق بينها أ، نقول: أنما أختلف الوصفان بحسب اختلاف العينين، ويؤيد ذلك ما في حديث ابن عمر هذا أنه أعور عين اليسرى، ووجه الجمع بين هذه الأوصاف المتنافرة أن يقدر فيها

стр. 1122

أن إحدى عينيه ذاهبة، والأخرى معيبة فيصح أن يقال لكل واحدة عوراء، لأن الأصل في العور أنه العيب، هذا وليس بمستبعد أن يكون سمع بعض الرواة قد أخطا في اليمنى واليسرى، فإنهم ليسوا بمعصومين عن الخطأ. وهذا قول لا يمكنه المحدث من فرضة سمعه، ونحن نرى نفي الإحالة عن كلام من تكفل الله له بالعصمة أحق وأولى من الذب عمن لا يلزمنا القول بعصمته، بل لا نرى له العصمة. وقلما يسلم الإنسان من سهو أو نسيان والقلم عن عثرة وطغيان. ] ٤١٠٢ [ومنه قوله ﷺ في حديث حذيفة ﵁: (ظفرة غليظة) قال الأصمعي: الظفرة: لحمة تنبت عند المآقي من كثرة البكاء أو الماء وانشد: بعينها من البكاء ظفرة ... حل ابنها في السجن وسط الكفرة وقال آخرون: الظفرة بالتحريك: جليدة تغشي العين ناتئة من الجانب الذي علي الأنف على بياض العين إلى سوادها. ] ٤١٠٣] [١٧٩/ب [ومنه قوله ﷺ في حديث حذيفة أيضا: (جفال الشعر)، الجفال بالضم: الصوف الكثير، تقول العرب قالت الضائنة: أولد رخالا واجز جفالا وأحلب كثبا ثقالا، ولم ترى مثلي مالا. ومعنى جفال الشعر أي: كثيرة. ] ٤١٠٤ [ومنه حديث النواس بن سمعان ﵁: (ذكر رسول الله ﷺ الدجال فقال: إن يخرج وأنا فيكم فانا حجيجه دونكم) أي: أحاجه وأخاصمه بالحجة. والتحاج: التخاصم. يقال حججته حجا فهو حجيج: إذا سبرت شجته بالميل لتعالجه (إلا فامرؤ حجيج نفسه) أي يحاجه ويحاوره. فإن قيل: أوليس قد ثبت في أحاديث الدجال أنه يخرج بعد خروج المهدي، وأن عيسى يقتله إلى غير

стр. 1123

ذلك من الوقائع الدالة أنه لا يخرج ونبي الله بين أظهرهم، بل لا تراه القرون الأولى من هذه الأمة، فما وجه قوله: (إن يخرج وأنا فيكم؟). قلنا انما سلك هذا المسلك من التورية لإبقاء الخوف على المكلفين من فتنته، واللجأ إلى الله من شره، لينالوا بذلك الفضل من الله ويتحققوا بالشح على دينهم. وفيه: (أنه شاب قطط) قطط أي: شديد الجعودة. وفيه (أنه خارج من خلة بين الشام والعراق) يريد من سبيل بينهما، وإنما قيل له خلة؟ لأن السبيل خل ما بين البلدين، أي آخذ مخيط ما بينهما. يقال: خطت اليوم خيطة، أي: سرت سيرة ويقال: للطريق في الرمل: الخل، ويذكر ويؤنث. وفيه (فعاث يمينا وعاث شمالا) عثا في الأرض فهو عاث، أي أفسد و، أي أفسد ونما قال: (يمينا وشمالا) إشارة إلى أنه لا يكتفي بالإفساد فيما يطؤه من البلاد، ويتوجه إليه من الأغوار والأنجاد، بل يبعث سراياه يمينا وشمالا، فلا يأمن من شره مؤمن، ولا يخلو من فتنته موطن. وفيه (قلنا: يا رسول الله: وما لبثه في الأرض) إلى تمام السؤال والجواب، يشكل من هذا الفصل قوله ﷺ (يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة) مع قوله: (وسائر ايامه كأيامكم). ولا سبيل إلى تأويل امتداد تلك الأيام على أنها وصفت بالطول والامتداد لما فيها من شدة البلاء وتفاقم البأساء والضراء؛ لأنهم قالوا: (يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة، أيكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا ...) الحديث. فنقول: وبالله التوفيق ومنه المعونة-: قد تبين لنا بإخبار الصادق المصدوق ﷺ أن الدجال يبعث معه من الشبهات، ويقيد على يديه من التمويهات ما يسلب عن ذوي العقول عقولهم، ويخطف من اولي الأبصار ابصارهم، فمن ذلك تسخير الشياطين له، ومجيئه بجنة ونار وحشره ناس من الناس، وإحياء الميت على حسب ما يدعيه، وتقسويته على من يريد إضلاله تارة بالمطر والعشب، وتارة بالأزمة والجدب، ثم لا خفاء بأنه أسحر الناس، فلم يستقم لنا تأويل هذا القول إلا بأن نقول: إنه يأخذ بأسماع الناس وأبصارهم، حتى

стр. 1124

يخيل إليهم أن الزمان قد أستمر على حاله] ١٨٠/أ [واحدة، إسفار بلا إظلام، وصباح بلا مساء، يحسبن أن الليل لا يمد عليهم رواقه، وأن الشمس لا تطوي عنهم ضياءها، فيقعون في حيرة والتباس من امتداد الزمان، ويدخل عليهم الدواخل باختفاء الآيات الظاهرة في الليل والنهار، فأمرهم أن يجتهدوا عند مصادفة تلك الأحوال، ويقدروا لوقت كل صلاة قدره، غلى أن يكشف الله عنهم تلك الغمة. هذا الذي اهتدينا غليه من التأويل، والله الموفق لإصابة الحق. وفيه: (فيروح عليهم سارحتهم). السارحة: المال السائم، تقول: سرحتها سرحا، وسرحت هي بنفسها سروحا، يتعدى ولا يتعدى. وفيه: (فيصبحون ممحلين) أمحل القوم: أصابهم المحل، وهو انقطاع المطر ويبس الأرض من الكلأ. وفيه: (فيتبعه كنوزها كيعاسيب النحل) اليعسوب: ملك النحل، ومنه قيل للسيد: يعسوب قومه. وفي الحديث (هذا يعسوب قريش) أي سيدها. وفي حديث آخر: (ضرب يعسوب الدين بذنبه) قال الأصمعي: أي: رئيس لدين وسيده، إذا فارق أهل الفتنة، وضرب في الأرض ذاهبا. قلت: وإنما ضرب المثل باليعاسيب، لأنها إذا خرجت من كورها تبعها النحل بأجمعها. وفيه: (فيقطعه جزلتين رمية الغرض) جزلتين أي: قطعتين، يقال: ضرب الصيد فقطعه جزلتين، ويقال: جاء زمن الجزال، أي: زمن صرام النخل، والجزلة والجزال بكسر الجيم فيهما، وأراد برمية الغرض إما سرعة نفوذ السيف فيه، وإما إصابته المحز، وقيل: هو أن تجعل بين الجزلتين رمية الغرض. وفيه: (بين مهرودتين) هذا الحرف يروى بالدال والذال، ومعنى بين شقتين أو حلتين من قولهم: هردت الثوب أي: شققته، وهو مثل ما غير هذا الحديث (بين ممصرتين)، والممصرة من الثياب: التي فيها صفرة خفيفة. وقد ذهب القتيبي إلى أن الصواب فيه (مهروتين) أي: صفراوين، يقال: هريت العمامة: إذا لبستها صفرا كأنه اختار ذلك لمكان الممصرتين. وقد ذكر الهروى اختلاف أصحاب الغريب في مأخذ هذه الكلمة واشتقاقها فتركنا ذكر استيعاب ذلك اكتفاء بما أشرنا إليه.

стр. 1125

وفيه: (فيقتله بباب لد) لد جبل الشام، وقيل: إن في كتب أهل الكتاب أن عيسى ﵇ يقتل الدجال بجبل الزيتون، فلعل لدا هو جبل الزيتون، اختلفا في التسمية والمسمى واحد، وإن كان أحدهما غير الآخر، فالعبرة بما في الحديث فإنه حديث صحيح، وليس هذا بأول قول حرفوه. وفيه: (لا يدان بقتالهم) أي: لا طاقة، عبروا بالقوة عن اليد ثم ثنوا ليكون أبلغ في المعنى. وفيه: (فحرز عبادي إلى الطور) أي: ضمهم إليه، وزعم بعضهم أنه جوز، وصححه بعض أهل العلم. وزعم بعضهم (فحذر). وفيه: (حتى ينتهوا إلى جبل الخمر). الخمر -بفتح الخاء والميم- هو الشجر الملتف (حتى يكون] ١٨٠/ب [رأس الثور)، اي: تبلغ الفاقة بهم إلى هذا الحد، وإنما ذكر رأس الثور ليقاس البقية عليه في القيمة. وذهب بعضهم إلى أنه أراد براس الثور نفسه، أي: تبلغ قيمة الثور إلى ما فوق المائة؛ لاحتياجهم إليه في الزراعة، ولم يصب؛ لن رأس الثور قلما يراد به عند الإطلاق نفسه، بل يقال رأس] الثور [أو رأس من الثور، ثم إن في الحديث (أن نبي الله ومن معه يحصرون) وما للمحصور والزراعة لا سيما على الطور. وفيه: (فيرسل الله النغف في رقابهم، فيصبحون فرسى). النغف: دود يكون في انوف الإبل والغنم. وفرسى: جمع فريس كقتيل وقتلى، من فلرس الذئب، الشاة إذا كسرها وقتلها، ومنه فريسة السد، يريد أن القهر الإلهي الغالب على كل شيء يفرسهم دفعة واحدة، فيصبحون قتلى. وقد نبه بالكلمتين، أعني النغف وفرسى على أنه -سبحانه- يهلكهم في أدنى ساعة بأهون شيء، وهو النغف فيفرسهم فرس السبع فريسة بعد أن طارت نعرة البغي في رؤوسهم، فزعموا أنهم قاتلوا من في السماء.
следующие страницы →