← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18569

الميسر في شرح مصابيح السنة للتوربشتي

التوربشتي

Полный текст (1 323 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

وأما تسميته بالدجال، فلأنه خداع ملبس، والدجال الخلط، ويقال الطلى والتغطية. ومنه البعير المدجل، أي المهنوء بالقطران. ودجلة نهر بغداد، وسميت بذلك لأنها تغطي الأرض بمائها. وهذا المعنى قيل أيضا في الدجال، أي يغطي الرض بكثرة اتباعه، وقيل لأنه مطموس العين، من قولهم دجل الأثر: إذا عفى ودرس فلم يوجد منه شيء. وقيل دجل أي: كذب، والدجال] ١٧٩/أ [الكذاب. قلت ولم أجد دجل أي: كذب إلا في كتب اصحاب الحديث، ولم أطلع على أصل له من اللغة العربية، فإن صح فالظاهر أنهم عبروا به عن الكذب؛ لأن الدجال أكذب الناس، فلا يستقيم إذا أن نفسر الأصل بالكلمة المستعارة منه، ويدل على ما نبهنا عليه قوله ﷺ : (دجالون كذابون) فإن ذلك وارد مورد الوصف لا مورد التفسير. وأقوم الوجوه وأعرقها ما قدمناه أنه الخداع الملبس. وقوله: (عنبة طافية) قيل: الطافية من العنب التي خرجت عن حد بنية أخواتها، وتناءت وظهرت، ومنه الطافي من السمك. ورواه بعضهم بالهمز بعد الفاء. وقد أنكر عليه. وقد ذكر صاحب كتاب مطالع الأنوار أن لا وجه للإنكار عليه، إذ قد روي أنه ممسموح العين ومطموس العين، وروي أنها ليست بحجراء، ولا ناتئة، وهذه صفة العين إذا سال ماؤها فتشنجت وطفيت. قلت: وهذا الذي ذكره كلام موجه، غير أن من أنكر أنما أنكر ورود الرواية به، وقد أصاب. قلت: وفي الأحاديث التي وردت في وصف الدجال وما يكون منه كلمات نافرة يشكل التوفيق بينها، ونحن نسأل الله التوفيق في التوفيق بينها، وسنبين كلا منها على حدته في الحديث الذي ذكر فيه أو تعلق به، ففي هذا الحديث أنها طافية على ما ذكرنا، وفي آخر: أنه جاحظ العين كأنه كوكب، وفي آخر أنها ليست بناتئة ولا حجراء, والسبيل في التوفيق بينها أ، نقول: أنما أختلف الوصفان بحسب اختلاف العينين، ويؤيد ذلك ما في حديث ابن عمر هذا أنه أعور عين اليسرى، ووجه الجمع بين هذه الأوصاف المتنافرة أن يقدر فيها

стр. 1122

أن إحدى عينيه ذاهبة، والأخرى معيبة فيصح أن يقال لكل واحدة عوراء، لأن الأصل في العور أنه العيب، هذا وليس بمستبعد أن يكون سمع بعض الرواة قد أخطا في اليمنى واليسرى، فإنهم ليسوا بمعصومين عن الخطأ. وهذا قول لا يمكنه المحدث من فرضة سمعه، ونحن نرى نفي الإحالة عن كلام من تكفل الله له بالعصمة أحق وأولى من الذب عمن لا يلزمنا القول بعصمته، بل لا نرى له العصمة. وقلما يسلم الإنسان من سهو أو نسيان والقلم عن عثرة وطغيان. ] ٤١٠٢ [ومنه قوله ﷺ في حديث حذيفة ﵁: (ظفرة غليظة) قال الأصمعي: الظفرة: لحمة تنبت عند المآقي من كثرة البكاء أو الماء وانشد: بعينها من البكاء ظفرة ... حل ابنها في السجن وسط الكفرة وقال آخرون: الظفرة بالتحريك: جليدة تغشي العين ناتئة من الجانب الذي علي الأنف على بياض العين إلى سوادها. ] ٤١٠٣] [١٧٩/ب [ومنه قوله ﷺ في حديث حذيفة أيضا: (جفال الشعر)، الجفال بالضم: الصوف الكثير، تقول العرب قالت الضائنة: أولد رخالا واجز جفالا وأحلب كثبا ثقالا، ولم ترى مثلي مالا. ومعنى جفال الشعر أي: كثيرة. ] ٤١٠٤ [ومنه حديث النواس بن سمعان ﵁: (ذكر رسول الله ﷺ الدجال فقال: إن يخرج وأنا فيكم فانا حجيجه دونكم) أي: أحاجه وأخاصمه بالحجة. والتحاج: التخاصم. يقال حججته حجا فهو حجيج: إذا سبرت شجته بالميل لتعالجه (إلا فامرؤ حجيج نفسه) أي يحاجه ويحاوره. فإن قيل: أوليس قد ثبت في أحاديث الدجال أنه يخرج بعد خروج المهدي، وأن عيسى يقتله إلى غير

стр. 1123

ذلك من الوقائع الدالة أنه لا يخرج ونبي الله بين أظهرهم، بل لا تراه القرون الأولى من هذه الأمة، فما وجه قوله: (إن يخرج وأنا فيكم؟). قلنا انما سلك هذا المسلك من التورية لإبقاء الخوف على المكلفين من فتنته، واللجأ إلى الله من شره، لينالوا بذلك الفضل من الله ويتحققوا بالشح على دينهم. وفيه: (أنه شاب قطط) قطط أي: شديد الجعودة. وفيه (أنه خارج من خلة بين الشام والعراق) يريد من سبيل بينهما، وإنما قيل له خلة؟ لأن السبيل خل ما بين البلدين، أي آخذ مخيط ما بينهما. يقال: خطت اليوم خيطة، أي: سرت سيرة ويقال: للطريق في الرمل: الخل، ويذكر ويؤنث. وفيه (فعاث يمينا وعاث شمالا) عثا في الأرض فهو عاث، أي أفسد و، أي أفسد ونما قال: (يمينا وشمالا) إشارة إلى أنه لا يكتفي بالإفساد فيما يطؤه من البلاد، ويتوجه إليه من الأغوار والأنجاد، بل يبعث سراياه يمينا وشمالا، فلا يأمن من شره مؤمن، ولا يخلو من فتنته موطن. وفيه (قلنا: يا رسول الله: وما لبثه في الأرض) إلى تمام السؤال والجواب، يشكل من هذا الفصل قوله ﷺ (يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة) مع قوله: (وسائر ايامه كأيامكم). ولا سبيل إلى تأويل امتداد تلك الأيام على أنها وصفت بالطول والامتداد لما فيها من شدة البلاء وتفاقم البأساء والضراء؛ لأنهم قالوا: (يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة، أيكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا ...) الحديث. فنقول: وبالله التوفيق ومنه المعونة-: قد تبين لنا بإخبار الصادق المصدوق ﷺ أن الدجال يبعث معه من الشبهات، ويقيد على يديه من التمويهات ما يسلب عن ذوي العقول عقولهم، ويخطف من اولي الأبصار ابصارهم، فمن ذلك تسخير الشياطين له، ومجيئه بجنة ونار وحشره ناس من الناس، وإحياء الميت على حسب ما يدعيه، وتقسويته على من يريد إضلاله تارة بالمطر والعشب، وتارة بالأزمة والجدب، ثم لا خفاء بأنه أسحر الناس، فلم يستقم لنا تأويل هذا القول إلا بأن نقول: إنه يأخذ بأسماع الناس وأبصارهم، حتى

стр. 1124

يخيل إليهم أن الزمان قد أستمر على حاله] ١٨٠/أ [واحدة، إسفار بلا إظلام، وصباح بلا مساء، يحسبن أن الليل لا يمد عليهم رواقه، وأن الشمس لا تطوي عنهم ضياءها، فيقعون في حيرة والتباس من امتداد الزمان، ويدخل عليهم الدواخل باختفاء الآيات الظاهرة في الليل والنهار، فأمرهم أن يجتهدوا عند مصادفة تلك الأحوال، ويقدروا لوقت كل صلاة قدره، غلى أن يكشف الله عنهم تلك الغمة. هذا الذي اهتدينا غليه من التأويل، والله الموفق لإصابة الحق. وفيه: (فيروح عليهم سارحتهم). السارحة: المال السائم، تقول: سرحتها سرحا، وسرحت هي بنفسها سروحا، يتعدى ولا يتعدى. وفيه: (فيصبحون ممحلين) أمحل القوم: أصابهم المحل، وهو انقطاع المطر ويبس الأرض من الكلأ. وفيه: (فيتبعه كنوزها كيعاسيب النحل) اليعسوب: ملك النحل، ومنه قيل للسيد: يعسوب قومه. وفي الحديث (هذا يعسوب قريش) أي سيدها. وفي حديث آخر: (ضرب يعسوب الدين بذنبه) قال الأصمعي: أي: رئيس لدين وسيده، إذا فارق أهل الفتنة، وضرب في الأرض ذاهبا. قلت: وإنما ضرب المثل باليعاسيب، لأنها إذا خرجت من كورها تبعها النحل بأجمعها. وفيه: (فيقطعه جزلتين رمية الغرض) جزلتين أي: قطعتين، يقال: ضرب الصيد فقطعه جزلتين، ويقال: جاء زمن الجزال، أي: زمن صرام النخل، والجزلة والجزال بكسر الجيم فيهما، وأراد برمية الغرض إما سرعة نفوذ السيف فيه، وإما إصابته المحز، وقيل: هو أن تجعل بين الجزلتين رمية الغرض. وفيه: (بين مهرودتين) هذا الحرف يروى بالدال والذال، ومعنى بين شقتين أو حلتين من قولهم: هردت الثوب أي: شققته، وهو مثل ما غير هذا الحديث (بين ممصرتين)، والممصرة من الثياب: التي فيها صفرة خفيفة. وقد ذهب القتيبي إلى أن الصواب فيه (مهروتين) أي: صفراوين، يقال: هريت العمامة: إذا لبستها صفرا كأنه اختار ذلك لمكان الممصرتين. وقد ذكر الهروى اختلاف أصحاب الغريب في مأخذ هذه الكلمة واشتقاقها فتركنا ذكر استيعاب ذلك اكتفاء بما أشرنا إليه.

стр. 1125

وفيه: (فيقتله بباب لد) لد جبل الشام، وقيل: إن في كتب أهل الكتاب أن عيسى ﵇ يقتل الدجال بجبل الزيتون، فلعل لدا هو جبل الزيتون، اختلفا في التسمية والمسمى واحد، وإن كان أحدهما غير الآخر، فالعبرة بما في الحديث فإنه حديث صحيح، وليس هذا بأول قول حرفوه. وفيه: (لا يدان بقتالهم) أي: لا طاقة، عبروا بالقوة عن اليد ثم ثنوا ليكون أبلغ في المعنى. وفيه: (فحرز عبادي إلى الطور) أي: ضمهم إليه، وزعم بعضهم أنه جوز، وصححه بعض أهل العلم. وزعم بعضهم (فحذر). وفيه: (حتى ينتهوا إلى جبل الخمر). الخمر -بفتح الخاء والميم- هو الشجر الملتف (حتى يكون] ١٨٠/ب [رأس الثور)، اي: تبلغ الفاقة بهم إلى هذا الحد، وإنما ذكر رأس الثور ليقاس البقية عليه في القيمة. وذهب بعضهم إلى أنه أراد براس الثور نفسه، أي: تبلغ قيمة الثور إلى ما فوق المائة؛ لاحتياجهم إليه في الزراعة، ولم يصب؛ لن رأس الثور قلما يراد به عند الإطلاق نفسه، بل يقال رأس] الثور [أو رأس من الثور، ثم إن في الحديث (أن نبي الله ومن معه يحصرون) وما للمحصور والزراعة لا سيما على الطور. وفيه: (فيرسل الله النغف في رقابهم، فيصبحون فرسى). النغف: دود يكون في انوف الإبل والغنم. وفرسى: جمع فريس كقتيل وقتلى، من فلرس الذئب، الشاة إذا كسرها وقتلها، ومنه فريسة السد، يريد أن القهر الإلهي الغالب على كل شيء يفرسهم دفعة واحدة، فيصبحون قتلى. وقد نبه بالكلمتين، أعني النغف وفرسى على أنه -سبحانه- يهلكهم في أدنى ساعة بأهون شيء، وهو النغف فيفرسهم فرس السبع فريسة بعد أن طارت نعرة البغي في رؤوسهم، فزعموا أنهم قاتلوا من في السماء.

стр. 1126

وفيه: (إلا ملأه زهمهم) الزهم -بالتحريك- مصدر قولك زهمت يدي -بالكسر- من الزهومة فهي، زهمة أي دسمة، وعليه أكثر الروايات فيما أعلم. وفيه من طريق المعنى وهن، وضم الزاي مع فتح الهاء أصح معنى، وهو جمع زهمة وهي الريح المنتنة. وفيه: (فيتركها كالزلفة) الزلفة -بالتحريك- المصنعة الممتلئة، والجمع زلف. وفيه: (فيستظلون بقحفها). القحف في الأصل: العظم المستدير فوق الدماغ، وهو أيضا إناء من خشب على مثاله، كأنه نصف قدح، واستعير ها هنا لما يلي رأسها من القشر. وفيه: (ليكفي الفثام) الفثام: الجماعة من الناس، لا واحد له من لفظه، وهو مهموز. والعامة تقول الفيام، بغير همز. وفيه: (ليكفي الفخذ). الفخذ في العشائر: أقل من البطن وأولها الشعب، ثم القبيلة ثم الفصيلة، ثم العمارة، ثم البطن ثم الفخذ. وفيه: (يتهارجون فيها). الأصل في الهرج القتل، وسرعة عدو الفرس، وهرج في حديثه اي: خلط. ومعنى يتهارجون اي: يختلطون ويتفاسدون ويتسافدون. يقال: بات فلان يهرجها أي: ينكحها، فإن قيل أوليس في هذه الأشياء الخارقة للعادة التي فوردت في هذا الحديث وغيره من أحاديث الدجال، وظهورها على يديه، مضلة للعقول ومدعاة إلى اتباع الباطل، واخلال بما أعطى الله أنبيائه من المعجزات؟ فالجواب] ١٨١/أ [أن الملعون إنما ترك وذلك، لأن في نفس القضية ما يردع المتبصر عن الالتفات إليها، فضلا عن قبولها، ثم انه لا يدعي النبوة، بل يدعي الربوبية، وهذا مما لا مساغ له في العقول، ولا موقع له من القلوب؛ لقيام دلائل الحدث في نفس المدعي، مع أنه لم يترك ودعواه حتى الزم النقض الذي لا ينفك عنه، ولا يخفى على الناظر مكانه، وهو العور الذي به

стр. 1127

وإلى هذا المعنى أشار النبي ﷺ بقوله: (ولكن أقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه؛ تعلمون أنه أعور ...) الحديث. ويحتما أن أحدا من الأنبياء لم يكاشف، أو لم يخبر بأنه أعور. ويحتمل أنه أخبر، ولم يقدر له أن يخبر عنه كرامة لنبينا ﷺ حتى يكون هو الذي يبين بهذا الوصف دحوض حجته الداحضة، ويبصر بأهله جهال العوام، فضلا عن ذوي اللباب والأفهام. ] ٤١٠٥ [ومنه قوله ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري ﵁: (فتلقاه المسالح مسالح الدجال). المسالح: جمع مسلحة، وهم قوم ذوو سلاح، وقد مر تفسيرها. وفيه: (فيوشر بالميشار). يقال: وشرت الخشبة بالميشار، وهو غير مهموز، وفي معناه: نشرت الخشبة بالمنشار بالنون، وفي هذا الحديث بالياء لا غير، يدل عليه قوله: فيوشر.

стр. 1128

[٤١١١] ومنه حديث فاطمة بنت قيس القرشية الفهرية- ﵂ (سمعت منادي رسول الله ﷺ ينادي: الصلاة جامعة ...) الحديث. الصلاة جامعة: أي احضروا الصلاة، وجامعة حال عنها. ووجه الرواية بالرفع أن نقدر: هذه، أي: هذه الصلاة جامعة، ويجوز أن تنتصب جامعة على حال, ولما كان هذا القول للدعاء إليها والحث عليها كان النصب أجود، واشبه بالمعنى المراد منه. وفيه: (فأرفثوا الى جزيرة) قال الأصمعي: أرفأت السفينة أرفثها ارفاء أي: قربتها من الشط, وبعضهم يقول: أرفينا بالياء على الإبدال، وهذا مرفأ السفن أي الموضع الذي يشد اليه ويوقف عنده. وفيه: (فجلسوا في أقرب السفينة) أقرب بضم الراء، جمع قارب، وهو سفينة صغيرة يكون مع أصحاب السفن البحرية يستخف لحوائجهم. والقارب منه بفتح الراء ويكسر، والفتح أكثر واشهر. وفيه: (دابة اهلب). قلت: قوله: (كثير الشعر) يقع موقع التفسير لأهلب، والهلبة: ما غلظ من شعر الذنب، والأهلب الفرس الكبير الهلب.

стр. 1129

وفيه: (وهو إلى خبركم بالأشواق). أي: شديد نزاع النفس إلى ما عندكم من الخبر، حتى كأن الأشواق ملصقة به، أو كانه مهتم بها. وفيه: (قد قدرتم على خبرى). يريد أني أخبركم بخبري فلا أحه عنكم. وفيه: (فأخبروني عن نخل بيسان). بيسان بالباء المفتوحة: قرية من قرى الشام. وفيه: (عين زغر) زغر: على زنة] ١٨١/ب [زفر بالزاي والغين المنقوطتين وهي أيضا بالشام. زفيه: (إن ذلك خير لهم أن يطيعوه). فإن قيل: يشبه هذا القول قول من عرف الحق؟ والمخذول من البعد من الله بمكان لم ير له فيه مساهم. فما وجه قوله هذا؟ قلنا: يحتمل أنه أراد به الخير في الدنيا، أي: طاعتهم له خير لهم، فإنهم إن خالفوه اجتاحهم واستأصلهم. ويحتمل أنه من باب الصرفة، صرفة الله عن الطعن فيه والنكير عليه وتفوه بما ذكر عنه كالمغلوب عليه والمأخوذ عنه لم يستطع أن يتكلم بغيره تأييدا لنبيه ﷺ والفضل ما شهدت به الأعداء. وفيه: (بيده السيف صلتا). أي: مصلتا مجردا من غمده، يقال: أصلت سيفه أي: جرده م غمده وضربه بالسيف صلتا وصلتا، أي: ضربه وهو مصلت.

стр. 1130

وفيه: (فطعن بمخصرته في المنبر). المخصرة كالسوط، وكل ما أختصر الإنسان بيده فأكمه من عصا ونحوها فهو مخصرة. قال الشاعر: إذا وصلوا أيمانهم بالمخاصر وفيه: (هذه طيبة). طيبة وطابة من أسماء المدينة، سماها النبي ﷺ طيبة وطابة وكره أن يسمى يثرب لما فيه من التثريب، فلما وافق هذا القول ما كان حدثهم بع أعجبه ذلك وسر به. وفيه: (ألا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق ما هو). قلت: لما حدثهم بقول تميم الداري لم ير أن يبين موطنه ومحبسه كل التبيين؛ لما رأى في الالتباس من المصلحة، فرد الأمر فيه إلى التردد بين كونه في بحر الشام أو بحر اليمن، ولم تكن العرب يومئذ تسافر إلا في هذين البحرين. ويحتمل أنه أراد ببحر الشام: ما يلي الجانب الشامي، وببحر اليمن ما يلي الجانب اليماني، والبحر بحر واحد وهو الممتد على أحد جوانب جزيرة العرب، ثم أضرب عن القولين مع حصول اليقين في أحدهما فقال: (لا بل من قبل المشرق ما هو). وذكر جمع من أصحاب المعاني أن (ما) ها هنا زائدة وهو حسن. ويحتمل أن تكون خبرا، أي: ما هو عليه، أو ما هو فيه، أو ما هو يخرج منه. وفي كتب أهل اللغة في ذكر ابن قترة: حية خبيثة الى الصغر ما هي. ومن مصطلح الأطباء في ذكر طباع العقاقير، ووصف طعم الأدوية: إلى الحرارة ما هو، إلى اليبوسة ما هو، إلى العفوصة ما هو. أي الذي عليه طبعه وطعمه كذا، أي أمر ظهوره من قبل المشرق. ] ٤١١٢ [ومنه حديث ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (رأيتني الليلة عند الكعبة) الحديث.

стр. 1131

فإن قيل: على ماذا يؤول طواف الدجال بالبيت مع بعده من مواقف الطاعة وكونه مستمرا على الطغيان؟ قلنا: هذه رؤيا أريها رسول الله ﷺ وكوشف فيها بأن عيسى ﵇ ينزل ملتبسا بما وصفه به من الحسن والبهاء والنظافة مشاكلا صورته معناه، وهو متكئ على ما أيد به من العصمة] ١٨٢/أ [والتأييد، فيطوف حول الدين لإقامة الأود ولم الشعث وإصلاح الفساد، والدجال يبعث ناقص الخلقة، معوج البنية، على صورة كريهة، تزدريها الأعين، وتنكرها القلوب، مشاكلة للمعنى الذي هو عليه وهو متكئ على ما أملي له فيه من اللبس والتمويه، فيدور حول الدين ليحدث فيه الثلمة ويبغي له العوج، على هذا، ونحو ذلك نؤوله. (ومن الحسان) ] ٤١١٤ [قوله ﷺ في حديث عبادة بن صامت ﵁ (رجل قصير أفحج). -الأفحج بتقديم الحاء: هو الذي يتدانى صدور قدميه، ويتباعد عقباه وينفحج ساقاه، وبخلافه الأروح.

стр. 1132

[٤١١٩] ومنه حديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يتبع الدجال من أمتي سبعون الفا عليهم السيجان). الساج: الطليان الأخضر، والجمع سيجان، وفي حديث أنس: (عليهم الطيالسة) ولولا حديث أبي سعيد هذا لكان لقائل أن يقول في حديث أنس المراد منه، الأطمار والأسحاق، ولكنه يمنع عن هذا التأويل، اللهم إلا أن يكون بعض الرواة روى حديث أبي سعيد بالمعنى؛ فجعل السيجان مكان الطيالسة، والنبي ﷺ نبه بهذا القول على كثرة سوادهم. قلت: ويحتمل أنه عبر بأصفهان عنها وعما كان منضما إليها من البلاد في ذلك الوقت. وقد كانت تنزل من بلاد الفرس منزلة الرأس من الجسد. ومنه: قول أسماء بنت يزيد الأنصارية ﵂ في حديثها: ] ٤١٢٠ [(فأخذ بلجفتي الباب) أريد بهما العضادتان، وقد فسر بجانبيه، ومنه ألجاف البئر، أي:

стр. 1133

جوانبها، وفي كتاب المصابيح، بلجمتي الباب، وليس بشيء، ولم يعرف ذلك من كتب أصحاب الحديث إلا على ما ذكرناه. ومن باب قصة ابن صياد هو الدجال (من الصحاح) ] ٤١٢١ [قول ابن الصياد في حديث عمر ﵁: (أشهد انك رسول الأميين قد كثرت الوجوه في الأمي، وأشبهها أن الأمي منسوب الى أمة العرب؛ لأنهم كانوا لا يكتبون ولا يقرءون من بين الأمم. قال الله-تعالى-: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم﴾ أي: بعث رجلا أميا في قوم أميين، وهذا الذي قاله وإن كان يشبه الصحيح من القول فإن فيه دغلا، وذلك أن قوما من اليهود كانوا إذا أعجزهم الطعن في نبوة نبينا ﷺ زعموا أنه إن يكون نبيا فإنه لم يبعث إلى الكافة، وإنما بعث إلى بني إسماعيل، وهذه كلمة ألقاها إليه شيطانه الذي كان يأتيه بالأنباء إلقاء ذوي الخطفة إلى الكهان ليثير منه شرا وينشئ عنه شكا، والقصد فيه التعريض بأنك أرسلت] ١٨٢/ب [إليهم فحسب. وفيه: (فرصة). رصه أي: ضم بعضه إلى بعض، والمراد منه العصر والتضييق. وقد رواه بعضهم بالضاد المعجمة، وهو تصحيف. وفيه: (أني خبأت لك خبيئا). يريد إني أضمرت لك مضمرا لتخبرني به، فقال: هو الدخ.

стр. 1134

الدخ بالضم لغة في الدخان، وقد ذكر بعض الشارحين فيه الفتح، ولم أعرفه من كلامهم، وهو من باب المضاعف. قال الشاعر: عند رواق البيت يغشى الدخا وقد ذكر بعضهم أن إضماره الدخان كان لما في الحديث أن الدجال يقتله عيسى بجبل الدخان، وفي هذا الحديث أنه خبأ له يوم تأتي السماء بدخان مبين، فإن كان ذلك من قول عمر ﵁ وهو الراوي للحديث فلا معدل عنه، وإن كان من قول بعض الرواة أدرج في الحديث] فالحديث [محتمل للقولين. وفيه: (أخسأ فلن تعدو قدرك). أخسأ: كلمة زجر وإستهانة، أي: أسكت صاغرا مزجورا، فإنك وإن أخبرت عن الخبيء فلست تستطيع أن تتجاوز عن الحد الذي حد لك، يريد أن الكهانة لا ترفع بصاحبها، عن القدر الذي هو عليه وإن أصاب في كهانته. منه: (فإن لم يكن هو فلا خير لك في قتله). إنما قال ذلك لأنه كان من الولدان وقد منع عن قتلهم، ثم إن اليهود كانوا يومئذ مصالحين متمسكين بالذمة، فلم يكن ذمته لينقض بقوله الذي قاله؛ لنه كان صبيا. وفيه: (وهو يختل) أي: يرتاد مغاقصته. يروم غرته من غير لا يشعر. وفيه: (له فيها زمزمة). زمزمة اي: صوت، وهيفي الأصل صوت الرعد، ويقال لكلام المجوس عند الأكل: زمزمة. ورواه بعضهم بالراء المهملة، وهو تصحيف. ] ٤١٢٢ [ومنه قوله ﷺ في حديث أبي سعيد ﵁: (لبس عليه؛ فدعوه). أي: خلط عليه الأمر في كهانته فدعوه فإنه لا يحدث بشيء يصلح أن يعول عليه.

стр. 1135

[٤١٢٣] ومنه] قول ابن الصياد [في حديث أبي سعيد أيضا (درمكة بيضاء) الأصل في الدرمك: دقيق الحواري. ] ٤١٢٦ [ومنه قول ابن عمر ﵄ في حديثه (لقيته وقد نفرت عينه). نفرت أي: ورمت. وفي حديث غزوان أنه لطم عينه فنفرت. وفي حديث عمر ﵁ أن رجلا تخلل بالقصب فنفر فوه. وذكر بعضهم أنه روي بالقاف على ما لم يسم فاعله، بمعنى استخرجت. وذكر أيضا أنه روى بالباء والقاف، والبقر: الشق والاستخراج، والمعتد به من طريق الرواية ما قدمناه. وقوله: (إن شاء الله خلقها في عصاك) يريد أن كون العين في رأسي لا يقتضي أن أكون منها على

стр. 1136

خبر؛ فإن الله قادر أن يخلق مثلها في عصاك، والعصا لا يكون منها على خبر] ١٨٣/أ [وكأنه أدعي بذلك الاستغراق وعدم الإحساس. (ومن الحسان) ] ٤١٣٠ [قوله ﷺ في حديث أبي بكر ﵁: (تنام عيناه ولا ينام قلبه). يريد بذلك تيقظ قلبه في المنام لما يلقيه إليه شيطانه. وهذا من أوصاف الكهنة، بخلاف حال الأنبياء، فإن تيقظ قلوبهم لما يرد عليهم من الوحي والإلهام. وفيه: (ابوه طوال) الطوال بالضم الطويل، يقال طويل وطوال، فإذا أفرط في الطول قيل: طوال بالتشديد، ووجدنا الرواية فيه بالتخفيف. وفيه: (وأمه امرأة فرضاخية) الفاء منها مكسورة, والياء مشددة، والمعنى ضخمة عظيمة, كذا فسرها أصحاب الغريب, ولم نجد له مأخذا. قلت: والوجه فيما ورد في أحاديث ابن صياد من الاختلاف والتضاد أن نقول, أن النبي ﷺ حسب ذلك في اول الأمر قبل التحقق بخبر المسيح الكذاب، فلما أخبر بما أخبر به من شأنه وقصته في حديث تميم الداري، ووافق ذلك ما عنده استبان له أن ابن الصياد ليس بالذي توهمه.

стр. 1137

ومما يدل على صحة ذلك الأمارات التي تكلم فيها ابن الصياد مع أبي سعيد الخدري في حديثه، حيث صحبه الى مكة. وأما حديث جابر، واستدلاله بحديث عمر ﵁ بين يدي رسول الله ﷺ وترك النبي ﷺ النكير على عمر ﵁ فالوجه فيه أن نقول قد عرف نبي الله ﷺ أنه من جملة من حذر الناس عنه من الدجالين بقوله: (يخرج في أمتي دجالون كذابون قريبا من ثلاثين)، وابن الصياد لم يكن خارجا من جملتهم؛ لأنه ادعى النبوة بمحضر من النبي ﷺ فقال: أتشهد أني رسول الله؟ فلم يكن حلف عمر ﵁ مخالفا للحقيقة. وأما توافق النعوت في أبوي الدجال وأبوي ابن صياد، فليس مما يقع القول به، فإن اتفاق الوصفين لا يحكم باتحاد الموصوف، بل كثيرا يوجد ذلك في الموصوفات بحكم الاتفاق. ومن باب نزول عيسى ابن مريم ﵇ (من الصحاح) ] ٤١٢٣ [قوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: (حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها).

стр. 1138

قلت: لم تزل السجدة الواحدة في الحقيقة كذلك، وإنما أراد بذلك أن الناس يرغبون في أمر الله، ويزهدون عن الدنيا، حتى تكون الجدة الواحدة أحب إليهم من الدنيا وما فيها. ومن باب قرب الساعة وأن من مات فقد قامت قيامته (ومن الصحاح) ] ٤١٣٦ [حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (بعثت أنا والساعة ...) الحديث. الإعراب الذي يعتمد عليه من طريق الرواية] ١٨٣/ب [هو الرفع، والنصب فيه ماغ، وتكون الواو بمعنى مع، ولم تبلغنا فيه رواية، وتأويله قد نقل عن قتادة بن دعامة وهو الراوي عن أنس، وهو قريب مما في حديث المستورد ابن شداد (فسبقتها). ويحتمل وجها آخر وهو: أن يكون المراد منه ارتباط دعوته بالساعة، لا تفترق أحدهما عن الأخرى، كما أن السبابة لا تفترق عن الوسطى، ولا يوجد بينهما ما ليس منهما.

стр. 1139

[٤١٣٩] ومنه قوله ﷺ في حديث عائشة ﵂: (حتى تقوم عليكم ساعتكم). الساعة جزء من أجزاء الزمان، ويعبر بها عن القيمة. وقد ورد في كتاب الله -تعالى- وسنة رسوله ﷺ على أقسام ثلاثة: الساعة الكبرى. وهي بعث الناس للجزاء. والساعة الوسطى: وهي انقراض القرن الواحد بالموت. والساعة الصغرى وهي موت الإنسان. والمراد منها ها هنا. الساعة الوسطى. (ومن الحسان) ] ٤١٤٠ [حديث المستورد ابن شداد ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (بعثت في نفس الساعة). نفس بالتحريك لا غير. اراد به قربها، أي حين تنفست، وتنفسها ظهور أشراطها. وبعثة النبي ﷺ أول أشراطها. وقد ذكرنا فيما مضى في قوله: (أول أشراط الساعة نار) أنه أراد بذلك الأشراط المتتابعة الخارقة للعادات، المنبئة عن اقتراب قيامها.

стр. 1140

وقد ذكر عن بعضهم أنه قال: (بعثت في نفس الساعة) أي: في وقت أحس تنفسها وقربها كما تحس بنفس الإنسان إذا قربت منه. وهذا الوجه أيضا راجع إلى المعنى الذي ذكرناه في رواية (بعثت في نسيم الساعة) قيل في تفسيره أي: في ضعف هبوبها وأول أشراطها ونسيم أول هبوب الرياح. وقيل: بعثت في ذوي الأرواح الذين خلقهم الله قبل اقتراب الساعة، فكأنه قال: في آخر النشء من بني آدم. قلت: ذهب هذا القائل في النسيم إلى أنها جمع نسمة وهي النفس، وكل دابة فيها روح فهي نسمة. ولو ذهب في النسمة إلى التي هي بمعنى النفس بالتحريك لكان أشبه بمشاكلتها الرواية الأخرى: (بعثت في نفس الساعة)، والنسمة كما أنها وردت في كلامهم بمعنى النفس فقد وردت أيضا بمعنى النفس، والله أعلم.

стр. 1141

ومن باب لا تقوم الساعة إلى على الشرار (من الصحاح) ] ٤١٤٧ [حديث عبد الله بن عمرو، قال رسول الله ﷺ : (يخرج الدجال فيمكث] أربعين [، لا أدري ...) الحديث. قلت: (لا أدري) الى قوله: (فيبعث الله عيسى) من قول الصحابي، أي: لم يزدني على أربعين شيئا يبين المراد منها؛ فلا أدري أيا أراد به من هذه الثلاثة. وفيه (دخل في كبد جبل). كبد الشيء وسطه. ومنه كبد السماء. وفيه:] ١٨٤/أ [(لا يسمعه أحد إلى أصغى ليتا ورفع ليتا). أصغى ليتا أي: أمال صفحة عنقه، وكثيرا يتوهم الناس أنه عبارة عن تطلب المستمع حقيقة ما ورد على سمعه من الصوت، وليس الأمر على ما توهمه، فإن هذا النوع إنما يوجد في استماع الأصوات التي تصحب الإنسان دون استماعها ذهن وحس وميزة، والمر في استماع النفخة أعظم وأهول من ذلك، فالمراد منه ان السامع يصعق فيصغي ليتا ويرفع ليتا، كذلك شأن من يصيبه صيحة فيشق قلبه، فأول ما يظهر منه سقوط راسه إلى أحد الشقين، فأسند الإصغاء إليه إسناد الفعل الاختياري.

стр. 1142

ومن باب النفخ في الصور (من الصحاح) ] ٤١٥٢ [حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (يطوي الله السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى ...) الحديث. قلت: ورد التنزيل بمثل ما ورد به الحديث، قال الله -تعالى-: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة﴾. غير أن في الحديث لفظ الشمال، والوجه فيه أن نقول: قد ذكرنا -فيما مضى من الكتاب- أن النبي ﷺ كان معنيا بالبيان والبلاغ، فكان له أن يبين المعاني لهم على صيغة النظائر التي عرفوها؛ ليكون أمكن موقعا من قلوبهم، وأيسر استقرارا في نفوسهم، ولم يكن ذلك لغيره. ولما كانت السماوات أصفى جوهرا وأمد بسطة واعلى رتبة وأرزن قدرا من الأرض، ذكر لفظ الشمال في مقابلة اليمنى، بعد أن نزه قدره -سبحانه- عن تصور معنى في ذلك يشاركه فيه العباد بقوله: (وكلتا يديه يمين)، ليتبين لهم التفاوت بين العلويات والسفليات، بما أتى به من ذكر اليمين والشمال.

стр. 1143

هذا ويحتمل أن أصل الحديث على ما هو في الرواية الأخرى، فعدل عنه بعض الرواة الى لفظ الشمال غلطا منه أو ظنا أنه يسد مسد اليد الأخرى. ] ٤١٥٣ [ومنه حديث ابن مسعود ﵁: (جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ ...) الحديث. السبيل في هذا الحديث أن يحمل على نوع من المجاز أو ضرب من التمثيل. والمراد منه تصوير عظمته، والتوقيف على جلالة شانه، وأنه -سبحانه- يتصرف في المخلوقات تصرف أقوى قادر على أدنى مقدور. تقول العرب في سهولة الطلب وقرب المتناول ووفور القدرة وسعة الاستطاعة: هو مني على حبل الذراع، وأني أعالج ذلك ببعض كفي، وأستقله بفرد اصبع، ونحو ذلك من الألفاظ استهانة بالشيء واستظهارا في القدرة عليه. والمتورع في الخوض في تأويل أمثال هذا الحديث في فسحة من دينه إذا لم ينزلها في ساحة الصدر منزلة مسميات الجنس. وقد تكلم الخطابي على هذا الحديث في كتاب الإعلام] ١٨٤/ب [وزبدة كلامه أن الإصبع لم يوجد في كتاب الله ولا في السنة المقطوع بصحتها فيلزمنا القول بها، وليست كاليد فإنها ثبتت بتوقيف شرعي اطلقنا الاسم فيه على ما جاء به الكتاب من غير تكييف ولا تشبيه. وقد روي هذا الحديث غير واحد من أصحاب ابن مسعود، من طريق عبيدة فلم يذكر فيه قوله: (تصديقا لقول الحبر) والنبي ﷺ لم ينطق فيه بحرف تصديقا له أو تكذيبا، وإنما ظهر منه في ذلك الضحك المخيل للرضا مرة وللتعجب والإنكار أخرى ثم تلا الآية. والآية محتملة للوجهين معا، وليس فيها للإصبع ذكر. وقول من قال من الرواة (تصديقا للحبر) ظن وحسبان، والأمر فيه ضعيف اذ كان لا يلخص شهادته

стр. 1144

لأحد الوجهين، فيحتمل أن يكون ذلك من تخليط اليهود وتحريفهم، وأن ضحكه كان على معنى التعجب منه والنكير له. قلت: ومما ينصر قوله هذا: ما رواه أبو عيسى الترمذي بإسناده في كتابه عن ابن عباس ﵄ قال: مر يهودي بالنبي ﷺ فقال له النبي ﷺ : (يا يهودي حدثنا!) فقال: كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السماوات على ذه والأرضين على ذه والماء على ذه والجبال على ذه وسائر الخلق على ذه وأشار إلى أبو جعفر محمد ابن الصلت بخنصره ثم تابع حتى بلغ الإبهام -فأنزل الله -تعالى-: ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾). قلت: وأبو جعفر بن الصلت أحد رواة هذا الحديث. ] ٤١٥٥ [ومنه حديث ابي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : (الشمس والقمر مكوران يوم القيامة). قلت: يحتمل أنه من التكوير الذي هو بمعنى اللف والجمع أي: يلف ضوئها لفا فيذهب انبساطها في الافاق، ويحتمل أن يراد به رفعهما لأن الثوب إذا طوي رفع. ويحتمل أن يكون من قولهم: طعنه فكوره، أي: ألقاه، يلقيان من فلكهما، وهذا التفسير أشبه بنسق الحديث لما في بعض طرقه: (يكوران في النار) ويكون تكويرهما فيها ليعذب بهما أهل النار، لا سيما عباد الأنوار، لا يعذبان في النار؛ فغنهما بمعزل عن التكليف، بل سبيلهما في النار سبيل النار نفسها وسبيل الملائكة الموكلين بها. ورواه أنس في روايته: (الشمس والقمر ثوران عقيران في النار) أي زمنين لا يبرحان منها، فلا يكون لهما سير كما كان قبل انتقاض الأفلاك.

стр. 1145

ومن باب الحشر (من الصحاح) ] ٤١٥٨ [حديث سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﷺ : (يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء. الأعفر: الأبيض، وليس بالشديد البياض. والعفرة لون الرضي. وقوله: (كقرصة النقى) يريد بذلك بياضها واستدارتها] ١٨٥/أ [واستواء أجزائها، وأراد بالنقى: الدقيق الذي ينخل وينظف فتؤخذ نقاوته، وهو الحواري. وقوله: (ليس فيها علم لأحد) أي: علامة، يريد أن ما أحدثه الخلق على وجه الأرض من الأبنية وغيرها يزال عنها بالتسوية وتبديل صفات الأرض. ] ٤١٥٩ [ومنه حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ : (تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها ...) الحديث. (يتكفأها) من رواية كتاب البخاري. وروي في كتاب مسلم: (يكفؤها)، وهو الصواب على ما نعرفه من رواية الحفاظ، وهو المستقيم على اللغة العربية. والمعنى: يقلبها، ونر الحديث مشكلا جدا غير مستنكرين شيئا من صنع الله وعجائب فطرته، بل لعدم التوقيف الذي يكون موجبا للعلم في قلب جرم الأرض من الطبع الذي عليه إلى طبع المطعوم والمأكول مع ما ورد في الآثار المنقولة أن هذه الأرض برها وبحرها يمتلئ نارا في النشأة الثانية، ويضم إلى جهنم؛ فنرى الوجه فيه أن نقول: معنى قوله: خبزة واحدة، أي: كخبزة واحدة من نعتها كذا وكذا، وهو مثل ما في حديث سهل ابن سعد كقرصة النقى، وإنما ضرب المثل بقرصة النقى لإستدارتها وبياضها على ما ذكرنا في هذا الحديث ضرب المثل بخبزة تشبه الأرض نعتا وشكلا ومساحة، فاشتمل الحديث على معنيين: أحدهما بيان الهيئة التي تكون الرض عليها يومئذ.

стр. 1146

والآخر: بيان الخبزة التي يهيئها الله سبحانه نزلا لأهل الجنة، وبيان عظم مقدارها إبداعا واختراعا من القادر الحكيم الذي لا يعجزه أمر ولا يعوزه شيء. ] ٤١٦٠ [ومنه حديث أبي هريرة ﵁ (يحشر الناس على ثلاث طرائق ...) الحديث. قال الخطابي: الحشر المذكور في هذا الحديث إنما يكون قبل قيام الساعة؛ يحشر الناس أحياء إلى الشام. فأما الحشر الذي يكون بعد البعث من القبور، فإنه على خلاف هذه الصورة من ركوب الإبل والمعاقبة عليها إنما هو على ما ورد في الحديث: (إنهم يبعثون حفاة عراة)، ففسر ثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، على أنهم يعقبون البعير الواحد يركب بعضهم، ويمشي بعضهم عقبة بينهم، ثم قال: وقد قيل: إن هذا الحشر دون البعث، فليس إذا بين الحديثين تدافع ولا تضاد. قلت: قول من يحمل الحشر على الحشر الذي هو بعد البعث من القبور أسد وأقوى وأشبه بسياق الحديث من وجوه: أحدها أن الحشر على الإطلاق في متعارف الشرع لا يراد منه إلا الحشر الذي بعد قيام الساعة، إلا أن يخص بنوع من الدليل، ولم نجده ها هنا. والآخر أن التقسيم الذي ذكر في هذا الحديث] ١٨٥/ب [لا يستقيم في الحشر إلى أرض الشام؛ لأن المهاجر إليها لابد أن يكون راغبا راهبا، أو راغبا راهبا، فأما أن يكون راغبا راهبا، ويكون هذه طريقة واحدة، لا ثاني لها من جنسها فلا. والثالث: أن حشر بقية الطائفتين على ما ذكره في هذا الحديث إلى أرض الشام والتزازها بهم، حتى لا يفارقهم في مقيل ولا مبيت، ولا صباح ولا مساء، قول لم يرد به التوقيف ولم يكن لنا أن نقول: بتسليط النار على أولى الشقوة في هذه الدار من غير توقيف. والرابع: وهو أقوى الدلائل وأوثقها ما روى عن أبي هريرة أيضا، وهو في الحسان في هذا الباب: (يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف ...) الحديث. وأما ما ذكر من بعث الناس حفاة عراة، فلا تضاد بين القضيتين، ووجه التوفيق بينهما، وإن ذكر عن غيره بالتوفيق بين الحالتين، أعني حالة البعث من المنشر، وحالة السوق إلى المحشر، فهو مستغنى عنه بما هو أظهر منه، وهو أن بعث الناس حفاة عراة لا ينافي كونهم ركبانا.

стр. 1147

ونرى التقسيم الذي جاء به الحديث التقسيم الذي جاء به التنزيل، قال الله -تعالى-: ﴿إذا رجت الأرض رجا (٤) وبست الجبال بسا (٥) فكانت هباء منبثا (٦) وكنتم أزواجا ثلاثة﴾ الآيات. فقوله (راغبين راهبين) يريد بها عوام المؤمنين، وهو ذوو الهنات الذين يترددون بين الخوف والرجاء بعد زوال التكليف، فتارة يرجون رحمة الله لإيمانهم، وتارة يخافون عذابه لما اجترحوا من السيئات، وهو أصحاب الميمنة في كتاب الله على ما في الحديث الذي رواه أيضا أبو هريرة، وهو في الحسان في هذا الباب. وقوله: (اثنان على بعير)، فالمراد منه أولوا السابقة من أفاضل المؤمنين وهم السابقون. وقوله: (ويحشر بقيتهم النار) يريد به أصحاب المشأمة، فهذه ثلاث طرائق. وقد ذكر في الحديث أن المذكورين من نجباء أهل الإيمان يؤتون بنجائب من نوق الجنة فيحملون عليها من المنشر إلى المحشر. قلت: وحشرهم على الصورة المذكورة في الحديث يحتمل وجهين. إما الحمل درجة واحدة تنبيها على أن البعير المذكور يكون من بدائع فطرة الله كناقة صالح فيقوى على ما يقوى عليه غيره من البعران. وإما الحمل على سبيل الاعتقاب، فإن قيل لا يجوز أن يحمل قوله: (واثنان على بعير) محل المجاز. ويسلك به مسلك الاتساع، فيحمل ما يؤيد به أحدهم ويعان في المسير] ١٨٦/أ [إلى المحشر على حسب مكانته في العبودية ومثابته في الإخلاص. قلنا: الأصل فيه الحقيقة ولا ضرورة بنا الى هذا التأويل مع استقامة الحديث على ظاهره. فإن قيل: لم يذكر من السابقين من ينفرد بفرد مركب، لا يشاركه فيه أحد؟ قلنا: لأنه عرف أن ذلك مجعول لمن فوقهم في المرتبة من أنبياء الله؛ ليقع الإمتياز بين الأنبياء والصديقين في المراكب، كما وقع في المراتب. فإن قيل: لم يذكر الخمسة والستة إلى إلى آخر ما ختم به من الكلام؟ قلنا: ايثارا للإيجاز، أو اكتفاء بما مر من ذكر الأعداد. فإن قيل: فعلى هذا كان له في ذكر الثلاثة غنية عن ذكر الأربعة. قلنا: لو أقتصر ذكر الثلاثة لم يتهيأ لنا الوقوف منها على ما تضمنه الكلام من العجب العجاب، وهو ركوب الأربعة فما فوقها على البعير الواحد، ولا على ما تضمنه من الدلالة على المعاقبة. فإن قيل لم يسلك في العشرة مسلكه في بقية الاعداد المتروكة؟ قلنا: لأن في العشرة بيان الغاية منها، فإن لم يذكرها لاقتضى ذلك أحد الأمرين اما التوقيف على الأربعة، أو التبليغ لما فوق العشرة.

стр. 1148

[٤١٦١] ومنه حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ (إنكم محشورون حفاة عراة غرلا ...) الحديث. غرلا: جمع أغرل وهو الأقلف, ومنه الأرغل بتقديم الراء. وفيه: أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم ﵇ وفي غير هذه الروية أن النبي ﷺ يكسى على أثره. ونرى أن التقديم بهذه الفضيلة إنما وقع لإبراهيم ﵇ لأنه أول من عرى في ذات الله, حين أرادوا إلقاءه. فإن قيل: أوليس نبينا ﷺ هو المحكوم عليه بالفضل على سائر الأنبياء، وتأخره في ذلك موهم أن الفضل للسابق؟ قلنا إذا استأثر الله سبحانه عبدا بفضيلة على آخر، واستأثر المستأثر عليه على المستأثر بتلك الواحدة بعشر أمثالها، أو أفضل كانت السابقة له، ولا يقدح استئثار صاحبه عليه بفضيلة واحدة في فضله، ولا خفاء بأن الشفاعة -حيث لا يأذن لأحد في الكلام- لم تسبق سابقة الأولى السابقة، ولا فضيلة لذوي الفضائل إلا أتت عليها، وكم له من فضائل مختصة به لم يسبق إليها، ولم يشارك فيها. وفيه: (وإن ناسا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال) قلت: أن الله -تعالى- رفع أقدرا الصحابة لهجرتهم إلى رسوله ونصرتهم إياه وأكرمهم بنصر سنته وتمهيد شرعه، والجمهور منهم درجوا إلى منهاج الحق، وممن أدرك نبي الله ﷺ فلقيه لقية، أو

стр. 1149

صحبه صحبة [وشيكة] نفر يسير لم تترسخ أقدامهم في قدم الاستقامة، فلما طوى عنهم بساط الصحبة، وبسط عليهم ظل النعمة ركنوا إلى الخفض، وأخلدوا إلى الدعة، ومال بهم مخيلة الأمل وبارقة الطمع عن سواء السبيل إلى كل طريق معمور، وإلى مالا يجمل في الأحدوثة، كما كان من بسر ابن أرطاة ومن نحا نحوه من كل كسير وعويل، وأكرم بأمة لا يعد نفرهم ولا يضبط جيلهم وقبيلهم، ثم لا يصادف منهم مسيء إلا بالندرة. وقد دل على هذا المعنى قوله ﷺ (أصيحابي) أشار التصغير إلى قلة أولئك النفر. وأما قوله: (إنهم لن يزالوا مرتدين على أعقابهم)، فإنه أراد به إساءة السيرة، والرجوع عما كانوا عليه من صدق العزيمة، ولم يرد به الردة عن الإسلام؛ إذ لو كان المراد منه الردة لأقتصر على قوله: مرتدين. ولم يوجد -بحمد الله- ممن أدرك صحبة نبي الله واشتهر بها من ارتد بعده. نعم قد كان من جفاة الأعراب ورؤسائهم ممن وفد على رسول الله ﷺ ثم دخل بعده في غمار أهل الردة كعيينه بن حصن الفزاري، وعمرو بن معد يكرب الزبيدي والأشعث بن قيس الكندي. وقد كان من طليحة الأسيدي من إدعاء النبوة ما كان، ثم الله -تعالى- تداركهم برحمته فتابوا وحسنت توبتهم وأصلحوا ما أفسدوه، والله هو التواب الرحيم. ] ٤١٦٤ [ومنه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁ (فإذا هو بذيخ متلطخ). الذيخ: الذكر من الضياع.

стр. 1150

[٤١٦٨] ومنه حديث أبي سعيد الخدري ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يكشف ربنا عن ساقه ..) الحديث. قلت مذهب أهل السلامة من السلف التورع من التعرض للقول في مثل هذا الحديث، والتجنب عن تفسير ما لا يحيط العلم بكنهه من هذا الباب، وهو الأحوط والأمثل. وقد أشرنا الى ذلك في غير موضع. وقد تأوله جمع من العلماء فاتبع الآخر الأول حتى تشابه تأويلهم، وإن اختلفت أقاويلهم، وحاصل تلك الأقاويل أن الكشف عن الساق مثل في شدة الأمر وصعوبة الخطب.

стр. 1151

قلت: وأصله في الفزع والهزيمة وتشمير المخدرات عن سوقهن في الهرب. وزعم بعض أهل المعرفة بالمآخذ اللغوية أن الأصل فيه أن يموت الولد في بطن الناقة فيدخل المذمر يده في رحمها فيأخذ بساقه ليخرجه منها، فهذا هو الكشف عن الساق، فجعل لكل أمر فظيع] ١٧٨/أ [. ومنه قوله : ﴿يوم يكشف عن ساق﴾ أي: عن شدة. قلت: وتنكير الساق في الآية من دلائل هذا التأويل، ومثله قولهم: قامت الحرب بنا على ساق، ومنه قولهم: ساوقه، أي: فاخرة أينا أشد، وما أكثر شواهد ذلك في أشعارهم. ومنه قول حاتم: أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها ... وإن شمرت عن ساقه الحرب شمرا ومنه قول بعض الأعراب: عجبت من نفسي ومن إشفاقها ومن طرادى الطير عن أرزاقها في سنة قد كشفت عن ساقها أراد سنة الجدب، وكان يطير عن الزرع، فأولوا الحديث تأويل الآية. قلت: وقد خالف. الحديث الآية في تعريف الساق، ووجه التعريف فيها أن يقال: أضفها إلى الله تعالى تنبيها على أنها الشدة التي لا يجليها لوقتها إلا هو، أو على أنها هي التي ذكرها في كتابه. وفيه: (فسجد فيعود ظهره طبقا واحدا (أي: يرد عظاما بلا مفاصل ولا تنثني عند الرفع والخفض، وفي رواية ابن مسعود ﵁ (وتصير ظهورهم طبقا واحا كأن فيه السفافيد)، والمعنى أنه سبحانه يكشف يوم القيامة عن شدة يرتفع دونها سواتر الإمتحان، فيتميز عند ذلك أهل اليقين والإخلاص بالسجود الموصوف، عن أهل الريب والنفاق. (ومن الحسان) [٤١٧٢] حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف ...) الحديث.

стр. 1152

فإن قيل: لم بدأ بالمنشأة بالذكر قبل أولى السابقة؟ قلنا: لأنهم هم الأكثرون من أهل الإيمان. وفيه: (إما أنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك). عبر بهذا القول عما يضطرون إليه من المكروه، ويوسمون به من المذلة والهوان، فإن من شأن الناس في هذه الدار أن يجعلوا ما سوى الوجه وقاية للوجه، فتبلغ بهم الحاجة الى الإتقاء، بحر الوجه مكان الإتقاء باليد والرجل؛ حيث لم يبذلوا الوجوه للذي خلقها في السجود له سبحانه. ومن باب الحساب (من الصحاح) ] ٤١٧٧ [وقوله ﷺ في حديث عبد الله بن عمر ﵄ (فيضع عليه كنفه) الكنف: الجانب، وكنفا الطائر جناحاه؛ لأنه يحوط به نفسه، ويصون به بيضته. وإنما قلنا ذلك لأن الأصل فيه الحياطة والصيانة. يقال: كنف الرجل أي: حطته وصنته, واكتنفته أي: أعنته، فمعنى قوله، يضع عليه كنفه: أي يصونه عن الخزي بما يستره عن أعين أهل الموقف، هذا هو الوجه فيه.

стр. 1153

وقد ذكر الحافظ أبو موسى عن أستاذه اسماعيل ابن الفضل الحافظ أنه قال لم أر أحدا فسره، وكأن معناه يستره عن الخلق.] ١٨٧/ب [. ] ٤١٧٨ [ومنه قوله ﷺ في حديث] أبي موسى [﵁: (هذا فكاكك من النار). فكاك الرهن ما يفتك به، أي يخلص، والكسر لغة فيه، حكاه الكسائي. ووجه الحديث -والله أعلم- تسارعت إلى تكذيب كثير من الأنبياء ﵈ قديما وحديثا وكذبوا عيسى ﵇ وقتلت زكريا ويحيى ﵉ ثم كذبت نبينا محمد ﷺ ، والنصارى تقولت على عيسى، وأنكرت نبوة نبينا ﷺ مع ما كان عند كل واحد من الفئتين من العلم بذلك فهلكا بذلك وخلص الله المؤمنين بتصديقهم إياه فكان الذي أوبق الكتابي كفرة بمحمد ﷺ وبما أنزل عليه، وال ذي خلص المؤمن به تصديقه إياه فأورث الله كل واحد من المصدق والمكذب مقعد صاحبه من الجنة والنار، أورث الكتابي مقعد المؤمن من النار، وأورث المؤمن مقعد الكتابي من الجنة، وعبر عنه تارة بالفكاك وتارة بالفداء على وجه المجاز والاتساع ولم يرد به تعذيب الكتابي بما اجترحه المسلم من ذنوب؛ فإن ذلك خارج عن مقتضى الحكمة، قال الله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾. ] ٤١٨٠ [ومنه قوله ﷺ في حديث أنس ﵁ (فعنكن كنت أناضل) أناضل أي أدافع يقال فلان يناضل عن فلان، إذا تكلم عنه بعذره ودفع والأصل فيه المراماة.

стр. 1154

[٤١٨١] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁ (فو الذي نفسي بيده، لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما). تضارون يروى بالتشديد وبالتخفيف من الضير والضور والمعنيان متقاربان، أي: لا يخالف بعضكم بعضا فيكذبه، ولا ينازع. وقد ورد المضارة بمعنى المضايقة والضرر والضيق. والأصل في المخفف منهما تضيرون، وقد ذكر أبو عبيد الهروي اختلاف أقاويل أصحاب الغريب في كتابه، فمن أحب الوقوف عليه فليراجع كتابه. وقد روي من غير هذا الطريق: تضامون، وقد وردت الرواية فيه أيضا بالتشديد والتخفيف أي: لا ينضم بعضكم إلى بعض في وقت النظر لما ينويه من المشقة بسبب الإشكال والإختفاء، أو لا ينالكم ضيم، والأصل فيه تضيمون، فألقيت فتحة الياء على الضاد. وهذا القول منه ﷺ ورد مورد البيان لتحقيق الرؤية وإنزالها منزلة ما لا خفاء فيه، فشبه الرؤية بالرؤية، لا المرئى بالمرئي. وفيه: (أي فل). أراد أي فلان فرخم. وفيه: (ألم نذرك ترأس وتربع) يقال: رأس فلان القوم يرأس بالفتح رئاسة، وهو رئيسهم. وتربع] ١٨٨/أ [أي تأخذ المرباع وهو ربع الغنيمة والمعنى: ملكتك على قومك وكان الملك في الجاهلية يأخذ المرباع. وفيه: (ذلك ليعذر من نفسه) يعذر على بناء الفاعل من الإعذار، والمعنى يزيل عذره من قبل نفسه بكثرة ذنوبه وشهادة أعضائه عليه وقد مر تفسير ذلك فيما مضى.

стр. 1155

(ومن الحسان) [٤١٨٢] قوله ﷺ في حديث أبي أمامة ﵁: (وثلاث حثيات من حثيات ربنا) الحثوة والحثية: ما يحثيه الإنسان بيديه من ماء أو تراب أو غير ذلك، وقد مر تفسيره في باب الطهارة، وانها لتستعمل فيما يعطيه المعطي بكفيه دفعة واحدة، وقد جيء بها ها هنا على وجه التمثيل، وأريد بها الدفعات، أي: يعطيني بعد هذا العدد المنصوص عليه ما يخفي على العادين حصره وتعداده فإن عطاءه الذي لا يضبطه الحساب أوفى وأربى من النوع الذي يتداخله الحساب. وقد ثبت من حديث أبي بكر ﵁ عن النبي ﷺ : (فاستزدت ربي فأعطاني مع كل واحد من سبعين الفا سبعين ألفا). ] ٤١٨٤ [ومنه قوله ﷺ في حديث أبي مسعود ﵁: (فيخرج بطاقة): البطاقة صحيفة صغيرة، وهي في الأصل رقعة يرقم فيها ثمن الثوب، ويقال سميت بذلك، لأنها تشد بطاقة من هدب الثوب، وهي لغة مصرية.

стр. 1156

ومن باب الحوض (من الصحاح) ] ٤١٨٦ [قوله ﷺ : في حديث أنس ﵁ (مسك أذفر) أذفر: أي ذكي الرائحة، والذفر بالتحريك: كل رائحة ذكية من طيب أو نتن. ] ٤١٨٨ [ومنه حديث] أبي هريرة [﵁ عن النبي ﷺ (إن حوضي أبعد من أيلة من عدن). يريد بعد ما بين القطرين، والأيلة -بالياء المجزومة- بلدة على الساحل من آخر بلاد الشام مما يلي بحر اليمن، وعدن آخر بلاد اليمن مما يلي بحر الهند.

стр. 1157

[٤١٩٠] ومنه حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ : (يحبس المؤمنون يوم القيامة حتى يهموا بذلك) يهموا على بناء المجهول أي: يحزنون لما أمتحنوا به من الحبس، من قولهم أهمني الأمر:: ذا أقلقك وأحزنك. وفيه: (لست هناكم) يريد لست بالمكان الذي ترونني فيه، يعني من الشفاعة. وقد أشار بقوله (هناكم) إلى التبعيد من ذلك المكان فإن هنا اذن ألحق به كاف الخطاب فإنه للتبعيد عن المكان المشار أليه. وكذلك هنالك والام زائدة والكاف للخطاب.

стр. 1158

وفيه: (ويذكر خطيئته التي أصاب: أكله من الشجرة) أصاب، أي أصابها. وأكله، بدل من خطيئته. وفيه: (ويذكر ثلاث كذبات) إحدى الكذبات قوله (اني سقيم)، والأخرى (بل فعله كبيركم)، والثالثة قوله لسارة: (هي أختي). قلت: والخليل ﵇ أتى في سائرها بالمعاريض، وقد كانت في ذات الله، وإنما خاف منها لتستره بالمعاريض مع استغنائه عنها بتأييد الله اياه. وكل من كان وقته مع الله أصفىى وحاله أعلى ومنزلته أقرب كان حكمه في المعاملة أدق، وأمره في المؤاخذة أعوص. وفيه: (فاستأذن عليه في داره). قلت: إنما أضاف الدار إلى الله إضافة تشريف وتكريم، وهو أحد الوجهين في قوله سبحانه: ﴿والله يدعو إلى دار السلام﴾، وقوله سبحانه: ﴿لهم دار السلام عند ربهم﴾، وهو قول جمع من أهل العلم أن السلام ها هنا اسم من أسماء الله. وأما قوله: (فاستأذن عليه) فإنه أراد به الاستئذان لدخول تلك الدار المكرمة بالإضافة إلى الله، والوقوف فيها موقف المسائلة والاستعطاف، وخاصية ذلك المكان بالنسبة إليه لا بالنسبة إلى الله، وذلك مثل مراجعة جبريل في تبليغ الرسالة وطلب الحاجة إلى مقامه الذي أقامه الله فيه، والحكمة في نقله النبي ﷺ عن موقفه ذلك] ١٨٩/أ [إلى دار السلام لعرض الحاجة هي أن موقف العرض والحساب موقف سياسة، ولما كان من حق الشفيع أن يقوم مقام كرامة فتقع الشفاعة موقعها؛ أرشد ﷺ إلى النقلة عن موقف الخوف في القيامة إلى موقف الشفاعة والكرامة، وذلك أيضا مثل الذي يتحرى الدعاء في مواقف الخدمة؛ ليكون أحق بالإجابة. وفيه: (فيحد لي حدا) يريد أنه يبين لي في كل طور من أطوار الشفاعة حدا أقف عنده فلا اتعداه، مثل أن يقول شفعتك فيمن أخل بالجمعات، ثم يقول شفعتك فيمن أخل بالجمعات ثم يقول شفعتك فيمن أخل بالصلوات. ومنه فيمن شرب الخمر، ثم فيمن زنى، وعلى هذا ليريه علو الشفاعة في عظم الذنب. ] ٤١٩١ [ومنه قوله ﷺ في حديث أنس ﵁: (فأخرج من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان).

стр. 1159

المثقال ما يوزن به، وهو من الثقل، وذلك اسم لكل سنج، ومعنى قوله: (مثقال ذرة)، أي: وزنها والمثقال إذا أطلق فإنما يراد منه السنج المعبر به عن الدينار. وقد اختلف أقاويل العلماء في تأويله على حسب اختلافهم في أصل الإيمان. وأرى التأويل المستقيم فيه أن نقول: أراد هاهنا بالجزر الذي ذكره: حصة المؤمن من الرغبة أو الرهبة الباعث له على العمل لوجه الله. ألا ترى أنه ذكر في آخر تارات المناقصة: (ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله)، ولا يجوز أن يكون هذا القائل غير موحد، فعلمنا أن ما قدر قبل ذلك بمثقال شعيرة، ثم بمثقال حبة أو خردل غير الإيمان الذي يعبر به عن التصديق والإقرار، بل هو ما يوجد في القلوب من ثمرة الإيمان. ومن الدليل أيضاً على ذلك أن هذا الحديث رواه البخاري عن أنس على ما في كتاب المصابيح ورواه أيضاً عن أنس- ﵁ وفي روايته: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه ما يزن من الخير ذرة). وقد رواه أبو سعيد الخدري، وفي روايته: (مثقال ذرة إيمان). أخرجه البخاري في كتابه. وفي كتاب مسلم من رواية أبي سعيد: (فيقول ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه) ثم ذكر (نصف دينار من خير) ثم ذكر (مثقال ذرة من خير) فلما وجدنا الحديثين قد روى عن كل واحد من الصحابيين على اختلاف اللفظين: الخير والإيمان حملنا الأمر فيهما على أن الصحابيين رويا ذلك بالمعنى [١٨٩/ب] أو روى عنهما بالمعنى، فوضع الإيمان موضع الخير؛ لأنه من فوائد الإيمان ولوازمه. فإن قيل: فلم لم تقدروه على العكس؟ قلنا: لما ذكرنا من متن الحديث أنه ذكر في آخر تلك التارات أنه يقول: (ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله) فعلمنا أن الأمر المقدر بالشعيرة والبرة والذرة والحبة والخردلة غير الشيء الذي هو حقيقة الإيمان، حتى لا يكون الرجل مؤمناً إلى بوجدان ذلك منه، وهو التصديق والإقرار. ثم إن حقيقة الإيمان التي لا يكون المكلف في حكم المؤمنين إلا بوجدان ذلك منه لا يصح أن تدخله التجزئة والتبعيض، والله أعلم.

стр. 1160

وفيه: (فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله، قال: ليس ذلك لك). هذا اللفظ محتمل لمعنيين: أحدهما: أن ذلك ليس إليك، كقوله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾. والآخر: لسنا نفعل ذلك لأجلك، بل لأنا أحقاء بأن نفعله كرماً وتفضلاً. ثم إنه بين بهذا الحديث أن الأمر في إخراج من لم يعمل خيراً قط من النار خارج عن حد الشفاعة، بل هو منسوب إلى محض الكرم موكل إليه، وذلك ليكون القسم الذي تجرد عن الشفاعة فيجاوز الله عنه بفضله ورحمته مبدوءاً به أعلى وأكثر وأوفى وأجدر من القسم الذي يناله شفاعة الشافعين. وفي معناه الحديث الصحيح الذي رواه أبو سعيد الخدري- ﵁. [٤١٩٤] ومنه حديث حذيفة- ﵁ عن النبي ﷺ : (فيرسل الأمانة والرحم فيقومان بجنبتي الصراط). يريد بجنبتي الصراط ناحيتيه اليمنى واليسرى يقال: جنبيه بالتحريك وجنابيه وجنبتيه، والمعنى
следующие страницы →