← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18569

الميسر في شرح مصابيح السنة للتوربشتي

التوربشتي

Полный текст (1 323 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أي تمرغت يقال تمعكت الدابة وتمرغت إذا انقلبت في التراب وإنما تمرغ عمار لتوهمه أن التيمم للجنابة غير التيمم لحدث قياسا على الغسل والوضوء فنبأه رسول الله ﷺ أنهما سيان، وقد ذهب جماعة إلى أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين عملا بهذا الحديث والأكثرون من فقهاء الأمصار على أنه ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين فقد روى عن عبد الله بن عمر والأسلع بن الأسقع التميمي ﵄ أن النبي ﷺ (تيمم بضربتين ضربة للوجه وضربة لليدين). قلت: وهذان الحديثان أغني حديث ابن عمر، والأسلع ليا كحديث عمار في صحة الإسناد ولكن

стр. 142

(الأكثرون) ذهبوا إلى حديثهما وقد قال الخطابي: مذهب من ذهب إلى حديث عمار أصح في الرواية ومذهب من يخالفهم أشبه بالأصول وأصح في القياس فإن قيل كيف تخالفون حديث عمار وقد عرفتم صحته وإذا أخذتم بحديث ابن عمر مع ضعف إسناده من قبل محمد بن ثابت العبدي وبحديث الأسلع مع (٦٠/أ) ضعف إسناده من قبل الربيع بن بدر إذ لم يروه عن أسلع غيره وهو من الضعفاء فأني لكم بالتوفيق بين الحديثين وحديث عمار. قلنا: الأخذ بهما أحوط؛ لأن المتيمم إذا تيمم بضربتين ومسح بإحدايهما وجهه وبالأخرى يديه إلى المرفقين أجزأه ذلك وسقط عنه الفرض بالإجماع، ولا كذلك من مسح وجهه وكفيه بضربة واحدة. وأما التوفيق بين المختلفين فهو أن يقال يحتمل أن الأمر كان على ذلك في أول ما شرع التيمم ثم صار إلى ما أخبرا عنه، فإن قيل: فلم لا تقدرون الأمر على خلاف ذلك. قلنا: لأنا قد عرفنا من حديث عمار أن أحكام التيمم لم تكن مستفيضة فيما بينهم حينئذ وذلك ينبثنا عن تقدم حديث عمار والتيمم شرع في غزوة المريسيع في السنة الخامسة من الهجرة وكان إسلام بني تميم متأخرا وأول ما قدم وقد بني تميم على رسول الله ﷺ مع قيس بن عاصم المنقري التميمي في السنة التاسعة وهذا الذي ذكرناه وإن لم يبلغ مبلغ الفصل والقطع، فإنه كالسناد لما قدمناه، هذا وقد قال أبو جعفر الطحاوي: رأينا الوجه يمسح بالصعيد كما يغسل بالماء، ورأينا الرأس والرجلين مما لا يمسحان فكان ما سقط التيمم عن بعضه سقط عن كله وكان ما وجب فيه التيمم كان كالوضوء سواء؛ لأن جعل بدلا منه. ومن باب الغسل المسنون (من الصحاح) [٣٥٠] حديث أبي سعيد الخدري- ﵁ عن النبي ﷺ (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) قيل معناه وجوب الاختيار والاستحباب دون وجوب الفرض كما يقال (فلان يجب علينا رعايته فلت وإنما يذكر أمثال ذلك بلفظ الوجوب على وجه التأكيد والمبالغة في الاستحباب وقد كان القوم عمال أنفسهم يعملون في المهنة ويلبسون الصوف وكان المسجد [...] مقارب السقف فإذا عرفوا تأذى بعضهم برائحة بعض فندبهم إلى الاغتسال بلفظ الوجوب ليكون أدعى إلى الإجابة. قد علم هذا المعنى بالأخبار التي تنفى الوجوب وقد أتى العلماء على جميع ذلك شرحا وبيانا، فإن قيل: فماذا يقولون في قوله ﷺ (غسل الجمعة واجب كغسل الجنابة)؟ قلنا: معناه كصفة غسل الجنابة أدخل الكاف فيه لبيان صيغة غسل الجمعة لا لبيان الوجوب كأنه قال: وهو كغسل الجنابة.

стр. 143

(ومن الحسان) [٣٥٢] حديث جابر بن سمرة- ﵁ (٦٠/ب) قال رسول الله ﷺ (من توضأ يوم الجمعة فيها ونعمت) قيل الضمير في قوله فيها للسنة أي بالسنة أخذ ونعمت الخصلة هي. قلت: قد روى عن ذلك عن الأصمعي والسنة وإن صح استعمالها بمعنى الشريعة فإن تقديرها في هذا الموضع يوهم خلاف المراد منها وهو أن إصابة السنة في الاغتسال نفي للوضوء الذي فرض على العباد؛ لإقام الصلاة. وقد نقل عن بعض أهل العم أنه قال فيها ونعمت فبالرخصة أخذ، ونعمت السنة التي ترك، وفي هذا القول وإن استحسنه من شغله المعنى عن مراعاة حق اللفظ نظر؛ لأن الكلمتين وجدتا مستعملتين في كلام العرب قبل الإسلام كان القائل يقول: إن فعلت كذا فيها ونعمت مرتبة إحداهما على الأخرى فكأن المشار إليه بالكلمة الثانية هو المشار إليه بالكلمة الأولى، فصرف إحدى الكلمتين إلى غير ما

стр. 144

صرفت الأخرى على خلاف استعمالهم غير صحيح، لاسيما وقد عدمت الدلالة فتبقى الثانية معطلة ملغاة، وأولى من هذا أن يقال فبالشريعة تمسك ونعمت الخصلة التمسك بها، وأشبه التقديرات بنسف هذا الكلام أعنى قولهم إن فعلت كذا فيها أي فألا بتلك الفعلة ونعمت الفعلة هي ونحو ذلك، وأرى حقيقة المراد منهما في الحديث نفي السخطة والنكير عن صنيعه ذلك، فكأنه قال من توضأ لصلاة الجمعة فاقتصر عليه فبالشريعة تمسك أو أهلا بتلك الخصلة ونعمت الخصلة هي، ومن اغتسل لها فذلك أفضل (ونعمت) المختار فيها كسر النون وسكون العين والتاء، ومن الرواة من يرويها بفتح النون وكسر العين وذكرها الخطابي في جملة الألفاظ التي يرويها عوام الرواة ملحونة أو محرفة وقد روى أيضا بفتح التاء على ضمير المخاطب والمعنى: نعمك الله والصحيح هو الأول. ومن باب الحيض (من الصحاح) [٣٥٧] حديث عائشة- ﵂ (وكان يأمرني فأتزر ... الحديث) صوابه فأئتزر بهمزتين فإن إدغام الهمزة غير جائز ولما كانت أم المؤمنين- ﵂ من البلاغة بحيث لا يخفى على ذوي المعرفة بأساليب الكلام علمنا أنه خطأ وقع من بعض ٦١/أالرواة ولذا أورد الحافظ أبو موسى في كتابه فقال هو من تحريف الرواة. قلنا: وقد أمرها بالإئتزار اتقاء عن موضع الأذى وأرادت بالمباشرة ما هو مفهوم من ظاهر اللفظ وهو الإفضاء بالبشرتين دون الكناية التي هي الجمع والمعنى أنه كان يدخل معي في اللحاف فيمس بشرته بشرتي. [٣٥٨] ومنه قوله في حديثها الآخر (وأتعرق العرق) أي آخذ اللحم من العظم بأسناني والعرق بفتح العين وسكون الراء العظم الذي يأخذ عنه معظم اللحم وقد بقيت عليه بقية وجمعه عراق بالضم وهو جمع نادر، والعرق أيضا مصدر قولك عرقت العظم أعرقه بالضم عرقا ومعرقا: إذا أكلت ما عليه من اللحم وفي معناه تعرقت أتعرق. [٣٦٠] ومنه حديثها الآخر قال لي النبي ﷺ (ناوليني الخمرة ... الحديث) الخمرة سجادة من حصير أو

стр. 145

نسيجة خوص وهي مقدار ما يضع عليه الساجد حر وجهه وأصل الخمر ستر الشيء ومنه الخمار، لأنه يغطي الرأس وخمرت الإناء غطيته فسميت خمرة، لأنها تستر موضع السجود. وفيه (إن حيضتك ليست في يدك) الحاء منها مكسورة يريد حالة الحيض وممن صوب ذلك الخطابي وأكثر الرواة يفتحون الحاء في هذا الحديث وفي عدة أحاديث سنشير إليها في مواضعها وهي الاسم من الحيض ومن عوام الرواة من يفتحها في هذا الحديث وفي عدة أحاديث سنشير إليها في مواضعها وكل ذلك خطأ. (ومن الحسان) [٣٦٢] حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ (من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد). قلت: إن صح الحديث فإنه يؤول على أن المسلم إذا فعل ذلك مستبيحا أو مصدقا وإنما لم يفصله ليكون أبلغ في الوعيد. ومن باب المستحاضة (من الصحاح) [٣٦٥] قوله ﷺ في حديث فاطمة بنت أبي حبيش رواية عائشة- ﵂ (إني امرأة استحاض) هذه الكلمة ترد على بناء المفعول يقال استحيضت المرأة إذا استمر بها الدم بعد أيامها.

стр. 146

وفيه (إنما ذلك عرق) أي الذي تشتكينه عرق قد انفجر منه الدم لانشقاقه، وفي حديث أم حبيبة بنت جحش أن النبي ﷺ قال إنها ليست بالحيضة ولكنه عرق فتقه إبليس، قدم الاستحاضة ينفجر من العروق غير عرق الحيض وذلك من جملة الأمراض، وأما دم الحيض فإنه ينصب في مجاريه المعتادة إلى الرحم فيخرج من الرحم على وصف [٦١/ب] مخصوص في وقت مخصوص وإنما سمي ذلك الدم حيضا لاجتماعه في الرحم اجتماع الماء في الحوض يقال: استحوض الماء أي اجتمع. وفيه (فإذا أقبلت حيضتك) الحيضة بكسر الحاء على ما ذكرنا. وقد اختلف العلماء في تأويل ذا الحديث فمنهم من قال: إنها كانت تعرف أيامها فلهذا أمرها بترك الصلاة في أيام الحيضة، ومنم من قال لم تكن تعرف أيامها فلهذا أمرها أن تعتبر أيامها بلون الدم وذلك مذكور في حديث عروة الذي يتلو هذا الحديث فأصحاب المقالة الأولى يقولون إن الحديث الذي تمسكتم به مرسل وقد روى أيضا من طريق آخر متصلا عن عروة عن عائشة عن النبي ﷺ ولكن في إسناده اضطراب ولم يذكر الاعتبار بلون الدم إلا في حديث فاطمة بنت أبي حبيش وحديثها يروي من طريقين: أحدهما مرسل، والآخر مضطرب الإسناد والحديث الذي تمسكنا به أولى بالتقديم وأحق بالاتباع؛ لأنه حديث صحيح، وأصحاب المقالة الأخرى

стр. 147

يقولون حديث عروة لا يناقض الحديث الذي استدللتم به وإنما فيه زيادة بيان والزيادات إذا لم يلزم منها تناقض فإنها مقبولة. (ومن الحسان) [٣٦٩] حديث حمنة بنت جحش- ﵂ (كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة) استحيضت المرأة إذا سأل عنها الدم في غير أيام معلومة ومن غير عرق المحيض وحيضة بفتح الحاء وإنما قالت حيضة على المرة الواحدة ولم تقل حيضا لتميز تلك الحالة التي كانت عليها من سائر أحوال المحيض في الشدة والكثيرة والاستمرار وفيه (إني انعت لك الكرسف) والكرسف القطن ومنه كرسف الدواة والمعنى أصفه لك لتعالجين به مقطر الدم وإنما قال أنعت إشارة إلى حسن أثر الكرسف وصلاحه لذلك الشيء؛ لأن النعت أكثر ما يستعمل في وصف الشيء بما فيه من حسن، ولا يقال في المذموم إلا أن يتكلف متكلف فيقول نعت سوء. وفيه (إنما أثج تجا) الثج شدة سيلان الدم، ومطر ثجاج إذا انصب جدا والثج سيلان دماء الهدى ويقال أيضا ثججت الماء والدم إذا سكبته وعلى هذا فالمفعول محذوف أي أثج الدم ثجا ويحتمل أن يكون بمعنى السيلان وإنما اضافت السيلان إلى نفسها على معنى أن النفس جعلت كأنه كلها دم ثجاج وهذا أبلغ في المعنى وهو مثل قولهم فاضت عيني من الدمع. وفيه (إنما هي ركضة من ركضات الشيطان) أي تلك العلة دفعة وحركة من دفعات الشيطان وحركاته وإنما أضافها إلى الشيطان؛ لأن الشيطان وجد بذلك طريقا إلى التلبس عليها في أمر دينها وذلك مثل قوله ﷺ (الرعاف في الصلاة من الشيطان) ويحتمل أن يكون الضمير للحالة أي الحالة التي ابتليت بها من الخبط والتحير ركضة من ركضات الشيطان. وفيه (فتحيضى ستة أيام أو سبعة في علم الله) تحيضت المرأة أي قعدت أيام حيضها عن الصلاة، وقد

стр. 148

اختلف العلماء في تأويل قوله ستة أيام أو سبعة فمنهم من ذهب إلى أن (أو) للشك من بعض الرواة وإنما يكون النبي ﷺ قد ذكر أحد العددين اعتبارا بالغالب من حال نساء قومها، ويدل على ذلك قوله ﷺ (كما تحيض النساء وكما يطهون) ويحتمل أنها أخبرته بعادتها قبل أن يصيبها ما أصابها، ومنهم من قال إن ذلك من قول النبي ﷺ وقد خيرها بسين كل واحد من العددين؛ لأنه العرف الظاهر والأمر الغالب من أحوال النساء، وقد قيل إن أمرها بذلك على اعتبار حالها بحال من هي مثلها إن ستا فستا وإن سبعا فسبعا، وقيل أمرها ببناء الأمر على ما يتبين لها من أحد العددين على سبيل التحري والاجتهاد ويقول هذا القائل في علم الله أي فيما علم الله من أمرك من ستة أو سبعة، ومن قال (أو) للشك من بعض الرواة فإن له أن يقول في علم الله أي في علمه الذي بينه وشرعه لنا كما يقول في حكم الله وفي كتاب الله تعالى وقد روى هذا الحديث أيضا من غير هذا الوجه على غير هذا السياق ويقع الاختلاف في تأويله على حسب الاختلاف في ألفاظه ففي بعض طرقه لأهل الرواية مقال. قلت: ومن ذوات الاستحاضة في زمان النبي ﷺ سهلة بنت سهيل بن عمرو وفاطمة بن أبي حبيش وحمنة بن جحش وأم حبيبة بنت جحس. وأهل السير يزعمون أن المستحاضة منهما حمنة وأم حبيبة غلط والصحيح عند أهل الحديث أنما كانتا تستحاضان جميعا ولقد أردنا أن نبسط القول في بيان تلك الأحاديث وتقرير كل منا على الوجه الأوضح والتأويل الأقوم ثم إنا رأينا أنه يفضى بنا إلى ما يتعلق بشأن أحاديث كتاب المصابيح فاقتصرنا على المشار إليه مجملا وليعلم المتطلع إلى معرفة أحاديث هذا الباب أن اختلاف الأحكام فيها لاختلاف أحوالهن ٦٢/ب في تلك العلة وليعلم أن الاعتبار بلون الدم ولم يذكر في شيء منه إلا في حديث فاطمة وذكرنا في مرسل رواه الزهري عن عروة عن النبي ﷺ وهو الأقرب عند علماء الحديث.

стр. 149

ومن كتاب الصلاة (من الصحاح) [٣٧٤] حديث ابن مسعود- ﵁ (سألت رسول الله ﷺ أي الأعمال أحب إلى الله ... الحديث) قلت: ظاهر هذا الحديث غير مفتقر إلى التفسير على وضوحه وإنما يتفقر إلى التقرير لما يعترضه من الأحاديث الواردة في أفضل الأعمال وأحبها إلى الله ثم للاختلاف الذي يقع في الترتيب بين تفاصيلها ففي هذا الحديث (أي الأعمال أحب إلى الله قال الصلاة لوقتها) وفي حديث أبي ذر أنه قال لرسول الله ﷺ : (أي العمل خير قال إيمان بالله وجهاد في سبيل الله) وفي حديث أبي سعيد الخدري سئل رسول الله ﷺ : (أي الناس أفضل قال: رجل مجاهد في سبيل الله)، وفي حديث عائشة (قلت يا رسل الله ألا نخرج فنجاهد معك فإنا ترى الجهاد أفضل العمل فقال لكن أحسن العمل وأجمله الحج حج مبرور) وروى عنه ﷺ (أنه سئل ما أفضل الأعمال فقال جهاد لا غلول فيه وحجة مبرورة).

стр. 150

ووجه التوفيق بين هذه الأحاديث: أن نقول إن النبي ﷺ أجاب في كل منها بما علن أنه يوافق غرض السائل، أو أجاب بما كان ترغيبا للسائل فيما هو بصدده أو أجابه على حسب ما عرف من حاله توقيفا له على ما خفى عليه من باب الفضيلة أو إرشادا له إلى ما هو الأصلح له والأحرى به ففي حديث ابن مسعود علم أن السائل يسأل عن الأعمال البدنية المفروضة على الإنسان كالصلاة والزكاة والصوم والحج فقال الصلاة لوقتها. وفي حديث أبي ذر علم أنه يسأل عن كل ما يتقرب به إلى الله فذكر الإيمان الذي هو من أعمال القلوب المعبر عنه بالألسنة وذكر الجهاد بعد الإيمان دون سائر الأعمال المفروضة لأحد المعنيين إما لاكتفائه بذكر الإيمان عنها؛ لأنها من لواحق الإيمان وتوابعه المنصوصة عليها أو لأنه أراد أن يعرف السائل موقع الجهاد من الدين فجعله في الخيرية مقترنا بالإيمان؛ لأنه السبب الداعي إلى الإيمان والخلة المظهرة لكلمة الله العليا لاسيما في زمان النبي ﷺ فإنه كان من أجل القربات وأعظم المثوبات؛ لاشتماله على إظهار الدين ونصرة [٦٣/أ] الرسول ﷺ وهذا المعنى أقرب من الأول، وفي معناه حديث أبي سعيد الخدري. وفي حديث عائشة أجاب على ما وجده ملائما لحال السائل وجعل الجعل أحسن من الجهاد نظرا إلى ضعف منتهن عن القيام به وإشارة إلى أن الحج أليق بهن وقد قال ﷺ في حديث آخر: (إنما جهادكن الحج). وأما الحديث الآخر أنه ﷺ (سئل ما أفضل الأعمال فقال جهاد لا غلول فيه وحجة مبرورة) وأراه من رواية عبد الله بن حبشي ﵁ فإنه يطلق على أفضل ما كان الرجل بصدده من الأعمال وقد يقول القائل خير الأشياء كذا ولا يريد تفضيله في نفسه على جميع الأشياء ولكن يريد أنه خيرها في حال دون حال ولواحد دون آخر وذلك مثل قول في موضع يحمد فيه السكوت ولكن يريد أنه خيرها في حال دون حال لواحد دون آخر وذلك مثل قولك في موضع يحمد فيه السكوت لا شيء أفضل من السكوت وقولك حيث يحمد الكلام لا شيء أفضل من الكلام وقد تعاضدت النصوص وتعاونت على فضل الصلاة على الصدقة ثم إن تجددت حال تقتضى مواساة مضطر أو يفتقر معا إلى الماء لإصلاح ذات البين فيكون الصدقة حينئذ أفضل من الصلاة هذا وقد ورد في أحاديث أخر ما يدل على فضل الحج على الجهاد تارة وعلى فضل الجهاد على الحج تارة أخرى. ووجه التوفيق بينهما أن نقول الأمر في كل واحد من الحديثين مبنى على اختلاف أحوال العباد فمن أدركته فريضة الحج فالحج أفضل له؛ لأن ما هو فرض على الكفاية لا يقاوم ما هو فرض لعينه وإن لم يتعين عليه وكان من ذوي النجدة والبأس فالجهاد في حقه أفضل وإن كان ممن لا يسد مسدا ولا يغنى غناء بحيث لا يكون بالمسلمين حاجة إليه فالحج أفضل له وإذا استوت الحالان وكان في كل واحد من الأمرين متبرعا فلا شك أن الجهاد أفضل لعموم نفعه وشمول فائدته في صلاح العباد والبلاد وإلى مثل هذه الحالة أشار النبي ﷺ في حديث النضير بن حارث القرشي العبدري- ﵁ حيث قال: يا رسول الله أي الأعمال أحب إلى الله قال (الجهاد والنفقة في سبيل الله). قلت وكل ما لم يذكره من الأحاديث الواردة في أفضل الأعمال فالسبيل إلى استخراج معانيها على ما ذكرناه في تلك النظائر وقد أوضحت مبان هذا الحديث بابا معظما من علم المعاني لم تدبره من ذوي الفهم [٦٣/ب] والله الواهب المنان الملهم للصواب.

стр. 151

[٣٧٥] ومنه: حديث جابر- ﵁ عن النبي ﷺ (بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة) معنى هذا القول أن العبد إذا ترك الصلاة لم يبق بينه وبين الكفر فاصلة فعلية تؤنس منه؛ لأن إقامة الصلاة هي الخلة الفارقة بين الفيئين والحكم الحاجز بين الأمرين وإذا لم يكن بين المنزلتين منزلة أخرى والتهاون بحفظ حد الشرع كاد أن يفضى بصاحبه إلى حد الكفر عبر عنه بارتفاع البنيونة وقد علمنا بأصل الشرع أن المراد منه المقاربة والمداناة من الكفر لا الدخول فيه. (ومن الحسان) [٣٧٦] قوله ﷺ في حديث عبادة بن الصامت- ﵁ (كان له على الله عهد) العهد: حفظ الشيء ومراعاته حالا بعد حال ومنه سمي الموثق الذي يلزم العباد مراعاته عهدا وعهد الله ما أوصاهم بحفظه فلا يسعهم إضاعته ثم سمي ما كان من الله تعالى على طريق المجازاة لعباده عهدا على نهج الاتساع؛ لأنه وجد في مقابلة عهده على العباد ولأن الله تعالى وعد القائمين بحفظ عهده أن لا يعذبهم وهو بإنجاز وعده ضمين وبأن لا يخلفه حقيق فسمي وعده عهدا؛ لأنه أوثق من كل عهد. [٣٧٩] ومنه: حديث بريدة بن الحصيب الأسلمي- ﵁ عن النبي ﷺ : (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة ... الحديث) الضمير في قولهم (وبينهم) راجع إلى المنافقين وردت به الرواية ومعناه أن الصلاة هي الموجبة لحقن دمائهم ومراعاة ذمتهم فإذا تركوها برئت عنهم الذمة ودخلوا في حكم الكفار فنرى سفك دمائهم كما نرى سفك دماء من لا عهد له من الكفار ولا أمان أشار إلى أن المانع عن قتل المنافقين هي الصلاة، فإذا ارتفع المانع رجع الحكم إلى أصله كما أن المانع عن قتل المعاهدين هو العهد فإذا انقضى العهد الذي بيننا وبينهم أو أخل به النقض من قبلهم أبيحت لنا دماؤهم، وقيد هذا المعنى قوله ﷺ لما استؤذن في قتل المنافقين: (إلا إني نهيت عن قتل المصلين) والله أعلم.

стр. 152

ومن باب المواقيت (من الصحاح) [٣٨٠] قوله ﷺ في حديث عبد الله بن عمر- ﵁ (فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة فإنها تطلع بين قرني الشيطان) ذكر أصحاب المعاني وغيرهم من المبرزين في تفسير غريب الحديث في ذلك وجوها، أحدها: أن الشيطان يرصد وقت [٦٤/أ] طلوع الشمس فينتصب قائما في وجه الشمس ليكون طلوعها بين قرنيه وهما فوداه فيكون مستقبلا لمن يجد للشمس فينقلب سجود الكفار للشمس عبادة له فنهى النبي ﷺ أمته عن الصلاة في ذلك الوقت، ليكون صلاة من عبد الله في غير وقت عبادة من عبد الشيطان. وثانيها: أنه أراد بقرنيه حزبيه الأولين والآخرين، يقال هؤلاء قرن أي نشيء: وذلك لأنهم يبعثون في ذلك الوقت لإضلال البشر، ويؤيد هذا المعنى قوله ﷺ في حديث آخر (إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان). قلت: والقرن في هذا الحديث يحتمل أن يكون بمعنى الاقتران أي: يظهر الشيطان مع الشمس مقارنا لها. وثالثها: أنه من باب التمثيل شبه الشيطان فيما يسوله لعبدة الشمس ويدعوهم إليه من معاندة الحق، بذوات القرون التي تعالج الأشياء وتدفعها بقرونها، ويحتمل أنه أراد بالقرن القوة، من قولهم أنا مقرن له أي مطيق وإنما ذكره بلفظ التثنية تشبيها له بذوات القروت التي تعتد بقرونها اعتداد ذوي الشوكة بشوكتهم. ونرى المختار من هذه الوجوه الوجه الأول؛ لما روى في الحديث (أن الشيطان يقارنها إذا طلعت فإذا ارتفعت فارقها فإذا استوت قارنها فإذا زالت فارقها غربت قارنها)، ولقوله ﷺ في حديث عمرو بن عبسة- ﵁ (فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار). ومن الرواة من يروى بين قرني الشيطان بالألف واللام ومنهم من يرويه بغير ألف ولام وقد ورد بهما الرواية عن الصحابة في الأحاديث الصحاح. وفي صيغتي التعريف والتنكير تنبيه على أن الشيطان يباشر هذا الأمر بنفسه ويوليه كل شيطان مريد من أعوانه على حسب اختلاف المطالع في البلدان، والوقت المنهى عنه للصلاة يختلف على حسب ذلك الاختلاف.

стр. 153

[٣٨١] ومنه: قول بريدة- ﵁ في حديثه عن النبي ﷺ (فأبرد بالظهر فأنعم أن يبرد بها). الإبراد: انكسار وهج الحر. والمعنى أنه صلى الظهر حين انكسر الوهج. وقال بعض أهل اللغة في قوله ﷺ (أبردوا بالظهر) أي صلوها في أول وقتها، وبرد النهار أوله. ولم يصب في تأويله هذا لأن الإبراد في حديث بريدة وفي عدة أحاديث ذكر لبيان ما اختاره ﷺ من الوقت الآخر في أوآن الحر؛ ثم إن قوله ﷺ (فإن شدة الحر من فيح [٦٤/ب] جهنم) بعد قوله: (أبردوا بالظهر) على وجه التعليل: ينقض على هذا المؤول تأويله. وقوله (فأنعم) أي: زاد على الإبراد؛ وهذا أيضا يرد عليه ما توهمه؛ لان الزيادة على أول الوقت أمر غير مشروع، وقول غير مسموع، يقال: أحسنت إلى، وأنعمت أي: زدت على الإحسان. وقد وجدت قوله: (فأبردوا بالظهر) في نسخ المصابيح بغير حرف الجر، وإثبات حرف الجر هو الصواب رواية ومعنى. [٣٨٢] ومنه: قوله ﷺ في حديث ابن عباس ﵁: (وكان الفئ مثل الشراك). الفئ: هو الظل، ولا يقال إلا لراجع منه، وذلك بعد الزوال، قال حميد بن ثور: فلا الظل من برد الضحى تستطيعه .... ولا الفئ من برد العشي تذوق وقال ابن السكيت: (الظل: ما نسبخته الشمس، والفئ: ما نسخ الشمس)، وإنما سمي: فيئا؛ لرجوعه من جانب إلى جانب، ثم إن الظل الباقي بعد الزوال يتفاوت في البلدان تارة على حسب الطول والعرض،

стр. 154

وأخرى على مقدار قصر النهار وطوله، وقد تبين لنا من متن الحديث: أن ذلك كان بمكة، وتبين لنا من فحواه: أنه كان في الأيام التي تتقارب عن أطول يوم من السنة؛ لأن كون فئ الشخص بعد الزوال على مقدار الشراك: يدل على اضمحلال الظلال قبل الزوال. ولقد رأيت الكعبة في بعض تلك الأيام حين قام قائم الظهيرة، والظل قد تقلص من جوانبها حتى لا يرى لها ظل؛ فبين رسول الله ﷺ أول وقت الظهر على ما قدر له يوم أمه جبرئيل- ﵇ بمكة في النهار الذي ينتعل فيه الشخص ظله، فإذا زالت الشمس، وأخذ الظل في الازدياد، كان ظل الشخص على الأرض كهيئة الشراك، وهذا على وجه التقريب على وجه التحديد. والمراد منه: أن أول وقت الظهر حين يأخذ الظل في الزيادة بعد الزوال. ومن باب تعجيل الصلاة (من الصحاح) [٣٨٣] حديث أبي برزة الأسلمي- ﵁: (كان رسول الله ﷺ يصلي الهجير التي تدعونها الأولى ..) الحديث. الهجير والهاجر وهي نصف النهار عند اشتداد الحر، وإنما قال: (الهجير التي) بلفظ التأنيث؛ لأن المراد منه: الهاجرة، أو حذف منه الصلاة، وتقديره: صلاة الهجير. وفيه (تدحض الشمس) أي: تزول؛ يقال: دحضت الشمس عن كبد السماء: إذا زالت. وفيه: (والشمس حية)، يتأول ذلك على وجهين: أحدهما: أنه أراد بحياتها: شدة وهجها، وبقاء حرها. والآخر: أنه أراد به صفاء لونها عن التغير والاصفرار؛ وهذا أقرب التأويلين. [٣٨٤] ومنه: حيث جابر ﵁ [٦٥/أ] في حديثه: (والمغرب إذا وجبت)

стр. 155

ومعناه: إذا سقطت في المغيب، والوجوب: السقوط؛ قال الله تعالى: ﴿فإذا وجبت جنوبها﴾. [٣٨٦] ومنه: حديث أبي هريرة- ﵁ عن رسول الله ﷺ : (واشتكت النار إلى ربها ... الحديث)، ذكر في أول الحديث: (إن شدة الحر من فيح جهنم)، أي: من سطوع حرها، وكانت هذه الصيغة محتملة للمجاز على معنى أنها تعد من جملتها، لا بينهما من مشاكلة ما؛ فبين بالبيان الذي ذكره: أن المراد منه الحقيقة لا غير، ثم نبه على أن أحد النفسين: يتولد منه (أشد ما تجدون من الحر)، والآخر: يتولد منه (أشد ما تجدون من الزمهرير). وأشار بقوله (أشد) إلى أن هذين النفسين ليسا- على الإطلاق- بموجبين للحر والبرد في فصلي الشتاء والصيف؛ فإن الله سبحانه جعل ذلك مربوطا بالآثار العلوية على السنة التي أجرى عليه أمر العالم، بل ينشأ من أحد النفسين أشد ما تجدون من الحر في أوان الحر، وينشأ من الآخر أشد ما تجدون من الزمهرير في أوان البرد. وهذه من مقتضيات حكمة الله البالغة؛ حيث أظهر آثار فيح جهنم في زمان الحر، وآثار الزمهرير في زمان البرد، ولم يجعلهما على العكس؛ فيتولد منهما وخامة في الأهوية، وفساد في الأمزجة، ثم إن المنفعة العظمى، والمصلحة الكبرى في ذلك: أن المكلف إذا صدق النبي ﷺ في هذا الخبر من غير أن يشاهد أثرا

стр. 156

من فيح جهنم في أوان البرد، أو يجد أثرا من الزمهرير في أوان الحر، كان تصديقه ذلك أقوى وأكمل في باب الإيمان بالغيب، لخلوه عن الشواهد الحسية. [٣٩٠] ومنه: حديث بريدة ﵁، عن النبي ﷺ : (من ترك صلاة العصر، حبط عمله). حبط حبطا وحبوطا، أي: بطل ثوابه، وليس ذلك من إحباط العمل الذي عمله قبل ذلك في شيء؛ لأن ذلك غير جائز في حق المسلم بما قد تبين لنا من أصول الشرع، وليس هذا الموضع موضع إيراده، ثم لا حاجة بنا إليه؛ لاشتهار تلك الأدلة بين الفئة المنصورة من أهل السنة، وإنما نحمل الحبوط في هذا الحديث على نقصان عمل يومه ذلك بترك العصر التي هي الصلاة الوسطى، وخاتمة فرائض النهار؛ فإنه لو أقام تلك الفريضة، رفع عمل نهاره ذلك مكملا؛ فأثيب عليه ثوابا موفرا، فلما ترك صلاة العصر، نقص ثواب عمله عما كان عمل النهار لو أتمه، ونظائر هذا القول في طرق المجاز كثيرة. ويحتمل- والله أعلم- وجها آخر، وذلك أن نقول: أهل الإيمان يتفاوتون في درجات الثواب؛ فمنهم من إذا عمل حسنة، جوزى عليها عشرا [٦٥/ب]؛ وذلك أدناهم، ومنهم من يرتفع عن هذه المرتبة إلى الضعف، وإلى الأضعاف، وإلى أضعاف كثيرة لا يعلم عددها إلا الله؛ فالذي ترك صلاة العصر إذا عمل حسنة بعد ذلك، لا يثاب عليها إثابة من يقوم بها إذ عمل مثل تلك الحسنة، بل يتأخر عنه في مراتب الثواب حيث لا يلحق شأوه؛ فلذلك هو المراد عن حبوط العمل في هذا الحديث، والله أعلم. [٣٩٣] ومنه: قول عائشة ﵂، (متلفعات بمروطهن). يقال: تلفعت المرأة بمرطها: إذا تلحفت به. وفيه: (من شدة الغلس). الغلس: ظلمة آخر اليل؛ قال الأخطل: كذبتك عينك أم رأيت بواسط .... غلس الظلام من الرباب خيالا ثم إنه يستعمل على الاتساع فيما بقى منه بعد الصباح.

стр. 157

[٣٩٤] ومنه: حديث أنس- ﵁ (أن نبي الله ﷺ وزيد بن ثابت تسحرا، فلما فرغا من سحورهما، قام نبي الله ﷺ إلى الصلاة فصلى ...) قلت: هذا تقدير لا يوغ لعموم المسلمين الأخذ به في أمر الصوم والصلاة، وإنما أخذ به رسول الله ﷺ ، لإطلاع الله إياه، وقد كان ﷺ معصوما عن الخطأ في أمر الدين، فأما غيره: فليس له ذلك؛ لما في معرفة آخر الليل وأول النهار- بحيث تقع الفاصلة بينهما بزمان يقرأ الرجل فيه بخمسين آية- من الغموض؛ اللهم إلا أن يستبين ذلك لمن كان راسخا في علم النجوم، ومعرفة المواقيت، وذلك من النادر الذي لا عبرة به. وفيه: (فلما فرغا من سحورهما): المحفوظ عند رواة الحديث بفتح السين، ولو ضم منه لجاز في اللغة؛ وقد ذكرنا اختلاف أهل العربية في الفرق بين المصدر والاسم في أول (كتاب الطهارة) في لفظ (الطهور)، ولا خلاف أن (السحور) بفتح السين: هو الاسم لما يتسحر به، وبالضم: هو المصدر، وفي هذا الحديث، كلا الصيغتين جائز من حيث المعنى، ولكن الرواية على ما ذكرناه. [٣٩٥] ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي ذر- ﵁: (فإن أدركتها معهم، فصله): هذه الهاء لا تزال ساكنة؛ لأنها للوقف، لا للكناية، ولا أحققها في هذا الحديث، إلا أنى وجدتها في نسخ (المصابيح) كذلك، ولم أجدها في كتابي (البخاري) و (مسلم)، واتباع الكتابين هو الصواب.

стр. 158

[٣٩٩] ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي قتادة- ﵁ (فإن الله تعالى قال: ﴿وأقم الصلاة لذكرى﴾. هذه الآية- وإن كانت محتملة لوجوه كثيرة من التأويل [٦٦/أ]؛ فإن العدول عن سائرها إلى الوجه الذي يطابق معنى الحديث لازم؛ لأنه حديث صحيح، وقد روى- أيضا- في (الصحيحين)، عن أنس وأبي هريرة ﵄، وفيه: (فليصلها إذا ذكرها)؛ فإن الله يقول: ﴿وأقم الصلاة لذكرى﴾. وعلى ذوي الأقاويل- في التفسير والتأويل- أن ينتهوا إلى المعنى الذي أشار إليه صاحب التنزيل ﷺ ، فنقول، وبالله التوفيق: معنى قوله تعالى ﴿وأقم الصلاة لذكرى﴾ أي: لذكر الصلاة؛ لأنه إذا ذكر الصلاة، فقد ذكر الله، أو يكون المضاف قد حذف منه، والتقدير: لذكر صلاتي، وأضاف الذكر إلى نفسه إضافة تعظيم وخصوصية وإن كان الذكر والنسيان- في الحقيقة- من الله تعالى. ومما يؤيد هذه الوجوه: قراءة من قرأ: ﴿أقم الصلاة للذكرى﴾، وقد ذكر مسلم في (كتابه): أن ابن شهاب كان يقرؤها: ﴿للذكرى﴾. قلت: وهو الراوي لهذا الحديث في (كتاب مسلم)، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . وقد ذكر أبو عبد الرحمن النسائي في كتابه: أن ابن شهاب الزهري روى عن سعيد بن المسيب: ﴿وأقم الصلاة لذكرى﴾، فقيل له: أكان سعيد بن المسيب يقرؤها كذلك؟ قال: نعم. وهذه الوجوه كلها راجعة إلى معنى واحد، وهو أن المراد منه: أقم الصلاة لذكرها؛ ليطابق قوله ﷺ : (فليصلها إذا ذكرها) أي: إذا ذكر الصلاة، واللام في قوله: ﴿لذكرى﴾ أي: لأوقات ذكرى، ومثله قوله ﷺ في حديث أبي ذر- ﵁: (صل الصلاة لوقتها)؛ وذلك مثل قول القائل: جئتك لعشر مضين من شعبان. (ومن الحسان) [٤٠٠] قوله ﷺ في حديث علي- ﵁: (الصلاة إذا أتت ....).

стр. 159

وجدت في أكثر النسخ المقروءة على المشهورين من أهل العلم: (الصلاة إذا أتت) بتاءين من الإتيان، وقد رواه كثير من المحدثين كذلك، وهو تصحيف، وإنما المحفوظ من ذوي الإتقان في الرواية: (إذا آنت) على وزن (حانت)، وفي معناه تقول: أنى يأنى إنى، أي: حان. وفيه: (والأيم إذا وجدت لها كفؤا): يقال: امرأة أيم: إذا لم يكن لها زوج، بكرا كانت أو ثيبا، وقد آمت المرأة من زوجها تئيم أيمة وأيما وأيوما، ورجل أيم أيضا، سواء كان تزوج من قبل أو لم يتزوج. [٤٠٦] ومنه: حديث معاذ بن جبل- ﵁ عن النبي ﷺ : (أعتموا بهذه الصلاة ... الحديث). أعتم الرجل؛ من العتمة؛ كما يقال [٦٦/ب]: أصبح؛ من الصبح، قال الخليل: العتمة من الليل بعد غيبوبة الشفق، أي: صلوها وأنتم داخلون في العتمة. والمعنى الذي يقتضيه لفظ الحديث: أدخلوها في العتمة، ويحتمل أن يكون الإعتام- في هذا الحديث- على معنى التأخير من العتم الذي هو الإبطاء؛ يقال: جاءنا ضيف عاتم، وقرى عاتم، أي: بطئ ممس، وأعتم الرجل قرى الضيف: إذا أبطأ به. وفيه: (ولم تصلها امة قبلكم). إن قيل: (إذا صح حديثان من باب الأخبار، فلا سبيل إلى رد أحدهما بالآخر، لعدم قابلية النسخ؛

стр. 160

فكيف التوفيق بين قوله: (لم تصلها امة قبلكم)، وبين قول جبرئيل- ﵇: (يا محمد، هذا وقتك ووقت الأنبياء قبلك)؟). قلت: الوجه فيه: أن قوله يحتمل أن الأنبياء كانوا يصلونها، ثم إنها لم تفرض على أمة من الأمم، إلا على هذه الأمة؛ فلا اختلاف بينهما إذن. ويحتمل أنه أراد: لم تصلها أمة قبلكم على النمط الذي تصلونها؛ من التأخير، وانتظار وقت الفضيلة، والاجتماع لها في وقت ارتكام الظلام؛ وغلبة المنان على الأنام؛ والله أعلم. [٤٠٧] ومنه: حديث رافع بن خديج- ﵁، عن النبي ﷺ : (أسفروا بالفجر). أي: صلوا صلاة الفجر مسفرين. ويقال: طولوها إلى الإسفار؛ وهذا التأويل اختيار أبي جعفر الطحاوي وهو أقوى التأولين؛ لأنه يوفق بين الأحاديث التي وردت في التغليس والإسفار. ومن الفصل الذي يليه (من الصحاح) [٤٠٩] حديث أبي موسى- ﵁، عن النبي ﷺ (من صلى البردين، دخل الجنة). البردان: العصران، وذلك الأبردان، وهما الغداة والعشى، وأراد به المحافظة على صلاتي الصبح والعصر؛ لما في حديث فضالة بن عبيد- ﵁: (حافظ على العصرين) قال وما كانت لغتنا، فقلت: وما العصران؟ قال: صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها. ومن المفهوم الواضح أن النبي ﷺ لم يخصص هاتين الصلاتنين بالمحافظة؛ تسهيلا للأمر في إضاعة

стр. 161

غيرهما من الصلوات، أو ترخيصا لتأخيرها عن أوقاتها، وإنما أمر بأدائهما في الوقت المختار، والمحافظة عليهما في جماعة؛ لما فيهما من الفضل والزيادة في الأجر؛ فإن صلاة الفجر تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار؛ قال الله تعالى: ﴿إن قرآن الفجر كان مشهودا﴾، وصلاة العصر: هي الصلاة الوسطى؛ نص عليها الرسول ﷺ في الحديث الصحيح، ويجتمع فيها- أيضا- ملائكة الليل وملائكة النهار. ثم إن إحداهما تقام في وقت تثاقل النفوس؛ لتراكم الغفلة، واستيلاء النوم، والأخرى تقام عند قيام الأسواق في البلدان، واشتغال الناس بالمعاملات؛ فنبه المكلفين على هذه المعاني بزيادة تأكيد؛ وقال ﷺ : (من صلى البردين، دخل الجنة). وهذا الذي ذكرناه من طريق المفهوم في تفسير هذا الحديث- معظمه مذكور في حديث فضالة؛ فإنه لما قال له: النبي ﷺ : (حافظ على الصلوات)، قال: إن هذه ساعات لي فيها أشغال؛ فمرني بأمر جامع إذا أنا فعلته، جزي عني؟ فقال: (حافظ على العصرين)، وقد علم ﷺ أنه إذا حافظ عليهما- مع ما في وقتهما من الشواغل [٦٧/أ] والقواطع- لم يكن ليضيع غيرهما من الصلوات، والأمر في إقامة ذلك أيسر. [٤١١] ومنه: قوله ﷺ في حديث جندب بن عبد الله البجلي ﵁: (فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء). أي: لا تتعرضوا لمن صلى الصبح، ولا تعاملوه بمكروه؛ فإنه في ذمة الله، فمتى فعلتم ذلك، تعرضتم لمطالبة الله إياكم بنقض عهده، وإخفار ذمته. ويحتمل وجها آخر، وهو: أن يراد بـ (الذمة): نفس الصلاة من حيث إنا الموجبة للذمة، أي: لا تضيعوا صلاة الصبح، ولا تتهاونوا بشيء منها؛ فيطلبنكم الله به. وفي سائر النسخ: وجدنا بعد هذا الحديث: (رواه جندب القشيري)؛ وهو غلط؛ والراوي هو جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي العقلي، وعلقة: بطن من بجيلة؛ كذاك نسبه أصحاب الحديث في كتب المعارف. قلت: في بجيلة بطن يسمى قسرا، وهم رهط خالد بن عبد الله القسري: فيحتمل أنه نسب إليها؛ فيصحف بـ (القشيري) غير أني لم أجد في شيء من كتب أصحاب الحديث؛ أنه ينسب إلى قسر. [٤١٢] ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: (إلا أن يستهموا ...).

стр. 162

أي: يقترعوا؛ يقال: ساهمته، أي: قارعته، فسهمته أسهمه- بالفتح- وأسهم بينهم، أي: أقرع، وتساهموا، أي: تقارعوا. وفيه: (ولو تعلمون ما في التهجير). التهجير: السير في الهاجرة إلى صلاة الظهر للجماعة، وإلى صلاة الجمعة، وقد فسره الأكثرون بـ (التبكير): فمنهم من قال: إلى الجمعة، ومنهم من قال: إلى كل صلاة. ومما يدل على أن المراد منه: التبكير إلى الجمعة: قوله ﷺ : (ومثل المهجر كالذي يهدى بدنة). ثم إن التهجير على معنى: السير في المهاجرة- غير مستقيم في هذا الحديث؛ لأن الهاجرة: نصف النهار عند اشتداد الحر، وهذا الوقت إنما يكون بعد الزوال، وليس بوقت فضيلة في التبكير إلى الجمعة. وفيه: (ولو حبوا). يقال: حبا الصبي على استه: إذا زحف [٤١٥] ومنه: حديث عبد الله بن عمر ﵄، عن النبي ﷺ : (لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء ... الحديث). كانت الأعراب يحلبون الإبل بعد غيبوبة الشفق حين يمد الظلام رواقه، ويسمى ذلك الوقت: العتمة،

стр. 163

وكان ذلك مستفيضا في اللغة العربية، فلما جاء الإسلام، وتمهدت قواعده، وأكثر المسلمون أن يقولوا: (صلاة العتمة) بدل (صلاة العشاء)؛ قال ﷺ : (لا يغلبنكم الأعراب ... الحديث) أي: لا تطلقوا [٦٧/ب] هذه التسمية على ميقات صلاتكم؛ فتجرى به ألسنتكم؛ فيغلب مصطلحهم في ميقات حلاب الإبل على الاسم الذي جئتم به من الله. وقوله: (فإنها في كتاب الله تعالى) أي: في القرآن؛ وذلك قوله سبحانه في سورة النور: ﴿ومن بعد صلاة العشاء﴾. وإن قدرنا أن هذا القول ربما كان قبل نزول الآية، فمعنى قوله: (في كتاب الله) أي: في حكمه الذي أوحاه إلى. فإن قيل: (ما وجه التوفيق بين هذا الحديث والحديث الذي يرويه أبو هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (ولو يعلمون ما في العتمة والصبح، لأتوهما ولا حبوا)، والحديثان صحيحان، وليس لأحد أن يرد أحدهما بالآخر)؟ قلنا: قد ذكر بعض العلماء- من أصحاب المعاني- في ذلك قولا، يرجع حاصله إلى أن أبا هريرة سمع هذا الحديث قبل نزول الآية التي في سورة النور، وهي قوله سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم﴾ الآية، وكان الأصل الذي تعرفه في اسم هذه الصلاة: العتمة؛ حتى نزلت الآية، فلما نزلت، قال ﷺ قوله الذي رواه ابن عمر. وهذا وجه مرضي، لولا أن القضية تحكم بخلاف ذلك، وهي أن العتمة لم توجد في شيء من الحديث، إلا فيما رواه أبو هريرة، وفي غير ما رواه سميت: صلاة العشاء، لاسيما في أحاديث بيان المواقيت، وهي الحجة على هذا القائل بما ذكرناه؛ لتقدمها؛ وذل لأن النبي ﷺ لم يكن ليأمرهم بالصلاة من غير أن يبين لهم ميقاتها، ثم إن أبا هريرة أسلم عام خيبر، وهي السنة السابعة من الهجرة، والآية نزلت عام المريسيع بعد حديث الإفك، وهي في السنة الخامسة أو السادسة من الهجرة على اختلاف فيه من أصحاب السير. فالوجه فيه: ألا نعلل الحديث بنزول الآية من غير تحقيق، سيما وقد ظهر لنا خلاف ذلك. نقول: يحتمل أنه ﷺ لما وجد لفظ (العتمة) قد تداولته ألسنة الناس حتى كثر استعمالهم لها في (صلاة العشاء) - كره أن يغلب الوضع الجاهل على الوضع الشرعي؛ فنهاهم عن ذلك؛ وكان قبل ذل لا يرى به بأسا؛ فرواه أبو هريرة؛ على ما سمعه قبل النهي.

стр. 164

ويحتمل: أنه نهى عن المفاوضة بهذا الاسم في أغلب الأحوال حتى يغلبوا على اسم صلاتهم؛ ولهذا قال: (لا يغلبنكم الأعراب ... الحديث)، وكانوا في سعة مما يقع عنهم في الندرة. ويحتمل: أن أبا هريرة سمعه بلفظ (العشاء)، ولم يبلغه النهي الذي رواه ابن عمر؛ فلم يراع اللفظ، وروى [٦٨/أ] الحديث بالمعنى، وما أكثر ما يوجد من هذا النمط في أحاديث الرسول ﷺ . ومن باب الأذان (من الحسان) [٤٢٥] قوله ﷺ لبلال ﵁: لا تثوبن في شيء من الصلوات، إلا في أذان الفجر).

стр. 165

التثويب: قول المؤذن في أذان الفجر- بعد قوله: (حي على الفلاح) - (الصلاة خير من النوم)؛ وإنما سمي تثويبا؛ أنه رجوع إلى الأمر بالمبادرة إلى الصلاة، والراجع هو ثائب؛ يقال: ثاب الرجل: إذا رجع بعد ذهابه، والمؤذن إذا قال: (الصلاة خير من النوم)، بعد قوله: (حي على الصلاة)، حي على الفلاح) فقد رجع إلى كلام يثول إلى الأمر بالمبادرة إلى الصلاة. ويحتمل: أن سمي تثويبا؛ لأنه وضع موضع المبالغة في الدعاء. والتثويب- في كلامهم- ورد بهذا المعنى، والأصل في المستصرخ كان إذا بالغ في الدعاء للكشف فيما نابه- لوح بثوبه؛ ليراه من لم يكد أن يبلغه صوته؛ فيغيثه؛ فاستعمل ذلك في الدعاء إلى الصلاة؛ لأنها الأمر العظيم، والمبالغة في الدعاء إليها هي الأمر المندوب إليه؛ يقال: ثوب فلان بالصلاة: إذا دعا إليها، ولهذا أطلق التثويب على الإقامة. ومن باب فضل الأذان، وإجابة المؤذن (من الصحاح) [٤٢٨] حديث معاوية- ﵁ عن النبي ﷺ : (المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة): يحتمل: أنه ﷺ وصفهم بطول الأعناق؛ لما يمتد إليه أعناقهم من ثواب الله، أو: لأنهم يشرئبون يومئذ تحقيقا لطعمهم في دخول الجنة. وقال ابن الأعرابي: معناه: أكثر الناس أعمالا. يقال: (لفلان عنق من الخير) أي: قطعة. وقد قيل: إن طول الأعناق في هذا الحديث عبارة [٦٨/ب] عن حلو الدرجة، وحسن السابقة، والتقدم في المنزلة؛ فإن العرب تصف السادة والرؤساء بطول الأعناق حتى قال قائلهم:

стр. 166

يشبهون سيوفا في صمامهم .... وطول أنصبة الأعناق في الأمم وتصف من ألم به الهوان والذلة، ووقع في مهواة الحيرة: والانمطاع والإقناع وخضوع الأعناق؛ قال الله تعالى: ﴿فظلت أعناقهم لها خاضعين﴾. وهذا وجه حسن؛ وكذلك الوجه الذي قدمناه؛ لما فيهما من مراعاة حق العباة والمطابقة بين حال المؤذنين وبين ما وصفوا به؛ وذلك أنهم يمدون أعناقهم إذا رفعوا أصواتهم بالأذان؛ فيجازون في القيامة بما يناسب حالهم في العبادة. ومن الناس: من يقول: (إعناقا) مكسورة الهمزة على المصدر، أي: إسراعا إلى الجنة؛ وهو قول غير معتد به رواية ومعنى. [٤٢٩] ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي هريرة: (حتى إذا ثوب بالصلاة، أدبر). يعني: الإقامة؛ لأنه ذكر التأذين قبله، فعلمنا من هذين الحديثين- أعني حديث بلال، وحديث أبي هريرة- أن التثويب المنهى عنه- فيما عدا صلاة الفجر- هو ما يزيده المؤذن في أذانه من قول يرجع إلى معنى المبالغة في الدعاء، والتثويب الذي بمعنى الإقامة: خارج من جملته. فأما النداء بالصلاة الذي يعتاده الناس بعد الأذان على أبواب المساجد- فغنه بدعة يدخل في القسم المنهى عنه، وقد نقل عن ابن عمر ﵄؛ أنه دخل مسجدا في بعض مغازيه، فسمع مناديا ينادى: (الصلاة الصلاة!)، في غير أذان ولا إقامة؛ فخرج ولم يصل فيه، وقال: هذه بدعة! [٤٣٠] ومنه: حديث أبي سعيد الخدري، ﵁، عن النبي ﷺ : (لا يسمع مدى صوت المؤذن ... الحديث).

стр. 167

مدى صوت المؤذن، أي: غاية صوته، وإنما ورد البيان على الغاية من حصول الكناية، بقوله: (لا يسمع صوت المؤذن)؛ تنبيها على أن آخر من ينتهى إليه صوت المؤذن يشهد له؛ كما يشهد الأولون، وفيه حث على استفراغ الجهد في رفع الصوت بالأذان. والمراد من شهادة الشاهدين له- وكفي بالله شهيدا!: اشتهاره يوم القيامة فيما بينهم بالفضل وعلو الدرجة، ثم إن الله سبحانه، كما يهين قوما بشهادة الشاهدين عليهم؛ تحقيقا لفضوحهم على رءوس الأشهاد، وتسويدا لوجوهم، فكذلك يكرم قوما بشهادة الشاهدين؛ تكميلا لسرورهم، وتطييبا لقلوبهم، وبكثرة الشهود تزداد قرة عيونهم؛ فأخبر أن المؤذنين كلما كانت أصواتهم أجهر، كانت شهودهم أكثر. [٤٣٣] ومنه: حديث جابر- ﵁ عن النبي ﷺ : (من قال حين يسمع المؤذن: (اللهم، رب هذه الدعوة التامة). قيل: إنما وصف (الدعوة) بـ (التمام)؛ لأنها ذكر الله- يدعى بها إلى عبادته، وهذه الأشياء وما والاها: هي التي تستحق صفة الكمال والتمام، وما سوى ذلك من أمور الدنيا يعرض النقص والفساد.

стр. 168

ويحتمل: أنها وصفت بـ (التمام)؛ لكونها محمية عن النسخ والإبدال، باقية إلى يوم التناد، ومعنى قوله ﷺ (والصلاة القائمة) أي: الدائمة التي لا تغيرها ملة، ولا تنسخها شريعة. وفيه: (آت محمدا الوسيلة). الوسيلة: ما يتقرب به [٦٩/أ] إلى الغير؛ يقال: وسل فلان إلى ربه وسيلة، وتوصل إليه بوسيلة: إذا تقرب إليه بعمل، والمراد بها في الحديث: منزلة في الجنة مفسرة بقوله ﷺ : (ثم سلموا الله لي الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجنة). وإنما سميت (وسيلة)؛ لأن خصيصى القربة أفضت به إلى تلك المنزلة، ولما كان النبي ﷺ في مقام القربة وحال التوسل إلى الله؛ بحيث لا يناهضه أحد خص في الجنة بمنزلة لا يناصبه فيها أحد. [٤٣٦] ومنه: حديث عبد الله بن مغفل، ﵁، عن النبي ﷺ : (بين كل أذانين صلاة ... الحديث). أراد بـ (الأذانين): الأذان والإقامة، والعرب قد تحمل أحد الاسمين على الآخر؛ فتجمع بينهما في التسمية؛ طلبا للتخفيف؛ كقولهم: (سنة العمرين)، وكقولهم: (العصران): للغداة والعشى. و (الأسودان): للماء والتمر، والحية والعقرب. وقد ذهب بعض من يرى كراهة الضلاة بين أذان المغرب وإقامتها: إلى أن المراد منهما: الأذان الحقيقي، ويقضى على هذا التأويل: قوله ﷺ : (لمن شاء)، وهذا يدل على أن الأمر إليه: إن شاء صلى، وإن شاء لم يصل، ولو صرف إلى الأذان الحقيقي، لم يجز أن يكون المأمور بها مخيرا فيها. ولو قال هذا القائل: أنه يحمل على السنن، لم يصح- أيضا؛ لأن الصحابي الذي يرويه يقول: (كراهية أن يتخذها الناس سنة). فصح أن المراد منهما: الأذان والإقامة. وإنما ذهب أبو حنيفة- رحمة الله عليه- إلى كراهة النافلة قبل صلاة المغرب؛ لحديث بريدة الأسلمي ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: (إن عند كل أذان ركعتين ما خلا صلاة المغرب)، وقد روى عن النخعي أنه قال: ركعتان قبل المغرب بدعة؛ وقال: إن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر لم يصلوها. قلت: وقد نقل خلاف ذلك عن عبد الرحمن بن عوف، وأبي، وأنس، وغيرهم من الصحابة، رضي الله عنهم

стр. 169

قال الطحاوي: يحمل الأمر فيه على أنهم لم يعلموا بالنسخ الذي علمه بريدة، وقد سقط نسخ التطبيق في الصلاة عن ابن مسعود، وسقط عن علي وابن عمر إباحة لحوم الأضاحي بعد ثلاث، مع جلالة أقدارهم في العلم، ﵃؛ فكذلك سقط عن المذكورين نسخ الركعتين قبل المغرب. (ومن الحسان) [٤٣٧] حديث أبي هريرة، ﵁، عن النبي ﷺ : (الأئمة ضمناء ... الحديث). معناه: أن الأئمة متكلفون بمصالح دينكم في أمر الصلاة، فيتحملون عنكم القراءة، ويتحملون عنكم القيام إذا أدركتموهم راكعين، ثم إنهم يحفظون عليم أعداد الركعات، ويتولون السفارة بينكم وبين ربكم عند الدعاء. ومعنى الضمان- في هذا الحديث- راجع إلى معنى الحفظ والرعاية، وليس من الغرامة في شيء [٦٩/ب]. وفيه: (والمؤذنون أمناء). أي: على الأوقات؛ فيعمل الناس على أذانهم في صلاتهم وصومهم وفطرهم وغير ذلك. (فأرشد الله الأئمة)، أي: آتاهم رشدهم؛ فجعلهم راشدين فيما تكلفوا به وتولوا رعايته من أمر الدين وتدار المؤذنين بمغفرته؛ جزاء على ما تحملوه من الأمانة. [٤٣٩] ومنه: حديث عقبة بن عامر ﵁، عن النبي ﷺ : يعجب ربك ... الحديث).

стр. 170

أي: يعظم ذلك عنده؛ فإن من شأن المتعجب عن الشيء أن يعظم عنده ذلك الشيء. وقيل: يرضى بك. وفيه: (في رأس شظية من الجبل). قال الأزهري: الشظية والشنظية: فنديرة من فنادير الجبل، والفندير والفنديرة: هي الصخرة العظيمة تندر من رأس الجبل. [٤٤١] ومنه: حديث أبي هريرة، ﵁، عن النبي ﷺ : (يغفر للمؤذن مدى صوته). مدى الشيء: غايته، والمعنى: أنه يستكمل مغفرة الله إذا استوفى وسعه في رفع الصوت؛ فبلغ الغاية من المغفرة إذا بلغ الغاية من الصوت. على هذا الوجه فسره أبو سليمان الخطابي، قال: وفيه وجه آخر، وهو أنه كلام تمثيل وتشبيه، يريد أن المكان الذي ينتهى إليه الصوت لو يقدر أن يكون ما بين وبين مقامه الذي هو فيه ذنوبا تملأ تلك المسافة- لغفرها الله. [٤٤٢] ومنه: قوله ﷺ في حديث عثمان بن أبي العاص، ﵁: (واقتد بأضعفهم). المراد من الاقتداء- في هذا الحديث- متابعة الإمام أضعف المقتدين به في تخفيف الصلاة على ما يحتمله: متنه، وتقتضيه حاله التي هو عليها، وإنما ذكره بلفظ (الاقتداء)؛ تأكيدا للأمر المحثوث عليه؛ لأن من شأن المقتدى أن يتابع المقتدى به، ويجتنب خلافه.

стр. 171

[٤٤٦] ومنه: قوله ﷺ في حديث سهل بن سعد- ﵁: (حين يلحم بعضهم بعضا): ذكر بعض الحفاظ في مصنفه تفسير ذلك فقال: أي تشتبك الحرب فيلزم بعضها بعضا. يقال: ألحمه القتال ولحمه، أي: لزبه وغشيه؛ وكذا إذا نشب فيه فلم يبرح.

стр. 172

قلت: ولم يرد (ألحم ولحم) بمعنى: لزم، ولو كان بمعنى اللصوق والالتزاز، لكان من حقه أن يقول (يلحم بعضهم ببعض)، ولو قال في تفسيره: (أي: يقتل بعضهم بعضا) - لكان أشبه بسياق اللفظ. فإن قيل: (إنما يستعمل اللحم بمعنى: القتل، على بناء المفعول؛ فيقال: لحم الرجل؛ فهو ملحوم ولحيم)؛ قلنا: قد وجدناه في الحديث مستعملا على بناء الفاعل، وذلك في حديث أسامة- ﵁، ولفظ الحديث: (إن أسامة لحم رجلا من العدو) أي: قتله. ويجوز أن يكون المراد من قوله: (يلحم بعضهم بعضا) أي: يقاتل؛ فيون عبر [٧٠/أ] (بالقتل) عن القتال، وكثيرا يرد القتل بمعنى القتال. وقد وجدنا الرواية بفتح الياء والحاء، وإن كانت الرواية وردت بضم الياء وكسر الحاء- فالمعنى: يتقل بعضهم بعضا، أي: يجعله لحما. ومنه: حديث عمر ﵁ في صفة الغزاة: (ومنهم من ألحمه القتال). ومن باب المساجد ومواضع الصلاة (من الصحاح) [٤٥٥] قوله ﷺ في حديث ابن عباس- ﵁: (هذه القبلة).

стр. 173

المعنى: أن أمر القبلة قد استقر على ما شرعت لكم- من التوجه إلى هذا البيت استقرار لا يزيله النسخ. وقول ابن عباس: (في قبل الكعبة) هو نقيض الدبر، والمراد منها: الجهة التي فيها الباب، والباء من (قبل) تحرك وتسكن. [٤٥٨] ومنه: حديث أبي سعيد الخدري، ﵁، عن النبي ﷺ : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد). قيل: لفظه خبر، ومعناه نهي؛ وذلك لأن ما عدا هذه المساجد الثلاثة متساو في الرتبة، غير متفاوت في الفضيلة؛ ففي أي صلى، كتب له مثل ما في غيره، وحمكم المساجد الثلاثة على خلاف ذلك؛ لما بين الله لنا على لسان رسوله ﷺ من مقادير تضعيف الثواب للمصلى في كل واحد منها. وذهب جمع من العلماء إلى أن معناه الإيجاب فيما ينذر من الصلاة في المساجد؛ يقولون مهما نذر الإنسان أن يصلى في موضع من غير هذه المساجد الثلاثة- لا يلزمه الوفاء بذلك؛ بل يصلى حيث شاء، وإنما يلزمه ذلك في المساجد الثلاثة. قلت: ويرجع معنى ذلك- أيضا- إلى ما ذكرنا من استواء الأماكن في حق المصلى، إلا المساجد الثلاثة؛ للمعنى الذي ذكرناه. وقال بعض أهل العلم: هو ألا يرحل في الاعتكاف إلا إليها؛ وكان بعض السلف يرى أن الاعتكاف لا يصح إلا في هذه المساجد الثلاثة. [٤٥٨] ومنه: حديث أبي هريرة، ﵁، عن النبي ﷺ : (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة).

стр. 174

إنما سمى تلك البقعة المباركة روضة؛ لمعنيين: أحدهما: أن زوار قبره ﷺ ، وعمار مسجده من الملائكة والجن والإنس- مكبون فيها على ذكر الله وعبادته؛ إذا صدر منها فريق، حل بها آخرون، وقال ﷺ : (إذا مررتم برياض الجنة، فارتعوا)، قيل: يا رسول الله: وما رياض الجنة؟ قال: (حلق الذكر). والآخر: أن من شهدها- لمجاورة، أو زيارة، أو اعتكاف- أفضى به ذلك إلى روضة من رياض الجنة؛ ويقرب من هذا المعنى: قوله ﷺ : (ومنبري على حوضي) أي: على حافته وعقره؛ فمن شهده مستمعا إلي أو متبركا بذلك الأثر شهد الحوض [٧٠/ب]. ثم إنه ﷺ نبه بهذا القول على المناسبة الواقعة بين المنبر والحوض، وهي: أن المنبر مورد القلوب الصادية في بيداء الجهالة؛ كما أن الحوض مورد الأكباد الظامية من حر القيامة، وهما متلازمان لا مطمع لأحد في الآخر دون انتفاعه بالأول، وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: (إن منبري هذا على ترعة من ترع الجنة)، والترعة: الباب. ويقال: الروضة إذا كانت على مكان مرتفع، ويقال: الدرجة. ويروى: (على ترعة من ترع الحوض)، والترعة: أفواه الجداول. وقيل: ترعة الحوض مفتح الماء إليه؛ وذلك لصحة المناسبة بينهما. هذا ونحن لا نقطع بشيء من هذه الأقاويل؛ بل نذهب فيها مذهب الاستنباط والتأويل، ونعتقد أن المراد منه على ما أراده رسول الله ﷺ هو الحق وإن لم تهتد إليه أفهامنا، ولم تسع له عقولنا. [٤٦٥] ومنه: حديث جابر- ﵁: (أراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد ... الحديث).

стр. 175

بنو سلمة- بكسر اللام- بطن من الأنصار، وليس في العرب (سلمة) - بكسر اللام- غيرهم. وفيه: (دياركم تكتب آثاركم). أي: الزموا دياركم تكتب آثاركم، أي: خطاكم التي تخطونها إلى المسجد؛ قال الله تعالى: ﴿ونكتب ما قدموا وآثارهم﴾ أي: ما قدموه من الأعمال، وسنوه بعدهم من السنن، وكانت ديار بني سلمة على بعد من المسجد، وكانت المسافة تجهدهم في سواد الليل، وعند وقوع الأمطار، واشتداد البرد؛ فأرادوا أن يتحولوا إلى قرب المسجد؛ فكره النبي ﷺ أن تعرى المدينة؛ فرغبهم فيما عند الله من الأجر على نقل الخطا إلى المسجد. [٤٦٨] ومنه: قوله ﷺ في الحديث الذي يرويه أبو هريرة- ﵁: (ولا تزال الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في المسجد: اللهم اغفر له! اللهم ارحمه! ما لم يحدث).

стр. 176

(يحدث) - بتخفيف الدال من الحدث، ومن شددها فقد أخطأ، وقد روى هذا الحديث أبو عيسى في (كتابه). وفيه: (فقال رجل من حضرموت: وما الحدث، أبا هريرة؟ فقال: فساء أو ضراط). قلت: ولعل الرجل إنما استفسره؛ لأن الإحداث يستعمل على معنى إصابة الذنب؛ فاشتبه عليه المعنى؛ للاشتراك. [٤٧٦] ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁: (ولا عن يمينه؛ فإن عن يمينه ملكا). إن قيل: (ما وجه تخصيص يمين المصلي بأن عليها ملكا، وقد قال الله تعالى: ﴿إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد﴾). قلنا: يحتمل أن المراد منه: الملك الذي يحضره عند الصلاة؛ من جهة التأييد، والإلمام بقلبه؛ لإيعاده بالخير- على ما ذكر في الحديث- والتأمين على دعائه، ويكون سبيل هذا سبيل الزائر من الإخوان الصالحين، والأضياف المكرمين، ومن حق ذلك أن يكرم فوق إكرام من يختص المرور ويدخل في خدمته. ويحتمل أنه خص صاحب اليمين بالكرامة؛ تنبيها على ما بين الملكين من المزية؛ كما هي بين اليمين والشمال، وتمييزا بين ملائكة الرحمة وملائكة العذاب؛ ولهذا نكره؛ كأنه أراد ملكا مكرما مفضلا، أو ملكا غير الذي يعلمون، والله أعلم. [٤٧٧] ومنه: حديث عائشة- ﵂، عن النبي ﷺ : (لعنة الله على اليهود والنصارى ... الحديث).

стр. 177

معنى إنكار النبي ﷺ على اليهود والنصارى صنيعهم هذا مخرج على وجهين: أحدهما: أنهم كانوا يسجدون لقبور الأنبياء؛ تعظيما لهم. والثاني: أنهم كانوا يتحرون [٧١/أ] الصلاة في مدافن الأنبياء، والسجود على مقابرهم، والتوجه إلى قبورهم حالة الصلاة؛ نظرا منهم بأن ذلك الصنيع أعظم موقعا عند الله؛ لاشتماله على الأمرين: عبادة الله سبحانه، والمبالغة في تعظيم الأنبياء. وذهابا إلى أن تلك البقاع أحق البقاع بإقامة الصلاة، والتوسل بالعبادة فيها إلى الله؛ لاختصاصها بقبور الأنبياء. وكلا الطريقين غير مرضية: أما الأولى: فلأنها من الشرك الجلي. وأما الثانية: فلأنها متضمنة معنى الإشراك في عبادة الله؛ حيث أتى بها على صيغة الاشتراك والتبعية للمخلوق. والدليل على تقرير الوجهين: قوله ﷺ : (اللهم! لا تجعل قبري وثنا يعبد؛ اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، والوجه الأول أشبه به. وأما نهي النبي ﷺ أمته عن الصلاة في المقابر: فإنه لمعنيين: أحدهما: لمشابهة ذلك الفعل سنة اليهود وإن كان القصدان مختلفين. والثاني: لما يتضمنه من الشرك الخفي؛ حيث أتى في عبادة الله بما يرجع إلى تعظيم مخلوق فيما لم يؤذن له. وهذا الحديث حجة على من يرى أن علة النهي عن الصلاة في المقابر هي النجاسة الحاصلة بالنبش؛ لأنه ﷺ لعن اليهود على صنيعهم ذلك، ثم نهى أمته عن الصلاة في المقابر، نهيا متسقا على ما ذكره من اليهود؛ أنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد؛ ومن الواضح المعلوم: أن قبور الأنبياء- ﵈ لا تنبش، ولو نبشت لم يزدها ذلك إلا طهارة، وقد نزه الله تعالى أقدارهم عن ذلك، وقال ﷺ : (إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء، الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون)، وثبت: (أنه ﷺ لعن زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج)؛ فالنهي- في الحديث- على الإطلاق، من غير تفصيل بين المنبوش وغير المنبوش. فعلمنا أن علة النهي ما ذكرناه. والصلاة في المواضع المتبركة بها من مقابر الصالحين: داخلة في جملة هذا النهي، لاسيما إذا كان الباعث عليها تعظيم هؤلاء، وتخصيص تلك المواضع؛ لما أشرنا إليه من الشرك الخفي. فأما إذا وجد بقربها موضع بني للصلاة، أو مكان يسلم المصلي فيه عن التوجه إلى القبور، فإنه في

стр. 178

فسحة من الأمر، وكذلك إذا صلى في موضع قد اشتهر بأن فيه مدفن نبي، ولم ير للقبر فيه علما، ولم يكن ما ذكرناه من العمل الملتبس بالشرك الخفي؛ إذ قد تواطأت أخبار الأمم على أن مدفن [٧١/ب] إسماعيل- ﵇ في المسجد الحرام عند الحطيم، وهذاك المسجد أفضل مكان تتحرى الصلاة فيه. [٤٧٩] ومنه: حديث ابن عمر- ﵄، عن النبي ﷺ : (اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم، ولا تتخذوها قبورا): الحديث محتمل لمعان: أحدها: أن القبور هي التي لا يصلى فيها؛ لأنها مساكن الأموات الذين سقط عنهم التكليف، وسد عنهم باب العمل، فأما البيوت: فصلوا فيها؛ إذ أنتم أحياء مكلفون ممكنون عن العمل. وثانيها: أنكم نهيتم عن الصلاة في المقابر؛ فلا تتركوا الصلاة في منازلكم؛ فتكونوا قد شبهتم منازلكم بالمقابر. وثالثها: أن مثل الذاكر والذي لا يذكر الله: ضرب بالحي والميت، والأحياء يسكنون البيوت، والأموات يسكنون القبور؛ فالذي لا يصلي في بيته جعل بيته بمنزلة القبر؛ كما جعل نفسه بمنزلة الميت. ورابعها: وقد ذكره أبو سليمان الخطابي- أن يكون معناه: لا تجعلوا بيوتكم أوطانا للنوم لا تصلون فيها؛ فإن النوم أخو الموت. وقد حمل بعض الناس قوله: (ولا تتخذوها قبورا): على النهي عن الدفن في البيوت؛ وذلك ذهاب عما يقتضيه نسق الكلام إلى ما ورد بخلافه إجماع الصحابة- ﵃ حيث دفنوا النبي ﷺ في بيت عائشة- ﵂. (ومن الحسان) [٤٨١] حديث أبي هريرة- ﵁، عن النبي ﷺ : (ما بين المشرق والمغرب قبلة): الحد الأول

стр. 179

من المشرق: مشرق الشمس في أطول يوم من السنة قريبا من مطلع السماك الرامح؛ وعلى هذا السمت، أول المغارب: مغرب الصيف، وهو مغيب الشمس عند مغرب السماك الرامح. وآخر المشارق: مشرق الشتاء، وهو مطلع الشمس في أقصر يوم من السنة قريبا من مطلع قلب العقرب؛ وعلى هذا السمت: آخر المغارب: مغرب الشتاء، وهو مغيب الشمس عند مغرب قلب العقرب. والظاهر: أن المعنى بـ (القبلة) في هذا الحديث- قبلة المدينة؛ فإنها واقعة بين المشرق والمغرب، وهي إلى طرف الغربي أميل. وقد قيل: إنه أراد به: قبلة من اشتبه عليه القبلة؛ فإلى أي جهة صلى بالاجتهاد: كفته. وقد قيل: المراد منه: توجه المتنقل على الدابة إلى أي جهة كانت. وعلى هذين الوجهين: فالمراد من قوله: (ما بين المشرق والمغرب): قبلة الجهات الأربع، ويجوز ذلك على وجه الاتساع؛ لأن الأقطار كلها شرقيها وغربيها، وجنوبيها وشماليها- واقعة بين المشرق والمغرب. وعلى [٧٢/أ] هذا، فالحديث يحتمل وجها آخر، وهو أن نقول: ليس من جهة من الجهات ما بين المشرق والمغرب إلا وهي قبلة بحسب توجه المصلي إلى الكعبة من مكانه الذي هو فيه: فالمشرقي قبلته المغرب، والمغربي قبلته المشرق؛ وعلى نحو ذلك الجنوب والشمال. [٤٨٢] ومنه: قوله ﷺ في حديث طلق بن علي- ﵁: (وانضحوا مكانها بهذا الماء). ذكر بعض العلماء في كتاب له: أن قوله ﷺ : (بهذا الماء) إشارة إلى جنس الماء، أي: انضحوا مكان بيعتكم بالماء. وليس المعنى على ما توهمه؛ بل هو إشارة إلى ماء بعينه، وإنما أتى فيه؛ من حيث إن الحديث لم ينته إليه بتمامه؛ فأول الحديث على ما استبان له، ولا شيء في استخراج معنى الحديث كاستيفاء طرقه؛ لأن منه المرتقى إلى معرفة معناه؛ وقد روي في حديث طلق: أنه قال: (واستوهبناه فضل وضوئه، فدعا بماء؛ فتوضأ منه، وتمضمض، ثم صبه في إداوة، وقال: اذهبوا بهذا الماء، فإذا قدمتم بلدكم، فاكسروا بيعتكم، ثم انضحوا مكانها بهذا الماء، واتخذوا مكانها مسجدا، فقلنا: يا نبي الله! البلد بعيد، والماء ينشف؟ فقال: أمدوه من الماء؛ فإنه لا يزيده إلا طيبا). فعلمنا بهذا السياق: أن قوله ﷺ : (بهذا الماء) إشارة إلى فضل وضوئه، لا إلى جنس الماء.

стр. 180

[٤٨٣] ومنه: حديث عائشة- ﵂: (أمر رسول الله ﷺ ببناء المسجد في الدور). معناه: في المحلات. الدار- من جهة اللغة: تقع على العامر المسكون، والغامر المتروك، وهي من الاستدارة؛ وذلك لأن الواحد منهم كان يخط بطرف رمحه قدر ما يريد أن يتخذه دارا، ويدور حوله، ولذلك قيل: الدار دار وإن زالت حوائطه .... والبيت ليس ببيت وهو مهدوم وكانوا يسمون المحلة قد اجتمعت فيها قبيلة: دارا؛ ومنه الحديث: (ما بقيت دار إلا بني فيها مسجد). [٤٨٨] ومنه: حديث أبي سعيد الخدري- ﵁، عن النبي ﷺ : (إذا رأيتم الرجل يتعاهد المسجد ... الحديث)، التعاهد: بمعنى التعهد، وهو التحفظ بالشيء، وتجديد العهد به، وتعهدت فلانا، وتعهدت ضيعتي؛ وهو أفصح من (تعاهدت)؛ لأن [٧٢/ب] التعاهد إنما يكون من اثنين. وهذا الحديث رواه أبو عيسى في (كتابه)، عن أبي كريب، عن رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، وفي روايته: (يعتاد المسجد). ورواه- أيضا- عن ابن أبي عمر، عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، وفي روايته: (يتعاهد المسجد) فالاعتياد معاودته إلى المسجد كرة بعد أخرى؛ لإقام الصلاة، والتعاهد: التحفظ به، وتجديد العهد به كذلك، وكلاهما حسن، وأولى الروايتين بالتقديم على ما شهد لها البلاغة لا السند: (يعتاد المسجد).
следующие страницы →