Полный текст (1 323 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
ومن باب الحوض
(من الصحاح)
] ٤١٨٦ [قوله ﷺ : في حديث أنس ﵁ (مسك أذفر) أذفر: أي ذكي الرائحة، والذفر بالتحريك: كل رائحة ذكية من طيب أو نتن.
] ٤١٨٨ [ومنه حديث] أبي هريرة [﵁ عن النبي ﷺ (إن حوضي أبعد من أيلة من عدن). يريد بعد ما بين القطرين، والأيلة -بالياء المجزومة- بلدة على الساحل من آخر بلاد الشام مما يلي بحر اليمن، وعدن آخر بلاد اليمن مما يلي بحر الهند.
стр. 1157
[٤١٩٠] ومنه حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ : (يحبس المؤمنون يوم القيامة حتى يهموا بذلك)
يهموا على بناء المجهول أي: يحزنون لما أمتحنوا به من الحبس، من قولهم أهمني الأمر:: ذا أقلقك وأحزنك.
وفيه: (لست هناكم) يريد لست بالمكان الذي ترونني فيه، يعني من الشفاعة.
وقد أشار بقوله (هناكم) إلى التبعيد من ذلك المكان فإن هنا اذن ألحق به كاف الخطاب فإنه للتبعيد عن المكان المشار أليه.
وكذلك هنالك والام زائدة والكاف للخطاب.
стр. 1158
وفيه: (ويذكر خطيئته التي أصاب: أكله من الشجرة) أصاب، أي أصابها.
وأكله، بدل من خطيئته.
وفيه: (ويذكر ثلاث كذبات) إحدى الكذبات قوله (اني سقيم)، والأخرى (بل فعله كبيركم)، والثالثة قوله لسارة: (هي أختي).
قلت: والخليل ﵇ أتى في سائرها بالمعاريض، وقد كانت في ذات الله، وإنما خاف منها لتستره بالمعاريض مع استغنائه عنها بتأييد الله اياه.
وكل من كان وقته مع الله أصفىى وحاله أعلى ومنزلته أقرب كان حكمه في المعاملة أدق، وأمره في المؤاخذة أعوص.
وفيه: (فاستأذن عليه في داره).
قلت: إنما أضاف الدار إلى الله إضافة تشريف وتكريم، وهو أحد الوجهين في قوله سبحانه: ﴿والله يدعو إلى دار السلام﴾، وقوله سبحانه: ﴿لهم دار السلام عند ربهم﴾، وهو قول جمع من أهل العلم أن السلام ها هنا اسم من أسماء الله.
وأما قوله: (فاستأذن عليه) فإنه أراد به الاستئذان لدخول تلك الدار المكرمة بالإضافة إلى الله، والوقوف فيها موقف المسائلة والاستعطاف، وخاصية ذلك المكان بالنسبة إليه لا بالنسبة إلى الله، وذلك مثل مراجعة جبريل في تبليغ الرسالة وطلب الحاجة إلى مقامه الذي أقامه الله فيه، والحكمة في نقله النبي ﷺ عن موقفه ذلك] ١٨٩/أ [إلى دار السلام لعرض الحاجة هي أن موقف العرض والحساب موقف سياسة، ولما كان من حق الشفيع أن يقوم مقام كرامة فتقع الشفاعة موقعها؛ أرشد ﷺ إلى النقلة عن موقف الخوف في القيامة إلى موقف الشفاعة والكرامة، وذلك أيضا مثل الذي يتحرى الدعاء في مواقف الخدمة؛ ليكون أحق بالإجابة.
وفيه: (فيحد لي حدا) يريد أنه يبين لي في كل طور من أطوار الشفاعة حدا أقف عنده فلا اتعداه، مثل أن يقول شفعتك فيمن أخل بالجمعات، ثم يقول شفعتك فيمن أخل بالجمعات ثم يقول شفعتك فيمن أخل بالصلوات.
ومنه فيمن شرب الخمر، ثم فيمن زنى، وعلى هذا ليريه علو الشفاعة في عظم الذنب.
] ٤١٩١ [ومنه قوله ﷺ في حديث أنس ﵁: (فأخرج من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان).
стр. 1159
المثقال ما يوزن به، وهو من الثقل، وذلك اسم لكل سنج، ومعنى قوله: (مثقال ذرة)، أي: وزنها والمثقال إذا أطلق فإنما يراد منه السنج المعبر به عن الدينار.
وقد اختلف أقاويل العلماء في تأويله على حسب اختلافهم في أصل الإيمان.
وأرى التأويل المستقيم فيه أن نقول: أراد هاهنا بالجزر الذي ذكره: حصة المؤمن من الرغبة أو الرهبة الباعث له على العمل لوجه الله. ألا ترى أنه ذكر في آخر تارات المناقصة: (ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله)، ولا يجوز أن يكون هذا القائل غير موحد، فعلمنا أن ما قدر قبل ذلك بمثقال شعيرة، ثم بمثقال حبة أو خردل غير الإيمان الذي يعبر به عن التصديق والإقرار، بل هو ما يوجد في القلوب من ثمرة الإيمان.
ومن الدليل أيضاً على ذلك أن هذا الحديث رواه البخاري عن أنس على ما في كتاب المصابيح ورواه أيضاً عن أنس- ﵁ وفي روايته: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه ما يزن من الخير ذرة).
وقد رواه أبو سعيد الخدري، وفي روايته: (مثقال ذرة إيمان). أخرجه البخاري في كتابه.
وفي كتاب مسلم من رواية أبي سعيد: (فيقول ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه) ثم ذكر (نصف دينار من خير) ثم ذكر (مثقال ذرة من خير) فلما وجدنا الحديثين قد روى عن كل واحد من الصحابيين على اختلاف اللفظين: الخير والإيمان حملنا الأمر فيهما على أن الصحابيين رويا ذلك بالمعنى [١٨٩/ب] أو روى عنهما بالمعنى، فوضع الإيمان موضع الخير؛ لأنه من فوائد الإيمان ولوازمه. فإن قيل: فلم لم تقدروه على العكس؟
قلنا: لما ذكرنا من متن الحديث أنه ذكر في آخر تلك التارات أنه يقول: (ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله) فعلمنا أن الأمر المقدر بالشعيرة والبرة والذرة والحبة والخردلة غير الشيء الذي هو حقيقة الإيمان، حتى لا يكون الرجل مؤمناً إلى بوجدان ذلك منه، وهو التصديق والإقرار.
ثم إن حقيقة الإيمان التي لا يكون المكلف في حكم المؤمنين إلا بوجدان ذلك منه لا يصح أن تدخله التجزئة والتبعيض، والله أعلم.
стр. 1160
وفيه: (فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله، قال: ليس ذلك لك).
هذا اللفظ محتمل لمعنيين:
أحدهما: أن ذلك ليس إليك، كقوله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾.
والآخر: لسنا نفعل ذلك لأجلك، بل لأنا أحقاء بأن نفعله كرماً وتفضلاً. ثم إنه بين بهذا الحديث أن الأمر في إخراج من لم يعمل خيراً قط من النار خارج عن حد الشفاعة، بل هو منسوب إلى محض الكرم موكل إليه، وذلك ليكون القسم الذي تجرد عن الشفاعة فيجاوز الله عنه بفضله ورحمته مبدوءاً به أعلى وأكثر وأوفى وأجدر من القسم الذي يناله شفاعة الشافعين.
وفي معناه الحديث الصحيح الذي رواه أبو سعيد الخدري- ﵁.
[٤١٩٤] ومنه حديث حذيفة- ﵁ عن النبي ﷺ : (فيرسل الأمانة والرحم فيقومان بجنبتي الصراط). يريد بجنبتي الصراط ناحيتيه اليمنى واليسرى يقال: جنبيه بالتحريك وجنابيه وجنبتيه، والمعنى
стр. 1161
أن الأمانة والرحم لعظم شأنهما وفخامة ما يلزم العباد من رعاية حقهما يمثلان هنالك الأمين والخائن، والواصل والقاطع، فيحاجان عن المحق، ويشهدان على المبطل.
[٤١٩٦] عن النبي ﷺ (فيقول الله شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين).
فإن قيل: فكيف التوفيق بين قوله: (ليس لك ذلك)، وبين حديث أبي هريرة الذي يتلو هذا الحديث أن النبي ﷺ قال: (أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله)؟.
قلنا: لو حمل الحديث على أنا لسنا نفعل ذلك لأجلك فإن الشفاعة باقية على حالها، ولو حمل على أن ذلك ليس إليك فالوجه فيه أن نقول: الشفاعة توجد على طرق شتى ومقامات مختلفة، فمنها الشفاعة في المحشر، حيث يطول بهم القيام، وهو مخصوصة به شاملة لعموم أهل الإيمان من سائر أهل الملل. ومنها: الشفاعة عند ورود الحوض.
ومنها: الشفاعة عند اختلاف السبيلين، والشفاعة عند الجواز على الصراط، والشفاعة بعد دخول المشفوع له النار، والشفاعة عند الإخراج منها، والشفاعة بعده لطلب المزيد من رحمة الله وفضله. والنوع الذي يمنع منه في هذا الحديث الشفاعة في إخراج من لم يعمل خيراً قط. وبقية الأنواع مبقاة على حالها، فلا تنافي إذا بين الحديثين، ويشكل [١٩٠/أ] من حديث أبي هريرة- ﵁ قوله ﷺ : (أسعد الناس بشفاعتي) إذ لم نجد للشفاعة مساغاً في غير أهل الكلمة، فلم يجز لنا أن نقول: سعد بها غيرهم، وكانوا هم أسعد الناس بها، والوجه فيه أن نقول: نزل السعيد منهم منزلة الأسعد، كما تقول لغني بين أقوام محاويج هو أغنى القوم، وإن لم يكن فيهم غني غيره.
وإن أراد شفاعتي لا يسعد بها إلا الذي قال: لا إله غلا الله صدقاً من قلبه: أو نقول: أراد بمن قال: لا إله إلا الله من لم توجد له سابقة، ولم تخلص له فضيلة، فيستحق بذلك الرحمة والشفاعة غير هذه الكلمة التي أتي بها مخلصاً من قلبه فصار هو أسعد بشفاعته من الذين سعدوا بها من ذوي الفضيلة والوسيلة؛ وذلك لأن الذي يستحق دخول الجنة بحسن الطاعة لا ضرورة به أن يشفع له في إنالة الفضل إياه، ورفع
стр. 1162
الدرجة له ضرورة من يستحق دخول النار فيشفع له في العتق منها فيؤمر بخلاصه ويؤذن [له] في دخول الجنة بسعة فضل الله ورحمته.
[٤١٩٦] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي سعيد- ﵁: (أتاهم رب العالمين) إتيان الله في الكتاب مفسر بإتيان أمره وإتيان بأسه، ولفظ التنزيل محتمل لكلا القولين.
فأما هذا الحديث فإنه يأول على إتيان أمره، وهو قوله، فماذا ينتظرون.
ومن السلف من يتنزه عن تأويله خشية الخطأ مع تمسكه بالعروة الوثقى، وهو تنزيه الله عن الاتصاف بما يتحدث به النفوس من أوصاف الخلق. وعلى هذا القول في لفظ حديث أبي هريرة- ﵁: (هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه).
стр. 1163
ويجوز أن يعبر الإتيان والمجيء عن التجليات الإلهية والتعريفات الربانية، ولا سبيل إلى القول في هذا الحديث وأمثاله إلا من أحد الطريقين: إما التأويل على النسق الذي بينا، وإما السكون على الوجه الذي ذكرناه.
وأما قوله ﷺ في حديث أبي سعيد (هل بينكم وبينه آية تعرفونه، فيكشف عن ساق). [١٩٠/ب] وسياق هذا الحديث في بعض طرقه الصحاح: (هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها) وهو الأحوط وقد بينا فيما مر من الكتاب معنى قوله: (فيكشف عن ساق) وتنكيرها في هذا الحديث على ما هو في التنزيل من أكد أسباب التأويل.
وفي رواية أبي هريرة وأبي سعيد في الجامعين الصحيحين زيادات على ما في المصابيح لم نر التعرض لها؛ لأنها لم تدخل في جملة أحاديث هذا الكتاب، ثم لأنها من المشكلات المبهمة والمعضلات العويصة، والأولى بأولي الخشية الذين باشر الحق أسرارهم أن لا يتكلفوا التأويل في الألفاظ النابية عما يتوخي من المعاني فيذروه في سنبلة.
وفيه: (فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكوس في نار جهنم).
جعل المارة على الصراط على طبقات ثلاث، على ما رتبهم عليه في الحشر، وهم الذين نجاهم من النار فلن تمسهم على تباين مقاماتهم في العبودية وتفاوت درجاتهم في الجنة، ثم الذين استوجبوا العقوبة من عصاة أهل الإيمان على اختلاف نياتهم، ومقادير ذنوبهم، ثم الذين لا ملجأ لهم المقضيون عليهم بالخلود.
وقوله: (ومخدوش مرسل)، يريد به الذي يخدش بالكلوب، فيرسل إلى النار من عصاة أهل الإيمان.
وأما قوله: (فمكدوش)، الأكثرون يروونه بالسين المهملة، وفسر بأنه مدفوع فيها.
يقال: تكدس السن: إذا دفع من روائه فقط، والتكدس في سير الدواب: أن يركب بعضهم بعضاً وكدس به صرفه، وكدسهم جمعهم في موضع.
قلت: ومنهم من يرويه بالشين المعجمة وهو السوق الشديد، وكدشه: خدشه وجرحه وطرده.
وفي بعض طرقه: (مكردش في نار جهنم)، أراد به الموثق الملقى فيها.
وفيه: (فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل).
الحبة بكسر الحاء وتشديد الباء اسم للجامع للبزور التي تنتشر إذا هاجت ثم تنبت في الربيع. وقد قيل غير ذلك.
стр. 1164
وحميل السيل: ما حمله من طين أو غثاء، فإذا اتفق فيه الحبة واستقرت على شط مجرى السيل فإنها تنبت في يوم وليلة، وهي أسرع نابتة نباتاً. وإنما أخبر بسرعة نباتهم قاله أبو سعيد الضرير.
[٤١٩٨] ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁: (فمنهم من يوبق بعلمه، ومنهم من يخردل).
وبق: إذا تثبط فهلك يبق وبقاً وموبقاً، وأوبقه، كذا قال الله تعالى: ﴿أو يوبقهن بما كسبوا﴾.
وقال ابن عرفة: أوبقه إذا حبسه، ومنه قوله تعالى: ﴿وجعلنا بينهم موبقاً﴾ قال: أي محبساً.
قال: ومنه الحديث: (ومنهم الموبق بذنوبه).
قلت: والأشبه بنمط هذا الحديث تفسير ابن عرفه أنه يحبس؛ لأنه عبر بعده عن الهالك بالمخردل [١٩١/أ] والمخردل: قيل: هو المرمي المصروع. وقيل: المقطع: يقال: لحم خراديل إذا كان قطعاً، والمعنى أنه يقطعه كلاليب الصراط حتى يهوى إلى النار.
والخردولة: قطعة من اللحم. وذكر أبو عبيد الهروي عن أبي عبيدة معمر بن المثنى خردلت اللحم وخرذلته بالدال والذال. قطعته ومزقته.
وفيه: (قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها). المعنى: آذاني ريحها كأنه قال سمني ريحها. وكل مسموم قشيب ومقشب. ومنه: نسر قشيب: إذا خلط له في لحم يأكله سم، فإذا أكله قتله فيؤخذ ريشه.
стр. 1165
قال الهذلي:
به ندع الكمى على يديه .... يخر تخاله نسرا قشيبا
والذكاء- بفتح الذال: شدة وهج النار، من: ذكت النار وأذكيتها أنا وذكيتها: إذا أتممت اشتعالها.
والذكاء: بلوغ كل شيء منتهاه.
[٤١٩٩] ومنه: قوله ﷺ في حديث عبد الله بن مسعود- ﵁ حكاية عن الله- : (يا بن آدم ما يصريك مني).
يقال: صرى الله عنه شره، أي: دفع، وصريته منعته.
قال ذو الرمة:
وودعن مشتاقا أصبن فؤاده .... هواهن إن لم يصره الله قاتله
وصريت ما بينهم صرياً، أي: فصلت. يقال: اختصمنا إلى الحاكم قصرى ما بيننا، أي: قطع ما بيننا وفصل.
стр. 1166
وقد فسر قوله: (ما يصريك) بقطع المسألة، أي ما يقطع مسألتك مني، وحسن أن يقال: ما يفصل بينى وبينك، أي: ما الذي يرضيك حتى تترك مناشدتك والمعنى، إن أجبتك إلى مسألتك كرة بعد أخرى، وأخذت ميثاقك أن لا تعود أن لا تسأل غيره، وأنت لا تفي بذلك، فما الذي يفصل بيني وبينك في هذه القضية، ويكون على وجه المجاز والاتساع، والمبتغى منه التوقيف على فضل الله ورحمته وكرمه وبره بعباده، حتى إنه يخاطبهم مخاطبة المستعطف الباعث سائله على [الاستزادة].
وفي كتاب المصابيح: (ما يصريني عنك)، وهو غلط، والصواب: (ما يصريك مني) كذا رواه المتقنون من أهل الرواية.
وفيه: (أتستهزئ مني وأنت رب العالمين). يريد: أتحلني محل المستهزأ به.
فإن قيل: كيف يصح هذا القول من العبد بعد كشف الغطاء، واستواء العالم والجاهل في معرفة ما يجوز على الله وما لا يجوز؟
قلنا: مثابة هذا العبد مثابة العالم العارف الذي يستولى عليه الفرح بما آتاه الله وكاشفه به، فيزل لسانه من شدة الفرح.
وأما قوله: (مم تضحك يا رسول الله، قال: من ضحك رب العالمين)، فإن السبيل فيه أن نقول: الضحكان وإن كانا متفقين في اللفظ فإنهما متباينان في المعنى، وذلك أن الضحك من الله سبحانه يأول على كمال الرضا عن العبد، وقد نبهنا عليه في [١٩١/ب] غير هذا الموضع، وإنما قابل أحدهما بالآخر مع معرفة التباين بينهما؛ لأنه كان السبب لمسرته ﷺ .
стр. 1167
=====
стр. 1168
[٤٢٠٧] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار جيء بالموت ..) الحديث. المراد منه أنه تمثل لهم ذلك على المثال الذي ذكره في غير هذه الرواية: (يؤتي بالموت بكبش أعين ...) الحديث. وذلك ليشاهدوه بأعينهم فضلاً أن يدركوه بأبصارهم. والمعاني إذا ارتفعت عن مدارك الأفهام واستعلت عن معارج النفوس لكبر شأنها صيغت لها قوالب من عالم الحس حتى يتصور في القلوب ويستقر في النفوس. ثم إن المعاني في الدار الآخرة تتكشف للناظرين انكشاف الصور في هذه الدار الفانية.
هذا، وما أحببنا أن نؤثر الإقدام على سبيل لا معلم بها لأحد، فاكتفينا بالمرور عن الإلمام.
(ومن الحسان)
[٤٢٠٨] قوله ﷺ في حديث ثوبان ﵁: (ما بين عدن إلى عمان البلقاء).
وفي حديث أنس: (كما بين أيلة وصنعاء من اليمن).
وفي حديث ابن عمر: (كما بين جرباء وأذرح).
وفي حديث حارثة بن وهب: (كما بين صنعاء والمدينة).
وفي حديث عبد الله بن عمرو: (مسيرة شهر).
فإن قيل: إن بين هذه المقادير من التفاوت ما لا يخفى على ذوي المعرفة بها.
قلنا: إنما أخبر نبي الله ﷺ عن ذلك على طريق التقريب لا على طريق التحديد، والذي [اقتضى ذلك تلك الأماكن] مع التفاوت الذي فيها هو اختلاف أحوال السامعين في الإحاطة بها علماً، فبين مقدار مسافة كل قطر من أقطار الحوض تارة بما يقطعها المسافر في الشهر، وتارة بالأماكن المختلفة المشهورة عند الناس لتقع المعرفة به عند كل أحد على حسب ما عنده من المعرفة ببعد ما بين الموضعين. ولو أورده مورد
стр. 1169
التحديد لافتقر أن يأتي في بيانه بذكر موضع لا معلم به لأحد، فلم يكد يتحقق [١٨٨/ب] عند السامع مقداره.
فإن قيل: أو لم يكف في بيانه على وجه التحديد بما أتى به من ذكر مسيرة شهر؟
قلنا: وذلك أيضاً من باب التقريب؛ لاختلاف أحوال الناس في السير؛ فإن منهم من يقطع في الشهر من المسافة ما لا يقطع غيره في الشهرين، وأقصى ما يقدر فيه الغالب، وذلك أيضاً من باب التقريب.
وفيه: (نعم لكم سيماء). سيماء: أي علامة. وفي معناه سيميا.
وفيه: (يغث فيه). أي: يدفق دفقاً متتابعاً دائماً. والأصل فيه أن تتبع القول القول والشرب الشرب.
(ومن الحسان)
[٤٢٠٨] قوله ﷺ في حديث ثوبان- ﵁: (ولا يفتح لهم السدد) السدد: الأبواب.
ومنه حديث أم سلمة- ﵂ أنها قالت لعائشة:﵂: (إنك سدة بين النبي ﷺ وأمته). أي: باب، فمتى أصيب ذلك الباب بشيء انتهل الخلل منه إلى حريمه.
стр. 1170
[٤٢١٣] ومنه حديث ابن مسعود- ﵁ عن النبي ﷺ [قيل له]: ما المقام المحمود؟ قال: ذلك يوم ينزل الله ...) الحديث.
فإن قيل: كيف وجه المطابقة بين السؤال والجواب، فإنه سئل عن المقام المحمود وأخبر هو عن اليوم الذي يبلغ فيه ذلك المقام؟.
قلنا: قدم بيان الوقت الذي يوجد فيه والأجل الذي ضرب لكينونته مقترناً بذكر ما يشير إلى شدة ذلك اليوم؛ ليكون أعظم في النفوس موقعاً، ثم أتى بالجواب، في قوله: (ثم أقوم على يمين الله ...) الحديث.
وقوله: (ذلك يوم) فإن كانت الرواية وردت فيه بالنصب على الظرف فالمعنى بين، ولا أحققها وبالرفع والتنوين هي التي نعرفها.
وفي الكلام حذف: والتقدير: ذلك اليوم الذي ابلغ فيه المقام المحمود يوم، أو نحو ذلك.
وقوله: (ينزل الله على كرسيه)، من المعضلات التي وجد الأولون في الهرب من تأويلها لشذوذ ألفاظها
стр. 1171
عن مسلك التقرير، وعسر التئامها في منهج التأويل ومن انتهى به الأمر إلى ذلك فالسلامة في التسليم مع نفي التشبيه.
ومن ذهب فيه إلى معنى التجلي له بنعت العظمة والإقبال عليه بوصف الكبرياء في اليوم الموعود حتى يتضايق عن احتمال ما قد غشيه من ذلك، فلم يبعد عن الحق؛ لما في كشف الحجاب من معنى النزل عن معارج الجلال إلى معالم الجمال. وفي قوله: (وهو يسعه [١٩٢/أ] ما بين السماء والأرض]، تنبيه على أن الكرسي ليس بمنهبط من مستقره الذي هو عليه؛ لأنه إذا وسعه السموات والأرض لم تكن السموات والأرض لتسعه.
هذا وقد أخبرنا الصادق المصدوق ﷺ أن الكرسي فوق السموات، ولا جائز أن نقول: إن الكرسي ينزل إلى السموات للمانع الذي ذكرناه، بل نقول: إن الكرسي إذا طويت السموات انكشفت للناظرين، وذلك بروزه لفصل القضاء.
وإذا كان الكرسي ممتنعاً بوصفه الذي هو عليه عن النزول إلى العالم الذي هو تحته ودونه، وصار الكرسي محتوياً عليه ومحيطاً به، مع أنه من جملة الأجسام التي يجوز عليها التحول والانتقال، فما ظنك بمن لا يستولى عليه صفات الأجسام، ولا تجرى عليه أحكام الحدثان، تعالى وتقدس عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
والمراد عن القيام على اليمين قيامه مقام الكرامة وقد ذكرناه فيما مر.
وفيه: (بريطتين). الريطة: الملاءة إذا كانت قطعة واحدة، ولم تكن لفقتين.
[٤٢١٨] ومنه قول عمر- ﵁ في حديث أنس- ﵁: (إن شاء أن يدخل خلقه بكف واحدة فعل).
стр. 1172
قلت: إنما ضرب المثل بالحثيات؛ لأن من شأن المعطي إذا استزيد أن يحثى بكفيه من غير حساب، وربما ناوله ملء كف، وإنما لم يجب رسول الله ﷺ أبا بكر بمثل كلام عمر- ﵄ لأنه وجد للتارات في ذلك مدخلاً فإن الله ينجي خلقه من عذابه بشفاعة الشافعين الفوج بعد الفوج، والقبيل بعد القبيل، ثم يخلص من قصر عنه شفاعة الشافعين بفضله ورحمته، وهو الذين سلم لهم الإيمان، ولم يعملوا خيراً قط، على ما مر في الحديث.
[٤٢٢١] ومنه حديث ابن مسعود- ﵁ قال رسول الله ﷺ : (يرد الناس النار ثم يصدرون منها بأعمالهم ...) الحديث.
الورود: أصله قصد الماء، ثم يستعمل في غيره، والمراد منه هاهنا الجواز على جسر جهنم، وقد بينه بما بعده، (وأولهم كلمح البرق) إلى تمام الحديث.
وإنما سماه وروداً؛ لأن المارة على الصراط يشاهدون النار ويحضرونها.
تقول: وردت ماء كذا، إذا حضرته وإن لم تشرع فيه، وعلى هذا الوجه يأول قوله- سبحانه-: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ لا معدل عنه لما شهد له الحديث بالصحة.
стр. 1173
ومعنى قوله: (يصدرون منها)، أي: ينصرفون عنها، فإن الصدر إذا عدى بعن اقتضى الانصراف، وهذا على الاتساع، ومعناه النجاة منها بأعمالهم؛ إذ ليس هناك انصراف، وإنما هو المرور عليها، فوضع الصدر موضع النجاة للمناسبة التي بين الصدر والورود.
ومن باب صفة الجنة
(من الصحاح)
[٤٢٢٣] حديث أنس- ﵁ عن النبي ﷺ (موضوع سوط في الجنة ...) الحديث.
قلت: إنما خص السوط بالذكر؛ لأن من شأن الراكب إذا أراد النزول في منزل أن يلقى سوطه قبل أن ينزل معلماً بذلك المكان الذي يريده لئلا يسبقه إليه أحد.
[٤٢٢٤] وفي معناه قوله ﷺ في الحديث الذي يتوله من رواية أبي سعيد [١٩٢/ب] الخدري- ﵁ (ولقاب قوس أحكم) والقاب ما بين المقبض والسية، ولكل قوس قابان، والراجل يبادر إلى تعيين المكان بوضع قوسه، كما أن الراكب يبادر إليه برمي سوطه.
[٤٢٢٥] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي موسى الأشعري- ﵁: (وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء).
يريد بذلك أن العبد المؤمن إذا تبوأ مقعده من الجنة تبوأ والحجب مرتفعة والموانع التي تحجزهم عن النظر إلى ربهم مضمحلة إلى ما يصدهم عن هيبة الجلال وسبحات الجمال وأبهة الكبرياء، فلا يرتفع ذلك منهم إلا برأفة ورحمة منه تفضلاً على عباده.
وقد بينا في أول الكتاب تصور المعنى في رداء الكبرياء.
стр. 1174
وفيه: (في جنة عدن)، أي: استقرار وثبات. يقال: عدن بمكان كذا، أي: استقر، ومن المعدن لمستقر الجواهر.
[٤٢٢٦] ومنه قوله ﷺ في حديث عبادة بن الصامت- ﵁: (ومنها تفجر أنهار الجنة الأربعة) يريد بها أصول الأنهار المذكورة في كتاب الله ﴿فيها أنهار من ماء غير آسن ..﴾ الآية.
[٤٢٣٠] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (من يدخل الجنة ينعم، لا يبأس)، يريد: أن نعيم الجنة لا يشوبها بؤس ولا يتعقبها شدة فتكدرها يقال: بئس يبأس بؤساً وبئيساً: إذا اشتدت حاجته فهو بائس، وقد سبق بيانه فيما مر.
стр. 1175
[٤٢٣٢] ومنه حديث أبي سعيد الخدري- ﵁[عن النبي ﷺ ]: (إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق ...) الحديث.
الدري بضم الدال من غير همز منسوب إلى الدر لصفاء لونه وخلوصة نوره وقد قرئ في كتاب الله بالهمز مع ضم الدال، وهو لين ينكره أهل اللغة. والمعتد به كوكب دري بضم الدال من غير همز، وبكسر الدال مع الهمز.
قيل: ودرؤه: طلوعه، وذلك أنه يطلع عليك من مطلعه فجأة، فيقال: درأ علينا فلان وطرأ: إذا طلع فجأة. وزعم الفراء أنه من درأ بمعنى دفع، كأنه رجم به الشيطان فدفعه، والأول أسد وأصح.
(والغابر): قد اختلف فيه الرواة، فمنهم من رواه بالهمز بعد الألف من الغور يريدون انحطاطه في الجانب الغربي ومنهم من رواه بالياء من الغبور، والمراد منه الباقي في الأفق بعد انتشار ضوء الفجر، فإنما يستنير في ذلك الوقت الكوكب المضيء.
ولا أشك أن الرواية الأولى نشأت من تصحيف صحفي لم يعنه النظر؛ لبلادته على ما يشهد عليه سياق الحديث، وذلك قوله ﷺ : (من المشرق أو المغرب)، وفي رواية أخرى (في الأفق الشرقي أو الغربي) وغور الكواكب في الجانب الشرقي مما لا يتصور.
وفي كتاب المصابيح: (من المشرق والمغرب) والصواب: (من المشرق أو المغرب). وكذلك [١٩٣/أ] رواه مسلم في كتابه.
[٤٢٣٣] ومنه حديثه الآخر عن النبي ﷺ : (يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير). يريد بذلك ما جبلوا عليه من لين الأفئدة ورقتها.
стр. 1176
[٤٢٣٦] ومنه حديثه الآخر عن النبي ﷺ : (سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة).
سيحان: نهر بالشام، وكذلك جيحان، والأول من السيح، والثاني من جحن والنون فيه أصلية، وساحين نهر بالبصرة، وسيحون نهر بالهند، وجيحون نهر بلخ.
وأرى في الحديث وجهين: أحدهما: أن نقول: إنما جعل الأنهار الأربعة من أنهار الجنة لما فيها من السلاسة والعذوبة والهضم وتضمنها البركة الإلهية وتشرفها بورود الأنبياء إليها وشربهم عنها، وذلك مثل قول النبي ﷺ في عجوة المدينة: (إنها من ثمار الجنة) وقد ذكرنا الوجه فيه.
والآخر: أن نقول: يحتمل أنه سمى الأنهار التي هي أصول أنهار الجنة بتلك الأسامي ليعلم أنها في الجنة بمثابة الأنهار الأربعة في الدنيا، أو لأنها مسميات بتلك التسميات فوقع الاشتراك فيها.
(ومن الحسان)
[٤٢٣٨] قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁: (ينعم، لا يبأس).
قد ذكرنا تفسيره، وقد وجدناه في المصابيح، وفي بعض كتب الحديث: (يبؤس) بالهمزة المضمومة لدلالة الواو على الضم، وبأس الأمر يبؤس إذا اشتد، وبأس يبأس إذا افتقر، والغلط إنما وقع في رسم الخط، والصواب: لا يبأس.
стр. 1177
[٤٢٤٢] ومنه حديث أبي سعيد الخدري- ﵁ عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وفرش مرفوعة﴾ قال: (ارتفاعها لكما بين السماء والأرض).
ذكر بعض أهل العلم من أصحاب المعاني في تأويله أن المراد منه ارتفاع الفرش المرفوعة في الدرجات، وما بين كل درجتين من الدرجات لكما بين السماء والأرض.
وهذا القول أوثق وأعرق من قول من قال: إنها نضدت حتى ارتفعت، ومن قول من قال: مرفوعة على الأسرة، ومن قول من قال: إنها كناية عن النساء، وذلك لما في الحديث: (إن الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض).
стр. 1178
[٤٢٥٠] ومنه حديث بريدة الأسلمي- ﵁ أن رجلاً قال: يا رسول الله هل في الجنة من خيل؟ قال: (إن الله أدخلك الجنة ...) الحديث.
تقدير الكلام إن أدخلك الله الجنة، وفي الكلام حذف واختصار، والتقدير: فلا تشاء أن تحمل على فرس من نعته كذا وكذا إلا حملت عليه.
وقد دل على صحة ما ذهبنا إليه ما في الرواية الأخرى: (إن أدخلت الجنة أتيت بفرس ...) الحديث.
стр. 1179
[٤٢٥٢] ومنه حديث عبد الله بن عمر- ﵁ قال رسول الله ﷺ (باب أمتي الذي يدخلون من الجنة عرضه مسيرة الراكب المجود ...) الحديث.
ألحق بالكتاب: ضعيف منكر، وإنما قلنا: ألحق؛ لأن المؤلف تبرأ في أول الكتاب عن إيراد المناكير.
وقد روى الترمذي هذا الحديث في كتابه ثم قال: هذا حديث غريب، وسألت محمداً عن هذا الحديث- يعني البخاري- فلم يعرفهن وقال: لخالد بن أبي بكر مناكير [١٩٣/ب] عن سالم بن عبد الله عن أبيه.
قلت: ومدار هذا الحديث على خالد هذا.
ومما يدل على وهنه مخالفته للأحاديث التي وردت في بعد ما بين المصراعين، ومنها الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ (والذي نفسي بيده، إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر).
قلت: وهجر مدينة باليمن، وهي قاعدة البحرين، وبينها وبين البحرين عشر مراحل، وأين مسيرة الراكب ثلاثاً عن هذه المسافة.
[٤٢٥٣] ومنه حديث علي- ﵁ قال رسول الله ﷺ : (إن في الجنة لسوقاً ما فيها شراء ولا بيع إلا الصور ..) الحديث.
يحتمل أنه أراد بالصورة الهيئة التي يكون عليها المؤمن من تاج ولباس وزينة، ويكون المراد منه عرض الصور المستحسنة عليهن فإذا اشتهى وتمنى أن تكون صورته على تلك الصيغة هيأ الله له ذلك بالقدرة الأزلية، فيصير منطبعاً عليها.
وليس المعنى أنه يفارق جثته فيدخل في جثة أخرى، فإن تبديل الأجزاء من الشخص بأجزاء أخر لم يحشر عليها غير سائغ في حكمة الله ثم إنه مخالف للتوقيف، والوجه الأول أشبه لما في حديث أبي هريرة في صفة السوق: (فيروعه ما يرى عليه من اللباس، فما ينقضي آخر حديثه حتى يتخيل عليه ما هو أحسن منه)، وهذا يؤيد ما ذهبنا إليه من تأويل الصورة بالهيئة التي يكون عليها.
стр. 1180
[٤٢٥٤] ومنه قوله ﷺ حديث أبي هريرة- ﵁: (ولا يبقى في ذلك المجلس رجل إلا حاضره الله محاضرة).
الكلمتان بالحاء المهملة، والضاد المعجمة، والمراد من ذلك كشف الحجاب والمقاولة مع العبد من غير حجاب ولا ترجمان ويبينه الحديث: (ما منكم من أحد إلا ويكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ...) الحديث وقد صحف فيهما بعض الرواة فرواهما بالخاء المعجمة والصاد المهملة، وقد أحال، ولو ساعده التوفيق لم يدحض حيث لا مدحض فيه.
[٤٢٥٥] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي سعيد: (كما بين الجابية: إلى صنعاء) الجابية مدينة بالشام.
стр. 1181
[٤٢٥٦] ومنه قوله ﷺ في حديث علي- ﵁: (ونحن الناعمان فلا نبأس) كتب في الكتاب بالواو، وليس بسديد على ما ذكرنا.
ومن باب رؤية الله سبحانه
(من الصحاح)
[٤٢٥٩] قوله ﷺ في حديث جرير- ﵁: (فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا) فيه تنبيه على أن أهل تلك الفضيلة هم الذين لا يغلبون على صلاتي الصبح والعصر. وإنما خص هاتين الصلاتين بالحث دون سائرها لما في الصبح من ركون النفس إلى
стр. 1182
الاستراحة وتثبطها عن القيام عما هي فيه من لذة الكرى، ولما في العصر من الشغل بالمعاملات فإنه وقت قيام الأسواق في البلدان، فإذا لم تلحقه فترة في هذين الوقتين- مع شدة الداعية وقيام المانع، فبالأحرى أن لا تلحقه في غيرهما من الأوقات. [١٩٤/أ].
ومن باب صفة النار وأهلها
(من الصحاح)
[٤٢٦٤] قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁: (فأذن لها بنفسين ...) الحديث. قد مر بيانه في كتاب الصلاة.
стр. 1183
=====
стр. 1184
(ومن الحسان)
[٤٢٧٤] قوله ﷺ في حديث أبي هريرة أيضاً: (وفخذه مثل البيضاء) في بلاد العرب مواضع تسمى البيضاء، وقد ذكر الترمذي في كتابه بعد رواية هذا الحديث أن البيضاء جبل.
قلت: مما يحقق قوله أنه وجد في غير هذا الحديث مقروناً في الذكر بورقان وأحد، وهما من جبال المدينة.
وفي حديث أبي ذر- ﵁ (أنه خرج في لقاح رسول الله ﷺ وكانت ترعى البيضاء فأجدب ما هنالك، فقربوها إلى الغابة) وذكر بعضهم أنها موضع لحمى الربذة.
وفيها يقول القائل:
لقد مات بالبيضاء من جانب الحمى
وفيه: (مثل الربذة). الربذة على ثلاث مراحل من المدينة قريب من ذات عرق.
стр. 1185
[٤٢٨٢] ومنه حديث أبي سعيد- ﵁ عن النبي ﷺ : (لو أن دلوا من غساق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا).
وجدت في كتاب جمع من حفاظ الحديث (أهل الدنيا) مقيداً لامه بالنصب، وليس ذلك بصواب، فإن أنتن لازم، يقال: نتن الشيء إذا تغير، وإنما الصواب (أهل) بالرفع، ولو كان الفعل متعدياً كان المعنى أتم وأوجه، فيحتمل أن الأصل فيه كانت لنتن بالتشديد، فلم يعرف بعض الرواة الفرق بين الكلمتين، فرواه أنتن.
стр. 1186
[٤٢٨٨] ومنه حديث أبي موسى الأشعري- رضي الله عنه_ عن النبي ﷺ : (إن في جهنم وادياً يقال له: هبهب ...) الحديث.
يحتمل أنه سمي بذلك لسرعة وقوعه في المجرمين، فإن الهبهب السريع، أو لشدة أجيج النار فيه فغن الهبهاب الصياح أو للمعانه عند الاضطرام والالتهاب من قولهم: هبهب السراب: إذا ترقرق.
[٤٢٨٩] ومنه حديث عبد الله بن عمرو- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لو أن رصاص مثل هذه ..) الحديث.
قلت: في سائر نسخ المصابيح: (رضراضة) مكان رصاصة، وهو غلط لم يوجد في غير كتاب المصابيح، وهذا الحديث من جملة أحاديث كتاب الترمذي، ومن كتابه نقله المؤلف، ولعل الغلط وقع من
стр. 1187
غيره، وأراد بالرصاصة القطعة من الرصاص، وأشار إلى مثل الجمجمة تبيناً لحجمها وتنبيهاً على تدور شكلها بين مدى قعر جهنم بأبلغ ما يمكن من البيان، وذلك أنه ضرب المثل بالرصاص الذي هو من الجواهر الرزينة، والجوهر كلما كان أتم رزانة كان أسرع هبوطاً إلى مستقره، لاسيما إذا انضم إلى رزانته كبر جرمه ثم قدره على الشكل الكروي فإنه أقوى انحداراً، وأبلغ مروراً في الجو.
ومن باب خلق الجنة والنار
(من الصحاح)
[٤٢٩١] قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁: (حتى يضع الله رجله يقول: قط قط).
قد أشرنا غير مرة إلى [١٩٤/ب] سبيل الفئة المتنزهة عن الإقدام على تأويل أمثال هذه الأحاديث مع براءتهم عن الشبه التي لا تسلم معها العقائد، ومع بيان صحة مقاصدهم في ذلك، فأما أهل العلم بوجوه كلام العرب السالكون منهم مسلك التأويل فإنهم يقولوا كل شيء قدمته فهو قدم كما يقال لكل شيء قبضته قبض. ومنه قوله تعالى: ﴿وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم﴾ أي: ما قدموه من الأعمال الصالحات، فيحتمل أن يكون المراد من القدم من قدمهم الله تعالى للنار من أهلها، فتمتلئ منهم جهنم مستوفاة بهم عدة أهلها، ويؤول الرجل على نحو من ذلك، وقالوا: أراد به استيفاء عدد استوجبوا دخول النار.
قالوا: والرجل وإن كان اسما خاصاً لجماعة الجراد، فإن استعمالها في جماعة الناس على طريق الاستعارة غير خارج عن مذاهب العرب في القول المستعار.
стр. 1188
قلت: وأرى في الرجل احتمالاً أقوى مما ذكروا، وهو أن يكون الراوي روى الحديث بالمعنى، وظن أن الرجل يسد مسد القدم.
ومما يؤيد ذلك أن البخاري روى هذا الحديث في كتابه بإسناده عن أبي هريرة من طريقين، وفي أحدهما: (فيضع الرب قدمه عليها) وفي الآخر: (حتى يضع رجله) ورواه أيضاً بإسناده عن أنس، وفي رواية: (حتى يضع رجله) أو قال: (قدمه).
قلت: ويحتمل أن يكون وضع القدم والرجل من باب المجاز والاتساع، ولم يرد بهما أعيانهما، بل أراد بذلك ما يدفع شرتها ويسكن سورتها ويقطع مسألتها، ويدل عليه قوله: (فيضع الرب قدمه عليها) ولم يقل: (فيها) وفي حديث أنس لم يذكر ظرفاً، ثم إنه أتى بهما من غير إضافة إلى الله سبحانه. وقوله: (قط قط)، أي: كفى كفى، وقط، إذا كانت بمعنى حسب، فهي مفتوحة القاف ساكنة الطاء، وإذا أضيفت قلت: قطك هذا الشيء وقطني، وقطي، وقط، والذي يعتمد عليه من الرواية في هذا الحديث بسكون الطاء، ويحتمل الكسر، أي: حسبي حسبي، وفي سائر نسخ المصابيح انتهي بها إلى ثلاث، وهي إحدى الروايات في كتاب مسلم، وفيما سوى ذلك منه، وفي سائر طرقها من كتاب البخاري لم يتعد بها عن الثنتين، والله أعلم.
ومن باب بدء الخلق
(من الصحاح)
[٤٢٩٤] قوله في حديث عمران بن حصين- ﵁: (كان الله ولم يكن قبله شيء وكان
стр. 1189
عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض) كان الله ولم يكن قبله شيء: فصل مستقل بنفسه لا بالفصل الثاني، وهو قوله: (وكان عرشه على الماء) لما بين الفصلين من المنافاة فإنك إذا جعلت: (وكان عرشه على الماء) من تمام القول الأول، فقد ناقضت الأول بالثاني: لأن القديم من لم يسبقه شيء، ولم يعارضه في الأولية، وقد أشار بقوله: (وكان عرشه على الماء)، إلى أنهما كانا مبدأ التكوين، وأنهما كانا مخلوقين قبل السموات والأرض، ولم يكن تحت العرش قبل السموات والأرض إلا الماء، وكيفما كان، فالله سبحانه خالق ذلك كله وممسكه بقوته وقدرته. وقوله: (وكتب في الذكر) أي: أثبت جميع ما هو كائن في اللوح المحفوظ.
[٤٢٩٦] ومنه حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : (إن الله كتب كتاباً ..) الحديث. يحتمل أن يكون المراد بالكتاب اللوح المحفوظ، ويكون معنى قوله: (فهو عنده) أي فعلم ذلك عنده. ويحتمل أن يكون المراد منه القضاء الذي قضاه. وعلى الوجهين، فإن قوله: (فهو عنده فوق العرش) تنبيه على كينونته مكنوناً عن سائر الخلائق، مرفوعاً عن حيز الإدراك، ولا تعلق لهذا القول بما يقع في النفوس من التصورات- تعالى الله عن صفات الحدثان، فإنه هو البائن عن جميع خلقه، المتسلط على كل شيء بقهره وقدرته.
قلت: وفي سبق الرحمة بيان أن قسط الخلق منها أكثر من قسطهم من الغضب، وأنها تنالهم من غير استحقاق، وأن الغضب لا ينالهم إلا باستحقاق، ألا يرى أنها تشمل الإنسان جنيناً ورضيعاً وفطيماً وناشئاً، من غير أن صدر منه طاعة استوجب بها ذلك، ولا يلحقه الغضب إلا بما يصدر عنه من المخالفات ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم﴾ فله الحمد على ما ساق إلينا من النعم قبل استحقاقها.
стр. 1190
[٤٢٩٨] ومنه حديث أنس ﵁: (لما صور الله آدم في الجنة .. الحديث) أرى هذا الحديث مشكلاً جداً، فقد ثبت بالكتاب والسنة أن آدم خلق من أجزاء الأرض، فإن قيل: يحتمل أن طينته خمرت في الأرض، ثم حملت إلى الجنة، فصور فيها. قلنا: قد اشتهر في أخبار الأولين والآخرين أنه خلق من طين، ثم تركه حتى صار صلصالاً كالفخار، وأنه كان ملقى ببطن نعمان، وهو من أودية عرفات.
وفي حديث فضل يوم الجمعة: (فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها) وهو حديث صحيح، وقد دل على أنه أدخل الجنة وهو بشر حي، ويؤيده المفهوم من نص الكتاب: ﴿وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة﴾ ولو أخذنا بظاهر هذا الحديث لزم منه أنه خلق في الجنة، ثم أخرج منها، ثم أعيد إليها، ثم أخرج منها، وهذا قول يخالف نصوصاً كثيرة، فلا أرى الوجه فيه إلا احتمال أن يكون الكلمتان، أعني في الجنة، سهواً من بعض الرواه، أخطأ سمعه فيه، ولأن نقدر هذا التقدير أبر وأتقى من إحالة القول المتضاد على من عصمه الله من الخطأ فيما يخبر عنه ﷺ أبد الآبدين ودهر الداهرين.
[٤٢٩٩] ومنه حديثه الآخر- ﵁ (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: (يا خير البرية .. الحديث) قلت: لا يلزم من هذا أن يكون أحد من ولد آدم خيراً منه، لاحتمال أن يكون قوله هذا على سبيل التواضع وهضم النفس، ولاحتمال أن إبراهيم- ﵇ كان يدعى بهذا النعت، أو خوطب به عن الله، اعتباراً بزمانه، فغن البرية على الحقيقة تطلق على من برأه الله قبل إبراهيم، أو في زمانه، أو على من لم يخلق بعد، ولابد لنا من القول بأحد الوجهين؛ لئلا يخالف النصوص الصحيحة [١٩٥/ب) التي وردت في فضل سيد المرسلين على سائر الأولين والآخرين ﷺ أولاً وآخراً.
[٤٣٠٠] ومنه حديثه الآخر: (اختتن إبراهيم النبي ﵇ .. الحديث) القدوم- بتخفيف الدال- موضع بالشام، ومن المحدثين من يشدد، وهو خطأ، ومن الناس من يظن أنه اختتن بالقدوم الذي ينحت به، وهو غلط. وبالمدينة جبل يقال له: قدوم، ومنه الحديث: (بطرف القدوم) وأكبر ظني أن هذا بالتشديد.
[٤٣٠١] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁: (لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات .. الحديث).
стр. 1191
قلت: إنما سماها كذبات وإن كانت من جملة المعاريض-لعلو شأنهم عن الكناية بالحق، فيقع ذلك موقع الكذب عن غيرهم، وكذلك حكاه عن إبراهيم ﵇ فيما يقوله يوم يسأل الشفاعة: فيقول: إني قد كذبت ثلاث كذبات (نفسي نفسي) وقوله: (في ذات الله) أي: فيما يختص به ولم يكن لإبراهيم نفسه فيه أرب، وقد ذكرنا معنى الذات فيما تقدم من الكتاب.
وفيه: (إن علم أنك امرأتي يغلبني عليك) وجه هذا القول- والله أعلم- أن ذلك الجبار كان من أمره الذي يتدين به في أحكام السياسة، أن لا يتعرض إلا لذوات الأزواج، يرى أنها إذا اختارت الزوج، فليس لها أن تمتنع من السلطان، بل يكون هو أحق بها من زوجها، فأما اللاتي لا أزواج لهن، فلا سبيل عليهم إلا إذا رضين. هذا هو الوجه الذي يقتضيه لفظ الحديث.
وفيه: (فغط حتى ركض برجله) الغط: الضغط الشديد وهو هاهنا بمعنى الخنق، أي: أخذ بمجاري نفسه، حتى سمع له غطيط.
وفيه: (إنما أتيتني بشيطان) أراد به المتمرد من الجن، وكانوا يهابون الجن ويعظمون أمرهم.
وفيه: (فأما بيده: مهيم) جعل لفظة مهيم مفسرة للإيماء، وليست بترجمة لقوله، فإن قيل: أولم يكن الكلام في الصلاة مباحاً في أول الإسلام، فما ينكر أن يكون في ملة إبراهيم على ما كان عليه من أول الإسلام؟
قلنا: لم نذهب إلى ما ذهبنا إليه اتكالاً على تحريم الكلام، فإنه شيء لم نطلع على حقيقة الأمر فيه، وإنما ذهبنا بمكن الإيماء باليد، ثم إنها لو كانت مفسرة لقوله، لكان من حقه أن يقال: فأومأ بيده، وقال: مهيم. فإن قيل: فلم لا يجوز أن يكون في الكلام حذف؟ قلنا: لا ضرورة [١٩٦/أ] بنا إلى هذا التقدير، وليس بنا حاجة بأن ندع ظاهر الكلام ونقدر ما ليس لنا به علم، و (مهيم) كلمة يمانية يستعملونها في الاستفهام، ومعناها: مالك، وما شأنك.
وفيه: (فتلك أمكم يا بني ماء السماء)، قال الخطابي: أراد بها العرب، لأنهم يبتغون مواقع القطر، ويتعيشون منها.
стр. 1192
قلت: ولا اختصاص للعرب بهذا، فإن جميع أصحاب الأموال يبتغون مواقع القطر، وغير العرب أحق بهذا النبز من العرب، إذ لا يوجد في سائرهم أقل ماء من العرب، ولا أصبر على فقدانه منهم. وأرى أنه خاطب بهذا القول الأنصار، فإن ماء السماء لقب عامر بن حارثة الأزدي، وهو أبو عمرو مزيقياء، وهو الذي خرج من اليمن لما أخبر بسيل العرم، وسمي ماء السماء، لأنه كان إذا أجدب قومه مائهم حتى يأتيهم الخصب، فقالوا: هو ماء السماء. وقيل لولده: بنو ماء السماء، ومن ولده الأنصار وملوك الشام.
ومن قيل بعض الأنصار:
أنا ابن مزيقيا عمرو، وجدي .... أبوه عامر ماء السماء
ويقال لملوك العراق أيضاً: بنو ماء السماء، نسبوا إلى أمهم أم المنذر بن امرئ القيس اللحمي، وهي: بنت عوف بن جشم، سميت بذلك لجمالها، وهذا مما لا مدخل له فيما نحن فيه، وإنما ذكرناه دفعاً للالتباس.
[٤٣٠٤] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁: (نحن أحق من إبراهيم إذ قال: رب أرني كيف تحيي الموتى) أي: نحن أحق بهذا السؤال منه، أراد بذلك تفخيم أمره، وأن ذلك منه لم يكن لنقصان في يقينه، ونحن أحق بطلب تلك المنزلة لحصول الاطمئنان.
ورواه بعضهم: (نحن أحق بالشك من إبراهيم) يريد أن هذا السؤال منه لم يكن لشك، ونحن أحق بالشك منه، ولسنا نشك فيه، فكيف يجوز أن يشك هو فيه؟ والقصد في نفي الشك عن إبراهيم، لا إثبات الشك لنفسه أو لمن اتبعه. وأصح الطرق ما لم يذكر فيه الشك، وإنما حذفه واقتصر الكلام كراهة أن يجعل لنفسه مثل السوء، وكان من دأبه الكريم أن يعدل عن مثل هذه الألفاظ ويحتشم عنها.
وفيه: (يرحم الله لوطاً، فإنه كان يأوى إلى ركن شديد) كأنه استغرب منه هذا القول، وعده بادرة منه، إذ لا ركن أشد من الركن الذي كان يأوي إليه.
стр. 1193
وأما قوله في يوسف- ﵇ فإنه منبئ عن إحماده صبر [١٩٦/ب] يوسف، وتركه الاستعجال بالخروج من السجن مع امتداد مدة الحبس عليه، وأراه محتملاً لوجه آخر، هو: أنه رأى الكمال في الاسترسال مع الله على ما يأتي به عبده، ويوسف- ﵇ إنما لبث في السجن بضع سنين، لأنه ابتغى الفرج عما هو فيه باللجؤ إلى العبيد، وكان الأولى بحاله أن لا يشكون ضره إلا إلى مولاه، ولا يتلقى الفرج قبل مجيئه، بل ينتظره بالصبر، ولا يعارض ما تيسر من الغيب بأمر من عنده، فأشار إلى أنه لو كان هو مكانه لتلقى الدعوة من الغيب الإجابة، وهذا تأويل سلكت فيه مسلك علمائنا من الصوفية قدس الله أرواحهم- ثم إن في ضمن هذا الحديث تنبيه على أن الأنبياء- ﵈ وأن كانوا من الله بمكان لا ينازلهم فيه أحد، فإنهم بشر، يطرأ عليهم من الأحوال ما يطرأ على البشر، فلا تعدوا ذلك منقصة، ولا تحسبوه مسبة.
[٤٣٠٦] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁: (إن بالحجر لندباً) أي: أثراً، وهو بالتحريك، والأصل فيه أثر الجرح، إذ لم يرتفع عن الجلد. والندب أيضاً: الخطر.
[٤٣٠٧] ومنه قوله ﷺ في حديثه أيضاً: (لا تخيروني على موسى) أي: لا تفضلوني عليه. قول قاله على سبيل التواضع أولاً، ثم ليردع الأمة عن التخيير بين أنبياء الله من تلقاء أنفسهم ثانياً، فإن ذلك يفضي بهم إلى العصبية، فينتهز الشيطان منهم عند ذلك فرصة، فيدعوهم إلى الإفراط والتفريط، فيطرون الفاضل فوق حقه، ويبخسون المفضول حقه، فيقعون في مهواة الغي، ولهذا قال: (لا تخيروا بين الأنبياء)
стр. 1194
أي: لا تقدموا على ذلك بأهوائكم وآرائكم بل بما أتاكم من الله من البيان، وعلى هذا النحو قوله ﷺ : (ولا أقول: إن أحداً خير من يونس بن متى) أي: لا أقوله من تلقاء نفسي ولا أفضل أحداً عليه، من حيث النبوة والرسالة، فإن شأنهما لا يختلف باختلاف الأشخاص، بل نقول: كل من أكرم بالنبوة، فإنهم سواء فيما جاءوا به عن الله، وإن اختلفت مراتبهم، وكذلك من أكرم بالرسالة، وإليه وقعت الإشارة بقوله سبحانه ﴿لا نفرق بين أحد من رسله﴾ وإنما خص يونس بالذكر من بين الرسل؛ لما قص الله عليه في كتابه من أمر يونس وتوليه عن قومه، وضجرته عند تثبطهم في الإجابة، وقلة الاحتمال عنهم والاحتفال بهم، حين راموا التنصل، فقال -عز من قائل: ﴿ولا تكن كصاحب الحوت﴾ وقال: ﴿وهو مليم﴾ فلم يأمن ﷺ أن يخامر بواطن الضعفاء من أمته ما يعود إلى نقيصة [١٩٦/أ] في حقه، فنبأهم أن ذلك ليس بقادح فيما آتاه الله من فضله، وأنه مع ما كان من شأنه كسائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين.
هذا قول جامع في بيان ما ورد في هذا الباب، فافهم ترشد إلى الأقوم. وأما ما ذكره في هذا الحديث من الصعقة، فهي بعد البعث، عند نفخة الفزع، فأما في البعث، فلا تقدم لأحد فيه على نبينا ﷺ واختصاص موسى ﵇ بهذه الفضيلة لا يوجب له تفضيلاً على من تقدمه بسوابق جمة، وفضائل كثيرة، والله المسئول أن يعرفنا حقوقهم، ويحيينا على محبتهم، ويميتنا على سنتهم، ويحشرنا على ما كانوا عليه.
[٤٣١٠] ومنه حديثه الآخر عنه ﷺ : (إنما سمي الخضر؛ لأنه جلس على فروة بيضاء .. الحديث) أراد به الهشيم اليابس، شبهة بالفروة، وقوله: (خضراء) على زنة: حمراء ومنهم من رواه (خضراً) بالتنوين، أي: نباتاً أخضر ناعماً.
стр. 1195
وحديثه الآخر الذي يتلو هذا الحديث قد مر بيانه. وفيه: (فما توارت يدك) وصوابه (فما وارت يدك) وهذا غلط وقع عن بعض الرواة في كتاب مسلم. وفي كتاب البخاري: (فله بما غطت يده بكل شعرة سنة).
[٤٣١٣] ومنه حديث جابر- ﵁: (عرض على الأنبياء، فإذا موسى ضر من الرجال) يريد: أنه كوشف بما كانوا عليه من الصور والأشخاص، فوجد المذكورين منهم في هذا الحديث على ما نعتهم. و (الضرب): الرجل الخفيف اللحم. قال طرفة:
أنا الرجل الضرب الذي تعرفونه .... خشاش كرأس الحية المتوقد
و (الشنوءة): التباعد من الأدناس. ومنه (أزد شنوءة) وهم حي من اليمن.
قال ابن السكيت: وربما قالوا: شنوة- بالتشديد من غير همز. قال الشاعر:
نحن قريش، وهو شنوة .... بنا قريشا ختم النبوة
следующие страницы →