Полный текст (1 323 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
قلت: إنما سماها كذبات وإن كانت من جملة المعاريض-لعلو شأنهم عن الكناية بالحق، فيقع ذلك موقع الكذب عن غيرهم، وكذلك حكاه عن إبراهيم ﵇ فيما يقوله يوم يسأل الشفاعة: فيقول: إني قد كذبت ثلاث كذبات (نفسي نفسي) وقوله: (في ذات الله) أي: فيما يختص به ولم يكن لإبراهيم نفسه فيه أرب، وقد ذكرنا معنى الذات فيما تقدم من الكتاب.
وفيه: (إن علم أنك امرأتي يغلبني عليك) وجه هذا القول- والله أعلم- أن ذلك الجبار كان من أمره الذي يتدين به في أحكام السياسة، أن لا يتعرض إلا لذوات الأزواج، يرى أنها إذا اختارت الزوج، فليس لها أن تمتنع من السلطان، بل يكون هو أحق بها من زوجها، فأما اللاتي لا أزواج لهن، فلا سبيل عليهم إلا إذا رضين. هذا هو الوجه الذي يقتضيه لفظ الحديث.
وفيه: (فغط حتى ركض برجله) الغط: الضغط الشديد وهو هاهنا بمعنى الخنق، أي: أخذ بمجاري نفسه، حتى سمع له غطيط.
وفيه: (إنما أتيتني بشيطان) أراد به المتمرد من الجن، وكانوا يهابون الجن ويعظمون أمرهم.
وفيه: (فأما بيده: مهيم) جعل لفظة مهيم مفسرة للإيماء، وليست بترجمة لقوله، فإن قيل: أولم يكن الكلام في الصلاة مباحاً في أول الإسلام، فما ينكر أن يكون في ملة إبراهيم على ما كان عليه من أول الإسلام؟
قلنا: لم نذهب إلى ما ذهبنا إليه اتكالاً على تحريم الكلام، فإنه شيء لم نطلع على حقيقة الأمر فيه، وإنما ذهبنا بمكن الإيماء باليد، ثم إنها لو كانت مفسرة لقوله، لكان من حقه أن يقال: فأومأ بيده، وقال: مهيم. فإن قيل: فلم لا يجوز أن يكون في الكلام حذف؟ قلنا: لا ضرورة [١٩٦/أ] بنا إلى هذا التقدير، وليس بنا حاجة بأن ندع ظاهر الكلام ونقدر ما ليس لنا به علم، و (مهيم) كلمة يمانية يستعملونها في الاستفهام، ومعناها: مالك، وما شأنك.
وفيه: (فتلك أمكم يا بني ماء السماء)، قال الخطابي: أراد بها العرب، لأنهم يبتغون مواقع القطر، ويتعيشون منها.
стр. 1192
قلت: ولا اختصاص للعرب بهذا، فإن جميع أصحاب الأموال يبتغون مواقع القطر، وغير العرب أحق بهذا النبز من العرب، إذ لا يوجد في سائرهم أقل ماء من العرب، ولا أصبر على فقدانه منهم. وأرى أنه خاطب بهذا القول الأنصار، فإن ماء السماء لقب عامر بن حارثة الأزدي، وهو أبو عمرو مزيقياء، وهو الذي خرج من اليمن لما أخبر بسيل العرم، وسمي ماء السماء، لأنه كان إذا أجدب قومه مائهم حتى يأتيهم الخصب، فقالوا: هو ماء السماء. وقيل لولده: بنو ماء السماء، ومن ولده الأنصار وملوك الشام.
ومن قيل بعض الأنصار:
أنا ابن مزيقيا عمرو، وجدي .... أبوه عامر ماء السماء
ويقال لملوك العراق أيضاً: بنو ماء السماء، نسبوا إلى أمهم أم المنذر بن امرئ القيس اللحمي، وهي: بنت عوف بن جشم، سميت بذلك لجمالها، وهذا مما لا مدخل له فيما نحن فيه، وإنما ذكرناه دفعاً للالتباس.
[٤٣٠٤] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁: (نحن أحق من إبراهيم إذ قال: رب أرني كيف تحيي الموتى) أي: نحن أحق بهذا السؤال منه، أراد بذلك تفخيم أمره، وأن ذلك منه لم يكن لنقصان في يقينه، ونحن أحق بطلب تلك المنزلة لحصول الاطمئنان.
ورواه بعضهم: (نحن أحق بالشك من إبراهيم) يريد أن هذا السؤال منه لم يكن لشك، ونحن أحق بالشك منه، ولسنا نشك فيه، فكيف يجوز أن يشك هو فيه؟ والقصد في نفي الشك عن إبراهيم، لا إثبات الشك لنفسه أو لمن اتبعه. وأصح الطرق ما لم يذكر فيه الشك، وإنما حذفه واقتصر الكلام كراهة أن يجعل لنفسه مثل السوء، وكان من دأبه الكريم أن يعدل عن مثل هذه الألفاظ ويحتشم عنها.
وفيه: (يرحم الله لوطاً، فإنه كان يأوى إلى ركن شديد) كأنه استغرب منه هذا القول، وعده بادرة منه، إذ لا ركن أشد من الركن الذي كان يأوي إليه.
стр. 1193
وأما قوله في يوسف- ﵇ فإنه منبئ عن إحماده صبر [١٩٦/ب] يوسف، وتركه الاستعجال بالخروج من السجن مع امتداد مدة الحبس عليه، وأراه محتملاً لوجه آخر، هو: أنه رأى الكمال في الاسترسال مع الله على ما يأتي به عبده، ويوسف- ﵇ إنما لبث في السجن بضع سنين، لأنه ابتغى الفرج عما هو فيه باللجؤ إلى العبيد، وكان الأولى بحاله أن لا يشكون ضره إلا إلى مولاه، ولا يتلقى الفرج قبل مجيئه، بل ينتظره بالصبر، ولا يعارض ما تيسر من الغيب بأمر من عنده، فأشار إلى أنه لو كان هو مكانه لتلقى الدعوة من الغيب الإجابة، وهذا تأويل سلكت فيه مسلك علمائنا من الصوفية قدس الله أرواحهم- ثم إن في ضمن هذا الحديث تنبيه على أن الأنبياء- ﵈ وأن كانوا من الله بمكان لا ينازلهم فيه أحد، فإنهم بشر، يطرأ عليهم من الأحوال ما يطرأ على البشر، فلا تعدوا ذلك منقصة، ولا تحسبوه مسبة.
[٤٣٠٦] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁: (إن بالحجر لندباً) أي: أثراً، وهو بالتحريك، والأصل فيه أثر الجرح، إذ لم يرتفع عن الجلد. والندب أيضاً: الخطر.
[٤٣٠٧] ومنه قوله ﷺ في حديثه أيضاً: (لا تخيروني على موسى) أي: لا تفضلوني عليه. قول قاله على سبيل التواضع أولاً، ثم ليردع الأمة عن التخيير بين أنبياء الله من تلقاء أنفسهم ثانياً، فإن ذلك يفضي بهم إلى العصبية، فينتهز الشيطان منهم عند ذلك فرصة، فيدعوهم إلى الإفراط والتفريط، فيطرون الفاضل فوق حقه، ويبخسون المفضول حقه، فيقعون في مهواة الغي، ولهذا قال: (لا تخيروا بين الأنبياء)
стр. 1194
أي: لا تقدموا على ذلك بأهوائكم وآرائكم بل بما أتاكم من الله من البيان، وعلى هذا النحو قوله ﷺ : (ولا أقول: إن أحداً خير من يونس بن متى) أي: لا أقوله من تلقاء نفسي ولا أفضل أحداً عليه، من حيث النبوة والرسالة، فإن شأنهما لا يختلف باختلاف الأشخاص، بل نقول: كل من أكرم بالنبوة، فإنهم سواء فيما جاءوا به عن الله، وإن اختلفت مراتبهم، وكذلك من أكرم بالرسالة، وإليه وقعت الإشارة بقوله سبحانه ﴿لا نفرق بين أحد من رسله﴾ وإنما خص يونس بالذكر من بين الرسل؛ لما قص الله عليه في كتابه من أمر يونس وتوليه عن قومه، وضجرته عند تثبطهم في الإجابة، وقلة الاحتمال عنهم والاحتفال بهم، حين راموا التنصل، فقال -عز من قائل: ﴿ولا تكن كصاحب الحوت﴾ وقال: ﴿وهو مليم﴾ فلم يأمن ﷺ أن يخامر بواطن الضعفاء من أمته ما يعود إلى نقيصة [١٩٦/أ] في حقه، فنبأهم أن ذلك ليس بقادح فيما آتاه الله من فضله، وأنه مع ما كان من شأنه كسائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين.
هذا قول جامع في بيان ما ورد في هذا الباب، فافهم ترشد إلى الأقوم. وأما ما ذكره في هذا الحديث من الصعقة، فهي بعد البعث، عند نفخة الفزع، فأما في البعث، فلا تقدم لأحد فيه على نبينا ﷺ واختصاص موسى ﵇ بهذه الفضيلة لا يوجب له تفضيلاً على من تقدمه بسوابق جمة، وفضائل كثيرة، والله المسئول أن يعرفنا حقوقهم، ويحيينا على محبتهم، ويميتنا على سنتهم، ويحشرنا على ما كانوا عليه.
[٤٣١٠] ومنه حديثه الآخر عنه ﷺ : (إنما سمي الخضر؛ لأنه جلس على فروة بيضاء .. الحديث) أراد به الهشيم اليابس، شبهة بالفروة، وقوله: (خضراء) على زنة: حمراء ومنهم من رواه (خضراً) بالتنوين، أي: نباتاً أخضر ناعماً.
стр. 1195
وحديثه الآخر الذي يتلو هذا الحديث قد مر بيانه. وفيه: (فما توارت يدك) وصوابه (فما وارت يدك) وهذا غلط وقع عن بعض الرواة في كتاب مسلم. وفي كتاب البخاري: (فله بما غطت يده بكل شعرة سنة).
[٤٣١٣] ومنه حديث جابر- ﵁: (عرض على الأنبياء، فإذا موسى ضر من الرجال) يريد: أنه كوشف بما كانوا عليه من الصور والأشخاص، فوجد المذكورين منهم في هذا الحديث على ما نعتهم. و (الضرب): الرجل الخفيف اللحم. قال طرفة:
أنا الرجل الضرب الذي تعرفونه .... خشاش كرأس الحية المتوقد
و (الشنوءة): التباعد من الأدناس. ومنه (أزد شنوءة) وهم حي من اليمن.
قال ابن السكيت: وربما قالوا: شنوة- بالتشديد من غير همز. قال الشاعر:
نحن قريش، وهو شنوة .... بنا قريشا ختم النبوة
стр. 1196
[٤٣١٤] ومنه حديث ابن عباس- ﵁: (رأيت ليلة أسرى بي موسى رجلاً آدم طوالاً) الآدم من الناس: الأسمر والطوال بضم الطاء وتخفيف الواو: الطويل، وعليه الرواية. و (سبط الرأس) أي: شعر الرأس، وهو ضد الجعودة، يقال: شعر سبط وسبط، بكسر الباء وفتحها أي: مسترسل.
وفيه: (في آيات أراهن الله) هذا من قول الراوي، وجاء على وجه البيان، فأدرج في الحديث.
[٤٣١٥] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁: (ليلة أسرى بي لقيت موسى) فنعته، (فإذا رجل مضطرب ..) الحديث. قد جاء ضرب اللحم على ما بينا في حديث جابر، فأما [المضطرب] بمعنى الضرب، فلم نجده ولم نعلم له مساغاً [١٩٧/ب] في الباب القياسي؛ لأن الأصل في اضطراب: افتعل؛ أبدلت التاء طاء، ولم يذكر من الضرب الذي هو خفيف اللحم فعل، فيرد منه افتعل، فإن لم يكن ذلك من بعض الرواة- ظناً منه أن المضطرب يسد مسد الضرب؛ فالوجه فيه أن يكون عبارة عن الحدة التي كان قد جبل عليها، فإن من شأن الحاد أن يكون متحركاً قلقاً.
وفيه: (ولقيت عيسى ربعة).
يقال: رجل ربعة بالتسكين؛ أي: مربوع الخلق لا طويل ولا قصير، وكذلك: امرأة ربعة.
وفيه (فأتيت بإناءين ..) الحديث.
العالم القدسي يصاغ فيه الصور من العالم الحسي، ليدرك بها المعاني، ولما كان اللبن في العالم الحسي من أول ما يحصل به التربية ويرشح به المولود، صيغ عنه مثال الفطرة التي تتم بها القوة الروحانية، وتنشأ عنها الخاصية الإنسانية.
[٤٣١٦] ومنه حديث ابن عباس- ﵄ (رأيت النبي ﷺ مر بوادي الأزرق ...)
стр. 1197
الحديث.
وادي الأزرق موضع بين الحرمين، ولعله منسوب إلى رجل بعينه كان يحل به، أو سمي بذلك لزرقة مائه أو لغير ذلك.
وفيه: (وله جؤار أي تضرع).
ومنه قوله سبحانه ﴿فإليه تجارون﴾ أي: تتضرعون.
وفيه: (قالوا هرشى أو لفت).
هرشى: ثنية في طريق مكة قريبة من الجحفة يرى منها البحر، ويقال لها أيضاً: لفت، وقيل: إنما سميت [١٩٨/أ] هرشى لمهارشة كانت بينهم هنالك. ولهرشى طريقان في أيهما أخذ السالك كان مصيباً، وبها يضرب المثل، وفيها يقول الشاعر:
خذي أنف هرشى أو قفاها فإنه .... كلا جانبي هرشى لهن طريق
وفيه: (حطام ناقته خلبة)، أي: زمامها ليف.
[٤٣١٧] ومنه حديثه الآخر عن النبي ﷺ (خفف على داود القرآن) الحديث.
يريد بالقرآن: الزبور، وإنما قال القرآن؛ لأنه قصد به إعجازه من طريق القراءة وقد دل الحديث على أن الله تعالى يطوي الزمان لمن شاء من عباده، كما يطوي المكان لهم، وهذا باب لا سبيل إلى إدراكه إلا بالفيض الرباني.
стр. 1198
[٤٣١٩] ومنه قوله ﷺ في حديثه أيضاً: (وأيم الذي نفس محمد بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون).
الأصل في (أيم الله): (أيمن الله، حذف منه النون، وهو اسم وضع للقسم هكذا بضم الميم والنون، وألفه ألف وصل عند أكثر النحويين، ولم يجيء في الأسماء ألف الوصل مفتوحة غيرها، وتقديره: أيمن الله قسمي وإذ حذف عنه النون قيل: أيم الله، وايم الله بكسر الهمزة أيضاً.
و (أجمعون) تأكيد، ومنهم من يرويه: (أجمعين) على الحال، والرواية المعتد بها: (أجمعون) بالرفع.
[٤٣٢١] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (أنا أولى الناس بعيسى بن مريم) الحديث.
بين وجه الأولوية بالأخوة التي بين الأنبياء، ثم بقرب زمانه من زمانه، واتصال دعوته بدعوته وجعل ذلك كالنسب الذي هو أقرب الأسباب.
وبنو العلات: هم أولاد الرجل من نسوة شتى سميت بذلك؛ لأن الرجل الذي تزوجها على أولى قد كانت قبلها تأهل ثم عل من هذه؛ فلهذا يقال لها: علة.
وقوله: (ودينهم واحد) يريد به ما يدعون إليه من التوحيد والطاعة، وليس اختلاف شرائعهم من ذلك في شيء. ثم إن الشرائع- وإن اختلفت بحسب مصالح العباد- فإن أصولها متفقة، ومرجع الكل إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله.
(ومن الحسان)
стр. 1199
[٤٣٢٤] حديث أبي رزين العقيلي- ﵁: قال: (قلتك يا رسول الله، أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض) الحديث.
ذهب بعض أهل العلم فيه إلى أن التقدير: أين كان عرش ربنا؟ قال: ويدل عليه قوله: (وخلق عرشه على الماء).
و (العماء) ممدوداً: هو السحاب. قال أبو عبيد: ولا ندري كيف كان ذلك العماء.
قلت: وقد نقل عن أبي زيد أنه قال: العماء شبه الدخان يركب رءوس الجبال.
وعن أبي الهيثم: أنه عمى مقصور، وفسره فقال: هو كل أمر لا يدركه عقول بني آدم، ولا يبلغ كنهه الوصف، ولا يدركه الفطن.
فإن قيل: إن الرواية صحت بأنه العماء ممدوداً قلنا: أيا ما كان فلا افتراق بين الروايتين من حيث المعنى، لأن المراد عن الممدود أيضاً ما احتجب الله به عن العقول، وحال دون ما استأثر به من الأمر المكنون فعبر بالعماء عن الحجاب، والله أعلم.
[٤٣٢٦] ومنه قوله ﷺ في حديث جبير بن مطعم ﵁: (وإنه ليئط به أطيط الرجل بالراكب) إذا علمنا أن الكيفية عن الله- سبحانه- وعن صفاته منفية، لم يكن لنا أن نحمل أمثال هذا الحديث إلا على تقدير عظمة الله وجلاله.
стр. 1200
=====
стр. 1201
والمعنى أن العرش مهما وصف به من المجد والكرم والسعة والعظم ليتضايق عن سعة [١٩٨/ب] علمه، ويئط لما يرتكبه من أعباء هيبته وجلاله.
ومن باب: فضائل سيد المرسلين
(من الصحاح)
[٤٣٤٠] حديث أبي هريرة- ﵁ عن رسول الله ﷺ : (ما من الأنبياء نبي إلا وقد أعطى من الآيات) الحديث.
أراد بالآيات: المعجزات الخوارق للعادات، وما أيد به أنبياء الله من أعلام النبوة، يريد أنه ليس منهم إلا من أيد بما مثله وجنسه إذا شوهد دعا الشاهد إلى التصديق بالله، وإنما قال: (آمن عليه البشر) ليضمنه معنى الاطلاع، فكأنه قال: آمن للاطلاع عليه البشر.
وفيه: (وإنما كان الذي أوتيت): أي: معظم ما أوتيت من ذلك الباب: القرآن، الذي هو في نفسه دعوة، وفي نظمه معجز، وإنما قلنا: معظم ما أوتيت، لأنه أوتي أيضاً من جنس ما أوتيه غيره، وتلك الخوارق التي أوتيها هو وغيره وإنما كانت تبقى قدر ما يلزم به الحجة على المقترح، ثم إنه إن لم يؤمن بها رجعت عليه الخزي الدائم، فطبع على قلبه، وختم على سمعه وبصره، فلا يؤمن بها، حتى يكشف الغطاء، ولا كذلك القرآن، فإن فيه الدعوة والحجة، لا تنفك أحدهما عن الأخرى حتى يأتي أمر الله، لا يزال يدعو الناس إلى معالم هداه فيجيبه المستبصرون، ولنعم المجيبون؛ فلهذا قال: (أرجو أن أكون أكثرهم
стр. 1202
تابعاً).
[٤٣٤١] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (فضلت على الأنبياء بست) الحديث.
وفي حديث جابر: (فضلت على الأنبياء بخمس) وليس هذا باختلاف تضاد، وإنما هو اختلاف زمان يقع فيه حديث الخمس متقدماً، وذلك أنه أعطيها فحدث به، ثم زيد له السادسة، فأخبر عن ست.
стр. 1203
وفيه: (أعطيت جوامع الكلم) أي: أعطيت قوة إيجاز في اللفظ مع بسط في المعاني فأبين بالكلمات اليسيرة المعاني الكثيرة.
[٤٣٤٣] ومنه حديثه الآخر- ﵁ عن النبي ﷺ : (إن الله زوي لي الأرض) الحديث.
زويت الشيء: جمعته وقبضته، يريد به تقريب البعيد منها حتى اطلع عليه اطلاعه على القريب منها.
وفيه: (وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض) يريد به خزائن كسرى وقيصر، وذلك لأن الغالب على نقود ممالك كسرى الدنانير والغالب على نقود ممالك قيصر الدراهم.
وفيه: (فيستبيح بيضتهم) بيضة كل شيء حوزته، وبيضة القوم أصلهم وجماعتهم.
وقيل: وأصله من بيضة الطائر، لأنها أصله، والبيضة أيضاً العز والملك، وبيضة القوم، ساحتهم.
قال لقيط بن معمر الإيادي [١٩٩/أ]:
يا قوم بيضتكم لا تفضحن بها .... إني أخاف عليها الأزلم الجذعا
ومما رواه عبد الله ابن [عمرو]﵁ عن التوراة: (وحرزاً للأميين) الحرز: الموضع الحصين يقال: هذا حرز حريز، يريد، إنا جعلناه موئلاً لأمته الأمية يتحصنون به عن غوائل الشيطان وأفاعي النفوس.
فيه: (حتى يقيم به الملة العوجاء).
يريد بها ما كان العرب يتدين بها، وتزعم أنها ملة إبراهيم ﵇؛ وإنما وصفها بالعوج وسماها ملة على الاتساع، كما يقال للكفر ملة، وقد فسرنا الملة فيما تقدم.
وفي آخر هذا الحديث: (رواه عطاء بن سلام). كذا هو سائر نسخ المصابيح وهو غلط والصواب:
стр. 1204
ورواه عطاء عن ابن سلام، يعني: عبد الله بن سلام، وعطاء هو عطاء بن يسار الراوي عن عبد الله بن عمرو ﵁.
(ومن الحسان)
[٤٣٤٧] قوله ﷺ في حديث أبي مالك الأشعري ﵁: (وأن لا يظهر أهل الباطل على الحق) يريد أن الباطل وإن كثرت أنصاره فلا يغلب الحق بحيث يمحقه ويطفئ نوره، ولم يكن ذلك بحمد الله، مهما ابتلينا به من الأمر الفادح، والمحنة العظمى بتسليط الأعداء علينا، ومع استمرار الباطل فالحق أبلج، والشريعة قائمة لم تخمد نارها، ولم يندرس منارها، وإن كان الرواية: (أهل الباطل على أهل الحق) فإنه أراد به الظهور كل الظهور حتى لا يبقى لهم فئة ولا جماعة، ولم يكن ذلك بحمد الله، كيف وقد تكفل الله سبحانه لنبينا بالشام، وها هو قد استبان أعلامه للناظرين.
[٤٣٤٨] ومنه حديث عوف بن مالك الأشجعي- ﵁: قال رسول الله ﷺ (لن يجمع الله على هذه الأمة سيفين، سيفاً منها وسيفاً من عدوها).
قلت: قد دلت الأحاديث على أن هذه الأمة لا يوضع فيهم سيف الأعداء ما لم يوضع سيوفهم في أنفسهم، فوضعوا فوضعت.
стр. 1205
=====
стр. 1206
الفخر: ادعاء العظم والمباهاة بالأشياء الخارجة عن الإنسان، كالمال والجاه، أي: لا أقوله تنفجا، لكن اعتداد بفضله، وتحدثاً بنعمه. (ولا فخر): بالنصب على التبرئة، وهو الاختيار، لأنه لم يتكرر.
وفيه: (بيدي لواء الحمد) ينصب يوم القيامة لكل متبوع لواء يعرف به، قدوة حق كان، أو أسوة في باطل، ولا مقام من مقامات عباد الله الصالحين أرفع وأعلى من مقام الحمد [١٩٩/ب] ودونه تنتهي سائر المقامات، ولما كان نبينا سيد المرسلين صلوات الله عليه أحمد الخلائق في الدنيا والآخرة؛ أعطى لواء الحمد، ليأوي إلى لوائه الأولون والآخرون، وإليه الإشارة بقوله ﷺ : (آدم ومن دونه تحت لوائي) ولهذا المعنى استفتح كتابه بالحمد، وشق اسمه من الحمد، فقيل محمد وأحمد، وأقيم يوم القيام المقام المحمود، ويفتح عليه في ذلك اليوم وفي ذلك المقام من المحامد ما لم يفتح على أحد قبله ولا يفتح على أحد بعده، وأمد أمته ببركته- من الفضل الذي آتاه، فنعت أمته في الكتب المنزلة قبله بهذا النعت فقال: (أمته الحمادون يحمدون الله في السراء والضراء).
[٤٣٥٨] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين).
(إمام) بكسر الهمزة، والذي يفتحها وينصبه على الظرف، فإنه لم يصب.
[٤٣٥٩] ومنه حديث عبد الله بن مسعود- ﵁ عن النبي ﷺ : (إن لكل نبي ولاة من النبيين، وإن وليي أبي ...) الحديث. يعني: إبراهيم ﵇، وقد بينه بقوله (وخليل ربي).
وفي كتاب المصابيح: (وإن ولي ربي) وهو غلط، ولعل الذي حرف هذا دخل عليه الداخل من قوله سبحانه: ﴿وإن وليي الله الذي نزل الكتاب﴾ والرواية على ما ذكرنا وهو الصواب.
وقوله: (ولاة من النبيين) أي: أحباء وقرناء هم أولى بهم من غيرهم.
стр. 1207
ومن باب أسماء النبي ﷺ وصفاته
(من الصحاح)
[٤٣٦٤] حديث أبي موسى الأشعري: ﵁: (كان رسول الله ﷺ يسمى لنفسه أسماء، فقال: أنا محمد وأحمد والمقفى) الحديث.
المقفى على صيغة الفاعل وهو المولى الذاهب، يقال: قفى عليه أي ذهب به، فكأن المعنى هو آخر الأنبياء، فإذا قفى فلا نبي بعده، وفي معناه: العاقب.
[٤٣٦٥] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ قال رسول الله ﷺ : (ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش) الحديث. يريد بذلك تعريضهم إياه بمذمم مكان محمد، وكانت العوراء بنت حرب زوجة أبي لهب تقول:
مذمماً قلينا
ودينه أبينا
وأمره عصينا
стр. 1208
[٤٣٦٦] ومنه حديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ : (سموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي). الحديث.
العرب إنما تخاطب بالكنى ذوي الأقدار منهم تعظيماً لهم، ولما كان من حقه ﷺ أن يكرم ويوقر فوق ما يكرم ويوقر غيره لم يكن في الخطاب إياه بد بما يقع به التمييز من خطابه وخطاب غيره، قال الله تعالى: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا﴾ فنهى عن الاكتناء بكنيته نظراً إلى ما ذكرناه.
وقد أشار إلى أن فارق [٢٠٠/أ] الأمة في حقيقة ما يراد من هذه الكنية بقوله: (إنما جعلت قاسماً ...).
[٤٣٦٧] ومنه قول جابر بن سمرة- ﵁ في حديثه: (ورأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده) أي لم يخالف لونه لون سائر جسده.
[٤٣٦٨] ومنه قول عبد الله بن سرجس- ﵁ في حديثه: (عند ناغض كتفه اليسرى).
(الناغض): الغضروف وهو ما لان من العظم.
فإن قيل: إنما المشهور (بين كتفيه)؟.
قلنا: لا اختلاف بين القولين، فإنه يحتمل أنه وجده كذلك، ولا يلزم من قول الآخر: بين كتفيه أن يكون بينهما على السواء بل على تفاوت من أحد الجانبين، أو كان على السواء وخيل إليه أنه إلى اليسرى أقرب. وكذلك القول فيمن روى عنه: (عند كتفه اليمنى).
وفيه: (جميعاً عليه خيلان) كذا هو في المصابيح، وفي كتاب مسلم: (مثل الجمع). و (الجمع) بضم الجيم، الكف حين تقبضها، ويؤيد هذه الرواية: ما ورد في الحديث في صفة خاتم النبوة: (كالكف) وفي كتاب مسلم من طريق أخرى: (جمعا) أي: كجمع نصب بنزع الخافض، وأما (جميعاً) على ما في كتاب المصابيح، فإني لا أحققه رواية والأشبه أنه غلط من الكاتب.
стр. 1209
[٤٣٧١] ومنه حديث أنس- ﵁: (كان رسول الله ﷺ ليس بالطويل البائن) يريد به الطويل الذي بان في طوله عن حد الاعتدال.
وفيه: (وليس بالأبيض الأمهق) الأمهق: الذي ليس في بياضه بنير وهو أبيض كريه كلون الجص لا يخالطه حمرة.
وفيه: (وليس بالجعد القطط ولا بالسبط) جعد قطط إذا كان شديد الجعودة، يقال: رجل قط الشعر وقطط الشعر بمعنى، وقد تقدم في الباب الذي تقدم معنى السبط.
ومنه: حديثه الآخر (كان شعر رسول الله ﷺ إلى أنصاف أذنيه).
وفي حديث البراء: (بلغ شحمة أذنه) وفي رواية عنه أيضا: (ما رأيت من ذي لمة أحسن من حلة حمراء من رسول الله ﷺ شعره يضرب منكبيه).
وعلى مثل هذا الاختلاف وصفه الواصفون، وإذا عرف اختلاف تلك الأحوال باختلاف الأزمنة علم أن لا اختلاف فيها من طريق التضاد، فإنه ﷺ لم يحلق رأسه في سنى الهجرة إلا عام الحديبية، ثم عام عمرة القضاء، ثم عام حجة الوداع، فليعتبر في الطول والقصر منه بالمناسبات الواقعة في تلك الأزمنة، وأقصر تلك الأزمنة مدة ما كان بعد حجة الوداع، فإنه توفي بعد الحلق بثلاثة أشهر.
وفيه: (وكان [٢٠٠/ب] سبط الكفين) أي: تام الكفين.
وفي حديث (الملاعنه): (إن جاءت به أصيفر سبطا فهو لزوجها) أي: تام الخلق. ومثله في الحديث
стр. 1210
(سبط القصب) والسبط: الممتد الذي ليس فيه تعقد ولا نتو، وفي معناه (شثن الكفين)، أي: غليظهما، قال أبو عبيد: يعني أنهما إلى الغلظ والقصر، وقال غيره: هو الذي في أنامله غلظ بلا قصر.
قلت: والشثن مستعمل أيضا في كلامهم في خشونة الجلد، قال الشاعر:
وتعطو برخص غير شثن كأنه ... أساريع ظبى أو مساويك إسحل
ذكل الشثن في البيت في مقابلة الناعم، ولا محمل له في الحديث إلا على غلظ العضو في الخلقة، لما صح عن أنس أنه قال: (ولا مست ديباجة ولا حريرة ألين من كف رسول الله).
قلت: وقد سلكنا في تفسير قوله: (وكان سبط الكفين) مسلك من تقدمنا، متبعا لهم، ولو ذهب ذاهب إلى أنه كناية عن الجود فلا مطعن فيه؛ لأن العرب تقول للبخيل: هو جعد الكف، وفي ضده: سبط الكف.
[٤٣٧٤] ومنه حديث أبي الطفيل عامر بن واثلة الليثي- ﵁: (رأيت رسول الله ﷺ كأن أبيض مقصدا).
المقصد: الذي ليس بجيم ولا قصير، وقال شمر: هو القصد من الرجال نحو الربعة.
[٤٣٧٦] ومنه قول أنس- ﵁ في حديثه: (إذا مشى تكفأ) قيل: تمايل إلى قدام كما تتكفأ السفينة في جريها، من قولهم: أكفأته وكفأته إذا أماله يقال: كفأته فانكفأ وتكفأ.
стр. 1211
وفي حديث الصراط (آخر من يمر رجل يتكفأ به الصراط) وقيل: تكفأ ترهيأ في مشيته كما تترهيأ العيدانه.
وفي وصف مشيته ما يدل على صحة ذلك، ويحتمل أنه أراد به الترفع عن الأرض مرة واحدة، كما يكون في مشي الأقوياء وذوي الجلادة، بخلاف المتماوت الذي يجر رجله في الأرض، ويدل عليه قول الواصف: (إذا مشى تقلع) وسنذكره في موضعه.
والرواية المعتد بها في (تكفى) بغير همز، وذلك يرويه في كتاب أبي عيسى عن علي- ﵁: (إذا مشى تكفى تكفيا).
وذكر الهروي أن الأصل فيه الهمز، ثم تركت.
[٤٣٧٧] ومنه حديث الآخر عن أم سليم ﵂ (أنه النبي ﷺ كان يأتيها فيقيل عندها).
قلت: قد وجدت في بعض كتب الحديث أنها كانت من ذوات محارم النبي ﷺ من جهة الرضاع، ولم يزد هذا الناقل على ذلك شيئا، وقد رأيت ذلك قولا صحيحا، واستبان وجه صحته من هذا الحديث وأمثاله؛ فإن نبي الله [١٠٢/أ] ﷺ لم ليقيل في بيت أجنبية، ثم إنه لم يكن يدخل بعد نزول حجاب على امرأة من الأنصار، إلا على أم سليم وأختها أم حرام، فضلا عن أن يقيم عندها.
وقد صح أنه دخل على أم حرام بنت ملحان فقال عندها، فاستيقظ وهو يضحك. قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؛ فقال: (ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة، أو مثل الملوك على الأسرة) الحديث.
وفي هذا الحديث أنها جلست تفلي رأسه، وإذا لم يكن بينه وبينها سبب محرم من رحم ووصلة فلابد أن يكون ذلك من جهة الرضاع على ما ذكر، وإذا قد علمنا أن النبي ﷺ لم يحمل إلى المدينة رضيعا تعين أن يكون ذلك من قبل أبيه عبد الله فإنه ولد بالمدينة، وكلن عبد المطلب قد فارق أباه هاشما وتزج بالمدينة في بني النجار، وأم حرام وأم سليم بنت ملحان كانتا من بني النجار، فعرفنا من جميع ذلك أن الحرمة بينهم كانت حرمة الرضاع.
ولقد وجدنا الجم الغفير من علماء النقل أوردوا أحاديث أم حرام وأم سليم ولم يبين أحد منهم العلة،
стр. 1212
إما من الغفلة عنها، وإما لعدم العلم، فأحببت أن أبين وجه ذلك كيلا يظن جاهل أنه كان في سعة من ذلك لمكان العصمة ولا يتذرع به مستبيح إلى الترخص بما لا رخصة فيه، وأراني- والله أعلم- أول من وفقت لذلك، فواها لها من درة كنت مستخرجها، والله أحمد على هذه الموهبة السنية، وكشف هذه الأغلوطة السنية.
(ومن الحسان)
[٤٣٧٩] قول علي ﵁ في حديثه: (مشربا حمرة). الإشراب: خلط لون بلون، يقال: أشرب حمرة وصفرة، وفيه شربة حمرة، بالضم، أي: إشراب.
وفيه: (ضخم الكراديس).
(الكردوس): كل عظمين التقيا في مفصل نحو المنكبين والركبتين والوركين).
وفيه: (طويل المسربة).
(المسربة: بضم الراء: الشعر المستدق الذي يأخذ من الصدر إلى السرة.
وقوله: (إذا مشى تكفى) قد فسرناه
وفي حديثه الآخر (لم يكن بالطويل الممغط) أي الذي مد مدا من طوله، والمغط المد.
وفيه: (ولا بالقصير المتردد) أي الذي انضم بعضه إلى بعض، كأنه قد تردد بعض خلقه على بعض.
وفيه: (ولم يكن بالمطهم ولا بالمكلثم).
اختلف أهل اللسان في المطهم فمنهم من قال: هو التام الخلق من كل شيء على حدته، فهو بارع [١٠٢/أ] الجمال. وهذا قول لا يلائم ما وصف به ﷺ من الحسن والجمال.
стр. 1213
وقال الجوهري: وجه مهطم، أي: مجتمع مدور. وهذا أيضا لا يشاكل لفظ الحديث ولا يواطئه؛ لأنه قال بعد ذلك: (وكان في الوجه تدوير).
وقال أبو عبيد الهروي في كتابه: وقالت طائفة: المطهم الفاحش السمن، وقيل: هو المنتفخ الوجه، ومنه قول الشاعر:
ووجه فيه تطهيم
أي انتفاخ وجهامة.
قلت: وهذا هو القول الذي يستقيم عليه سياق الحديث، والناعت أتى بالكلمتين في نعت وجهه ويبين ذلك قوله بعد الكلمتين: (وكان في الوجه تدوير) ولما كان المطهم من الألفاظ المشتركة على ما ذكرنا، وكان المكلثم من الوجوه: القصير الحنك، الداني الجبهة، المستدير مع كثرة اللحم، بين بقوله (ولا بالمكلثم) أنه لم يرد بالمطهم المنتفخ الوجه الفاحش السمن، ولما كان المكلثم المستدير بين بقوله: (وكان في الوجه تدوير) أنه لم يكن مستديرا كل الاستدارة، بل كان فيه بعض ذلك، ويكون معنى قوله: (وكان في الوجه تدوير) أي: تدوير ما، وكان من الإمالة والاستدارة مسنون الوجه غير موجن هذا قول متسق، يؤيد بعضه بعضا، والأقاويل التي نقلناها عن أصحاب الغريب- وإن استقامت الألفاظ على انفرادها- فإنها إذا اعتبرت جملة واحدة في نظم الحديث شذ بعضها عن بعض، ونحن قد جهدنا في التوفيق، وما لم يلتثم منها فإن العلة فيه حسبان الناعتين فقد وصفه كل منهم بما تصور في ذهنه، بما يذكر من هيئته. والله أعلم.
وفيه: (جليل المشاش والكتد).
المشاش: رءوس العظام اللينة التي يمكن مضغها، واحدها مشاشة والكتد: ما بين الكاهل والظهر، تكسر تاؤه وتفتح.
وفيه: (أجرد ذو مسربة).
الأجرد من الناس: الذي لا شعر عليه، ومنه الحديث: (أهل الجنة جرد مرد) ومن الدواب: القصير الشعر، وقد بين بقوله: (ذو مسربة) لم يكن أجرد على الإطلاق، بل كان له مسربة، ومن أصحاب التجارب من الهند وغيرهم من لا يحمد الرجل إذا كان في سائر أعضاء أجرد، ولاسيما الصدر.
وفيه: (إذا مشى يتقلع)
المعنى: أنه كان يرفع رجليه من الأرض رفعا بائنا بقوة، لا كالذي يقارب بين الخطى احتشاما واختيالا.
وفي حديث هند بن أبي هالة: (وإذا زال زال قلعا) أكثر أهل الرواية يضمون القاف ويسكنون [٢٠٢/أ] اللام، والمحققون من ذوي المعرفة بكلام العرب يروونه بفتح القاف وكسر اللام.
وقوله: (كأنما يمشي في صبب) كالمبين له فإن الانحدار والتكفؤ إلى قدام والتقلع من الأرض يقارب بعضه بعضا.
وفيه: (وإذا التفت التفت جميعا) يريد أنه كان إذا توجه إلى الشيء توجه بكليته، ولا يخالف ببعض
стр. 1214
جسده بعضاً، لكيلا يخالف بدنه قلبه وقصده مقصده ثم لما في ذلك من التلون، وأمارة الخفة، وقد أشرنا إلى مثل هذا المعنى في النهي عن الجلوس بين الظل والشمس.
وفيه: (أصدق الناس لهجة)
اللهجة: اللسان، يقال: هو فصيح اللهجة من لهج بالشيء إذا أولع به.
وفيه: (وألينهم عريكة)
العريكة: الطبيعة، يقال: فلان لين العريكة إذا كان سلسا، ولانت عريكته: إذا انكسرت نخوته.
[٤٣٨٢] ومنه حديث جابر بن سمرة- ﵁: (رأيت النبي ﷺ في ليلة إضحيان) بالكسر، أي: مضيئة لا غيم فيها، وكذلك ضحياء وإضحيانة.
[٤٣٨٣] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ في حديثه: (إنا لنجهد أنفسنا) نجهد يجوز فيه فتح النون وضمها، يقال: جهد دابته وأجهدها: إذا حمل عليها فوق طاقتها (وإنه لغير مكترث) أي مكثر، أراها من الألفاظ المقلوبة، مثل جبذ وجبذ، وقد بين بقوله هذا أن المراد من الإسراع البلاغ الذي لا يدرك إلا بالإسراع، لقوله: (وإنه لغير مكترث) ثم لما وصف به أنه كان يمشي على هيئته.
стр. 1215
ومن باب: ما ذكر من أخلاقه وشمائله
(من الصحاح)
[٤٣٨٨] قوله ﷺ في حديث أنس- ﵁: (لم تراعوا لم تراعوا) هو في أوثق الروايات (لن تراعوا) معناه: لا فزع ولا روع فاسكنوا، يقال: ريع فلان إذا فزع. (وفرس عرى) ليس عليه سرج، وكأن قوله: (ما عليه سرج) أورده مورد البيان.
وفيه: (لقد وجدته بحرا) يقال للفرس: إنه لبحر، وإنه لحت أي واسع الجري، وذلك الفرس كان يسمى المندوب، أي المطلوب.
стр. 1216
[٤٣٩٥] ومنه قوله ﷺ في حديثه الآخر: (ترب جبينه) جعل هذا اللفظ مجعل تربت يمينه لما في تلك الكلمة من احتمال الدعاء عليه، ولما في هذه من احتمال الدعاء له، وهو أن يكون المراد منه السجود لله سبحانه.
стр. 1217
[٤٣٩٨] ومنه حديث عائشة- ﵂: (ما رأيت النبي ﷺ مستجمعا قط ضاحكا) تريد ضاحكا كل الضحك، يقال: استجمع كل مجمع، واستجمع الفرس جريا.
[٤٤٠٤] ومنه حديثها الآخر: (لم يكن رسول الله ﷺ فاحشا ولا متفحشا). قيل: الفاحش ذو الفحش، والمتفحش: الذي يتكلف ذلك ويتعمده.
стр. 1218
=====
стр. 1219
ومن باب: المبعث وبدء الوحي
(من الصحاح)
[٤٤١٩] قول عائشة- ﵂ في حديث مبدأ الوحي: (إلا جاءت مثل فلق الصبح).
الفلق بالتحريك هو الصبح بعينه، قال ذو الرمة:
حتى إذا ما انجلى .... عن وجهه الفلق
وإنما أضافه إلى الصبح لاختلاف اللفظين، وحسنت هذه الإضافة لكون الفلق من الألفاظ المشتركة، يقال: للخلق الفلق، وللمطمئن من الأرض: الفلق، وإنما شبهتها بالفلق لإنارتها وإضاءتها وصحتها.
وفيه: (وكان يخلو بغار حراء).
حراء ممدود، ومنهم من يذهب فيه إلى التذكير فيصرفه، ومنهم من يذهب فيه إلى التأنيث فيمنعه الصرف.
وفيه: (فيتحنث فيه) فسرت التحنث بقولها: وهو التعبد الليالي ذوات العدد) ويحتمل أن يكون التفسير من قول الزهري أدرجه في الحديث وذلك من دأبه.
стр. 1220
والتحنث من حيث اللغة العربية: إلقاء الحنث عن نفسه، وزعم بعضهم أنه لم يرد من باب التفعل في معنى إلقاء الشيء عن النفس إلا التحنث والتأثم والتحوب.
وفيه (قبل أن ينزع إلى أهله) نزع إلى أهله ينزع نزاعا، أي: اشتاق، وبعير نازع، وناقة نازع: إذا حنت إلى أوطانها.
وفيه: (حتى جاءه الحق) أي: الأمر الحق، وهو الوحي أو جاءه رسول الحق وهو جبريل.
وفيه: (فأخذني فغطني) الأصل في الغط المقل في الماء والتغويص فيه، ولما كان الغط مما يأخذ تنفس المغطوط استعمل مكان الخنق، وفي بعض الروايات (فخنقني)، وفي بعضها: (فأبني) وفي معناه، (فأتني)، بالتاء أخت الطاء، وكلا اللفظين بمعنى الخنق.
وفيه: (حتى بلغ مني الجهد) روي بفتح الجيم وضمها، وبرفع الدال [٣٠٠] ونصبها والأجود ضم الجيم ورفع الدال، أي: بلغ مني الطاقة، [ولا أرى الذي يرويه بنصب الدال إلا قد وهم فيه]، أو جوزه من طريق الاحتمال، فإنه إذا نصب الدال عاد المعنى إلى أنه غطه حتى استفرغ قوته في ضغطته وجهد جهده بحيث لم يبق فيه مزيد، وهذا قول غير سديد، فإن البنية البشرية لا يستدعي استنفاد القوة الملكية، لاسيما في مبدأ الأمر، وقد دلت القضية على أنه اشمأز من ذلك وتداخله الرعب.
وفيه: (ولقد خشيت على نفسي) أدهشته هيبة البديهة، وأخذته سورة تلك الحالة، فأوجس في نفسه خيفة من الخيال.
وفيه: (وتحمل الكل): أي تحمل الثقل عن ذوي الأثقال، والكل: الثقل من كل ما يتكلف قال الله تعالى: ﴿وهو كل على مولاه﴾ ومنه قيل للعيال: الكل، وقيل لليتيم: الكل؛ قال الشاعر:
ويأكل مال الكل قبل شبابه ... إذا كان عظم الكل غير شديد
وفيه: (وتكسب المعدوم): زعم جمع من أهل العلم أن صواب هذا اللفظ: وتكسب المعدم؛ أي تعطي العائل وتمنحه؛ لأن المعدوم لا يدخل تحت الأفعال.
стр. 1221
وتكسب: يجوز أن يكون من قولهم: كسبت زيدا مالا؛ ويجوز أن يكون من أكسبته مالا؛ قال الخطابي: وأفصحهما: كسبته، وذكر الهروي عن ابن الأعرابي: يكسب بضم الياء، وأنشد:
فأكسبني مالا وأكسبته حمدا
قلت: والمعدوم هي اللفظة الصحيحة بين أهل الرواية؛ وأجراها بعضهم على الاتساع، فرأى أنه أنزل العائل منزلة المعدوم مبالغة في العجز كقولك للبخيل أو الجبان: ليس بشيء، وعليه قول المتنبي:
إذا رأى غير شيء ظنه رجلا
وعلى مثل هذا يحمل قول ابن أبي أوفى- ﵁: (كان النبي ﷺ يقل اللغو) أي لا يغلو رأسا؛ قال الله تعالى: ﴿فقليلا ما يؤمنون﴾ أي: لا يؤمنون لا قليلا ولا كثيرا، وإنما ذكرت لفظ الكتب إرادة أنك لا تزال تسعى في طلب عاجز تنعشه كما يسعى غيرك في طلب مال ينعشه.
(وتعين على نوائب الحق) أي تعين الملهوف على ما أصابه من النوائب التي يحق على حماة الحقيقة المعاونة فيها.
وفيه: (فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى): قال بعضهم: الناموس: صاحب سر الخير، والجاسوس: صاحب سر الشر؛ قيل: وأصله من نامست الرجل: إذا ساررته.
وفيه: (يا ليتني فيها جذعا): قال بعضهم: ليتني فيها جذعا نصب على إضمار كنت؛ لأن ليت قد شغل بالمكنى فلم يبق له عمل فيما بعد، هذا كلام صحيح، وفي إضمار كنت كلام، والصواب أن ينصب على الحال، والتقدير: يا ليتني باق فيها جذعا، أي جلدا قويا شابا، بمثابة الجذع من الخيل؛ قال الراجز:
يا ليتني فيها جذع .... أخب فيها وأضع
ويقال: فلان في هذا الأمر جذع إذا كان أخذ فيه [٣٠١] حدثا. وأنث الضمير في قوله: (يا ليتني فيها) إرادة للنبوة أو للدعوة أو للأيام التي تظهر فيها.
وفيه: (أنصرك نصرا مؤزرا)، أي: بالغا في القوة، مأخوذ من الأزر وهو القوة.
وفيه: (لم ينشب ورقة) أي لم يمكث ولم يبرح، وحقيقته أنه لم يتعلق بشيء، ولم يشتغل بغير ما هو فيه.
стр. 1222
[٤٤٢٠] ومنه قوله ﷺ في حديث جابر- ﵁: (فجئت منه رعبا) جئث الرجل: إذا أفزع، وكذلك جث وجئف. وقوله: (رعبا) أي ممتلئا رعبا، ويجوز أن يكون معناه: مرعوبا كل الرعب، ويحتمل أنه ميز الجأث: هو الإفزاع بالرعب لافتراق معنييهما؛ وهو أن الفزع انقباض ونفار يعتري الإنسان من الشيء المجيف وهو قريب من الجزع. والرعب: الانقطاع من امتلاء الخوف، والرعب يتعدى ولا يتعدى؛ يقال: رعبته فرعب.
[٤٤٢١] ومنه حديث عائشة- ﵂ (أن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! كيف يأتيك الوحي؟ فقال: أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس ...) الحديث. وفي غير هذه الرواية: (كأنه صلصلة على صفوان) وفي رواية أخرى: (كجر السلسلة على الصفوان).
الصلصلة: صوت الحديد إذا حرك، وصل الحديد وصلصل: إذا تداخل صوته، والصلصلة أشد من الصليل. وفي بعض الروايات: (مثل صرصرة الجرس) يقال: صر الجندب إذا صوت، وكذلك الباب، فإن كرر الصرير ورجع قيل: صرصر صرصرة، ومنه الحديث (أنه كان يخطب إلى جذع فاتخذ المنبر، فاصطرت السارية) وهو افتعلت من الصرير أي حنت وصوتت. قلت: وهذا حديث يغالط فيه أبناء الضلالة، ويتخذونه ذريعة إلى تضليل العامة وتشكيكهم، وهو حق أبلج، ونور يتوقد ﴿من شجرة مباركة﴾، ﴿يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسه نار﴾ لا يغلط فيه إلا من أعمى الله عيني قلبه.
وجملة القول في هذا الباب أن نقول: كان النبي ﷺ معنيا بالبلاغ، مهيمنا على الكتاب، مكاشفا بالعلوم الغيبية، مخصوصا بالمسامرات القلبية، وكان يتوفر على الأمة حصتهم بقدر الاستعداد؛ فإذا أراد أن ينبئهم بما لا عهد لهم به من تلك العلوم صاغ لها أمثلة من عالم الشهادة، ليعرفوا مما شاهدوه ما لم يشاهدوه، فلما سأله الصحابي عن كيفية الوحي وكان ذلك من المسائل العويصة والعلوم الغريبة التي لا تميط نقاب التعزز عن وجهها لكل طالب ومتطلب، ضرب لها في الشاهد مثلا بالصوت
стр. 1223
المتدارك الذي يسمع ولا يفهم منه شيء، تنبيها على أنباءها ترد على القلب في لبسة الجلال، وأبهة الكبرياء، فيأخذ هيبة الخطاب عند ورودها بمجامع القلب ويلاقي من ثقل القول ما لا علم له بالقول، مع وجود ذلك، فإذا سري عنه وجد القول المنزل بينا ملقى في الروع، واقعا وقع المسموع، وهذا معنى قوله: (فيفصم عني وقد وعيت) ومعنى [٣٠٢] يفصم: أي يقلع عني كرب الوحي؛ شبهه بالحمى إذا فصمت عن المحموم؛ يقال: أفصم المطر أي أقلع، وهذا الضرب من الوحي شبيه بما يوحى إلى الملائكة؛ على ما رواه أبو هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إذا قضى الله في السماء أمرا ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنها سلسلة على صفوان، ﴿إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير﴾.
هذا وقد تبين لنا من حديث عائشة ﵂ أن الوحي كان يأتيه على صيغتين:
أولاهما أشد من الأخرى؛ وذلك بأنه كان يرد فيها من الطباع البشرية إلى الأوضاع الملكية، فيوحى إليه كما يوحى إلى الملائكة، على ما ذكر في حديث أبي هريرة، وهو حديث حسن صحيح.
والأخرى يرد فيها الملك إلى شكل البشر وشاكلته، وكانت هذه أيسر، والله أعلم.
وفيه: (وإن جبيته ليتفصد عرقا) أي: يسيل؛ يقال: انفصد الشيء وتفصد: إذا سال؛ كأنه شبه بالعرق المفصود، إذا سال عنه الدم.
[٤٤٢٢] ومنه قول عبادة بن الصامت- ﵁ في حديثه: (إذا أنزل عليه الوحي كرب لذلك): يحتمل أنه كان يهتم بأمر الوحي أشد الاهتمام ويهاب مما يطالب به من حقوق العبودة والقيام بشكر المنعم، ويخشى على عصاة الأمة أن ينالهم من الله خزي ونكال؛ فيأخذه الغم الذي يأخذ بالنفس حتى يعلم ما يقضى إليه.
ويحتمل أن المراد منه كرب الوحي وشدته؛ فإن الأصل في الكرب الشدة، وإنما قال الصحابي: (كرب) لما وجد من شبه حاله بحال المكروب.
وقوله: (تربد وجهه) أي تغير، وأكثر ما يقال ذلك في التغير من الغضب، وتربد الرجل أي: تعبس. وفيه: (فلما أتلى عليه رفع رأسه) كذا هو في المصابيح، وأرى صوابه: (فلما تلي عليه)؛ من التلاوة؛ وإن كان (أتلي عليه) محققا فمعناه: أحيل، يقال: أتليته أي أحلته؛ أي: أحيل عليه البلاغ، وذلك أن الملك إذا قضى إليه ما أنزل به فقد أحال عليه البلاغ.
стр. 1224
[٤٤٢٥] ومنه قوله ﷺ في حديث عائشة- ﵂: (فلم أستفق إلا بقرن الثعالب).
أفاق واستفاق من مرضه وسكره بمعنى؛ أي: لم أستفق مما أنا فيه من الغم حتى بلغت قرن الثعالب، والقرن: جبيل صغير، وقرن الثعالب جبل بعينه، بين مكة والطائف.
стр. 1225
وفيه: (إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين): الأخشبان: جبلان يضافان مرة إلى مكة ومرة إلى منى، وهما واحد، ويسميان الأخشبان، ومن قائل إن الأخشبين هما اللذان تحت العقبة بمنى فوق المسجد.
ومن باب علامات النبوة
(من الصحاح)
[٤٤٢٩] قول أنس- ﵁ في حديثه: (ثم لأمه وأعاده).
تقول: لأمت الجرح والصدع: إذا شددته فالتأم يريد: أنه سواه وأصلحه.
وفيه: (وهو منتقع اللون) يقال: انتقع لونه: إذا تغير من حزن أو فزع، وكذلك امتقع [٣٠٣] وبالميم أجود، وهذا الحديث وأمثاله مما يجب فيه التسليم ولا يتعرض له تأويل من طريق المجاز والاتساع إذ لا ضرورة في ذلك؛ إذ هو خبر صادق مصدوق عن قدرة القادر.
стр. 1226
[٤٤٣٦] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (ليفتتن عصابة من المسلمين كنز آل
стр. 1227
كسرى الذي في الأبيض) يريد به القصر الأبيض الذي كان بالمدائن وكانوا يسمونه: سفيد كوشك. وسمعت بعض أصحاب الحديث بهمدان يقول: القصر الأبيض الذي في الحديث هو حصن دارا الذي بهمدان، ويقال له: شهر شاك، ولم أجد لقوله سنادا من الرواية المعتد بها.
[٤٤٣٨] ومنه حديث أنس- ﵁: كان رسول الله ﷺ يدخل على أم حرام بنت ملحان ... الحديث. قد ذكرنا وجه الدخول عليها في حديث أختها أم سليم.
وفيه: (يركبون ثبج هذا البحر) ثبج كل شيء: وسطه، وثبج الرمل: معظمه.
[٤٤٣٩] ومنه حديث ابن عباس- ﵄ (أن ضمادا قدم مكة) ... الحديث. هو ضماد الأزدي، وكان صديقا للنبي ﷺ في الجاهلية، ومن أصحاب الحديث من يقول: ضماد أو ضمام بن ثعلبة؛ وليس بشيء، فإن الذي اختلف في اسمه فقيل: ضماد أو ضمام بن ثعلبة هو السعدي الوافد على رسول الله ﷺ وأما الأزدي فإنه ضماد بلا مثنوية.
стр. 1228
وفيه: (وكان يرقى من هذه الريح) الإشارة بهذه إلى جنس العلة التي كانوا يرونها الريح، وكأنهم كانوا يرون أن الخبل الذي يصيب الإنسان، والأدواء التي كانوا يرونها من مسة الجن، نفخة من نفخات الجن فيسمونها الريح: (ولقد سمعت قول الكهنة): يريد بذلك أنهم ينسبونك تارة إلى الكهانة وتارة إلى السحر، وتارة إلى الشعر، وقد سمعت مقالة أصحابها فما سمعت في سائر ما سمعت مثل كلامك، ولو كنت منهم لأشبه كلامك كلامهم، ثم إنهم كانوا يرون الكهان والسحرة والشعراء أهل البلاغة والمتصرفين في القول على أي أسلوب شاءوا. فأشار بقوله هذا إلى الإعجاز، أي: جاوز كلامك عن حد البلاغة، وأشار (بهؤلاء) إلى الكلمات. والعرب ربما استعملوها في غير العقلاء؛ وقد شهد به التنزيل، قال الله تعالى: ﴿إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ وقال الشاعر:
ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام
ومنه: (ولقد بلغن ناعوس البحر) وفي كتاب المصابيح (بلغنا) وهو خطأ لا سبيل إلى تقويمه من طريق المعنى، والرواية لم ترد به، وناعوس البحر أيضا خطأ، وكذلك رواه مسلم في كتابه وغيره من أهل الحديث، وقد وهموا فيه؛ والظاهر أن سمع بعض الرواة أخطأ فيه فروى ملحونا، وهذه من الألفاظ التي لم تسمع في لغة العرب؛ والصواب فيه: قاموس البحر، وهو وسطه ومعظمه، من القمس وهو الغوص، والقماس: الغواص، وفي حديث المد والزجر: (قال ملك موكل بقاموس البحر) والمعنى أن كلماتك [٣٠٤] التي أسمعتنيها قد بلغن في البلاغة وغزارة المعنى قاموس لجة البحر ومعظمه.
وفي الفصل الذي في المعراج
(من الصحاح)
[٤٤٤٠] حديث مالك بن صعصعة- ﵁ (أن نبي الله ﷺ حدثهم عن ليلة أسري به:
стр. 1229
(بينما أنا في الحطيم) وربما قال (في الحجر ... الحديث). هذا التردد من الراوي اشتبه عليه: أسمع في الحطيم أو في الحجر، وكثير من علماء العربية يرون الحجر والحطيم شيئا واحدا، ويقولون: سمي حجرا لما حجر عليه بحيطانه، وسمي حطيما؛ لأنه حطم جداره عن مساواة جدار الكعبة. وقد نقل عن رهط من أهل العلم ما يخالف ذلك، وأقاويلهم مع ما فيها من الاختلاف تدل على أن الحطيم غير الحجر؛ فقال مالك: الحطيم ما بين المقام إلى الباب؛ وقال ابن جريج: هو ما بين الركن والمقام وزمزم والحجر؛ وقال ابن حبيب: هو ما بين الركن الأسود إلى الباب إلى المقام، حيث يتحطم الناس للدعاء، وقيل: كان أهل الجاهلية يتحالفون هناك، يتحطمون بالأيمان.
ومنه قول أنس- ﵁ في هذا الحديث: (من هذه إلى هذه) أو قول بعض الرواة: يعني من ثغرة نحره إلى شعرته؛ أراد بالعشرة العانة. يقول أهل العلم بالعربية: الشعرة بكسر الشين شعر الركب للنساء خاصة، وعلى هذا فإن هذا القائل ذهب فيه مذهب الاتساع.
وما ذكر في الحديث من شق النحر واستخراج القلب وما يجري مجراه فإن السبيل في ذلك التسليم دون التعرض لصرفه إلى وجه يتقوله متكلف ادعاء التوفيق بين المنقول والمعقول؛ هربا مما يتوهم أنه محال. ونحن- بحمد الله- لا نرى العدول عن الحقيقة إلى المجاز في خبر الصادق عن الأمر المحال به على القدرة.
وفيه: (فاستفتح؛ قيل: من هذا): أراد بذلك تقرير شدة حراسة السماء، وكثرة حراسها، وأن أحدا لا يستطيع التخلص إليها والمرور عليها إلا بإذن من قبل من أرصد لذلك الأمر.
стр. 1230
وفيه: (قيل: وقد أرسل إليه): ذهب بعض أهل العلم إلى أن معناه: وقد أرسل إليه للعروج، وقال: بعثة نبينا ﷺ من معظمات الأمور، وجلائل الوقائع المعروفة في ملكوت السموات، فلا يجوز أن يخفى عليهم ظهورها؛ أو كلام هذا معناه.
قلت: وماذا ينكر هذا القائل أن تكون الفئة المستخبرة عن إرساله ممن شغلتهم الشواهد الغيبية وسلبتهم السوالب الربانية؛ فلم يتفرغوا لاستغرقاهم فيما بدا لهم من سبحات الجمال، ودهمهم من سطوات الجلال لما سوى ذلك. ثم إن قوله: إنهم سألوا عن الإرسال للعروج قول لم يتقدمه روية؛ إذ لا يصدر مثله عن الأدنى فالأدنى، فضلا عن الملأ الأعلى؛ إذ ليس لبشر أن يتطرق إلى العالم العلوي، ويرتقي في أسباب السموات إلا أن يؤذن له ويرسل إليه؛ ويعان في العروج بالتيسير عليه، اللهم إلا أن يحمل سؤالهم (٣٠٥) عن الإرسال إليه على معنى التعجب مما أنعم الله به على عبده، أو على معنى الاستبشار بعروجه. وأما رؤيته المذكورين من الأنبياء دون رقيه إلى كل سماء، وأمر الملك إياه بالتسليم عليهم، وأن في ذلك توقيف على تفاوت منازلهم واختلاف مراتبهم ومنازعهم، وعلى أنه أعلى رتبة، وأقوى حالا، وأتم عروجا. وأمره بالتسليم عليهم؛ لأنه كان عابرا عليهم فكان في حكم القيام، وكانوا في حكم القعود، والقائم يسلم على القاعد؛ وإن كان أفضل منهم.
ورؤيته الأنبياء في السموات وفي بيت المقدس حيث أمهم يحمل على رؤية روحانيتهم الممثلة بصورهم التي كانوا عليها؛ غير عيسى- ﵇؛ فإن رؤيته محتملة للأمرين أو أحدهما، وأما ما ذكر من بكاء موسى- ﵇ فإنه يحمل على الرقة لقومه والشفقة عليهم؛ حيث لم ينتفعوا بمتابعته انتفاع هذه الأمة بمتابعة نبيهم. ولم يبلغ سوادهم مبلغ سوداهم. ولا يصح أن يحمل إلا على هذا الوجه، أو ما يضاهي ذلك، فإن الحد في ذلك العالم منزوع عن عوام المؤمنين فضلا عمن اختاره الله لرسالته واصطفاه لمكالمته وقوله: (لأن غلاما بعث بعدي): لم يرد بذلك استقصار شأنه، فإن الغلام قد يطلق ويراد به القوى الطري الشباب. والمراد منه استقصار مدته مع استكثار فضائله، واستتمام سواد أمته.
следующие страницы →