Полный текст (1 323 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
[٤٤٣٦] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (ليفتتن عصابة من المسلمين كنز آل
стр. 1227
كسرى الذي في الأبيض) يريد به القصر الأبيض الذي كان بالمدائن وكانوا يسمونه: سفيد كوشك. وسمعت بعض أصحاب الحديث بهمدان يقول: القصر الأبيض الذي في الحديث هو حصن دارا الذي بهمدان، ويقال له: شهر شاك، ولم أجد لقوله سنادا من الرواية المعتد بها.
[٤٤٣٨] ومنه حديث أنس- ﵁: كان رسول الله ﷺ يدخل على أم حرام بنت ملحان ... الحديث. قد ذكرنا وجه الدخول عليها في حديث أختها أم سليم.
وفيه: (يركبون ثبج هذا البحر) ثبج كل شيء: وسطه، وثبج الرمل: معظمه.
[٤٤٣٩] ومنه حديث ابن عباس- ﵄ (أن ضمادا قدم مكة) ... الحديث. هو ضماد الأزدي، وكان صديقا للنبي ﷺ في الجاهلية، ومن أصحاب الحديث من يقول: ضماد أو ضمام بن ثعلبة؛ وليس بشيء، فإن الذي اختلف في اسمه فقيل: ضماد أو ضمام بن ثعلبة هو السعدي الوافد على رسول الله ﷺ وأما الأزدي فإنه ضماد بلا مثنوية.
стр. 1228
وفيه: (وكان يرقى من هذه الريح) الإشارة بهذه إلى جنس العلة التي كانوا يرونها الريح، وكأنهم كانوا يرون أن الخبل الذي يصيب الإنسان، والأدواء التي كانوا يرونها من مسة الجن، نفخة من نفخات الجن فيسمونها الريح: (ولقد سمعت قول الكهنة): يريد بذلك أنهم ينسبونك تارة إلى الكهانة وتارة إلى السحر، وتارة إلى الشعر، وقد سمعت مقالة أصحابها فما سمعت في سائر ما سمعت مثل كلامك، ولو كنت منهم لأشبه كلامك كلامهم، ثم إنهم كانوا يرون الكهان والسحرة والشعراء أهل البلاغة والمتصرفين في القول على أي أسلوب شاءوا. فأشار بقوله هذا إلى الإعجاز، أي: جاوز كلامك عن حد البلاغة، وأشار (بهؤلاء) إلى الكلمات. والعرب ربما استعملوها في غير العقلاء؛ وقد شهد به التنزيل، قال الله تعالى: ﴿إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ وقال الشاعر:
ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام
ومنه: (ولقد بلغن ناعوس البحر) وفي كتاب المصابيح (بلغنا) وهو خطأ لا سبيل إلى تقويمه من طريق المعنى، والرواية لم ترد به، وناعوس البحر أيضا خطأ، وكذلك رواه مسلم في كتابه وغيره من أهل الحديث، وقد وهموا فيه؛ والظاهر أن سمع بعض الرواة أخطأ فيه فروى ملحونا، وهذه من الألفاظ التي لم تسمع في لغة العرب؛ والصواب فيه: قاموس البحر، وهو وسطه ومعظمه، من القمس وهو الغوص، والقماس: الغواص، وفي حديث المد والزجر: (قال ملك موكل بقاموس البحر) والمعنى أن كلماتك [٣٠٤] التي أسمعتنيها قد بلغن في البلاغة وغزارة المعنى قاموس لجة البحر ومعظمه.
وفي الفصل الذي في المعراج
(من الصحاح)
[٤٤٤٠] حديث مالك بن صعصعة- ﵁ (أن نبي الله ﷺ حدثهم عن ليلة أسري به:
стр. 1229
(بينما أنا في الحطيم) وربما قال (في الحجر ... الحديث). هذا التردد من الراوي اشتبه عليه: أسمع في الحطيم أو في الحجر، وكثير من علماء العربية يرون الحجر والحطيم شيئا واحدا، ويقولون: سمي حجرا لما حجر عليه بحيطانه، وسمي حطيما؛ لأنه حطم جداره عن مساواة جدار الكعبة. وقد نقل عن رهط من أهل العلم ما يخالف ذلك، وأقاويلهم مع ما فيها من الاختلاف تدل على أن الحطيم غير الحجر؛ فقال مالك: الحطيم ما بين المقام إلى الباب؛ وقال ابن جريج: هو ما بين الركن والمقام وزمزم والحجر؛ وقال ابن حبيب: هو ما بين الركن الأسود إلى الباب إلى المقام، حيث يتحطم الناس للدعاء، وقيل: كان أهل الجاهلية يتحالفون هناك، يتحطمون بالأيمان.
ومنه قول أنس- ﵁ في هذا الحديث: (من هذه إلى هذه) أو قول بعض الرواة: يعني من ثغرة نحره إلى شعرته؛ أراد بالعشرة العانة. يقول أهل العلم بالعربية: الشعرة بكسر الشين شعر الركب للنساء خاصة، وعلى هذا فإن هذا القائل ذهب فيه مذهب الاتساع.
وما ذكر في الحديث من شق النحر واستخراج القلب وما يجري مجراه فإن السبيل في ذلك التسليم دون التعرض لصرفه إلى وجه يتقوله متكلف ادعاء التوفيق بين المنقول والمعقول؛ هربا مما يتوهم أنه محال. ونحن- بحمد الله- لا نرى العدول عن الحقيقة إلى المجاز في خبر الصادق عن الأمر المحال به على القدرة.
وفيه: (فاستفتح؛ قيل: من هذا): أراد بذلك تقرير شدة حراسة السماء، وكثرة حراسها، وأن أحدا لا يستطيع التخلص إليها والمرور عليها إلا بإذن من قبل من أرصد لذلك الأمر.
стр. 1230
وفيه: (قيل: وقد أرسل إليه): ذهب بعض أهل العلم إلى أن معناه: وقد أرسل إليه للعروج، وقال: بعثة نبينا ﷺ من معظمات الأمور، وجلائل الوقائع المعروفة في ملكوت السموات، فلا يجوز أن يخفى عليهم ظهورها؛ أو كلام هذا معناه.
قلت: وماذا ينكر هذا القائل أن تكون الفئة المستخبرة عن إرساله ممن شغلتهم الشواهد الغيبية وسلبتهم السوالب الربانية؛ فلم يتفرغوا لاستغرقاهم فيما بدا لهم من سبحات الجمال، ودهمهم من سطوات الجلال لما سوى ذلك. ثم إن قوله: إنهم سألوا عن الإرسال للعروج قول لم يتقدمه روية؛ إذ لا يصدر مثله عن الأدنى فالأدنى، فضلا عن الملأ الأعلى؛ إذ ليس لبشر أن يتطرق إلى العالم العلوي، ويرتقي في أسباب السموات إلا أن يؤذن له ويرسل إليه؛ ويعان في العروج بالتيسير عليه، اللهم إلا أن يحمل سؤالهم (٣٠٥) عن الإرسال إليه على معنى التعجب مما أنعم الله به على عبده، أو على معنى الاستبشار بعروجه. وأما رؤيته المذكورين من الأنبياء دون رقيه إلى كل سماء، وأمر الملك إياه بالتسليم عليهم، وأن في ذلك توقيف على تفاوت منازلهم واختلاف مراتبهم ومنازعهم، وعلى أنه أعلى رتبة، وأقوى حالا، وأتم عروجا. وأمره بالتسليم عليهم؛ لأنه كان عابرا عليهم فكان في حكم القيام، وكانوا في حكم القعود، والقائم يسلم على القاعد؛ وإن كان أفضل منهم.
ورؤيته الأنبياء في السموات وفي بيت المقدس حيث أمهم يحمل على رؤية روحانيتهم الممثلة بصورهم التي كانوا عليها؛ غير عيسى- ﵇؛ فإن رؤيته محتملة للأمرين أو أحدهما، وأما ما ذكر من بكاء موسى- ﵇ فإنه يحمل على الرقة لقومه والشفقة عليهم؛ حيث لم ينتفعوا بمتابعته انتفاع هذه الأمة بمتابعة نبيهم. ولم يبلغ سوادهم مبلغ سوداهم. ولا يصح أن يحمل إلا على هذا الوجه، أو ما يضاهي ذلك، فإن الحد في ذلك العالم منزوع عن عوام المؤمنين فضلا عمن اختاره الله لرسالته واصطفاه لمكالمته وقوله: (لأن غلاما بعث بعدي): لم يرد بذلك استقصار شأنه، فإن الغلام قد يطلق ويراد به القوى الطري الشباب. والمراد منه استقصار مدته مع استكثار فضائله، واستتمام سواد أمته.
стр. 1231
وفيه: (ثم رفعت لي سدرة المنتهى): الرفع تقريبك الشيء، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وفرش مرفوعة﴾ أي: مقربة لهم، فكأنه أراد أن سدرة المنتهى استبينت له بنعوتها كل الاستبانة، حتى اطلع عليها كل الاطلاع، بمثابة الشيء المقرب إليه. وفي معناه: (رفع لي بيت المعمور) (ورفع لي بيت المقدس).
وأضيفت السدرة إلى المنتهى؛ لأنها بمكان ينتهي دونه علم الخلائق، ولا تجاوز للملائكة والرسل منها. وقد بينا معنى ذلك فيما تقدم.
قلت: وفي بعض أحاديث المعراج: (ثم انتهى بي إلى سدرة المنتهى) وفي بعضها: (ثم انطلق بي حتى أتى سدرة المنتهى) وفيما رواه أبو سعيد الخدري من حديث المعراج: (فرفعت إلى سدرة المنتهى) والروايتان اللتان ذكرناهما قبل، وهما أكثر الروايات يؤيدان ذلك.
وفي: (فإذا نبقها مثل قلال هجر): النبق بكسر الباء حمل السدر، ويخفف أيضا، الواحدة نبقة، ونبقة، مثل كلمة. والقلة إناء للعرب كالجرة الكبيرة، وقلال هجر شبيهة بالحباب، ولما كانت الثمرة في قشرتها كالمطعوم في ظرفها ضرب مثل ثمرتها بأكبر ما كانوا يتعارفونه بينهم من الظروف. وهجر: اسم بلد، منصرف.
وفيه: (فإذا أربعة أنهار: نهران باطنان ونهران ظاهران): إذ للمفاجئة، يعني فإذا أنا بأربعة أنهار. وفي غير هذا الحديث: أنها تخرج من أصل السدرة، ويحتمل أنه قال: (باطنان) لخفاء أمرهما، وفقدان النظير في الشاهد لهما فلا تعبر العبارة عن نعتهما، ولا تهتدي العقول إلى وصفهما، ويحتمل أنه [٣٠٦/] قال ذلك لأنهما مخفيان عن أنظار الناظرين فلا يريان حتى يصبا في الجنة.
وقد ذكر في هذا الحديث أن أحدهما يقال له الكوثر، والآخر نهر الرحمة. وأما الظاهران فالأوجه في هذا الحديث أنهما النهران المسميان على ما عرفا بأعيانهما، ويكون مادتهما مما يتنزل إلى السدرة من رحمة الله، ويحتمل أن تكون تسميتها بالاسمين من باب الاتساع والاستعارة، أو من باب توافق الأسماء على ما ذكرنا في قوله ﷺ : (سيحان وجيحان، والنيل والفرات كل من أنهار الجنة).
وفيه: (وعالجت بني إسرائيل) أي: مارستهم ولقيت الشدة فيما أردت منهم من الطاعة. والمعالجة مثل المزاولة والمحاولة.
стр. 1232
[٤٤٤٢] ومنه حديث أنس- ﵁: (كان أبو ذر-﵁ يحدث أن رسول الله ﷺ قال: فرج سقف بيتي ...) الحديث. فإن قيل: روى أنس في حديث المعراج عن مالك بن صعصعة عن النبي ﷺ : (بينما أنا في الحطيم وربما قال: في الحجر). فكيف التوفيق بين هاتين الروايتين؟
стр. 1233
قلنا: قد ذكر في كتب أصحاب الحديث وكتب من تصدى للتوفيق بين المتضادات أن الحديثين ينبئان عن العروج به مرتين، تارة بروحه في المنام، ويدل عليه قوله: (كنت بين النائم واليقظان) وتارة بشخصه في اليقظة؛ ويدل عليه أيضا في حديث أبي ذر: (ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء) ولم يذكر مسراه إلى بيت المقدس. والعروج الذي كان بشخصه في اليقظة إنما كان من المسجد الأقصى. وفي حديث أبي ذر: ذكر العروج من المسجد الحرام إلى السماء؛ فإن صح لنا ذلك فلا تضاد فيه. فإن قيل: فأي الحديثين يحمل على اليقظة؟
قلنا: حديث مالك بن صعصعة؛ لما فيه من ذكر البراق وسيره به، ولم نجد للبراق ذكرا في حديث أبي ذر، وإن لم يصح لنا ذلك فالسبيل أن يعد ذلك مما غلط فيه الرواة من قبل النسيان؛ فإنهم وإن كانوا عدولا بررة، فليسوا معصومين عن النسيان، وقد رفع الله قدر نبيه عن النسيان والغلط فيما يخبر عنه من أمر الله، والكوائن الغيبية والآيات الإلاهية.
فإن قيل: والنسيان إن قدر ففي أي القضيتين يقدر؟
قلنا: يقدر في حديث أبي ذر؛ لأن الإسراء به من المسجد أكثر وأشهر، فإن قيل: وإن قدر الأمر فيهما على ما ذكرتم من العروج به مرتين تارة في المنام وتارة في اليقظة، فكيف التوفيق بين قول من روى الإسراء به من عند أم هانئ، وبين قوله: (فرج سقف بيتي).
قلنا: تكون إضافة البيت إلى نفسه من باب الاتساع، لأنه كان ساكنه، وإلى أم هانئ من طريق الحقيقة؛ لأنها كانت تملكه.
وفيه: [٣٠٧] (وإذا رجل قاعد على يمينه أسودة) أي: أشخاص أو جماعات، يقال: مرت بنا أسودا من الناس وأساود وأساويد، وهم الجماعات المتفرقون، ومن السواد الأعظم، والسواد: الشخص، لأنه يرى من بعيد أسود.
[٤٤٤٢] ومنه قوله ﷺ في حديث ابن عباس و [أبا حية] الأنصاري- ﵄: (ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام): ظهرت أي: علوت؛ قال الله تعالى: ﴿ومعارج عليها
стр. 1234
يظهرون﴾ والمستوى على مثال الملتقى: المستقر وموضع الاستعلاء، ولو قال قائل: يحتمل أن يكون بكسر الواو، ويراد به المكان المستوي الذي اعتدل في نفسه فلم يكن فيه انخفاض أو انحراف- فله وجه، لولا عدم الرواية، ثم إنه لو كان على ما ادعى، لكان من حقه أن يكتب بغير ياء بعد الواو؛ لأنها ساقطة في هذه الصيغة، وإذا رأينا الياء مثبتة في سائر الروايات فليس لنا أن نذهب إلى خلافه، وفي بعض طرق هذا الحديث: (حتى ظهرن المستوز) والمستوزي: المنتصب العالي المرتفع، وإثبات الياء في هذه الصيغة ليس بديد؛ لأن المستوزي بفتح الزاي مما لا يعرف في كلام العرب، واللام في الروايتين للعلة؛ أي علوت لاستعلاء مستوى أو لرؤيته أو لمطالعته.
ويحتمل أن يكون متعلقا بالمصدر أي: ظهر ظهورا لمستوى، ويحتمل أن يكون بمعنى إلى؛ قال الله تعالى: ﴿بأن ربك أوحى لها﴾ أي إليها. قال البحتري:
ظهرت لمنخرق السماك وجاوزت ... ظلل الغمام الصائب المستغرق
و (صريف الأقلام) عبارة عن الاطلاع على جريانها بالمقادير، والأصل فيه صوت البكرة عند الاستقاء، يقال: صرفت البكرة تصرف صريفا، وكذلك صريف النار وصريف ناب البعير، والمعنى: إني أقمت مقاما بلغت فيه من رفعة المحل إلى حيث اطلعت على الكوائن، وظهر لي ما يراد من أمر الله، وتدبيره في خلقه، وهذا والله هو المنتهى الذي لا تقدم لأحد عليه.
[٤٤٤٣] ومنه حديث عبد الله بن مسعود- ﵁: (لما أسري برسول الله ﷺ انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة) لا خفاء بأن بعض الرواة وهم في السادسة، وإنما الصواب في السابعة، وقد بينت في غير موضع من أحاديث المعراج أنه أتى السدرة، ورفعت له بعد العروج إلى السماء السابعة، وشهدت بذلك الروايات الصحيحة، فلابد لنا من هذا القول للتضاد الذي بين الروايتين؛ فإن قيل: وهذه الرواية أيضا صحيحة فلم نحكم بتلك الروايات على هذه؟
قلنا: لأنها أكثر، وإضافة السهو إلى الواحد أولى من إضافته إلى الجماعة، ثم إن إضافة السدرة إلى المنتهى، والبيان الذي ورد في معناه من النبي ﷺ : (ينتهي إليها) يشهدان لتلك الروايات ويوضحانها لاسيما وقد أسند القول [٣٠٨] في تلك الروايات إلى النبي ﷺ [وهاهنا أتى به] وعلى وجه الوقف على الصحابي، فإن قيل: إن الصحابي لا يقدم على الإخبار فيما سبيله التوقيف إلا وهو متحقق به متثبت في السماع منه من قبل الرسول ﷺ !
стр. 1235
قلنا: لم ننكر ذلك؛ ولكن للتفاوت الذي يقع بين المرفوع والموقوف في المرتبة لا نزمع] بذلك مع أن قول القائل: (وهي في السماء السادسة) يحتمل أنه أدرج في الحديث من قول بعض الرواة لا من قول ابن مسعود. ومن الدليل على ذلك أن هذا الحديث روي عن ابن مسعود من طريق أخرى، وليس فيها (وهي في السماء السادسة).
وفيه: (إذ يغشى السدرة ما يغشى) قال: (فراش من ذهب)، فإن قيل: كيف التوفيق بين قوله هذا وبين قوله في غير هذا الحديث: (فغشيها أنوار لا أدري ما هي)!
قلنا: قوله ذلك يشير إلى أنها لا تشبه الأعيان المشهودة المستحضرة في النفوس، فتنعت لهم بذكر نظائرها، ولا تضاد بين القولين؛ لأن فراش الذهب كان أيضا مما غشيها، مع احتمال أن يكون ذلك من قول الصحابي أورده مورد البيان؛ لأنه سمع النبي ﷺ يذكر تساقط الفراش على مواقع تلك الأنوار التي غشيها بعد قوله: (إذ يغشى السدرة).
وفيه: (وأعطى خواتيم سورة البقرة): ليس معنى قوله: (أعطى) أنها أنزلت عليه، بل المعنى أنه استجيب له فيما لقن في الآيتين من قوله: ﴿غفرانك ربنا﴾ إلى قوله: ﴿أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين﴾ ولمن يقوم بحقها من السائلين.
وفيه: (وغفر لمن لا يشرك بالله من أمته شيئا) يريد بالمقحمات: الذنوب التي يستحق بها صاحبها دخول النار:
ومن الفصل الذي في المعجزات
(من الصحاح)
[٤٤٤٦] قول أبي بكر- ﵁ في حديثه: (فرفعت لنا صخرة) أي: ظهرت، وأذيعت، والأصل فيه تقريب الشيء، ومنه رفعت إلى السلطان. وفي حديث النجاشي: (فرفع لي سريره).
стр. 1236
وفيه: (وأنا أنفض ما حولك) يريد: أتجسس الأخبار من كل وجه، تقول: نفضت المكان واستنفضته وتنفضته إذا نظرت جميع ما فيه، ومنه النفضة وهم الجماعة يبعثون في الأرض هل فيها عدو أو خوف، وكذلك النفيضة نحو الطليعة: قالت سلمى الجهنية ترثي أخاها أسعد:
يرد المياه حضيرة ونفيضة ... ورد القطاة إذا اسمأل التبع
وفيه: (فحلب في قعب كثبة من لبن) القعب: قدح من خشب مقعر، والكثبة من اللبن قدر حلبة، وقيل: ملء القدح من اللبن.
وفيه: (يرتوي فيها) رويت من الماء بالكسر وارتويت وترويت كله بمعنى.
وفيه: (فوافقته حتى استيقظ). قلت: اختلف رواة كتاب البخاري في هذبن اللفظين أعني (فوافقته حتى) فمنهم من يرويه: (فوافقته حين) بتقديم الفاء على القاف [٣٠٩]. وحين التي هي للظرف. والمعنى: وافق إيتائي إياه حين استيقظ، وكذلك وجدناه فيما يعتد به من نسخ البخاري، ومما يشهد لهذه الرواية بالصحة ما روي في بعض طرق هذا الحديث من كتاب مسلم: (فوافقته وقد استيقظ).
ومنهم من يرويه على ما ذكرنا في تقديم الفاء مع حرف حتى، أي: وافقته فيما هو اختاره من النوم.
ومنهم من يرويه بتقديم القاف على الفاء من الوقوف، والمعنى: صبرت عليه وتوقفت في المجيء إليه حتى استيقظ. وأرى الداخل إنما دخل على من يرويه بحتى التي هي الغاية من قوله: (فكرهت أن أوقظه) فرأوا أنه كان نائما فوافقه على النوم، أو تأنى به حتى استيقظ.
والوجه فيه أنه فارقه وهو نائم، فقدر الأمر في ذلك على ما فارقه عليه، فكره إيقاظه، وذلك قبل المجيء إليه، فلما أتاه كان الأمر على خلاف ما توهمه ووجده قد استيقظ.
وفيه: (فارتطمت به فرسه) يقال: رطمته في الوحل رطما فارتطم أي: ارتبك فيه، وارتطم عدي هاهنا بالباء، وفيه: (في جلد من الأرض) الجلد: الأرض الصلبة.
стр. 1237
[٤٤٤٨] ومنه قول عبادة بن الصامت في حديث أنس- ﵄: (ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا) الضمير في أكبادها للخيل أو الإبل، أي حثثناها في المسير إليها حتى أضر الظمأ وإدمان السير بأكبادها. وقدمنا حقيقة هذا اللفظ في أول الكتاب. وبرك الغماد بكسر الباء وبفتحها أيضا وبضم الغين: موضع باليمن، قيل هو أقصى بلاد حجرية. ومنهم من يكسر الغين. فأرى أصح الروايتين في برك كسر الباء، فقد ذكر الجوهري في كتابه، وبرك مثال قرد: موضع بناحية اليمن.
وفيه: (فما ماط أحدهم). يريد: ما بعد يقال: ماط فيحكمه أي: جار، وماط أي: بعد وذهب.
[٤٤٤٩] ومنه حديث ابن عباس- ﵄ أن النبي ﷺ قال وهو في قبة يوم بدر: (اللهم
стр. 1238
أنشدك عهدك ووعدك ...) الحديث. يقال: نشدت فلانا أنشده نشدا إذا قلت له: نشدتك الله، أي: سألتك بالله، وقد يستعمل في موضع السؤال، قال الأعشى:
وإذا تنوشد في المهارق أنشدا
أي: إذا سئل بكتب الجوائز أعطى، وقوله: تنوشد في موضع نشد أي: شئل، والعهد- هاهنا- بمعنى الأمان، يريد: أسألك أمانك وإنجاز وعدك الذي وعدتنيه بالنصر.
فإن قيل: كان النبي ﷺ أعلم الناس بالله، وقد علم أن الله سبحانه لم يكن ليعده وعدا فيخلفه، فما وجه هذا السؤال؟!
قلنا: الأصل الذي لا يفارق هذا الحكم هو أن الدعاء مندوب إليه، علم الداعي بحصول المطلوب أو لم يعلم؛ ثم إن العلم بالله يقتضي الخشية منه، ولا ترتفع الخشية من الأنبياء- ﵈ بما أوتوا ووعدوا من حسن العاقبة، فيجوز أن يكون خوفه من مانع ينشأ ذلك من قبله أو من قبل [٣١٠] أمته فيحبس عنهم النصر الموعود ويحتمل أنه وعد بالنصر، ولم يعين له الوقت، وكان على وجل من تأخر الوقت فتضرع إلى الله لينجز له الوعد في يومه ذلك، وما أظهر من الضراعة، وبالغ فيه برفع اليدين حتى سقطت الخميصة التي كانت عليه عند رجليه، على ما هو في الحديث. ففيه سوى ما توخاه من التذلل بين يدي الله على ما هو حق العبودية كشفه للأصحاب عن أنه النصر، كي يشجعهم بذلك ويؤيدهم ويثبت أقدامهم. ومن هاهنا قال أبو بكر- ﵁: (حسبك يا رسول الله، فقد ألححت على ربك). يريد: أنك قد بالغت في الدعاء كل المبالغة، وقد علم المؤمنون بأن الله- سبحانه- سيبجيب دعوتك، وتحققوا بذلك فلا حاجة بك إلى زيادة على ما صنعت. هذا وجه هذا الحديث؛ إذ كان رسول الله ﷺ أعلم بالله من أبي بكر وأقوى يقينا منه، وأولى بالثقة بوعده، ولا يجوز أن يتوهم متوهم أن أبا بكر- ﵁ قال هذا القول تطبيبا لقلب رسول الله ﷺ ، أو تأييدا له أو تغييرا عليه، معاذ الإله؛ فإن هذا مما لا يحسن بعوام المؤمنين فضلا عن صديق هذه الأمة، وأعلمهم بالله وبرسوله، وأشدهم تمسكا بالأدب بين يديه، والله أعلم.
وفي حديثه أيضا عن قول الملك:: (أقدم حيزوم). أقدم بفتح الهمزة زجر للفرس كأنه يؤمر بالإقدام، وقد رواه بعض أهل الحديث- بل أكثرهم- بكسر الهمزة، والصواب فتحها.
وحيزوم: اسم فرس من خيل الملائكة، سمي بأقوى ما يكون من الأعضاء منه، وأشد ما يستظهر به الفارس في ركوبه منه وهو وسط الصدر، وما يضم عليه الحزام.
ومنه قول علي- ﵁:
اشدد حيازيمك للموت فإن الموت لاقيك
стр. 1239
وفيه: (فإذا هو قد خطم أنفه): خطم بالخاء المعجمة؛ وهو الأثر على الأنف، يقال: خطمت البعير إذا وسمته بالكي بخط من الأنف إلى أحد خديه.
[٤٤٥٣] ومنه حديث البراء- ﵁: بعث رسول الله ﷺ رهطا إلى أبي رافع ...) الحديث. الرهط: ما دون العشرة من الرجال ليس فيهم امرأة، وقد ذكر قبل. وأبو رافع هذا هو ابن أبي الحقيق اليهودي، كان يعادي رسول الله ﷺ أشد المعاداة، ويسعى في أذيته، والتألب عليه، والتعرض لع بالقول فيما ينظم من الشعر، بعد أن كان من ذوي العهد؛ فنقض عهده، وكان له حصن يتحصن به؛ فبعث إليه رهطا من الخزرج، وأمر عليهم عبد الله بن عتيك- ﵁ فاحتال حتى دخل الحصن متنكرا وقتله وهرج؛ فرجعوا إلى رسول الله ﷺ فاتوه وهو يخطب فقال: (أفلحت الوجوه) وذلك في آخر السنة الرابعة من الهجرة، وكانت الأوس قد أصابوا قبل ذلك من كعب بن الأشرف، وكان الخبيث شديد الإحنة على رسول الله ﷺ .
فإن قيل: قد رويتم عن رسول الله ﷺ أنه قال: (الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن)، فكيف التوفيق بينه وبين ما [٣١١] أمر به من قتل ابن الأشرف وابن أبي الحقيق اليهوديين؟
قلنا: أما ابن أبي الحقيق فإنه كان حربا لله ولرسوله، متحصنا بحصنه، ودخول الصحابي الحصن [...] حتى مكن فإن من قتل الخبيث، ليس من باب الفتك المنهى عنه، بل سبيل ذلك سبيل السرية تدخل دار الحرب على غرة من أهلها ثم تضع فيهم السيف. وأما قتل ابن الأشرف بعد نزوله إلى محمد بن مسلمة وأصحابه الأوسيين- ﵃ من قصره في جوف الليل وإجابته إياهم ثقة بهم، فإنهم كانوا مباشرين لذلك من قبل الرسول ﷺ بالأمر السماوي، ففارقت هذه القصة غيرها من قضايا الأمة، مع احتمال أن يكون النهي عن الفتك كان بعد ذلك [وهو الأظهر]؛ لأن حديث النهي عن الفتك يرويه أبو هريرة، وإسلامه في السنة الرابعة من الهجرة، وقتل ابن الأشرف في السنة الثالثة، وابن أبي الحقيق في السنة الرابعة.
стр. 1240
[٤٤٥٤] ومنه قول جابر- ﵁ في حديثه: (فعاد كثيبا أهيل). أهيل في معنى الهيال، وهو السيال قال الله تعالى: ﴿كثيبا مهيلا﴾ أي مصبوبا سائلا لا يتماسك، يقال: تهيل الرمل وانهال: إذا سال، وقد هلته أنا. وفيه: (فانكفأت إلى امرأتي) أي انصرفت إليها.
وفيه: (رأيت [النبي] ﷺ خمصا شديدا) الخمص بتسكين الميم: المجاعة، وكذلك المخمصة؛ لأن البطن يضمرها. وفيه: (ولنا بهيمة داجن) البهيمة تصغير البهمة، وهي اسم للمذكر والمؤنث من أولاد الضأن، كذا ذكره أهل اللغة، وقيل: البهمة السخلة، وفي الحديث أن النبي ﷺ قال للراعي: (ما ولدت) قال: بهمة، قال: (اذبح مكانها شاة) قال بعضهم: لولا أن البهمة اسم نوع خاص لما كان في إجابة الداعي عن رسول الله ﷺ ببهمة كبير فائدة؛ لأن من المعلوم أن ما تلد الشاة إنما يكون ذكرا أو أنثى فلما أجاب عن بهمة وقال: (اذبح مكانها شاة) دل على أنها اسم للأنثى دون الذكر، أي: دع هذه في الغنم للنسل واذبح مكانها ذكرا.
قلت: هذا الذي ادعاه هذا القائل ينتقض عليه بقوله ﷺ : (واذبح مكانها شاة)؛ فإن الشاة لم تختص بالذكر دون الأنثى، واستقامة المعنى في هذا الحديث أن تفسر البهمة بالسخلة على ما ذهب إليه بعض أهل اللغة. والشاة المسن ثنية كانت أو جذعة ضأنا كان أو معزى، أو يأول على أنه ﷺ سأله عن عدد ما ولد، فأجابه بقوله ذلك، أراد أنه ولد بهمة واحدة.
وهذا التأويل أوجه التأويلين وأقومه، على ما ذكرناه من أهل اللغة، وقد وجدت سناد هذا التأويل في بعض طرق هذا الحديث الذي أوردنا منه قوله للراعي: (ما ولدت) وهو قول الراوي: إن النبي ﷺ كانت له مائة شاة، فلم يكن يرى أن يتجاوز عن المائة، فكلما جاءت بولد ذبح مكانها أخرى. والداجن: ما ألفت البيوت، واستأنسته، ومن العرب من يقولها بالباء.
وفيه: (واقدحي من برمتكم). يقال: قدحت المرق أي: غرفته [٣١٢] ومنه القدح وهو المغرفة، سلك بالخطاب مسلك [التلوين] فخاطب به ربة البيت وفيه: (وإن برمتنا لتغط) يريد: تغلي فيسمع سوت الغليان والمغطغطة: القدر الشديد الغليان.
стр. 1241
[٤٤٥٥] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي قتادة- ﵁: (بؤس ابن سمية) أي: ما شدة ما يلقاه ابن سمية من الفئة الباغية، وابن سمية هو عمار بن ياسر، وسمية أمه.
[٤٤٦٠] ومنه قول عمران بن حصين- ﵁ في حديثه: (فتلقتنا امرأة بين مزادتين أو سطيحتين). المزاد كالمزود، وهو وعاء يوضع فيه طعام السفر، ويحتمل أنهم جعلوا المزاد للماء تفريقا بين الوعائين في الاسم. والسطيحة: نوع من المزاد، وهي ما كان من جلدين قوبل أحدهما بالآخر فسطح عليه.
стр. 1242
[٤٤٦١] وفيه: (واديا أفيح) يريد واسعا، يقال: بحر أفيح: بين الفيح أي: واسع. وفيه: (يصانع قائده) أي: ينقاد له ويوافقه، والأصل في المصانعة: الرشوة، وهي: أن تصنع لصاحبك شيئا ليصنع لك شيئا.
وفيه: (حتى إذا كان بالمنصف مما بينهما) المنصف بالفتح: نصف الطريق.
[٤٤٦٥] ومنه قوله ﷺ في حديث العباس- ﵁: (هذا حين حمى الوطيس) يريد: هذا حين اشتد الحرب، والوطيس: التنور.
стр. 1243
[٤٤٦٦] ومنه قوله ﷺ في حديث البراء- ﵁: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب) وقد ذكرنا فيما تقدم من الكتاب أن القول ربما صدر عن صاحبه مستقيما على وزان الشعر من غير تعمد، فلا يعد ذلك عليه شعرا، ثم إنه رجز، والرجز خارج من جملة ما يتعاطاه الشعراء على الفواصل الموضوعة في العروض.
وأما وجه قوله: (أنا ابن عبد المطلب). فإنه على سبيل التعريف لنفسه لا على سبيل المباهاة، وقد رفع الله قدره وأجل أمره من أن يفتقر في إعلاء كلمته إلى من كان يعبد اللات والعزى، فضلا من أن يفتخر به، وقد كان أصحاب الأخبار من أهل الكتاب يتحدثون بأن النبي الموعود به في آخر الزمان من بني عبد المطلب وكذلك الكهان والحزءون، وأرى جماعة من أهل مكة مصداق ذلك في منامهم، فلعله أشار إلى أنه هو المخبر عنه من بني عبد المطلب.
[٤٤٦٧] ومنه قوله ﷺ في حديثه أيضا: (كنا إذا احمر البأس) يريد: اشتد الحرب، من قولهم: موت أحمر، إذا وصف بالشد، وكذلك سنة حمراء.
[٤٤٦٨] ومنه ما رواه أبو هريرة- ﵁ في حديثه: (قد انتحر فلان). انتحر الرجل: إذا نحر نفسه. وفي المثل: سرق السارق فانتحر.
стр. 1244
[٤٤٦٩] ومنه حديث عائشة- ﵂: (سحر رسول الله ﷺ حتى إنه ليخيل إليه أنه صنع الشيء وما صنعه) تريد: أنه كان يخيل إليه أنه أصابها ولم يكن هناك إصابة.
وفيه: (مطبوب). المطبوب: المسحور، والطب: السحر، قيل: إنهم كنوا به عن السحر كما كنوا بالسليم عن اللديغ، وقيل: إنه من الأضداد يقال لعلاج الداء: طب، وسحر طب، وهو من أعظم الأدواء. قلت: ويحتمل أنهم استعاروا فيه الطبب [٣١٣].
وفيه: (وحفا أثره)، والطبيب هو: الفطن بالشيء الحاذق له. وفيه: (في مشط ومشاطة). المشاطة: ما يشبث من الشعر بالمشط، أو سقط عند الإمتشاط.
وفيه: (وجف طلعة ذكر). الجف: وعاء الطلع، وهو الغشاء الذي على الوليع، ويروى: (في جب طلعة) أي: في جوفها، (وطلعة ذكر) على الإضافة، وأراد بالذكر فحل النخل.
وفيه: (في بئر ذروان). ذروان: موضع، وفي كتاب مسلم: (بئر ذي أروان)، وأراها أصوب الروايتين؛ لأن أروان بالمدينة أشهر من (ذروان). وذو أروان على مسيرة ساعة من المدينة وفيه بني مسجد الضرار.
وفيه: (وكأن نخلها رءوس الشياطين). أراد بالنخل: طلع النخل، وإنما أضافه إلى البئر؛ لأنه كان مدفونا فيها، وأما تشبيه ذلك برءوس الشياطين فلما صادفوه من الوحشة وقبح المنظر، وكانت العرب تعد صور الشياطين من أقبح المناظر؛ ذهابا في الصورة إلى ما يقتضيه المعنى. وقيل: أريد بالشياطين: الحيات الخبيثات العزمات، وأيا ما كان، فإن الإيمان بهذا النظير في الحديث منسوق على [...] الكتاب في التمثيل، قال الله تعالى: ﴿طلعها كأنه رءوس الشياطين﴾.
стр. 1245
[٤٤٧٠] ومنه حديث أبي سعيد الخدري- ﵁: (بينما نحن عند رسول الله ﷺ وهو يقسم قسما). القسم: مصدر قسمت الشيء فانقسم، سمي الشيء المقسوم وهو الغنيمة بالمصدر، والقسم بالكسر: الحظ والنصيب من الخير، مثل: طحنت طحنا، والطحن بالكسر: الدقيق، ولا وجه للمكسورة في هذا الحديث؛ لأنه يختص إذن [بفرد نصيب]، وهذا القسم كان في غنائم حنين، قسمها بالجعرانة.
وفيه: (وقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل). خبت وخسرت على ضمير المخاطب. لا على ضمير المتكلم، وإنما رد الخيبة والخسران إلى المخاطب على تقدير عدم العدل منه؛ لأن الله- تعالى- بعثه رحمة للعالمين، وبعثه ليقوم بالعدل فيهم، فإذا قدر أنه لم يعدل فقد خاب المعترف بأنه مبعوث إليهم وخسر؛ لأن الله لا يحب الخائنين فضلا من أن يرسلهم إلى عباده، ويحتمل أن يكون التقدير: خبت وخسرت إذا اعتقدت أني لم أعدل، ثم إن النبي ﷺ كان يكره أن يضيف الأمر المكروه إلى نفسه، وإن كان على سبيل الحكاية، وإذا حكاه عن غيره أتى به معدولا عن صيغته تنزها في القول عما نزهه الله منه، فعدل به هاهنا عن نفسه إلى المخاطب؛ لأنه كان حقيقا بذلك، وإنما قال لعمر- ﵁: (دعه فإن له أصحابا ...). الحديث. تنبيها على أنهم يصلون، وأنه نهى عن قتل المصلين.
فإن قيل: أو لم يقل في إحدى الروايتين من هذا الحديث: (لئن أدركتهم لأقتلنهم) فكيف التوفيق بين القضيتين؟
قلنا: إنما يحل قتلهم بإظهار الخلاف والمفارقة عن الجماعة وترك الطاعة بالخروج على الإمام، والتألب لقتال من خالفهم في رأيهم، ولم يوجد ذلك يومئذ، وإنما وجد بعد النبي ﷺ بسبع وعشرين [٣١٤] سنة.
وفيه: (يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم) يريد: أنه لا يخلص عن ألسنتهم وآذانهم إلى قلوبهم وأفهامهم. وفيه: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) أي: يمرون عليه مرا سريعا بحيث لا يتمكن الأمر والنهي عنهم. والدين: الطاعة، واستعير للشريعة؛ أي لا يدينون دين الحق. والرمية: الصيد يرمي، شبههم في ذلك بالرمية لاستيحاشهم عما يرمون به من القول النافع، ثم وصف الشيء الممثل به في سرعة تخلصه وتنزهه عن التلوث بما يمر عليه من فرث ودم، ليبين المعنى المضروب له، والرصاف العقب الذي يلوي فوق الرعظ، وهو مدخل النصل واحدها رصفة والمصدر منه الرصف بالتسكين أيضا، ونضى السهم: ما يأتي الريش في النصل، وقال أبو عمرو: النضى: نصل السهم، والأول أشهر وأشبه، والتفسير الذي في الحديث، فالأشبه أنه من قول بعض الرواة أدرجه في الحديث وفيه نظر؛ لأن
стр. 1246
النضى إذا أريد به القدح فإنه يراد منه القدح أول ما يكون قبل أن يعمل، ولا وجه هاهنا، والقذذ: ريش السهم، الواحدة قذة.
وفيه: (مثل البضعة يدردر) أي تجئ وتذهب، ومثله تمرمر وترحرح.
وفيه: (إن من ضئضئ هذا). الضئضئ: الأصل، ومثله الضفئن. قال الكميت:
وجدتك في الضفئن من ضئضئ ... أحل الأكابر منه الصغار
والمراد في الحديث منه أن قوما يكون نعتهم هذا، يخرجون في مستقبل الزمان من أصله، أي: من الأصل الذي هو منه في النسب أو من الأصل الذي هو عليه في المذهب، ومن ذهب إلى أنهم يتولدون منه فقد أبعد؛ إذ لم يذكر في الخوارج قوم من نسل ذي الخويصرة، ثم إن الزمان الذي قال فيه رسول الله ﷺ هذا القول إلى أن نابذ المارقة عليا- ﵁ ٠ - وحاربوه لا يحتمل ذلك، ولقد كان فيهم من بني تميم الجم الغفير. وفيه: (لأقتلنهم قتل عاد) أراد بقتل عاد الاستئصال بالإهلاك فإن عادا لم تقتل، وإنما أهلكت بالصيحة فاستؤصلت بالإهلاك.
[٤٧٧١] منه قول أبي هريرة- ﵁ في حديثه: (فإذا الباب مجاف) مجاف أي: مردود، من قولك: أجفت الباب أي: رددته.
[٤٤٧٢] وفي حديثه الآخر: (إنكم تقولون أكثر أبو هريرة) أي: أكثر الرواية عن النبي ﷺ ، (والله
стр. 1247
الموعد) أي: لقاء الله الموعد، يعني به يوم القيامة، فإن الأسرار تنكشف هنالك (وإن إخواني من المهاجرين ...) الحديث. كان أهل مكة يتعيشون من التجارة، فلما قدموا من المدينة أخذوا في مطلب معايشهم من وجوه التجارات، وأما الأنصار فإنهم كانوا يعملون في نخيلهم، وهي أموالهم، وأموال أهل المدينة المواضع التي فيها نخيلهم.
[٤٤٧٣] ومنه حديث جرير- ﵁: قال لي رسول الله ﷺ : (ألا تريحني من ذي الخلصة). ذو الخلصة: بيت [٣١٥] لخثعم كان يدعى اليمامة، والخلصة اسم طاغيتهم التي كانت فيه.
стр. 1248
[٤٤٧٨] ومنه حديث أنس- ﵁ في حديثه: (وصارت المدينة مثل الجوبة) الجوبة: الفرجة في السحاب، وهي أيضا موضع ينجاب عن الحجارة في الحرة. وقيل: الجوبة أيضا الحفرة الوسيعة المستديرة، والجوبة: الترس لاستدارتها. والمعنى أن المطر أو الغيم انكشف عما يحاذيها، ويكون فيه حذف، والتقدير: صار جو المدينة مثل الجوبة، ويؤيده ما ورد في رواية أخرى عن أنس: (وصارت المدينة كالإكليل) يريد أن الغمام تكللها.
وفيه: (وسال الوادي قناة شهرا) أي: سال الوادي سائلا مثل القناة، ولما كان من شأن القناة الاستمرار على الجري حسن أن يجعل حالا عن الوادي، ويجوز فيه المصدر، أي: سيلان القناة، ويجوز فيه التمييز أي: قدر قناة، وأرى في هذا الوجه الذهاب إلى الرمح في القناة أتم وأبلغ من الذهاب إلى القناة التي تحفر؛ لأن من حق التمييز بيان الشيء المشتبه أو المقدار المشتبه، والتمييز في هذا الموضع بالقناة التي تحفر لا يقع موقع التمييز بالرمح؛ لأن القنى تختلف مقاديرها بحسب اختلاف منابعها وموادها، فتتفاوت تفاوتا بينا، ثم إن الأشبه في السيل أن تقدر بالرمح، وقلما بلغت القنى في كثرة مائها مبلغ السيول؛ وإذا اعتبرنا هذا المعنى فالتمييز فيه أوجه من الحال والمصدر.
وفيه: (فأقلعت) الإقلاع: الكف عن الشيء، يقال: أقلع المطر، وأقلعت الحمى أي: أفصمت، والضمير فيه للسحاب، فإنها جمع سحابة.
[٤٤٧٩] ومنه حديث جابر- ﵁: (كان النبي ﷺ إذا خطب استند ...). الحديث في بعض نسخ المصابيح: استسند، وليس بشيء؛ وإنما هو استند، يقال: سندت إلى الشيء، واستندت إليه بمعنى.
стр. 1249
[٤٤٨٠] ومنه حديث سلمة بن الأكوع- ﵁ (أن رجلا أكل عند النبي ﷺ بشماله). الرجل يقال له: بشر بن راعي العير: وقيل: بسر بالسين المهملة، وهو من أشجع.
[٤٤٨١] ومنه قول أنس- ﵁ في حديثه: (فركب النبي ﷺ فرسا لأبي طلحة بطيئا، وكان يقطف) قطفت الدابة: إذا مشت مشيا خفيفا، وهي القطوف، وقيل: هي البطيء، وقد دل لفظ أنس: (وكانت تقطف) على أنها صفة زائدة على البطئ مغايرة له. وقوله: (بحرا) أي: واسع الجري وقد ذكرناه.
[٤٤٨٢] ومنه قول جابر- ﵁ في حديثه (كأنهم أغروا بي) أغري به أي: أولع به، والاسم: الغراء بالفتح والمد، وأغرت الكلب بالصيد، وأغريت بينهم، والاسم: الغراه.
وفيه: (أدى الله عن والدي أمانته): يريد دينه؛ لأنه ائتمن على أداته، قال الله تعالى ﴿وتخونوا أماناتكم﴾ أي: ما ائتمنتم عليه.
стр. 1250
[٤٤٨٣] ومنه حديث الآخر: (إن أم مالك كانت تهدي للنبي ﷺ في عكة.) الحديث. العكة بالضم: يقال لمثل الشكوة فيها السمن. وأم مالك: في الصحابيات اثنتان: أم مالك البهزية، وهي التي حدثت الفينة، وأم مالك الأنصارية هي التي علمها [٣١٦] رسول الله ﷺ أن تقول في دبر كل صلاة: سبحان الله عشرا، والحمد لله عشرا، والله أكبر عشرا، وصاحبة العكة هي البهزية. وقد [...] البهزية ذكرت كل واحدة منهما في بابها من الكنى، فلا أدري أهي واحدة اختلف فيها لاختلاف الكنيتين، أم هما اثنتان؟
[٤٤٨٤] ومنه قول أنس- ﵁ في حديثه: (وترك سؤرا) سؤرا بالهمز أي: بقية، فإن قيل: كيف تستقيم هذه الروايات من صحابي واحد، ففي إحداها يقول: (وترك سؤرا)، وفي الأخرى يقول (فجعلت أنظر: هل نقص منها شيء) وفي الثالثة: (ثم أخذ ما بقى فجمعه ...). الحديث؟
قلنا: وجه التوفيق فيهن هين بين، وهو أن نقول: إنما قال: (فترك سؤرا) باعتبار أنهم كانوا يتبادلون
стр. 1251
منه، فما فضل منهم سماه سؤرا، وإن كان بحيث يحسب أن لم ينقص منه شيء، أو أراد بذلك ما فضل عنهم بعد أن فرغوا منه. وقيل: إنه دعا فيه بالبركة، وفي الثانية يمكن على ما وجده عليه بعد الدعاء، وعوده إلى المقدار الذي كان عليه قبل التناول، والثالثة لا التباس فيها على ما ذكرناه.
وفيه: (زهاء ثلثمائة) يقال: زهاء مائة أي: قدر مائة.
[٤٤٨٦] ومنه قوله ﷺ في حديث عبد الله بن مسعود- ﵁: (حي على الطهور المبارك) يريد: هلم وأقبل عليه فتحت الياء لسكونها وسكون ما قبلها، والعرب تقول: حي على الثريد، وهو كفعل الأمر.
[٤٤٨٧] ومنه قول أبي قتادة الأنصاري- ﵁ في حديثه: (لا يلوي أحد على أحد). أي: لا يعطف عليه ولا يصرف همه إليه، بل يمشي كل واحد على حدته، من غير أن يراعي الصحبة؛ لاهتمامه بطلب الماء.
وفيه: (حتى ابهار الليل): ابهار الليل ابهيرارا أي: انتصف، ويقال: ذهب معظمه وأكثره، وابهار علينا الليل، أي: طال، والبهرة بالضم: وسط الليل، وكذلك بهرة الوادي.
وفيه: (فتكابوا عليه) أي: ازدحموا على الميضأة مكبا بعضهم على بعض.
وفيه (أحسنوا الملأ) الملأ: الخلق، يقال: ما أحسن ملأ بني فلان أي: عشرتهم وأخلاقهم، وفي
стр. 1252
الحديث: (أنه ﷺ قال لأصحابه حين ضربوا الأعرابي الذي بال في المسجد): (أحسنوا أملاءكم) أي: أخلاقكم.
وفيه (فأتى الناس جامين). أي: مستريحين قد ذهب عنهم إعياؤهم، من الجمام بالفتح وهو الراحة، وأكثر ما يستعمل ذلك في الفرس. و (رواء) بالكسر، جمع (راو)، وهو الذي روي من الماء.
стр. 1253
[٤٤٩١] ومنه قول أبي حميد الساعدي- ﵁ في حديثه: حتى ألقته بجبلي طيئ). جبلا طيئ أحدهما: سلمى والآخر أجأ، على (فعل) بالتحريك، وهما بأرض نجد. ووادي القرى لا يعرب الياء من الوادي؛ فإن الكلمتين جعلتا اسما واحدا.
[٤٤٩٢] ومنه حديث أبي ذر- ﵁: قال رسول الله ﷺ : (إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط).
قلت: كنت أرى هذا الحديث مشكلا جدا؛ لأن تسمية القيراط لم تكن مختصة بأرض مصر؛ بل شاركهم فيها البدو والحضر من بلاد العرب، وقد تكلم فيها نبي الله ﷺ [٣١٧] في عدة أحاديث، منها قوله: (من اتبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا وكان معه حتى يصلي عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين). ومنها حديثه الآخر: (من اقتنى كلبا ليس بكلب ضار ولا ماشية إلا نقص من عمله كل يوم قيراطان) ومنها حديثه الآخر: (كنت أرعى لأهل مكة على قراريط) ولم أجد أحدا ممن يتعنى بتناول أحاديث النبي ﷺ تعرض لذكره في المشكلات، فضلا عن كشف الغطاء، حتى وحدت أبا جعفر الطحاوي- شكر الله سعيه- قد ذكر في كتابه الموسوم بمشكل الآثار- أن الإشارة بذلك وقعت إلى كلمة عور استعملها المصريون في المسابة وإسماع المكروه، فيقولون: أعطيت فلانا قراريط أي: أسمعته المكروه، ويقولون: اذهب لا أعطيك قراريطك أي: سبابك. ومع اطمئنان قلبي إلى تأويل الطحاوي؛ لكونه من جلدة المصريين وهو أعلم بلهجة أهل بلدته، فلقد زادني وضوحا ما وقع لي من التناسب بين قوله هذا وبين التوصية بهم؛ وذلك أنه أشار إلى أن القوم في لسانهم بذاء، فأحسنوا إليهم بالصفح والعفو، ولا يحملنكم حدة لسانهم فيما يذكرون من المساوئ على الإساءة إليهم، فإن لهم ذمة ورحما.
قلت: أما الذمة فإن المراد منها الزمام الذي حصل من قبل إبراهيم بن النبي ﷺ وعلى آله- من مارية
стр. 1254
القبطية، فإنها كانت من أهل مصر. وأما الرحم فمن قبل أم [آجر] إسماعيل- ﵉ وإن كانت الرواية على الوجه الذي ذكر من التردد فإن الصهر يختص بمارية، والذمة [بآجر]. وقد وجدت في بعض الروايات: (فإن لهم قرابة وصهرا).
وفيه: (فإذا رأيت رجلين يختصمان في موضع لبنة، فاخرج منها). فإن ذلك راجع إلى أعلام النبوة التي كوشف بها من الغيب في وقوع الفتن بها، فأشفق على أبي ذر فأمره بالخروج منها كي لا يستضر بالمقام فيهم، وقد ظهر ذلك في آخر [ولاية عثمان] ﵁ حين [عيبوا] عليه ولاية عبد الله ابن سعد بن أبي سرح أخيه من الرضاعة فكان منهم ما كان، ثم أردفت بالفتنة التي قتل فيها محمد بن أبي بكر، وهو وال عليها من قبل علي- ﵁ فاختبأ حين أحس بالشر، في جوف جمار ميت فرموه بالنار.
[٤٤٩٣] ومنه حديث حذيفة- ﵁ عن النبي ﷺ (في أصحابي) أو قال: (في أمتي اثنا عشر منافقا ...) الحديث.
قلت: صحبة النبي ﷺ المعتد بها هي المقترنة بالإيمان، ولا يصح أن تطلق إلا على من صدق في إيمانه، وظهر منه أمارته، دون من أغمض عليهم بالنفاق وإضافتها إليهم لا تجوز إلا على المجاز لتشبههم بالصحابة، وتسترهم بالكلمة، وإدخالهم أنفسهم في غمارهم؛ ولهذا قال في أصحابي، ولم يقل من أصحابي، وذلك مثل قولنا: إبليس كان في الملائكة أي: في زمرتهم ولا يصح أن يقال: كان من الملائكة، فإن الله- يقول: ﴿كان من الجن﴾ وقد أسر بهذا القول إلى خاصته وذوي المنزلة من أصحابه، أمر هذه الفئة المشئومة المتلبسة لئلا [٣١٨] [يقبلوا منهم الإيمان، ولا يأمنوا من قبلهم المكر والخداع، ولم يكن يخفى على المحفوظين شأنهم] لاشتهارهم بذلك في الصحابة؛ إلا أنهم كانوا لا يواجهونهم بصريح المقال أسوة برسول الله ﷺ وكان أعلمهم بأسمائهم وذلك لأنه كان ليلة العقبة مع النبي ﷺ مرجعه من غزوة تبوك، حين هموا بقتله، ولم يكن على العقبة إلا رسول الله ﷺ ، وعمار يقود وحذيفة يسوق به، وكان منادي رسول الله ﷺ قد نادى (أن خذوا بطن الوادي، فهو أوسع عليكم، فإن رسول الله ﷺ قد أخذ الثنية) فلما سمعه أولئك النتنى طمعوا في المكر به فاتبعوه متلثمين، وهم اثنا عشر رجلا فسمع رسول الله خشفة القوم من ورائه، فأمر حذيفة أن يردهم، فاستقبل حذيفة وجوه دوالهم بمحجن كان معه، فضربها ضربا فرعبهم الله حين أبصروا حذيفة، فانقلبوا مسرعين على أعقابهم حتى خالطوا الناس، وأدرك حذيفة رسول الله ﷺ فقال لحذيفة: (هل عرفت أحدا منهم) قال: لا، فإنهم كانوا متلثمين، ولكن أعرف رواحلهم، قال: (إن الله أخبرني بأسمائهم وأسماء آباءهم، وسأخبرك بهم- إن شاء الله- عند الصباح)، فمن ثم كان الناس يراجعون حذيفة في أمر المنافقين، وقد ذكر عن حذيفة أنهم كانوا أربعة عشر، فتاب اثنان، ومات اثنا عشر على النفاق على ما أخبر به الصادق المصدوق ﷺ . وقد اطلعت
стр. 1255
على أسمائهم في كتب حفاظ الحديث مروية عن حذيفة، غير أني وجدت في بعضها اختلافا فلم أر أن أخاطر بديني فيما لا ضرورة لي.
والدبيلة في الأصل: الداهية، واستعمل في قرحة رديئة، ربما تصلب مادتها حتى تصير مثل الحصى والرمل، والجص [ودوق] العظام وفتات الخشب ونحوها.
وفيه: (حتى تنجم) نجم الشيء، ينجم بالضم: إذا ظهر وطلع.
[٤٤٩٤] ومنه حديث جابر- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من يصعد الثنية ثنية المرار) منهم من يرويه بالرفع فيجعل من الاستفهام، ومنهم من يجعله للشرط فيحرك الدال بالكسر عند الوصل، وكأن الشرط أشبه وأمثل.
وفيه: (ثم تتام الناس) يقال: تتاموا أي: جاءوا كلهم وتموا، وفي الحديث: (فتامت إليه قريش).
стр. 1256
[٤٤٩٧] ومنه حديث أنس- ﵁ في البراق (فاستصعب عليه) يريد: أنه لم يمكنه من الركوب، يقال: استصعب عليه الأمر أي: صعب.
وفيه: (فما ركبك أحد أكرم على الله منه) وجدنا الرواية في أكرم بالنصب، ولعل التقدير: فما ركبك أحد كان أكرم على الله.
وفيه: (فارفض عرقا) أي فاض، وارفضاض الدمع ترششها، وكل ذاهب متفرق: مرفض.
[٤٤٩٩] ومنه قول [٣١٩] يعلى بن مرة الثقفي- ﵁ في حديثه: (فلما رآه البعير جرجر). الجرجرة: صوت تردد البعير في حنجرته. يقال: جرجر البعير فهو جرجار، كما يقال: ثرثر الرجل فهو ثرثار.
стр. 1257
وفيه: (ما رأينا منه ريبا بعدك) أي: شيئا تكرهه، تقول: رابني فلان إذا رأين منه ما يريبك وتكرهه وريب المنون: حوادث الدهر.
[٤٥٠٠] ومنه قول ابن عباس- ﵄ في حديثه: (فثع ثعة): ثع الرجل ثعا أي: قاء.
[٤٥٠٤] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁: (جاء ذئب إلى راعي غنم ...) الحديث. الراعي قيل: إنه أهبان بن أوس الخزاعي، ويقال له: مكلم الذئب.
стр. 1258
[٤٥٠٨] ومنه حديث جابر- ﵁ (أن يهودية من أهل خيبر سمت شاة مصلية)، وفي بعض طرقه (أو برقا مسموطا) المصلية: المشوية، من قولك: من قولك: صليت اللحم إذا شويته، والمسموط: هو الذي كشط عنه شعره. والمرأة قيل: إنها زينب بنت الحارث، وهي بنت أخي بن أبي مرحب [لصفية بنت حيي]، [جاءت] بشاة مصلية وسمتها وأكثرت في الكتف والذراع؛ لما بلغها أنها أحب أعضاء الشاة إلى رسول الله ﷺ .
стр. 1259
وفيه: (فعفا عنها رسول الله ﷺ ولم يعاقبها).
قلت: وفي هذا اختلاف: إذا الرواية وردت بأنه أمر بقتلها فقتلت، والتوفيق بين الروايتين أنه عفا عنها في أول الأمر، فلما مات بن البراء بن معرور من الأكلة التي ابتلعها أمر بها فقتلت مكانه، وفي الحديث أن رسول الله ﷺ انتهس منها فلما أخبر بكونها ذلك في أكلتي التي أكلت، فما منعني أن ألفظها إلا أني أعظمت أن أنغصك طعامك، فلما أسغت ما في فيك لم أكن لأرغب بنفسي عن نفسك، وروى أن بشرا لم يقم من مكانه حتى عاد لونه مثل الطيلسان، وما طله وجعه حتى كان لا يتحول إلا ما حول.
[٤٥٠٩] ومنه قول القائل في حديث سهل بن الحنظلية- ﵁: (فإذا أنا بهوازن على بكرة أبيهم) يقال: جاءوا على بكرة أبيهم للجماعة إذا جاءوا بقضهم وقضيضهم، فلم يتخلف منهم أحد. وليس هناك بكرة في الحقيقة.
стр. 1260
ومن باب الكرامات
(من الصحاح)
[٤٥١٣] قول أبي بكر- ﵁ في حديث ابنه عبد الرحمن- ﵁ (يا أخت بني فراس): كانت أم رومان أم عبد الرحمن وعائشة- ﵃ من بني فراس بن غنم بن مالك بن النضر بن كنانة، والمنتمون إلى النضر بن كنانة كلهم قريش.
стр. 1261
=====
стр. 1262
ومن باب الذي يليه
(من الصحاح)
[٤٥٢٢] قول عائشة- ﵂: (وبين سحرى ونحرى). السحر الرتة. تريد ما حاذى الرئة من جسدها، قال أبو عبيد: هو ما لصق الحلقوم من أعلى البطن، وقد تحرك الحاء من الكلمتين كما تحرك في النحر لمكان حروف الحلق.
стр. 1263
[٤٥٢٤] ومنه قول أنس- ﵁ في حديثه: (وما نفضنا أيدينا عن التراب حتى أنكرنا قلوبنا). يريد: أنهم لم يجدوا قلوبهم على ما كانت عليه من الصفاء والألفة والرقة، لانقطاع مادة الوحى وفقدان ما كان بيدهم من قبل الرسول ﷺ من التأييد والتعليم. ولم يرد أنهم لم يجدوها [٣٢٠] على ما كانت عليه من التصديق.
стр. 1264
وفيه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁: (ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي) يريد: ما ترك من أموال الفئ التي كانت يتصرف فيها تصرف الملاك، ولم يكن ذلك لغيره ونفقة كانت بعده تتعلق بحياة كل واحدة منهم؛ لكونهن محبوسات عن النكاح في الله وفي رسوله، وبقى حكم نكاح النبي ﷺ عليهن باقيا مدة بقائهن، فوجب لهن النفقة في مال الفئ وجوب نفقة النساء على أزواجهن.
وأما نفقة عامله فإنها تتعلق بعامة ذلك، وهو العامل الذي استعمله على مال الفئ فاستحق العمالة بقدر عمله، ولم يكن أخذها، فاستثناها من مال الفئ، وإنما لم يجعل نفقة أمها المؤمنين في جملة ما تصدق به؛ لأنها كانت واجبة لهن على ما ذكرنا، ثم لكرامتهن، فإنهن من أهل بيت النبوة، وكان نبي الله ﷺ يتنزه عن تناول الصدقة، وإن كان المتصدق متبرعا.
ومن مناقب قريش وذكر القبائل
(من الصحاح)
[٤٥٣٤] قوله ﷺ : في حديث أبي هريرة- ﵁: (الناس تبع لقريش في هذا الشأن) يريد الخلاقة. وقوله: (وكافرهم تبع لكافرهم) وإذ قد علمنا أن أحدا من قريش لم يبق بعده على الكفر، علمنا أن المراد منه أن الإسلام لم ينقصهم مما كانوا عليه في الجاهلية من الشرف، فهم سادة في الإسلام كما كانوا قادة في الجاهلية.
стр. 1265
[٤٥٣٧] ومنه قوله ﷺ في حديث معاوية- ﵁ (إلا كبه الله على وجهه، ما أقاموا الدين) يحتمل أنه أراد بالدين الصلاة لما في الحديث: (ما أقاموا الصلاة) وإن أريد به الدين بأصوله وتوابعها فإن الكب ينبغي أن يكون متعلقا بإقامة الدين لا يكون الأمر في قريش؛ فإن منهم من غير وبدل، ولم يصرف عنه الأمر.
[٤٥٣٨] ومنه حديث جابر بن سمرة- ﵁: سمعت رسول الله ﷺ [يقول] (لا يزال الإسلام عزيزا إلى اثنى عشر خليفة كلهم من قريش) السبيل في هذا الحديث وما يعتقبه في هذا المعنى أن يحمل على المقسطين منهم فإنهم هم المستحقون لاسم الخلافة على الحقيقة، ولا يلزم أن يكونوا على الولاء، وإن قدر أنهم على الولاء فإن المراد منه المسمون بها على المجاز.
[٤٥٤٠] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (قريش والأنصار وجهينة ومزينة وأسلم وغفار وأشجع موالي) الحديث: (موالي) يروى على الإضافة أي: أحبابي وأنصاري ويروى موال بالتنوين أي: بعضهم لبعض أحباء وأنصار، ولا ولاء لأحد عليهم إلا لله ولرسوله.
[٤٥٤١] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁ أيضا (والحليفين أسد وغطفان)، إنما يقال لهم الحليفان؛ لأنهم تحالفوا على التناصر، ويقال أيضا لبني أسد وطيئ: الحليفان، وكذلك لبني أسد
следующие страницы →