← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18569

الميسر في شرح مصابيح السنة للتوربشتي

التوربشتي

Полный текст (1 323 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

(يحدث) - بتخفيف الدال من الحدث، ومن شددها فقد أخطأ، وقد روى هذا الحديث أبو عيسى في (كتابه). وفيه: (فقال رجل من حضرموت: وما الحدث، أبا هريرة؟ فقال: فساء أو ضراط). قلت: ولعل الرجل إنما استفسره؛ لأن الإحداث يستعمل على معنى إصابة الذنب؛ فاشتبه عليه المعنى؛ للاشتراك. [٤٧٦] ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁: (ولا عن يمينه؛ فإن عن يمينه ملكا). إن قيل: (ما وجه تخصيص يمين المصلي بأن عليها ملكا، وقد قال الله تعالى: ﴿إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد﴾). قلنا: يحتمل أن المراد منه: الملك الذي يحضره عند الصلاة؛ من جهة التأييد، والإلمام بقلبه؛ لإيعاده بالخير- على ما ذكر في الحديث- والتأمين على دعائه، ويكون سبيل هذا سبيل الزائر من الإخوان الصالحين، والأضياف المكرمين، ومن حق ذلك أن يكرم فوق إكرام من يختص المرور ويدخل في خدمته. ويحتمل أنه خص صاحب اليمين بالكرامة؛ تنبيها على ما بين الملكين من المزية؛ كما هي بين اليمين والشمال، وتمييزا بين ملائكة الرحمة وملائكة العذاب؛ ولهذا نكره؛ كأنه أراد ملكا مكرما مفضلا، أو ملكا غير الذي يعلمون، والله أعلم. [٤٧٧] ومنه: حديث عائشة- ﵂، عن النبي ﷺ : (لعنة الله على اليهود والنصارى ... الحديث).

стр. 177

معنى إنكار النبي ﷺ على اليهود والنصارى صنيعهم هذا مخرج على وجهين: أحدهما: أنهم كانوا يسجدون لقبور الأنبياء؛ تعظيما لهم. والثاني: أنهم كانوا يتحرون [٧١/أ] الصلاة في مدافن الأنبياء، والسجود على مقابرهم، والتوجه إلى قبورهم حالة الصلاة؛ نظرا منهم بأن ذلك الصنيع أعظم موقعا عند الله؛ لاشتماله على الأمرين: عبادة الله سبحانه، والمبالغة في تعظيم الأنبياء. وذهابا إلى أن تلك البقاع أحق البقاع بإقامة الصلاة، والتوسل بالعبادة فيها إلى الله؛ لاختصاصها بقبور الأنبياء. وكلا الطريقين غير مرضية: أما الأولى: فلأنها من الشرك الجلي. وأما الثانية: فلأنها متضمنة معنى الإشراك في عبادة الله؛ حيث أتى بها على صيغة الاشتراك والتبعية للمخلوق. والدليل على تقرير الوجهين: قوله ﷺ : (اللهم! لا تجعل قبري وثنا يعبد؛ اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، والوجه الأول أشبه به. وأما نهي النبي ﷺ أمته عن الصلاة في المقابر: فإنه لمعنيين: أحدهما: لمشابهة ذلك الفعل سنة اليهود وإن كان القصدان مختلفين. والثاني: لما يتضمنه من الشرك الخفي؛ حيث أتى في عبادة الله بما يرجع إلى تعظيم مخلوق فيما لم يؤذن له. وهذا الحديث حجة على من يرى أن علة النهي عن الصلاة في المقابر هي النجاسة الحاصلة بالنبش؛ لأنه ﷺ لعن اليهود على صنيعهم ذلك، ثم نهى أمته عن الصلاة في المقابر، نهيا متسقا على ما ذكره من اليهود؛ أنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد؛ ومن الواضح المعلوم: أن قبور الأنبياء- ﵈ لا تنبش، ولو نبشت لم يزدها ذلك إلا طهارة، وقد نزه الله تعالى أقدارهم عن ذلك، وقال ﷺ : (إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء، الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون)، وثبت: (أنه ﷺ لعن زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج)؛ فالنهي- في الحديث- على الإطلاق، من غير تفصيل بين المنبوش وغير المنبوش. فعلمنا أن علة النهي ما ذكرناه. والصلاة في المواضع المتبركة بها من مقابر الصالحين: داخلة في جملة هذا النهي، لاسيما إذا كان الباعث عليها تعظيم هؤلاء، وتخصيص تلك المواضع؛ لما أشرنا إليه من الشرك الخفي. فأما إذا وجد بقربها موضع بني للصلاة، أو مكان يسلم المصلي فيه عن التوجه إلى القبور، فإنه في

стр. 178

فسحة من الأمر، وكذلك إذا صلى في موضع قد اشتهر بأن فيه مدفن نبي، ولم ير للقبر فيه علما، ولم يكن ما ذكرناه من العمل الملتبس بالشرك الخفي؛ إذ قد تواطأت أخبار الأمم على أن مدفن [٧١/ب] إسماعيل- ﵇ في المسجد الحرام عند الحطيم، وهذاك المسجد أفضل مكان تتحرى الصلاة فيه. [٤٧٩] ومنه: حديث ابن عمر- ﵄، عن النبي ﷺ : (اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم، ولا تتخذوها قبورا): الحديث محتمل لمعان: أحدها: أن القبور هي التي لا يصلى فيها؛ لأنها مساكن الأموات الذين سقط عنهم التكليف، وسد عنهم باب العمل، فأما البيوت: فصلوا فيها؛ إذ أنتم أحياء مكلفون ممكنون عن العمل. وثانيها: أنكم نهيتم عن الصلاة في المقابر؛ فلا تتركوا الصلاة في منازلكم؛ فتكونوا قد شبهتم منازلكم بالمقابر. وثالثها: أن مثل الذاكر والذي لا يذكر الله: ضرب بالحي والميت، والأحياء يسكنون البيوت، والأموات يسكنون القبور؛ فالذي لا يصلي في بيته جعل بيته بمنزلة القبر؛ كما جعل نفسه بمنزلة الميت. ورابعها: وقد ذكره أبو سليمان الخطابي- أن يكون معناه: لا تجعلوا بيوتكم أوطانا للنوم لا تصلون فيها؛ فإن النوم أخو الموت. وقد حمل بعض الناس قوله: (ولا تتخذوها قبورا): على النهي عن الدفن في البيوت؛ وذلك ذهاب عما يقتضيه نسق الكلام إلى ما ورد بخلافه إجماع الصحابة- ﵃ حيث دفنوا النبي ﷺ في بيت عائشة- ﵂. (ومن الحسان) [٤٨١] حديث أبي هريرة- ﵁، عن النبي ﷺ : (ما بين المشرق والمغرب قبلة): الحد الأول

стр. 179

من المشرق: مشرق الشمس في أطول يوم من السنة قريبا من مطلع السماك الرامح؛ وعلى هذا السمت، أول المغارب: مغرب الصيف، وهو مغيب الشمس عند مغرب السماك الرامح. وآخر المشارق: مشرق الشتاء، وهو مطلع الشمس في أقصر يوم من السنة قريبا من مطلع قلب العقرب؛ وعلى هذا السمت: آخر المغارب: مغرب الشتاء، وهو مغيب الشمس عند مغرب قلب العقرب. والظاهر: أن المعنى بـ (القبلة) في هذا الحديث- قبلة المدينة؛ فإنها واقعة بين المشرق والمغرب، وهي إلى طرف الغربي أميل. وقد قيل: إنه أراد به: قبلة من اشتبه عليه القبلة؛ فإلى أي جهة صلى بالاجتهاد: كفته. وقد قيل: المراد منه: توجه المتنقل على الدابة إلى أي جهة كانت. وعلى هذين الوجهين: فالمراد من قوله: (ما بين المشرق والمغرب): قبلة الجهات الأربع، ويجوز ذلك على وجه الاتساع؛ لأن الأقطار كلها شرقيها وغربيها، وجنوبيها وشماليها- واقعة بين المشرق والمغرب. وعلى [٧٢/أ] هذا، فالحديث يحتمل وجها آخر، وهو أن نقول: ليس من جهة من الجهات ما بين المشرق والمغرب إلا وهي قبلة بحسب توجه المصلي إلى الكعبة من مكانه الذي هو فيه: فالمشرقي قبلته المغرب، والمغربي قبلته المشرق؛ وعلى نحو ذلك الجنوب والشمال. [٤٨٢] ومنه: قوله ﷺ في حديث طلق بن علي- ﵁: (وانضحوا مكانها بهذا الماء). ذكر بعض العلماء في كتاب له: أن قوله ﷺ : (بهذا الماء) إشارة إلى جنس الماء، أي: انضحوا مكان بيعتكم بالماء. وليس المعنى على ما توهمه؛ بل هو إشارة إلى ماء بعينه، وإنما أتى فيه؛ من حيث إن الحديث لم ينته إليه بتمامه؛ فأول الحديث على ما استبان له، ولا شيء في استخراج معنى الحديث كاستيفاء طرقه؛ لأن منه المرتقى إلى معرفة معناه؛ وقد روي في حديث طلق: أنه قال: (واستوهبناه فضل وضوئه، فدعا بماء؛ فتوضأ منه، وتمضمض، ثم صبه في إداوة، وقال: اذهبوا بهذا الماء، فإذا قدمتم بلدكم، فاكسروا بيعتكم، ثم انضحوا مكانها بهذا الماء، واتخذوا مكانها مسجدا، فقلنا: يا نبي الله! البلد بعيد، والماء ينشف؟ فقال: أمدوه من الماء؛ فإنه لا يزيده إلا طيبا). فعلمنا بهذا السياق: أن قوله ﷺ : (بهذا الماء) إشارة إلى فضل وضوئه، لا إلى جنس الماء.

стр. 180

[٤٨٣] ومنه: حديث عائشة- ﵂: (أمر رسول الله ﷺ ببناء المسجد في الدور). معناه: في المحلات. الدار- من جهة اللغة: تقع على العامر المسكون، والغامر المتروك، وهي من الاستدارة؛ وذلك لأن الواحد منهم كان يخط بطرف رمحه قدر ما يريد أن يتخذه دارا، ويدور حوله، ولذلك قيل: الدار دار وإن زالت حوائطه .... والبيت ليس ببيت وهو مهدوم وكانوا يسمون المحلة قد اجتمعت فيها قبيلة: دارا؛ ومنه الحديث: (ما بقيت دار إلا بني فيها مسجد). [٤٨٨] ومنه: حديث أبي سعيد الخدري- ﵁، عن النبي ﷺ : (إذا رأيتم الرجل يتعاهد المسجد ... الحديث)، التعاهد: بمعنى التعهد، وهو التحفظ بالشيء، وتجديد العهد به، وتعهدت فلانا، وتعهدت ضيعتي؛ وهو أفصح من (تعاهدت)؛ لأن [٧٢/ب] التعاهد إنما يكون من اثنين. وهذا الحديث رواه أبو عيسى في (كتابه)، عن أبي كريب، عن رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، وفي روايته: (يعتاد المسجد). ورواه- أيضا- عن ابن أبي عمر، عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، وفي روايته: (يتعاهد المسجد) فالاعتياد معاودته إلى المسجد كرة بعد أخرى؛ لإقام الصلاة، والتعاهد: التحفظ به، وتجديد العهد به كذلك، وكلاهما حسن، وأولى الروايتين بالتقديم على ما شهد لها البلاغة لا السند: (يعتاد المسجد).

стр. 181

[٤٨٩] ومنه: قوله ﷺ في حديث عثمان بن مظعون ﵁: (ليس منا من خصى ولا اختصى): تقديره: ولا من اختصى، فحذفه؛ لدلالة ما قبله عليه؛ يقال: خصيت الفحل خصاء، أي: سللت خصيته، واختصيت: إذا فعلت ذلك بنفسك. أي: ليس هو ممن يقتدى بهدينا، ويتمسك بسنتنا؛ إذا فعل ذلك بنفسه أو بغيره. [٤٩٠] ومنه: الحديث الذي أسنده المؤلف إلى عبد الرحمن بن عائش الحضرمي مرسلا، قال: قال النبي ﷺ : (رأيت ربي- ﵎ في أحسن صورة .... الحديث). هذا الحديث مستند إلى رؤيا رآها رسول الله ﷺ ؛ روى ذلك عنه: معاذ بن جبل، وعبد الله بن عباس ﵄، وأتم الروايتين رواية معاذ.

стр. 182

وقد أورد الطبراني هذا الحديث في (كتابه)؛ فرواه- بإسناده- عن مالك بن يخامر، عن معاذ بن جبل ﵁، قال: (احتبس علينا رسول الله ﷺ صلاة الغداة حتى كادت الشمس تطلع، فلما صلى الغداة، قال: إني صليت الليلة ما قضي لي، ووضعت جنبي في المسجد، فأتاني ربي في أحسن صورة ... الحديث). ورواه أبو عبد الله أحمد في (مسنده) عن أبي سعيد مولى بني هاشم، عن جهضم اليماني، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، (عن أبي سلام)، عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي، عن مالك بن يخامر؛ أن معاذ بن جبل قال: (احتبس علينا رسول الله ﷺ ذات غداة عن صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى قرن الشمس؛ فخرج سريعا، فثوب بالصلاة، وصلى، وتجوز في صلاته، فلما سلم قال: كما أنتم على مصافكم، كما أنتم! ثم أقبل علينا، فقال: إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة؛ إني قمت من الليل فصليت ما قدر لي فنعست في صلاتي، حتى استيقظت فإذا أنا بربي- في أحسن صورة ...) وساق الحديث. وأصح طرق هذا الحديث: ما رواه أبو عبد الله في (مسنده). وإذ قد بينا أن الحديث يتعلق بحال أريها رسول الله ﷺ في رؤيا منام- فالآن نأخذ في بيانه على مقدار فهمنا، ومبلغ علمنا. ونقول- قبل البيان: مذهب أكثر أهل العلم من السلف في أمثال هذا الحديث- إذا صح- أن يؤمن بظاهره، ولا يفسر بما يفسر به صفات الخلق، بل تنقى عنه الكيفية، ويوكل علم باطنه إلى الله سبحانه، يرى رسوله ما يشاء من وراء أستار الغيب مما لا سبيل [٧٣/أ] لأحد إلى إدراك حقيقته بالجد والاجتهاد، فالأولى: ألا نتجاوز هذا الحد؛ فإن الخطب فيه جليل، والإقدام على مزلة اضطربت عليها أقدام الراسخين شديد، ولأن نرى أنفسنا أحقاء بالجهل والنقصان أزكى وأسلم من أن ننظر إليها بعين الكمال، وهذا- لعمر الله! - هو المنهج الأقوم، والمذهب الأحوط! غير أن في زماننا هذا: اتسع الخرق على الراقع إذ كانت نعرة الخلاف في رءوس أكثر أبناء الزمان جملتهم، داعية الفتن المستكنة في نفوسهم على الخوض في هذه الغمرة، حتى لو ذكر لهم مذهب السلف، سارعوا إليه بالطعن، وقابلوه بالإنكار والاستكبار؛ إذا عجزوا عن التأويل لنهوض المراد، وقصورهم في علم البلاغة أفضى بهم ذلك إلى التكذيب على وجه الرد والإنكار، حتى صار العدول عن التأويل في هذا الزمان مظنة للتهمة في العقائد، وذريعة للمضلين إلى توهين السن؛ فأدت بنا هذه القضية إلى سلوك هذا المسلك الواعر، واختيار التأويل في القسم الذي نجد للتأويل فيه مساغا، وهذا الحديث من جملته. وقد بينا أنه ذكر ذلك عن رؤيا منام، ورؤيا الأنبياء- ﵈ وإن كانت مصونة عن الاختلال: فإن فيها ما يبين بالتعبير والتأويل؛ فنقول- والله الموفق لإصابة الحق: قوله ﷺ : (رأيت ربي في أحسن صورة):

стр. 183

يحتمل- من طريق علم البيان- أن يكون (في أحسن صورة) حالا من الرائي وفيه احتمال: أن يكون حالا من المرئي. وإذا حملناه على الوجه الأول: لم يبق فيه إشكال؛ وذلك مثل قول الرجل: (رأيت الأمير في أحسن هيئة)؛ وهو يريد: أني كنت في أحسن هيئة. ولو رده إلى الرؤيا: فله وجه، ومعناه: أن رؤياي كانت في أحسن صورة؛ تقول: صورة الحال كذا، وصورة المسألة كذا. ولو تنزه متنزه عن هذين التأويلين، ويقول: أنا أعتقد أن الله سبحانه متنزه عن الصورة التي نعرفها ونتصورها، ثم أكل معناها- في هذا الحديث- إلى علم الله الذي وسع كل شيء، فله التسليم، وباب الاعتراض عليه مسدود. وفيه: (فيم يختصم الملأ الأعلى). اختصم القوم، وتخاصموا: بمعنى، و (الملأ): الجماعة، وأكثر ما ورد في التنزيل ورد في جماعة يجتمعون على رأي، ولو ذهب ذاهب من حيث الاعتبار اللغوي، إلى أن (الملأ) هي الجماعة التي تملأ العيون رواء، والقلوب مهابة وبهاء فله وجه. وأراد بـ (الملأ الأعلى): الملائكة؛ وصفوا بذلك: إما اعتبارا بمكانهم، وإما اعتبارا بمكانتهم [٧٣/ب]، والمراد بـ (الاختصام): التقاول الذي كان بينهم في الكفارات والدرجات؛ شبه تقاولهم في ذلك وما يجري بينهم من السؤال والحوار بما يجري بين المتخاصمين. وفيه: (فوضع كفه بين كتفي). السبيل: أن نحمل هذه الألفاظ على معنى التأييد من الله سبحانه لنبيه ﷺ ، والتخصيص له بمنزلة الفضل المقتضى لمزيد العلم؛ فإن من شأن المتلطف بمن يحنو عليه: أن يضع كفه بين كتفيه؛ تنبيها له على أنه يريد بذلك: تكريمه وتأييده. وفيه: (حتى وجدت برد أنامله بين ثديي). عبر بذلك على وجده من تنزل الرحمة على فؤداه، وانصباب العلوم الوجدانية إلى ساحة صدره، وللعرب- في هذا الأسلوب من الاستعارة والاتساع- مذاهب فسيحة، وطرق مشهورة، لا ينكرها أهل العلم بطرق كلامهم، وقد كان ﷺ يخاطب بهذا القول وأمثاله رجالا ترسخت في العلم أقدامهم، وتأصلت في البلاغة أعراقهم؛ فلم يكونوا ليعدلوا عن سواء السبيل، ويخطئوا الغرض من الخطاب، وانتهت النوبة إلى أناس تأخروا عنهم في المنزلتين؛ فصاروا فرقتين: فرقة: قابلت الحديث بالرد والإنكار. وفرقة: صرفوه عن الوجه المستقيم. ونعوذ بالله أن ننخرط في سلك إحدى الطائفتين. ثم إنا لا ننكر على من تنزه عن تأويل هذا الحديث وأمثاله، ونمضه على مراد رسول الله ﷺ مراعيا

стр. 184

الأصل الذي ذكرناه، وهو نفي التشبيه بصفات العبيد؛ غير أن عليه أن يعلم؛ هذا الحديث لا يدخل في جملة أخبار الصفات التي لا محيد لأحد منها؛ لأن السبيل إلى إثبات ذلك القسم: النقل الصحيح المتواتر الموجب للعلم، وهذا الحديث من جملة الآحاد؛ ثم إنه من أحاديث الرؤيا، ومبنى الرؤيا- في الغالب من الأحوال- على التعبير والتأويل. نسأل الله ألا يدفع بنا عن منهج الحق أي واد سلكناه؛ إنه الهادي إلى سواء السبيل! وفيه: (فعلمت ما في السموات والأرض)، وفي إحدى الروايتين عن ابن عباس: (فعلمت ما في السموات والأرض)، وفي الأخرى: (فعملت ما بين المشرق والمغرب)، وفي رواية معاذ: (فتجلى لي كل شيء وعرفته). وكل هذه الألفاظ راجعة إلى معنى سعة علمه الذي فتح الله به عليه. وفي تلاوته- بعد هذا القول- قول الله سبحانه: ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض﴾ - إشارة إلى أن الله تعالى أراه من آياته الكبرى، حتى علم ما في السماء والأرض؛ كما أرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض [٧٤/أ]. فإن قيل: (ما يمنعك أن تقول: إن الآية نازلة في بيان تلك الحالة، والمعنى: كما أريناك هذه الرؤيا- نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض؟). قلنا: لو كان الأمر على ذلك، لكان من حق الآية: أن تكون نازلة عقيب هذه القصة، ولم يختلف العالمون بأسباب النزول، في كون هذه الآية من جملة ما نزل بمكة، وهذه الرؤيا التي ذكرناها إنما أريها بالمدينة؛ فيكون- إذا- وجه التوفيق بين الآية والحديث على ما ذكرناه. وفيه: (ثم قال: فيم يختصم الملأ الأعلى، يا محمد؟ قلت: في الكفارات). على هذا السياق نقط (كتاب المصابيح)؛ وذلك وجدناه فيما رواه أبو قلابة، عن ابن عباس، وفي الرواية المعتد بها عن معاذ بن جبل، وفي رواية أخرى عن أبي قلابة، عن خالد بن اللجلاج: عن ابن عباس: (قلت: في الدرجات والكفارات). فتبين لنا من الروايتين سقوط (الدرجات) عن رواية ابن عائش التي في (كتاب المصابيح)، وعن رواية أبي قلابة، عن ابن عباس. ومعنى اختصام الملائكة في الدرجات والكفارات: تفاوضهم في فضل كل واحد من الجنسين، أعني: الدرجات والكفارات. ويحتمل: أن يكون المراد منه: اغتباط الملائكة ببني آدم بهذه الفضائل؛ لاختصامهم بها، أو تقاولهم في فضل البشر، والسبب الموجب لذلك، مع تهافتهم في الشهوات؛ وتماديهم في الجنايات؛ وذلك لما أيدوا به من الكفارات والدرجات؛ فإن أحدهم إذا تقرب إلى ربه بالمشي إلى المساجد؛ لإدراك فضيلة الجماعة، أو جلس في المسجد بعد أداء الفريضة منتظرا لفريضة أخرى، أو أبلغ الماء حيث أمر بإبلاغه على وجه الإسباغ

стр. 185

في أوان يدخل منه على النفوس كراهية- فإن الله يمحو به خطاياه؛ لما فيه من مجاهدة النفس، ومخالفة الهوى، ومصارعة الطباع البشرية، وإذا أطعم الطعام؛ ولم يطع الشح الذي جبل عليه، أو بذل السلام؛ تواضعا لمن هو مثله، وتوددا إلى عباد الله المؤمنين، أو قام بالليل؛ إيثارا للمكايدة على الاستراحة في جنب طاعة الله، فإن الله يرفع درجاته بذلك، ويمحو به خطاياه. فإن سأل سائل عن الاختصام المذكور في الحديث: (هل هو الاختصام المذكور في الآية من قوله تعالى: ﴿ما كان لي من علم الملأ الأعلى إذ يختصمون﴾، أم كل واحد منهما في قضية أخرى؟). فالجواب- وبالله التوفيق- أن نقول: يحتمل أنهما في قضية واحدة؛ وقد ذهب إلى ذلك بعض أهل العلم من المفسرين [٧٤/ب] وأصحاب الحديث؛ فذكروا هذا الحديث في تفسير الآية، غير أنهم لم يبينوا وجه التناسب بين الآية والحديث، وهو يسير على من يسره الله، وهو: أن الملائكة لما استقصروا الأوضاع البشرية؛ فلم يهتدوا إلى وجه الحكمة في تكريم آدم وسجودهم له، نبأهم الله تعالى عما أيدوا به من الدرجات والكفارات. على ما ذكرنا قبل فتقاولوا يف فضلا البشر واحتجوا على (من اشتبه عليه .... الحكمة في ... الأرض ... والدعاء بما .... الله لهم من الدرجات والكفارات). فذكر الله تعالى في كتابه اختصامهم عند خلق آدم، ولم يبين فيه ما اختصموا فيه، ثم نبأ عنه نبيه ﷺ ؛ فأخبر عنه في هذا الحديث. والأظهر: أن نقول: الاختصام المذكور في الآية غير الاختصام المذكور في الحديث؛ وذلك لأن الاختصام المذكور في الآية: هو تقاول الملائكة في أمر السجود، وقد أمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يحتج على منكري نوبته بما أوحى الله تعالى إليه من قصة الملائكة وآدم على ما كان؛ ليكون علما لنبوته؛ فإنه لم يكن يعلم ذلك قبل الوحي، ولم يكن يقرأ كتبا؛ بل كان أميا بين قوم أميين، وأما الحديث: فإنه إخبار عن حال كوشف بها في المنام، فعلم ما لم يكن ليعلمه من تلقاء نفسه. ومما يدل على التغاير بين الآية والحديث: أن في الآية نفي عن النبي ﷺ العلم باختصام الملائكة وفي الحديث: لم ينف هو عن نفسه علم الاختصام، وإنما نفى عنه علم ما كانت الملائكة يختصمون فيه. ومما يدل عليه- أيضا- كشف الآية عن اختصام قد مضى، وإخبار النبي ﷺ عن اختصام لم يمض؛ إذ قال له ربه: (فيم يختصم الملأ الأعلى)؛ تنبيها على أن حال الاختصام باقية. فإن قيل: فلعل التقدير: فيم كان يختصم الملأ الأعلى؟. قلنا: يصح ذلك على ضرب من الاحتمال، والذهاب إلى ما يقتضيه الظاهر أولى؛ فإن التقدير إنما يحسن عند الضرورة إليه؛ لاختلال المعنى أو الدلالة؛ حال موجب ذلك، ولا ضرورة بنا إلى ذلك في هذا الحديث. ومما يدل على استقامة الوجه الذي اخترناه: أن سورة (ص) مكي باتفاق المفسرين، والحديث دل على أن تلك الحالة أريها النبي ﷺ ليلة بالمدينة؛ فحدث بها في صباحها بعد أن صلى الصبح. فصح أن الذي ذهبنا إليه: أظهر الوجهين.

стр. 186

[٤٩١] ومنه: حديث أبي أمامة- ﵁ عن النبي ﷺ : (ثلاثة كلهم ضامن على الله). (كلهم) أي: كل واحد (ضامن على الله أي: ذو ضمان، وقيل: فاعل بمعنى مفعول، أي: مضمون. ومعناه: أن الله تعالى تكفل له بما ذكر من الجنة أو الأجر والغنيمة؛ فيوفيه إحدى [٧٥/أ] الحسنيين. وإنما ذكر الشيء المضمون به في أول الثلاثة؛ ولم يذكره في الثاني والثالث؛ اكتفاء بما دل عليه المضمون به في الأول، وبيان ذلك: أن الذي يجاهد في سبيل الله إنما يبتغي الشهادة وثواب الجهاد في سبيل الله والغنيمة؛ فذكر ﷺ : أن الله تعالى تكفل له بإحدى الحسنيين؛ فكذلك الذي يروح إلى المسجد: فإنه يبتغي فضل الله ورضوانه ومغفرته فهو ذو ضمان على الله ألا يضل سعيه، ولا يضيع أجره؛ بل يؤتيه من فضله ورحمته على حسب ما يليق به سبحانه إذا تكفل بشيء! وفيه: (ورجل دخل بيته بسلام): الأكثرون يذهبون إلى أن الذي دخل بيته بسلام هو الذي يسلم على أهله إذا دخل بيته. وقد ذهب بعض أصحاب المعاني: إلى أنه هو الذي يلزم بيته؛ طلبا للسلامة، وهربا من الفتن، ويكون المعنى: دخل بيته سالما من الفتن؛ كقوله تعالى: ﴿ادخلوها بسلام﴾ أي: سالمين من العذاب والعوارض والآفات. قلت: وكأن في الوجه الأول- وإن كان ظاهرا من حيث اللفظ- عدولا من حيث المعنى عن طريق المناسبة، وشذوذا عن جوار المشاكلة والمجانسة. وأرى الوجه الآخر أولى بالاختيار، لتناسب ما بين المعاني الثلاثة، وهي: الجهاد في سبيل الله، والرواح إلى المسجد لإقامة الفريضة، ولزوم البيت اتقاء الفتن. وعلى هذا فالمضمون به: ضمان الله له، ورعايته، وجواره عن الفتن. وعلى الوجه الأول: فالمضمون به: أن يبارك عليه وعلى أهل بيته؛ للحديث الذي يرويه أنس ﵁، عن النبي ﷺ ؛ أنه قال له: (يا بني، إذا دخلت على أهلك فسلم- يكون بركته عليك وعلى أهل بيتك). [٤٩٢] ومنه: حديثه الآخر عن النبي ﷺ ؛ أنه قال: (من خرج من بيته متطهرا ... الحديث): لم أر

стр. 187

أحدًا ممَّن يتعنى باستخراج معاني أحاديث الرسول ﷺ يتعرض لبيان هذا الحديث وأمثاله؛ فكأنهم يعدونه من جملة الواضحات، وأرى الأمر بخلاف ذلك؛ إذ الاعتبار في الأعمال البدنية- بعد إخلاص النية، والسبب الباعث عليها- بكد العامل ونصبه، وامتداد زمان الأعمال، وقد قال ﷺ : (أجرك على قدر تعبك). وإذا حملنا الحديث على المعنى الذي يقتضي التسوية بين العملين- أعني: الخروج إلى الحج، والخروج إلى الصلاة المكتوبة- أفضى ذلك إلى إهمال أبواب كثيرة من الأعمال، ومخالفة أحكام جمة من السنن، وأدنى ما فيه أن القصاص إذا ألقوا على العامة ظواهر تلك الأحاديث من غير بيان [٧٥/ب] وتفصيل دخل عليهم الدواخل من الشك والغرور والاكتفاء بيسير من العمل وغير ذلك مما لا يخفى على أرباب البصيرة بآفات النفوس وكنت أتعنى كثيرا باستنباط معاني أمثال هذا الحديث على وجه لا يخل بشيء من الأبواب التي ذكرناها فوقع لي أن النظائر التي يذكرها الشارع ﷺ في أمثال ذلك أمثلة لبيان استكمال المثوبات واستيفاء الأجر من جهة التضعيف، لا لبيان المماثلة من سائر الوجوه. وأمثال ذلك قوله ﷺ في فضل عشر ذي الحجة (يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة) أي ينتهي ثوابه ذلك من حيث التضعيف إلى هذا القدر، وبيان ذلك أن كل عمل له عند الله قدر مقدر من الثواب فهو مجازى عليه عشرا من ذلك القدر ثم فوق ذلك إلى ما لا سبيل إلى معرفته. فقوله (يعدل صيام كل يوم بصيام سنة) أي ينتهي ثوابه من حيث التضعيف إلى مقدار من الثواب يوازي صيام سنة لم يدخله التضعيف. فبين ﷺ مقدار الفضل الذي أوتيه هذا العامل بزمان العمل. والمعنى: هذا العامل ينال من فضل ربه بهذا العمل في يوم واحد ما لو كدح فيه من طريق الكسب المجرد عن الفضل لم ينله إلا بصيام سنة. ولما انتهيت إلى شرح هذا الحديث أعملت الفكر فيه أخرى فظفرت فيه بمعنى أظهر من الأول وهو أن نقول: شبه النبي ﷺ أجر المتطهر الذي يخرج من بيته للصلاة المكتوبة بأجر الحاج المحرم من حيث أنه يستوفي أجر المصلين من لدن يخرج من بيته للصلاة المكتوبة بأجر الحاج إلى أن يرجع إليه وإن لم يكن

стр. 188

مصلياً في سائر تلك الأوقات كالحاج المحرم فإنه يستوفي أجر الحجاج من حين يخرج إلى أن يرجع إلى بيته وإن كان الحج بعرفة. وذلك مثل قولنا فلان كالأسد فلا يقتضي تشبيهه بالأسد من سائر الوجوه بل يحمل ذلك على الجرأة والشجاعة فكذلك قوله: (فأجره كأجر الحاج) لا يقتضي مشابهة الأجرين من سائر الوجوه بل من الوجه الذي ذكرناه، ثم إنه ضرب المثل بالحاج المحرم؛ لكون التطهر من الصلاة بمثابة الإحرام من الحج، فكما أن الصلاة لا تصح بغير طهر فكذلك الحج لا ينعقد بغير إحرام، ثم إن الحاج إذا كان في حالة الإحرام كان أجره أتم وسعيه أكمل، فكذلك الخارج إلى الصلاة إذا كان متطهرا كان ثوابه أوفر وسعيه أفضل، ومن تدبر هذا القول الذي [٧٦/أ] ذكرناه في بيان هذا الحديث عرف السبيل إلى استنباط معاني ما ورد من الأحاديث في هذا الباب. وفيه (ومن خرج إلى تسبيح الضحى) يريد به صلاة الضحى وكل صلاة يتطوع بها فهي تسبح وسبحة. وفيه (لا ينصبه إلا إياها) ينصبه بضم الياء أي لا يزعجه ولا يحمله على الخروج إلا ذلك. وأصله من النصب وهو المعاناة والمشقة، يقال أنصبني هذا الأمر وهو أمر منصب. وإن كانت الرواية وردت بفتح الياء فمعناه لا يقيمه إلا ذلك، من قولهم نصبت الشيء نصبا إذا أقمته ورفعته. ولا أحقق ذلك رواية بل أوردته من طريق الاحتمال اللغوي. وفي قوله (فأجره كأجر المعتمر) إشارة إلى أن فضل ما بين المكتوبة والنافلة والخروج إلى كل واحد منهما كفضل ما بين العمرة والحج والخروج إلى كل واحد منهما، فإن سأل سائل عن قوله ﷺ (ومن خرج إلى تسبيح الضحى) وعن قوله (أيها الناس صلوا في بيوتكم فإن خير صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة)؛ فقال كيف أمر بأداء النوافل في البيوت ثم وعد الثواب على الخروج إليها وكيف السبيل إلى الجمع بين الحديثين على وجه لا يلزم منه إخلاف ولا تضاد؟ فالجواب أن نقول يحتمل أن يكون قوله ﷺ مختصا بصلاة الليل وإن كان ظاهر لفظه يقتضي العموم وذلك لأنه قال هذا القول بعد أن قام بهم ليالي من رمضان فلما رآهم يجتمعون إليه (ويتنحنحون ليخرج إليهم قال (ما زال بكم الذي رأيت من صنيعكم حتى خشيت أن يكتب عليكم ولو كتب عليكم ما قمتم به فصلوا أيها الناس في بيوتكم ... الحديث). فاكتفى عن ذكر صلاة الليل بما دل عليه صيغة الحال. ومن الدليل على صحة ما ذهبنا إليه أن النبي ﷺ كان يقعد في مصلاه حتى تطلع الشمس ثم يركع ركعتين وقد قال ﷺ (من قعد في مصلاه حين ينصرف من صلاة الصبح حتى يسبح ركعتي الضحى لا يقول إلا خيرا غفر له خطاياه) وكان ﷺ (إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين) وكان ﷺ (يأتي مسجد قباء كل سبت ماشيا وراكبا فيصلي فيه ركعتين) ولو كانت صلاته هذه في البيت خيرا لم يكن ليأخذ بالأدنى ويدع الأعلى والأفضل؛ وإذ قد ثبت هذا فنقول: الظاهر أنه أمرهم بالصلاة في بيوتهم لمعان ثلاثة أو لبعض تلك [٧٦/ب] المعاني، أحدها: وهو آكد الوجوه أنه أحب أن يصلوا في بيوتهم عملا بالرخصة التي من الله تعالى بها على هذه الأمة ومخالفة لأهل الكتاب فإنه لم يكن لهم أن يصلوا إلا في كنائسهم وبيعهم. والثاني: أحب أن يتنفلوا في بيوتهم لتشملها بركة الصلاة فيرتحل عنها الشيطان وينزل فيه الخير والسكينة ولهذا المعنى قال ﷺ (إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبا من صلاته فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرا). والثالث: أنه رأى النافلة في البيت أفضل حذرا من دواعي الرياء وطلب

стр. 189

المحمدة الذي جبل عليه الإنسان، ونظرا إلى سلامته من العوارض والموانع التي تصيبه في المسجد، بخلاف البيت فإنه يخلو هنالك بنفسه فيسد مداخل تلك الآفات والعوارض. فعلى الوجه الأول والثاني إذا أدى الإنسان بعض نوافله في البيت فقد خرج من عهدة ما شرع له، وعلى الوجه الثالث فإنه إذا تمكن عن أداء نافلته في المسجد عارية عن تلك القوادح والعوارض لم تتأخر صلاته تلك عن صلاته في البيت فضيلة. وأرى في قوله ﷺ (لا ينصبه إلا إياها) إشارة إلى هذا المعنى وهو أن لا يشوب قصده ذلك شيء آخر فلا يزعجه إلا القصد المجرد لخروجه إلى الصلاة سالما عن الآفات التي أشرنا إليها. وفيه (وصلاة على إثر صلاة كتاب في عليين) أي: عمل مكتوب في عليين أو مرفوع، وقد اختلف في معنى عليين فقيل هو اسم أشرف الجنان كما أن سجين اسم شر النيران، وقيل هو في الحقيقة اسم سكانها وقيل هو علم لديوان الخير الذي دون فيه أعمال الصالحين من ذوي التكليف منقول من جمع على فعيل من العلو وهذا أولى الأقاويل بالتقديم وإنما سمي عليون لأنه مرفوع في السماء السابعة تكريما وتبجيلا له أو لأنه سبب الارتفاع إلى أعلى الدرجات وأرفع المقامات في الجنة. [٤٩٦] ومنه: حديث عبد الله بن عمرو- ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن تناشد الأشعار في المسجد. قلت: التناشد أن ينشد كل واحد من المتناشدين صاحبه [نشيدا] لنفسه أو لغيره وأكثر ما يوجد ذلك على وجه المباهاة والعصبية أو على وجه التفكه بما يستطاب من تزجية للوقت بما تركن إليه النفس ويستحليه الطبع [٧٧/أ]؛ وأما ما كان منه في مدح الحق وأهله وذم الباطل وذويه أو كان فيه تمهيد لقواعد الدين أو إرغام لمخالفيه؛ فإنه خارج عن القسم المذموم وإن خالطه النسيب وتساوقه الغزل. وقد كان ينشد

стр. 190

بين يدي رسول الله ﷺ من هذا القسم وهو في المسجد فلا ينهى عنه لما يعلم في إنشاده من الغرض الصحيح والقصد المستقيم. ولما كان زمان عمر- ﵁ نهى حسان بن ثابت- ﵁ أن ينشد الشعر في المسجد وإنما كان ذلك نظرا منه إلى مصلحة الجمهور فإن أكثر الناس إذا أطيل لهم في هذا المدح أفضى بهم ذلك إلى الاسترسال في الخلاعة والمجون حتى يسقط عنهم التمييز بين المعوج والمستقيم والتفريق بين الغرض الفاسد والصحيح؛ وقد كان ﵁ عارفا بزمانه عبقريا في شأنه ألمعيا في رأيه مصيبا في اجتهاده ولما عارضه حسان يقوله (لقد أنشدته بين يدي من هو خير منك) سكت عنه ولم يكن بسكوته ذلك لوضوح حق كان قد خفى عليه أو بذكر أمر كان ناسيا له بل سكوته [كان] إجلالا لرسول الله ﷺ وتأدبا دون الرواية عنه بترك المعارضة، وإلا فقد كان عمر ﵁ أعمره على ما كان عليه من النهي عنه؛ والصواب ما رآه، والحق ما ذهب إليه. وفيه (وأن يتحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة)، تحلق القوم أي: جلسوا حلقة حلقة. وإنما نهى عنه لمعنيين أحدهما: أن تلك الهيئة تخالف اجتماع المصلين كما نهى عن تشبيك الأصابع عند الخروج إلى الصلاة وذلك في حديث كعب بن عجرة- ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال (إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامدا إلى المسجد فلا يشبكن بين أصابعه فإنه في الصلاة) كره ﷺ أن يخالف هيئته هيئة المصلين، والآخر: أن الاجتماع للجمعة خطب جليل لا يسع من حضرها أن يهتم بما سواها حتى يفرغ منها وتحلق الناس قبل الصلاة موهم بالغفلة عن الأمر الذي ندبوا إليه والاهتمام بما سوى ذلك. وفي هذا توهين لأمر الدين وتعرض لسوء الظن. [٤٩٩] ومنه قوله ﷺ في حديث قرة بن إياس المزني- ﵁: (من أكلهما فلا يقربن مسجدنا)، اختلف أهل العلم في المراد عن قوله: (مسجدنا) فمن قائل: إن النهي يختص بمسجد الرسول ﷺ في زمانه، ومن ذاهب إلى أن النهي متعلق بعموم المساجد، فيكون المراد عن قوله: (مسجدنا) أي

стр. 191

مسجد أهل ملتنا، وعلة النهي أن المسلمين يتأذون برائحتها، وقد أمر النبي ﷺ بتطييب المساجد [٧٧/ب] وذلك خلاف المأمور، وهذا الوجه أولى الوجهين بالتقديم، ثم إنا نرى النهي في حق المساجد الثلاثة آكد منه في غيرها لما لها من الفضيلة على غيرها، ولاسيما مسجد المدينة في زمان الرسول ﷺ وقد كان يشدد في النهي ويمنع مرتكبه عن حضور المسجد حتى قال ﷺ : من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا، أو قال فليعتزل مسجدنا. [٥٠١] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل). ربوض الغنم والبقر والفرس والكلب مثل بروك الإبل وجثوم الطير، والمرابض للغنم كالمعاطن للإبل واحدها مربض مثل مجلس، وأعطان الإبل: مباركها عند الماء لتشرب عللا بعد نهل، فإذا استوفت ردت على المراعي والأظماء)، وإحدها عطن، يقال له المعطن أيضا وجمعه معاطن، وفي غير هذا الحديث، (لا تصلوا في مبارك الإبل). قلت: وقد تكلم على هذا الحديث جماعة من أهل العلم، فذهبوا في المبارك مذاهب مختلفة أضربنا عن تفصيل جملتها إذ لم نر في إيراده كثير فائدة ورأينا أن نذكر المختار منها فنقول- وبالله التوفيق: إن القوم كانوا أصحاب ماشية يفتقرون إلى القيام عليها لتعهدها وحفظها وحلابها، فإذا أدركتهم الصلاة [امتنعوا عن الصلاة فيها] لمكان النجاسة وإن وجدوا فيها مكانا طاهرا، فربما قاسوا حكم المكان الطاهر فيها على حكم المكان الطاهر في الحشوش، فسألوا عن ذلك رسول الله ﷺ فرخص لهم في مرابض الغنم ونهاهم عن معاطن الإبل؛ فعلموا أن حكم تلك المواطن مفارق لحكم الحشوش في جواز الصلاة، ثم أشار إلى علة النهي عن الصلاة في مبارك الإبل بقوله (لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين) والمعنى أنها كثيرة الشراد: شديدة النفار معها أخلاق جنية إذا نفرت لا يقوم لها شيء، وإذا صلى الإنسان في معاطنها لم يأمن أن تنفر فتقطع عليه صلاته، فعلمنا أن المنع من الصلاة في المعاطن لم يكن لم يكن لمكان أبوالها

стр. 192

وأبعارها وطهارة بعضها ونجاسة بعضها؛ لأن كل واحد من الجنسين مأكول اللحم فهما سيان في حكم الأبوال والأبعار، ولم يشترط في الصلاة في مرابض الغنم طهارة الموضع؛ لأنهم عرفوا ذلك بأصل الشرع. ومن مباني ذلك الأصل حديث أنس- ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (وجعلت لي كل [٧٨/أ] أرض طيبة مسجدا وطهورا) وإنما كانوا يتحرجون عن مجاورة النجس، فبين لهم الأمر فيها ورخص لهم بعضها لمكان الضرورة ونهاهم عن بعضها على وجه الكراهة لاحتمال أن تقطع الصلاة على من صلى دونها، وإنما قلنا إنهم سألوا النبي ﷺ عن ذلك وليس في حديث أبي هريرة ذكر السؤال؛ لحديث البراء بن عازب- ﵁ (سئل رسول الله ﷺ عن الصلاة في مبارك الإبل فقال: لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال: صلوا فيها فإنها بركة) ومعنى قوله فإنها بركة أي خيرها مرجو وشرها مأمون يقدر كل أحد على استيفاء منافعها، ولا يشق رد صولتها على أحد لسكونها وضعف حركتها. ومن زعم أن النهي إنما ورد في المعاطن ولم يرد في المرابض؛ لأن المعاطن تكون في سهول الأرض [والمغاني الخوارة] فلا يبين فيها النجاسة لكثرة ترابها فإنه تعمق وأبعد في المرمى وكذلك من زعم أنه أراد به منازل المسافرين التي يحطون فيها رحالهم لأن من عادتهم أن يكون برازهم بالقرب منها فيوجد هذه الأماكن في الأغلب نجسة؛ لأن طهارة موضع الصلاة قد عرفت بأصل الشرع؛ ثم إن النبي ﷺ أشار بعد النهي منها إلى علة النهي فقال: (إنها من الشياطين) فإن قال قائل زعمت أن علة النهي في أعطان الإبل ليست النجاسة فما تقول في المواضع المذكورة في حديث ابن عمر- ﵁ قبل هذا الحديث (نهى رسول الله ﷺ أن يصلى في سبعة مواطن .. الحديث) أليست العلة في أكثرها النجاسة وقد عرف ذلك بأصل الشرع قلنا: قد بينا لك أن العلة في المعاطن لو كانت النجاسة لم يرخص لهم في المرابض أيضا؛ لأنهما سيان في هذا الحكم. فأما العلة في المواطن الأخر المذكورة في الحديث فإنها مختلفة وسنذكر بيان ذلك فنقول وبالله التوفيق: أما المزبلة وهي موضع الزبل، والزبل: السرجين، من أخذ بظاهر اللفظ فإنه يذهب إلى أنه نهى عن الصلاة في الموضع النجس؛ لعدم الجواز وفيه نظر، إذ لو كان المراد منه ما زعم لكانت الحشوش أولى بالذكر؛ لأن الصلاة فيها غير محرمة إن وجد فيها مكان طاهر، ثم إن الأمكنة النجسة لا تنحصر في هذه المواضع المذكورة، فما فائدة الحصر وقد كان يكفيه أن ينهي عن الصلاة في الموضع النجس. ومن سلك المسلك الذي سلكناه في معنى النهي عن أعطان الإبل فإن له أن يقول إنه نهى عن الصلاة في المزابل- وإن وجد فيه موضع خال عن الزبل أو بسط عليها بساط في المكان اليبس- لأن في ذلك

стр. 193

استخفافاً بأمر الدين [٧٨/ب]؛ لأن من حق الصلاة أن تؤدى في الأمكنة النظيفة والبقاع المحترمة. وكذلك المجرزة؛ لأنها مسفح الدماء وملتقى القاذورات، واشتقاقها من الجزر، تقول: جزرت الجزور أجزرها- بالضم- إذا نحرتها وجلدتها، والمجزر بكسر الزاي موضع جزرها. وكذلك القول في الحمام، لأنه مكثر الأوساخ، ومجتمع الغسالات؛ ثم إنه محل تعري الأبدان عن اللباس- وأما المقبرة فإن علة النهي فيها من وجهين، أحدهما: احتمال نجاسة المكان مع مجاورة النجس على ما ذكرناه في المجزرة والحمام؛ والآخر: اتخاذ القبور مساجد استنانا بسنة اليهود. فإن قيل: فما وجه حديث أبي سعيد الخدري- ﵁ عن النبي ﷺ ) الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام)؟! قلنا: في إسناد حديث أبي سعيد هذا اضطراب؛ فلو ثبت فالوجه فيه تأكيد النهي فيها واجتماع العلل المعتد بها في النهي في هذين الموضعين على ما ذكرنا، وتقدير الكلام: الأرض الطيبة كلها مسجد؛ إلا المقبرة والحمام؛ فاختصر لعلم المخاطبين، وأراد بكونها مسجدا من وجه الاختيار، وطلب العزيمة، لا من وجه الرخصة والجواز. والاستثناء في هذين الموضعين من جملة الأرض لا يكاد يصح إلا على الوجه الذي ذكرناه ومن جعل علة النهي فيهما النجاسة فقد أحال؛ لأن المواضع النجسة غير منحصرة فيهما. وأما علة النهي في قارعة الطريق فهي من وجهين: أحدهما احتمال نجاسة المكان، والآخر أن المصلي دونها لا يأمن أن يقطع المارة عليها صلاته، ولو صلى مصل في هذه المواطن وكان الموضع الذي يصلي فيه طاهرا جازت صلاته مع الكراهة؛ لمكان النهي من غير تقييد. وأما علة النهي عن الصلاة على ظهر بيت الله؛ فإن بعض العلماء صرف النهي فيها إلى حال فقد السترة بين يدي المصلي على ظهر البيت، وقد ذهب بعضهم إلى خلاف ذلك، وقال: الحكم للبقعة لا للبناء، والذي يصلي فوقها متوجه إلى جزء منها، والصلاة فوقها كالصلاة في جوفها؛ وإذا صحت صلاة من يصلي بحضرة الكعبة فوق ابن قبيس، والكعبة تحته، وهو متوجه إلى ما فوقها من الجهة، فبالحري أن تصح صلاة من يتوجه إلى جزء منها؛ ثم إن النهي مطلق لم يقيد بعدم السترة. قلت: ولست أدري بماذا عللوا النهي؟! والذي نهتدي إليه من علة النهي أن الصلاة على ظهر البيت تفضي إلى ارتقاء سطح البيت، وذلك مخل بشرط التعظيم، لمشابهته صنيع أهل العادة [٧٨ م/أ] في استعلاء البيوت للتطلع والتفرج؛ ثم لخلوه عن الفائدة، ومن انتهى إليه هذا الحديث بطريق يصح الاحتجاج فعليه التسليم لقول الرسول ﷺ ؛ علم علة النهي أو لم يعلم. ولقد شاهدت من كرامة ذلك البيت المبارك أيام مجاورتي بها أن الطائر كان لا يمر فوقه، وكثيرا كنت أتدبر تحليق الطير في ذلك الجو، فأجدها مجتنبة عن محاذاة البيت، وربما انقضت من الجو حتى تدانت، فطافت به مرارا ثم ارتفعت. ومن آيات الله البينة في كرامة ذلك البيت أن حمامات الحرم إذا نهضت للطيران طافت حوله مرارا من غير أن تعلوها،

стр. 194

وإذا وقعت عن الطيران وقعت على شرفات المسجد، وعلى بعض السطوح التي حول المسجد، ولا يقع على ظهر البيت مع خلوه عما ينفرها، وقد كنا نرى الحمامة منها أحيانا إذا مرضت، وانحص ريشها وتناثر- ترتفع من الأرض حتى إذا دنت من ظهر البيت ألقت نفسها على الميزاب أو على طرف ركن من الأركان فتلقاها زمانا طويلا جاثمة كهيئة المتخشع لا حراك فيها، ثم تتصوب منها بعد حين من غير أن تعلو شيئا من سقف البيت؛ وهذه حالة قد تدبرتها كرة بعد أخرى؛ فلم تختلف صيغتها وإذا كانت الطير مصروفة عن استعلاء البيت بالطبع فلا غرو أن يكون الإنسان ممنوعا عنه بالشرع؛ كرامة للبيت على ما ذكرناه. ومن باب الستر (من الصحاح) [٥٠٦] حديث عائشة- ﵂ أن النبي ﷺ صلى في خميصة لها أعلام. الخميصة كساء أسود مربع له علمان؛ فإن لم يكن معلما فليس بخميصة؛ وعلى هذا التفسير فقول عائشة: (لها أعلام) على وجه البيان والتأكيد. وفيه: (وائتوني بأنبجانية أبي جهم)؛ قيل: الأنبجاني من الثياب: المبتذلة الغليظة؛ تتخذ من الصوف، وذكر الخطابي في غريبه عن بعضهم أنها منسوبة إلى آذربيجان، وقد حذف بعض حروفها وبدل في التعريب. قلت: والمشهور من العرب: كساء منبجاني؛ منسوب إلى منبج، ويفتحون الباء في النسبة، أخرجوه مخرج منطراني ومخبراني، وقد قيل: منبجاني وأنبجاني، وأصحاب الحديث يروونه بكسر الباء، وأهل اللغة بفتحها. وإنما بعثها إلى أبي جهم؛ لأن أبا جهم كان أهداها إليه، ونظر إلى أعلامها في الصلاة. كرهها لما وجد [٧٨ م/ب] من الرعونة وأنكرها قلبه المقدس فشغل بأفكار القلب عن قرة عينه في الصلاة فردها عليه وسأله أن يبعث بأنبجانية مكانها لئلا ينكسر قلبه وتشمئز نفسه لرد الهدية عليه. وأبو جهم هذا

стр. 195

هو أبو جهم بن حذيفة بن الغانم القرشي العدوي ﵁، وكان من المعمرين من مشيخة قريش عمل في بناء الكعبة زمن ابن الزبير وقال: عملت فيها مرتين مرة بقوة غلام يفاع، ومرة بقوة شيخ فان هاه. [٥٠٧] ومنه: قوله ﷺ في حديث أنس- ﵁: (أميطي عنا قرامك) القرام: ستر فيه رقم ونقوش وكذلك المقرم والمقرمة قال قائلهم، يصف دارا: على ظهر جرعاء العجوز كأنها .... دوائر رقم في سراة قرام ومنه: حديث عقبة بن عامر ﵁: (أهدى لرسول الله ﷺ فروج حرير ...) الحديث قال أبو عبيد: هو القباء الذي شق من خلفه وقد ذكر بعض أهل العلم أن النبي ﷺ : إنما لبسه استمالة لقلب المهدي وهو المقوقس صاحب الإسكندرية أو أكيدر صاحب دومة الجندل أو غيرهما على اختلاف فيه وهذا القائل يزعم أن ذلك كان بعد التحريم وغير هذا القول أولى بأولى العلم، وأنى يلبس رسول الله ﷺ لباسا حرمه الله على ذكور أمته من غير استثناء أو ذكر خصوصية له فيه، ثم إنه لم يرد فيما ادعاه نقل، ومثل هذا الباب لا يحمد الإقدام عليه بالظن والتخمين، وكان نبي الله ﷺ أحق الناس بالاجتناب عما كان ينهي عنه من غير مثنوية و (ما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه) سبيل إخوانه من المرسلين وهو أفضلهم [وأولاهم] بانتهاج تلك السبيل، فالوجه فيه أن يحمل على أنه كان قبل التحريم وإنما نزعه نزع الكاره له لما رأى فيه من الرعونة وذلك مثل ما بدا له في الخميصة.

стр. 196

(ومن الحسان) [٥٠٩] حديث عائشة- ﵂ عن النبي ﷺ : (لا يقبل صلاة حائض إلا بخمار) أراد بالحائض: المرأة التي بلغت سن الحيض وهذا الحكم متناول كل من أدركت من النساء، وإن تك آيسة. [٥١١] ومنه: حديث أبي هريرة- ﵁: (أن النبي ﷺ نهى عن السدل في الصلاة) سدل ثوبه يسدله، بالضم، سدلا: إذا أرخاه وهو إرساله حتى يصيب الأرض، والذي انتهى إلينا من معنى هذا القول أنه: نهى المصلي عن إرسال الثوب حتى يصيب الأرض، ثم إن أهل العلم مختلفون في هذا النهي، فمنهم من لا يرى بالإرسال بأسا، ومنهم من يرخص فيه، ومنهم من يكرهه ويقول: هكذا يصنع اليهود. قال الترمذي: وقال بعضهم إنما كره السدل ٧٩/أفي الصلاة إذا لم يكن عليه إلا ثوب واحد فأما إذا سدل على القميص فلا بأس وهو قول أحمد. ثم إني تفكرت في هذا المعنى بعد التدبر لسياق لفظه فرأيت غير ذلك المعنى أمثل من طريق المطابقة، وذلك لأن إرسال الثوب حتى يصيب الأرض منهي عنه على الإطلاق، وفي الحديث خص النهي بالسدل في الصلاة فلابد له من فائدة، وإن زعم زاعم أن فائدة التخصيص على التأكيد؛ فالجواب أن نقول: تأكيد النهي في حق من يرسل ثوبه ويمشي أولى من تأكيده في حق من يصلي، لأن إرسال الثوب حالة المشي من الخيلاء مع ما فيه من إصابة الأذى بالثوب وترك النظافة وإضاعة المال بتمزيق الثوب وإخلاقه ولا كذلك المصلي؛ لأنه ثابت في مكان غير متعرض لشيء من تلك الخلال، ثم إن كثيرا رخصوا في إسبال الثوب في الصلاة، والجمهور منهم منعوا الرجال عن الإسبال في حال المشي للأحاديث التي وردت فيها، فلما رأيت التخصيص في حق المصلي والترجيح من طريق النظر فيما ذكرت من العلماء فتشت عن المراد من الحديث، فرأيت أن النهي إنما خص بالمصلي؛ لأن العرب من عادتهم أن يشدوا الأزر على أوساطهم فوق القميص كل الشد في حالة المشي، فإذا انتهوا إلى مجالسهم حلوا العقدة وأسبلوا الإزار حتى يصيب الأرض ثم ربطوه بعض الربط؛ لأن ذلك أروح لهم وأسمح لقيامهم وقعودهم وكانوا يصنعون ذلك في الصلاة فنهوا عنه؛ لأن المصلي لم يكن ليأمن أن تنحل

стр. 197

العقدة أو يتشبث فيه عند النهوض برجله فينفصل عنه فيكون مصليا في الثوب الواحد وهو منهي عنه، أو يتشاغل بإمساكه على نفسه فيجد الشيطان به سبيلا إلى تخبطه في الصلاة، وربما يضم إليه جوانب ثوبه فيصدر عنه الحركات المتداركة، فلهذه المعاني نهي عنه، ولم أقدم على استنباط معنى هذا الحديث على هذا الوجه إلا بعد أن كنت شاهدت تلك الهيئة من أناس من أهل مكة يعتادونها ويأتون بها في مجالسهم. وفيه (وأن يغطي الرجل فاه) إنما نهي عن ذلك؛ لأنه يحجر الرجل عن أداء القراءة على نعت الكمال والإتيان بالسجود على وجه التمام. وكان من دأب العرب أن يتلثموا بعمائمهم فيغطوا بها أفواههم كيلا يصيبهم الهواء بأذى من حر أو برد فنهوا عن ذلك الصنيع في حال الصلاة للمعنى الذي ذكرناه ولغيره. [٥١٢] ومنه: حديث أبي سعيد الخدري- ﵁: (بينما رسول الله ﷺ يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه ...) الحديث استدل بعض العلماء من هذا الحديث بقوله ﷺ [٧٩/ب]: (إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا) على أن من صلى وفي ثوبه نجاسة لم يشعر بها فإن صلاته مجزئة ولا إعادة عليه، واستدل آخرون من هذا الحديث بقوله ﷺ (إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر فإن رأى [في] نعليه قذرا فليمسحهما وليصل فيهما) على أن النعل إذا أصابته نجاسة فمسحت بالأرض حتى ذهب أثرها جازت الصلاة فيها. ثم إن كل واحد من الفئتين يخالف صاحبه فيما ذهب إليه. والذي يأخذ ببعض هذا الحديث فالبقية منه حجة عليه، فإن قال قائل: كيف صلى رسول الله ﷺ في النعل النجس مع تأييد الله إياه بالعصمة ولاسيما في أمر العبادة؟ قلنا إن ذهبنا إلى أن القذر المذكور في الحديث كان نجاسة؛ فالجواب فيه: أنه كان مشرعا فاقتضت الحكمة الإلهية أن يمتحن بأمثال ذلك ليظهر للأمة ما قد خفي عليهم من أمر الدين؛ ولهذا المعنى قال ﷺ : (إنما أنسى لأسن). وإن ذهبنا إلى غير ذلك فالأمر فيه بين والوجه فيه أن نقول: يحتمل أن القذر الذي كان في نعل رسول الله ﷺ لم يكن من جملة الأعيان النجسة وإنما كان مما يستقذره الناس طبعا وقد أمروا

стр. 198

بصيانة المسجد عنه كالنخامة والمخاط؛ فنبأه جبريل ﵇ لئلا يتلوث به ثوبه عند السجود؛ فأخبر به أصحابه وعلمهم ما افتقروا إلى تعليمه من هذا الباب ليتفقدوا النعال عند دخول المساجد وإذا وجدوا فيها قذرا مسحوها بالأرض صيانة للمساجد عن الأشياء القذرة نجاسة كانت أو غيرها، فإن قيل: على أي وجه يطلق لفظ القذر على غير النجاسة؛ قلنا: يجوز ذلك على سبيل الاتساع إن لم ترد به اللغة على الحقيقة؛ وذلك لأن العرب تقول قذرت الشيء بالكسر وتقذرته واستقذرته إذا كرهته، ويصح أن يقال للنخامة والمخاط القذر؛ لأن الطباع تنفر عن ذلك والنفوس تكرهه والله أعلم. ومن باب السترة (من الصحاح) [٥١٥] حديث أبي جحيفة السوائي- ﵁: (رأيت رسول الله ﷺ بالأبطح) الأبطح في موضوع اللغة: مسيل واسع فيه دقاق الحصى، والبطيحة والبطحاء مثله، وفي هذا الحديث: هو اسم علم للمسيل الذي ينتهي إليه من وادي منى وهو على باب المعلى بمكة حرسها الله تعالى ويقال لها: بطحاء مكة. وفيه [٨٠/أ] (أخذ عنزة فركزها) العنزة بالتحريك أطول من العصا وأقصر من الرمح. [٥١٦] ومنه حديث ابن عمر- ﵁: (كان النبي ﷺ يعرض راحلته) معناه ينيخها بالعرض

стр. 199

من القبلة حتى تكون معترضة بينه وبين من مر بين يديه؛ من قولهم: عرض العود على الإناء، والسيف على فخذه: إذا وضعه بالعرض، يعرضه ويعرضه أيضا فهذه وحدها بالضم. وفيه (أرأيت إذا هبت الركاب): أي أقامت الإبل للسير، يقال: هبت الناقة في سيرها هبابا وهبوبا: أي نشطت. وفيه (فيعدله فيصلي إلى آخرته) تعديل الشيء تقويمه يقال: عدلته فاعتدل، أي قومته فاستقام ومن رواه بالتخفيف فقد حرف، والحرف الذي في كتاب الله (فعدلك) إذا قرئ بالتخفيف فمعناه: صرفك من حال إلى حال، أو من هيئة إلى هيئة، ويجوز أن يكون بمعنى المشدد أي عدل بعض أعضائك ببعض حتى اعتدلت؛ ولا يستقيم معنى الحديث على ما أوردناه من معنى لفظ التنزيل. وآخرة الرحل: هي التي يستند إليها الراكب. [٥١٨] ومنه حديث أبي الجهيم- ﵁ عن رسول الله ﷺ : (لو يعلم المار بين يدي المصلي ...) الحديث. ذكر الشيخ أبو جعفر الطحاوي- رحمة الله عليه- في كتابه الموسوم بمشكل الآثار أن المراد من الأربعين في حديث أبي جهيم هو الأعوام لا الشهور ولا الأيام. واستدل بحديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لو يعلم الذي يمر بين يدي أخيه معترضا وهو يناجي ربه لكان أن يقف مكانه مائة عام خير له من الخطوة التي خطاها) ثم قال أبو جعفر: وحديث أبي هريرة- ﵁ متأخر عن حديث أبي جهيم؛ إن في حديث أبي هريرة زيادة في الوعيد على الوعيد الذي في حديث أبي جهيم؛ إن في حديث أبي هريرة زيادة في الوعيد على الوعيد الذي في حديث أبي جهيم، والنبي ﷺ لا يأتي بالتخفيف بعد الوعيد أو كلاما هذا معناه. قلت: وحاصل هذا القول أن الشارع إذا نهى عن فعل وأوعد عليه ثم لم ينته عنه زاد في الوعيد تأكيدا للنهي ومبالغة في الزجر، ولا يظن به خلاف ذلك؛ لأن التخفيف في باب الوعيد لا يلائم الحكمة. وأبو جهيم هذا هو عبد الله بن جهيم الأنصاري كذا ذكروه في كتب المعارف، وقد قيل هو ابن أخت أبي بن كعب- ﵁.

стр. 200

[٥١٩]- ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ يقطع الصلاة المرأة والحمار [٨٠/ب] والكلب، وبقي ذلك مثل مؤخرة الرحل. ويروى مثله عن أبي ذر- ﵁ عن النبي ﷺ ، وفي رواية: و (الكلب الأسود) وفي رواية ابن عباس- ﵁: (والمرأة الحائض) وقد أخذ بعض العلماء بظواهر هذه الأحاديث، والجمهور على خلاف ذلك. وقد أورد المؤلف ﵀ بعد هذا الحديث ما يدفع القول بظاهره. [٥٢٠] فمن ذلك حديث عائشة- ﵂: (وأنا معترضة بينه وبين القبلة كاعتراض الجنازة). [٥٢١] ومنه حديث ابن عباس (فمررت بين يدي الصف فنزلت وأرسلت الأتان ترتع). (ومن الحسان) [٥٢٤] حديث المقداد بن الأسود- ﵁ (ولا يصمد له صمدا)، يقول: صمدت صمده أي: قصدت قصده، والصمد القصد، يريد أنه كان لا يجعل ذلك الشيء تلقاء وجهه؛ بل يجعله على جانبه الأيمن أو الأيسر؛ وذلك والله أعلم لتنزهه عن التشبه بمن عبد الأشخاص فيتوجه إليه كل التوجه، ويصمد له صمدًا مستقيما.

стр. 201

[٥٢٥] ومنه حديث الفضل بن عباس- ﵁ أتانا رسول الله ﷺ ونحن في بادية لنا) الحديث. قلت: وقد قال بعض أصحاب الحديث أن حديث أبي ذر- ﵁ قد عارضه حديث عائشة- ﵂ في المرأة، وحديث ابن عباس- ﵁ في الحمار، وأما حديث الفضل ففي إسناده مقال، ثم إنه لم يذكر فيه صفة الكلب فيجوز أن الكلب المذكور في حديثه لم يكن بأسود؛ فبقى حديث أبي ذر في الكلب الأسود لا معارض له، فنرى القول به واجبا لثبوته وصحة إسناده وهذا القول ليس بمستبعد ولا مستنكرا ولا حديث أبي سعيد الخدري- ﵁ (لا يقطع الصلاة شيء) والأحاديث إذا تعارضت ووجد في معاني بعضها تضاد، فالسبيل أن تأول على وجه التوفيق بينها ونفي التضاد والاختلاف عنها. والسبيل في هذه الأحاديث أن يحمل معنى قطع الصلاة بهذه الأشخاص على قطعها المصلي عن مواطأة القلب واللسان في التلاوة والذكر والمحافظة على ما يجب عليه محافظته ومراعاته من أمر الصلاة، ومعنى حديث أبي سعيد أن الصلاة لا يقطعها شيء أي: لا يبطلها. ومثل ذلك في كلامهم شائع مستفيض. يقول القائل إذا تكلم بين يديه متكلم وهو مقبل على صلاته: قطعت على صلاتي، أي: شغلت قلبي عنها وقد تبين لنا من تعارض هذه الأحاديث أن معنى الحديث على الوجه الذي بيناه. وفيه: (فإنما هو شيطان) أي: شيطان من شياطين الإنس أو يعمل عمل الشيطان أو يحمله الشيطان على هذا الصنيع. وفيه: (ومثل مؤخرة الرحل) لغة قليلة في آخرته وتشديد الخاء منها خطأ وإنما [٨١/أ] هي مؤخرة على زنة مؤمنة كما نقول: مؤخر العين ومقدمها. ويحتمل أن النبي ﷺ قال مثل آخرة الرحل وكأن مؤخرة الرحل من لغة الراوي كذلك، وهي في حديث ابن عمر- ﵁ آخرة الرحل دون مؤخرته؛ لأنها اللغة الفصيحة وقريش أصح العرب لغة، وأفصحهم لهجة والنبي ﷺ أفصح قريش وقد قال ﷺ : (أنا أفصح العرب؛ بيد أني من قريش ونشأت في بني سعد بن بكر) فينسب إليه من اللغة أصحها وأفصحها دون الرديء منها. [٥٢٦] ومنه حديث أبي سعيد: (لا يقطع الصلاة شيء وادرءوا ما استطعتم).

стр. 202

ومن باب صفة الصلاة (من الصحاح) [٥٢٧] حديث أبي هريرة- ﵁: (أن رجلا دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس) الحديث. من ذهب إلى أن الطمأنينة في الهيئات المذكورة في هذا الحديث فرض؛ فقد أخذ بما يقتضيه ظاهر اللفظ من هذا الحديث، وهو عدم الجواز. ومن ذهب إلى أنها سنة فإنه يأوله على معنى نفي الكمال، وله أن يقول: يحتمل أن النبي ﷺ إنما أمره بإعادة الصلاة؛ لأنه ترك فرضا من فروضها، فلما قال علمني وصف له كيفية إقام الصلاة على نعت الكمال؛ ألا ترى أنه بدأ في تعليمه بالأمر بإسباغ الوضوء، وقد علمنا أن الرجل كان على طهر؛ لأنه لم يأمره بإعادة الوضوء كما أمره بإعادة الصلاة؛ ثم إنه قال: (ارجع فصل) ولو لم يكن على طهر، لقال: ارجع فتوضأ، فإن قيل: لم سكت عن تعليمه من أول الأمر حتى افتقر إلى مراجعته كرة بعد أخرى؟ قلنا: إن الرجل لما رجع لإعادة الصلاة من غير اطلاع على حقيقة المراد منه فعل المغتر بعلمه والمتهاون بأمر دينه؛ سكت عن تعليمه زجرا له عن الإقدام على ما لا علم له به، وتأدبا له بين يديه، كما هو الواجب؛ إذ هو مورد الوحي والإلهام، ومصدر الشرائع والأحكام، وتنبيها له على حسن التيقظ دون أوامره وإرشادا له إلى استكشاف ما يستبهم عليه بالسؤال. [٥٢٨] ومنه قول عائشة- ﵁ في حديثها عن النبي ﷺ : (لم يشخص رأسه ولم يصوبه) أي: لم يرفعه ولم يخفضه.

стр. 203

وفيه: وكان ينهى عن عقبة الشيطان [٨١/ب] وفي بعض الرواية (عن عقب الشيطان) قال أبو عبيد القاسم بن سلام: هو أن يضع المصلي أليتيه على عقبيه بين السجدتين وهو الذي يسميه بعض الفقهاء الإقعاء. [٥٢٩] ومنه: قول أبي حميد الساعدي- ﵁ في حديثه عن النبي ﷺ (ثم هصر ظهره) والأصل في الهصر الكسر، وهصرت الغصن بالغصن، إذا أخذت برأسه فأملته إليك، وانهصر الغصن إذا انكسر من غير بينونة. والمعنى: أنه ثنى ظهره وخفضه حتى صار كالغصن المنهصر.

стр. 204

(ومن الحسان) [٥٣٨] حديثه الآخر: (أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ قالوا: فاعرض)؛ عرضت عليه أمر كذا وعرضت له الشيء أي: أظهرته له وأبرزته إليه، اعرض، بالكسر لا غير والمعنى: فاعرض علينا وانعتها لنا حتى نرى صحة ما تدعيه. وفيه: (فلا يصبى رأسه ولا يقنع) يقال صبي رأسه تصبية: إذا خفضه جدا، وزعم بعضهم أنه مأخوذ من قولهم: صبا الرجل: إذا مال إلى الصبا وقيل: هو يصبئ مهموزا من قولهم: صبأ الرجل عن دين قومه: أي خرج فهو صابيء.

стр. 205

وذكر أبو عبيد الهروي عن الأزهري أنه قال: الصواب فيه أن يصوب. قلت: وهذا القول عن الأزهري يدل على أنه لم يعرف للتصبية في كلام العرب وجها. (ولا يقنع) أي: لا يرفع، يقال: أقنع رأسه إذا رفعه، ومنه قوله تعالى: ﴿مهطعين مقنعي رءوسهم﴾ فقد قيل: إن الإقناع قد يكون بمعنى التصويب، يقال: أقنع رأسه إذا صوبه فهو من الأضداد. وفيه (ويفتخ) أصابع رجليه في جلوسه فتخا بالخاء المعجمة: أي ثناها ولينها، قال الأصمعي: أصل الفتخ اللين، تقول: رجل أفتخ بين الفتخ: إذا كان عريض الكف والقدم مع اللين. وفيه (ووتر يديه) أي: جعلهما كالوتر من قولك وترت القوس وأوترتها، شبه يد الراكع إذا مدها قابضا على ركبتيه بالقوس إذا وترت. [٥٤٢] ومنه: حديث الفضل بن عباس- ﵁ عن النبي ﷺ : (الصلاة مثنى مثنى تشهد في كل ركعتين) الحديث؛ تشهد وتخشع وتضرع وتمسكن: وجدنا الرواية (فيهن) بالتنوين لا غير وكثير ممن لا علم لهم بالرواية يوردونها على لفظ الأمر ونراها تصحيفا. وفيه: (فهي خداج) أي غير تمام.

стр. 206

ومن باب: ما يقرأ بعد التكبير [ ٨٢/أ] (من الصحاح) [٥٤٣] حديث أبي هريرة- ﵁: (كان رسول الله ﷺ يسكت بين التكبير وبين القراءة إسكاتة) هي إفعالة من السكوت، ومعناها سكوت يقتضى بعده كلاما، أو قراءة مع قصر المدة؛ ألا ترى الراوي يقول للنبي ﷺ ما تقول في إسكاتك فقال .... : اللهم باعد بيني وبين خطاياي ... الحديث وإنما أراد بهذا السكوت ترك رفع الصوت بالكلام؛ ألا تراه يقول ما تقول في إسكاتك، أي: سكوتك عن الجهر دون السكوت عن القراءة والقول. وفيه (اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد)؛ قلت: ذكر أنواع المطهرات المنزلة من السماء التي لا يمكن حصول الطهارة الكاملة إلا بأحدها؛ تبيانا لأنواع المغفرة التي لا تخلص من الذنوب إلا بها، أي طهرني من الخطايا بأنواع مغفرتك التي هي في تمحيص الذنوب بمثابة هذه الأنواع الثلاثة في إزالة الأرجاس والأوضار ورفع الجنابة والأحداث. ويحتمل أنه يسأل الله تعالى أن يغسل خطاياه بهذه الأنواع التي يستعملها المتطهرون لرفع الأحداث؛ والمعنى: كما جعلتها سببا لحصول الطهارة فاجعلها سببا لحصول المغفرة؛ وبيان ذلك في حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر (معها) بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء ...) الحديث [٥٤٤] ومنه قوله ﷺ في حديث علي- ﵁: (سبحانك وبحمدك) أي: أنزهك يا رب من

стр. 207

كل سوء، وبحمدك سبحتك ووقفت لذلك، ونصب سبحانك على مذهب المصدر أراد سبحتك تسبيحا فوضع سبحان موضع التسبيح. وفيه (لبيك وسعديك) ألب بالمكان إذا أقام به ولزمه، قال الخليل: ولب لغة فيه، قال الفراء: ومنه قولهم لبيك: أي أنا مقيم على طاعتك ونصب على المصدر كقولك: حمدا لله وشكرا وقال الخليل: هو من قولهم: دار فلان تلب داري: أي تحاذيها، أي أنا مواجهك بما تحب وإنما ثنى على التأكيد، أي إلبابا بك بعد إلباب، وإقامة بعد إقامة أو مواجهة إليك بما تحب بعد مواجهة. وسعديك: أي إسعادا بعد إسعاد، والمعنى ساعدت طاعتك يا رب مساعدة بعد مساعدة. وفيه (والشر ليس إليك) أي: ليس مما يتقرب به إليك، هذا كقول القائل: فلان إلي بني أسد، إذا كان عداده فيهم أو صفوه معهم أي ليس انتماء الشر إليك. قلت: وليس المعنى على ما يأوله القدرية ولقد علمنا [٨٢/ب] أهل الدين أن الله خالق كل شيء وإنما المعنى: أنك تملك الخير كله وكل ما تخوله وتنعم به على عبادك فهو خير كله، والشر ليس انتماؤه إليك؛ لأنك تخلق الأشياء على ما تقتضيه الحكم فلا ينتمي إليك الشر، فإنك وإن خلقته فقد نهيت عنه ولا يصح نسبة الشرية إلى أفعالك التي هي جارية على سنن الرشاد متضمنة للحكمة البالغة متعالية عن نسبة القبح إليها، وإنما يضاف ذلك إلى اكتساب العباد إضافة مختصة بهم. وفيه (أنا بك وإليك) أي أستجير وإليك ألتجى أو بك أحيا وأموت وإليك المرجع والمصير ونحو ذلك من التقديرات.

стр. 208

وفيه (لا منجا ولا ملجأ منك إلا إليك) أي لا مهرب ولا مخلص منك ولا ملاذ لمن طالبته إلا إليك. ومنجا مقصور لا يجوز أن يمد ويهمز والأصل في الملجأ: الهمز ومن الناس من يلين همزه؛ ليزدوج الكلمة التي قبله. [٥٤٥] ومنه قول أنس- ﵁ في حديثه (لقد حفزه النفس) أي اشتد به، والحفز حثك الشيء من خلفه. قال الراجز: يريح بعد النفس المحفوز يريد النفس الشديد المتتابع الذي كأنه يحفز: أي يدفع من سباق. (ومن الحسان) [٥٤٦] حديث عائشة- ﵂: (أن النبي ﷺ كان إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك ...) الحديث. قد مر تفسير (سبحانك وبحمدك). وفيه (وتبارك اسمك) تبارك هو تفاعل من البركة وهي الكثرة والاتساع وتبارك هي بارك مثل: قاتل وتقاتل إلا أن فاعل يتعدى وتفاعل لا يتعدى، ومعناه: تعالى وتعظم وكثرت بركاته في السموات والأرض إذ به تقوم وبه تتنزل الخيرات وفي كتاب الله ﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾، ﴿تبارك الذي نزل الفرقان﴾، ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾ وكل ذلك تنبيه على اختصاصه سبحانه بالخيرات الإبداعية والبركات المتوالية. وفيه (وتعالى جدك) أي عظمتك؛ ومنه قول أنس- ﵁: (كان الرجل منا إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا) أي عظم وهذا الحديث نجده في كتاب المصابيح وقد رماه المؤلف بالضعف وليس الأمر على ما توهمه إذ هو حديث حسن مشهور أخذ به من الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب- ﵁. والحديث مخرج في كتاب مسلم عن عمر ﵁ وقد أخذ به عبد الله بن مسعود- ﵁-

стр. 209

وغيره من فقهاء الصحابة، ولم يكن هؤلاء السادة ليأخذوا [٨٣/أ] بذلك من غير أسوة ولهذا ذهب إليه الأجلة من علماء الحديث كسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهم فالظاهر أن هذا اللفظ- أعني: ضعيف- تزيد من بعض الناس، وإن يكن من قبل المؤلف فأراه إنما دخل عليه الداخل من كتاب أبي عيسى؛ لأنه روى هذا الحديث في جامعه بإسناده عن أبي سعيد الخدري مع زيادة على حديث عائشة ولفظ حديثه: أنه قال كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة بالليل كبر ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ثم يقول: الله أكبر كبيرا ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه. ثم قال أبو عيسى: كان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي. قلت: وعلي بن علي الرفاعي هو الراوي عن أبي المتوكل عن أبي سعيد، ثم قال أبو عيسى وقال أحمد: لا يصح هذا الحديث ثم روى أبو عيسى بعد ذلك حديث عائشة- ﵂ عن الحسن بن عرفة عن أبي معاوية عن حارثة بن أبي الرجال عن عمره عن عائشة ثم قال هذا حديث لا نعرفه من هذا الوجه وحارثة قد تكلم فيه من قبل حفظه فظن المؤلف أن هذا الكلام من أبي عيسى طعن في متن هذا الحديث وليس الأمر على ما ظن فإن الذي ذكره أبو عيسى في علي الرفاعي في إسناد حديث أبي سعيد لا يكون حجة على ضعف هذا الحديث؛ لأن سياق حديث أبي سعيد غير سياق حديث عائشة على ما بينا؛ ألا ترى أنه قال: وقال أحمد لا يصح هذا الحديث، وأحمد قد انتهى إليه حديث عائشة- ﵂ بإسناد موثوق به فأخذ به كما ذكرناه عن مذهبه، وأما ما ذكره الترمذي من أمر حارثة بن أبي الرجال فإنه تكلم في إسناده الحديث من الوجه الذي ذكره ولم يقل أن إسناده مدخول فيه من سائر الوجوه مع أن الجرح والتعديل يقع في حق أقوام على وجه الاختلاف، فربما ضعف الراوي من قبل أحد الأئمة ووثق من قبل آخرين. وهذا الحديث رواه الأعلام من أئمة الحديث، وأخذوا به ورواه أبو داود في جامعه عن الحسن ابن علي عن طلق بن غنام عن عبد السلام بن حرب الملائي عن بديل بن ميسرة عن أبي الجوزاء عن عائشة وهذا إسناد حسن. رجاله مرضيون، فعلمنا أن أبا عيسى لم يرم هذا الحديث بالضعف على الإطلاق، وإنما تكلم في الإسناد الذي أورده. ثم إني لا أستطيع القول في بيان؛ إلا حذرا من أن يتسارع طالب علم بالطعن إلى هذا الحديث من غير روية وبصيرة اتكالا على ما يجده في كتاب المصابيح؛ فيتأثم به وأعوذ بالله أن أنصر عصبية أو أدعو إلى عصبية والله حسيبي على ذلك. [٥٤٦] ومنه قوله ﷺ في حديث جبير بن مطعم- ﵁:نفخه ونفثه وهمزه، أرى والله أعلم أن النفخ كناية عما يسوله الشيطان للإنسان من الاستكبار والخيلاء فتتعاظم في نفسه كالذي نفخ فيه؛ ولهذا قال النبي ﷺ للذي رآه وقد استطار غضبا: (نفخ فيه الشيطان).

стр. 210

وأما النفث فقد فسر في الحديث أنه الشعر قيل: وإنما سمي الشعر نفثا؛ لأنه كالشيء ينفثه الإنسان من فيه كالرقية، قلت: إن كان هذا التفسير من متن الحديث، فلا معدل عنه، وإن كان من قول بعض الرواة، قلنا أن نقول: لعل المراد منه السحر؛ فإنه أشبه لما شهد له التنزيل، قال الله تعالى: ﴿ومن شر النفاثات في العقد﴾. وأما همزه، فقد ذكر أيضا في الحديث أنه الموتة، قال أبو عبيد: والموتة: الجنون؛ سماه همزا، لأنه جعله من النخس والغمز، وكل شيء دفعته فقد همزته، قلت: ولو صح أن التفسير من المتن فلا محيد عنه ولا مزيد عليه وإلا فالأشبه أن همزه ما يوسوس به، قال الله تعالى: ﴿وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين﴾. وهمزاته: خطراته التي يخطرها بقلب الإنسان، وهي جمع المرة من الهمز، وقد قيل: في معنى الآية أن الشياطين يحثون أولياءهم على المعاصي، ويغرونهم عليها كما يهمز الراضة الدواب بالمهماز حثا لها على المشي. [٥٥٠] ومنه: حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من صلى صلاة ولم يقرأ فيها

стр. 211

بأم القرآن فهي خداج) سميت الفاتحة أم القرآن لكونها مبدأ الكتاب يفتتح بها القرآن يبتدأ بها في الصلاة. قال الخليل: كل شيء ضم إليه سائر ما يليه يسمى أما. ولهذا الذي ذكرناه قال ابن عرفة: سميت أم القرآن وأم الكتاب؛ لأن السور تضاف إليها ولا تضاف هي إلى شيء من السور. وقوله: (فهي خداج): أي ناقصة، تقول العرب: خدجت الناقة إذا ألقت بولدها قبل أوان النتاج، وإن كان تام الخلق وأخدجته إذا ولدته ناقص الخلق، وإن كان تمام الحمل، فالخداج مصدر خدجت الناقة، أقيم المصدر مقام الفعل [٨٤/أ]، والمعنى فهي مخدجة أي ناقصة. وقال ابن الأنباري: فهي خداج، أي ذات خداج، وقد استدل بهذا الحديث من قال بوجوب قراءة فاتحة

стр. 212

الكتاب في الصلاة على سبيل التعيين، واستدل به أيضا من ذهب إلى خلاف ذلك، وقال إضافة النقصان إلى الصلاة التي لم يقرأ فيها بأم القرآن، دليل على أنها جائزة غير مضمحلة. وفيه: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين). قيل: أراد بالصلاة القراءة، وقد يسمى القراءة صلاة؛ لوقوعها في الصلاة وكونها جزءا من أجزائها قال الله تعالى: ﴿ولا تجهر بصلاتك﴾ قيل: بقراءتك، وقيل: إنه على سبيل الحذف والإضمار أي بقراءة صلاتك، وقد عرف المراد من هذا اللفظ في الحديث بما أردفه من التفسير والتفصيل. وقد علمنا بذلك أيضا أن المراد من القراءة قراءة فاتحة الكتاب. قوله نصفين، قيل فيه: حقيقة هذا التقسيم راجعة إلى المعنى لا إلى الألفاظ المتلوة؛ لأنا نجد الشطر الآخر يزيد على الشطر الأول من جهة الألفاظ والحروف زيادة بينة؛ فيصرف التنصيف إلى المعنى؛ لأن السورة من جهة المعنى نصفها ثناء ونصفها دعاء، وقسم الثناء ينتهي إلى قوله: ﴿إياك نعبد﴾ وباقي الآية من قسم المسألة؛ فلهذا قال: هذه الآية بيني وبين عبدي. وقد ذكر هذا الوجه أبو سليمان الخطابي. وهذا كما يقال: نصف السنة إقامة، ونصفها سفر، يراد به انقسام أيام السنة مدة للسفر ومدة للإقامة لا على سبيل التعديل والتسوية بينهما حتى يكونا سواء لا يزيد أحدهما على الآخر. قلت: والأظهر أن التنصيف منصرف إلى آيات السورة؛ وذلك أنها سبع آيات: فثلاث منها ثناء وثلاث مسألة، والآية المتوسطة بين آيات الثناء وآيات المسألة، نصفها ثناء ونصفها دعاء. وهذا التأويل إنما يستقيم على مذهب من لم يجعل التسمية آية من الفاتحة، فأما من عد التسمية آية منها؛ فلا يستصوب هذا التأويل، وهو بين واضح والحديث يحكم على من خالفه. قلت: يحتمل أن يقال: إن المراد من الصلاة في هذا الحديث الدعاء، ثم بين حقيقة القسمة بهذه الصورة المشتملة على طرفي الثناء والمسألة، لا يتعدى الدعاء عن هذين القسمين. [٥٥٩] ومنه: حديث جابر- ﵁ كان معاذ بن جبل- ﵁ يصلي مع النبي ﷺ ... الحديث. الرجل الذي كان يصلي خلف معاذ فانحرف هو حزام بن أبي كعب [٨٤/ب] الأنصاري السلمي ... الأنصاري السلمي- ﵁، ويقال حزم بن أبي كعب. وفيه: (أفتان أنت يا معاذ)؟! استفهام على وجه التوبيخ؛ ينبه على كراهة صنيع معاذ وهو إطالة الصلاة؛ لأن طول الصلاة كان الباعث للرجل على مفارقة الإمام، وترك الجماعة، فافتتن به. وقد كان ﷺ يسمع بكاء

стр. 213

الصبي، فيخفف مخافة أن يفتن أمه، فإن قيل: إضافة معاذ النفاق إلى رجل من الصحابة لم يعرف منه قط، أطم وأعظم من صنيعه ذلك فلم جعلت علة التوبيخ إطالة الصلاة دون قوله ذلك. قلت: لأن النبي ﷺ أنكر عليه إطالة الصلاة دون قوله، وبين ذلك في بعض طرق هذا الحديث: أفتان أنت يا معاذ؟! ألا قرأت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها. وإنما لم يتعرض لقوله ذلك، ولم يوبخه عليه؛ لأن الصلابة في الدين تحمل على ذلك القول، بعد أن رأى التشابه بين صنيع الرجل وصنيع المنافقين، فعذره فيه ولم يعذره في إطالة الصلاة؛ لأنه ﷺ بين لهم معالم الدين وعلمهم كيفية إقام الصلاة، وأمرهم بالاقتداء به، ولم يكن فيما شرع لهم أن يصلي الرجل بالقوم على وجه يفضي بهم إلى ترك الجماعة، وقول معاذ للرجل إنه منافق نظير قول عمر- ﵁ لحاطب بن أبي بلتعة لما كاتب المشركين بمكة: إنه منافق، فقال ﷺ : (كلا إنه من أهل بدر ...) الحديث. ولم ينه عمر- ﵁ عن مقالته تلك، ولم يؤنبه عليها، فكأنه عذره؛ من حيث وجد صنيع حاطب شبيه صنيع المنافقين. وفيه (نقى بنواضحنا)، الناضح: البعير يستقى عليه، والأنثى ناضحة وسانية، والنضاح الذي يسوق السانية. وفيه (فتجوزت)، تجوز في صلاته خفف بها وأسرع بها، وهو من الجوز الذي بمعنى القطع. وأما قولهم: تجوز في كلامه أي تكلم بالمجاز؛ فالتجوز في الكلام غير التجوز في الصلاة؛ لافتراق المأخذين.

стр. 214

[٥٦٤ - ٥٦٩] ومنه: حديث أبي هريرة- ﵁: (كان النبي ﷺ يقرأ في الفجر يوم الجمعة بـ ﴿آلم* تنزيل﴾ في الركعة الأولى، وفي الثانية ﴿هل أتى﴾. قلت: قوله: (كان) لا يقتضي أنه كان يقرأ بهما في صلاة الفجر من يوم الجمعة على الدوام والاستمرار؛ وإنما الوجه أن يقال: كان يقرأ بهما وقتا دون وقت أو كان يقرأ بهما على الأغلب من أحواله. وعلى هذا الوجه يفسر حديث أبي واقد الليثي- ﵁: (سأل عمر بن الخطاب- ﵁ أبا واقد الليثي: ما كان يقرأ ٨٥/أرسول الله ﷺ في الأضحى والفطر؟ .. الحديث)؛ لئلا يقع التضاد بينه وبين حديث النعمان بن بشير- ﵁: (كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ و ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ وبين حديث النعمان وحديث بن عباس وأبي هريرة- ﵃: كان رسول الله ﷺ يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين. وعلى هذا الوجه يأول حديث ابن عباس: (كان يقرأ في ركعة الفجر ﴿قولوا آمنا﴾ ... الحديث) وحديث أبي هريرة قرأ رسول الله ﷺ في ركعتي الفجر: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾، ﴿قل هو الله أحد﴾.

стр. 215

(ومن الحسان) [٥٧٠] حديث ابن عباس- ﵁: (كان النبي ﷺ يفتتح صلاته بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾). إن سأل سائل عن هذا الحديث ووجه التوفيق بينه وبين حديث عائشة- ﵂: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بـ ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ قلنا: حديث ابن عباس- ﵁ لايعدل بحديث عائشة- ﵂؛ لما في إسناده من الوهن، تفرد أبو عيسى بإخراجه عن أحمد بن عبدة عن المعتمر عن إسماعيل بن حماد أبي سليمان، وهو مجهول ولو ثبت فلا تنافى بين الحديثين؛ فيكون ابن عباس حدث بما علم من افتتاح النبي ﷺ بالتسمية، وعائشة حدثت بما سمعت من افتتاحه بالقراءة حالة الجهر. [٥٧٢] ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي زهير النميري- ﵁: (أوجب أي: أوجب لنفسه الجنة أو المغفرة أو الإجابة فيما سأل). [٥٧٣] ومنه: حديث عائشة- ﵂: (أن النبي ﷺ قرأ في صلاة المغرب بسورة الأعراف). وكذلك رواه زيد بن ثابت- ﵁. ووجه هذا الحديث، أن نقول: أن النبي ﷺ لم يزل يبين للناس معالم دينهم بيانا يعرف به الأتم
следующие страницы →