Полный текст (1 323 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
بأم القرآن فهي خداج) سميت الفاتحة أم القرآن لكونها مبدأ الكتاب يفتتح بها القرآن يبتدأ بها في الصلاة.
قال الخليل: كل شيء ضم إليه سائر ما يليه يسمى أما.
ولهذا الذي ذكرناه قال ابن عرفة: سميت أم القرآن وأم الكتاب؛ لأن السور تضاف إليها ولا تضاف هي إلى شيء من السور.
وقوله: (فهي خداج): أي ناقصة، تقول العرب: خدجت الناقة إذا ألقت بولدها قبل أوان النتاج، وإن كان تام الخلق وأخدجته إذا ولدته ناقص الخلق، وإن كان تمام الحمل، فالخداج مصدر خدجت الناقة، أقيم المصدر مقام الفعل [٨٤/أ]، والمعنى فهي مخدجة أي ناقصة.
وقال ابن الأنباري: فهي خداج، أي ذات خداج، وقد استدل بهذا الحديث من قال بوجوب قراءة فاتحة
стр. 212
الكتاب في الصلاة على سبيل التعيين، واستدل به أيضا من ذهب إلى خلاف ذلك، وقال إضافة النقصان إلى الصلاة التي لم يقرأ فيها بأم القرآن، دليل على أنها جائزة غير مضمحلة.
وفيه: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين). قيل: أراد بالصلاة القراءة، وقد يسمى القراءة صلاة؛ لوقوعها في الصلاة وكونها جزءا من أجزائها قال الله تعالى: ﴿ولا تجهر بصلاتك﴾ قيل: بقراءتك، وقيل: إنه على سبيل الحذف والإضمار أي بقراءة صلاتك، وقد عرف المراد من هذا اللفظ في الحديث بما أردفه من التفسير والتفصيل.
وقد علمنا بذلك أيضا أن المراد من القراءة قراءة فاتحة الكتاب. قوله نصفين، قيل فيه: حقيقة هذا التقسيم راجعة إلى المعنى لا إلى الألفاظ المتلوة؛ لأنا نجد الشطر الآخر يزيد على الشطر الأول من جهة الألفاظ والحروف زيادة بينة؛ فيصرف التنصيف إلى المعنى؛ لأن السورة من جهة المعنى نصفها ثناء ونصفها دعاء، وقسم الثناء ينتهي إلى قوله: ﴿إياك نعبد﴾ وباقي الآية من قسم المسألة؛ فلهذا قال: هذه الآية بيني وبين عبدي.
وقد ذكر هذا الوجه أبو سليمان الخطابي. وهذا كما يقال: نصف السنة إقامة، ونصفها سفر، يراد به انقسام أيام السنة مدة للسفر ومدة للإقامة لا على سبيل التعديل والتسوية بينهما حتى يكونا سواء لا يزيد أحدهما على الآخر.
قلت: والأظهر أن التنصيف منصرف إلى آيات السورة؛ وذلك أنها سبع آيات: فثلاث منها ثناء وثلاث مسألة، والآية المتوسطة بين آيات الثناء وآيات المسألة، نصفها ثناء ونصفها دعاء. وهذا التأويل إنما يستقيم على مذهب من لم يجعل التسمية آية من الفاتحة، فأما من عد التسمية آية منها؛ فلا يستصوب هذا التأويل، وهو بين واضح والحديث يحكم على من خالفه.
قلت: يحتمل أن يقال: إن المراد من الصلاة في هذا الحديث الدعاء، ثم بين حقيقة القسمة بهذه الصورة المشتملة على طرفي الثناء والمسألة، لا يتعدى الدعاء عن هذين القسمين.
[٥٥٩] ومنه: حديث جابر- ﵁ كان معاذ بن جبل- ﵁ يصلي مع النبي ﷺ ... الحديث. الرجل الذي كان يصلي خلف معاذ فانحرف هو حزام بن أبي كعب [٨٤/ب] الأنصاري السلمي ... الأنصاري السلمي- ﵁، ويقال حزم بن أبي كعب.
وفيه: (أفتان أنت يا معاذ)؟! استفهام على وجه التوبيخ؛ ينبه على كراهة صنيع معاذ وهو إطالة الصلاة؛ لأن طول الصلاة كان الباعث للرجل على مفارقة الإمام، وترك الجماعة، فافتتن به. وقد كان ﷺ يسمع بكاء
стр. 213
الصبي، فيخفف مخافة أن يفتن أمه، فإن قيل: إضافة معاذ النفاق إلى رجل من الصحابة لم يعرف منه قط، أطم وأعظم من صنيعه ذلك فلم جعلت علة التوبيخ إطالة الصلاة دون قوله ذلك.
قلت: لأن النبي ﷺ أنكر عليه إطالة الصلاة دون قوله، وبين ذلك في بعض طرق هذا الحديث: أفتان أنت يا معاذ؟! ألا قرأت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها.
وإنما لم يتعرض لقوله ذلك، ولم يوبخه عليه؛ لأن الصلابة في الدين تحمل على ذلك القول، بعد أن رأى التشابه بين صنيع الرجل وصنيع المنافقين، فعذره فيه ولم يعذره في إطالة الصلاة؛ لأنه ﷺ بين لهم معالم الدين وعلمهم كيفية إقام الصلاة، وأمرهم بالاقتداء به، ولم يكن فيما شرع لهم أن يصلي الرجل بالقوم على وجه يفضي بهم إلى ترك الجماعة، وقول معاذ للرجل إنه منافق نظير قول عمر- ﵁ لحاطب بن أبي بلتعة لما كاتب المشركين بمكة: إنه منافق، فقال ﷺ : (كلا إنه من أهل بدر ...) الحديث. ولم ينه عمر- ﵁ عن مقالته تلك، ولم يؤنبه عليها، فكأنه عذره؛ من حيث وجد صنيع حاطب شبيه صنيع المنافقين.
وفيه (نقى بنواضحنا)، الناضح: البعير يستقى عليه، والأنثى ناضحة وسانية، والنضاح الذي يسوق السانية.
وفيه (فتجوزت)، تجوز في صلاته خفف بها وأسرع بها، وهو من الجوز الذي بمعنى القطع.
وأما قولهم: تجوز في كلامه أي تكلم بالمجاز؛ فالتجوز في الكلام غير التجوز في الصلاة؛ لافتراق المأخذين.
стр. 214
[٥٦٤ - ٥٦٩] ومنه: حديث أبي هريرة- ﵁: (كان النبي ﷺ يقرأ في الفجر يوم الجمعة بـ ﴿آلم* تنزيل﴾ في الركعة الأولى، وفي الثانية ﴿هل أتى﴾.
قلت: قوله: (كان) لا يقتضي أنه كان يقرأ بهما في صلاة الفجر من يوم الجمعة على الدوام والاستمرار؛ وإنما الوجه أن يقال: كان يقرأ بهما وقتا دون وقت أو كان يقرأ بهما على الأغلب من أحواله.
وعلى هذا الوجه يفسر حديث أبي واقد الليثي- ﵁: (سأل عمر بن الخطاب- ﵁ أبا واقد الليثي: ما كان يقرأ ٨٥/أرسول الله ﷺ في الأضحى والفطر؟ .. الحديث)؛ لئلا يقع التضاد بينه وبين حديث النعمان بن بشير- ﵁: (كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ و ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ وبين حديث النعمان وحديث بن عباس وأبي هريرة- ﵃: كان رسول الله ﷺ يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين. وعلى هذا الوجه يأول حديث ابن عباس: (كان يقرأ في ركعة الفجر ﴿قولوا آمنا﴾ ... الحديث) وحديث أبي هريرة قرأ رسول الله ﷺ في ركعتي الفجر: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾، ﴿قل هو الله أحد﴾.
стр. 215
(ومن الحسان)
[٥٧٠] حديث ابن عباس- ﵁: (كان النبي ﷺ يفتتح صلاته بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾).
إن سأل سائل عن هذا الحديث ووجه التوفيق بينه وبين حديث عائشة- ﵂: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بـ ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ قلنا: حديث ابن عباس- ﵁ لايعدل بحديث عائشة- ﵂؛ لما في إسناده من الوهن، تفرد أبو عيسى بإخراجه عن أحمد بن عبدة عن المعتمر عن إسماعيل بن حماد أبي سليمان، وهو مجهول ولو ثبت فلا تنافى بين الحديثين؛ فيكون ابن عباس حدث بما علم من افتتاح النبي ﷺ بالتسمية، وعائشة حدثت بما سمعت من افتتاحه بالقراءة حالة الجهر.
[٥٧٢] ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي زهير النميري- ﵁: (أوجب أي: أوجب لنفسه الجنة أو المغفرة أو الإجابة فيما سأل).
[٥٧٣] ومنه: حديث عائشة- ﵂: (أن النبي ﷺ قرأ في صلاة المغرب بسورة الأعراف). وكذلك رواه زيد بن ثابت- ﵁.
ووجه هذا الحديث، أن نقول: أن النبي ﷺ لم يزل يبين للناس معالم دينهم بيانا يعرف به الأتم
стр. 216
والأكمل والأدنى والأفضل، ويفصل تارة بقوله وتارة بفعله ما يجوز عما لا يجوز. ولما كانت صلاة المغرب أضيق الصلوات وقتا؛ اختار فيها التجوز والتخفيف ثم رأى أن يصليها في الندرة على ما ذكر في الحديث؛ ليعرفهم أن أداء تلك الصلاة على تلك الصيغة جائز، وإن كان الفضل في التجوز فيها، ويبين لهم أن وقت المغرب يتسع لهذا القدر من القراءة.
[٥٧٤] ومنه: قوله ﷺ في حديث عقبة بن عامر- ﵁: (ألا أعلمك خير سورتين قرأئتا)؟ قلت: القرآن كله خير، ولا يأتي إلا بخير؛ وإنما أشار ﷺ بقوله هذا إلى الخيرية في الحالة التي كان عليها عقبة، وذلك أنه كان في سفر وقد أظلم عليه [٨٥/ب] الليل ورآه مفتقرا إلى تعلم ما يدفع به شر الليل وشر ما أظلم عليه الليل ولم ير له ما يستفيد به ويسهل عليه تعلمه في الزمان اليسير كهاتين لما فيهما من وجازة اللفظ والاشتمال على المعنى الجامع من سهولة حفظهما فلم يفهم هو المعنى الذي أراده رسول الله ﷺ ون أن الخيرية إنما تقع على مقدار طول السورة وقصرها؛ يدل عليه قوله (فلم يرني سررت بهما جدا) ثم إنه ﷺ صلى بهما الصبح ليعرفه أن قراءتهما في الحال المنصوص عليها والزمان المشار إليه أمثل وأولى من قراءة غيرهما وبين له أنهما يسدان مسد الطوليين.
[٥٧٧] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ (ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان) قيل المعنى بفلان هو عمر بن عبد العزيز ولم يبلغني ذلك من طريق يعتمد عليه وقد ذكر مثل هذا الحديث عن أنس فذكر ابن أسلم- وهو الراوي- عن أنس أن الإمام الذي ذكره هو عمر بن عبد العزيز.
стр. 217
[٥٨٢] ومنه: حديث عبد الله بن أبي أوفى- ﵁ (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا ... الحديث) معنى قوله هذا: أي لا أستطيع أن آخذ من القرآن حزبا أتقرب بتأويله إلى الله في آناء الليل وأطراف النهار ولم يرد به القدر الذي يصح به الصلاة؛ لأن من المستبعد أن يعجز العربي المتكلم بمثل هذا الكلام عن تعلم مقدار ما يصح به الصلاة كل العجز، وأنى كان رسول الله ﷺ يرخص له في الاكتفاء بالتسبيح على الإطلاق من غير أن يبين ما له وعليه، ولو كان الأمر على ما يقتضيه ظاهر اللفظ لعلمه الآية والآيتان مكان هذا القول ولو قدر مقدر أن الرجل أدركته الفريضة
стр. 218
ولم يتسع له الوقت أن يتعلم ما يجزئه فأمره بذلك فالجواب أن لو كان الأمر على ذلك لأعلمه النبي ﷺ بما يلزمه بعد ذلك إذ لا يجوز عليه أن يسكت عن البيان عند الحاجة إليه.
[٥٨٣] ومنه: حديث ابن عباس- ﵁ (أن النبي ﷺ كان إذا قرأ سبح اسم ربك الأعلى، قال سبحان ربي الأعلى) فحمل هذا الحديث وما يتلوه إلى آخر الباب عندنا؛ أن يكون ذلك في القراءة في غير الصلاة ومن جملة المحذور فيه أن الصلاة يحضرها الأمي والأعجمي والجاهل بأحكام الشرع، وإذا سمع أحد منهم شيئا من ذلك ظن أنه من كتاب الله أو توهم أن رد القول فيما سوى ذلك جائز في الصلاة وكفى بهذا مانعا. ولو كان النبي ﷺ فاعلا [٨٦/أ] ذلك في الصلاة لبينة الراوي ولنقله غيره من الصحابة مع شدة حرصهم على الأخذ منه والتبليغ عنه وقد كان فيهم من هو ألزم لرسول الله ﷺ منه وأقدم صحبة، ولم ينقل عن أحد منهم ذلك.
ولو زعم زاعم أنه في الصلاة ذهابا إلى ظاهر الحديث؛؟ قلنا: يحتمل ذلك في غير الفرائض على ما في حديث حذيفة فيما حدث به عن صلاته مع النبي ﷺ بالليل وما أتى على آية رحمة إلا وقف وسأل، وما أتى على آية عذاب إلا وقف وتعوذ. ولم ينقل شيء من ذلك فيما جهر به من الفرائض مع كثرة من حضرها والله أعلم.
стр. 219
ومن باب الركوع
(من الصحاح)
[٥٨٨] حديث أنس- ﵁ (كان النبي ﷺ إذا قال سمع الله لمن حمده قام حتى نقول قد أوهم) ينصب الفعل المستقبل بحتى وهو أكثر كلام العرب ومنهم من لا يعمل حتى إذا حسن فعل في موضع يفعل كما يحسن في هذا الحديث حتى قلنا قد أوهم، وأكثر الرواة على ما علمنا يروونه بالنصب وكان تركه من طريق المعنى أتم وأبلغ. والمعنى: حتى كنا نقول. وذلك أوهم: أي أسقط من صلاته شيئا، وقد فسره بعضهم على معنى النسيان ولم يرد أوهم بمعنى نسى إلا أن يأوله هذا القائل على النسيان من حيث إن إسقاط ركعة من الصلاة إنما يكون بعد النسيان. ولو قيل وهم لصح أن يفسر بالنسيان والرواية تأبى ذلك؛ تقول وهمت في الحساب أوهم وهما بتحريك الهاء إذا غلطت فيه وسهوت، وهمت في الشيء أهم وهما بسكون الهاء إذا ذهب وهمك إليه وأنت تريد غيره، وأوهمت الشيء إذا تركته كله يقال أوهم من الحسان مائة أي أسقط وأوهم من صلاته ركعة، والمعنى أنه كان يلبث في حال الاستواء من الركوع زمانا يظن أنه أسقط الركعة التي ركعها وعاد إلى ما كان عليه من القيام.
[٥٩٠] ومنه: حديث عائشة- ﵂ أن رسول الله ﷺ (كان يقول في ركوعه وسجوده سبوح قدوس) السبوح المنزه عن كل عيب، جاء بلفظ فعول من سبحت الله تعالى أي نزهته والقدوس الطاهر من كل عيب البليغ في النزاهة عن كل ما يستقبح، وتفتح منه القاف وهو القياس في الأسماء كالسفود والكلوب ونحوهما ولم يأت من الأسماء على هذا الوزن بضم الأول إلا سبوح قدوس.
وفيه (رب الملائكة والروح) قيل الروح جبريل خص بالذكر تفضيلا على سائر الملائكة وقيل الروح صنف من الملائكة. قلت ويحتمل أنه أراد به الروح الذي به قوام [٨٦/ب] كل حي غير أنا إذا اعتبرنا النظائر من التنزيل لقوله سبحانه ﴿يوم يقوم الروح والملائكة﴾ وقوله ﴿تنزل الملائكة والروح فيها﴾ فالوجهان المبدوء بهما أشبه بنظم الكتاب وأحق بالاختيار.
стр. 220
[٥٩١] ومنه: حديث ابن عباس- ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (ألا إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا ... الحديث).
قلت هذا الحديث من جملة ما انتهى إلى الأمة من كلام النبوة في آخر عهده ﷺ دون اقتراب زمان انقطاع الوحي، رواه النسائي في كتابه عن ابن عباس وفي روايته (كشف النبي ﷺ الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر فقال: (أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو يرى له) ثم قال (ألا إني نهيت أن أقرأ راكعا أو ساجدا؟؟؟ الحديث) والذي يلوح لنا من هذا الحديث ويهتدى إليه من علة النهي عن القراءة في حالتي الركوع والسجود- سوى التعبد الذي هو حظ كل مكلف من الشرع- هو أن النبي ﷺ نبأ الأمة عن انقطاع الوحي بوفاته وعزاهم عن مبشرات النبوة ثم نبههم على جلالة قدر ما هو تارك فيهم من الوحي المنزل- وهو الكتاب العزيز الذي لم يؤت نبي مثله- بقرينة مستكنة في صيغة النهي، وذلك أن الركوع والسجود من سمات الخضوع وأمارات التذلل من العباد لجلال وجه الله الكريم فنهى أن يقرأ الكتاب الكريم الذي عظم شأنه وارتفع محله دون هيئة موضوعة للخضوع والتذلل ليتبين لأولي العلم معنى الكتاب العزيز وينكشف لذوي البصائر حقيقة القرآن الكريم، وإنما تأخر النهي إلى آخر عهد الرسالة ليكون مورده على تمام النعمة بمواقع النجوم واستيفاء أنصبة القرب باطلاعه ﷺ على مطالع الوحي ومقاطعه.
وفيه (فقمن) أي خليق جدير، يقال أنت قمن بفتح الميم أن تفعل كذا ولا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث فإن كسرت الميم أو قلت قمين ثنيت وجمعت.
[٥٩٣] ومنه: حديث عبد الله بن أبي أوفى- ﵁ (كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال سمع الله لمن حمده) معنى قوله: (سمع الله لمن حمده) أي تقبل الله منه حمده وأجابه يقال اسمع دعائي أي أجب، وضع السمع موضع القبول والإجابة للاشتراك الذي بين القول والسمع والغرض من الدعاء هو القبول والإجابة.
وفيه (ملء ما شيءت من شيء بعد) قوله هذا مشير إلى الاعتراف بالعجز عن أداء حق الحمد بعد استفراغ المجهود فيه فإنه ﷺ حمده ملئ السموات والأرض [٨٧/أ] وهذه نهاية أقدام السابقين.
стр. 221
قال الخطابي: هذا كلام تمثيل وتقريب والكلام لا يقدر بالمكاييل ولا تسعه الأوعية، وإنما المراد منه تكثير العدد حتى لو يقدر أن تكون تلك الكلمات أجساما تملأ الأماكن لبلغت من كثرتها ما يملأ السموات والأرضين، وذكر فيه وجهين آخرين لا يبلغان مبلغ هذا الوجه في استقامته قلت ثم إن النبي ﷺ عرف أن حمد الله أعز من أن يعتوره الحسبان أو يكشفه الزمان والمكان فأحال الأمر فيه على المشيئة وليس وراء ذلك للجهد منتهى، ولم ينته أحد من خلق الله في الحمد مبلغه ومنتهاه، ولهذه الرتبة استحق أن يسمى أحمد؛ لأنه كان أحمد ممن سواه.
[٥٩٤] ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري- ﵁ (ولا ينفع ذا الجد منك الجد)
стр. 222
أي لا ينفع ذا الغنى منك غناه وإنما ينفعه العمل بطاعتك وعلى هذا فمعنى: منك: عندك، ويحتمل وجها آخر أي لا يسلمه من عذابك غناه.
ومن باب السجود وفضله
(من الصحاح)
[٦٠١] قوله ﷺ في حديث أنس- ﵁ (لا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب) وجدت كثيرا من الناس يغلطون فيه فيروونه على زنة الافتعال ووجدناه مقيدا كذلك في أكثر نسخ المصابيح وهو خطأ يخالف الرواية واللهجة العربية وإنما هو على زنة الانفعال خرج بالمصدر إلى غير لفظه أي لا تبسطهما فتنبسط انبساط الكلب.
[٦٠٣] ومنه: حديث ميمونة- ﵂ في حديثها (لو أن بهمة) البهمة وهي جمع بهم أولاد الضأن وجمع البهم بهام والبهم اسم للمذكر والمؤنث.
стр. 223
[٦٠٦] ومنه: حديث عائشة- ﵂ (فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش ... الحديث) تكلم أبو سليم الخطابي على هذا الحديث فأعدنا كلامه ولم نزد عليه، فقال: إنه استعاذ بالله وسأله أن يجيره برضاه من سخطه وبمعافاته من عقوبته، والرضا والسخط ضدان متقابلان وكذلك المعافاة والمؤاخذة بالعقوبة، فلما صار إلى ذكر ما لا حد له وهو الله سبحانه؛ استعاذ به منه لا غير، ومعنى ذلك الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب من حق عبادته والثناء عليه. وفيه (لا أحصي ثناء عليك) أي لا أطيقه ولا أبلغه.
(ومن الحسان)
[٦١٢] حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك
стр. 224
البعير)، لم ير أكثر العلماء العمل بهذا الحديث لمخالفته حديث وائل بن حجر الذي قبل هذا الحديث وهو أثبت عندهم من حديث أبي هريرة- ﵁. والحديثان [٨٧/ب] إذا اختلفا اختلاف تضاد فالسبيل أن نأخذ بالأقوى منهما مع أن جمعا من أهل الرواية رووا عن أبي هريرة- ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا سجد بدأ بركبتيه قبل يديه والذي ذكره المؤلف من النسخ؛ فقد ذكر عن بعض العلماء، وإنما ذهب إلى ذلك؛ لحديث مصعب بن سعد بن أبي وقاص (كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا أن نضع الركبتين قبل اليدين)؛ قلت: وهذا الحديث ليس من قبيل ما يصح الاحتجاج به في باب النسخ بل المعول في ذلك على أن حديث وائل أثبت من حديث أبي هريرة- ﵁ الذي أشرنا إليه لو ثبت لصح أن يجعل ناسخا لحديثه الآخر.
стр. 225
وحديث مصعب يأوله من أبى النسخ على أنهم كانوا يضعون الأيدي قبل الركب من غير أن يأمروا به؛ فأمروا بوضع الركب قبل الأيدي، وقد يسأل عن حديث أبي هريرة- ﵁ فيقال كيف نهى عن بروك البعير ثم أمر بوضع اليدين قبل الركبتين والبعير يضع يديه قبل البروك؛ فالجواب أن الركبة من الإنسان في الرجلين ومن ذوات الأربع في اليدين، فالإنسان إذا وضع ركبتيه قبل يديه كان كالبعير الذي يبرك على ركبتيه.
ومن باب التشهد
(من الصحاح)
[٦١٧] حديث عبد الله بن مسعود- ﵁ (كنا إذا صلينا مع النبي ﷺ قلنا السلام على الله قبل عباده ... الحديث) السلام بمعنى السلامة، ومنه دار السلام وهما مصدران كالمقام والمقامة، والسلام اسم
стр. 226
من أسماء الله. قال بعض أهل العلم أي ذو السلام لأنه هو الذي سلم من كل عيب وآفة ونقص وفناء وأتى بنظائره من كلامهم كقولهم رجل مال أي ذو مال.
قلت وأرى بين الصيغتين بونا وهو أن السلام صفة ذات ولا كذلك رجل مال، وأية حاجة بنا إلى هذا التقدير وقد وجدنا العرب يضعون المصادر موضع الأسماء ويصفون بها، لاسيما إذا أرادوا المبالغة فإنه هو السلام وصف مبالغة في وصف كونه سليما من النقائص أو في إعطائه السلامة.
وقد اختلف الأقاويل في معنى قولنا (السلام عليك) فمن قائل إن معناه الإعلام لصاحبه بالسلامة من ناحيته والأمن من شره وغائلته، ومن قائل إن معناه الدعاء أي سلمت من المكاره، ومن قائل: إن معناه اسم السلام عليك كأنه تبرك عليه باسم الله.
قلت وأمثل هذه الوجوه الثلاثة أن يحمل (٨٨/أ) كل على معنى الدعاء؛ لأنا إذا ذكرنا السلام لم يكن لنا أن نذهب إلى أن معناه اسم الله عليك، وبالتنكير ورد التنزيل؛ قال الله سبحانه ﴿وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا﴾ وإذا قلنا: السلام علينا أو سلمنا به على بعض الأموات لم يكن لنا أن نذهب إلى أن المراد منه هو الإعلام بالسلامة؛ فإن ذلك إنما يصح في حق الغير من الأحياء، فالوجه فيه أن نقول هو دعاء بالسلامة لصاحبه من آفات الدنيا ومن عذاب الآخرة، وضعه الشارع موضع التحية والبشرى بالسلامة وأمارة للسلم بين الداعي والمدعو له؛ ثم إنه اختار لفظ السلام وجعله تحية لأهل ملته لما فيه من المعاني ولأنه مطابق للسلام الذي هو اسم من أسماء الله تيمنا به وتبركا.
وفيه (لا تقولوا السلام على الله فإن الله هو السلام) وجه النهي بين ظاهر؛ وذلك لأن الله هو المرجوع إليه بالمسائل المتوسل إليه بالدعاء المتعالي عن المعاني التي ذكرناها في التسليم فأنى يدعى له وهو
стр. 227
المدعو على الحالات، وكيف يتقرب إليه بما هو المسئول عنه على العلات، ولأي معنى يطلق عليه ما يستدعيه حاجة المفطورين وتقتضيه نقائص المربوبين.
وفي قوله (فإن الله هو السلام) تعليل للنهي أي هو الذي يعطي السلامة ويقررها وإليه المرجع في ذلك فنزهوه عن نعت هو الغني عنه ونحن الفقراء إليه.
وفيه (التحيات لله) قيل: أي الملك لله، والتحية: الملك، قال الشاعر:
ونال التحية من نالها
وإنما قيل للملك التحية؛ لأنهم كانوا يخصون الملوك بتحية مخصوصة بهم كقولهم أبيت اللعن واسلم وأنعم، فلما كان الملك موجبا للتحية المخصوصة المذكورة على نعت التعظيم سمي بها وإنما جمعت على إرادة الاستيعاب لجماع الممالك وسائر النعوت المشعرة بالعظم والجلال وليس المراد منها الألفاظ التي كانوا يخاطبون بها الملوك بعينها؛ لأن فيها ما لا يصح إطلاقا على الله كقولهم: عش ألف سنة واسلم وانعم، بل المراد منها المعاني التي ذكرنا وهذا المذكور زبدة ما أورده أصحاب الغريب في بيانه، ولا مسلك- في إيضاح معناها مع وجازة اللفظ - أقوم من هذا.
وقد ذكر أبو عبيد الهروي عن ابن الأنباري وجهين آخرين لا يعتد بهما من تدبرهما:
أحدهما: قوله (التحيات لله) أي البقاء لله يقال حياك الله أي أبقاك. قلت: وهذا لو كان التحية مكان التحيات، فأما تأويل التحيات على معنى البقاء [٨٨/ب] فإن الجمع يخلو إذا عن الفائدة ثم إن بقاء الله سبحانه ديمومي سرمدي لا يعتوره الأزمنة والساعات ولا يطلق عليه الجمع والتثنية.
والثاني: قوله التحيات لله أي السلام على الله، وهذا قول مردود عليه بقول النبي ﷺ في أول هذا الحديث لا تقولوا السلام على الله.
وفيه و (الصلوات) قيل: أي الترحم لله وفائدة الجمع في هذا التفسير أيضا غير مرعية وإنما معناها- والله أعلم- العبادات لله أي هو المستحق لسائر العبادات التي تعظم بها المعبود ويتقرب بها إليه على تنوعها وتباين أوصافها.
وفيه و (الطيبات) أي الكلمات المحتويات على بيان التقديس والتنزيه وحسن الثناء على الله. وقيل الطيبات من القول مصروفات إلى الله.
وفيه (السلام علينا) أي اسم الله علينا، أو السلامة وهي التخلص من الآفات وذلك أشبه؛ لأنهم كانوا يحيون به قبل الإسلام علامة للمسالمة، وكانوا يحيون أيضا بغير السلام، بل كان السلام أقل وغيره الأكثر والأغلب فلما جاء بالسلام قصروا عليه ومنعوا مما سواه من تحايا الجاهلية؛ لاشتماله على المعاني التي ذكرناها. وإيراده على صيغة التعريف أتم لفظا وأبلغ معنى، ويؤيد ذلك قوله ﷺ في هذا الحديث (السلام
стр. 228
عليك)، (السلام علينا) ثم إن التشهد وإن اختلف في بعض ألفاظه عن جمع من الصحابة فإن أصحه إسنادا وأشهره رجالا وأكثره اختيارا من العلماء تشهد ابن مسعود- ﵁ ثم إن في سائر روايات التشهد المعتد بها السلام بالألف واللام كما في رواية عبد الله بن عباس- ﵁ وذلك في الحديث الذي يتلو هذا الحديث وهو أيضا حديث صحيح، فإن قيل كل ما ورد به التنزيل فهو على نعت التمام والبلاغة، لا ترجيح لبعضه على بعض، وقد ورد بهما التنزيل في قصة يحيى وقصة عيسى- ﵉؛ فالجواب أن الأظهر أنهما في التنزيل على معنى الإخبار أي سلمني الله من الآفات حيا وميتا، لا على معنى التحية، ويبعد أيضا أن يكون على معنى الدعاء لقوله (يوم ولد) والذي (...) إنما تحقق في الحالة المرجوة دون الواقعة الماضية ولو قدر أن يكون دعاء أو تحية لكان لنا أن نقول: قول عيسى- ﵇ أتم وأبلغ لاحتوائه على المعاني التي ذكرناها وخلو الآخر عن أكثرها.
وبعد فهذه كلمات علمية وقعت في الذهن فأحببت إيرادها نظرا إلى اختيار أبلغ اللفظين وأتم الروايتين فمن حمله على العصبية التي ابتلي بها القاصرون من أهل المذاهب فالله بيني وبينه وهو حسبي ونعم الحسيب.
[٦٢٣] ومنه: (٨٩/أ) قول ابن مسعود- ﵁ (كان رسول الله ﷺ في الركعتين الأوليين كأنه على الرضف). المراد من الركعتين الأوليين الأولى والثالثة من كل صلاة رباعية فهما الأوليان من كل ركعتين يقع الفاصل بينهما بالتشهد أي لم يكن يلبث إذا رفع رأسه من السجود في هاتين الركعتين حتى ينهض قائما وإنما ذكر ذلك الصحابي في الرباعية ما يكون ركعتين أو ثلاثا اكتفاء بذكر الأولى من كل ركعتين والرضف الحجارة المحماة يوغر بها اللبن واحدها رضفة وإنما ذكر الرضف للمبالغة في الاستيفاء ولأن أحدا لا يكاد يتلبث على الرضف.
стр. 229
ومن باب الصلاة على النبي ﷺ -
(من الحسان)
[٦٣١] حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ (لا تجعلوا قبري عيدا ... الحديث) إذا فسرنا العيد في هذا الحديث على معنى واحد الأعياد؛ ففي الكلام حذف أي لا تجعلوا زيارة قبري عيدا أو لا تجعلوا قبري مظهر عيد، ومعناه النهي عن الاجتماع لزيارته ﷺ اجتماعهم للعيد إذ هو يوم رخص لهم في اللهو واللعب واتخاذ الزينة، ثم إنهم يتبرزون فيه للنزهة وإظهار السرور، وقد كانت اليهود والنصارى يسلكون هذا المسلك في زيارة قبور أنبيائهم، ولم يزل بهم صنيعهم ذلك حتى ضرب الله على قلوبهم
стр. 230
حجاب الغفلة ورماها بسهم القسوة فاتبعوا سنن أهل الأوثان في زيارة طواغيتهم فاتخذوا قبور أنبيائهم مساجد؛ ولهذا قال ﷺ (اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) ويحتمل أن المراد من العيد هو الاسم من الاعتياد؛ يقال عاده واعتاده وتعوده أي صار عادة له، والعيد ما اعتادك من هم أو غيره قال الشاعر:
أمسى بأسماء هذا القلب معمودا ... إذا أقول: صحا يعتاده عيدا
أي لا تجعلوه محل اعتياد تعتادونه عيدا، وإنما نهاهم عن ذلك لمعان منها ما ذكرناه في الوجه الأول، ومنها إذا فعلوا ذلك سلكوا مسلك العادة في باب العبادة، ومنها أنهم يشتغلون بذلك عما هو الأصلح لدينهم والأهم في وقتهم، ومنها أن اعتياده يفضي بالأكثرين إلى إضاعة الوقت وسوء الأدب والتعرض لما ينتهي بهم إلى حال يرتفع دونها حجاب الحشمة. ويؤيد هذه التأويلات قوله ﷺ بعد هذا القول: (وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) أي لا تتكلفوا المعاودة إليه فقد استغنيتم عنها بالصلاة علي.
[٦٣٤] ومنه: حديث أبي بن كعب- ﵁ قلت: يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك ...
стр. 231
(٨٩/ب) الحديث. المعنى كم أجعل لك من دعائي الذي أدعو به لنفسي، ولم يزل يفاوضه ليوقفه على حد من ذلك، ولم ير النبي ﷺ أن يحد له في ذلك حدا لئلا تلتبس الفضيلة بالفريضة أولا، ثم لا يغلق عليه باب المزيد ثانيا، فلم يزل يجعل الأمر فيه إليه مراعيا لقرينة الترغيب والحث على المزيد حتى قال: (إذا أجعل لك صلاتي كلها) التي أصلي عليك بدل ما أدعو به لنفسي (فقال: إذا يكفى همك) أي ما يهمك من أمر دينك ودنياك وذلك لأن الصلاة عليه مشتملة على ذكر الله وتعظيم الرسول ﷺ والاشتغال بأداء حقه عن مقاصد نفسه، وإيثاره بالدعاء على نفسه، وما أعظمها من خلال جليلة الأخطار وأعمال كبيرة الآثار. وأرى هذا الحديث تابعا في المعنى لقوله ﷺ حكاية عن ربه : (من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين).
ومن باب التشهد
(من الصحاح)
[٦٣٧] قوله ﷺ في حديث عائشة- ﵂ (أعوذ بك من المأثم والمغرم) والمغرم والمأثم
стр. 232
مصدر قولك أثم الرجل إثما ومأثما، وأكثر ما يستعمل الإثم بمعنى الذنب نفسه، فاستعاذ من المأثم الذي هو مواقعة الذنب فإنه أبلغ من الاستعاذة من نفس الذنب، والمغرم: الدين والأصل فيه اللزوم والغرامة، والمغرم والغرم كل ما يلزم الإنسان أداؤه.
стр. 233
ومن باب الذكر بعد الصلاة
(من الصحاح)
[٦٥٤] حديث عائشة- ﵂ أن النبي ﷺ : (كان إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول ... الحديث) هذا القول منها إنما هو في الصلوات التي شرعت السنة بعدها دون سائر الصلوات؛ فإنه
стр. 234
- ﷺ كان إذا صلى الصبح قعد في مصلاه حتى تطلع الشمس، فتبين لنا من ذلك أن المراد من هذا القول أنه لم يكن يلبث (بين) الفريضة والنهوض إلى إقامة السنة إلا مقدار ما يقول (اللهم أنت السلام) الحديث، ومعنى أنت السلام أي السالم من المعائب والحوادث والغير والآفات وقد ذكرناه فيما مر. و (منك السلام) أي السلامة والمعنى أي منك يرجى ويستوهب ويستفاد، و (إليك يرجع)، الرجوع: العود إلى ما كان البدء، والرجع: الإعادة. والمعنى أن السلام منك وإليك بدءا وعودا في حالتي الإيجاد والإعدام.
قلت: وقوله (وإليه يرجع السلام) محتمل لمعنى آخر وهو قصر السلامة على ما يصح أن يضاف إلى الله تعالى رضا فيبتغي به وجهه ويتوسل به إليه وما عدا ذلك فليس من السلامة في شيء؛ وإن عده الناس منها. وأرى قوله (منك السلام وإليك يرجع السلام) واردا مورد البيان لقوله: (أنت السلام)، وذلك أن الموصوف بالسلامة فيما يتعارفه الناس لما كان هو الذي وجد بعرضة آفة ممن يصيبه بضرر أو مما يلحقه منه ضرر- وهذا مما لا يتصور في صفات الله ثم بين أن وصفه سبحانه بالسلام لا يشبه أوصاف المخلوقين- فإنهم بصدد الافتقار، وهو المتعالي عن ذلك فهو السلام الذي يعطي السلامة ويمنعها ويبسطها ويقبضها لا تبدأ إلا منه ولا تعود إلا إليه.
وفيه (تباركت ذا الجلال والإكرام) تبارك تفاعل من البركة وقد مر تفسيره من قبل والمعنى كثرت خيراتك الإلهية واتسعت. وذهب بعضهم في معناه إلى البقاء والدوام، وبعضهم إلى الجلال والعظمة، وقيل باسمه وذكره تنال البركة والزيادة ونفى المحققون أن تبارك في وصفه سبحانه على معنى الزيادة؛ لأنه ينبئ عن النقصان.
وفيه (ذا الجلال والإكرام) ومعناه المستحق لأنه يهاب لسلطانه ويثنى عليه بما يليق بعلو شأنه. والجلال والجليل؛ يقال: جليل بين الجلالة. والجلال: عظم القدر، والجلال: التناهي في ذلك، والإكرام مصدر
стр. 235
أكرم يكرم والمعنى أن الله سبحانه يستحق أن يجل ويكرم فلا يجحد ولا يكفر به، وهو الرب الذي يستحق على العباد الإجلال والإكرام، ويحتمل أن يراد به إكرام أهل ولايته بالتوفيق لطاعته في الدنيا وإجلالهم بقبول الأعمال ورفع الدرجات في الآخرة، ويحتمل أن يكون الجلال مضافا إلى الله لمعنى الصفة والإكرام مضافا إلى العبد لمعنى الفعل منه ونظيره في التنزيل ﴿هو أهل التقوى وأهل المغفرة﴾ فأحد الأمرين منصرف إلى الله تعالى على معنى الصفة وهو المغفرة والآخر إلى العباد بمعنى الفعل وهو التقوى.
[٦٦٠] ومنه: قوله ﷺ في حديث كعب بن عجرة- ﵁ (معقبات لا يخيب قائلهن) أي كلمات يأتي بعضها بعقب بعض، والمعقبات اللواتي يقمن عند أعجاز الإبل المعتركات على الحوض فإذا انصرفت ناقة دخلت مكانها أخرى وهي الناظرات للعقب، فكذلك هذه التسبيحات كلما مرت كلمة نابت مكانها أخرى، وقيل سمين معقبات لأنهن عدن مرة بعد مرة وكل من عمل عملا ثم عاد إليه فقد عقب.
قلت: وأرى هذا القائل فسره على التعقيب الذي هو التردد في طلب الشيء والجد فيه قال لبيد- ﵁:
حتى نهجر في الرواح وهاجها ... طلب المعقب حقه المظلوم
وأما ما ورد في الحديث (من عقب صلاة فهو في الصلاة) فليس من المعقبات في شيء وإنما هو الجلوس بعد أن تقضي الصلاة لدعاء أو مسألة، وذلك لأن (٩١/أ) المعقب يخلف بأعقاب الناس.
(ومن الحسان)
[٦٦٢] حديث أبي أمامة- ﵁ (قيل يا رسول الله أي الدعاء أسمع .... الحديث) أي أقرب إلى الإجابة وأسرع إجابة وقد ذكرنا تفسيره فيما مر.
وقوله: (جوف الليل الآخر) وردت الرواية فيها بالرفع والنصب، والرفع أكثر، فمن رفع فقد جعل
стр. 236
المضاف إليه مكان المضاف المحذوف في الإعراب كقوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾، والتقدير. دعاء جوف الليل الآخر، ومن نصب؛ فعلى الظرف أي الدعاء جوف، ويجوز فيه الجر على مذهب من يرى حذف المضاف وترك المضاف إليه على إعرابه ولم ترد به الرواية، (والآخر) على الأحوال الثلاث تتبع (جوف) في إعرابه.
[٦٦٤] ومنه قوله ﷺ في حديث أنس: قوله ﷺ (أحب إلي أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل)؛ قلت: معرفة وجه التخصيص في الرقاب على الأربعة يقينا لا يوجد تلقيه إلا من قبل الرسول ﷺ وعلينا التسليم؛ عرفنا ذلك أو لم نعرف، ويحتمل أن يكون التنصيص إنما وقع على الأربعة لانقسام العمل الموعود عليه على أقسام أربعة: ذكر الله، والقعود له، والاجتماع عليه، وحبس النفس من حين يصلي إلى أن تطلع الشمس.
وأما تخصيص ولد إسماعيل بالذكر فلكونهم أفضل أصناف الأمم فإن العرب أفضل الأمم قدرا ورجاحة ووفاء وسماحة وحسبا وشجاعة وفهما وفصاحة وعفة ونزاهة وأنفة ونباهة، ثم أولاد إسماعيل أفضل العرب؛ لمكان النبي ﷺ منهم مع ما امتازوا به من كرم الأخلاق وطهارة النسب من سواهم. وقد قيل أن أولاد إسماعيل ﵇ لم يجر عليهم الرق قبل الإسلام وذكر بعض أهل المعرفة بأنساب العرب أن ليس من قبائل العرب قبيلة إلا وهي تنتمي إلى إسماعيل من جهة ما غير أربع قبائل ثقيف وسلت وأوزاع والحضرميون.
[٦٦٥] ومنه حديث أنس- ﵁ عن النبي ﷺ (من صلى الفجر في جماعة ... الحديث) وقد ذكرنا في حديث أبي أمامة (من خرج من بيته متطهرا) ما فيه مغنى عن إعادة القول في بيان هذا الحديق لمن فهم وتدبر فليسلك فيه ذلك المسلك.
ومن باب ما لا يجوز من العمل في الصلاة وما يباح منه
(من الصحاح)
[٦٦٦] حديث معاوية بن الحكم السلمي- ﵁ (بينما أنا أصلي مع رسول الله إذ عطس
стр. 237
رجل من القوم ... الحديث) قوله (فرماني القوم بأبصارهم) المراد منه سرعة الالتفات والتحاق البصر به (٩١/ب) ونفوذه فيه؛ استعير من رمى السهم وغيره.
وفيه (فبأبي هو وأمي) بأبي هو أي أفدي به المذكور وهو محله النصب بالمفعولية وهي كلمة تطلق في التوقية والتفدية عند التعظيم والتعجب.
وفيه (والله ما كهرني) أي لم يزجرني، والكهر: الانتهار. وفي حرف ابن مسعود- ﵁ ﴿فأما اليتيم فلا تكهر﴾ وقد قال الكسائي: كهره وقهره بمعنى.
وفيه (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) فيه دليل على أن الكلام في الصلاة يقطع الصلاة وإن كان متضمنا لمصلحة من مصالح الصلاة، ويستدل به أيضا من يرى أن الكلام في الصلاة ناسيا لا يفسد الصلاة ويقول إن النبي ﷺ علمه أحكام الصلاة وبين له تحريم الكلام فيها ثم لم يأمره بإعادة الصلاة، وأجاب عنه من يرى خلافه بأن الحجة لم تكن قامت عليه بنسخ ذلك فلهذه لم يأمره بإعادتها ويحتمل أنه أمر بالإعادة ولم يذكره الناقل.
وفيه (ومنا رجال يتطيرون) يقال تطير فلان واطير وأصله التفاؤل بالطير ثم اتسع فيه فاستعمل في كل ما يتفاءل به ويتشاءم وكان من مذهب أهل الجاهلية التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء ونحو ذلك، وكانوا يتطيرون بأصوات الطير وكان ذلك يصدهم عن المسير ويردهم عن مقاصدهم، فأخبر النبي ﷺ بقوله: (ذلك شيء يجدونه في أنفسهم) أي ليس لها تأثير في البدن من نفع أو ضر وإنما هو وهم ينشأ عن نفوسهم. وقوله (فلا يصدنهم) أي لا يصدنهم التطير عما يتوجهون إليه من المقاصد ويحتمل وجها آخر وهو أن يراد به: فلا يصدنهم التطير عن سواء السبيل والصراط المستقيم.
وفيه (ومنا رجال يخطون الخط) الذي كان أهل الجاهلية يخطون فينظرون فيه ويقولون به وأن يأتي
стр. 238
أحدهم العراف في حاجة فيعطيه حلوانا فيخط في الرمل أو في أرض رخوة خطوطا متتابعة على استعجال لئلا يلحقها العدد، وغلام له بين يديه يقول على وجه التفاؤل: ابني عيان أسرعا البيان. ثم إن العراف يمحو على مهل خطين خطين، فإن بقى زوج فذلك عنده علامة النجح وإن بقى فرد فذلك علامة الخيبة واليأس. هذا هوا المشهور من خط العرافة من العرب وهذا النوع، لا يدخل له في جملة العلوم المرئية وإنما هو من باب الكهانة التي ورد الشرع ببطلانها وأبى أن يكون بها عبرة. وأما قول من يدعي أن السائل (٩٢/أ) أشار بالخط علم الدجل الذي يتعاطاه العرافون فإن مبنى قوله على الظن والتخمين، والنبي ﷺ لم يبين صفة خط ذلك النبي حتى يتكلم هذا الزاعم في المناسبة بين الخطين، وقد ذكر أبو سليمان الخطابي- شكر الله سعيه- في بيان قوله ﷺ (فمن وافق خطه فذاك) يشبه أن يكون أرد به الزجر عنه وترك التعاطي له إذ كانوا لا يصادفون معنى خط ذلك النبي ولا يهتدون إلى صفته؛ لأن خطه كان علما لنبوته؛ وقد انقطعت نبوته فذهب معالمها.
قلت: وقوله ﷺ (فمن وافق خطه) هو بنصب الطاء فيما أعلمه من طريق الرواية، والمعنى فمن وافق فيما يخطه خط ذلك النبي فذاك يصيب، وفي بعض الروايات فمن وافق خطه علم، ورفع الطاء من خطه محتمل ولا أحققه رواية فإن وردت به الرواية فالتقدير فمن وافق خطه خط ذلك النبي ﷺ أصاب وعرف، ويحتمل على الرفع وجها آخر وهو أن يراد به تفخيم ما كان أوتي ذلك النبي من ذلك وتوهين ما سواه، والمعنى فمن وافق خطه الصواب فذاك، وذلك مثل قول القائل: إذا حدث بأناس يزعمون تسخير الجن واستخدامه. كان سليمان- ﵇ يستخدمهم ويستعملهم فمن أمر حكمهم وملك أمرهم فذاك؛ يريد به تفخيم أمره وتقريره واستقصار ما يدعيه غيره، فإن قيل: فإذا كان الأمر على ما ذكرت فلما أبهم النبي ﷺ في الجواب وأعرض عن الرد عليه بتصريح المقال وأضرب عن الإبانة ولم يبين الحكم فيه كما بين في الطيرة والكهانة؛ قلنا: إن الطيرة والكهانة لم يزالا من شأن المشعوذين وولاة الشياطين فأنكرهما كل الإنكار، ولما انتهى الأمر إلى الخط لم يقابل قول القائل بصريح الإنكار لما بين الخطين من الاشتراك في التسمية فذكر أن الحق من هذا الجنس [ما أدى من ذلك النبي مشيرا إلى ما سواه باطل لا طائل تحته].
[٦٦٩] ومنه: حديث أبي هريرة- ﵁ (نهى النبي ﷺ عن الخصر في الصلاة) فسر الخصر
стр. 239
في هذا الحديث بوضع اليد على الخاصرة وقيل أنه من صنيع اليهود فنهى عنه وذكر أن إبليس أهبط إلى الأرض وهو في تلك الهيئة. والخصر لم يفسر على هذا الوجه في شيء من كتب اللغة ولم أطلع عليه إلى الآن في شيء مما يعتمد عليه من كتب أصحاب الغريب والحديث على هذا الوجه أخرجه البخاري في جامعه غير أنه لم يذكر فيه النبي ﷺ وإنما رواه عن أبي هريرة وسياق حديثه (نهى عن الخصر في الصلاة) وهذا الحديث على هذا الوجه لم نصادفه في شيء من كتب الأحكام إلا في كتاب البخاري ثم إنه روى هذا الحديث في كتابه من طريق آخر عن أبي هريرة- ﵁ ولفظه (نهى أن يصلي الرجل مختصرا) ثم ذكر (٩٢/ب) بعده أن أبا هريرة يرويه عن النبي ﷺ ورواه مسلم أيضا عن أبي هريرة- ﵁ ولفظه: عن أبي هريرة (أن النبي ﷺ نهى أن يصلي الرجل مختصرا) وكذلك رواه الدارمي والترمذي والنسائي في جوامعهم، ورواه أبو داود عن أبي هريرة أنه قال: (نهى رسول الله ﷺ عن الاختصار في الصلاة)، فتبين لنا من هذه الأحاديث أن المعتبر من اللفظين هو الاختصار لا الخصر ولعل بعض الرواة ظن الخصر يرد بمعنى الاختصار. والاختصار هو وضع اليد على الخاصرة، وقد قيل: هو اتخاذ المخصرة في الصلاة متكئا عليه، وهذا المعنى وإن كانت اللغة العربية تقتضيه، فإن التفسير الذي اشتهر فيه عن الصحابة ومن بعدهم من أهل العلم يحكم بخلاف ذلك، وقد
ذكر النسائي في كتابه بعد- حديث النهي عن الاختصار- حديثا يبين معنى الاختصار، وهو: ما رواه بإسناده عن زياد بن صبح، قال: صليت إلى جنب ابن عمر، فوضعت يدي على خصري، فقال لي هكذا ضربة بيده، فلما صليت، قلت لرجل: من هذا؟ قال: عبد الله بن عمر. قلت: يا أبا عبد الرحمن، ما رابك مني؟ قال: هذا الصلب، وإن رسول الله ﷺ نهانا عنه).
قلت: وإنما سمي صلبا لأنه شبه الصلب، وذلك أن المصلي إذا وضع يديه على خاصرتيه صار كالمصلوب، الذي يمد باعه على الجذع.
[٦٧٢] ومنه: حديث أبي قتادة الأنصاري- ﵁ (رأيت النبي ﷺ يؤم الناس، وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه ... الحديث) بين أبو سليمان الخطابي وجه هذا الحديث، وحاصل كلامه: أنه لا يكاد يتوهم عليه أنه كان يتعمد لحملها ووضعها وإمساكها في الصلاة تارة بعد أخرى؛ لأن العمل في ذلك قد يكثر فيتكرر، والمصلي يشتغل بذلك عن صلاته، ثم ليس فيه شيء سوى قضائها وطرا لا طائل تحته، ولا فائدة فيه، فالتأويل: أن الصبية لطول ما ألفته واعتادته في ملابسته في غير الصلاة، كانت تتعلق به حتى تلابسه وهو في الصلاة، فلا يدفعها عن نفسه، فإذا أراد أن يسجد وهي على عاتقه وضعها: بأن يرسلها إلى الأرض، حتى يفرغ من سجوده، وإذا أراد القيام عادت إلى مثل حالها الأولى، فصارت
стр. 240
موضوعة في حال انحطاطه، مرفوعة في حال استوائه، فأضيف الوضع والرفع إليه لتعلقها بفعله الصادر عنه.
[٦٧٣] ومنه: حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (إذا تثاءب أحدكم في الصلاة ... الحديث) يقول: تثاءبت، على بناء: تفاعلت، إذا فتحت فاك وتمطيت، لكسل أو فترة، والاسم منه الثؤباء، ويقال (٩٣/أ) أيضا: تثأبت، على بناء: تفعلت، ولا جائز أن يقول: تثاوبت؛ قلت وإنما كره ذلك لأنه دأب من يتسع في المطاعم، حتى تكتظ معدته، فتتملكه الغفلة، ويستحوذ عليه الشيطان (فليكظم ما استطاع) أمر بالمدافعة، لئلا يسترسل فيه فيتعود، فيتمكن منه الشيطان، وهذا يعني الدخول، إذ المتمكن من الشيء هو الداخل فيه، أو كالداخل فيه.
[٦٧٤] ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁: (إن عفريتا من الجن تفلت علي
стр. 241
البارحة) العفريت من الجن: هو العارم الخبيث، ويقال للرجل الخبيث الداهي: العفر، والعفر: الخنزير الذكر، سمي به لخبثه، والعفريت من كل شيء: المبالغ، يقال: عفريت نفريت، ويستعار ذلك للإنسان استعارة الشيطان له، والتفلت والإفلات والانفلات: التخلص والتملس من الشيء فلتة وفجأة من غير تمكن. ومنه الحديث: تدارسوا القرآن، فلهو أشد تفلتا من اللقاح من عقلها)، والمعنى: يعرض لي بغتة يخلبني في صلاتي. وفيه: (فرددته خاسئا) أي: صاغرا مهينا، من قولهم: خسأت الكلب فخسأ، أي: زجرته مستهينا به فانزجر، وذلك إذا قيل له: اخسأ.
(ومن الحسان)
[٦٨٤] حديث دينار الأنصاري- ﵁ رفعه قال: (العطاس والنعاس والتثاؤب في الصلاة
стр. 242
والحيض والقيء والرعاف من الشيطان) قلت: هذه خصال طبيعية ترد على الإنسان من غير اختيار، ومنها ما لا مدفع له، ومنها ما إذا غلب على الإنسان لم يستطع مقاومته، ثم إن الكسل بإيجاد من الله سبحانه الذي خلق كل شيء، فأضافها إلى الشيطان من حيث إنه يرتضيها ويستحسنها، ويجد بها إلى السبيل إلى ما يبتغيه من قطع الصلاة على المصلي، أو قطع القراءة، والحيلولة بينه وبين ما ندب إليه من الحضور بين يدي الله، والاستغراق في لذة المناجاة، والله أعلم.
ودينار راوي هذا الحديث هو: أبو ثابت جد عدي بن ثابت، وقد انفرد بالرواية عنه ابنه ثابت، وقد روى عنه حديثين لا غير، هذا الحديث وهو حديث لا يكاد يصح إسناده، وحديثا آخر في المستحاضة وقد مر في باب الاستحاضة، وهو أيضا حديث يضعفه علماء النقل.
[٦٨٥] ومنه حديث ابن الشخير- ﵁ (ولجوفه أزيز كأزيز المرجل) أزيز المرجل: صوت
стр. 243
غليانه، ومنه الأز، وهو: الإزعاج والتهييج والإغراء، وفي معناه قوله سبحانه: ﴿تؤزهم أزا﴾ أي: تهيجهم. تهيج القدر: إذا اشتد غليانها.
[٦٩٢] ومنه: حديث عائشة- ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (إذا أحدث أحدكم في صلاته، فليأخذ بأنفه، ثم لينصرف) قلت: إنما أمره أن يأخذ بأنفه، ليخيل إلى غيره أنه مرعوف، وهي من المعاريض الفعلية، رخص له فيها وهدى إليها، لئلا يسول له الشيطان أن يمضي في صلاته، استحياء من الناس، وفيه أيضا تنبيه على إخفاء الحدث في تلك الحالة.
ومن باب السهو
(من الصحاح)
[٦٩٧] حديث أبي هريرة- ﵁ (صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة العصر، فسلم من
стр. 244
الركعتين ...) الحديث وفي إحدى طرق الصحاح: (صلى بنا رسول الله ﷺ ...) فيحتمل أن أبا هريرة- ﵁ حدث على كلتا الصيغتين، فقوله: (صلى بنا) أي: أمنا، يدخل فيه التعدية، فتفيد معنى قولنا: أمنا فجعلنا من المؤتمين بصلاته، وقوله: (صلى لنا) يصح أن يكون أقام اللام مقام الباء، ومن اللام الجارة صرب يورد أيضا لتعدية الفعل، ويصح أن يراد به: صلى من أجلنا لما يعود إليهم من فائدة الجماعة، ويصيبهم من البركة بسبب الاقتداء به، فحدث به تارة بالباء، وأخرى باللام، ويحتمل أن يكون من بعض الرواة، لتقارب أحدهما عن الآخر.
وبعد، فإنا نشرع إلى بيان ما يشكل من هذا الحديث فنقول: روي هذا الحديث عن أبي هريرة بطرق شتى، وألفاظ مختلفة، قد وجدتها متدانية المعاني إلا ما يختلف من ألفاظه في الصلاة التي سها فيها، فإن ابن سيرين رواه عن أبي هريرة، وفي روايته: (صلى رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي: إما الظهر وإما العصر) هذا لفظ كتاب مسلم، ورواه البخاري أيضا عن ابن سيرين عن أبي هريرة، ولفظه: (صلى النبي ﷺ إحدى صلاتي العشي- وأكبر ظني العصر- ركعتين) ورواه أيضا عن أبي سلمة عن أبي هريرة
стр. 245
قال: (صلى بنا النبي ﷺ الظهر أو العصر) ورواه مسلم بإسناده عن أبي سفيان مولى ابن أبي يعمد أنه قال: سمعت أبا هريرة يقول (صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة العصر) ورواه أيضا بإسناده عن أبي سلمة قال: حدثنا أبو هريرة أن رسول الله ﷺ صلى ركعتين من صلاة الظهر، ثم سلم، فأتاه رجل من بني سليم ... الحديث) ورواه من طريق آخر عن أبي هريرة قال: (بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ صلاة الظهر، سلم رسول الله ﷺ بين الركعتين، فقام رجل من بني سليم ...) واقتص الحديث.
ورواه أيضا بإسناده عن عمران بن حصين- ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى العصر، فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله (٩٤/أ) فقام إليه رجل يقال له: الخرباق، فكان في يده طول، فقال: يا رسول الله، فذكر له صنيعه، وخرج غضبانا يجر رداءه حتى انتهى إلى الناس فقال: أصدق هذا؟ قالوا: نعم فصلى ركعة ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم).
قلت: ولم نجد خلافا عن أهل العلم بالرواية أن كلا الحديثين- أعني حديث عمران وحديث أبي هريرة- في قضية واحدة، والحديث يقال له: حديث ذي اليدين، وهو خرباق السلمي، وإنما قيل له: ذو اليدين لطول فيهما، وربما قالوا: ذو الشمالين، ولعلهم أشاروا بذلك إلى ضعفهما، أو إلى قلة غنائهما، ويقال له: الأضبط، وهو الذي يعمل بيديه، ويكنى: أبا العريان، وإذ قد علمنا أن حديث عمران بن حصين وأبي هريرة هو حديث ذي اليدين، حكمنا من طريق الترجيح بأن الصلاة التي سها فيها النبي ﷺ في إحدى صلاتي العشي شاكا فيها. وقوله: (وأكبر ظني العصر) يؤيد ما ذهبنا إليه، ثم إنه روى عن خرباق السلمي إنها العصر.
وإذ قد تبين لنا أن حديث عمران بن حصين أثبت وأسلم من الشك، وجدنا ما روى عنه أنه سلم في ثلاث ركعات، أولى بالتقديم، فإن قيل: فما وجه التوفيق بين الاختلافات التي في حديث أبي هريرة، قلنا: وجه ذلك أن أبا هريرة كان شاكا في أول الأمر، ثم سمعه عمن شهد معه في تلك الصلاة، أو تذكر بعد أن نسى، فحدث به على القطع أنه العصر، أو كان متيقنا ثم اعترض له الشك بآخره: فقال: الظهر أو العصر. وأما رواية أبي سلمة عنه أنه الظهر من غير تردد، فوجه ذلك أنه روى: الظهر أو العصر، فسقط العصر عن بعض الرواة فلم يثبتها، والدليل على ذلك روايته عنه: (صلى بنا رسول الله ﷺ الظهر أو العصر) على ما روي عن غيره، ثم إنا فتشنا عن أقاويل أهل العلم في حكم هذا الحديث، فوجدنا أبا جعفر الطحاوي وأبا سليمان الخطابي- رحمة الله عليهما- قد نقرا عنه، وأشبعا القول فيه، وقد جد كل واحد منهما في تأويله على مصداق مذهبه ورفاق رأيه، ورأيت أن أحكي عن كل واحد منهما زبدة قوله.
فأما أبو جعفر، فإنه ذهب إلى أن ذلك كان قبل نسخ الكلام في الصلاة، قال: ومما يدل على نسخه
стр. 246
إجماع الأمة أن الإمام إذا سها، لم يكن لمن خلفه أن يكلمه، بل يسبح له، بتعليم النبي ﷺ فدل تعليمه بالتسبيح على أن الكلام منسوخ، وفي حديث عمران وأبي هريرة ما يدل على أن ذلك كان قبل استقرار الأحكام؛ لأن أبا هريرة قال: سلم رسول الله ﷺ ثم مضى إلى خشبة في المسجد، وقال عمران: مضى إلى حجرته، فدل هذا على أنه صرف وجهه عن القبلة، وبعد استقرار الأحكام لم يجز لأحد أن يفعل مثل ذلك في صلاته، ثم قال: فإن قيل: كان فعلهم هذا سهوا منهم، قلنا: فيجب إذا طعم ناسيا أو شرب أو باع أو اشترى في الصلاة ساهيا أن لا يخرجه ذلك من الصلاة، لأن ذلك فعل، والفعل كله في الصلاة إذا لم يكن من أفعالها كان مفسدا لها، إلا ما خص بدليل، قال: ومما يدل على أن ذلك كان قبل نسخ الكلام، أن القوم تكلموا من غير سهو، فقالوا: صدق يا رسول الله، صليت ركعتين، ثم قال: فإن قيل: كيف يجوز أن يقال: هذا منسوخ وأبو هريرة قد حضر تلك الصلاة؛ وهو قد صحب رسول الله ثلاثا من أواخر أعوام الهجرة، ونسخ الكلام كان بمكة، قلنا: بماذا عرفتم أن نسخ الكلام كان بمكة، وزيد بن أرقم الأنصاري يقول: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت ﴿وقوموا لله قانتين﴾ فأمرنا بالسكوت، وصحبة زيد رسول الله ﷺ إنما كانت بالمدينة، ولم يحضر أبو هريرة تلك الصلاة مع رسول الله ﷺ ؛ لأن ذا اليدين استشهد يوم بدر، ذكر ذلك محمد بن إسحق، وقد روي عن ابن عمر- ﵄ ما يوافق ذلك، وهو أنه قال، لما ذكر له حديث ذي اليدين فقال: كان إسلام أبي هريرة بعد ما قتل ذو اليدين. وقال الطحاوي: إنما قول أبي هريرة: صلى بنا رسول الله ﷺ يعني بالمسلمين، وهذا جائز في اللغة، وقد روي عن النزال بن سبرة، أنه قال: قال لنا رسول الله ﷺ : (إنا وإياكم كنا ندعى بني عبد مناف ... الحديث) يريد النزال بقوله: قال لنا، أي: قال لقومنا؛ لأنه لم ير رسول الله ﷺ واستشهد الطحاوي بأمثال ذلك من الكلام، وأما أبو سليمان الخطابي، فإنه قال في كتاب (معالم السنن): أما نسخ الكلام في الصلاة فإنه كان بمكة، ولا موضع له هاهنا.
قلت: وحديث زيد بن أرقم الذي احتج به أبو جعفر يحكم بخلاف ذلك، وهو حديث صحيح، وقد استدرك أبو سليمان قوله ذلك في كتاب الأعلام، فقال: إن نسخ الكلام في الصلاة إنما وقع بعد الهجرة بمدة يسيرة، وأبو هريرة راوي هذا الحديث متأخر الإسلام، وقد رواه أيضا عمران بن حصين وهو متأخر الإسلام أيضا.
قلت: وقد تبين من حديث زيد بن أرقم الأنصاري الخزرجي أن نسخ الكلام كان بعد الهجرة، غير أنا (٩٥/أ) لم نطلع من حديثه على زمان معلوم، ولو نظرنا إلى حداثة سنه، رأينا أن زمان النسخ كان متأخرًا
стр. 247
جدا؛ لأن زيدا كان في أول زمان الهجرة صبيا، وقد قيل: إن أول مشاهده المريسيع، وهي في السنة الخامسة، وفيها قال له رسول الله ﷺ (وفت أذنك يا غلام) وقيل: كان ذلك في غزوة تبوك، فلعله شهد المريسيع، تبعا لغيره؛ لأن علماء النقل ذكروا أن زيدا كان يتيما في حجر عبد الله بن رواحة، فخرج به معه إلى مؤتة يحمله على حقيبة رحله، وغزوة مؤتة إنما كانت سنة ثمان من الهجرة، وروى عن أبي سعيد الخدري- ﵁ أنه قال: (كنا نرد السلام في الصلاة حتى نهينا عن ذلك) وأبو سعيد أيضا كان في أول الهجرة صبيا، وأول مشاهده الخندق، وهي بعد المريسيع، غير أنا عرفنا بحديث ابن مسعود: (كنا نتكلم في الصلاة، ونأمر بالحاجة، فقدمت على النبي ﷺ من الحبشة وهو يصلي، فسلمت عليه، فلم يرد علي، فأخذني ما قدم وما حدث، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قلت: يا رسول الله ﷺ ، نزل في شيء؟ قال: لا، ولكن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة) فعلمنا بحديث زيد وأبي سعيد أن النسخ كان بعد الهجرة، وعلمنا بحديث ابن مسعود أنه كان قبل بدر؛ لأن ابن مسعود قدم من الحبشة، ثم شهد بدرا، وهذا وقد ذكر غير واحد من علماء النقل وأصحاب السير أن إسلام عمران وأبي هريرة كان عام خيبر وذلك في السنة السابعة من الهجرة، وذكر الخطابي أن رسول الله ﷺ كان عنده أنه قد أكمل صلاته، فتكلم على أنه خارج من الصلاة، وأما ذو اليدين، ومراجعته النبي ﷺ فأمره متأول على أن الزمان كان زمان نسخ وتبديل وزيادة في الصلاة ونقصان، فجرى الكلام منه في حال قد يتوهم فيها أنه خارج عن الصلاة، وأما كلام أبي بكر وعمر ومن معهما، ففي بعض طرق هذا الحديث أنهم أومأوا أي: نعم، فدل ذلك على أن رواية من روى أنهم قالوا على المجاز والتوسعة، قلت: وفي هذا التأويل نظر لأن في بعض طرق هذا الحديث: قالوا: نعم يا رسول الله وقد رواه النسائي في كتابه بإسناده عن أبي هريرة- ﵁ وفي حديثه: (ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق يا نبي الله)، فكيف نصرف معنى القول إلى المجاز، مع ثبوت ما ذكرناه، وأما رواية [٩٥/ب] من روى أنهم أومأوا أي: نعم، فإنها لا تدفع ما تقدم من الرواية؛ لاحتمال أن يكون الإيماء مستندا إلى فعل بعض من حضر فأومى إليه وأجابه آخرون بصريح القول، مع أن تلك الرواية لم تبلغ من الاشتهار والاعتبار إلى حيث تعارض وتدافع بها الروايات التي اشتهرت واتضحت، وقال الخطابي: ولو صح أنهما قالوا بألسنتهم، لم يكن ذلك ضائرا؛ لأنه لم ينسخ من الكلام ما كان جوابا لرسول الله ﷺ واستدل بحديث أبي سعيد ابن المعلى، أن النبي ﷺ مر عليه وهو يصلي فدعاه فلم يجبه، ثم اعتذر إليه، قال: كنت أصلي، فقال: (ألم تسمع الله يقول: ﴿استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾. وفي قوله هذا أيضا نظر لأن تحريم الكلام في الصلاة أمر مجمع عليه، وهذا الحديث يعني حديث ابن المعلى محتمل لوجوه، فلا سبيل
стр. 248
إلى صرفه إلى أحد الوجوه إلا بكتاب أو سنة أو إجماع، ولم يذكر عن أحد من الصحابة القول باستباحة الكلام على الوجه الذي يدعيه، وأقصى ما يذهب الذاهب إلى حديث أبي سعيد، أن يجعل إجابة الرسول ﷺ أولا له من إتمام الصلاة، ولا يلزم منه أن يقال: إن كلامه لم يكن ليخرجه من صلاته، فإن ذلك غير مفهوم عن الحديث، ثم إن الصلاة التي كان فيها، لم يذكر: أفريضة كانت أم نافلة، فربما يختلف الحكم باختلافها، والأغلب والأظهر أنها كانت نافلة، ثم إن حديث أبي سعيد إنما كان يصح الاستدلال له به مع هذه الاحتمالات: أن لو ثبت أن حديثه سبق قصة ذي اليدين، ولا سبيل إلى إثبات ذلك، كيف وهو مع هذا التأويل يدي أن قضية ذي اليدين كانت بعد نسخ الكلام بسنتين، وأبو سعيد المعلى مذكور في طبقته من أدرك النبي ﷺ وهو لم يبلغ الحلم، كالنعمان بن بشير، ومحمود بن الربيع ونظرائهما، فأنى يستقيم استثناء جواب الرسول ﷺ من جملة المنسوخ بحديثه؛ بعد ثبوت أن نسخ الكلام في الصلاة كان قبل بدر، على ما ذكرناه من حديث ابن مسعود. هذا وفي بعض ما أتى به أبو جعفر أيضا نظر، وهو تأويله قول أبي هريرة: صلى لنا رسول الله ﷺ أو صلى بنا) يعني: بالمسلمين، فالقول لا يكاد يستقيم في هذا الموضع والنظير الذي ذكره من قول النزال لا يعلم (٩٦/أ) من حيث اللهجة العربية؛ لأن المفهوم عندهم من قولنا: صلى فلان، أي: أمنا ودخلنا معه في صلاته، وذلك بإزاء قول القائل: صليت خلف فلان، ولا يصح هذا القول ممن لم يكن داخلا في صلاته، كيف وفي بعض طرق هذا الحديث عن أبي هريرة- ﵁ (بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ ) وأما قول نزال: قال لنا، أي: لقومنا، فإنه قول قويم، وذلك أن قوله: (إنا وإياكم ندعى بني عبد مناف) منبئ عن شرف وفضيلة وخصوصية يشمل القوم كلهم فيشتركون فيه، ونزال من جملتهم: فقوله: قال لنا، أي: فينا ولأجلنا، ولو قلنا نحن: قال لنا رسول الله ﷺ (صلوا خمسكم) لصح ذلك، لاشتراكنا مع السامعين منه في الأمر والخطاب، ولو قلنا: صلى بنا صح، ورحم الله أبا جعفر، فإنه جاد مجد في التوفيق بين الأحاديث إذا أشكلت لاختلاف ما، ونفى التضاد عنها، وهو أكبر أهل المعاني إصابة في هذا الباب، وإنما حمله على هذا التعمق شدة المحافظة على ما نقل من الصحابة ومن بعدهم من السلف وبقى الإحالة عن أقوالهم، فنظر في هذا الحديث والروايات المختلفة فيه والأقاويل المتضادة، فلم ير التخلص منها مساغا بحيث لا يفضي به التأويل إلى رد شيء من السنة إلا من هذا الوجه، قلت: والحديث الذي رواه أبو جعفر عن ابن عمر، أن إسلام أبي هريرة كان بعد ما قتل ذو اليدين حديث لين عند أهل النقل، لأن مداره على عبد الله بن العمري، وهو ضعيف عندهم، وعبد الله العمري هو: عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، لينه عبد الرحمن، ووثقه أبو جعفر على أصله في عدالة الرجل المسلم، ولما يؤيده من قول الزهري، فإنه كان يقول: إن ذا اليدين قتل يوم بدر، قال الطحاوي: وممن روى عنه ذلك الزهري مع حفظه وجلالة قدره في علماء الحديث وعلمه بالمغازي، قلت: وأكثر أهل النقل على أن ذا اليدين عاش حتى روى عنه المتأخرون من التابعين، فأما الذي قتل ببدر، فهو ذو الشمالين، رجل من خزاعة، وأصحاب المقالة الأولى يزعمون أن ذا اليدين كان يدعى ذا الشمالين، فسماه (٩٦/ب). النبي ﷺ ذا اليدين ومما يدل على ذلك حديث
стр. 249
أبي هريرة أن رسول الله ﷺ صلى يوما فسلم في ركعتين، ثم انصرف فأدركه ذو الشمالين، فقال يا رسول الله، أنقصت الصلاة أم نسيت؟ فقال: لم تنقص ولم أنس. فقال: والذي بعثك بالحق، فقال رسول الله ﷺ : أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم. فقال رسول الله ﷺ : فأتم الصلاة والحديث على هذا السياق رواه الشافعي في كتابه.
قلت: ومما اختلف عن أبي هريرة في هذا الحديث أمر السجدتين فروى عنه أنه قال: لم يسجد رسول الله ﷺ يومئذ قبل السلام ولا بعده، رواه النسائي في كتابه ورواه أيضا بإسناده عن ابن سيرين عن أبي هريرة بمثله، وروى النسائي أيضا بإسناده عن ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ سجد في وهمه بعد التسليم. قلت: وحديث ابن سيرين هذا لا يناقض حديثه الأول لاحتمال أن تكون الصلاة التي ذكر أنه سجد فيها غير الصلاة التي صلاها يوم ذي اليدين، ومع هذه الاختلافات التي رويناها عن كتب أهل العلم بالرواية فلا سبيل إلى بيان هذا الحديث وتقرير الحكم فيه على وجه يخلو عن المناقضة إلا من أحد الوجهين:
أحدهما: أن يجعل على أنه كان قبل ثبوت الأحكام واستقرار الشرائع على ما ذكره أبو جعفر، ولا يستقيم هذا القول إلا أن يقدر أن عمران بن حصين وأبا هريرة سمعاه عمن شهدها وليس في حديث عمران ما ينفي هذا التأويل، وفي بعض طرق حديث أبي هريرة ما ينفيه، وقد ذكرنا مع هذه الاختلافات التي ذكرناها في حديث أبي هريرة لو ادعى مؤول أن العبرة من تلك الروايات بما يوافق رواية غيره ويمكن معه التوفيق بينه وبين نظائره من الأخبار، وأن الراوي عن أبي هريرة أو الراوي عن غيره من رواة الحديث ربما سمع (صلى رسول الله ﷺ ) فوهم فيه فرواه (صلى بنا رسول الله ﷺ ) والذي يرويه (بينا أنا أصلي) فلعله سمع. (صلى بنا) فرواه كذلك على المعنى فلا حرج عليه في دعواه. وإذا كان الزهري مع جودة حفظه وغزارة علمه ومع اقتراب زمانه من زمان الوحي يقول: إن قصة ذي اليدين كان قبل بدر ثم أحكمت الأمور بعد ذلك فلا حرج على من بعده بقرون أن يبعد مرماه في التأويل، ليجمع بين هذه الأقاويل.
والوجه الآخر: أن ندع التعرض لتاريخ وفاة ذي اليدين للاختلاف الذي فيه، والتعليل بالزمان الذي شرع فيه نسخ الكلام لمدافعة ذلك إعلام الراويين ونقول هذا الحديث يشتمل على أحكام خصت بمن شهد تلك الصلاة فلم تقم الحجة عليهم يومئذ لأنها لم تكن شرعت قبل ذلك فعذروا في مبدأ أمر السهو فيما فعلوا وقالوا. أو كان الحكم فيما امتحنوا به يومئذ على ذلك ثم تغيرت أحكام تلك الحادثة بعد ذلك وهذا الوجه أسلم من النواقض. فإن قيل أو ليس السبيل الذي سلكه أبو سليمان في تأويله أقوم وأمثل؟!. قلنا رحم الله أبا سليمان فإنه وإن كان آية في جودة البيان وحسن التقرير، فقد ترك الحجة في تأويله هذا باقية عليه، وهو أنه أطلق القول بصحة ألفاظ هذا الحديث على اختلافها ثم امتنع عن العمل بما يقتضيه سائرها؛ فمنها قول الراوي وخرجت السرعان من أبواب المسجد ومنها قوله: فانطلق إلى خشبة معروضة في المسجد، ومنها قوله فدخل يعني النبي ﷺ منزله، وفي رواية (فدخل حجرته)، وكل ذلك مما لا يرى به العمل في ضوء السهو فينفصم إذا عروة تأويله إذ ليس لأحد أن يعمل في حديث واحد ببعضه ثم يخالف بعضه الآخر.
стр. 250
باب سجود القرآن
(من الصحاح)
[٧٠٥] حديث ومن ابن عباس- ﵄ (ليس من عزائم السجود) العزم والعزيمة: عقد القلب على إمضاء الأمر، عزم عليه واعتزمه. والعزيمة والصريمة: هي الأمر الواجب الحتم ومنه العزائم لأنه يحتم فيها على الجن والهوام أن لا تضر.
وفي حديث ابن مسعود (أن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه)، يعني بعزائمه: فرائضه التي حتم على العباد وجوبها، وفي الحديث (عزمة من عزمات الله تعالى) أي حق من حقوق الله وواجب مما أوجبه ومثله: (الجمعة عزمة) ومنه (نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا) أي: لم يوجب، وفي حديث قيام رمضان (من غير عزيمة) أي: من غير إيجاب وإلزام، وعزائم السجود: ما يحقق الإتيان به على التالي؛ بفعل الرسول ﷺ والتوقيف منه والمواظبة عليه. فأما من يذهب إلى وجوبها فلا حاجة به إلى التأويل، وأما من يذهب إلى أنها على الاستحباب فإنه يقول: عزائم السجود ما تحقق لسنة من قولهم عزم الأمر أي جد وتحقق، وقيل في قوله تعالى: ﴿فإذا عزم الأمر﴾ أي: حقت الحقائق، وكان ابن عباس يذهب في العزائم إلى معنى الوجوب أو التأكيد في حق السنة، وعلى أحد هذين المعنيين يحمل حديث علي- ﵁ أن عزائم السجود: آلم تنزيل، والنجم، واقرأ باسم ربك، وإنما أولنا حديث ابن
следующие страницы →