← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18569

الميسر في شرح مصابيح السنة للتوربشتي

التوربشتي

Полный текст (1 323 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

إجماع الأمة أن الإمام إذا سها، لم يكن لمن خلفه أن يكلمه، بل يسبح له، بتعليم النبي ﷺ فدل تعليمه بالتسبيح على أن الكلام منسوخ، وفي حديث عمران وأبي هريرة ما يدل على أن ذلك كان قبل استقرار الأحكام؛ لأن أبا هريرة قال: سلم رسول الله ﷺ ثم مضى إلى خشبة في المسجد، وقال عمران: مضى إلى حجرته، فدل هذا على أنه صرف وجهه عن القبلة، وبعد استقرار الأحكام لم يجز لأحد أن يفعل مثل ذلك في صلاته، ثم قال: فإن قيل: كان فعلهم هذا سهوا منهم، قلنا: فيجب إذا طعم ناسيا أو شرب أو باع أو اشترى في الصلاة ساهيا أن لا يخرجه ذلك من الصلاة، لأن ذلك فعل، والفعل كله في الصلاة إذا لم يكن من أفعالها كان مفسدا لها، إلا ما خص بدليل، قال: ومما يدل على أن ذلك كان قبل نسخ الكلام، أن القوم تكلموا من غير سهو، فقالوا: صدق يا رسول الله، صليت ركعتين، ثم قال: فإن قيل: كيف يجوز أن يقال: هذا منسوخ وأبو هريرة قد حضر تلك الصلاة؛ وهو قد صحب رسول الله ثلاثا من أواخر أعوام الهجرة، ونسخ الكلام كان بمكة، قلنا: بماذا عرفتم أن نسخ الكلام كان بمكة، وزيد بن أرقم الأنصاري يقول: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت ﴿وقوموا لله قانتين﴾ فأمرنا بالسكوت، وصحبة زيد رسول الله ﷺ إنما كانت بالمدينة، ولم يحضر أبو هريرة تلك الصلاة مع رسول الله ﷺ ؛ لأن ذا اليدين استشهد يوم بدر، ذكر ذلك محمد بن إسحق، وقد روي عن ابن عمر- ﵄ ما يوافق ذلك، وهو أنه قال، لما ذكر له حديث ذي اليدين فقال: كان إسلام أبي هريرة بعد ما قتل ذو اليدين. وقال الطحاوي: إنما قول أبي هريرة: صلى بنا رسول الله ﷺ يعني بالمسلمين، وهذا جائز في اللغة، وقد روي عن النزال بن سبرة، أنه قال: قال لنا رسول الله ﷺ : (إنا وإياكم كنا ندعى بني عبد مناف ... الحديث) يريد النزال بقوله: قال لنا، أي: قال لقومنا؛ لأنه لم ير رسول الله ﷺ واستشهد الطحاوي بأمثال ذلك من الكلام، وأما أبو سليمان الخطابي، فإنه قال في كتاب (معالم السنن): أما نسخ الكلام في الصلاة فإنه كان بمكة، ولا موضع له هاهنا. قلت: وحديث زيد بن أرقم الذي احتج به أبو جعفر يحكم بخلاف ذلك، وهو حديث صحيح، وقد استدرك أبو سليمان قوله ذلك في كتاب الأعلام، فقال: إن نسخ الكلام في الصلاة إنما وقع بعد الهجرة بمدة يسيرة، وأبو هريرة راوي هذا الحديث متأخر الإسلام، وقد رواه أيضا عمران بن حصين وهو متأخر الإسلام أيضا. قلت: وقد تبين من حديث زيد بن أرقم الأنصاري الخزرجي أن نسخ الكلام كان بعد الهجرة، غير أنا (٩٥/أ) لم نطلع من حديثه على زمان معلوم، ولو نظرنا إلى حداثة سنه، رأينا أن زمان النسخ كان متأخرًا

стр. 247

جدا؛ لأن زيدا كان في أول زمان الهجرة صبيا، وقد قيل: إن أول مشاهده المريسيع، وهي في السنة الخامسة، وفيها قال له رسول الله ﷺ (وفت أذنك يا غلام) وقيل: كان ذلك في غزوة تبوك، فلعله شهد المريسيع، تبعا لغيره؛ لأن علماء النقل ذكروا أن زيدا كان يتيما في حجر عبد الله بن رواحة، فخرج به معه إلى مؤتة يحمله على حقيبة رحله، وغزوة مؤتة إنما كانت سنة ثمان من الهجرة، وروى عن أبي سعيد الخدري- ﵁ أنه قال: (كنا نرد السلام في الصلاة حتى نهينا عن ذلك) وأبو سعيد أيضا كان في أول الهجرة صبيا، وأول مشاهده الخندق، وهي بعد المريسيع، غير أنا عرفنا بحديث ابن مسعود: (كنا نتكلم في الصلاة، ونأمر بالحاجة، فقدمت على النبي ﷺ من الحبشة وهو يصلي، فسلمت عليه، فلم يرد علي، فأخذني ما قدم وما حدث، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قلت: يا رسول الله ﷺ ، نزل في شيء؟ قال: لا، ولكن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة) فعلمنا بحديث زيد وأبي سعيد أن النسخ كان بعد الهجرة، وعلمنا بحديث ابن مسعود أنه كان قبل بدر؛ لأن ابن مسعود قدم من الحبشة، ثم شهد بدرا، وهذا وقد ذكر غير واحد من علماء النقل وأصحاب السير أن إسلام عمران وأبي هريرة كان عام خيبر وذلك في السنة السابعة من الهجرة، وذكر الخطابي أن رسول الله ﷺ كان عنده أنه قد أكمل صلاته، فتكلم على أنه خارج من الصلاة، وأما ذو اليدين، ومراجعته النبي ﷺ فأمره متأول على أن الزمان كان زمان نسخ وتبديل وزيادة في الصلاة ونقصان، فجرى الكلام منه في حال قد يتوهم فيها أنه خارج عن الصلاة، وأما كلام أبي بكر وعمر ومن معهما، ففي بعض طرق هذا الحديث أنهم أومأوا أي: نعم، فدل ذلك على أن رواية من روى أنهم قالوا على المجاز والتوسعة، قلت: وفي هذا التأويل نظر لأن في بعض طرق هذا الحديث: قالوا: نعم يا رسول الله وقد رواه النسائي في كتابه بإسناده عن أبي هريرة- ﵁ وفي حديثه: (ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق يا نبي الله)، فكيف نصرف معنى القول إلى المجاز، مع ثبوت ما ذكرناه، وأما رواية [٩٥/ب] من روى أنهم أومأوا أي: نعم، فإنها لا تدفع ما تقدم من الرواية؛ لاحتمال أن يكون الإيماء مستندا إلى فعل بعض من حضر فأومى إليه وأجابه آخرون بصريح القول، مع أن تلك الرواية لم تبلغ من الاشتهار والاعتبار إلى حيث تعارض وتدافع بها الروايات التي اشتهرت واتضحت، وقال الخطابي: ولو صح أنهما قالوا بألسنتهم، لم يكن ذلك ضائرا؛ لأنه لم ينسخ من الكلام ما كان جوابا لرسول الله ﷺ واستدل بحديث أبي سعيد ابن المعلى، أن النبي ﷺ مر عليه وهو يصلي فدعاه فلم يجبه، ثم اعتذر إليه، قال: كنت أصلي، فقال: (ألم تسمع الله يقول: ﴿استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾. وفي قوله هذا أيضا نظر لأن تحريم الكلام في الصلاة أمر مجمع عليه، وهذا الحديث يعني حديث ابن المعلى محتمل لوجوه، فلا سبيل

стр. 248

إلى صرفه إلى أحد الوجوه إلا بكتاب أو سنة أو إجماع، ولم يذكر عن أحد من الصحابة القول باستباحة الكلام على الوجه الذي يدعيه، وأقصى ما يذهب الذاهب إلى حديث أبي سعيد، أن يجعل إجابة الرسول ﷺ أولا له من إتمام الصلاة، ولا يلزم منه أن يقال: إن كلامه لم يكن ليخرجه من صلاته، فإن ذلك غير مفهوم عن الحديث، ثم إن الصلاة التي كان فيها، لم يذكر: أفريضة كانت أم نافلة، فربما يختلف الحكم باختلافها، والأغلب والأظهر أنها كانت نافلة، ثم إن حديث أبي سعيد إنما كان يصح الاستدلال له به مع هذه الاحتمالات: أن لو ثبت أن حديثه سبق قصة ذي اليدين، ولا سبيل إلى إثبات ذلك، كيف وهو مع هذا التأويل يدي أن قضية ذي اليدين كانت بعد نسخ الكلام بسنتين، وأبو سعيد المعلى مذكور في طبقته من أدرك النبي ﷺ وهو لم يبلغ الحلم، كالنعمان بن بشير، ومحمود بن الربيع ونظرائهما، فأنى يستقيم استثناء جواب الرسول ﷺ من جملة المنسوخ بحديثه؛ بعد ثبوت أن نسخ الكلام في الصلاة كان قبل بدر، على ما ذكرناه من حديث ابن مسعود. هذا وفي بعض ما أتى به أبو جعفر أيضا نظر، وهو تأويله قول أبي هريرة: صلى لنا رسول الله ﷺ أو صلى بنا) يعني: بالمسلمين، فالقول لا يكاد يستقيم في هذا الموضع والنظير الذي ذكره من قول النزال لا يعلم (٩٦/أ) من حيث اللهجة العربية؛ لأن المفهوم عندهم من قولنا: صلى فلان، أي: أمنا ودخلنا معه في صلاته، وذلك بإزاء قول القائل: صليت خلف فلان، ولا يصح هذا القول ممن لم يكن داخلا في صلاته، كيف وفي بعض طرق هذا الحديث عن أبي هريرة- ﵁ (بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ ) وأما قول نزال: قال لنا، أي: لقومنا، فإنه قول قويم، وذلك أن قوله: (إنا وإياكم ندعى بني عبد مناف) منبئ عن شرف وفضيلة وخصوصية يشمل القوم كلهم فيشتركون فيه، ونزال من جملتهم: فقوله: قال لنا، أي: فينا ولأجلنا، ولو قلنا نحن: قال لنا رسول الله ﷺ (صلوا خمسكم) لصح ذلك، لاشتراكنا مع السامعين منه في الأمر والخطاب، ولو قلنا: صلى بنا صح، ورحم الله أبا جعفر، فإنه جاد مجد في التوفيق بين الأحاديث إذا أشكلت لاختلاف ما، ونفى التضاد عنها، وهو أكبر أهل المعاني إصابة في هذا الباب، وإنما حمله على هذا التعمق شدة المحافظة على ما نقل من الصحابة ومن بعدهم من السلف وبقى الإحالة عن أقوالهم، فنظر في هذا الحديث والروايات المختلفة فيه والأقاويل المتضادة، فلم ير التخلص منها مساغا بحيث لا يفضي به التأويل إلى رد شيء من السنة إلا من هذا الوجه، قلت: والحديث الذي رواه أبو جعفر عن ابن عمر، أن إسلام أبي هريرة كان بعد ما قتل ذو اليدين حديث لين عند أهل النقل، لأن مداره على عبد الله بن العمري، وهو ضعيف عندهم، وعبد الله العمري هو: عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، لينه عبد الرحمن، ووثقه أبو جعفر على أصله في عدالة الرجل المسلم، ولما يؤيده من قول الزهري، فإنه كان يقول: إن ذا اليدين قتل يوم بدر، قال الطحاوي: وممن روى عنه ذلك الزهري مع حفظه وجلالة قدره في علماء الحديث وعلمه بالمغازي، قلت: وأكثر أهل النقل على أن ذا اليدين عاش حتى روى عنه المتأخرون من التابعين، فأما الذي قتل ببدر، فهو ذو الشمالين، رجل من خزاعة، وأصحاب المقالة الأولى يزعمون أن ذا اليدين كان يدعى ذا الشمالين، فسماه (٩٦/ب). النبي ﷺ ذا اليدين ومما يدل على ذلك حديث

стр. 249

أبي هريرة أن رسول الله ﷺ صلى يوما فسلم في ركعتين، ثم انصرف فأدركه ذو الشمالين، فقال يا رسول الله، أنقصت الصلاة أم نسيت؟ فقال: لم تنقص ولم أنس. فقال: والذي بعثك بالحق، فقال رسول الله ﷺ : أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم. فقال رسول الله ﷺ : فأتم الصلاة والحديث على هذا السياق رواه الشافعي في كتابه. قلت: ومما اختلف عن أبي هريرة في هذا الحديث أمر السجدتين فروى عنه أنه قال: لم يسجد رسول الله ﷺ يومئذ قبل السلام ولا بعده، رواه النسائي في كتابه ورواه أيضا بإسناده عن ابن سيرين عن أبي هريرة بمثله، وروى النسائي أيضا بإسناده عن ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ سجد في وهمه بعد التسليم. قلت: وحديث ابن سيرين هذا لا يناقض حديثه الأول لاحتمال أن تكون الصلاة التي ذكر أنه سجد فيها غير الصلاة التي صلاها يوم ذي اليدين، ومع هذه الاختلافات التي رويناها عن كتب أهل العلم بالرواية فلا سبيل إلى بيان هذا الحديث وتقرير الحكم فيه على وجه يخلو عن المناقضة إلا من أحد الوجهين: أحدهما: أن يجعل على أنه كان قبل ثبوت الأحكام واستقرار الشرائع على ما ذكره أبو جعفر، ولا يستقيم هذا القول إلا أن يقدر أن عمران بن حصين وأبا هريرة سمعاه عمن شهدها وليس في حديث عمران ما ينفي هذا التأويل، وفي بعض طرق حديث أبي هريرة ما ينفيه، وقد ذكرنا مع هذه الاختلافات التي ذكرناها في حديث أبي هريرة لو ادعى مؤول أن العبرة من تلك الروايات بما يوافق رواية غيره ويمكن معه التوفيق بينه وبين نظائره من الأخبار، وأن الراوي عن أبي هريرة أو الراوي عن غيره من رواة الحديث ربما سمع (صلى رسول الله ﷺ ) فوهم فيه فرواه (صلى بنا رسول الله ﷺ ) والذي يرويه (بينا أنا أصلي) فلعله سمع. (صلى بنا) فرواه كذلك على المعنى فلا حرج عليه في دعواه. وإذا كان الزهري مع جودة حفظه وغزارة علمه ومع اقتراب زمانه من زمان الوحي يقول: إن قصة ذي اليدين كان قبل بدر ثم أحكمت الأمور بعد ذلك فلا حرج على من بعده بقرون أن يبعد مرماه في التأويل، ليجمع بين هذه الأقاويل. والوجه الآخر: أن ندع التعرض لتاريخ وفاة ذي اليدين للاختلاف الذي فيه، والتعليل بالزمان الذي شرع فيه نسخ الكلام لمدافعة ذلك إعلام الراويين ونقول هذا الحديث يشتمل على أحكام خصت بمن شهد تلك الصلاة فلم تقم الحجة عليهم يومئذ لأنها لم تكن شرعت قبل ذلك فعذروا في مبدأ أمر السهو فيما فعلوا وقالوا. أو كان الحكم فيما امتحنوا به يومئذ على ذلك ثم تغيرت أحكام تلك الحادثة بعد ذلك وهذا الوجه أسلم من النواقض. فإن قيل أو ليس السبيل الذي سلكه أبو سليمان في تأويله أقوم وأمثل؟!. قلنا رحم الله أبا سليمان فإنه وإن كان آية في جودة البيان وحسن التقرير، فقد ترك الحجة في تأويله هذا باقية عليه، وهو أنه أطلق القول بصحة ألفاظ هذا الحديث على اختلافها ثم امتنع عن العمل بما يقتضيه سائرها؛ فمنها قول الراوي وخرجت السرعان من أبواب المسجد ومنها قوله: فانطلق إلى خشبة معروضة في المسجد، ومنها قوله فدخل يعني النبي ﷺ منزله، وفي رواية (فدخل حجرته)، وكل ذلك مما لا يرى به العمل في ضوء السهو فينفصم إذا عروة تأويله إذ ليس لأحد أن يعمل في حديث واحد ببعضه ثم يخالف بعضه الآخر.

стр. 250

باب سجود القرآن (من الصحاح) [٧٠٥] حديث ومن ابن عباس- ﵄ (ليس من عزائم السجود) العزم والعزيمة: عقد القلب على إمضاء الأمر، عزم عليه واعتزمه. والعزيمة والصريمة: هي الأمر الواجب الحتم ومنه العزائم لأنه يحتم فيها على الجن والهوام أن لا تضر. وفي حديث ابن مسعود (أن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه)، يعني بعزائمه: فرائضه التي حتم على العباد وجوبها، وفي الحديث (عزمة من عزمات الله تعالى) أي حق من حقوق الله وواجب مما أوجبه ومثله: (الجمعة عزمة) ومنه (نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا) أي: لم يوجب، وفي حديث قيام رمضان (من غير عزيمة) أي: من غير إيجاب وإلزام، وعزائم السجود: ما يحقق الإتيان به على التالي؛ بفعل الرسول ﷺ والتوقيف منه والمواظبة عليه. فأما من يذهب إلى وجوبها فلا حاجة به إلى التأويل، وأما من يذهب إلى أنها على الاستحباب فإنه يقول: عزائم السجود ما تحقق لسنة من قولهم عزم الأمر أي جد وتحقق، وقيل في قوله تعالى: ﴿فإذا عزم الأمر﴾ أي: حقت الحقائق، وكان ابن عباس يذهب في العزائم إلى معنى الوجوب أو التأكيد في حق السنة، وعلى أحد هذين المعنيين يحمل حديث علي- ﵁ أن عزائم السجود: آلم تنزيل، والنجم، واقرأ باسم ربك، وإنما أولنا حديث ابن

стр. 251

عباس كذلك لأنه لو أراد أنها ليست بسنة لكان قد ناقض في كلامه لقوله (وقد رأيت رسول الله ﷺ يسجد فيها وقراءته الآية ﴿الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ وقوله- (كان داود ممن أمر نبيكم أن يقتدي به فسجدها داود؛ فسجد رسول الله ﷺ ) - يدل على أنه أراد بعزائم السجود ما وجب منها والمعنى أن رسول الله ﷺ لم يؤمر بها ولم يأته فيها توقيف من ربه وإنما أمر أن نقتدي بمن سمي له في الآيات التي بعد قوله ﴿وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه﴾ إلى قوله ﴿فبهداهم اقتده﴾ فلما ذكر له سجد داود سجدها استحبابا لموافقته وايثارا لهديه. (ومن الحسان) [٧٠٧] حديث عقبة بن عامر: (قلت: يا رسول الله! فضلت سورة الحج بأن فيها سجدتين ...) الحديث؛ قوله في هذا الحديث: (فلا يقرأها) كذا وجدناه في نسخ المصابيح، بإعادة الضمير إلى السورة خلط والصواب في الرواية يقرأهما بإعادة الضمير إلى السجدتين، وعلى هذا الوجه روي في كتاب أبي داود وأبي عيسى وغيرهما من كتب أصحاب الحديث. ووجه النهي عن قراءتهما- والله أعلم- أن السجدة شرعت في حق التالي بتلاوته، والإتيان بها من تمام التلاوة وحقها، فإذا كانت بصدد التضييع فالأولى به تركها؛ لأنها لا تخلو إما أن تكون واجبة فيتأثم بتركها، أو سنة فيستضر بالتهاون بها. أما المعنى قد بيناه، وأما الحديث ففيه كلام، وليس هو من جملة الأحاديث التي يصح الاحتجاج بها، لضعف إسناده، فإنه مخرج عن عبد الله بن لهيعة قاضي مصر وهو ضعيف عندهم وقد روي عن بعض الصحابة أنهم رأوا في الحج سجدتين، وقد روي في حديث عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه أقرأه خمس عشرة سجدة، وهو حديث غريب. [٧١١] ومنه: حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة.

стр. 252

قلت: وهذا أيضا حديث لا يكاد يثبت ولو ثبت لم يلزم به حجة لما صح أن أبا هريرة قال: سجدنا مع النبي ﷺ في ﴿إذا السماء انشقت﴾، و ﴿اقرأ باسم ربك﴾، وأبو هريرة إنما لقى النبي ﷺ في (٩٨ م/أ) السنة السابعة من الهجرة، وأما حديث زيد بن ثابت: (قرأت على النبي ﷺ (والنجم) فلم يسجد فيها، فإن أبا داود روى هذا الحديث في كتابه، وقال: كان زيد الإمام فلم يسجد، والمعنى أن التالي كان زيدا، فحيث لم يسجد هو لم يسجد النبي ﷺ . قلت: والحديث محتمل إلى غير ذلك من الوجوه، وهو أن نقول: إذا صح عندنا أن النبي ﷺ سجد فيها، نحمل الأمر حيث تركها على أن عارضا منعه من ذلك، فلعله كان على غير وضوء، ولعله كان في وقت يكره فيه السجود، ويحتمل أن الحكم عنده يومئذ كان على اختيار من التالي إن شاء سجد، وإن شاء ترك. [٧١٣] ومنه حديثه الآخر: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله: رأيتني الليلة .. الحديث، الرجل الذي رأى هذه الرؤيا هو أبو سعيد الخدري، وقد روي عنه هذا الحديث. ومن باب أوقات النهي (من الصحاح) [٧١٤] قوله ﷺ في حديث ابن عمر- ﵁: (لا يتحرى أحدكم) الحراة والساحة والعقوة الناحية، وكذلك الحرى بالقصر وفتح الحاء، يقال حريت الشيء أي قصدت جانبه، وكذلك تحريت، وتحرى فلان بالمكان ليتمكث، وفلان يتحرى الأمر أي: يتوخاه ويقصده، ومنه قوله تعالى: ﴿فأولئك تحروا رشدا﴾ أي توخوا وعمدوا. ويحدث الرجل فيقول: بالحرى أن يكون كذا، وهذا الأمر محراة لذلك أي: مقمنة، مثل محجاة، وما أحراه مثل ما أحجاه، وأحر به مثل أحج به، ويقال: هو حري

стр. 253

أن يفعل كذا، مفتوحة الراء منونة: أي خليق وجدير، وهذا لا يثنى ولا يجمع، ويقال: هو حر بكسر الراء، وحرى على فعيل، ولهذا يثنى ويجمع، ومن الحرى اشتق التحري في [الأناين] ونحوهما، وهو طلب ما هو أحرى بالاستعمال في غالب الظن، كما اشتق التقمن من القمن، فلفظ الحديث محتمل لوجهين: أحدهما: التحري بمعنى التوخي والقصد، أي لا يقصد الوقت الذي تطلع فيه الشمس أو تغرب، ويتوخاه فيصلي فيه. والآخر: التحري بمعنى طلب ما هو أحرى بالاستعمال، أي لا يصلي في ذلك الوقت ظنا منه أنه قد عمل بما هو الأحرى، والأول أوجه وأبلغ في المعنى المراد منه؛ لأنه دال على النهي عن الصلاة في الوقتين على الإطلاق، والثاني مشعر بالنهي عن الصلاة فيه على وجه التحري، وفي معنى الوجه الأول قوله ﷺ في رواية: (ولا تحينوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها). يقال: حينت الشيء: أي جعلت له حينا، وأحينت بالمكان: أي أقمت به حينا، وحينت الناقة: إذا جعلت لها في كل يوم وقتا تحلبها، وبمعناه جاء التحين، ومنه الحديث: (تحينوا نوقكم) وقد فسر فقيل: هو أن تحلبها [٩٨ م/ب] مرة واحدة في وقت معلوم. ومعنى قوله: (لا تحينوا بصلاتكم) أي لا تجعلوا ذلك الوقت حينا للصلاة، بصلاتكم فيه، يقال: تحين الوارش إذا انتظر وقت الأكل ليدخل. وعلى هذا فالمعنى: لا تنتظروا بصلاتكم حين طلوع الشمس، ولا حين غروبها، وبين القضيتين- أعني قضية الواغل الذي يدخل إلى الطعام لم يدع إليه، وقضية من يصلي في وقت لم يؤذن له فيه- مناسبة لا تخفى على من تدبرها. وقد جاء التحين بمعنى ترقب الحين، ومنه حديث ابن عمر- ﵄، حين سئل عن وقت رمي الجمار؟ (قال: كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا). [٧١٥] ومنه قول عقبة بن عامر في حديثه الذي يرويه عن النبي ﷺ : (وحين يقوم قائم الظهيرة) أي تقوم الشمس وقت الزوال. قال الأزهري: هو من قولهم: قامت به دابته أي: وقفت، ومنه قوله تعالى: ﴿وإذا أظلم عليهم قاموا﴾ أي وقفوا قال: وسمعت العرب تقول للدابة إذا أفلتت: قومي قومي، أي: قفي. قلت: والمعنى: الشمس إذا بلغت كبد السماء في أوان امتداد النهار في الطول لا تزول إلا بعد ريث وبطوء في مدرك الحس، فيقال: قام قائم الظهيرة، فيحسب المتأمل أنها وقفت وقفة؛ ولا وقوف لها في الحقيقة، فأحرى لفظ القيام على حسب ما يخيل إلى الناظر إليها.

стр. 254

وفيه: (وحين تضيف الشمس): أصل الضيف: الميل، يقال: ضفت إلى كذا، وأضفت كذا إلى كذا، وضافت الشمس للغروب وتضيفت، وضضاف السهم عن الهدف يضيف، وسمى الضيف ضيفا لميله إلى الذي ينزل عليه. [٧١٧] ومنه: قوله ﷺ في حديث عمرو بن عبسة السلمي- ﵁: (فإن الصلاة مشهودة

стр. 255

محضورة): أي يشهدها ويحضرها أهل الطاعة من سكان السموات والأرضين وفي غير هذه الرواية عن عمرو بن عبسة: (مشهودة مكتوبة) أي: يشهدها الملائكة، فيكتب أجرها للمصلين، وهذه الرواية أبلغ في المعنى لما فيها من التنبيه على أن الصلاة المتقبلة المثاب عليها ما أقيمت في تلك الساعة المشهودة فيها، وأن ما أقيمت منها في الأوقات المنهي عنها لا يكتب لها ثواب، ولا يرفع لها ميزان. وفيه (حتى يستقل الظل بالرمح)،كذا وجدناه في سائر نسخ المصابيح، وفيه تحريف، وصوابه: حتى يستقل فيه، وكنت أرى أن الغلط وقع في المصابيح حتى رأيته في بعض نسخ كتاب مسلم على هذا (٩٩/أ) الوجه، فعرفت أن الاختلاف فيه من بعض الرواة. وقد ذكر الحافظ أبو موسى في كتابه الموسوم بمجموع المغيث ولفظه: (حتى يستقل الرمح بالظل) وعلى نقله كل المعول، وذكر في تفسيره أن (استقل) هاهنا بمعنى (قل)، وذكر كلاما حاصله: أن المراد منه أن ظل الرمح يرجع إلى أدنى غاية النقصان وذلك وقت الزوال. والمراد: المعنى صحيح ولكن في تفسير الاستقلال على معنى القلة كلام؛ لأنه لم يوجد في كلامهم وأراه قد نقله عن بعض الحفاظ ولم يأت فيه بحجة واستشهاد، قلت: وإنما يستعمل الاستقلال على وجوه: أحدها: استقله إذا عده قليلا كقولهم. والثاني: استقلت السماء أي: ارتفعت وربما قيل: تقالت، ومنه الحديث (حتى تقالت الشمس) أي: ارتفعت في السماء كذا فسروا. الثالث: استقل القوم أي: ارتحلوا ومضوا ومعناه راجع إلى الاستقلال الذي هو بمعنى الارتفاع ومنه قولهم أيضا: استقل بالشيء إذا رفعه وحمله. ومعنى قولهم: (يستقل الرمح بالظل) أي: يرفع ظله من الأرض وهو على المجاز والاتساع كقولهم: ألقت الشجرة ظلها ورفعته، ومن المعلوم أن المراد من الاستقلال في هذا الحديث أن الظل يرفع بارتفاع الشمس إلى أن تبلغ في الزوال ويتفاوت ذلك في البلدان على حسب قربها وبعدها من خط الاستواء بتفاوت ارتفاع الشمس وانحطاطها في مجاريها من الفلك. ووجه اختصاص الرمح بالذكر في بيان الزوال- والله أعلم- أن القوم في غالب أمرهم كانوا يسكنون البوادي ويستقيلون المفاز فإذا أرادوا معرفة الوقت ركزوا رماحهم في الأرض، ثم إن الرمح أصلح شيء لذلك لاستوائه واعتداله وامتداد ظله، وقد روي هذا الحديث بطرق مرضية على غير هذا السياق فرواه أبو داود وفيه روايته (حتى يعدل الرمح ظله)، ومعناه: حتى يصرفه عن النقصان إلى الاستواء الذي لا نقصان بعده. وفي كتاب النسائي (حتى تعتدل الشمس اعتدال الرمح بنصف النهار) وكل هذه الألفاظ راجعة إلى معنى واحد، وإنما وقع الاختلاف في ألفاظ الحديث من جهة الرواية بالمعنى من قبل الرواة ومن قبل الصحابي لأنه تحدث به كرة بعد وأخرى فاختلفت ألفاظه على حسب ذلك.

стр. 256

(ومن الحسان) [٧٢٠] حديث جبير بن مطعم- ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يا بني عبد مناف! من ولي منكم من أمر الناس شيئا (٩٩ م/ب) ... الحديث) أورد أبو داود هذا الحديث في باب الدعاء، فرأى معنى قوله: صلى أي: دعا أي ساعة شاء، وقد استدل بظاهره من جوز الصلاة بمكة في الأوقات المنهية، مع اختلاف أقاويل الصحابة في المنع والجواز، فمنهم من لا يجوز ذلك أصلا، منهم عمر بن الخطاب- ﵁ طاف بالبيت بعد الصبح فلم يركع، فلما صار بذي طوى وطلعت الشمس صلى ركعتي الطواف. وقد روي ذلك عن معاذ بن عفراء وغيرهم. ومنهم من يرى للطائف أن يصلي ركعتي الطواف بعد العصر قبل اصفرار الشمس، وبعد الصبح قبل طلوع الشمس، ولا يرى ذلك في الساعات الثلاث منهم ابن عمر- ﵁ وقد اختلف عليه في ذلك، ومنهم من يجوزه في سائر الأوقات، منهم أبو الدرداء- ﵁ وقد روى عنه عبد الله بن باباه أنه طاف بعد العصر، وصلى قبل مغارب الشمس، فقال له عبد الله: أنتم أصحاب محمد ﷺ تقولون: لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس؟! فقال: إن هذا البلد ليس كسائر البلدان. قلت: ولم يكن أحد منهم ليذهب إلى ما ذهب إليه إلا وعنده متمسك، وإن كان بعضه أقوى من بعض وبعضهم أولى من بعض. وأما هذا الحديث فإن الاحتجاج به- في الصلاة بمكة في الوقت الذي نهى عنه أن يصلى فيه- هين لين، وإنما كان الاستدلال يصح به أن لو كان المنع المنهى عنه من أجل الصلاة في الأوقات المكروهة وليس الأمر على ذلك. ووجه الكلام ومجمله إنما يعرف من أصل القضية وصيغة الحادثة، وهذا الأمر إنما صدر عن النبي ﷺ ؛ لأن بطون قريش وعمائرها كانوا يسكنون حوالي المسجد محدقين به، ولكل بطن منهم باب يدخل منه المسجد وإلى الآن له أبواب تنسب إليهم، كباب بني شيبة، وباب بني سهم، وباب بني مخزوم، وباب

стр. 257

بني جمع، وكان من وراءهم من حلا الحرم والقادمين عليهم يمرون عليهم إذا دخلوا المسجد فربما أغلقوا تلك الأبواب إذا جن عليهم الليل فلم يستطع الزائر أن يجوس من خلال ديارهم في هجعة من الليل فيدخل المسجد فيطوف بالبيت؛ فأعلمهم النبي ﷺ أن ليس لهم أن يصنعوا هذا الصنيع وأن يمنعوا عباد الله عن منسكهم ويحولوا بينهم وبين متعبدهم، وأباح للزائرين التمتع بالبيت المبارك في سائر الأوقات ونهى أصحاب الديار الواقعة حوله أن يحتجزوا دورهم، فموقع قوله ﷺ : أي وقت شاء من ليل أو نهار هو المعنى الذي ذكرناه لإباحة الصلاة في أوقات نهينا عن الصلاة فيها. قلت: وإنما خص بني عبد مناف بهذا الخطاب دون بطون قريش لعلمه بأن ولاية الأمر متأول إليهم، مع أنهم كانوا رؤساء مكة وساداتها وفيهم كانت السدانة والحجابة واللواء والسقاية والوفادة؛ فخصهم بالخطاب ليمتنعوا بأنفسهم عن هذا الصنيع، ويأخذوا على يدي من يبتغيه، ويحتمل أنه أشفق عليهم من الابتداع بمنع الناس عن الطواف ليخلو لهم المطاف والبيت؛ فحذرهم عن ذلك، وقد كان الأمراء من بني مروان ومن حج من الخلفاء من بني العباس يصنعون ذلك. قلت: وهذا القول إن كان صدر عن النبي ﷺ زمن الفتح فالأظهر أنه أشار به إلى الذي أراد أن يوليه أمر مكة، وهو عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، استعمله رسول الله ﷺ على مكة، حين خروجه إلى حنين فلم يزل أميرا عليها حتى قبض رسول الله ﷺ والخليفة من بعده، فتوفي بمكة يوم توفي الصديق بالمدينة. ومن باب الجماعة وفضلها (من الصحاح) [٧٢٣] حديث عبد الله بن عمر- ﵄ قال رسول الله ﷺ : (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) قلت: قد روي عن أبي هريرة- ﵁ أن النبي ﷺ قال: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءا)، ووجه التوفيق بين الحديثين أن نقول: عرفنا من تفاوت الفضل في حديث ابن عمر- ﵁ أن سماعه عن النبي ﷺ لحديثه ذلك كان بعد سماع أبي هريرة لما ذكرناه، لأن الزيادة في الفضل ينبغي أن تكون آخر الأمرين، فإن الله سبحانه يزيد عباده من فضله، ولا ينقصهم من الموعود شيئا، فالنبي ﷺ حث المؤمنين بما ذكر من الفضيلة على صلاة الجماعة في حديث أبي هريرة على ما تبين له من أمر الله، ثم رأى أن الله تعالى من عليه وعلى أمته بالزيادة على الموعود، وذلك بجزئين على ما في حديث ابن عمر، فبشرهم به، وحثهم على الجماعة،

стр. 258

وهذاك اختلاف ترتيب لا اختلاف تناقض، وهذا الذي ذكرناه هو الضابط في التوفيق بين الأحاديث التي توجد من هذا القبيل، والتوفيق بين الأحاديث المختلفة في الوعيد أيضا على هذا النمط، لأن الحكيم إذا زجر العباد عن أمر بنوع من الوعيد [١٠٠ م/ب] ثم زجرهم بما يزداد عليه، فالسبيل في الحديثين أن يكون الناقص متقدما والزائد متأخرا على ما ذكرناه في الوعد فإنه أبلغ في المعنى المراد منه وأدعى للعباد إلى ترك الأمر المزجور عنه. وأما وجه قصر أبواب الفضيلة على خمس وعشرين تارة وعلى سبع وعشرين أخرى، فإن المرجع في حقيقة ذلك إلى علوم النبوءة التي قصرت عقول الألباء عن إدراك جملها وتفاصيلها، وسائغ من طريق التقريب والاحتمال أن يقال: وجد النبي ﷺ الفوائد المختصة بصلاة الجماعة تارة على ما في حديث أبي هريرة وتارة على ما في حديث ابن عمر فأخبر عنها على ما كوشف به، وذلك مثل فائدة اجتماع المصلين؛ وفائدة صفوفهم، وفائدة الاقتداء وفائدة إظهار شعار الإسلام وغير ذلك، وبعد هذا فللفهم في هذه العرضة مضطرب واسع، ولكن الأولى بنا أن نقف حيث أوقفنا الله تعالى ونسلم الأمر فيه إلى من كاشفه الله بحقائقه ﷺ بمبلغ ما خصه به من المعاني. [٧٢٣] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ (والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب ...) الحديث، صواب هذا اللفظ يحتطب وهذا الحديث على السياق الذي في المصابيح أخرجه البخاري في كتابه في باب (إخراج الخصوم وأهل الريب من البيوت) ففي بعض نسخه يتحطب على وزن التفعل، وفي بعضها يحتطب من الاحتطاب فعلمنا أن الغلط وقع من بعض رواة الحديث إذ التحطب على زنة التفعل لم نجده مستعملا في شيء من كلامهم وإنما يقال حطبت الحطب واحتطبته أي جمعته، وهذا التغليظ يحمله بعض أهل العلم على العموم في ترك صلاة الجماعة، وليس الأمر على ذلك بل المعنى به أهل النفاق في زمان النبي ﷺ ، لأنه لم يكن ليتخلف عن الصلاة خلفه بالعلل الداحضة إلا المنافقون وهم الذين لا صلاة لهم بالحقيقة، ولو أحرقت عليهم بيوتهم كان أحقاء بذلك ومن الدليل على صحة ما ذهبنا إليه من التأويل قوله ﷺ (أن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة ...) الحديث رواه مسلم في كتابه عن أبي هريرة على هذا السياق، ورواه أيضا عن ابن مسعود- ﵁ (١/أ) وفي روايته أن النبي ﷺ قال لقوم يتخلفون عن الجمعة (لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال- يتخلفون عن الجمعة- بيوتهم)، وفيه: (لو يعلم أحدهم أنه عرقا سمينا أو مرماتين حسنتين) العرق بفتح العين وسكون الراء:

стр. 259

مصدر قولك عرقت العظم أعرقه بالضم عرقا ومعرقا إذا أكلت ما عليه من اللحم. والعرق أيضا: العظم الذي أخذ عنه اللحم والجمع عراق بالضم، وهو المراد به في هذا الحديث، وإنما وصفه بالسمن إشارة إلى بقاء شيء من اللحم عليه، وفي كتاب مسلم عظما سمينا، ويحتمل أنه وصفه بالسمن لأنه استخلص من لحم سمين فيكون رخوا دسما، وأما المرماة قد فسرت بما بين ظلف الشاة من اللحم، وقد يفتح منه الميم، فإنه كان المراد منهما ما بين ظلفي الشاة فإنما وصفهما بالحسنتين ليكون مشعرا ببقاء محل الرغبة فيهما كما وصف العظم بالسمن؛ إذ المفهوم من المرماة: ما يرمى من الشاة فلا ينتفع بها، وقال أبو سعيد بن الأعرابي: المرماتان في هذا الحديث هما سهمان يرمي بهما فيحرز سبقه يقول: يسابق إلى إحراز الدنيا وسبقها ويدعى سبق الآخرة. [٧٢٤] ومنه حديثه الآخر: (أتى النبي ﷺ رجل أعمى ... الحديث) الأعمى الذي ذكر في هذا الحديث هو ابن أم مكتوم لما روي عن أبي هريرة أنه قال: جاء ابن أم مكتوم إلى النبي ﷺ وذكر الحديث، وقد روي عن ابن أم مكتوم أنه قال: (أتيت النبي) ﷺ فقلت: يا رسول الله إني شيخ ضرير البصر شاسع الدار ولي قائد لا يلائمني، وبيني وبين المسجد شجر وأنهار فهل لي من عذر إذا أصلي في بيتي. فقال: تسمع النداء؟ قلت: نعم. قال: فأتها). وابن أم مكتوم اسمه عمرو وقيل عبد الله وقد اختلف في اسم أبيه والأكثرون على أنه قيس بن زائدة بن الأصم القرشي العامري من بني عامر بن لؤي، وأمه عاتكة بنت عنكثة المخزومية وفي حديثه هذا متمسك لمن يذهب إلى وجوب حضور الجماعة على الضرير

стр. 260

كوجوبها على الصحيح، ومن يرى ذلك فإنه [١٠١/ب] يجعله بمنزلة اليسير الذي لا يهتدي إلى السبيل، وقد عارض هذا الحديث حديث عتبان بن مالك الأنصاري، وهو حديث صحيح وفيه أنه قال: يا رسول الله إني قد أنكرت بصري وأنا أصلي لقومي فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم ولم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي لهم، فوددت أنك يا رسول الله ﷺ تأتي فتصلي في مصلى فأتخذه مصلى قال: فقال رسول الله ﷺ سأفعل إن شاء الله .. الحديث، وبهذا الحديث تمسك من رأى خلاف القول الأول وليس قصدنا في بيان ذلك المناضلة عن أحد الفريقين فإن العلماء الذين أفضى بهم اجتهادهم إلى هذا الخلاف لأغنياء بوفور علمهم، ودقة نظرهم عن تصدي أمثالنا للذب عنهم وإنما القصد طلب التوفيق ونفي التضاد عن الحديثين على ما تكفلنا به ما أمكننا. فنقول التوفيق بينهما إنما يتيسر من وجهين: أحدهما: أن نقول إنما رخص رسول الله ﷺ لعتبان أن يصلي في بيته؛ لأنه ذكر أن السبيل يحول بينه وبين مسجد قومه فلا يستطيع أن يعبر الوادي وهذا حكم يستوي فيه الصحيح والضرير ولو كان عتبان متعللا بإنكار البصر لم يفتقر إلى التعلل بوقوع الأمطار وسيلانها في الوادي. والآخر: أن نقول أمر النبي ﷺ ابن أم مكتوم محتمل للوجوب ومحتمل للندب والاستحباب، وقد نظرنا في هذا الحديث وصيغته واختلاف طرقه وما يعارضه من حديث عتبان فرأينا حمله على الاستحباب أوجه فمن ذلك أن النبي ﷺ صرف قوله عن قاعدة الجواب، حيث سأله أن يرخص له، فقال: هل تسمع النداء؟ ولم يصرح له بعدم الرخصة. وفي غير هذه الرواية أنه قال فهل لي من عذر؟ قال: هل تسمع النداء؟ وكان من صريح القول أنه يقول ما لك رخصة أو ما أشبه ذلك فلم يرد الجواب على وتيرة السؤال بل قال: فأتها. وقد روى مسلم هذا الحديث في كتابه ولفظه (أتى النبي ﷺ رجل أعمى فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له فيصلي في بيته فرخص له فلما ولى دعاه فقال: هل تسمع النداء بالصلاة، قال: نعم: قال: فأجب). قلت: فوجه ذلك أن النبي ﷺ نبأ ابن أم مكتوم بالرخصة في أول الأمر [١٠٢/أ] ثم دعاه إلى العزيمة نظرا له واختيارا للأصلح وإرشادا إلى ما هو الأليق بحاله وزمانه، فقد كان هو من فضلاء المهاجرين والسابقين الأولين وكان لا يرغب يومئذ عن إدراك فضيلة الصلاة مع رسول الله ﷺ إلا مغموص عليه بالنفاق أو جاهل بما له في ذلك أو عاجز عن الحضور. وقد أشار مسلم في كتابه إلى تعليل هذا الحديث بإيراد حديث ابن مسعود بعده هو- ﵀ حسن السياق للأحاديث مبين لعللها في مدارج الترتيب فروى بإسناده عن ابن مسعود أنه قال: (لقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق قد علم نفاقه أو مريض إن كان المريض ليمشي بين رجلين حتى يأتي الصلاة). قلت: فلما ذكرناه من الوجوه لم يقتصر النبي ﷺ في جوابه على الرخصة بل كشف له عنها

стр. 261

ابتلي به من الزمانة، وأشار ثانيا إلى العزيمة لما عرف فيه من الجلادة وتفرس فيه من النجابة والصرافة والنجدة والشهامة وقد ظهر منه آثارها وتبين علاماتها بعد حين فخرج في خلافة عمر- ﵁ مناهضا أعداء الله، فشهد فتح القادسية، وكان صاحب راية المسلمين يومئذ فمن قائل إنه استشهد هنالك، ومن قائل إنه انحاز إلى المدينة راشدا فتوفي بها- ﵁. [٧٣١] ومنه: حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة. البخور بالفتح ما يتبخر به كالفطور والسحور وإنما خص العشاء الآخرة بالنهي؛ لأنها تؤدي عند إقبال الليل وارتكام الظلام وهدوء الأقدام وتهيؤ الناس للمنام واستيلاء الشيطان بالوسوسة واستحواذه على النفوس الشريرة يتمكنها عند ذلك من قضاء الوطر بخلاف صلاة الصبح فإنها دون إدبار الليل وإقبال النهار وحينئذ تنعكس القضية ويتحقق للنفوس حصول الحاجز بينها وبين ما تبتغيه، وفي معنى حديث أبي هريرة هذا حديث زينب بنت عبد الله الثقفية امرأة عبد الله ابن مسعود قالت: قال رسول الله ﷺ (إذا شهدت إحداكن العشاء فلا تمس طيبا). (ومن الحسان) [٧٣٣] في حديث أبي هريرة قوله ﷺ (وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها) أراد

стр. 262

بالمخدع البيت الذي يخبأ فيه حر المتاع وهو الخزانة، أخذ من الخدع وهو إخفاء الشيء وكسر الميم لغة فيه (١٠٢/ب). كالمصحف والمصحف. قال الفراء: أصله الضم إلا أنهم كسروه استثقالا، وقد ذكر بعض الحفاظ في حديث رواه: دخل على بيتي قال: ادخل المخدع فذكر فيه الفتح أيضا، ولا أدري أشيء نقله من أهل اللغة أم من طريق الرواية. [٧٤١] ومنه: حديث جابر- ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (لا تؤخر الصلاة لطعام ولا لغيره) المعنى: لا تؤخر عن وقتها، وإنما ذهبنا إلى ذلك دون التأخير على الإطلاق لقوله ﷺ (إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعشاء) فجعل له تأخير الصلاة مع بقاء الوقت في هذا الحديث، وعلى هذا فلا اختلاف بين الحديثين. ومن باب تسوية الصف (من الصحاح) [٧٤٢] حديث النعمان بن بشير كان رسول الله ﷺ يسوي صفوفنا حتى كأنما يسؤي القداح ... الحديث، القداح بالكسر: السهم قبل أن يراش ويركب نصله، وقدح الميسر أيضا والجمع قداح وأقداح

стр. 263

وأقاديح، وضرب المثل بالقداح في تسوية الصفوف من أبلغ الأشياء في المعنى المراد منه؛ لأن القدح لا يصلح للأمر الذي عمل له إلا بعد الانتهاء إلى الغاية القصوى في الاستواء، وإنما جمع مع وقوع الكفاية بلفظ الواحد لمكان الصفوف أي: يسوى كل صف على حدته كما يسوي الصانع كل قدح على حدته. وفيه: (أو ليخالفن الله بين وجوهكم) ذهب بعض المؤولون إلى أن المراد من الوجوه وجوه القلوب يعني هواها وإرادتها واستدل بحديث أبي مسعود الأنصاري الذي ذكر في هذا الباب: (لا تختلفوا فتختلف قلوبكم) وذكر عن علي- ﵁ أنه قال: (استووا فتستوي قلوبكم) والتأويل الأحسن والوجه الأسد أن نقول، نهاهم عن التسامح في اختلاف الأبدان دون القيام في صف الصلاة بين يدي الله تعالى فإنهم إذا فعلوا ذلك عوقبوا باختلاف القلوب، ويفضي بهم اختلاف القلوب إلى اختلاف الوجوه بإعراض يعضهم عن بعض. [٧٤٦] ومنه: حديث عبد الله بن مسعود- ﵁ قال رسول الله ﷺ : (ليليني أولو الأحلام منكم والنهى) الحديث الولي القرب والدنو، يقال: تباعدنا بعد ولي، وكل مما يليك أي: مما يقاربك، يقال: وليه يليه بالكسر فيهما، وهذا شاذ ومن [حق هذا] (١٠٣/أ) اللفظ أن يحذف منه الياء، لأنه على صيغة الأمر غير أن الرواة يروونها بإثبات الياء وسكونها ووجدناها مثبتة في رسم الخط في سائر كتب الحديث، فالظاهر أنه غلط من بعض الرواة على النمط الأول أثبتوا الياء في الخط على أصل الكلمة قبل دخول لام الأمر، فتداولتها ألسنة الرواة فأثبتوها في اللفظ. فأما من نصب الياء وجعل اللام فيها الناصبة، فالوجه فيه لو ثبتت الرواية أن يقال: اللام متعلقة بمحذوف دل عليه أول الحديث والراوي لم يذكر ذلك اختصارا للحديث وفيه تعسف بل ليس بشيء. والحلم ضبط النفس عن هيجان الغضب، وجمعه أحلام. وفسرت بالعقول، وليس الحلم في الحقيقة هو العقل ولكن فسر به من مقتضيات العقل، والنهية: العقل النائي عن القبائح، وجمعها نهى والمعنى: ليدن مني العلماء النجباء أولو الأخطار، وذوو السكينة والوقار، وإنما أمرهم بالقرب منه ليحفظوا

стр. 264

صلاته ويضبطوا الأحكام والسنن التي فيها فيبلغوها فيأخذ عنهم من بعدهم ثم لأنهم أحق بذلك الموقف والمقام وفي ذلك بعد الإفصاح بجلالة شيءونهم ونباهة أقدارهم حثهم على المسابقة إلى تلك الفضيلة والمبادرة إلى تلك المواقف والمصاف قبل أن يتمكن منها من هو دونهم في الرتبة وفيه إرشاد لمن قصر حاله عن المساهمة معهم في المنزلة أن يزاحمهم فيها، وقد كان رسول الله ﷺ إذا صلى قام أبو بكر [...] خلفه محاذيا له، لا يقف ذلك الموقف غيره، والذي يعول عليه من هذا الوجوه ويقطع به: الأول؛ لما ورد في الحديث أن النبي ﷺ كان يعجبه أن يليه المهاجرون والأنصار ليحفظوا عنه. وفيه (وإياكم وهيشات الأسواق) أراد بها ما يكون في الأسواق من الجلبة وارتفاع الأصوات، والهيشة: الفتنة والهيج والاضطراب. وكل شيء هوشته فقد خلطته ويقال: الهيشات والهوشات وبالواو أكثر استعمالا في كلامهم وفي كتاب مسلم بالياء، وقد روي في غير هذا الحديث عن ابن مسعود- ﵁ (إياكم وهوشات الليل، وهوشات الأسواق). [٧٤٨] ومنه: حديث جابر بن سمرة- ﵁ خرج علينا رسول الله ﷺ فرآنا حلقا ... الحديث أي: رآنا جلوسا حلقة حلقة كل صف منا قد تحلق في ناحية، والحلق جمع حلقة بالتسكين على غير قياس قال الأصمعي: الجمع حلق وحلقات قال ثعلب: وكلهم يجري على ضعفه وفيه (مالي أراكم عزين) العزة الفرقة من الناس، والهاء عوض من الياء، والجمع عزى وعزون بالضم أيضا، ولم يقولوا عزاة كما قالوا ثبات والمعنى: مالي أراكم أشتاتا متفرقين وفي معناه قولوه تعالى: ﴿عن اليمين وعن الشمال عزين﴾. وفيه: (ويتراصون في الصف) أي يتلاصق بعضهم ببعض يقال: رصصت البنيان أي ألصقت بعضه ببعض، ومنه قوله تعالى: ﴿كأنهم بنيان مرصوص﴾ أي: لاصق البعض بالبعض ومنه الحديث: (أقيموا صفوفكم وتراصوا) أي: تلاصقوا حتى لا يكون بينكم فرج. (ومن الحسان) [٧٥٠] قوله ﷺ في حديث أنس-﵁ (كأنها الحذف) الحذف بالحاء المهملة، والذال المعجمة المفتوحة غنم سود صغار من غنم الحجاز الواحدة حذفة وفي غير هذه الرواية (كأنها بنات حذف).

стр. 265

[٧٥٥] ومنه حديث ابن عباس- ﵁ عن النبي ﷺ : (خياركم ألينكم مناكب في الصلاة) قال الخطابي: معنى لين المناكب لزوم السكينة في الصلاة والطمأنينة فيها، ولا يلتفت ولا يحاك منكبه منكب صاحبه قال: وقد يكون فيه وجه آخر وهو أن لا يمتنع لضيق المكان على من يريد الدخول بين الصف لسد الخلل بل يمكنه من ذلك ولا يدفعه بمنكبه.

стр. 266

قلت: والوجه هو الأول إذ لم يذكر هذا الحديث إلا في باب تسوية الصفوف وترصيصها في سائر كتب الأحكام. ومن باب الموقف (من الصحاح) [٧٦٣] حديث سهل بن سعد الساعدي- ﵁ أنه سئل: من أي شيء المنبر قال هو من أثل الغابة ... الحديث). الأثل شجر وهو نوع من الطرفاء والغابة في هذا الحديث اسم مال من أموال عوالي المدينة وهي في اللغة الأجمة. وفيه (عمله فلان مولى فلانة). قيل فلان هو باقوم الرومي وذكر الحافظ أبو عمر النمري في كتاب (الاستيعاب) باقوم الرومي وقال: روى عنه الصالح مولى التوءمة قال: صنعت لرسول الله ﷺ منبرا من طرفاء ثلاث درجات وأما فلانة فقد قيل: إن اسمها عائشة ولم تنسب وهي امرأة من الأنصار، ولم يتحقق اسمها عند أهل النقل. وفيه: (ثم رجع القهقرى) القهقرى الرجوع إلى الخلف. فإذا قلت: رجعت القهقرى فكأنك قلت رجعت الرجوع الذي يعرف بهذا الاسم؛ لأن القهقرى ضرب من الرجوع كما أن الخيزلى ضرب من المشي ووجه رجوعه ﷺ القهقرى حتى يسجد على الأرض وعوده إلى المنبر أن يكون شيئا بعد شيء من غير أن يصدر عنه الأعمال المتداركة، وإنما صنع ذلك ليبرز للناس فيأخذ عنه القريب والبعيد والعلة ذكرت في متن الحديث. قلت: وهذا الصنيع منه كطوافه على البعير ليؤخذ عنه أحكام الطواف.

стр. 267

(ومن الحسان) [٧٦٤] حديث عائشة- ﵂ (صلى رسول الله ﷺ في حجرته والناس يأتمون به من وراء الحجرة) المراد بالحجرة في هذا الحديث المكان الذي كان يحتجره من المسجد بالحصير إذا أراد الاعتكاف والصلاة التي كان يصليها في تلك الحجرة قيامه في ليالي رمضان ومن الناس من يرى أن المراد بالحجرة المذكورة في الحديث بيت عائشة أو بيت إحدى أمهات المؤمنين، والأمر بخلاف ما توهمه؛ لأن صلاة النبي ﷺ في بيته مع اقتداء الناس به في المسجد أمر لم ينقل ثم إن ذلك لا يتم إلا بشرائط لم توجد هنالك ولو كان النبي ﷺ فاعلا ذلك لفعل في مرضه ولم يتجشم التهادي بين رجلين [ورجلاه] تخطان في الأرض. وقد روي أن باب حجرة عائشة- ﵂ كان في القبلة ولا يتصور اقتداء من هو في المسجد بمن هو في حجرتها، وحسبك من الدليل على صحة هذا التأويل حديث زيد بن ثابت- ﵁ وهو حديث صحيح ولفظه أن النبي ﷺ احتجر حجرة في المسجد من حصير فصلى بها رس ٠ ول الله ﷺ ليالي حتى اجتمع إليه ناس ثم فقدوا صوته فظنوا أنه قد نام ... الحديث. ومن باب الإمامة (١٠٤/أ) (من الصحاح) [٧٦٥] قوله ﷺ في حديث أبي مسعود البدري- ﵁ (ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه) السلاطة التمكن من القهر وهو التسلط، ومنه السلطان والسلطان يقال في السلاطة، وقد يقال لذي السلاطة والمراد بها ههنا السلاطة والمعنى: لا يؤمن الرجل الرجل في محل ولايته ومظهر سلطانه أو فيما

стр. 268

يملكه أو في محل يكون في حكمه ويعضد هذا التأويل الرواية الأخرى (في أهله) وفيما يرويه مالك بن الحويرث (من زار قوما فلا يؤمهم وليؤمهم رجل منهم) وكل ذلك راجع إلى معنى واحد وهو أن الجماعة شرعت لاجتماع المؤمنين على الطاعة وتألفهم وتوادهم وإذا أم الرجل الرجل في سلطانه أفضى ذلك إلى توهين أمر السلطنة، وخلع ربقة الطاعة عن الأعناق، وإذا أمه في أهله أو في قومه أدى ذلك إلى التباغض والتقاطع وظهور الخلاف الذي شرع لرفعه الاجتماع والنبي ﷺ لما بين أن الاستحقاق في التقدم يدور على أربع مراتب وهي المهارة في القراءة، والعلم بالسنة والقدم في الهجرة والكبر في السن ثم رأى أن الناس لو وكلوا في ذلك إلى اختيارهم لهام بهم الأهواء في كل واد وتعسف بهم اختلاف الآراء في كل مسلك فأعلمهم أن مراعاة هذه المراتب وإن كان هو الحق الأبلج فإن التقدم به على ذي السلطنة لاسيما في الأعياد والجمعات غير سائغ وكذا التقدم على إمام الحي ورب البيت للعلل التي ذكرناها إلا أن يؤذن لهم فيه ويدخل في معنى ما ذكرنا من التوقي عن مظان التنافر والتقاطع قوله ﷺ : (ولا يقعد على تكرمته إلا بإذنه) والتكرمة ما يعد للرجل إكراما له في منزله من وطاء وفراش وسرير ونحوه وزعم بعضهم أن تكرمته مائدته ولا سناد لهذا التفسير من نقل معتد به ولا من مأخذ مستقيم. (ومن الحسان) [٧٦٩] حديث أنس- ﵁ (أن النبي ﷺ استخلف ابن أم مكتوم يؤم الناس وهو أعمى) قلت: وقد روي عنه أن النبي ﷺ استخلف ابن أم مكتوم على المدينة مرتين، وقد ذكر أهل العلم (١٠٥/أ) بأيام رسول الله ﷺ أنه استخلفه على المدينة في ثلاث عشرة غزوة من غزواته فالسبيل أن أنسا لم يحفظ من تارات الاستخلاف ما حفظه غيره وبهذا الحديث ونظائره التي ذكرناها من علماء النقل يستدل من يقيم الأعمى مقام البصير في الإمامة ومن لا يرى بإمامته بأسا وفي ذلك نظر؛ لأن النبي ﷺ إنما استخلف ابن أم مكتوم على المدينة لما خرج معه علماء الصحابة والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ولم يبق لها إلا أولو الضرر وذوو الزمانة، ولو تخلف عنه ذو علم أو سابقة فربما كان شاسع الدار كمن كان في بني عمرو بن عوف، وبني سلمة وبني حارثة، ومن كان منزله بالعوالي فيشق عليه تعاهد المسجد للصلوات الخمس مع أن الغالب من أمره أن يكون قد تخلف لعلة فتمنعه تلك العلة عن حضور المسجد وكان ابن أم مكتوم يؤذن لرسول الله ﷺ ويلازم المسجد إذا غاب، وكان أقرأ من حضر المسجد، وأعلمهم بالسنة وأقدمهم هجرة وأكبرهم سنا، وقد عدم حينئذ من يناصبه في تلك الفضائل مع أن غمار القوم، بل الجمهور منهم كانوا أصحاب عاهات وذوي زمانة، فلتلك الأسباب والعلل استخلفه عليها وجمع له بين الأذان والإمامة ومن الدليل على ما ذهبنا إليه أنه ﷺ استخلفه عليها مخرجه إلى بدر، فلما كان ببعض الطريق رد

стр. 269

أبا لبابة الأنصاري إليها مستخلفا عليها، فلو لم يكن البصير أولى وأحق بالإمامة من الأعمى لم يقدم أبا لبابة عليه بعد الاستخلاف هذا وقد سبقه ابن أم مكتوم بالإسلام، ثم إنه كان من المهاجرين الأولين وكان أسن منه وكان قرشيا، فإن قيل: فقد استخلفه النبي ﷺ على المدينة حين خروجه إلى تبوك وعلي- ﵁ بالمدينة. فالجواب أن النبي ﷺ أمر الناس في غزوته تلك أن يخرجوا فلا يتخلف عنه مستطيع، فاستخلف ابن أم مكتوم فلم يبق بها إلا معذر أو معذر أو منافق ثم خلف عليا- ﵁ في أهله حذر أن ينالهم عدو بمكروه ولم يستخلفه على إقام الصلاة كيلا يشغله شاغل عن القيام بحفظ ما استحفظ فإن قيل: فإن عتبان بن مالك كان يؤم قومه وهو أعمى فالجواب (١٠٥ ب). أنه كان إمام قومه قبل أن (أصاب) ما أصابه فلما أنكر بصره أقر عليها كرامة له واستمالة لقلبه، ثم إن الأظهر أن القوم لم يروا ذلك؛ لأنه لم يكن فيهم من يقوم مقامه قراءة، وعلما وسنا. [٧٧١] ومنه حديث أبي أمامة- ﵁ عن علي- ﵁: (ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم). أي لا ترفع إلى الله رفع العمل الصالح، بل لا ترفع أدنى شيء من الرفع، وإنما خص الأذن بالذكر لما يقع في المسامع من التلاوة والتسبيح والدعاء، ولا يصل إلى الله قبولا وإجابة. وهذا مثل قوه في المارقة (يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم). عبر عن عدم القبول بأنها لا تجاوز آذانهم، ويدل عليه قوله في الحديث الذي يليه: (ثلاثة لا تقبل لهم صلاة). ويحتمل أن يراد به أن صلاتهم لا ترتفع عن آذانهم فيظلهم كما يظل العمل الصالح صاحبه يوم القيامة. ويحتمل أن يراد به أنها تكون ساقطة الذكر فلا يسمع بها غيرهم. وفيه (وإمام قوم وهو له كارهون)، هذا إذا كره القوم تقدمه لفسق أو جهل بأحكام الصلاة وما يجري مجراه، من عدم الاستحقاق وقلة الاستعداد. فأما إذا كان الأمر بخلاف ما وصف فإنهم هم المسيئون وهو الملومون. [٧٧٢] ومنه قوله ﷺ في حديث عبد الله بن عمر- ﵁: (ورجل أتى الصلاة دبارا) والتفسير مذكور في متن الحديث، وهذا إذا اتخذه عادة، ويوجد ذلك عند من قلت مبالاته بالمحافظة عليها.

стр. 270

وفيه (ورجل اعتبد محررة) أي اتخذها عبدا، وفي معنى الاعتباد التعبيد والاستعباد، والمحررة: النفس المعتقة، يقال: حر الرجل يحر حرية من حرية الأصل، وحر العبد يحر حرارا، قال سلم الخاسر: وما رد من بعد الحرار عتيق ومنه تحرير العبد، وإنما قال: محررة على لفظ التأنيث، حملا على النفس المحررة؛ ليتناول العبيد والإماء ويؤخذ الاعتباد من وجهين: أحدهما: اعتباد من هو حر في الأصصل، والآخر: أن يعتق العبد ولا يضع [...] ليستعمله استعمال العبيد.

стр. 271

ومن باب ما على المأموم من المتابعة وحكم المسبوق (من الصحاح) [٧٨٣] حديث عائشة- ﵂: (لما ثقل رسول الله ﷺ ) الثقل هاهنا: عبارة عن اشتداد المرض وتناهي الضعف، وركود الأعضاء عن خفة الحركات.

стр. 272

وفيه (يهادى بين رجلين). أي يمشي بينهما معتمدا عليهما، يقال: جاء فلان يهادي بين اثنين إذا كان يمشي بينهما معتمدا عليهما من ضعفه وتمايله، وكذلك المرأة إذا تمايلت في مشيتها من غير أن يماشيها أحد قبل: تهادي ولعل هذا اللفظ أخذ من الهادي وهو العنق؛ لأن الماشي بين اثنين يصغي عنقه تارة إلى ذاك وتارة إلى هذا، وكذا المتمايلة في مشيتها تصغي عنقها إلى يمين وشمال. والرجلان هما علي والعباس- ﵄ والمشكل من هذا الحديث ما اختلف فيه من إمامة أبي بكر- ﵁ وما نقل عن بعض العلماء في تأويله، ومعارضتهم هذا الحديث بالحديث الذي تقدمه من حديث أنس وسنحكي عنهم قولهم، ثم نبذل المجهود ما أمكن في نفي التضاد. فنقول ومن الله المعونة: أنكر جمع من أهل الحديث (نسخ حديث أنس بهذا الحديث، ورأوا العمل بالحديثين في موضعيهما، منهم: أحمد وإسحق بن راهويه ونفر من أهل الحديث) ونقل عن أبي عبد الله أحمد أنه قال: إذا ابتدأ الإمام الصلاة قائما ثم مرض في أثناء الصلاة، فقعد صلى من خلفه قياما لحديث عائشة، وإذا ابتدأ بهم الصلاة جالسا صلوا خلفه جلوسا لحديث أنس. وقال بعضهم: إن رواية عائشة- ﵂ في هذا الحديث متعارضة فروى الأسود عنها: (أن النبي ﷺ كان إماما) وروى مسروق عنها (أن أبا بكر كان إماما). فلما تعارضت الروايتان، لم يجز ترك حديث أنس في القعود لحديثها، وأول بعضهم قولها: (وأبو بكر) يقتدي بالنبي ﷺ . أي: يقتدي أبو بكر بصلاته أي: يختار اللبث في هيئات الصلاة بقدر طاقة النبي ﷺ للمرض الذي كان به، واستدل على هذا التأويل بقوله ﷺ في حديث عثمان بن العاص الثقفي- ﵁ (أنت إمام قومك واقتد بأضعفهم). فالجواب: أن يقول: أما ما ذكروا من اختلاف الرواية عن عائشة- ﵂ فإن عروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن [مسعود] والأسود رووا هذا الحديث عنها وفي حديثهم أن النبي ﷺ صلى بهم تلك الصلاة وأبو بكر يقتدي به، وعلى هذا الوجه روى عن ابن عباس- ﵃.

стр. 273

وقد روي عن مسروق عن عائشة قالت: (صلى رسول الله ﷺ في مرضه الذي توفي فيه خلف أبي بكر قاعدا). وحديث مسروق هذا لا يقاوم حديث الجماعة؛ لأن روايتهم (١٠٦/ب) عنها فيما اتفقوا عليه، أولى من رواية المتفرد مع ما روي عن ابن عباس على نحو ما رووه عن عائشة- ﵂ ومع هذا فلا حاجة بنا إلى ذا القول، فنحن نقدر على التوفيق بين الحديثين، وذلك أن نقول: قد ثبت أن أبا بكر كان يصلي بالناس تلك الأيام. فنحمل حديث مسروق عنها على أن صلاة النبي ﷺ مقتديا بأبي بكر- ﵁ كانت في صلاة أخرى من تلك الصلوات التي صلوها في تلك الأيام. والتي اقتدى فيها أبو بكر النبي ﷺ على ما رواه ابن عباس وعائشة في رواية عروة وعبيد الله والأسود عنها هي التي صلاها رسول الله ﷺ في الكرة الآخرة، ويحقق هذا التأويل ما روي في حديث ابن عباس وعائشة- ﵃: (أنه جلس عن يسار أبي بكر) وهو موقف الإمام، وقد كان موقف أبي بكر موقف الإمام؛ لأنه كان عن يمين النبي ﷺ ويحققه أيضا ما رواه أرقم بن شرحبيل في حديثه عن ابن عباس أنه قال: فاستتم لرسول الله ﷺ من حيث انتهى أبو بكر من القراءة. ومما يشهد لهذا القول بالصحة أن عائشة- ﵂ من جملة من روى صلاة النبي ﷺ جالسا، حين سقط عن فرسه، فلو لم تعلم بالنسخ لم ترو خلاف ذلك في الحديث الآخر، وعلى هذا الذي ذكرناه، فالتأويل الذي ذكرناه ونقلناه عن بعض أهل العلم في قول عائشة- ﵂ وأبو بكر يقتدي بالنبي ﷺ غير مستقيم بل هو في قولها: والناس يقتدون بأبي بكر صحيح أي يصنعون كما يصنع (ومثله قوله ﷺ تقدموا وائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم أي اصنعوا كما أصنع وليصنع) من بعدكم كما تصنعون، وقد قيل لبعض العلماء- وقد حدث بهذا الحديث فعلى هذا يجوز أن يدخل القوم في الصلاة قبل أن يدخل الإمام، فكان من جوابه أن الإمام كان أبا بكر قبل النبي ﷺ فلما جاء انتقلت الإمامة إليه فكان فيما بعد هو الإمام. قلت: لو كان الداخل في الصلاة غير النبي ﷺ لكان السرد في الانتقال محتملا لبسط المقال، لكن أمره ﷺ في أبواب الفضيلة والخاصية ممتاز عن أمر غيره ثم إنا وجدنا لانتقال الإمامة سنادا في حديث سهل بن سعد- ﵁ لما خرج النبي ﷺ إلى بني عمر بن عوف ليصلح هو بينهم، وهو حديث صحيح، لا اختلاف فيه، وقد قال فيه سهل: (فصلى أبو بكر، فجاء (١٠٧/أ) النبي ﷺ والناس في الصلاة [فخلص] حتى وقف في الصف فصفق الناس وساق الحديث إلى أن قال: ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف وتقدم النبي ﷺ فصلى). قلت: وليس في هذا الحديث أن القوم استأنفوا تكبيرة الإحرام؛ بل كانوا على ما هم عليه من صلاتهم، ويدل عليه قوله ﷺ حين انصرف عن الصلاة: (مالي رأيتكم أكثرتم التصفيق من فاته في صلاته شيء فليسبح) وإذ قد صح أن حديث أنس: (فإذا صلى قاعدا فليصلوا قعودا أجمعون). متقدم على هذا الحديث حكم بأن الآخر ناسخ للأول، وقد أخذ بهذا الأعلام من أهل الاجتهاد، والقياس يشهد لهم بصحة ما ذهبوا إليه وهو أن الإمام لا يحيل الكوع والسجود الإيماء، فكذلك لا يحيل القيام إلى

стр. 274

القعود وكانت صلاة النبي ? جالساً في الكرة الأولى حين سقط عن فرسه فجحش شقه الأيمن، فصلى جالساً في بيته، وقال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به). وذكر علماء السير أن ذلك حين ركب إلى الغابة في ذيي الحجة من السنة الخامسة وقد رواه أنس وجابر وعائشة، وأبو هريرة، والأظهر أن أبا هريرة سمعه من بعض الصحابة على ما ذكرناه من التاريخ، لأن إسلامه كان في السنة السابعة، وفي أحاديثه نظائر لما ادعينا، والله أعلم. ومن باب من صلى صلاة مرتين (من الصحاح) [٧٩٠] حديث جابر ﵁: (كان معاذ يصلي) قلت: هذا الحديث أثبت في كتاب المصابيح من طريقين، أما الأول، فقد أورده الشيخان في كتابيهما، وأما الثاني بالزيادة التي فيه وهي قوله: (وهي له نافلة) فلم نجده في أحد الكتابين، وقد أورده المؤلف في قسم الصحاح، فلا أدري أتزيد من خائض اقتحم به الفضول إلى متاهة لم يعرف طرقها، أم حديث أورده المؤلف على وجه البيان للحديث الأول، فخفي قصده لإهمال التمييز أو سهو وقع منه، وقد ذكر أهل العلم بالحديث أن قوله: (وهي نافلة) في حديث جابر غير محفوظ. وتقل عن أبي عبد الله أحمد أنه قال: حديث معاذ أخشى ألا يكون محفوظاً؛ لأن ابن عيينة يزيد فيه كلاماً لا يقوله أحد. قلت: وقد روي في بعض الروايات ما ينافي تلك الزيادة، وذلك قوله: (إما أن تجعل صلاتك معنا). ولو كانت صلاته مع النبي ? نافلة على ما بيناه، لم يكن ليقول: (وإما أن تجعل صلاتك معنا). (ومن الحسان) [٧٩١] قول يزيد بن الأسود في حديثه فجيء بهما، ترعد فرائصهما، الفريصة: اللحمة بين الجنب والكتف التي لا تزال ترعد من الدابة، وجمعها فريص، وفرائص.

стр. 275

ويقال للإنسان إذا داخله الرعب وأخذ منه الفزع: أرعدت فريصته، وهي عنده منبض القلب، وفريص العنق: أو داجلها الواحدة فريصة، يقال: فرصته: أي أصبت فريصته، وهو مقتل. وفي الحديث: (إني

стр. 276

لأكره أن أرى الرجل ثائراً فريص رقبته قائماً على [مريته] يضربها). قال أبو عبيد: كأنه أراد به عصب الرقبة وعروقها؛ لأنها هي التي تثور عند الغضب. وهذا الحديث - أعني حديث يزيد بن الأسود - يعارض حديث عبد الله بن عمر ﵁ عن النبي ?: (لا تصلوا في يوم مرتين) ويحمل ذلك على إقامة الصلاة في مسجد مرتين إيثاراً أو اختياراً. أو على إعادة الصلاة بعد أن صليت في جماعة، فأما الذي

стр. 277

صلى وحده ثم أدرك الجماعة، فإنه يستحب له أن يدخل في تلك الصلاة مع ما فيه من الاختلاف بين العلماء في استحباب ذلك في جميع الصلوات أو في بعضها، وليس قصدنا إيراد تلك الاختلافات؛ فإن كلاً منهم لم يأل جهداً في إشباع القول فيما ذهب إليه، وإنما قصدنا التوفيق بين الحديثين بما تيسر ثم التعليل الموجب للترجيح، وقد زعم بعض أهل الحديث أن حديث يزيد بن الأسود ناسخ لحديث ابن عمر ﵄ لأنه سمعه في حجة الوداع، وهي من أواخر أيام الرسول. وذلك قول غير سديد؛ لأن سماعه [له] حجة الوداع لا يحكم بأنه سمع قبل ابن عمر، وإنما يصح له هذه الدعوى فيمن لم يصحب النبي ? بعد حجة الوداع، وإذ قد علمنا أن ابن عمر صحبه بعد حجة الوداع [إلى أن] توفي فلنا أن نقول: يحتمل أنه سمعه بعد يزيد بن الأسود، ثم إن حديثه هذا لا يبلغ (١٠٨/أ) درجة حديث ابن عمر في الصحة والاشتهار، ولم يختلف أحد في صحته وحديث يزيد اختلف في إسناده، فرواه هشام وأبو عوانة عن يعلي بن عطاء عن عامر بن الأسود عن أبيه، وخالفهما شعبة، فقال يعلي بن عطاء عن جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه مثله.

стр. 278

ومن باب صلاة الليل (من الصحاح) [٨١٦] قول ابن عباس في حديثه (فأطلق شناقها) الشناق خيط يشد به فم القربة، يقال: أشنقت القربة إذا شددتها به، والشناق: أن يؤخذ في الصدقة من الشنق، وهو ما يفصل بين الفريضتين، ومنه الحديث: (لا شناق ولا شغار) أي لا يؤخذ من الشنق شيء حتى يتم، وقيل: أي لا يشنق الرجل إبله أو غنمه إلى ماشية غيره ليبطل الصدقة، وهو مثل قوله: (لا خلاط).

стр. 279

وفيه (فتتامت) أي توافرت حتى بلغت ثلاث عشرة ركعة من قولهم: تنام القوم إذا جاءوا كلهم. وفيه (اللهم اجعل في قلبي نوراً) إلى آخر الدعاء، وجه تخصيص كل عضو أو جزء في المألة بالذكر، مع استدعاء نور يختص به سوى ما فيه من استكثار الخيرات الإلهية، وإظهار الضراعة في مواقف العبودية هو أنه إنسان ذا سهوً وطغيان، أحاطت به ظلمات الجبلة معتورة له من قرنه إلى قدمه، ورأى الأدخنة الثائرة من نيران الشهوات محتفة به، ورأى الشيطان يأتيه من الجهات بوساوسه، وشبهاته ظلمات بعضها فوق بعض فلم ير للتخلص منها مساغاً، إلا بأنوار سادة لتلك الجات، مقترنة بتك الأجزاء، فسأل الله سبحانه أن يمده بها ليحسم مادة تلك الظلمات ويستأصل شأفتها فلا يتخلف في مسالك الطاعة عن العبد ذرة، ولا ينخزل في مواقع الرضاء عنه شعرة. وكل هذه الأنوار راجعة في المعنى إلى هداية وبيان وضياء للحق. وقال بعضهم: يحتمل أن يريد به الرزق الحلال حتى تقوى به هذه الأعضاء. [٨١٧] ومنه حديث زيد بن خالد الجهني ﵄ (لأرمقن اللية ... الحديث) إنما كرر طويلتين ثلاثاً تأكيداً لطول الركعتين الموصوفتين، ويحتمل أنه كرر اللفظ، ليدل كل واحد على ركعتين (١٠٨/ب) سوى الأوليين فتكون ست ركعات، وهذا القول أشبه بما يدل عليه نسق الكلام أولاً [...] ثم بحرف العطف في الثانية والثالثة. وقوله "فذلك ثلاث عشرة ركعة" يدل على أنه أوتر بثلاث؛ لأنه صلى عشر ركعات في خمس دفعات ثم أوتر. [٨١٨] ومنه حديث عائشة ﵂: (لما بدن رسول الله ? وثقل .. الحديث) بدن أي أسن (وثقل) عبارة عن الضعف وبطء الحركات وقد اختلفت الرواة في قولها: لما بدن: منهم من يرويه

стр. 280

مخففاَ بضم الدال من قولهم: بدن يبدن بدانة، وبدن بفتح الدال يبدن بدناً، والتبدن والبدن مثل عشر وعشر. السمن والاكتناز. ومنهم من يرويه بفتح الدال وتشديدها من التبدين، وهو من الكبر. قال الشاعر: وكنت خلت الشيب والتبدينا .... والهم مما يذهل القرينا وهذه الرواية هي التى يرتضيها أهل العلم بالرواية؛ لأن النبي ? لم يوصف بالسمن فيما وصف به وعلى هذا النمط حديثه الآخر (إني قد بدنت فلا تبادروني بالركوع والسجود): أي كبرت وأسننت. فإن قيل: فقد روي عن عائشة ﵂ قالت: (لما ثقل رسول الله ? وأخذ اللحم) وروي عنها أنها قالت: كان يصلي بعض صلاته جالساً وذلك بعدما حمل اللحم. فالجواب: أن الأكثر من أهل المعرفة بالحديث يروونه على غير هذا السياق وقد روي عن عبد الله بن شفيق وهو اصوب الروايتين عن عائشة قال: قلت لعائشة: أكان النبي ? يصلي جالساً قالت: (نعم بعدما حطمته السن) وإذ قد علمنا أنه لم يكن موصوفاً بالسمن، ورأينا العلماء بالرواية اختاروا تشديد الدال، حكمنا بأن من خفف فقد صحف. والظاهر أن قول من يروي (أخذ اللحم) من تصحيف بدنت ثم روى الحديث بالمعنى فقال: أخذ اللحم، مع أن قول القائل أخذ اللحم غير دال على السمن والاكتناز الذي هو التبدين وإنما هو خلاف النحافة، والإنسان أكثر ما يكون في سن النماء والنشوء وهو نحيف؛ فإذا بلغ سن الكهولة أخذ اللحم فليس إذن في قولها: "أخذ اللحم" حجة على من نفى عنه البدانة. [٨١٩] ومنه حديث ابن مسعود ﵁ (لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن

стр. 281

بينهن .... الحديث) أراد بالنظائر السور المتماثلة في الطول والقصر ونظير [التي] مثله. وقول الراوي: فذكر عشرين سورة من المفصل قد فصل تلك السور في غير هذه الرواية، والحديث أورده أبو داود في كتابه "مستوفي" من علقمة والأسود قالا: أتى ابن مسعود رجل فقال: إني أقرأ المفصل في ركعة، فقال: أهذا كهذ الشعر ونثراً كنثر الدقل؟ لكن النبي ? كان يقرأ النظائر السورتين في ركعة الرحمن والنجم في ركعة واقتربت والحاقة في ركعة والطور والذاريات في ركعة، وإذا وقعت ونو في ركعة، وسأل سائل والنازعات في ركعة، وويل للمطففين وعبس في ركعة والمدثر والمزمل في ركعة، وهل أتى ولا أقسم بيوم القيامة في ركعة، وعم يتساءلون والمرسلات في ركعة، والدخان وإذا الشمس كورت في ركعة. قال ابو داود: هذا تأليف ابن مسعود ﵁ قلت: وأراد بالمفصل السبع الآخر من كتاب الله تعالى وسمي مفصلاً، لقصر السور والآي فمن قائل: إنه سورة محمد ? إلى آخر القرآن، ومن قائل: إنه من سورة الفتح، ومن قائل: أنه من [التقدم]، ومنهم من قال: أول المفصل قاف، وهذا القول أكثرها. [٨٢١] ومنه قوله ? في حديث عبد الله بن عمرو ﵁: (كتب من المقنطرين) المقنطر: صاحب القناطير كأنه جمع المال وقنطرها ميني من القنطار. وبه ورد التنزيل قال الله تعالى ﴿والقناطير

стр. 282

المقنطرة﴾ وعنى بالمقنطرين عمال الله في أرضه إما لأنهم بلغوا في حيازة المثوبات مبلغ القنطرين في حيازة الأموال؛ أو لأن نسبتهم في كثرة الأعمال لوجه الله إلى غيرهم نسبة المقنطرين في مثرة العرض إلى سائر الأغنياء. ومن باب ما يقول إذا قام من الليل (من الصحاح) [٨٢٧] قوله ? في حديث ابن عباس ﵁: (أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن)

стр. 283

أي أنك تقوم بحفظها ومراعاتها وحفظ من أحاطت به واشتملت عليه تؤتي كل شيء ما به قوامه ويقوم على كل شيء من خلقه بما تراه من تدبيه. وفيه (أنت نور السموات والأرض ومن فيهم) فمعناه أن كل شيء استنار منها واستضاء فبقدرتك وجودك، الأجرام النيرة بدائع فطرتك، والحواس والعقل خلقك وعطيتك وأضاف النور إلى [١٠٩/ب] السموات والأرض دلالة على سعة إشراقة وفشو إضاءته وعلى هذا النحو فسر قوله تعالى: ﴿الله نور السموات والأرض﴾ وذكر فيه وجهاً آخر: وهو أن يراد أهل السموات والأرض، أي يستضيئون به، وقد استغنينا بقوله: (ومن فيهن) عن هذا التأويل وقد فسر كثير من العلماء النور في أسماء الله بالمنور وجدوا في الهرب عن إطلاق هذا الاسم على الله تعالى إلا من هذا الوجه وقالوا: إن النور يضاده الظلمة وتعاقبه فتزيله وتعالى الله أن يكون له ضد أو ند. وقال بعض العلماء معنى النور الهادي وفي هذا نظر؛ لأن إضافة الهداية إلى السموات والأرض لا يكاد يستقيم إلا بقدر محذوف ولا وجه له ههنا؛ لأن في الحديث (ومن فيهن) وإذا قيل: هادي أهل السموات والأرض ومن فيهن جعل العطف والمعطوف شيئاً واحداً وذلك غير صحيح وإذا قد علمنا أن الله تعالى سمى نفسه النور بالكتاب والسنة وقد ورد في الكتاب على صيغة الإضافة وورد في الحديث الصحيح الذي رواه أبو ذر من غير إضافة وذلك قوله: (نور أني اراه) حين سأله أبو ذر: هل رأيت ربك. وقد أحصى أهل الإسلام النور في جملة الأسماء الحسنى وقد عرفنا من أصول الدين أن حقيقة ذلك ومعناه يختص بالله سبحانه ولا يجوز أن يفسر بالمعاني المشتركة صح لنا إطلاقه على الله بالتوقيف ونقول في بيان ما نشير إليه: إن الله تعالى سمى القمر نوراً، وسمى النبي ? نوراً في عدة في عدة مواضع على ما يذهب إليه علماء التفسير وهما مخلوقان وبينهما مباينة ظاهرة في المعنى فتسمية القمر بالنور للضوء المنتشر منه في الإبصار وتسمية النبي ? به للدلالة الواضحة التي لاحت منه للبصائر، وسمي القرآن نوراً لمعانيه التي تخرج الناس عن ظلمات الكفر وطغية الجهالة وسمي نفسه نوراً لما اختص به من إشراق الجلال وسبحات العظمة التي تضمحل الأنوار دونها ثم لما هياه للعالمين مما فصلناه في معاني النور ليجتهدوا به في عالمي الخلق والأمر وهذا الاسم على هذا المعنى لا استحقاق لغيره فيه بل هو المستحق له المدعو به ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ ونعوذ بجهه الكريم أن نكون ممن يلحد في أسمائه.

стр. 284

(ومن الحسان) [٨٣١] قوله ? في حديث معاذ ﵁ (فتعار من الليل) نقل أبو عبيد الهروي في كتابه عن ثعلبة قال: اختلف الناس في (تعار) فقال قوم: انتبه، وقال قوم: علم، وقال قوم؛ تمطى. وإن قلت: وأرى كلاً من هؤلاء قد ذهبوا إلى معانِ غير متقاربة من الاشتقاق اللفظي، إلا أن قول من قال: انبته وقد بقيت على بقية وهو أن تعار يتعار يستعمل في انتباه معه صوت، يقال تعار الرجل إذا هب من نومه مع صوت، ويحتمل أنه أخذ من عرار الظليم وهو صوته يقال: عار الظليم يعار، ويقول بعضهم: عار الظليم يعر عراراً كما قالوا: زمر النعام يزمر زماراً وأرى استعمال هذا اللفظ في هذا الموضع دون الهبوب والانتباه والاستيقاظ وما في معناه لزيادة معنى، وهو أراد أن يخبر بأن من هب من نومه ذاكراً لله تعالى مع الهبوب فسأل الله خيراً أعطاه اياه. فأوجز في اللفظ وأعرض في المعنى فأتى من جوامع الكلم التى أوتيها بقوله: تعار ليدل على المعنيين، وأراه مثل قوله سبحانه ﴿يخرون للأذقان سجداً﴾ فإن معنى خر: سقط على اجتماع أمرين: السقوط وحصول الصوت منهم بالتسبيح وكذلك في قوله (تعار) تنبيه على الجمع بين الانتباه والذكر وإنما يوجد ذلك عند من تعود الذكر فاستأنس به وغلب عليه حتى صار حديث نفسه في نومه ويقظته ولله قائله: يهيم فؤادي ما حييت بذكرها .. ولو أنني أرممت به الصدى ومن باب التحريض على قيام الليل (من الصحاح) [٨٣٣] حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ?: (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ... الحديث).

стр. 285

القافية القفا وهو آخر الرأس، وقفا كل شيء وقافيته آخره ومنه قافية الشعر ومعنى هذا الحديث: أن الشيطان يحبب إليه النوم ويزين له الدعة والاستراحة ويسول له كلما انتبه أنه لم يستوف حظه من المنام وأن قد بقى عليه من الليل زلف فيوثقه عن القيام إلى طاعة الله ويبطئه ويعوقه بتلك التويلات عن النهوض إليه، وإنما ذكر العقد تصويراً للمعنى المراد منه؛ لأن من شان من يوثق أحداً أن يضرب على وثاقه ثلاث عقد فيكون من الانحلال والانفلات على ثقة (١١٠/ب). والذي شد قافية رأسه بثلاث عقد لا يكاد يمضي لشأنه إلا بعد انحلالها وإحدى العقد الثلاث تفتيره بما سول له عن القيام مما ندب إليه والأخرى: تفتيره عن الوضوء، والثالثة: تفتيره عن الصلاة، ويؤيد هذا التأويل قوله: (يضرب على كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد). وفيه (فأصبح نشيطاً طيب النفس) وذلك؛ لأنه تخلص من وثاق الشيطان وخفف عنه أعباء الغفلة فأذهب عنه الطهور والمسارعة إلى الطاعة كدر الجبلة ووحشة [الأخبثية] ورجس الشيطان، فأصبح نشيطاً طيب النفس وإذا حيل بينه وبين هذه الفضائل كان الأمر بخلاف ذلك. [٨٣٥] ومنه: قوله ? في حديث ابن مسعود ﵁: (بال الشيطان في أذنه) قال أبو سليمان
следующие страницы →