← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18569

الميسر في شرح مصابيح السنة للتوربشتي

التوربشتي

Полный текст (1 323 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

بينهن .... الحديث) أراد بالنظائر السور المتماثلة في الطول والقصر ونظير [التي] مثله. وقول الراوي: فذكر عشرين سورة من المفصل قد فصل تلك السور في غير هذه الرواية، والحديث أورده أبو داود في كتابه "مستوفي" من علقمة والأسود قالا: أتى ابن مسعود رجل فقال: إني أقرأ المفصل في ركعة، فقال: أهذا كهذ الشعر ونثراً كنثر الدقل؟ لكن النبي ? كان يقرأ النظائر السورتين في ركعة الرحمن والنجم في ركعة واقتربت والحاقة في ركعة والطور والذاريات في ركعة، وإذا وقعت ونو في ركعة، وسأل سائل والنازعات في ركعة، وويل للمطففين وعبس في ركعة والمدثر والمزمل في ركعة، وهل أتى ولا أقسم بيوم القيامة في ركعة، وعم يتساءلون والمرسلات في ركعة، والدخان وإذا الشمس كورت في ركعة. قال ابو داود: هذا تأليف ابن مسعود ﵁ قلت: وأراد بالمفصل السبع الآخر من كتاب الله تعالى وسمي مفصلاً، لقصر السور والآي فمن قائل: إنه سورة محمد ? إلى آخر القرآن، ومن قائل: إنه من سورة الفتح، ومن قائل: أنه من [التقدم]، ومنهم من قال: أول المفصل قاف، وهذا القول أكثرها. [٨٢١] ومنه قوله ? في حديث عبد الله بن عمرو ﵁: (كتب من المقنطرين) المقنطر: صاحب القناطير كأنه جمع المال وقنطرها ميني من القنطار. وبه ورد التنزيل قال الله تعالى ﴿والقناطير

стр. 282

المقنطرة﴾ وعنى بالمقنطرين عمال الله في أرضه إما لأنهم بلغوا في حيازة المثوبات مبلغ القنطرين في حيازة الأموال؛ أو لأن نسبتهم في كثرة الأعمال لوجه الله إلى غيرهم نسبة المقنطرين في مثرة العرض إلى سائر الأغنياء. ومن باب ما يقول إذا قام من الليل (من الصحاح) [٨٢٧] قوله ? في حديث ابن عباس ﵁: (أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن)

стр. 283

أي أنك تقوم بحفظها ومراعاتها وحفظ من أحاطت به واشتملت عليه تؤتي كل شيء ما به قوامه ويقوم على كل شيء من خلقه بما تراه من تدبيه. وفيه (أنت نور السموات والأرض ومن فيهم) فمعناه أن كل شيء استنار منها واستضاء فبقدرتك وجودك، الأجرام النيرة بدائع فطرتك، والحواس والعقل خلقك وعطيتك وأضاف النور إلى [١٠٩/ب] السموات والأرض دلالة على سعة إشراقة وفشو إضاءته وعلى هذا النحو فسر قوله تعالى: ﴿الله نور السموات والأرض﴾ وذكر فيه وجهاً آخر: وهو أن يراد أهل السموات والأرض، أي يستضيئون به، وقد استغنينا بقوله: (ومن فيهن) عن هذا التأويل وقد فسر كثير من العلماء النور في أسماء الله بالمنور وجدوا في الهرب عن إطلاق هذا الاسم على الله تعالى إلا من هذا الوجه وقالوا: إن النور يضاده الظلمة وتعاقبه فتزيله وتعالى الله أن يكون له ضد أو ند. وقال بعض العلماء معنى النور الهادي وفي هذا نظر؛ لأن إضافة الهداية إلى السموات والأرض لا يكاد يستقيم إلا بقدر محذوف ولا وجه له ههنا؛ لأن في الحديث (ومن فيهن) وإذا قيل: هادي أهل السموات والأرض ومن فيهن جعل العطف والمعطوف شيئاً واحداً وذلك غير صحيح وإذا قد علمنا أن الله تعالى سمى نفسه النور بالكتاب والسنة وقد ورد في الكتاب على صيغة الإضافة وورد في الحديث الصحيح الذي رواه أبو ذر من غير إضافة وذلك قوله: (نور أني اراه) حين سأله أبو ذر: هل رأيت ربك. وقد أحصى أهل الإسلام النور في جملة الأسماء الحسنى وقد عرفنا من أصول الدين أن حقيقة ذلك ومعناه يختص بالله سبحانه ولا يجوز أن يفسر بالمعاني المشتركة صح لنا إطلاقه على الله بالتوقيف ونقول في بيان ما نشير إليه: إن الله تعالى سمى القمر نوراً، وسمى النبي ? نوراً في عدة في عدة مواضع على ما يذهب إليه علماء التفسير وهما مخلوقان وبينهما مباينة ظاهرة في المعنى فتسمية القمر بالنور للضوء المنتشر منه في الإبصار وتسمية النبي ? به للدلالة الواضحة التي لاحت منه للبصائر، وسمي القرآن نوراً لمعانيه التي تخرج الناس عن ظلمات الكفر وطغية الجهالة وسمي نفسه نوراً لما اختص به من إشراق الجلال وسبحات العظمة التي تضمحل الأنوار دونها ثم لما هياه للعالمين مما فصلناه في معاني النور ليجتهدوا به في عالمي الخلق والأمر وهذا الاسم على هذا المعنى لا استحقاق لغيره فيه بل هو المستحق له المدعو به ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ ونعوذ بجهه الكريم أن نكون ممن يلحد في أسمائه.

стр. 284

(ومن الحسان) [٨٣١] قوله ? في حديث معاذ ﵁ (فتعار من الليل) نقل أبو عبيد الهروي في كتابه عن ثعلبة قال: اختلف الناس في (تعار) فقال قوم: انتبه، وقال قوم: علم، وقال قوم؛ تمطى. وإن قلت: وأرى كلاً من هؤلاء قد ذهبوا إلى معانِ غير متقاربة من الاشتقاق اللفظي، إلا أن قول من قال: انبته وقد بقيت على بقية وهو أن تعار يتعار يستعمل في انتباه معه صوت، يقال تعار الرجل إذا هب من نومه مع صوت، ويحتمل أنه أخذ من عرار الظليم وهو صوته يقال: عار الظليم يعار، ويقول بعضهم: عار الظليم يعر عراراً كما قالوا: زمر النعام يزمر زماراً وأرى استعمال هذا اللفظ في هذا الموضع دون الهبوب والانتباه والاستيقاظ وما في معناه لزيادة معنى، وهو أراد أن يخبر بأن من هب من نومه ذاكراً لله تعالى مع الهبوب فسأل الله خيراً أعطاه اياه. فأوجز في اللفظ وأعرض في المعنى فأتى من جوامع الكلم التى أوتيها بقوله: تعار ليدل على المعنيين، وأراه مثل قوله سبحانه ﴿يخرون للأذقان سجداً﴾ فإن معنى خر: سقط على اجتماع أمرين: السقوط وحصول الصوت منهم بالتسبيح وكذلك في قوله (تعار) تنبيه على الجمع بين الانتباه والذكر وإنما يوجد ذلك عند من تعود الذكر فاستأنس به وغلب عليه حتى صار حديث نفسه في نومه ويقظته ولله قائله: يهيم فؤادي ما حييت بذكرها .. ولو أنني أرممت به الصدى ومن باب التحريض على قيام الليل (من الصحاح) [٨٣٣] حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ?: (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ... الحديث).

стр. 285

القافية القفا وهو آخر الرأس، وقفا كل شيء وقافيته آخره ومنه قافية الشعر ومعنى هذا الحديث: أن الشيطان يحبب إليه النوم ويزين له الدعة والاستراحة ويسول له كلما انتبه أنه لم يستوف حظه من المنام وأن قد بقى عليه من الليل زلف فيوثقه عن القيام إلى طاعة الله ويبطئه ويعوقه بتلك التويلات عن النهوض إليه، وإنما ذكر العقد تصويراً للمعنى المراد منه؛ لأن من شان من يوثق أحداً أن يضرب على وثاقه ثلاث عقد فيكون من الانحلال والانفلات على ثقة (١١٠/ب). والذي شد قافية رأسه بثلاث عقد لا يكاد يمضي لشأنه إلا بعد انحلالها وإحدى العقد الثلاث تفتيره بما سول له عن القيام مما ندب إليه والأخرى: تفتيره عن الوضوء، والثالثة: تفتيره عن الصلاة، ويؤيد هذا التأويل قوله: (يضرب على كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد). وفيه (فأصبح نشيطاً طيب النفس) وذلك؛ لأنه تخلص من وثاق الشيطان وخفف عنه أعباء الغفلة فأذهب عنه الطهور والمسارعة إلى الطاعة كدر الجبلة ووحشة [الأخبثية] ورجس الشيطان، فأصبح نشيطاً طيب النفس وإذا حيل بينه وبين هذه الفضائل كان الأمر بخلاف ذلك. [٨٣٥] ومنه: قوله ? في حديث ابن مسعود ﵁: (بال الشيطان في أذنه) قال أبو سليمان

стр. 286

الخطابي: يشبه ان يكون ذلك مثلاً ضربه له حين غفل عن الصلاة وتثاقل بالنوم عن القيام لها فمن وقع في أذنه بول فثقل سمعه وفسد حسه كذلك والبول ضار مفسد فلهذا ضرب به المثل وهذا كقول راجز العرب: بال سهيل في الفضيخ ففسد جعل طلوع سهيل وحدوث فساد الفضيخ بعد ذلك بمثابة ما يقع من البول في الشراب فيفسده. قلت: ويحتمل وجهين آخرين أحدهما: أن يقال أن الشيطان ملأ سمعه من كلام الباطل وأحاديث اللغو فأحدث ذلك في أذنه وقرا عن استماع دعوة الحق، والآخر: أن يجعل عبارة عن الاستخفاف والاستهانة به فإن من عادة المستخف بالشيء أن يبول عليه أو يبول فيه وقال الري: بال ههنا بمعنى ظهر عليه وسخر منه. وقيل قد يكون بوله في أذنه كناية عن ضرب النوم عليه وخصه بالأذن؛ لأنها حاسة الانتباه وسماع ما يكون من أصوات الدعاة إلى التهجد وقيل هو مثل قولهم تفل فلان في أذن فلان ونفث فيه إذا ناجاه.

стр. 287

قلت: وكل ما ذكرناه بمبلغ فهمنا عن غير نافلة عى وجه التقريب وحقيقة تأويله محكوم به للنبي ?. (ومن الحسان) [٨٤٥] حديث أبي إمامة ﵁ قيل: يا رسول الله أي أخلق بالدعاء وأرجى الاستجابة. ومنه الحديث الضحاك، وأراه الضحاك بن سفيان الكلابي لما عرض عليه الإسلام قال: فسمعت منه كلاماً لم أسمع منه يريد ابلغ وأنجع في القلب وقوله أسمع في الدعاء هو من السمه الذي يرد بمعنى الإجابة وذلك على سبيل الاتساع؛ لأن القول المسموع على الحقيقة هو ما يقترن بالقبول من السامع وقد فسرناه كرة أخرى في باب الذكر بعد الصلاة فلما أعاد الحديث بعينه في هذا الباب أعدنا البيان على ما تيسر لنا ومما جاء في الحديث بمعنى محكوم قوله ?: (أعوذ بك من دعاء لا يسمع) أي لا يجاب. قال الشاعر: دعوت الله حتى خفت أن لا .... يكةن الله يسمع ما أقول أي لا يجيب ما أعو به وقد ذكرنا الوجوه الإعرابية في جوف الليل الآخر فيما مضى والله أعلم بالصواب. باب القصد في العمل (من الصحاح) [٨٤٩] حديث عائشة ﵂ عن النبي ?: (خذوا من العمل ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا).

стр. 288

قلت: كان النبي ﷺ يخاطب بهذا القول وأشباهه أقواماً يعرفون صرف الكلام وفصل الخطاب ويفهمون مواقع من اللهجة العربية بعد أن شملتهم بركة الصحبة فألهموا الصواب وقد علموا أن الله تعالى منزه عن النقائص والعوارض والحوادث فلا يعتريه الملال ولا تعتوره الأحوال، وقد سلك سبيلهم العلماء الراسخون وبينوا للناس ما أشكل عليهم من ذلك وقد تكلم جمع منهم في معنى هذا الحديث واستحرجوه على وجوه قابلة للاحتمال، ووقع الاختيار منها على وجهين فيما نرى أحدهما: أن الله لا يمل أبداً وإن مللتم وذلك نظير قولهم فلان لا ينقطع حتى ينقطع خصمه أي لا ينقطع بعد انقطاع خصمه بل يكون على ما كان عليه قبل ذلك؛ لأنه لو انقطع على عقب من انقطاع خصمه لم يظهر له بهذا القول مزية ولم يثبت فضيلة، وعلى هذا المعنى قول الشنفري: صليت مني هذيل بحزق .... لا يمل الشر حتى يملوا والوجه الآخر - هو أجودهما: أن نقول ذكر الملال فيما أسند إلى الله تعالى على طريق الازدواج، والعرب تفعل ذلك في معارضة الفعل بالفعل فتذكر إحدى اللفظتين موافقة للأخرى وإن خالفتها في المعنى وله في التنزيل نظائر منها قوله تعالى: ﴿يخادعون الله وهو خادعهم﴾ وقوله ﴿فيسخرون منهم سخر الله منهم﴾ وقوله ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ [١١١/ب] وقوله ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ وقوله: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾. قال الشاعر: ألا لا يجهلن أحد علينا .... فنجهل فوق جهل الجاهلينا ومن المستبعد أن يفخر ذو عقل بجهل، وإنما أراد فنجازيه بجهله ونعاقبه على سوء صنيعه، ومعنى الحديث لا يغرض الله عن العبد إعراض الملوك عن الشيء حتى يمل هو عن القيام بطاعة الله ويمتحن بالإعراض عن خدمته. [٨٥١] ومنه: حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي - ? (إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه)، الدين الطاعة والجزاء، وقد استعير للشريعة اعتباراً بالطاعة والانقياد، والمعنى أن دين الله

стр. 289

الذي تعبد به عباده مبني على اليسر والسهولة رحمة منه سبحانه حيث لم يكلفهم بالجهد فلم [يشق] عليهم، والمشادة في الشيء، التشدد فيه والمشادة في الدين أن يتعمق فيما لم يؤمر فيه بالتعمق وأن لا يرضى لنفسه من العمل ما يفضي به إلى السآمة والحير والانقطاع فيضعف عما تعبد به؛ فيغلبه الدين وينقطع عما كان يتسبب به إلى الوصول ويرد بما كان يتعمله للقبول كالقسيسين والرهابنة الهالكين في الديارات والصوامع. فهذا وجه النهى عن المشادة في الدين، وفي معناه حديثه الآخر (إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق). وفيه (فسددوا): سدد الرجل إذا لزم الطيقة المستقيمة وأدخل فيه الفاء لما تضمنه من معنى الشرطية وتقيدره، وإذ بينت لكم ما في المشادة من الوهن في العزيمة والفترة عن العمل، فسددوا أي: اطلبوا بنياتكم السداد وهو القصد المستقيم. قال شمر: سدد من السداد وهو الوفق الذي لا يعاب، والوفق المقدار، وفي الدعاء اللهم سددنا، أي: وفقنا للخير.

стр. 290

وفيه (واستعينوا بالغدوة والروحة)، الغدوة بضم الغين نقيض الرواح، وهما السير في طرفي النهار. وفيه (وشيء من الدلجة) أدلج القوم إذا ساروا من أول الليل، والاسم الدلج بالتحريك والدلجة والدلجة أيضاً مثل برهة من الدهر [١١٢/أ] وبرهة وادلج بتشديد الدال إذا سار من آخر الليل والاسم منه الدلجة، والدلجة، ومنهم من قال: الاسم بفتح الدال لا غير والمراد من الألفاظ الثلاثة الحث على التحريك لعبادة الله في الأوقات الصلاصة وكأنه بيان قوله سبحانه ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل﴾ وإنما قال بشيء من الدلجة ليأخذ العبد بحظه من آناء الليل على ما تيسر له ثم لينتهي عن التحامل على نفسه بالسهر في سائر الليل بل يكتفر بشيء منه، فإن ذلك من المشادة المنهي عنها. ومن باب الوتر (من الصحاح) [٨٦١] قول عائشة ﵂ (فإن خلق نبي الله - ? - كان القرآن) معنى هذا القول إن جميع ما فصل في كتاب الله من مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب مما قص عن نبي أو ولي أو حث عليه أو ندب إليه أو ذكر بالوصف الأتم والنعت الأكمل، فإن نبي الله ? - كان متحلياً به، ومستولياً له، وبالغاً

стр. 291

فيه من المراتب أقصاها، حتى جمع له من ذلك ما تفرق في سائر الخلائق وزيادة، وبين هذا المعنى قوله ? (بعثت لتمام مكارم الأخلاق). (ومن الحسان) [٨٦٨] حديث علي ﵁ عن النبي ? (إن الله وتر يحب الوتر) الحديث، الوتر المفرد، وأهل العالية وتميم وغيرهم يكسرون الواو إلا أهل الحجاز فإنهم يفتحونها، وبهما قرئ في التنزيل والله هو الوتر؛ لأنه البائن من خلقه الموصوف بالوحدانية من كل وجه لا نظير له في ذاته ولا سمي له في صفاته ولا شريك له في ملكه فتعالى الله الملك الحق وقوله (يحب الوتر) أي: يرضى به عن العبد في الإتيان به ويستأثر بما يوجد من طريق العدد على هذه الصفة فيما يعى به إليه ويتقرب به إليه فيقصد فيه التفريد إرادة للمعنى الذي أشير إليه. وفيه (فأوتروا يأهل القرآن) أي: صلوا الوتر، وأراد بأهل القرآن: المؤمنين وخاصة من يتعنى بحفظه

стр. 292

ويتولى القيام بتلاوته، ومراعاة حدوده وأحكامه، وأخل الفاء في قوله (فأوتروا) تنبيهاً على ما استكن فيه من عنى الشرطية فكأنه قال: إنه وتر يحب الوتر. [١١٢/ب] وإذ هديتم إلى ذلك فلا تنسوا في تحري محاب ربكم، فأوتروا فإن من [شأن] أهل القرآن أن يكدحوا في ابتغاء مرضاة الله وإيثار محابه، فإن قيل: أيصح أن يجعل ما كان الوتر من الصلوات أفضل من الشفع بناء على هذا الحديث؟ قلنا: أما في المفروضات فلا، فإن الفضل على ما شرع لنا ثم إنها وإن كانت في أعداد الركعات شفعاً فإنها لا تنفك في المعنى عن وتر وهو أن يراد بها وجه الله لا غير ثم لا تقام في اليوم والليلة إلا مرة واحدة، وأما ما عداها فإن الوتر أفضله لاستجماعه معاني الفردانية واشتماله عليها وذلك من جهة العدد، ومن جهة التوجه به إلى الله وحده، ومن جهة التوقيف فيه على فرد مرة، وذلك قوله ? (لا وتران في ليلة). [٨٦٩] ومنه حديث خارجة بن حذافة القرشي العدوي ﵁ عن النبي ? (إن الله أمدكم

стр. 293

بصلاة هي خير لكم من حمر النعم) الحديث، أمدكم بصلاة أي: جعلها زيادة لكم في أعمالكم، والمادة الزيادة المتصلة، وقد روي إن الله زادكم صلاة، ومن الرواة من يرويه أمدكم بصلاة، وبسائر هذه الروايات استدل من راى وجوبها واستدل أيضاً بحديث أبي أيوب عن النبي ? (الوتر حق على كل مسلم) وبحديث بريدة بن الحصين السلمي عن النبي ? (الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا)، وبحديث أبي محمد (الوتر واجب) وأبو محمد هذا هو مسعود بن أوس الأنصاري يعد في أهل بدر. ومن ذهب إلى خلاف ذلك من العلماء فإنه استدل بحديث علي ﵁ أنه قال الوتر ليس بحتم كهيئة الصلاة المكتوبة ولكن سنة سنها رسول الله ? ثم إنهم يحملون الأحاديث التي أوردناها على معنى التأكيد في حق السنة، ويعارضون قول أبي محمد بأقاويل من خالفه من الصحابة في ذلك ولكل وجهة هو موليها، وخارجة بن حذافة راوي هذا الحديث كان من الأبطال المذكورين، يقال إنه كان يعدل بألف فارس وهو الذي استخلفه عمرو بن العاص يوماً بمصر على صلاة الصبح حيث لم يمكنه الخروج لوجع اصابه في بطنه فأتى الخارجي رجل من بني العنبر يريد قتل عمرو، فقتل خارجة ولا يعرف له عن النبي ? حديث غير هذا. [١١٤/أ]. [٨٧٤] ومنه، حديث علي ﵁ أن رسول الله ? كان يقول في آخر وتره (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك) الحديث. قال الخطابي في تقرير معنى هذا الحديث: سأله أن يجيره برضاه من سخطه ومعافاته من عقوبته، والرضاء والسخط ضدان متقابلان وكذلك المعافاة والمؤاخذة بالعقوبة فلما صار إلى ما لا ضد له وهو الله سبحانه استعاذ به منه لا غير، وقوله (لا أحصي ثناء عليك) اي: لا أطيقه ولا أبلغه حصراً وتعداداً وحقيقة المعنى الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب من حق عبادته والثناء عليه.

стр. 294

ومن باب القنوت (من الصحاح) [٨٧٦] حديث أنس ﵁ انه بعث أناساً يقال لهم القراء. قلت: كان من أوزاعي الناس ونزاع القبائل أناس ينزلون الصفة، يتقفرون العلم ويتعلمون القرآن وكان

стр. 295

يقال لهم القراء وكانوا إذا نزل بالمسلمين نازلة ردءاً لهم، وكانوا حقاً عمار المساجد وليوث الملاحم، فقدم على النبي ? عامر أبو براء الذي يقال له ملاعب الأسنة قبل إسلامه، فقال: لو بعثت إلى أهل نجد بعثاً لاستجابوا لك، فقال رسول الله ? (أخاف عليهم اهل نجد) فقال: أنا جار لهم فابعثهم، فبعث رسول الله ? سبعين رجلاًمن القراء وعليهم المنذر بن عمرو الساعدي، فلما نزلوا بئر معونة وهي بين أرض بني عامر وحرة بني سليم، بعثوا حرام بن ملحان إلى عامر بن الطفيل بكتاب رسول الله ? فقتل حرام بن ملحان ﵁ ثم استصرخ على اصحاب حرام بني عامر فلم يجيبوه وقالوا لن نخفر أبا براء فاستصرخ عليهم قبائل من سليم عصية ورعلاً وذكوان والقارة فأجابوه وأحاطوا بالقوم فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم إلا كعب بن زيد الأنصاري النجاري فإنه ترك وبه رمق فغاش حتى استشهد يوم الخندق، وكان بعث بئر معونة في أول السنة الراعبة من السنة الرابعة من الهجرة. ومن باب قيام شهر رمضان (من الحسان) [٨٨٣] حديث أبي ذر ﵁ وفي حديثه (يا رسول الله لو نفلتنا قيام هذه الليلة) أي: جعلت بقية الليل زيادة لنا في القيام الذي قمت بنا شطر الليل وكل شيء كان زيادة [١١٤/ب] على الأصل

стр. 296

فهو نفل وقيل للغنية نفل، لأنها كانت محرمة على من تقدمهم فزاد الله هذه الأمة في الحلال لإأباحها لهم ومنه قيل لما زاد على الفرض نافلة ومن التنفيل بمعنى الزيادة حديث ابن عمر ﵁ (بعث النبي ? بعثاً قبل نجد فبلغ سهمانهم اثني عشرا بعيراً فنفلهم بعيراً بعيراً)، فالنفل ههنا هو الزيادة على سهامهم، ولو في قوله (لو نفلتنا) بمعنى ليت أي: ليتك نفلتنا ولهذا لم يأت فيه بالجواب. وفيه: (حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح يعني السحور) قلت: التفسير) من متن الحديث، ولم يبين في كتاب (المصابيح) فمن لم يعرفه بطرقه حسبه من قول المؤلف أو من قول بعض الرواة، وهو من قول أبي ذر رواه أبو داود في كتابه (بإسناده) عن جبير بن نفير عن أبي ذر. وفيه (قلت: وما الفلاح؟ قال: السحور) والظاهر أن هذا اللفظ استعاره أبو ذر فاستعمله؛ لأنه لو كان مستعملاً فيما يتداوله أهل اللغة لم يخف على جبير بن نفير وهو من أهل اللسان، وإنما سمي السحور فلاحاً، لكونه ميعناً على إتمام الصوم المفضي إلى الفلاح أو لأنه من إقامة سنة الرسول ? وذلك الفلاح كل الفلاح. ومن باب صلاة الضحى (من الصحاح) [٨٨٨] حديث أبي ذر ﵁ قال رسول الله ?: (يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقة) الحديث. قال أبو عبيد: هو الأصل عظم يكون في فرسن البعير فكان المعنى على كل عظم ابن آدم

стр. 297

صدقة قلت: وفي معناه قوله ?: (خلق الإنسان على ثلاثمائة وستين مفصلاً) فتارة ذكر العظام؛ لأن بها قوام البدن وتارة ذكر المفاصل؛ لأن بها يتيسر القبض والبسط والتردد والنهوض إلى الحاجات. وفيه: (ويجزي من ذلك ركعتان) أي: تكفي من قولهم أجزاني أي: كفاني. [٨٨٨] ومنه حديث زيد بن أرقم عن النبي ? (صلاة الأوابين حين ترمض الفصال). الأوب ضرب من الرجوع وذلك؛ لأن الأوب لا يقال إلا في الحيوان الذي له إرادة، والرجوع يقال فيه وفي غيره، فالأواب هو الراجع إلى الله تعالى بترك المعاصي وفعل الخيرات، ورمض الفصال أن تحرق الرمضاء عند ارتفاع الصبح (فيبرك) [١١٥/أ] الفصيل من شدة حرها وإحراقها أخفافها وقال هذا القول حين دخل مسجد قباء ووجد أهل قباء يصلون في ذلك الوقت وإنما مدحهم بصلاتهم في الوقت الموصوف؛ لأنه وقت تركن فيه النفوس إلى الاستراحة، ويتفرغ فيه ذوو الخلاعة للبطالة ثم إنه وقت ينقطع فيه كثير من دواعي التفرقة، ويتهيأ فيه أسباب الخلوة وصرف العناية إلى العبادة فترد على قلوب الأوابين من الأنس بذكر الله وصفاء الوقت ولذاذة المناجاة ما يقطعهم عن كل مطلوب سواه، ويوجد ذلك الوقت في المعاني التي ذكرناها مشابهاً للساعات المختارة في جوف الليل فيغتنم العبادة حينئذ، والله تعالى أعلم.

стр. 298

ومن باب التطوع (من الصحاح) [٨٩٣] حديث أبي هريرة ﵁ قال النبي ? لبلال عند صلاة الفجر: (يا بلال حدثني) الحديث. قلت: سأله عن أوثق أعماله وأحقها بالرجاء عنده، وأضاف الرجاء إلى العمل؛ لأنه هو السبب الداعي إلى الرجاء، والمعنى أنبئني عن أعمالك بما أنت أشد رجاء فيه. وفيه (سمعت دف نعليك) أي: حسيسها عند المشي فيهما، واراه أخذ من دفيف الطائر إذا أراد النهوض قبل أن يستقل، وأصل ضربه بجناحيه دفيه، وهما جنباه فيسمع لهما حسيسها عند المشي فيهما، وأراه أخذ من دفيف الطائر إذا أراد النهوض قبل أن يستقل، واصله ضربه بجناحيه دفيه، وهما جنباه فيسمع لهما حسيس، وقد روي ذلك من وجوه مختلفة الألفاظ متفقة المعاني، ففي حديث بريدة (ما دخلت الجنة إلا سمعت خشخشتك أمامي) وحديث بريدة هذا في هذا الباب. وفي رواية أخرى قال لبلال: (ما دخلت الجنة إلا سمعت له خشخشة) أي: حركة لها صوت، وفي رواية (يا بلال ما عملك فإني لا أراني أدخل الجنة فأسمع الخشفة فأنظ إلا رأيتك)، والخشفة: الحس والحركة، تقول منه خشف الإنسان يخشف خشفاً، وخشف الثلج وذلك في شدة البرد يسمع له خشفة عند المشي وهذا شيء كوشف به ? من عالم الغيب في نومه أو يقظته وفي حديث بريدة بم سبقني إلى الجنة، ونرى ذلك والله أعلم عبارة عن مارعة بلال إلى العمل الموجب لتلك الفضيلة قبل ورود الأمر عليه وبلوغ الندب إليه وذلك مثل قول القائل لعبده [١١٥/ب]: يسبقني إلى العمل أي: يعمل قبل ورود أمري عليه، ومن ذهب في معناه إلى ما يقتضيه ظاهر اللفظ فقد أحال؛ فإن نبي الله ? جل قدره أن يسبقه أحد من الأنبياء إلى الجنة؛ فضلاً عن بلال، وهو رجل من أمته.

стр. 299

وفيه: (لم أتطهر طهزراً في ساعة من ليل أو نهار .... الحديث): به يتمسك المتمسكون في استحباب الركعتين بعد الوضوء، وإن يكن ذلك في وقت مكروه، ولا متمسك لهم فيه؛ لأن صلاة بلال بعد الوضوء لا تقتضي لأن يكون قد توضأ في الوقت الذي ذكرناه - كا يلبث ريثما ينقضي الوقت المكروه، ثم يصلي اكعتين حتى لا نكون تقولنا على الصحابي بالظن والتخمين، وما وردت بخلافه الأحاديث الصحاح، وكيف يسع أحداً أن يرد السنن الواضحة باحتمال لا طائل تحته. (ومن الحسان) [٨٩٨] قوله ? في حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁: (وعزائم مغفرتك): أي: الخصال التي توجب مغفرتك، وتحققها، وقد مر تفسيره في (باب سجود القرآن).

стр. 300

باب صلاة التسبيح (من الحسان) [٨٩٩] حديث ابن عباس ﵁؛ أن النبي ? قال لعباس: (يا عماه .... الحديث): قلت: حديث صلاة التسبيح روي عن ابن عباس، والفضل بن عباس، وأبي رافع، وقد روي أيضاً - عن عبد الله بن عمرو، وأم سليم، ﵃ أجمعين. وهو من سائر الطرق غريب، وفي إسناد بعضه مقال، وقد اختار أبو داور رواية ابن عباس؛ فرواها في (سننه). والحديث على ما هو في (كتاب المصابيح) غير مستقيم قد سقط منه كلمات لا يعرف بدونها معناه، ولم تخل نسخة من الكتاب عن ذلك الخلل، وتجد ذلك في ثلاثة مواضع

стр. 301

أحدها: (ألا أفعل بك عشر خصال)، والرواية: (ألا أفعل لك). وثانيها: بعد قوله: (أوله وآخره) سقط منه (قديمه وحديثه). وثالثها: بعد قوله: (سره وعلانيته) سقط منه: (عشر خصال). وقد وجدت كثيراً من الناس قد تعذر عليهم تصور معنى هذا الحديث، والمانع منه شيئان: أحدهما: ما ذكرناه من الحذف. والآخر: أنهم يرون أن الخصلة إنما تستعمل في سجية خلقية أو خلق مكتسب؛ فتختص بمعنى محمود أو مذموم [١١٦/أ] في نفس الإنسان. وليس الأمر على ما توهموه؛ فإن الخصلة هي الخلة، والخلة: الاختلال العارض للنفس: إما لشهوتها لشيء، أو لحاجتها إليه بالخصلة، كما يقال للمعاني التي تظهر من نفس الإنسان - يقال أيضاً لما تقع حاجته إليه؛ وقد ورد بمعناه الحديث عن عثمان ﵁ أن النبي ? قال: (ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال: بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجلف الخبز والماء)؛ فسماها خصالاً، وهي خارجة عن نفس الإنسان. وإذا قد بينا الخلل الذي في الحديث، وبينا معنى الخصلة - فالآن نبين معنى الحديث، فنقول - ومن الله التوفيق: قوله: (ألا أمنحك): المراد منه: المنحة بالدلالة على فعل ما يفيده الخصال العشر، وهو في المعنى قريب مما تقدمه من قوله: (ألا أعلمك)، وفي رواية أبي داود: (ألا أعطيك؟!)، (ألا أمنحك؟!) (ألا أحبوك؟!)، وكل هذه الألفاظ راجعة إلى المعنى الذي ذكرناه، وإنما أعاد القول بألفاظ مختلفة؛ تقريراً للتأكيد، وتوطئة للاستماع إليه. وأما قوله: (ألا أفعل لك عشر خصال) - فإنما أضاف فعل الخصال إلى نفسه؛ لأنه كان هو الباعث عليها والهادي إليها، والخصال العشر منحصرة في قوله: (أوله وآخره، وقديمه وحديثه خطأه وعمده، صغيره وكبيره، سره وعلانيته؛ فهذه الخصال العشر، وقد زادها إيضاحاً بقوله: (عشر خصال) بعد حصر هذه الأقسام، أي: هذه عشر خصال. ومن نصب الراء (عشر) فالمعنى: خذها عشر خصال، أو دونك عشر خصال، أو منحتك عشر خصال، وما أبه ذلك. وأما قوله: (إذا أنت فعلت ذلك): أي: أفعل ذلك من تحقيق الخصال العشر إذا أنت فعلت الأمر الذي أمرتك به؛ فقوله ذلك راجع إلى ما قصد تعليمه إياه، ودلالته عليه. هذا، وقد سئلت عن هذه الأقسام، فقيل لي (أليس الأول والآخر يأتيان على القديم والحديث؛ وعلى هذا: فما فائدة هذه الألفاظ، وتقسيمها على عشر خصال؟): فكان من جوابي لذلك بتوفيق الله، قلت قد علمنا من الحديث أن الخصال العشر هي التي عدها رسول الله ? مبينات مفصلات؛ فلابد أن يقع البيان على خصال متغايرة لا تتحد معانيها؛ فنقول:

стр. 302

معنى قوله: (أوله وآخره) أي: مبدأه [١١٦/ب] ومنتهاه؛ وذلك لأن من الذنب ما لا يواقعه الإنسان دفعة واحدة، وإنما يتأتى منه شيئاً فشيئاً. ونظير ذلك الإنسان المواقع في الزنا؛ فإنه يتمنى ويشتهي، ثم يتطلع أولاً إليه، فينظر ويراود، ويقبل ويلامس، ويباشر. وهذه الجملة [وإن كانت ذنوباً متعددة، فإنها الحقيقة راجعة إلى شيء واحد، ولتأكيد الجملة ....] أول وآخر؛ فإذا صحت الإنابة، وتقبلت التوبة؛ تجاوز الله عما اجتلاحه العبد في أول الأمر وآخره. ويحتما أن يكون معنى قوله: (أوله وآخره) أي: ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومعنى: (قديمه وحديثه) أي: ما قدم به عهده وحدث. ويحتمل: أن يراد بـ (القديم): ما تعوده؛ فتكرر منه فعله؛ ويكون حينئذ على معنى الإصرار؛ ويراد بالحديث: ما ندر منه؛ وهو خلاف الإصرار. وقوله: (خطأه وعمده، صغيره وكبيره، سره وعلانيته): فهذه الأقسام الثلاثة - وإن كانت متداخلة؛ لأن الخطأ والعمد يأتيان على سائر أقسام الذنب، وكذلك الصغير والكبير، والسر والعلانية - فإن جنس الذنب لا يخلو عن أحد اقسمين من جملة الأقسام المذكورة، لكن ل قسمين متقالبين منها متفارقان عن الآخرين في الحد والحقيقة؛ فالحكم الذي يختص بالخطاء غير الحكم الذي يختص بالعمد، والمؤاخذة التي تتعلق بالصغير غير الذي تتعلق بالكبير، وكذلك السر والعلانية؛ فالخطأ العمد لا يسدان سد الصغير والكبير؛ لاحتمال أن يكون الخطأ والعمد - المذكوران في الحديث - من أحد قسمي الصغير والكبير، وكذلك الصغير والكبير يحتملان أن يكونا في أحد قسمي السر والعلانية؛ فهي إذن خصال متغايرة. ثم إن قوله: (غفر له ذنبه): يحتمل أن يكون ذلك الغفران في بعض دون بعض، فإذا قال: (أوله وآخره): ارتفعت الشبهة، وبقي احتمال ذلك الغفران في بعض دونما بعض، فإذا قال: (أوله وآخره): ارتفعت الشبهة، وبقي احتمال أن يكون ذلك فيما قدم دون ما حدث، أو على القلب، فإذا قال: (قديمه وحديثه): زال ذلك الاحتمال، وبقي احتمال أن يكون ذلك في الصغير دون الكبير، فإذا نص عليهما، لم يبق للاحتمال مجال، إلا في السر والعلانية، فإذا ذكرا، زال الإشكال والاشتباه. فعلمنا من الوجوه التي ذكرناها: أن الحصر أفادنا معاني لم نكن لنعرفها إلا بإيراد هذه الألفاظ المعبر عنها بـ (الخصال العشر)، والله أعلم. [٩٠١] ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي إمامة ﵁: (فإن البر ليذر على رأس العبد) أي: ينثر ويفرق من قولهم: ذررت الحب والملح والدواء، أذره ذراً، أي: فرقته، ومن الناس من صفحه فيقول: (ليدر) بالدال الملهمة؛ وهو مشاكل للصواب من طريق المعنى، إلا أن الرواية لم تساعده، وكذلك رواه

стр. 303

الحفظة الأثبات؛ والحديث إنما يؤخذ عن رجاله، وليس لأحد أن يخالفهم إلا في لفظ اختلف فيه؛ فيتحقق التصحيف عن بعضهم: فذلك الذي لا حرج فيه. ومما يفتقر إلى بيانه - من هذا الحديث -: قول الراوي: (يعني: القرآن).

стр. 304

هكذا ذكره مؤلف الكتاب من غير أذكر المفسر الذي فسره، وهذا الحديث نقله من (كتاب الترمذي)، وقد رواه الترمذي عن أحمد بن منيع، عن أبي النضر، عن بكر بن خنيس، عن ليث بن ابي سليم، عن زيد بن أرطأة، عن أبي إمامة، وفي روايته (قال أبو النضر: يعني: القرآن)؛ فلم يذكر فيه المؤلف ابا النضر، ومثل هذا لا يتسامح فيه أهل الحديث، والحق معهم؛ فإن ترك ذكر من فسره يوهم أن التفسير من قول الصحابي؛ فيجعل من متن الحديث؛ وفي ذلك خلل بين وفساد عريض. وهذا الحديث لا يدخل في جملة ما يعتمد من الأحاديث؛ فإن في إسناده بحر بن خنيس؛ وهو ضعيف، وليث بن ابي سليم أيضاً يمد في الضعفاء. باب الجمعة (من الصحاح) [٩١٥] قوله ? في حديث أبي هريرة ﵁ (بيد أنهم أوتوا الكتاب الكتاب من قبلنا):

стр. 305

بيد يستعملونه بمعنى (غير)؛ يقال: (هو كثير المال بيد انه بخيل) [١١٧/ب]. والمعنى: نحن الآخرون السابقون غير أنهم أتوا الكتاب من قبلنا. وقيل: معناه: على أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، مع أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، و (ميد): لغة فيه؛ وفي الحديث: (أنا أفصح العرب بيد أني من قريش، ونشأت في بني سعد بن بكر)، وقد روي: (بيد أني من قريش)، وهذا الحديث يؤيد قول من ذهب في معنى قوله: (بيد أنهم أوتوا الكتاب) أي: مع أنهم، وأما: (غير أنهم): فإنه يستقيم في حديث: (أنا أفصح العرب). وقد قيل: (بيد أني من قريش) أي: من أجل أني من قريش. (ومن الحسان) [٩١٨] قوله ? في حديث أبي هريرة ﵁: (وما من دابة إلا وهي مسيخة): أي: مصغية مستمتعة، ساخ وأصاخ: بمعنى واحد، وأصاخ: أكثر استعمالاً، وكأنه هو الأصل، وأساخ: قلبت صاده سيناً، والعرب تفعل ذلك إذا كانت في الكلمة خاء أو طاء أو عين، أو قاف؛

стр. 306

كالصماخ، والصراط، والصدغ، والبصاق، والرواية في هذا الحديث بالسن والصاد في كلامهم أكثر، قال أبو داود الشاعر: وتصيخ أحياناً كما اسـ .... ـتمتع المضل لصوت ناشد ووجه إساخة طل دابة يوم الجمعة - وهي - مما لا يعقل: أن نقول: إن الله تعالى يجعلها ملهمة بذلك، مستشعرة منه، وغير مستنكر أمثال ذلك - وهو ما فوقه في العجب - من قدرة الله سبحانه، والحكمة في إخفاء ذلك عن الجن والإنس: أنهم مكلفون، ولا سيما بالإيمان بالغيب، فإذا كوشفوا بشيء من ذلك، اختلت قاعدة الابتلاء؛ وحق القول عليهم بالاعتداء، ثم إنهم لا يستطيعون له سمعاً إن ظهر لهم. ويجوز أن يكون وجه إساخة كل دابة يوم الجمعة: أن الله تعالى يظهر يوم الجمعة في أرضه من عظائم الأمور، وجلائل الشيءون: ما تكاد الأرض تميد بها؛ فتبقي كل دابة ذاهلة دهشة؛ كانها مسيخة للرعب الذي يداخلها، والحالة التي تشاهدها حتى كأنها تشقق شفقتها من قيام الساعة. [٩٢٠] ومنه: حديث أوس بن أوس الثقفي ﵁ في حديثه: (كيف تعرض عليك [١١٧/أ] حديث صلاتنا وقد أرمت):

стр. 307

قال الراوي: أي: بليت؛ يقال: أرم المال والناس، أي: فنوا، وأرض آرمة: لا تنبت شيئاً. وقيل: إنما هو (أرمت) على بناء المفعول، والأرم: الأكل؛ ولذلك قيل للأسنان أرم، وأرمت الإبل تأرم: إذا تناولت العلف. ويروى: (أرممت) أي: صرت رميماً؛ وإذ قد وردت الرواية بهذا، وإذ قد وردت الرواية بهذا، جاز أن يكون قول من يرويه: (أرمت) بحذف إحدى الميمين من (أرممت)؛ وهو لغة لبعض العرب؛ كقولهم: ظلت أفعل كذا، أي: ظللت؛ وهذا الوجه نقلته من (كتاب الخطابي). ومن باب وجوب الجمعة (من الصحاح) [٩٢٢] حديث عبد الله بن عمر ﵄: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات .... الحديث): (ودعهم) أي: تركهم، ثبت هذا المصدر عن قول النبي ? وثبت عنه الماضي - أيضاً - في حديث آخر، وقد زعم علماء العربية - لا سيما النجاة منهم أن هذا ميت مصدره والماضي منه؛ فلا يقال: (ودعه

стр. 308

وإنما يقال: (تركه)، ويزعمون أن العرب قد تركت النطق بهما، وربما جاء في ضرورة الشعر: (ودعه)؛ قال الشاعر: ليت شعري عن خليلي ما الذي .... غاله في الحب حتى ودعه ولا يقال: (أودع)، وإنما يقال: تارك. وكذا .... في مودوع .... الذي ذكرنا ..... الراو .... رواية ..... بالمعنى، فلا .... بما قالوا، إذ قول النبي - ? - هو الحجة القاضية على كل ذي لهجة وفصاحة. ومن باب التنظيف والتبكير (من الصحاح) [٩٢٩] حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ? من مس الحصى، فقد لغا): أي كان كمن تكلم به، وقيل: لغا عن الصواب، أي: مال، وقيل: مال عن الجمعة؛ لما حرم من الأجر. ومنه: حديثه الآخر عن النبي ?: (إذا كان يوم الجمعة، وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول، ومثل المهجر .... الحديث).

стр. 309

قد ذكرنا فيما مضى [من] الكتاب: أن التهجير والتهجر: السير في الهاجرة وقد ذهب جماعة في المهجر إلى الصلاة إلى ان معناه: التبكير إليها. وذهب آخرون: إلى أنه بعد الزوال؛ لأن التهجير إنما يكون نصف النهار؛ ويعزي هذا القول إلى مالك. قلت: وهذا صحيح من طريق اللغة؛ فإنهم يقولون: هجر النهار: إذا بلغ وقت اشتداد الحر وانتصف؛ ومنه قول امرئ القيس: فدعها وسل الهم عنك بجسرة .... ذمول إذا صام النهار وهجراً قلت: ومن ذهب في معناه إلى التبكيلا: فإنه اصاب أيضاً وسلك طريقاً حسناً من طرق الاتساع؛ وذلك أنه جعل الوقت الذي يرتفع فيه النهار، ويأخذ الحر في الازدياد من الهاجرة؛ وله نظائر من كلامهم؛ كقولهم في طرفي النهار: (الغداة، والعشي) ثم إنهم جعلوا النهار نصفين، فسموا النصف الأول: غداة، والنصف الثاني: عشياً. ونرى هذا الوجه أشبه الوجهين؛ لحديثه الآخر؛ أن رسول الله قال: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح [١١٧/ب]: فكأنما قرب بدنه، ومن راح في الساعة الثانية: فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة: فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة: فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام، حضرت الملائكة يستمعون الذكر)؛ وهذا حديث صحيح أخرجه البخاري في كتابه (كتابه) عن أبي هريرة؛ فتقسيم اوقات الرواح على الساعات الخمس: يبين لنا أن المراد من التهجير: التبكير؛ لتضايق ما بعد الزوال عن تلك الساعات. ومما يدل أيضاً على هذا المعنى: أنه قال في أول الحديث: إذا كان يوم الجمع، وقفت الملائكة)، ولم يقل: (إذا كان وقت الجمعة). فإن قال قائل: (أفلا يصح أن تحمل الاساعات على المجاز والتوسعةفي الكلام، كقول القائل: انظرني ساعة، وارعني سمعك فأحدثك ساعة؛ ونحو ذلك مما لا يراد به التحديد، وأن يراد بـ (يوم الجمعة) بعض اليوم، وذلك هو الزمان الذي يتعين عليه الرواح بدخول وقت الزوال؟). قلنا: إما من طريق اللهجة العربية، فإنه قول قويم، ولم ننكر التأويل عليه، غير اننا نرى الذهاب إلى التبكير في هذا الحديث أولي؛ لأن القول بالاتساع في التهجير أقرب من القول به في الساعات الخمس. مع أنا - وإن ذهبنا فيها إلى الاتساع - فلا غنية بنا عن تبيين تلك الساعات وتقديها؛ لنهتدي إلى مقادير الفضل بين السابق واللاحق، وذلك - أيضاً - يستدعي زماناً ممتداً قابلاً للتسقيم الذي أتى به الشارع فاصلاً للمرابت التي بينها، ونرى حمل قوله: (إذا كان يوم الجمعة) على الساعات المبتدأة - أوقى وأولى من حمله على الساعات المتوسطة؛ لمكان الشرط، وتعلق الحكم به. وقوله: (فكأنما قرب دجاجة): أي: تصدق بها متقرباً بين يدي الله، وكذلك القول في قوله: (قربت بيضة).

стр. 310

(ومن الحسان) [٩٣٣] حديث أوس بن أوس الثقفي ﵁ عن النبي ?: (من غسل يوم الجمعة واغتسل .... الحديث): قد اختلف أهل الرواية في قوله: (غسل) فمنهم: من يرويه بالتشديد، وهم الأكثرون عدداً. ومنهم: من يرويه بالتخفيف؛ وهم الأعلام من أئمة الحديث. فأما من شدد [١١٨/أ]: فمنهم من يقول: على معنى التأكيد، ومنهم من يقول: غسل الرأس خاصة، لأن العرب لهم لمم وشعور، وفي غسلها كلفة؛ فأفرد ذكر غسل الرأس من اصل ذلك؛ وإليه ذهب مكحول؛ وبه قال أبو عبيد. ومنهم من قال في معناه: يطأ صاحبته؛ منهم عبد الرحمن الأسود؛ وهلال بن ياف وهما من التابعين، وكأنهم ذهبوا إلى هذا المعنى؛ لما فيه من غض البصر، وصيانة النفس عن الخواطر التي تحجز بينه وبين التوجه إلى الله بالكلية. وإذا خفف، فمعناه: إما التأكيد، وإما غسل الراس، والاغتسال للجمعة، وروينا عن أبي بكر بن الأثرم صاحب أحمد في سؤاله عنه عن هذا الحديث: كلاماُ زبدته: أنه فاوض أحمد في هذا الحديث، وراجعه كرة بعد أخرى؛ فقال: ما سمعنا إلا (غسل) بالتشديد، وكان يذهب في معناه إلى ما ذكرناه من الوطء، قال: فذكرت له الحديث عن علي ﵁ أنه قال: (من غسل) مخففة، قال: وأي شيء معناه؛ إذا خفف؟ قلت: غسل رأسه واغتسل، قال: ليس بشيء! ثم قال لي بعد ذلك: نظرت في ذلك الحديث؛ فلم أجد (غسل) - يعني: بالتشديد - ولعله أن يكون في بعض الحديث، ولم أجده، وإنما أصبته (غسل) مخففة من حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قلت: عن حسين، أعني: الجعفر؟ قال: نعم؛ سمعته من الحسين، قال: ومن حديث المبارك عن الأوزاعي. وفيه: (بكر وابتكر): يحتمل: أن المخالفة بين اللفظين لم تقع لاختلاف المعنيين، وإنما معناهما واحد، والمراد من إيرادهما: التأكيد - على ما ذكرنا - ويؤيد هذا القول رواية النسائي في (كتابه): (وغدا وابتكر). وقيل: معنى (بكر): أدرك باكورة الخطبة، وهي أولها، وهى أولها، و (ابتكر) أي: قدم في أول الوقت.

стр. 311

وقال ابن الأنباري: (بكر): تصدق قبل خروجه؛ يتأول على ما روى في الحديث: (باكروا بالصدقة؛ فإن البلاء لا يتخطاها). على هذا النحو وجدنا تفسيرهما في كتب أصحاب الغريب، وتابعهم عليه الخطابي وغيره. ووجدت تفسيرهما في كتاب أبي عبيد الهروي على خلاف ذلك، وهو أنه قال: بكر، قالوا اسرع، وابتكر: أدرك الخطبة من أولها، وهو من الباكورة). قلت: وأرى نقل أبي عبيد أولى بالتقديم؛ لمطابقته [١١٨/ب]- أصول اللغة، وذلك لأنهم يقولون لكل من بادر إلى الشيء: أبكر إليه وبكر أي وقت كان، ومنه الحديث (لا يزال أمتي على ستني ما بكروا بصلاة المغرب أي صلوها عند سقوط القرص، وفي الحديث (بكروا بالصلاة في يوم الغيم فإنه من ترك العصر حبط عمله) أي تقدموا وقدموها في أول وقتها، ويقولون ابتكرت الشيء أي استوليت على باكورته ويشهد لصحة هذا القول نسق الكلام فإنه حث على التبكير ثم على الابتكار وعلى هذا نسق العمل فإن يتوجه الإنسان إنما يغدو إلى المسجد أولاً ثم يستمع الخطبة ثانياً ومن آداب الخطيب المصقع والبليغ المغرب أن يتوجه في الأمر بمقاله على ما هو الأول فالأول، ونبي الله ? أفصح من كل فصيح وأبلغ من (كل) بليغ، واختلف جمع من علماء النقل في راوي هذا الحديث فمنهم من يقول: أوس بن أوس ومنهم من يقول: أوس بن أبي أوس، ومنهم من يقول أوس بن حذيفة، قال يحيى بن معين: أوس بن أوس وأوس بن أبي أوس واحد، وقال خليفة بن خياط: وأسلم أبي أوس حذيفة، فعلى هذا كل ذلك واحد، وعليه يدل الروايات، وقد أورد أبو نعيم الأصفهاني في هذا الحديث في ترجمة أوس بن حذيفة الثقفي، وذكر أن هذا ليس بأوس بن أوس حذيفة الثقفي، وليس لأبي نعيم أن يقطع بهذا القول على ما بدا له فلعل الرجل كان مذكوراً بالاسمين أو كان الوافد من ثقيف أوس بن اوس، وأوس بن حذيفة أيضاً كان من وفد ثقيف، وهذا الحديث أخرجه الأئمة الثلاثة في كتبهم أبو داود وأبو عيسى وأبو عبد الرحكم عن أوس بن أوس على ما ذكرناه، وهم الأعلام في علم النقل، وما اجتمعوا عليه كان حجة على من بعدهم من أهل النقل. [٩٣٦] ومنه: حديث معاذ بن أنس ﵁ عن النبي ? (من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسراً إلى جهنم) تخطى أي تخطى أي تجاوز بالخطو رقاب الناس يقال تخطيته أي تجاوزته، وقوله اتخذ) يروى

стр. 312

على بناء الفاعلية وهي الرواية المعتد بها، وذلك من حيث المعنى أقوم، أي صنيعه ذلك يؤديه إلى جهنم كالجسر الذي يؤدي بمن يعبر عليه إلى ما وراءه، وذلك أن الرجل كان بحضوره الصلاة [١١٩/أ] ممن جعل بينه وبين النار خندقاً، فاتخذ بذلك جسراً يعبر به إلى جنهم، ومنهم من يرويه على بناء مفعول ما لم يسم فاعله، وفيه وهن، رواية ومعنى، ومنه حديثه الآخر (أن رسول الله ? نهى عن الحبوة يوم الجمعة) الحبوة بضم الحاء وكسرها الاسم من الاحتباء، وهو أن يجمع الرجل ظهره وساقيه بثوب، وقد يحتبي بيديه، ووجدت الرواية بكسر الحاء، والحبوة بالفتح المرة من الاحتباء ولا معنى لها ههنا، ووجه النهي والله أعلم هو أنها مجلبة للنوم، ثم أنها هيئة لا يكون معها تمكن، فربما يفضي إلى انتقاض الطهارة فيمنعه الاشتغال بالطهارة استماع الخطبة وحضور الذكر إن لم تفته الصلاة، مع ما يتوقع منه من الافتتان بالمضي في الصلاة لغلبة الحياء ممن يخلو عن علم يسوسه وورع يحجزه. ومن باب الخطبة والصلاة (من الصحاح) [٩٤١] حديث أنس ﵁ (كان رسول الله ? إذا اشتد البرد بكر بالصلاة) اي تعجل بها وفيما ذكرناه فيما مضى ويحمل حديثه الآخر (كان رسول الله ي? صلي الجمعة حين تميل الشمس) على أنه في فصل دون فصل ولم يرد بقوله كان عموم الأحوال، ليتفق الحديثان، ومنه حديث التائب بن يزيد ﵁ وفي حديثه (فلما كان عثمان ﵁ وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء) المعنى أن رسول الله ? والإمامين بعده ﵄ كانوا يصعدون المنبر بعد الزوال قلب النداء فيؤذن المؤذن بين يدي المنبر وهو النداء الأول، ويقيم بعد الخطبة وهو النداء الثاني، فلما كان عثمان وكثر الناس رأى أن يؤذن قبل خروج الإمام اينتهي الصوت إليهم فيحضروا وهو النداء الثالث في الترتيب لأنه زيد بعد النداءين، والزراء ذكر تفسيرها في الحديث من رواية ابن ماجة في سننه. قال الراوي: فلما كان

стр. 313

عثمان وكثر الناس رأى النداء الثالث على دار في السوق يقال لها الزوراء قلت: والزوراء أيضاً اسم مال بالمدينة لأحيحة بن الحلاج وفيه يقول: إني مقيم على الزوراء أعمرها .... إن الكريم على الإخوان ذو المال وهذه أشهر بهذه التسمية من الزوراء المذكورة في الحديث، ومن الناس من تشتبه عليه ولا وجه للنداء على الزوراء التي هي من أموال أهل المدينة، والمعول في ذلك على الحديث الذي ذكرناه، قلت: ولعل هذه الدار سميت زوراء لميلها عن عمارات البلد [١١٩/ب] يقال قوس زوراء لميلها أو لأنها بعيدة عنها، يقال: أرض زوراء اي بعيدة قال الأعشى: يسقى دياراً لها قد أصبحت غرضاً .... زوراء أجنف عنها القود والرسل [٩٤٣] ومنه: حديث جابر بن سمرة ﵄ في حديثه (وكانت صلاته قصداً وخطبته قصداً) أصل القصد استقامة الطريق ويستعمل فيما بين الإسراف والتقتير، والمراد به ههنا إقامة الخطبة والصلاة مقترنة بالرعاية عن طرفي التطويل والتقصير في حكم الدين، ولما شرع رسول الله ? أن تكون الصلاة أطول من الخطبة أعاد لفظ القصد في الخطبة ليعلم أن القصد في الخطبة غير القصد في الصلاة، فلم يقل: وكانت صلاته وخطبته قصداً تفريقاً بين القضيتين. [٩٤٤] ومنه: حديث عمار ﵁ سمعت رسول الله ? يقول: (إن طول صلاة الرجل وقصر

стр. 314

خطبته الحديث. قلت: ربما يسبق إلى الأفهام القاصرة أن حديث سمرة مخالف لهذا الحديث، لأنه نفى التطويل والتقصير عن الخطبة والصلاة والنبي ? عمد طول الصاة وقصر الخطبة في الجمعة فيرى بين القولين تنافراً وتضاداً، وليس الأمر على ما تصوره فإن طول الصلاة الذي ذكر في حديث عمار هو الذي يوافق السنة ولا يتعداها فيؤتى بها على حد الكمال دون ما نهى عنه من مجاوزة الحد، وذكر الطول والقصر في الأمرين إنما هو بالنسبة إلى كل واحد منهما كقولك فلان أطول من فلان أو أقصر منه، وإن لم يكن الموصوف بالطول طويلاً ولا الموصوف بالقصر قصيراً تريد به تبيان المناسبة التي بينهما في الطول والقصر، فالمراد مما ذكر في حديث سمرة هو الاعتدال في الإتيان بهما على نهج السنة مع المجانبة عن الإفراط والتفريط بالتطويل والتقصير اللذين وردت السنة بخلافهما، فلا تضاد إذاً بين الحديثين، وإنما جعل طول الصلاة وقصر الخطبة من علامة فقه الرجل، لأن الصلاة هي الأصل والخطبة فرع عليها ومن القضايا الفقهية أن يؤثر الأصل على الفرع بالزيادة والفضل، وفيه مثنة من فقهه أي: علامة، والتمتئة: الإعلام وهذه الحروف هكذا يروى في الحديث مخففة النون وفي الشعر بتشديدها، قال الراجز: مثنة من الفعال الأعوج قال الجوهري: وحقه أن يقال مئينة مثل معينة على فعيلة لأن الميم أصلية إلا أن يكون أصل هذا الحرف غير هذا [١٢٠/أ]. الباب فيكون مئنة مفعلة من إن المكسورة المشددة كما يقال هو معساة من كذا أي مجدرة ومخلقة وهو مبني من عسى. (ومن الحسان) [٩٤٩] قوله ? في حديث جابر ﵁ (فليتجوز فيها) أي ليخفف، يقال: تجوز في صلاته إذا خفف.

стр. 315

ومن باب صلاة الخوف (من الصحاح) [٩٥٤] حديث جابر ﵁ (أقبلنا مع رسول الله ? حتى إذا كنا بذات الرقاع) الحديث. غزوة ذات الرقاع غزاها رسول الله ? في السنة الخامسة فلقي المسلمون جمعاً من غطفان فخاف الجمعان بعضهم بعضاً، فصلى رسول الله ? صلاة الخوف وانصرف، ولم يكن بينهم حرب، واختلفت الروايات في صيغة تلك الصلاة لاختلاف أيامها فقد صلى رسول الله ? بعفان وببطن نخلة وبذات الرقاع وغيرها على أشكال متباينة بناء على ما رآه من الأحوط في الحراسة، والتوقي من العدو، وقد أخذ بكل رواية منها جمع من العلماء، وأما تسمية الغزوة بذات الرقاع، فقد روي مسلم في كتابه ما يبين ذلك روي عن أبي عامر عبد الله بن يراد الأشعري عن أسامة عن بريد عن ابي بردة عن أبي موسى ﵁ قال: (خرجنا مع رسول الله ? في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه فنقبت أقدامنا، فنقبت قدمي وسقطت أظفاري وكنا نلف على أرجلنا الخرق فسميت غزوة ذات الرقاع؛ لأن الأرض التي التقوا فيها كانت قطعاً بيضاء وحمراء وسوداء كالرقاع المختلفة في اللون. قلت: وقول جابر (حتى إذا كنا بذات الرقاع) يدل على أن ذات الرقاع اسم لمكان بعينه، وحديث أبي موسى حديث صحيح، فالسبيل أن نقول: لعل أبا موسى كان في غزوة عرفت بغير ذلك الاسم، وكانوا يسمونها ذات الرقاع فيما بينهم للعلة التي ذكرها ولو اعتبرنا نحن التاريخ الذي عليه أصحاب المغازي من كون ذات الرقاع فيما بينهم للعلة التي ذكرها ولو اعتبرنا نحن التاريخ الذي عليه اصحاب المغازي من كون ذات الرقاع في السنة الخامسة فلابد من تأويل حديث أبي موسى على ما ذكرناه؛ لأنه كان من أصحاب السفينة الذين قدموا على رسول الله ? من الحبشة بعد فتح خيبر، وقد وجدت الحافظ إسماعيل الأصفهاني قد ذكر في تاريخ أيام الرسول ? [١٢٠/ب]. أن ذات الرقاع كانت في السنة الخامسة وهو من المعتبرين في هذا الشأن، فلو أخذنا بظاهر حديث أبي موسى وهو حديث صحيح، فتأويل قول جابر (حتى إذا كنا بذات الرقاع) أن نقول: تقديره: حتى إذا كنا بالمكان الذي كانت به غزوة ذات الرقاع، فسمي البقعة باسم الرقعة.

стр. 316

ومن باب صلاة العيدين (من الصحاح) [٩٥٧] حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وفي حديثه (إن كان يريد أن يقطع بعثاً قطعه).

стр. 317

البعث الجيش الذي يبعث إلى العدو، وقطعه: توزيعه على القبائل وقسمته، وإنما استعمل فيه القطع؛ لأن الآمر يقطع القول به فيقول: يخرج من بني فلان كذا ومن بني فلان كذا ومن بني فلان كذا، وكان يقطع البعث بالعيد لاجتماع الناس هنالك حتى لا يحتاج إلى أن يجمعهم كرة أخرى. [٩٥٩] ومنه: حديث ابن عمر ﵄ (كان رسول الله ? وأبو بكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة) قلت: ذكر الصحابي الشيخين مع رسول الله ? فيما يقرره من السنة إنما يكون على وجه البيان لتلك السنة أنها ثابتة معمول بها قد عمل بها الشيخان بعده ولم ينكر عليهما ولم يغير وكان ذلك بمحضر من مشيخة أصحاب النبي ? وليس ذكرهما على سبيل الاشتراك معاذ الإله أن يظن بهم ذلك. [٩٦٣] ومنه: حديث عائشة ﵂ بما تقاولت الأنصار يوم بعاث قاولته في أمره، وتقاولنا

стр. 318

أي تفاوضنا، والمعنى: ما خاطب بعضهم بعضاً من الأشعار التي تفاخر بها الحيان أوس وخزرج، وبعاث اسم حصن للأوس، وقد ذكرناه فيما مر من الكتاب. وفيه (والنبي ? متغش بثوبه) والتغشي: التغطي بالثوب وفي كتاب مسلم (ورسول الله ? مسجى بثوبه) والتسجية إنما يستعمل في الميت فلعل الراوي ذكره على الاتساع في الأحياء، وفي أكثر النسخ من كتاب البخاري (والنبي متغشياً ? بثوبه) على ما هو في المصابيح وقد ضرب عليها في كتاب البخاري ليعلم أنها كلمة لحن فيها بعض الرواة فتركت على حالها، وهذا داب المحدثين ينقلون الكلمة على ما سمعوها، وإن كانت ملحونة محرفة، والعالم إذا تحققها فعليه أن ينقلها على وجه الصواب أو يقول: رويت كذا وصوابها كذا. (ومن الحسان) [٩٧٢] [١٢١/أ] عن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده، الضمير في جده راجع إلى كثير لا إلى أبيه عبد الله؛ لأن الراوي عن النبي ? وهو عمرو بن عوف المزني ﵁ وهو أبو عبد الله وجد كثير.

стр. 319

[٩٧٨] ومنه حديث أبي هريرة ﵁ (كان النبي ? إذا خرج يوم العيد في طريق رجع في غيره) ذهب غير واحد من أصحاب المعاني إلى أن النبي ?كان يبتغي بذلك أن تشمل بركته البقاع وبركة من معه من المؤمنين، وهو حسن، والحديث عندي محتمل لغير ذلك من الوجوه أحدها: أنه صلى الله عليه وسلم

стр. 320

كان يرجع في غير الطريق الذي ذهب فيه لتمتليء أفواه الطرقلطرق عم عباد الله المؤمنين فيكون فيه ترغيم أعداء الله وفل عزيمتهم أو عزهم وإماطة عاديتهم، والآخر: أنه كان يصنع ذلك تفاؤلاً بمضيهم في سبيل الله من غير أن يرجعوا على أعقابهم، وكأنه كان يكره أن يقال: رجعوا من حيث جاءوا، والثالث: أن النبي ?كان إذا عرض له سبيلان أخذ في ذات اليمين فنقول: إنه كان في خروجه يأخذ ذات اليمين وكذلك في رجوعه فيصير ذات الشمال في خروجه ذات اليمين في رجوعه. ومن فصل الأضحية (من الصحاح) [٩٨٢] حديث أنس ﵁ (ضحى رسول الله?). معنى التضحية هو: الذبح على وجه القربة من الأضحية وهي شاة تذبح يوم الأضحى وتسمية ذلك اليوم بالأضحى لأن الصلاة شرعت فيه عند ارتفاع النهار وشرع الذبح بعدها. وفيه (بكبشين أملحين) الملحة من الألوان بياض يخالطه سواد، وإلى هذا ذهب كثير من أصحاب الغريب في معنى أملحين، وحالفهم ابن الإعرابي فقال: هو نقي البياض، ولعله ذهب إلى ذلك لوقل العرب لبعض شهور الشتاء: لميحان لبياض ثلجه. [٩٨٣] ومنه: حديث عائشة ﵂ (أن رسول الله ? أمر بكبش أقرن). الأقرن: العظيم
следующие страницы →