← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18569

الميسر في شرح مصابيح السنة للتوربشتي

التوربشتي

Полный текст (1 323 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ومن باب صلاة العيدين (من الصحاح) [٩٥٧] حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وفي حديثه (إن كان يريد أن يقطع بعثاً قطعه).

стр. 317

البعث الجيش الذي يبعث إلى العدو، وقطعه: توزيعه على القبائل وقسمته، وإنما استعمل فيه القطع؛ لأن الآمر يقطع القول به فيقول: يخرج من بني فلان كذا ومن بني فلان كذا ومن بني فلان كذا، وكان يقطع البعث بالعيد لاجتماع الناس هنالك حتى لا يحتاج إلى أن يجمعهم كرة أخرى. [٩٥٩] ومنه: حديث ابن عمر ﵄ (كان رسول الله ? وأبو بكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة) قلت: ذكر الصحابي الشيخين مع رسول الله ? فيما يقرره من السنة إنما يكون على وجه البيان لتلك السنة أنها ثابتة معمول بها قد عمل بها الشيخان بعده ولم ينكر عليهما ولم يغير وكان ذلك بمحضر من مشيخة أصحاب النبي ? وليس ذكرهما على سبيل الاشتراك معاذ الإله أن يظن بهم ذلك. [٩٦٣] ومنه: حديث عائشة ﵂ بما تقاولت الأنصار يوم بعاث قاولته في أمره، وتقاولنا

стр. 318

أي تفاوضنا، والمعنى: ما خاطب بعضهم بعضاً من الأشعار التي تفاخر بها الحيان أوس وخزرج، وبعاث اسم حصن للأوس، وقد ذكرناه فيما مر من الكتاب. وفيه (والنبي ? متغش بثوبه) والتغشي: التغطي بالثوب وفي كتاب مسلم (ورسول الله ? مسجى بثوبه) والتسجية إنما يستعمل في الميت فلعل الراوي ذكره على الاتساع في الأحياء، وفي أكثر النسخ من كتاب البخاري (والنبي متغشياً ? بثوبه) على ما هو في المصابيح وقد ضرب عليها في كتاب البخاري ليعلم أنها كلمة لحن فيها بعض الرواة فتركت على حالها، وهذا داب المحدثين ينقلون الكلمة على ما سمعوها، وإن كانت ملحونة محرفة، والعالم إذا تحققها فعليه أن ينقلها على وجه الصواب أو يقول: رويت كذا وصوابها كذا. (ومن الحسان) [٩٧٢] [١٢١/أ] عن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده، الضمير في جده راجع إلى كثير لا إلى أبيه عبد الله؛ لأن الراوي عن النبي ? وهو عمرو بن عوف المزني ﵁ وهو أبو عبد الله وجد كثير.

стр. 319

[٩٧٨] ومنه حديث أبي هريرة ﵁ (كان النبي ? إذا خرج يوم العيد في طريق رجع في غيره) ذهب غير واحد من أصحاب المعاني إلى أن النبي ?كان يبتغي بذلك أن تشمل بركته البقاع وبركة من معه من المؤمنين، وهو حسن، والحديث عندي محتمل لغير ذلك من الوجوه أحدها: أنه صلى الله عليه وسلم

стр. 320

كان يرجع في غير الطريق الذي ذهب فيه لتمتليء أفواه الطرقلطرق عم عباد الله المؤمنين فيكون فيه ترغيم أعداء الله وفل عزيمتهم أو عزهم وإماطة عاديتهم، والآخر: أنه كان يصنع ذلك تفاؤلاً بمضيهم في سبيل الله من غير أن يرجعوا على أعقابهم، وكأنه كان يكره أن يقال: رجعوا من حيث جاءوا، والثالث: أن النبي ?كان إذا عرض له سبيلان أخذ في ذات اليمين فنقول: إنه كان في خروجه يأخذ ذات اليمين وكذلك في رجوعه فيصير ذات الشمال في خروجه ذات اليمين في رجوعه. ومن فصل الأضحية (من الصحاح) [٩٨٢] حديث أنس ﵁ (ضحى رسول الله?). معنى التضحية هو: الذبح على وجه القربة من الأضحية وهي شاة تذبح يوم الأضحى وتسمية ذلك اليوم بالأضحى لأن الصلاة شرعت فيه عند ارتفاع النهار وشرع الذبح بعدها. وفيه (بكبشين أملحين) الملحة من الألوان بياض يخالطه سواد، وإلى هذا ذهب كثير من أصحاب الغريب في معنى أملحين، وحالفهم ابن الإعرابي فقال: هو نقي البياض، ولعله ذهب إلى ذلك لوقل العرب لبعض شهور الشتاء: لميحان لبياض ثلجه. [٩٨٣] ومنه: حديث عائشة ﵂ (أن رسول الله ? أمر بكبش أقرن). الأقرن: العظيم

стр. 321

القرن يطأ سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد، أرادت بذلك أن الكبش كان على ما يلي أظلافه من الأكارع لمعه سواد، وعلى الركبتين والمحاجر. وفيه (هلمي المدية) بالضم؛ الشفرة، وقد تكسر الميم [١٢١/ب]. والجمع مديات ومدي. [٩٨٨] ومنه: حديث أم سلمة ﵁ عن النبي ? (إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي) الحديث. يذهب بعض أهل العلم في معنى الكف عن الشعر والظفر إن أراد الأضحية أنه للتشبه بحجاج بيت الله المحرمين، وهذا قول إذا أطلق لم يستقم لأن هذا الحكم لو شرع للتشبه بهم لشاع ذلك في سائر محظورات الإحرام، ولما خص بما يؤخذ من أجزاء البدن كالشعر والظفر والبشر، اضطربت قاعدة هذا التأويل، ثم إنا نظرنا في المعنى الذي شرغ له الأضحية فرأينا المضحي يجعل أضحيته فدية يفتدي بها نفسه من عذاب يوم القيامة ويرتاد بها القربة لوجه الله الكريم فكأنه لما اكتسب من السيئات وأتى به من التقصير في حقوق الله رأى نفسه مستوجبة أن يعاقبها بأعظم العقوبات وهو القتل، غير أنه أحجم عن الإقدام عليه إذ لم يؤذن له فيه، فجعل قربانه فداء لنفسه فصار كل جزء منه فداء كل جزء منها، وعمت بركته أجزاء البدن فلم يخل منها ذرة، ولم يحرم عنها شعرة، وإذا كانت هذه الفضيلة ملحقة بالأجزاء الأصلية المتصلة بالمتقرب دون المنفصلة عنه رأى النبي ? أن لا يمس شيئاً من شعره وبشره لئلا يفقد من ذلك قسط ما عند تنزل الرحمة وفيضان النور الإلهي لتتم له الفضائل وتكر عنه النقائص.

стр. 322

[٩٩٠] ومنه: حديث جابر ﵁ (ذبح النبي يوم الذبح كبشين أقرنين أملحين موجيين) الوجاء بالكسر ممدوداً: رض عروق البيضتين حتى ينفضخ فيكون شبيهاً بالخصاء ومنه الحديث (عليكم بالباءة فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) يقول منه: وجأت الكبش فهو موجوء، وصواب هذا اللفظ موجؤين وأصحاب الحديث يروونه موجيين، وهذا الحرف ليس من باب الياء، وإنما هو من باب الهمز على ما ذكرناه، فلعلهم تركوا الهمزة فرووه كذلك. [٩٩٢] ومنه: حديث على ﵁ (أمرنا رسول الله ? أن تستشرف العين والأذن) أي: نتأمل سلامتهما من آفة بهما كالعور واجذع، والأصل في الاستشراف أن تضع يدك على حاجبك كالذي يستظل من الشمس حتى تستبين الشيء. ومنه حديث أبي طلحة (أنه كان حسن الرمي وكان إذا رمى استشرف النبي ? [١٢٢/أ]، لينظر إلى موضع نبله). وفيه (وأن لا تضحي بمقابلة ولا مدابرة) يقال مقابلة بفتح الباء هي التي قطعت من اذنها قطعة لم تبن وتركت معلقة من قدم، فإن كانت من أخر فهي مدابرة بفتح الباء. وفيه (ولا شرقاء ولا خرقاء) الشرقاء: هي التي شقت أذنها والخرقاء: هي التي في أذنها خرق، وهو ثقب مستدير. [٩٩٣] ومنه قول علي ﵁ في حديث (نهى رسول الله ?أن يضحي بأعضب القرن

стр. 323

والأذن) قال أبو عبيدة هو مكسور القرن من الداخل، وقد يكون العضب في الأذن أيضاً، والقرن الداخل هو المشاش ويقال: العضباء هي التي انكسر أحد قرنيها، وكبش أعضب بين العضب قال الأخطل. إن السيوف غدوها ورواحها .... تركت هوازن مثل قرن الأعضب [٩٩٤] ومنه قوله ? في حديث البراء ﵁ (والعجفاء التي لا تنقي) اي المهزولة التي لا نقي لها من الهزال، وأنقى البعير إذا وقع في عظامه المخ، ويقال أنقت الإبل أي: سمنت وصار فيها نقى، ويقال: ناقة منقية وناقة لا تنقى قال الشاعر: حاموا على أضيافهم فثووا لهم .... من لحكم منقية ومن أكباد وفي حديث آخر (لا تجزيء في الأضاحي الكسير التي لا تنقى). [٩٩٥] ومنه حديث أبي سعيد الخدري ﵁ (كان رسول الله ? يضحي بكبش أقرن فحيل ينظر في سواد ويأكل في سواد) الحديث. إذا كان الفحل كريماً منجباًى في ضرابه قيل: فحل فحيل، قال الراعي: كانت نجائب منذر ومحرق .... أماتهن وطرقهن فحيلاً وفي حديث ابن عمر ﵄ أنه بعث رجلاً يشتري له أضحية فقال: اشتره كبشاً فحيلاً، قال أبو عبيدة: هو الذي يشبه الفحولة في نبله وعظم خلقه، وقوله (يأكل في سواد) إلى تمام الحديث أراد به سواد جحفلته ومحجرته وقوائمه مع بياض سائره

стр. 324

[٩٩٩] ومنه: قوله ? في حديث عائشة ﵂ (فطيبوا بها نفساً) وفي كتاب المصابيح (فطيبوا بها نفساً) والرواية على ما قدمنا ثم إنه أفصح وأعرب في صيغة التمييز، والله أعلم. ومن باب العتيرة (من الحسان) [١٠٠٢] حديث مخنف بن سليم ﵁ أنه (شهد النبي ? يخطب يوم عرفه) الحديث. فسرت العتيرة في حديث أبي هريرة ﵁ يقال: عتر الرجل عتراً بالفتح إذا ذبح العتيرة، وكانوا يقولون هذه أيام ترجيب [١٢٢/ب]. وتشار، وكره العتيرة كثير من العلماء، ولم يرها، لحديث أبي هريرة، ومنهم من لم يربها بأساً، وقد كان ابن سيرين يذبح العتيرة في شهر رجب، ووجه ذلك رأوا النهي مخصوصاً بصنيع الجاهلية فإنهم كانوا يذبحونها لآلهتهم فأما المسلم الذي يذبحها لله تعالى فهو سعة من أمره. قلت: ويدل على ذلك حديث نبيشة الخير ﵁ وقد رواه أوب داود في كتابه عن مسدد عن بشير بن المغفل عن خالد عن أبي قلابة عن أبي المليح الهذلي قال: قال نبيشة قال رجل (يا رسول الله إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية في رجب فما تأمرنا؟ قال: اذبحوا لله في أي شهر كان وبروا الله وأطعموا).

стр. 325

قلت: وإن ادعى مدعِ الضعف في إسناد حديث مخنف فلا سبيل له إلى ادعاء ذلك في حديث نبيشة فإن رجاله مرضيون، وفي كتاب المصابيح أن حديث مخنف منسوخ، وأكثر الظن أنه تزيد من متصرف في الحديث برأيه فإن النسخ إنما يرد على الأحكام الواجبة، ولم يقل أحد بوجوب العتيرة لا قبل ولا بعد وإنما حمل حديثه في العتيرة على الاستحباب على ما هو في حديث نبيشة والعجب ممن يرمي حديث مخنف بالضعف ثم يزعم أنه منسوخ والقائل بالنسخ قائل بثبوت الحديث المنسوخ، هذا وقد ذكر في حديث مخنف أنه شهد خطبة النبي ? يوم عرفة فسمعه يقول ذلك، ولا يخفى على ذي علة بالحديث أن النبي ? لم يخطب بالموسم إلا في حجة الوداع وذلك قبل موته بأشهر، ومن لنا أن يثبت أن النهى كان بعد ذلك، فالصواب أن يحمل كل واحد منهما على ما ذكرناه ليتفق الحديثان. ومن باب صلاة الكسوف (من الصحاح) [١٠٠٦] قوله في حديث ابن عباس ﵁: (فتناولت منها عنقوداً ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا) الخطاب في قوله ? (لأكلتم) إما لأهل الإيمان من أمته، وإما لبني آدم؛ لأن من حضره

стр. 326

من الصحابة أو رآه أو أدرك زمانه لم يعمر إلى انقضاء المائة من وفاته، ووجه أكلهم من عنقود واحد ما بقيت الدنيا وهو شيء يسير بعرض الزوار لا سيما إذا تناوله الآكلون أحقاباً ممتدة إلى قيام الساعة إما

стр. 327

الإحالة على القدرة الأزلية التي لا يستنكر منها شيء ولا يستغرب عنها أمر وكل عسير عليها يسير وإن قصرت العقول عن تصور ذلك وإدراكه فنقول: لا يستبعد [١٢٣/أ] , من قدرة الله أن لو أراد لبارك في ذلك القطف، فلم يؤخذ منها حبة إلا نشأ مكانها أخرى، وإما الذهاب إلى أنه أراد بذلك ما يتولد منه وينشأ يعني أن عجم الحبة منه إذا غاص في الأرض نبت منه الحبلة، فينبت في الأرض من ذلك الأصل غراس كثيرة يؤكل منها ما بقيت الدنيا. ومنه حديث أبو موسى ﵁ في حديثه (فقام النبي ? فزعاً يخشى أن تكون الساعة). قلت: كان تغير رسول الله ? عند ظهور الآيات شفقاً على أهل الأرض أن تأتيهم غاشية من عذاب الله، فأما مجيء الساعة وإن خفي على النبي ? عنده إبان وقوعه فإنه كان يعلم أن الساعة غير آتية وهو بين أظهرهم وأنى يكون ذلك وقد وعده الله سبحانه بإتمام النعمة عليه وإكمال الدين له، ومجيء النصر والفتح إليه وظهور أمته على مدائن كسرى وممالك قيصر وقسمتهم كنوزهما في سبيل الله في أمور كثيرة وحوادث جمة لم يبلغ الكتاب فيها أجله، ولم يكن النبي ? متردداً في وقوع شيء من ذلك، فقول أبي موسى: (يخشى أن يكون الساعة) قول قاله برأيه، وشيء توهمه في نفسه لما رأى من دهش رسول الله ? وفزعه، وإنما كان يخشى أن ينزل الله بأسه على من عصاه من أمته، فإن قيل: يحتمل أن النبي ? لم يكن يومئذ على علم من الأمور التي ذكرتموها فخشي أن يكون الساعة ثم أوحي إليه بعد ذلك ما ذكرتم. قلنا: لا وجه لهذا الاحتمال فإن النبي ? كان يقول لخباب ولمن معه من المعذبين ﵃ وهو بمكة: (والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه) ولما كان يوم الخندق أعلمهم أنهم سيظهرون على فارس والروم، وكل ذلك قبل فتح خيبر، وإنما قدم أبو موسى على النبي ? مع جعفر من الحبشة بعد فتح خيبر، ثم إن النبي ? صلى تلك الصلاة التي في حديث أبي موسى بعد موت ابنه ابراهيم ﵇ ذكر ذلك في بعض طرق حديثه هذا وإبراهيم ﵇ توفي في السنة العاشرة على قول أكثر أهل العلم بالسير فلا وجه للحديث إذا أن يحمل على غير ما ذكرناه. (ومن الحسان) [١٠١٣] حديث ابن عباس ﵄ قيل له: (مات فلانة بعض أزواج النبي?) الحديث. بعض يجوز فيه الرفع والنصب، فالرفع على تقدير: وتلك بعض وما [١٢٣/ب] أشبه ذلك، والنصب على تقدير: يعنون بعض أزواج النبي ? وهو أمثل وفيه (إذا رأيتم فاسجدوا) أي آية

стр. 328

من آيات الله التي يخوف بها عباده، كالخسوف وما اشبهه فصلوا، وفي معناه الحديث (كان رسول الله ? إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة) وقد ذكر السجود ويراد به الصلاة فسبيل العباد فيما ينوبهم من الآيات المتضمنات للتخويفات الجأ إلى ذكر الله والاعتصام بحبله والتقرب إليه بالصلاة، ويقرر هذا المعنى قوله ? (إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن آيتان من آيات الله يخوفكم بها فإذا كسفا فافزعوا إلى ذكر الله تعالى حتى ينجليا) فسن النبي ? الصلاة في هاتين الآيتين تفخيماً لشأنهما وتهويلاً من أمرهما، وأشار أيضاً إلى الحث على الصلاة واللجأ إلى الذكر في بقية الآيات بقوله (إذا رأيتم أية فاسجدوا). وأما قول ابن عباس (وأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي ?) فإنه جعل ذلك من جملة الآيات لما فيها من التخويف ولما رآها في التخويف أبلغ الآيات المعهودة قال (وأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي ?) كأنه ذهب في ذلك إلى المفهوم من قوله: (وأنا آمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون وأصحابي أمنة لأهل الأرض) الحديث. فرأى بقاء الأمنة على أصحاب النبي ? ببقاء أهله؛ لأن أهل الرجل يعد من جملته، أو رأى بقاء الأمنة على أهل الأرض ببقاء أزواجه لأنهن ضممن مع فضل الصحبة شرف الزجية فكن بهذا المعنى أولى من غيرهن، فكان وفاتهن سالبة للأمنة موجبة للتخويف فعدها من الآيات؛ لأنها في معنى التخويف من أعظم الآيات. [١٠١٤] ومنه: حديث أبي بكرة ﵁ (أن النبي ? كان إذا جاءه أمر يسر به خر ساجداً شكراً لله). قلت: قد أورده ابو عيسى في كتابه عن أبي بكرة وفي روايته (أن النبي ? أتاه أمر فسر به فخر ساجداً) ذهب جمع من العلماء إلى ظاهر هذا الحديث فرأوا السجود مشروعاً في باب شكر النعمة، وخالفهم آخرون فقالوا: المراد من السجود الصلاة، وحجتهم في هذا التأويل ما ورد في الحديث أن النبي ? لما أتى برأس أبي جهل خر ساجداً، وقد روي عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ وفي روايته (صلى رسول الله ? [١٢٤/أ] بالضحى ركعتين حين بشر بالفتح أو برأس أبي جهل). ونضر الله وجه أبي حنيفة فقد بلغنا عنه أنه قال، وقد ألقى عليه هذه المسألة، (لو ألزم العبد السجود عند كل نعمة متجددة عظيمة الموقع عندها [....] كان عليه أن لا يغفل عن السجود طرفة عين؛ لأنه لا

стр. 329

يخلو منها أدنى ساعة فإن من أعظم نعمة عند العباد نعمة الحياة، وذلك بتجدد الأنفاس أو كلاماً هذا معناه. وأما حديثه الذي يتلو هذا الحديث (أن النبي ? رأى فخر ساجداً شكراً لله) فإنهم لا يرون الاحتجاج به؛ لأنه حديث مرسل على ما بلغهم، وقد رواه جمع من علماء الحديث عن أبي جعفر محمد ابن علي ﵁ وعن آبائه الكرام (أن النبي ? مر برجل تغاش فخر ساجداً ثم قال: أسأل الله العافية). قلت: والنغاشي يقال بياء مشددة وبغير ياء، وقد ورد بها الرواية على ما ذكرناه، وقال أبو عبيد في تفسيره هو: الفضيع الشباب، ومعنى قوله: فضيع هو الذي بقي قمئاً لا يشب ولا يزداد، يقال فضع الله شبابه، وغلام مفضوع وقد فضع فضاعة فهو فضيع، وقال النضر بن شميل: رجل نعاشي أي قصير وقلطي وهو فوق النغاشي ولم يذكر أحد شيئاً في أصل هذا الحرف من الاشتقاق اللغوي، ولم نجد كلمة من هذا البناء إلا قولهم لكل شيء من الطير والهوام إذا خف وتحرك في مكانه: قد تنغش، ومنه حديث محمد بن مسلمة الأنصاري ﵁ (لما كان يوم أحد وقال رسول الله: من يأتيني بخبر سعد بن الربيع قال فمررت به وسط القتلى صريعاً في الوادي فناديته فلم يجب) فقلت: إن رسول الله ? أرسلني إليك قال: فتنغش كما يتنغش الطير) ومنه حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ (خرجنا مع رسول الله ? من مكة نريد المدينة فلما كنا قريباً من عزوزا) الحديث. عزوزا: اسم موضع بين الحرمين سميت بذلك إما لصلابة أرضها، وإما لقلة مائها، والعزاز بالفتح الأرض الصلبة، وقد أعززنا فيها أي وقعنا وسرنا فيها، وأرض معزوزة أي شديدة، والعزوز من النوق الضيقة الإحليل التي تجهد حتى ينزل لبتها، والعزوز من الشاة البكية. وفيه بعد ذكر السجدات الثلاث (إني سألت ربي وشفعت لأمتي فأعطاني ثلث أمتي) إلى آخر الحديث، أي أعطانيهم فلا يجب عليهم الخلود فتنالهم شفاعتي فلا يكونون كالأمم السالفة فإن من عذب منهم وجب عليه الخلود وكثير منهم [١٢٤/ب] لعنوا بعصيانهم الأنبياء فلم تنلم الشفاعة، والعصاة من هذه الأمة من

стр. 330

عوقب منهم نقي وهذب ومن مات منهم على الشهادتين يخرج من النار وإن عذب بها ويناله الشفاعة وإن اجترح الكبائر [كلها] وأعطاهم إياه بأن تجاوز عنهم ما وسوست به صدورهم ما لم يعملوا به أو يتكلموا إلى غير ذلك من الخصائص التي خص الله تعالى بها هذه الأمة كرامة لنبيه المكرم وجهه بالمقام المحمود ?. ومن باب صلاة الاستسقاء (من الصحاح) [١٠١٧] (كان النبي ? لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء) اي لم يكن يرفعهما كل الرفع، وهو أن يرفع يديه حتى يجاوز بهما رأسه وإنما أولناه على هذا الوجه؛ لأن رفع اليدين في الدعاء سنة ثابتة ويدل على صحة هذا التأويل بقية الحديث وهي قوله (فإنه يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه). [١٠١٨] ومنه: حديث الآخر حديث أنس ﵁ (كان النبي ? إذا استسقى أشار بظهر كفيه إلى السماء) المعنى أنه كان يجعل بطن كفيه إلى الأرض وظهرهما إلى السماء يشير بذلك إلى قلب الحال ظهراً لبطن، وذلك مثل صنيعه في تحويل الرداء، ويحتمل وجهاً آخر، وهو أنه جعل بطن كفيه إلى الأرض إشارة إلى مسألته من الله تعالى بأن يجعل بطن السحب إلى الأرض لينصب ما فيه من المطر كما أن الكف إذا جعل وجهها إلى الأرض انصب ما فيها من الماء.

стр. 331

[١٠١٩] ومنه: حديث عائشة ﵂ (ان رسول الله ? كان إذا رأى المطر قال: صيباً نافعاً) صيباً: انتصابه بفعل محذوف أي: أرسل إلينا أو نسألك. والصيب: السحاب ذو الصوب. ومنه قوله ? في حديث أنس ﵁ لأن حديث عهد بربه) أراد بذلك قرب عهد، بالفطرة وأنه هو الماء المبارك الذي أنزله الله تعالى من المزن ساعتئذ فلم تمسسه الأيدي الخاطئة، ولم يكدره ملاقاة أرض عبد عليها غير الله سبحانه فتبركت به لذلك. (من الحسان) [١٠٢١] حديث عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري المازني مازن بن النجار ﵁ (خرج رسول الله ? إلى المصلى فاستسقى وحول رداءه حين استقبل القلبة فجعل عطافه الأيمن) الحديث. العطاف: الرداء، وكذلك المعطف بالكسر وقد تعطفت بالعطاف أي ارتديت بالرداء، ومنه سمي السيف عطافاً وسمي الرداء عطافاً لوقوعه على العطفين، وهما الجانبان، والهاء في قوله (فجعل عطافه) يحتمل أن يكون راجعاً إلى الرداء، وإنما أضافه إلى الرداء لأنه أراد [١٢٥/أ] أحد شقي العطاف الذي عن يمينه ومن شماله أي جعل جانب عطافه الذي يلي يمينه، ويحتمل أن يكون كناية عن النبي أي: جانب رداءه الأيمن.

стр. 332

[١٠٢٣] ومنه: حديث آبي اللحم ﵁ أنه (رأى النبي يستسقي عند أحجار الزيت) آب اللحم بمد الهمز رجل من قدماء الصحابة وكبارهم أبى أن يأكل اللحم فقيل له: آبى اللحم، وقيل إنه كان يأبى أن يأكل مما ذبح على النصب، واختلف في اسمه فقيل: عبد الله بن عبد الملك، وهو الأكثر، وغير ذلك، وهو من غفار وله شرف استشهد يوم حنين، وأحجار الزيت: موضع بالمدينة من الحرة، ولعلها سميت بذلك لسواد أحجارها كأنما صب عليها الزيت. وفي حديث ذكر أيام الحرة عن النبي (تغمر الدماء أحجار الزيت) ومن رواة كتاب أبي عيسى من يرويه (عند أحجار الليث) ومن الناس من يقول (عند أحجار البيت) وليس بشيء، هذا الحديث أسند في كتاب أبي داود إلى عمير مولى آبى اللحم، وعمير قد روى عن النبي أحاديث وله صحبة، أما هذا الحديث فإنما يرويه عن فإنما يرويه عن النبي آبى اللحم، ورواه عن عمير، ولا يعرف لآبى اللحم حديث غير هذا. [١٠٢٦] ومنه: حديث جابر بن عبد الله ﵁ (رأيت رسول الله يواكي الاستسقاء). قيل معناه: التحامل على اليدين إذا رفعهما ومدهما في الدعاء، فجعلوه من التوكؤ، وهو التحامل على العصا، فأصل التاء في التوكؤ واو حولت تاء لوقوعها من الكلمة في الظرف. وفيه (مريئاً) أي: هنيئاً صالحاً كالطعام الذي يمرأ، ومعناه: الخلو عن كل ما ينغصه كالهدم والغرق ونحوهما، ويحتمل أن يكون بغير همز ومعناه: مدراراً من قولهم: ناقة مريء أي: كثيرة اللبن، ولا أحققه رواية.

стр. 333

وفيه (مريعاً) يروى بالياء وهو المخضب الناجع في المال يقال: أمرع المكان إذا أخضب، وإذا جعل من المراعة فتح ميمه، وعلى هذا الوجه فسره الخطابي، ويقال: مكان مريع أي خصيب، أورده صاحب الغربيين أيضاً في باب الميم مع الراء. قلت: ولا اختصاص لهذا اللفظ بهذا الباب فإنه يقال: من الريع أيضاً أو من مريعه بفتح الميم أي: مخصبة كذا أورده الجوهري في كتابه فصل الراء من باب العين، وهذا الفظ بضم ميمه، وهو أشبه وقد قيدته كذلك ولم تحضرني الرواية، وعلى هذا يكون من أراع الطعام إذا صارت له زيادة في العجن والخبز وأراعت الإبل إذا كثرت أولادها، ويكون المعنى: اسقنا غيثاً كثير النماء ذا ريع ويروى بالباء [١٢٥/ب] وهو المغني عن الارتياد لعمومه، فالناس يربعون حيث كانوا، يقال: أربعوا اي أقاموا في المربع عن الارتياد، وقال الخطابي: أي: منبتاً للربيع، وكأن الأول هو الأعرب؛ لأن الأرباع بمعنى إنبات الربيع قلما ذكر في كلامهم، ويروى مرتع بالتاء أخت الطاء، وهو الذي ينبت ما يترع فيه الإبل، وفي كلامهم: غيث مربع. وفيه: (فأطبقت عليهم السماء) أي أطبقت عليهم بالمطر من قولهم أطبق عليه الحمى وهي التي تدوم فلا

стр. 334

تفارق ليلاً ونهاراً، ويحتمل أنه أراد أصابتهم السماء بالمطر العام، والمستعمل في هذا المعنى التطبيق يقال: طبق الغيم تطبيقاً إذا أصاب بمائة جميع الأرض، يقال: مطر طبق أي عام، ومنه الحديث (اللهم اسقنا غيثاً طبقاً) أي مالئاً للأرض. ومن الفصل الذي يليه [١٠٣٥] قول النبي ﷺ في حديث ابن عباس وهو من الحسان (اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً) ذكر الخاطبي في معناه: أن الرياح إذا كثرت جلبت السحاب وكثرت المطر، فزكت الزروع والثمار وإذا لم تكثر وكانت ريحاً واحدة فإنها تكون عميقاً، والعرب تقول: لا تلقح السحاب إلا من رياح، ووجدت الشيخ أبا جعفر الطحاوي قد ذكر في كتابه الموسوم بمشكل الآثار عن أبي عبيد القاسم بن سلام أنه قال: القراءة التي نتبعها في الريح والرياح: أن ما كان فيها من الرحمة فإنه بلفظ الجمع، وما كان فيها من العذاب فإنه على لفظ الوحدان. قال: والأصل الذي اعتبرنا به هذه القراءة حديث النبي ﷺ أنه كان إذا

стр. 335

هاجت الريح قال: (اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً) ثم أنكر عليه أبو جعفر وقال: كان الأولى به ﵀ مع جلالة قدره غير ذلك. وضعف الحديث الذي استدل به أبو عبيد جداً وأبى أن يكون له أصل في السنن الثابتة ثم ذكر بعد ذلك كلاماً نخبته: أن الله تعالى يقول في كتابه﴾ هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة ﴿الآية. وروى أبي بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ : أنه قال: (لا تسبوا الريح إذا رأيتم منها ما تكرهون وقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أمرت به)، وروى عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الريح من روح الله تأتي بالرحمة، وتأتي بالعذاب فلا تسبوها واسألوا الله خيرها واستعيذوا به من شرها). وروى عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا عصفت الريح قال: اللهم إني أسالك خيرها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك (٢٦/ ١) من شرها وشر ما أرسلت به. وروى عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور، وروى عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ أنه كان إذا هاجت ريح شديدة قال: اللهم إني أسألك من خير ما أمرت به وأعوذ بك من شر ما أمرت به، ثم قال أبو جعفر: ففي الآية وفيما رويناه من الأحاديث بيان واضح أن الريح تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب وأنه لا فرق بين الريح والرياح إلا بالرحمة أو العذاب، وأشار إلى أن مثل هذه الأحاديث مع صحتها لا تبطل بهذا الحديث مع ضعفه ومخالفته للأحاديث الصحاح. قلت: والذي قاله أبو جعفر إن كان قولاً مبنياً على قاعدة العلم مبذولاً من نصرة الحق؛ فإنا نرى أن لا نتسارع إلى رد هذا الحديث وقد تيسر علينا تأويله وتخريج المعنى على وجه لا يخالف النصوص التي أوردها هو أن نقول ومن الله العون: التضاد الذي جد أبو جعفر في الهرب منه إنما نشأ من التأويل الذي نقل عن ابن عباس ﵄، فأما الحديث نفسه فإنه محتمل لتأويل يمكن معه التوفيق بينه وبين النصوص التي عارضه بها أبو جعفر وذلك أن نذهب في قوله: (اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً) إلى أنه سأل النجاة من] التدمير [بتلك الريح فإنها إن تكن مهلكة لم تعقبها أخرى وإن كانت غير ذلك

стр. 336

فإنها توجد كرة بعد كرة وتستنشق مرة بعد مرة فكأنه قال: لا تدمرنا بها؛ فلا تمر علينا بعدها ريح ولا تهب دوننا جنوب ولا شمال بل أفسح لنا في المهلة وانأ لنا في الأجل حتى تهب علينا أرواح كثيرة بعد هذه الريح. [١٠٣٧] ومنه قول عائشة ﵂: (كان النبي ﷺ إذا أبصر ناشيءا) أرادت: السحاب. وسمى ناشيءاً لأنه نشأ من الأفق، يقال: نشأ وأنشأ أي: خرج. وأنشأ يفعل كذا أي: طفق، وفي الحديث (إذا أنشأت بحرية ثم تشاءمت أو (إذا السحابة أنشأت ثم تشاءمت).

стр. 337

ومن كتاب الجنائز من باب عيادة المريض وثواب المرض [١٠٤٢] قول البراء بن عازب-﵁ في حديثه (وإبرار القسم) أي: تصديق المسلم فيما يقسم عليه الرجل: يقال: بر قسمه وأبرها أي: صدقها، وله وجه آخر وهو أن يجعل يمين صاحبه صادقة فلا يحنث فيها، وذلك قوله الرجل: والله لا أبرح حتى تصنع كذا فيستحب له أن يبره في قسمه إذا كان المحلوف عليه أمراً ميسوراً لا بأس به، ونحن نرويه من كتاب البخاري (إبرار القسم) وقد روى إبرار المقسم وكلاهما (١٢٦/ب (صحيح وفي المعنى متقارب. ١٢٧] /أ [. وقد ذهب بعض العلماء في معناه: إلى إبرار الرجل صاحبه في قوله: (أقسمت عليك لتفعلن كذا)، وصيغة القول تشهد أن ما ذكرناه أشبه بالصواب. وفيه: (والميثرة الحمراء، والقى): ميثرة الفرس لبدته غير مهموز وثر الشيء بالضم وثارة أي وطؤ. والوثير: الفراش الوطئ، وعنى بها- ههنا- الميثرة التي على السرج، وهي مرفقة على مقدار السرج، والمنهى منها: ما كان من مراكب العجم من ديباج وحرير، ولعل النهى إنما ورد في الحمرة؛ أنهم كانوا يستأثرونها في الغالب من أمرهم، أو يتخذونها على تلك الشية، وما كان من حرير أو ديباج: فإنه داخل

стр. 338

في النهي على أي لون كان ويحتمل: أنه كره المياثر الحمر، وإن لم تكن من ديباج أو حرير؛ لما فيها من الرعونة. وهذا الوجه أمثل، لما في الحديث (نهى عن ميثرة الأرجوان)، والأرجوان: صبغ أحمر. القسي- بفتح القاف، وتشديد السين والياء، قيل: الثياب القسية يؤتى بها من مصر فيها حرير، ويقول أهل مصر ينسب إلى بلد يقال له: قس، وكثير من المحدثين يكسرون القاف، وهو خطأ. [١٠٤٣] ومنه: حديث ثوبان ﵁: (إن المسلم إذا عاد أخاه، لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع): الخرفة- بالضم-: ما يجتنى من الثمار والفواكه، والمعنى: انه بسعيه إلى عيادة المريض يستوجب الجنة ومخارفها، والعيادة لما كانت مقضية إلى مخارف الجنة: سميت بها. وروى: (في خرافي الجنة) و (خروف الجنة) و (مخرفة الجنة)، وروى: (كان له خريف في الجنة) والمعنى: مخروف في الجنة؛ فعيل بمعنى مفعول. [١٠٤٧] ومنه: حديث عائشة- ﵂: (كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه، أو كانت به قرحة أو جرح .... الحديث).

стр. 339

قلت: أمثال هذا- وإن عز الوقوف على حقيقة معانيها، وقصرت الأفهام عن تقدير التناسب بين ألفاظها ومبانيها؛ لأنها من جملة الرقي والعزائم التي أكرم الله تعالى بعلمها الأنبياء ومن اختص بهم من الأولياء دون العموم من المؤمنين. وردت ألفاظ منغلقة نافرة عن الأفهام؛ لأنها لم توضع للعمل بها، والاستنباط منها، بل وضعت للتلفظ بها تيمناً وتشفياً، وربما وقع شيء من معانيها في القلوب السليمة الوافقة لاستماع كلام النبوة بمرصاد الأدب والحرمة، وقد علمنا من غير هذه الرواية أنه ﷺ ١٢٧] /أ [: كان يبل أملة إبهامه اليمنى بريقه، فيعها على الأرض؛ ليلزق بها التراب، ثم يرفعها ويشير بها إلى السقيم، وذلك قول عائشة- ﵂ قال بإصبعه. وقوله: (تربة أرضنا) أي هذه تربة أرضنا بريقة بعضنا أي: معجونة بها، أو مخمرة؛ فالذي يسبق إلى الفهم من صنيعه ذلك، ومن قوله: (تربة أرضنا) إشارة إلى فطرة أول مفطور من البشر، و (ريقة بعضنا) إشارة إلى النطفة التي خلق منها الإنسان؛ فكأنه يتضرع بلسان الحال، ويعرض بفحوى المقال: أنك اخترعت الأصل الأول من طين، ثم أبدعت بنيه من ماء مهين؛ فهين عليك أن تشفي من كانت هذه نشأته، وتمن بالعافية على من استوي في ملكك موته وحياته. وقوله: (ليشفى سقيمنا): أي: قلنا هذا القول، أو صنعنا هذا الصنيع؛ ليشفى سقيمنا. فإن قيل: صحت المناسبة بين التربة وفطرة الإنسان، فما وجه المناسبة بين الريقة والنطفة؟: قلنا: هما من فضلات الإنسان؛ فعبر بأحدهما عن الآخر؛ لما في الآخر من القذارة، وكان من هديه التنزه عن الإفصاح بأمثال ذلك، والتعبير عنها بالكنايات ما أمكن؛ ونظير ذلك ما ورد في حديث بشر بن الخصاصية ﵁: (أنه ﷺ بصق على كفه، ثم وضع عليه إصبعه ثم قال: يقول الله- : (ابن آدم، أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه) وأراد بها النطفة؛ فكذلك في هذا الحديث. [١٠٥١] ومنه: قوله ﷺ في حديث ابن عباس ﵄: (أعيذكما بكلمات الله التامة):

стр. 340

الكلمة- في لغة العرب-: تقع على كل جزء من الكلام، اسماً كان أو فعلاً أو حرفاً، وتقع على الألفاظ المنطوقة، وعلى المعاني التي تحتها مجموعة؛ ولهذا تقول العرب، لكل قضية: كلمة؛ ومنه قوله تعالي: (وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا) الأنعام: ١١٥، وتقول- أيضاً- للحجة: كلمة؛ قال الله تعالى: (ويحق الله الحق بكلماته) يونس:٨٢ أي: بحججه. وأولى ما يحمل عليه قوله ﷺ : (أعيذكما بكلمات الله التامة): أسماؤه الحسنى، وكتبه المنزلة؛ لموافقة هذا القول الألفاظ التي وردت في الحديث على معنى الاستعاذة. ووصفها ب (التمام): لخلوها عن العوارض والنواقص، وقد ذكر غير واحد من أهل العلم: أن كل كلمة على حرفين: فهي- عند العرب- ناقصة، والتامة: ما كانت على ثلاثة أحرف، وقد ١٢٧] /ب [أخبر الله تعالى أنه أراد شيئاً، فإنما يقول له كن فيكون، وكلمة (كن) ناقصة في الهجاء، فنفى ﵇ النقص عن كلمات الله تعالى؛ قطعاً للأوهام. وإعلاماً أن حكم كلامه خلاف حكم كلام المخلوقين وإن نقص هجاؤه. قلت: هذا وإن كان سائغاً؛ فإنه لا يخلو عن تدنق النحويين، والصحيح ما قدمناه، وبيانه: أن الناس متفاوتون في كلامهم على حسب تفاوتهم في العلم واللهجة والمهارة في وجوه الكلام، وأساليب القول، فما منهم من أحد إلا وقد يوجد فوقه آخر: إما في معنى أو في معان كثيرة، ثم إن أحدهم قلما يسلم من معارة أو خطأ أو نسيان أو عجز عن المعنى الذي يراد، أو قصور عن الأمر الذي يتكلم فيه، ونحو ذلك مما هو من سمات النقصان، وأعظم النقائص التي هي مقترنة بها أنها كلمات مخلوقة تكلم بها مخلوق مفتقراً إلى الأدوات والمخارج، وهذه نقيصة لا ينفك عنها كلام مخلوق؛ فكلمات الله سبحانه متعالية عن القوادح؛ فهى التامة التي لا يسعها نقص، ولا يعتريها اختلال. وقد احتج أبو عبدالله أحمد بهذا الحديث على القائلين بخلق القرآن؛ فقال: لو كانت كلمات الله مخلوقة، لم يعذهما رسول الله ﷺ بها؛ إذ لا يجوز له أن يعيذ مخلوقاً بمخلوق. واحتج -أيضاً-: بقوله: (التامة)؛ فقال: ما من مخلوق إلا وفيه نقص. واحتجاجه بالقول الأول أقوى وأولى، لأن في القول الثاني للتوسعة والمجاز مدخلاً؛ فيقول المنازع: بل كان أراد التامة في المعنى الذي وردت: لقوله ﷺ : (اللهم، رب هذه الدعوة التامة).

стр. 341

وفيه: (ومن كل شيطان وهامة). الهامة: تقع على ما يدب من الحيوان غير أنها قلما تطلق إلا على المخوف من الأحناش، وهى الحيات، وكل ذي سم يقتل. وفيه: (ومن كل عين لامة) أي: التي تصيب بسوء، قال أبو عبيد: أراد ذات لمم، ولذلك لم يقل: (ملمة)، وأصلها من ألممت بالشيء. [١٠٥٣] ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: (ولا وصب، ولا هم، ولا حزن). الوصب: السقم اللازم؛ يقال: وصب الرجل يوصب؛ فهو وصيب؛ وأوصبه الله فهو موصب، والموصب -بالتشديد: الكثير الأوجاع والحزن، والحزن: خشونة في النفس لما يحصل فيها من الغم، أخذ من حزونة الأرض، ولهذا الاعتبار قيل: خشنت صدره، أي: أحزنته، والهم: الحزن الذي يذيب ١٢٨] /ب [الإنسان، من قولهم: هممت الشحم فأنهم؛ وعلى هذا؛ فالهم أخص وأبلغ في المعنى من الحزن. وقد ذكر بعضهم: أن الهم يختص بما هو آت، والحزن بما مضى. وقد روى الترمذي في (كتابه)، عن الجارود، وقال: سمعت وكيعاً يقول: إنه لم يسمع في الهم انه يكون كفارة، إلا في هذا الحديث. [١٠٥٦] ومنه: قول عائشة ﵂: (مات النبي ﷺ بين حاقنتي وذاقنتي). أرادت: انه- توفي وهو مستند إليها، والحاقنة: النقرة بين الترقوة وحبل العاتق، وهما حاقنتان، والذاقنة: طرف الحلقوم، وفي أمثالهم: (لألحقن حواقنك بذواقنك)، ويقال: الحاقنة: ما سفل من البطن.

стр. 342

[١٠٥٧] ومنه: حديث كعب بن مالك ﵁، قال رسول الله ﷺ : (مثل المؤمن كمثل الخامة ..... الحديث. الخامة: الغضة الرطبة من النبات؛ قال الشاعر: إنما نحن مثل خامة زرع .... فمتى تأت يأت محتصده وفيه: (تفيئها الرياح): أي: تحركها وتميلها يميناً وشمالاً، وفيأت الشجرة: إذا ألقت فيئها، وهفي رواية: (تصرفها)، وفي رواية: (مثل المؤمن مثل الزرع تميله الريح). والأصل في (التفيئة) ما ذكرناه من قولهم: فيأت الشجرة، وإنما فسرها هنا على معنى التحريك والتمييل؛ لأن الريح إذا هبت شمالاً، أمالت الخامة إلى الجنوب، فصار فيئها في الجانب الجنوبي، وإذا هبت جنوباً، فيأت في الجانب الشمالي.

стр. 343

ويجوز أن يكون بناء التفعيل من الفيء الذي بمعنى الرجوع. (الأرزة المجذية): الأرزة بفتح الهمزة، وسكون الراء-: شجر الصنوبر، والجمع أرز، سميت بذلك؛ لرسوخها في الأرض، يقال: شجرة أرزة، أي: ثابتة في الأرض، وأما الأرزة- بالتحريك: فإنما هي شجرة الأرزن، وهو شجر صلب يتخذ منه العصى، و (أجذي وجذي): بمعنى؛ إذا ثبت قائماً، و (المجذية): الثابتة على الأرض. وفيه: (حتى يكون انجعافها): أي: انقلاعها؛ يقال: جعفت الرجل، أي: صرعته، وجعفت الشيء؛ فانجعف، أي: قلعته؛ فانقلع. [١٠٦٤] ومنه: حديث عبدالرحمن بن عوف ﵁، عن النبي ﷺ : (الطاعون رجز .... الحديث). الطاعون: الموت من الوباء، والرجز: العذاب، والأصل فيه الاضطراب؛ ومنه قيل: رجز البعير رجزاً، فهو أرجز ورجزاء: إذا تقارب خطوه واضطرب؛ لضعف فيه. وفيه: (فلا تقدموا عليه): فتح التاء بعض الرواة، وضم الدال ١٢٨] /ب [؛ من قولهم: قد يقدم قدما بفتح الدال في الماضي وضمها في الغابر أي يقدم ومنهم من يفتح من قولهم (قدم من سفرة يقدم قدوما ومقدما)، والمحفوظ عند حفاظ الحديث: ضم التاء، من قولهم: أقدم على الأمر إقداماً. وفي الحديث: إثبات التوقي عن التلف، وإثبات التوكل والتسليم؛ فقوله: (لا تقدموا عليه)؛ لأن الله تعالى شرع لنا التوقي عن المحذور، ثم إن الطاعون لما كان رجزاً، لم يجز الإقدام عليه، والتورط فيه.

стр. 344

وقد صح عنه ﷺ ؛ أنه لما بلغ الحجر، وهي ديار ثمود- منع أصحابه أن يدخلوا ديار المعذبين؛ فبالحري أن يمنع أمته أن يدخلوا أرضاً وقع بها الطاعون وهو عذاب. أما نهيه عن الخروج فراراً منه، فإنه التسليم لما لم يسبق منه اختيار فيه. ويحتمل: أنه كره ذلك؛ لما فيه من تضييع المرضى إذا رخص للأصحاء في الحول عن جانبهم، وترك الأموات بميعة، فلا يحضرهم من يقوم بأمرهم، ويصلى عليهم. [١٠٦٨] ومنه: قوله ﷺ في حديث أنس ﵁: (ستين خريفاً). في بعض طرق هذا الحديث: أن أنساً سئل عن الخريف؟ فقيل: يا أبا حمزة، ما الخريف؟ قال: العام. قلت: كان العرب يؤرخون أعوامهم ب (الخريف)؛ لأنه كان أوان جدادهم، وقطافهم، وإدراك غلاتهم، وكان الأمر على ذلك حتى أرخ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- ﵁ بسنة الهجرة، فكانوا يتعاملون بعد ذلك بالشهور الهلالية؛ وفي الحديث: (أن أهل النار يدعون مالكاً أربعين خريفاً) أي: أربعين سنة، وفي الحديث: (ما بين منكبي الخازن من خونة جهنم خريف) أراد: ما بين الخريف إلى الخريف، وهو السنة. (ومن الحسان) [١٠٧٠] قوله ﷺ في حديث ابن عباس ﵄: (من شر كل عرق نعار).

стр. 345

نعر العرق ينعر- بالفتح فيهما- نعراً، أي: فار منه الدم؛ فهو عرق نعار ونعور؛ قال الراجز: ضرب دراك وطعان ينعر ليستعاذ من فوران الدم وهيجانه؛ لأنه الداء الدوي الذي إذا غلب لم يمهل. [١٠٧٣] ومنه: الحديث: سئلت عائشة ﵂ عن قوله : (إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله)، وعن قوله: (من يعمل سوءاً يجز به) .... الحديث. هذا الحديث لم يؤت به في الكتاب على وجهه، وهو منقول عن (كتاب أبي عيسى) روته امرأة يقال لها: أمية، وفي روايتها، فقالت: ما سألني عنها أحد ١٢٩] /ب [منذ سألت رسول الله ﷺ فقال: هذه معاتبة الله العبد. وفي سائر نسح (المصابيح- اللهم إلا ما أصلح منها-: (هذه متابعة الله العبد) ولا يعرف ذلك في الحديث، ولا معنى له، وإنما هو: (معاتبة الله العبد) أي: يؤاخذه بما أصابه من الذنب بما يصيبه في الدنيا من الحمى وغيرها، مؤاخذة المعاتب.

стр. 346

[١٠٧٦] ومنه: قوله ﷺ في حديث عبادة بن الصامت ﵁: (والمرأة تموت بجمع). ماتت المرأة بجمع، وجمع- بضم الجيم وكسرها- أي: ماتت وولدها في بطنها؛ فعلى هذا فسره الأكثرون، والرواية بضم الجيم وكسرها، أي: ماتت وولدها في بطنها. وقيل: هي التي لم يمسسها رجل، يقال: فلانة من زوجها بجمع، وجمع- أيضاً- إذا لم يقتضها، وروى: (أيما امرأة ماتت بجمع لم تطمث، دخلت الجنة)، وقالت دهناء بنت مسحل امرأة العجاج للعامل: (أصلح الله الأمير، إني منه بجمع) أي: عذراء لم يقتضني. [١٠٧٧] ومنه: قوله ﷺ في حديث سعد ﵁: (ثم الأمثل فالأمثل). أي: الأفضل فالأفضل؛ يقال: هو الأمثل قومه، أي: أفضلهم، ومعنى قولهم: المريض اليوم أمثل، أي أفضل حالاً من حاله التي كان قبلها، وفلان أمثل بني فلان، أي: أدناهم للخير، وهؤلاء أماثل القوم، أي: خيارهم. [١٠٧٨] ومنه: قول عائشة- ﵂: (ما أغبط أحداً بهون الموت).

стр. 347

تقول: بعد ما رأيت ما كان رسول الله ﷺ من شدة الموت لا أغبط أحداً يموت من غير شدة، يريد بذلك أن سهولة الأمر في النزع لو كانت مكرمة ومزية من الفضل، لكان أولى الناس بها رسول الله ﷺ ، ومعنى (الهون): الرفق واللين؛ قال الله تعالى: (الذين يمشون على الأرض هونا)، وفي صفة رسول الله ﷺ : (يمشي هوناً)، ومعناه: الرفق والتثبت والسكينة والوقار؛ يقال: خذ أمرك بالهون والهويني، أي: بالرفق واللين، وأما الهون- بضم الهاء- فهو الهوان، ولا معنى له في هذا الحديث. [١٠٨٥] ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري ﵁: (فنفسوا له في أجله): أي: وسعوا له في أجله؛ وذلك بأن تقول له قولاً يطيب به نفسه؛ فيخف عليه ما يجده من الكرب، والأصل في التنفيس: التفريج؛ يقال: نفست عنه تنفيساً، أي: رفهت، ونفس الله عنه كربته، أي: فرجها، ومنه: الحديث: (من نفس عن مؤمن كربة)، ويقال: أنت في نفس من أمرك، أي: سعة ومهلة، وفي حديث عمار: (لو نفست) أي: طولت ١٢٩] /ب [

стр. 348

ومن باب تمني الموت وذكره (من الصحاح) [١٠٨٧] حديث أبي هريرة- ﵁ قال رسول الله ﷺ : (لا يتمنى أحدكم الموت .... الحديث): الياء في قوله: (لا يتمنى) مثبتة في رسم الخط في كتب الحديث، فلعله نهى ورد على صيغة الخبر، والمراد منه: لا تتمن؛ فأجرى مجرى الصحيح. ويحتمل: أن بعض الرواة أثبتها في الخط، فروى على ذلك.

стр. 349

والنهي عن تمني الموت- وإن أطلق في هذا الحديث- فإنه في معنى المقيد، يبين ذلك قوله ﷺ في حديث أنس ﵁: (لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه)، وقوله ﷺ : (وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي)؛ فعلى هذا: يكره تمني الموت من ضر أصابه في نفسه أو ماله لأنه في معنى التبرم عن قضاء الله في أمر يره في دنياه، وينفعه في آخرته، ولا يكره الخوف في دينه من فساد. وفيه: (إما محسناً): وردت الرواية فيه- أيضاً- بالرفع، وبالنصب هي الرواية المعتد بها تقديره: إما أن يكون محسناً، أو: إما في تمنيه محسناً، ويفتح الألف على هذا التقدير، ولفظ الحديث محتمل للكلمتين، أعنى: إماً وأما، والذي اعتمد عليه: (إما) بكسر الألف الذي هو في معنى المجازاة. وفيه: (فلعله أن يستعتب): أي: يطلب أن يعتب، تقول: استعتبته فأعتبني، أي: استرضيته فأرضاني، وحقيقة الإعتاب: إزالة العتب والمراد منه هنا أن يتوب فيطلب رضاء الله سبحانه بتوبته. [١٠٩٠] ومنه: حديث عبادة بن الصامت، ﵁، عن النبي ﷺ : (من أحب لقاء الله .... الحديث). قال أبو عبيدة: ليس وجه قوله: (ومن كره لقاء الله): أن يكره شدة الموت؛ فإن هذا أمر لا يكاد يخلو منه أحد، وبلغنا عن غير واحد من الأنبياء، أنه كرهه حين نزل به، ولكن المكروه من ذلك ما كان إيثاراً للدنيا على الآخرة، وركوناً إلى الحظوظ العاجلة، وقد عاب الله قوماً حرصوا على ذلك، فقال عز من قائل: (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة). قلت: وقد استبان معنى الحديث من سؤال عائشة، ﵂، وجواب النبي ﷺ ؛ فالحب- ههنا- هو الذي يقتضيه الإيمان بالله، والثقة بوعده، دون ما يقتضيه حكم الجبلة. [١٠٩٣] ومنه: حديث جابر، ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله):

стр. 350

قلت ١٣٠] /أ [: وفي (كتاب أبي داود)، عن جابر: سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل موته بثلاث .... الحديث): وقع لنهى في ظاهر الكلام على الموت، فإنها نهاهم عن الحالة التي] ..... [دونها الرجاء لسوء عملهم، وقبح صنيعهم؛ كيلا يصادفهم الموت عليها، وهو- في الحقيقة- حث على الأعمال الصالحة المفية إلى حسن الظن، وفيه تنبيه على تأميل العفو، وتحقيق الرجاء في روح الله. (ومن الحسان) [١٠٩٦] حديث عبدالله بن مسعود، ﵁؛ أن النبي ﷺ قال ذات يوم لأصحابه: (استحيوا من الله حق الحياء .... الحديث): (ذات يوم): هو من ظروف الزمان التي لا تتمكن تقول: لقيته ذات يوم، وذات ليلة، وذات غداة، وذات العشاء، وذات مرة، وذات الزمين وذات العويم فلعلهم يريدون بالتأنيث حملها على الحالة، أو يعنون: لقيته لقية ذات يوم. وفيه: (فليحفظ الرأس وما وعى): الوعي: الحفظ، يريد: ما يعيه الرأس من السمع والبصر واللسان حتى لا يستعملها إلا فيما يحل. وفيه: (والبطن وما حوى): أي: ما جمع، يريد: لا يجمع فيه إلا الحلال، ولا يأكل إلا الطيب. ويحتمل: أن يكون المراد مما حواه البطن: القلب يحفظ مما يعقب القسوة، ويورث الغفلة. ويروى: (ولا تنسوا الجوف وما وعى، والرأس وما احتوى). قيل: أراد بالجوف: البطن والفرج؛ وفى الحديث: (أكثر ما يدخل الناس النار الأجوفان). [١٠٩٨] ومنه: حديث بريدة بن الحصيب الأسلمي ﵁، عن النبي ﷺ (المؤمن يموت بعرق الجبين).

стр. 351

أراد بـ (عرق الجبين): ما يكابده من شدة السياق التي يعوق دونها الجبين؛ وفي حديث ابن مسعود ﵁: (موت المؤمن بعرق الجبين؛ تبقى عليه البقية من الذنوب فيحارف بها عند الموت) أي يشدد عليه لتمحص عنه ذنوبه، من قولهم: (حورف كسب فلان): إذا شدد في معاشه؛ كأنه ميل برزقه عنه. وقال الهروي: يحارف، أي: يقايس؛ فيكون كفارة لذنوبه، والمحارفة: المقايسة بالمحراف، وهو الميل الذي يسير به الجراحات والأول: أقيس. ونقل عن ابن سيرين؛ أنه قال: علم بين من المؤمن عرق الجبين. وقد ذهب بعض أهل الفهم: إلى أن المراد من عرق الجبين: كد المؤمن في طلب الحلال، وتضييقه على النفس بالصوم والصلاة حتى يلقي الله وهذا وإن كان وجهاً لا بأس به- فإن التأويل هو الأول. ومنه ١٣٠] /ب [: حديث عبيد بن خالد السلمي البهزي ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: (موت الفجأة: أخذة الأسف): فجئه الأمر، وفجاة: فجاءة- بالضم والمد: إذا أتاه بغتة، وكذلك فاجأه الأمر مفاجأة، وفجاء والأسف: الغضب؛ وعلى هذا: فالسين منه مفتوحة، وقد رواه الخطابي بكسر السين، فسره بالغضبان. قلت: وفي كتاب الله: (غضبان أسفا) أي: شديد الغضب، ملتهفاً على ما أصابه. وذهب الخطابي إلى ما ذهب؛ بناء على ما بلغه من الرواية. ووجدنا الأعلام من أصحاب الغريب فسروه ب (الغضب)؛ وعلى هذا: فلا خفاء أن الرواية- عندهم- بفتح السين، ثم إن السبيل في صفات الله سبحانه: ألا يتجاوز بها عن النص الصحيح الموجب للعلم. وإضافة الغضب إلى الله تعالى ورد بها السمع في كتاب الله، وسنة رسوله، ومعناه: الانتقام، وأما تسميته بالغضبان على الإطلاق من غير ضميمة: فإنه شيء لم يرد به النقل المتواتر، ثم إن الرواية المعتد بها بفتح السين؛ فالعدول عن الرواية الأخرى إلى هذه هو الصواب. والمعنى: أن موت الفجاءة من آثار غضب الرب؛ لأنه أخذ بغته؛ فلم يتفرغ أن يستعد لمعاده على سنة من درج من عصاة الأولين؛ قال الله تعالى: (أخذناهم بغتة)، وقد ورد في الحديث؛ أن النبي ﷺ سئل عن موت الفجاءة؟ فقال: (راحة للمؤمن، وأخذة للمؤمن، وأخذة أسف للكافر)، فإن صح هذا، جعلنا الأمر فيه مخصوصاً بالكفار.

стр. 352

والظاهر: أن موت الفجاءة مما لا يحمد ويستعاذ بالله] منه [. [١١٠٣] ومنه حديث أم سلمة- ﵄ دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق

стр. 353

بصره، شق بصر الميت بفتح الشين، ورفع الراء إذا نظر إلى شيء لا يرتد إليه طرفه، وضم الشين منه شيء غير مختار. قال ابن السكيت: ولا تقل: شق الميت بصره والمراد بالميت- ههنا- الذي حضره الموت؛ فكأنه صار في حكم الأموات، وعلى هذا المعنى يحمل حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله)، وأما حديثه الآخر: (اقرءوا على موتاكم (يس)) فإنه يحمل على ما ذكرناه، ويحمل أيضاً على أنه أمر بقراءتها عند من قضى نحبه في بيته أو دون مدفنه. وفيه: (إن الروح إذا قبض تبعه البصر) يحتمل ذلك وجهين: أحدهما: أن الروح إذا قبض تبعه البصر في الذهاب؛ فلهذا أغمضته؛ لأن فائدة الانفتاح ذهبت بذهاب البصر عند ذهاب الروح. والوجه الآخر: أن روح الإنسان إذا قبضها الملائكة، نظر إليها الذي حضره الموت نظراً شزراً لا يرتد إليه طرفه، حتى تمحل بقية القوة الباصرة الباقية بعد مفارقة الروح الإنساني التي تقع بها الإدراك والتمييز دون الحيواني الذي به الحس والحركة، وغير مستنكر من قدرة الله سبحانه أن يكشف عنه الغطاء ساعتئذ حتى يبصر ما لم يكن يبصر، وهذا الوجه في حديث أبي هريرة أظهر، وهو أيضاً حديث صحيح أخرجه مسلم في كتابه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (ألم تروا الإنسان إذا مات شخص بصره. قالوا: بلى. قال: فذلك حين يتبع بصره نفسه). ومن باب غسل الميت وتكفينه (من الصحاح) [١١٠٩] حديث أم عطية- ﵂: (دخل علينا رسول الله ﷺ ونحن نغسل ابنته ..... الحديث). قلت: ابنته هذه هي زينب ري الله عنها؛ توفيت سنة ثمان من الهجرة، وقد ذكر ابن عبد البر في

стр. 354

كتاب (الاستيعاب) (أن التي شهدت أم عطية غسلها، وحكت قول رسول الله ﷺ فيها: هي أم كلثوم زوجة عثمان ﵄؛ توفيت سنة تسع من الهجرة، والصحيح ما قدمناه؛ روى مسلم في (جامعه) أنها زينب. وفيه: (أشعرنها إياه). أي: اجعلنه شعارها، والشعار: ما يلي من الثوب بشرة الإنسان. [١١١٠] ومنه حديث عائشة- ﵂: (بيض سحولية): السحل: الثوب الأبيض من الكرسف من ثياب المن؛ قال المسيب بن علس- يذكر ظعنا-: في الآل يخفضها ويرفعها .... ربع يلوح كأنه سحل شبه الطريق بثوب أبيض. وجمع سحل: سحول، ويجمع- أيضاً- على: سحلن ويقال: سحول: موضع باليمن، وهي تنسب إليه؛ وعلى هذا: فالسين منه مفتوحة. [١١١١] ومنه: حديث جابر ﵁، عن النبي ﷺ : (إذا كفن أحدكم أخاه، فليحسن كفنه). معنى ذلك- والله أعلم-: أن يختار لأخيه المسلم من الثياب أثمنها وأنظفها وأنصعها لوناً، على ما وردت به السنة، ولمم يرد ب (التحسين): ما يأثره المبذرون أشرا ورياء من الثياب الرقيق؛ فإن ذلك منهي عنه بأصل الشرع، وهو النهي عن إضاعة المال، وقد قال ﷺ : (لا تغالوا في الكفن؛ فإنه يسلب سلباً سريعاً)، وقد ثبت أن أبا بكر الصديق- ﵁ قال: (ادفنوني في ثوبي هذين؛ فإنما هما للمهل والتراب)، قد كان ﵁ أعلم الصحابة برسول الله ﷺ وأيامه ١٣١] /ب [، وأحرصهم على إتباع سنته. وفي حديث جابر هذا زيادة مبينة للمعنى الذي ذكرناه، ولم يذكر في (كتاب المصابيح)، وقد ذكر (مسلم) الحديث بتمامه في (كتابه)، وهو حسن السياق للأحاديث، وسياق حديثه: أن النبي ﷺ خطب يوماً، فذكر رجلاً من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل، وقبر ليلاً، فزجر النبي ﷺ أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه، إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك، فقال النبي ﷺ : (إذا كفن أحدكم أخاه، فليحسن كفنه).

стр. 355

[١١١٧] ومنه: حديث أبي سعيد الخدري ﵁؛ أنه لما حضره الموت، دعا بثياب جدد .... الحديث. ذهب الجمهور من أصحاب المعاني- لاسيما المحققون منهم-: أن الثياب في قوله ﷺ : (الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها) -: كناية عن الأعمال التي يموت عليها، كقوله ﷺ : (يبعث العبد على ما مات عليه) أي: على ما مات عليه من عمل صالح أو سيء؛ والعرب تكنى بالثياب عن الأعمال؛ لملابسة الرجل بها ملابسته بالثياب، ومنه قول الراجز: لكل دهر قد لبست أثوبا .... حتى اكتسى الرأس قناعاً أشيبا واستدلوا بقوله ﷺ : (يحشر الناس حفاة عراة)، قالوا: وأبو سعيد فهم من كلامه ﷺ ما دل عليه الظاهر؛ فغاب عن مفهوم الكلام. قلت: وقد كان في الصحابة- رضوان الله عليهم- من يقصر فهمه في بعض الأحايين عن المعنى] المراد [والناس متفاوتون في ذلك؛ فلا يعد أمثال ذلك عليهم عثرة، وقد سمع عدي بن حاتم الطائي-
следующие страницы →