← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18569

الميسر في شرح مصابيح السنة للتوربشتي

التوربشتي

Полный текст (1 323 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

أراد بـ (عرق الجبين): ما يكابده من شدة السياق التي يعوق دونها الجبين؛ وفي حديث ابن مسعود ﵁: (موت المؤمن بعرق الجبين؛ تبقى عليه البقية من الذنوب فيحارف بها عند الموت) أي يشدد عليه لتمحص عنه ذنوبه، من قولهم: (حورف كسب فلان): إذا شدد في معاشه؛ كأنه ميل برزقه عنه. وقال الهروي: يحارف، أي: يقايس؛ فيكون كفارة لذنوبه، والمحارفة: المقايسة بالمحراف، وهو الميل الذي يسير به الجراحات والأول: أقيس. ونقل عن ابن سيرين؛ أنه قال: علم بين من المؤمن عرق الجبين. وقد ذهب بعض أهل الفهم: إلى أن المراد من عرق الجبين: كد المؤمن في طلب الحلال، وتضييقه على النفس بالصوم والصلاة حتى يلقي الله وهذا وإن كان وجهاً لا بأس به- فإن التأويل هو الأول. ومنه ١٣٠] /ب [: حديث عبيد بن خالد السلمي البهزي ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: (موت الفجأة: أخذة الأسف): فجئه الأمر، وفجاة: فجاءة- بالضم والمد: إذا أتاه بغتة، وكذلك فاجأه الأمر مفاجأة، وفجاء والأسف: الغضب؛ وعلى هذا: فالسين منه مفتوحة، وقد رواه الخطابي بكسر السين، فسره بالغضبان. قلت: وفي كتاب الله: (غضبان أسفا) أي: شديد الغضب، ملتهفاً على ما أصابه. وذهب الخطابي إلى ما ذهب؛ بناء على ما بلغه من الرواية. ووجدنا الأعلام من أصحاب الغريب فسروه ب (الغضب)؛ وعلى هذا: فلا خفاء أن الرواية- عندهم- بفتح السين، ثم إن السبيل في صفات الله سبحانه: ألا يتجاوز بها عن النص الصحيح الموجب للعلم. وإضافة الغضب إلى الله تعالى ورد بها السمع في كتاب الله، وسنة رسوله، ومعناه: الانتقام، وأما تسميته بالغضبان على الإطلاق من غير ضميمة: فإنه شيء لم يرد به النقل المتواتر، ثم إن الرواية المعتد بها بفتح السين؛ فالعدول عن الرواية الأخرى إلى هذه هو الصواب. والمعنى: أن موت الفجاءة من آثار غضب الرب؛ لأنه أخذ بغته؛ فلم يتفرغ أن يستعد لمعاده على سنة من درج من عصاة الأولين؛ قال الله تعالى: (أخذناهم بغتة)، وقد ورد في الحديث؛ أن النبي ﷺ سئل عن موت الفجاءة؟ فقال: (راحة للمؤمن، وأخذة للمؤمن، وأخذة أسف للكافر)، فإن صح هذا، جعلنا الأمر فيه مخصوصاً بالكفار.

стр. 352

والظاهر: أن موت الفجاءة مما لا يحمد ويستعاذ بالله] منه [. [١١٠٣] ومنه حديث أم سلمة- ﵄ دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق

стр. 353

بصره، شق بصر الميت بفتح الشين، ورفع الراء إذا نظر إلى شيء لا يرتد إليه طرفه، وضم الشين منه شيء غير مختار. قال ابن السكيت: ولا تقل: شق الميت بصره والمراد بالميت- ههنا- الذي حضره الموت؛ فكأنه صار في حكم الأموات، وعلى هذا المعنى يحمل حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله)، وأما حديثه الآخر: (اقرءوا على موتاكم (يس)) فإنه يحمل على ما ذكرناه، ويحمل أيضاً على أنه أمر بقراءتها عند من قضى نحبه في بيته أو دون مدفنه. وفيه: (إن الروح إذا قبض تبعه البصر) يحتمل ذلك وجهين: أحدهما: أن الروح إذا قبض تبعه البصر في الذهاب؛ فلهذا أغمضته؛ لأن فائدة الانفتاح ذهبت بذهاب البصر عند ذهاب الروح. والوجه الآخر: أن روح الإنسان إذا قبضها الملائكة، نظر إليها الذي حضره الموت نظراً شزراً لا يرتد إليه طرفه، حتى تمحل بقية القوة الباصرة الباقية بعد مفارقة الروح الإنساني التي تقع بها الإدراك والتمييز دون الحيواني الذي به الحس والحركة، وغير مستنكر من قدرة الله سبحانه أن يكشف عنه الغطاء ساعتئذ حتى يبصر ما لم يكن يبصر، وهذا الوجه في حديث أبي هريرة أظهر، وهو أيضاً حديث صحيح أخرجه مسلم في كتابه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (ألم تروا الإنسان إذا مات شخص بصره. قالوا: بلى. قال: فذلك حين يتبع بصره نفسه). ومن باب غسل الميت وتكفينه (من الصحاح) [١١٠٩] حديث أم عطية- ﵂: (دخل علينا رسول الله ﷺ ونحن نغسل ابنته ..... الحديث). قلت: ابنته هذه هي زينب ري الله عنها؛ توفيت سنة ثمان من الهجرة، وقد ذكر ابن عبد البر في

стр. 354

كتاب (الاستيعاب) (أن التي شهدت أم عطية غسلها، وحكت قول رسول الله ﷺ فيها: هي أم كلثوم زوجة عثمان ﵄؛ توفيت سنة تسع من الهجرة، والصحيح ما قدمناه؛ روى مسلم في (جامعه) أنها زينب. وفيه: (أشعرنها إياه). أي: اجعلنه شعارها، والشعار: ما يلي من الثوب بشرة الإنسان. [١١١٠] ومنه حديث عائشة- ﵂: (بيض سحولية): السحل: الثوب الأبيض من الكرسف من ثياب المن؛ قال المسيب بن علس- يذكر ظعنا-: في الآل يخفضها ويرفعها .... ربع يلوح كأنه سحل شبه الطريق بثوب أبيض. وجمع سحل: سحول، ويجمع- أيضاً- على: سحلن ويقال: سحول: موضع باليمن، وهي تنسب إليه؛ وعلى هذا: فالسين منه مفتوحة. [١١١١] ومنه: حديث جابر ﵁، عن النبي ﷺ : (إذا كفن أحدكم أخاه، فليحسن كفنه). معنى ذلك- والله أعلم-: أن يختار لأخيه المسلم من الثياب أثمنها وأنظفها وأنصعها لوناً، على ما وردت به السنة، ولمم يرد ب (التحسين): ما يأثره المبذرون أشرا ورياء من الثياب الرقيق؛ فإن ذلك منهي عنه بأصل الشرع، وهو النهي عن إضاعة المال، وقد قال ﷺ : (لا تغالوا في الكفن؛ فإنه يسلب سلباً سريعاً)، وقد ثبت أن أبا بكر الصديق- ﵁ قال: (ادفنوني في ثوبي هذين؛ فإنما هما للمهل والتراب)، قد كان ﵁ أعلم الصحابة برسول الله ﷺ وأيامه ١٣١] /ب [، وأحرصهم على إتباع سنته. وفي حديث جابر هذا زيادة مبينة للمعنى الذي ذكرناه، ولم يذكر في (كتاب المصابيح)، وقد ذكر (مسلم) الحديث بتمامه في (كتابه)، وهو حسن السياق للأحاديث، وسياق حديثه: أن النبي ﷺ خطب يوماً، فذكر رجلاً من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل، وقبر ليلاً، فزجر النبي ﷺ أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه، إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك، فقال النبي ﷺ : (إذا كفن أحدكم أخاه، فليحسن كفنه).

стр. 355

[١١١٧] ومنه: حديث أبي سعيد الخدري ﵁؛ أنه لما حضره الموت، دعا بثياب جدد .... الحديث. ذهب الجمهور من أصحاب المعاني- لاسيما المحققون منهم-: أن الثياب في قوله ﷺ : (الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها) -: كناية عن الأعمال التي يموت عليها، كقوله ﷺ : (يبعث العبد على ما مات عليه) أي: على ما مات عليه من عمل صالح أو سيء؛ والعرب تكنى بالثياب عن الأعمال؛ لملابسة الرجل بها ملابسته بالثياب، ومنه قول الراجز: لكل دهر قد لبست أثوبا .... حتى اكتسى الرأس قناعاً أشيبا واستدلوا بقوله ﷺ : (يحشر الناس حفاة عراة)، قالوا: وأبو سعيد فهم من كلامه ﷺ ما دل عليه الظاهر؛ فغاب عن مفهوم الكلام. قلت: وقد كان في الصحابة- رضوان الله عليهم- من يقصر فهمه في بعض الأحايين عن المعنى] المراد [والناس متفاوتون في ذلك؛ فلا يعد أمثال ذلك عليهم عثرة، وقد سمع عدي بن حاتم الطائي-

стр. 356

رضي الله عنه- قول الله تعالي: (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر)؛ فعمد إلى عقالين أسود وأبيض، فوضعهما تحت وساده، ولما سمع به رسول الله ﷺ قال: (إنك لعريض الوساد)، وفي بعض طرقه: (لعريض القفا). وقد رأى بعض أهل العلم الجمع بين الحديثين؛ فقال: البعث غير الحشر؛ فقد يجوز أن يكون البعث مع الثياب، والحشر على العرى والحفا ولم يصنع شيئاً؛ فإنه ظن أنه نصر السنة، وقد ضيع أكثر مما حفظه؛ فإنه سعى في تحريف سنن كثيرة؛ ليسوى كلام أبي سعيد، وأبو سعيد لو سمع بهذا، لم ير إلا إتباعه، كيف وقد روينا عن أفضل الصحابة وأعلمهم وأقربهم إلى رسول الله ﷺ منهاجاً ومنزلة؛ انه أوصى أن يكفن في ثوبيه، وقال: (إنما هما للمهل والتراب)، ثم إن النبي ﷺ قال: (في ثيابه التي يموت فيها). وليس لهم أن يحملوها على الأكفان؛ لأن الإنسان إنما يكفن بعد الموت. [١١١٨] ومنه: قوله ﷺ في حديث عبادة بن الصامت ﵁: (خير الكفن الحلة). الحلل: برود اليمن، والحلة ١٣٢] /أ [إزار ورداء لا يسمى حلة حتى تكون ثوبين؛ وبذلك ورد الحديث، وهو أن النبي ﷺ رأى رجلاً عليه حلة قد اتزر بأحدهما، وارتدى بالآخر، وقد اختلف أقاويل الصحابة في اختيار الحلة، والأكثرون على أن الثياب البيض أفضل من الحلة؛ لأن الله تعالى اختارها لنبيه ﷺ ، ثم إنه أمرهم أن يكفنوا فيها موتاهم؛ فقال: (وكفنوا فيها موتاكم)؛ رواه ابن عباس، وهو حديث حسن صحيح، والعمل به أولى من العمل بحديث عبادة. ويحتمل: أن النبي ﷺ قال: (خير الكفن الحلة)؛ لأنها كانت يومئذ أيسر عليهم، وأراد: أنها من خير الكفن. وزعم بعضهم: أن النبي ﷺ كفن فيها، وليس الأمر على ما توهم، وقد بين ذلك مسلم في (كتابه)؛ فروى بإسناده عن عائشة ﵁؛ أنها قالت: (أدرج رسول الله ﷺ في حلة يمنية كانت لعبدالله بن أبي بكر، ثم نزعت عنه، فكفن في ثلاثة أثواب سحول يمانية ليس فيها عمامة ولا قميص، فرفع عبدالله الحلة، فقال: أكفن فيها، ثم قال: لم يكفن فيها رسول الله ﷺ ، وأكفن فيها؛ فتصدق بها)، وفي رواية: (لو رضيها الله لنبيه، لكفنه فيها). قلت: وعبدالله بن أبي بكر شهد مع النبي ﷺ الطائف، فرمي بسهم، وكان -يومئذ- وجعاً يترقب الموت؛ ولهذا قال: (أكفن فيها)؛ فدمل جرحه حتى انتقض به، فمات منه في السنة الأولى من خلافة أبيه ﵄.

стр. 357

ومن باب المشي بالجنازة والصلاة عليها (من الصحاح) [١١٢٢] حديث أبي سعيد الخدري- ﵁ عن النبي ﷺ : (إذا رأيتم الجنازة، فقوموا .... الحديث). يحتمل: انه أمر بالقيام عند رؤية الجنازة؛ لأن من حق الموت الذي كتبه الله على كل نفس منفوسة: أن يستحفل أمره ويهاب، وإذا حل بإنسان فرآه آخر يقف شعره، وترعد فرائصه، وإذا ذكر به استشعر الخوف منه، ومن حق المرعوب: أن يكون قلقاً مستوفزاً؛ فيجلس إن كان نائماً، ويقوم إن كان قاعداً، وقلة الاحتفال بهذه النازلة العظيمة، وإظهار التجلد دونها: إنما يوجد ممن أخذت الغفلة بمجامع قلبه؛ فأمر بالقيام لها؛ إزاحة لتلك العلل. ويؤيد هذا التأويل: حديث جابر- ﵁ عن النبي ﷺ : (إن الموت فزع؛ فإذا رأيتم الجنازة، فقوموا)، وقوله: (فزع) أي: ذو فزع، أو جعل ١٣٢] /ب [نفس الموت فزعاً؛ لأنه لا يخلو من الفزع. وقد صح عن على- ﵁ أنه قال في شأن الجنائز: (إن رسول الله ﷺ قام ثم قعد)، ووجه ذلك- والله أعلم-: أنه قام وأمرهم بالقيام على ما ذكرنا، تقريراً للمعنى الذي ذكرناه، ثم قعد ليعدل بالقضية عن حد الوجوب، ويريهم أنهم في فسحة من ذلك، وإن كان القيام أحب إليه. ويحتمل: النسخ على ضعف فيه؛ لأنه أمر بالقيام على ما ذكرنا، ولم يأمر بالقعود.

стр. 358

قلت: ولولا مكان حديث جابر: أن الموت فزع، ثم ما في هذا الحديث: أن الجنازة كانت جنازة يهودية: لكان لنا أن نقول: إنما أمرهم بالقيام، ليشتركوا مع المشيعين في الثواب، ولكن القول به مدخول، لوجود العلتين. وفيه: (فلا يقعد حتى يوضع): النهي عن القعود -ههنا- لاستيفاء الأجر في الإتيان بالتشييع على وجه الكمال. واختلف بعض أهل العلم في المراد ب (الوضع): هل هو عن أعناق الرجال، أو الوضع في اللحد؛ لاختلاف الرواية: فواه سفيان الثورى: (حتى توضع بالأرض)، ورواه محمد بن حازم، وأبو معاوية الضرير: (حتى يوضع في اللحد). قال أبو داود: سفيان أحفظ من أبي معاوية. قلت: سفيان يفوق أبا معاوية بأكثر من الحفظ، ثم إن لفظ الحديث يشهد لسفيان، وهو قوله: (حتى توضع) على صيغة التأنيث، ولم يرو إلا كذلك؛ فالضمير للجنازة، والجنازة لا توضع في اللحد، وإنما توضع على الأرض، وقد ورد: (حتى يوضع في اللحد) يعني: الميت، في غير هذا الحديث، وهو حديث أبي هريرة في ثواب من شهد الجنازة: (حتى يصلي عليها، وحتى يدفن) أي: يدفن صاحبها، وفي رواية: (حتى يوضع في اللحد). [١١٢٥] ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي هريرة ري الله عنه: (فإنه يرجع من الأجر بقيراطين):

стр. 359

القيراط: نصف دانق، وأصله: قراط- بالتشديد- لأنه يجمع على قراريط، فأبدل من أحد حرفي تضعيفه، لئلا يلتبس بالمصادر التي تجئ على (فعال)، إلا أن يكون بالهاء، فيخرج على أصله، مثل الصنارة. وأما القيراط- الذي في الحديث-: فقد جاء مفسراً فيه، فقال: (كل قيراط مثل أحد)؛ وذلك تفسير للمقصود من الكلام لا للفظ (القيراط)، والمراد منه على الحقيقة: أنه يرجع بحصتين من جنس الأجر، فبين المعنى ب (القيراط) الذي هو حصة من جملة الدينار. [١١٣٠] ومنه: قولة عائشة ﵂: (صلى رسول الله ﷺ على ابني بيضاء في المسجد): تريد ب (ابني بيضاء): سهلاً وسهيلاً؛ ينسبان إلى أمهما (بيضاء)، واسمها: دعد بنت الجحدر، ولهما أخ آخر يقال له: صفوان بن بيضاء، وأبوهم: عمرو بن وهب، وقيل: وهب بن ربيعة القرشي ١٣٣] /أ [الفهري. فأما صفوان: فإنه قتل شهيداً يوم بدر، وقيل: إنه عاش بعد النبي ﷺ ، ومات سنة ثمان وثلاثين. ولم يختلفوا في سهيل: أنه مات بالمدينة سنة تسع، وصلى عليه رسول الله ﷺ في المسجد. وأما سهل: فقيل: إنه مات في زمان رسول الله ﷺ ؛ وهو الأكثر، وذكر عن الواقدي أنه مات بعد

стр. 360

رسول الله ﷺ ، وروى مالك بن أنس هذا الحديث عن أبي نضر، عن أبي سلمه، ولم يذكر فيه سهلاً، وأرسل الحديث. وقد روى هذا الحديث عن عائشة ﵂ مبيناً، ولفظ الحديث: (والله، ما صلى رسول الله ﷺ على ابني بيضاء إلا في المسجد: سهل وسهيل). قلت: وإنما حلفت، لأن الناس تماروا في ذلك؛ فمن قائل يقول بقول عائشة- ﵂ ومن قائل يرى خلافه، وقد روى عن أبي هريرة خلافه مرفوعاً إلى النبي ﷺ . والقضية الموجبة للاختلاف: هي أن سعد بن أبي وقاص- ﵁ توفي في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة، وحمل إلى المدينة على أعناق الرجال؛ ليدفن بالبقيع، وذلك في إمرة معاوية، وعلى المدينة مروان، فسألت عائشة أن يصلي عليه في المسجد لتصلي عليه؛ فأبوا عليها، وقالوا: لا يصلي على الميت في المسجد؛ فذكرت الحديث. فمن ذهب من العلماء إلى حديث عائشة: فلصحة إسناده. ومن ذهب إلى خلاف ذلك: فإنه يقول اختلف أقاويل الرواة في حديث عائشة على ما ذكرنا، وروى أبو هريرة خلافه، ثم إن الصحابة -يومئذ- كانوا متوافرين؛ فلو لم لعلموا بالنسخ، لما خالفوا حديث عائشة ﵂. [١١٣٤] ومنه: حديث ابن عباس- ﵁ عن النبي ﷺ : (ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً .... الحديث).

стр. 361

روى هذا الحديث عن ابن عباس كريب، وفي روايته: (مات ابن لعبدالله بن عباس بقديد أو بعسفان، فقال: يا كريب، انظر ما اجتمع له من الناس فخرجت فإذا ناس قد اجتمعوا، فأخبرته، فقال: تقول هم أربعون؟ قلت: نعم، قال: اخرجوا؛ سمعت رسول الله ﷺ ... وذكر الحديث، ويتلو هذا الحديث حديث عائشة- ﵂، عن النبي ﷺ : (ما من ميت يصلى عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة ... الحديث)، وقد روى هذا الحديث بمعناه عن أبي هريرة وأنس ﵄. ولا تضاد بين حديثهم وحديث ابن عباس؛ لأن السبيل في أمثال هذا الحديث: أن يكون الأقل من العددين متأخراً؛ لأن الله تعالى إذا وعد المغفرة لمعنى واحد، لم يكن من سنته أن ينقص من الفضل الموعود بعد ذلك، بل يزيد عليه؛ فضلاً منه وتكرماً على عباده؛ فجعلنا حديث ابن عباس في أربعين متأخراً عن حديث الآخرين في المائة؛ للمعنى الذي ذكرناه، وقد ١٣٣] /ب [تقدم تقرير هذا المعنى في موع آخر من هذا الكتاب. (ومن الحسان) [١١٤٠] حديث المغيرة بن شعبة ﵁ عن النبي ﷺ : (الراكب يسير خلف الجنازة .... الحديث):

стр. 362

وجدناه في سائر النسخ عن المغيرة بن زياد، وفي هذا الموضع تحريف بين لا ندري من أين وقع؛ فإن المغيرة بن زياد لا يعرف أصلاً لا في الصحابة ولا في التابعين، وهذا الحديث إنما يروى عن المغيرة بن شعبة، وعليه مداره، ويرويه عن المغيرة جبير، ويرويه عن جبير ابنه زياد. وفي (سنن أبي داود): (عن زياد بن جبير، عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة)، قال: وأحسب أن أهل زياد أخبروني أنه رفعه إلى النبي ﷺ ، فلعل بعض النساخ تخبط فيه؛ فصار إسوة لمن لا عناية له بعلم الحديث ورجاله. [١١٤٩] ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: (اللهم، اغفر لحينا وميتنا، وشاهنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا).

стр. 363

سئل أبو جعفر الطحاوي- رحمة الله عليه- عن معنى الاستغفار للصغار مع أنه لا ذنب لهم؟: فقال: إن النبي ﷺ سأل ربه أن يغفر لهم ذنوباً قيضت لهم أن يصيبوا بعد الانتهاء إلى حال الكبر، فتكون مغفورة لهم مغفرة قد تقدمتها؛ وذلك مثل قوله ﷺ لعمر- ﵁ في قصة حاطب لما كتب إلى أهل مكة يحذرهم ويخبرهم بمجيء رسول الله ﷺ ، فقال: (ما يدريك، إنه من أهل بدر، ولعل الله تعالي اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شيءتم، فقد غفرت لكم). قلت: أراد أبو جعفر بهذا النظير: أن المغفرة تعلقت في قصة حاطب بذنب لم يصدر منه بعد؛ فكذلك ههنا سأل المغفرة لهم فيما لم يستعدوا لعمله بعد. ومن باب دفن الميت (من الصحاح) [١١٥٤] حديث ابن عباس ﵁: (جعل في قبر رسول الله ﷺ قطيفة حمراء): القطيفة: دثار مخمل، والجمع: قطائف، وقطف-أيضاً- مثل صحيفة وصحف؛ كأنهما جمع قطيف وصحيف. ذكر بعض أهل العلم: أن القطيفة لم تجعل في قبره لتكون له فراشاً؛ بل لما روى عن ابن عباس- ﵁ قال: كان شقران حين وضع رسول الله ﷺ في لحده، جعل القطيفة تحته، وكان رسول الله ﷺ يلبسها ويفرشها، فدفنها معه في القبر، وقال والله: لا يلبسها أحد بعدك، وقد ورد في الحديث: (فطرح في قبره شمل قطيفة كان يلبسها، فلما فرغوا من وضع اللبن)، أخرجوها. قلت: وأكثر ما وجدنا في الحديث له: أن القطيفة فرشت له في لحده، ولم نجد في (سنن الدفن): أن

стр. 364

يفرش للميت، ولم يذكر عن الخلفاء الراشدين، ولا عن أحد من الصحابة، ونرى ذلك- والله أعلم- مما يستقيم في حق نبي الله ﷺ ، ولا يستقيم في حق غيره، وذلك أنه فارق الأمة في حكم الممات؛ كما فارقهم ١٣٤] /أ [في بعض من أحكام موته، وهو أنه: ثبت- عندنا- بالنص الصحيح: أن الله تعالي حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، وقال ﷺ : (الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون)، وقال: (ونبي الله حي يرزق). قلنا: وحق لجسد عصمه الله أن يتغير أو يستحيل أو يبلى أن يفرش له؛ لأن المعنى الذي يفرش للحر لم يزل عنه بحكم الموت، وليس الأمر في غيره على هذا النمط. [١١٥٥] ومنه: حديث سفيان التمار (أنه رأى قبر النبي ﷺ مسنماً). سفيان هذا هو ابن دينار أبو الورقاء التمار الكوفي الأحمري من الأحامرة، وهم قوم تبنكوا بالكوفة، وسفيان التمار من أتباع التابعين، سمع عن الشعبي، ونظرائه. وتسنيم القبر أن يجعل كهيئة السنام، وهو خلاف تسطيحه. [١١٥٦] ومنه: حديث على ﵁؛ أنه قال لأبي الهياج الأسدى، وأبو الهياج الأسدي هو حيان بن الحصين. وفيه: ألا أبعثك على ما بعثني عليه، المعنى ألا أرسلك إلى الأمر الذي أرسلني له رسول الله ﷺ ، وإنما ذكره بحرف (على) لما فيه من معنى الاستعلاء، أي أجعلك أميراً على ذلك؛ كما أمرني عليه رسول الله ﷺ . وقوله: (أن لا تدع تمثالاً) أي: الأمر الذي أبعثك عليه أن لا تدع؛ لما في قوله: (ألا أبعثك على ما بعثني) من معنى التأمير، والتمثال: الصورة، وطمسه: محوه وإبطاله؛ يقال: طمس الشيء. وطمسته، يتعدى ولا يتعدى، والقبر المشرف هو العالي المنتصب، أراد به: القبر الذي بني عليه حتى ارتفع دون الذي أعلم عليه بالرمل أو الحصى أو الحجارة ليعرف، ولئلا يوطأ عليه. [١١٥٧] ومنه: حديث جابر ﵁: (نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يقعد عليه): قلت: قوله: (وأن يبنى عليه): يحتمل وجهين:

стр. 365

أحدهما: البناء على القبر بالحجارة وما يجرى مجراها. والآخر: أن يضرب عليه خباء أو نحوه. وكلا الوجهين منهي عنه: أما الأول: فقد ذكرناه. وأما الثاني: فلأنه في معنى الأول، لانعدام الفائدة فيه، ولأنه من صنيع أهل الجاهلية، وقد روى عن ابن عمر ﵁؛ أنه رأي فسطاطاً على قبر عبدالرحمن- وهو عبدالرحمن بن عمر أخوه- فقال: انزعه يا غلام؛ فإنما يظله عمله. وقوله: (وأن يقعد عليه): حمله الأكثرون على ما يقتضيه الظاهر، وكذلك حديث أبي مرثد الغنوي الذي يتلو هذا الحديث عن النبي ﷺ : (لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها)، وحديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ : (أن يجلس أحدكم على جمرة .... الحديث). وإنما ورد التهديد في ذلك؛ لما فيه من الاستخفاف بحق أخيه وحرمته، وفي هذا المعنى قوله ﷺ : (كسر عظام الميت ككسره حيا). وحمله جماعة على الجلوس على القبر لقضاء الحاجة؛ وروى هذا المعنى عن زيد بن ثابت- ﵁ وهو قوله: (إنما نهى النبي ﷺ عن الجلوس على القبر حدث أو غائط أو بول)، وروا- أيضاَ ١٣٤] /ب [- عن أبي هريرة ﵁؛ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (من جلس على قبر يبول عليه أو يتغوط، فكأنما جلس على جمرة نار). قيل لهم: النهي عن الجلوس عليه في حديث زيد وأبي هريرة- لا ينافي حديث جابر وأبي مرثد في النهي عن الجلوس عليه من غير حاجة. فقالوا: رددنا المجمل إلى المفسر، مع أنا وجدنا النقل عن على-﵁ أنه كان يتوسد القبر، وكان ابن عمر- ﵁ يجلس على القبور. قيل لهم: أما التوسد: فغير الجلوس عليه، أما ما نقلتم عن ابن عمر ﵄: فلعل النقل لم يبلغه، أو تأول الحديث على ما تأولتم هذا إذا صح النقل عنه. قلت: وفي بعض طرق حديث جابر: (وأن يوطأ عليه) مكان: (وأن يقعد عليه)، وفي (كتاب أبي داود): (وأن يتكأ عليه). ولكل فئة من الفئتين طريق مستقيم فيما ذهب إليه. وأرى الأشبه، والأمثل في بيان هذه الأحاديث أن يجمل ما فيه التغليظ على الجلوس للحدث؛ فإنه استخفاف بحق المسلم؛ وهو محرم عليه، وما لا تغليظ فيه: فإنه يحمل على الجلوس عليه؛ نهى عنه كرامة للمؤمن.

стр. 366

(ومن الحسان) [١١٦٠] حديث عروة- رحمة الله عليه-: (كان بالمدينة رجلان أحدهما يلحد، والآخر لا يلحد .... الحديث):

стр. 367

الرجل الذي كان يلحد بالمدينة: أبو طلحة زيد بن سهل الأنصاري- ﵁، والآخر: هو أبو عبيدة بن الجراح- ﵁، واللحد: الشق في جانب القبر، وكانت العرب يلحدون ويضرحون؛ قال أبو ذؤيب الهذلي- ﵁ يبكي النبي ﷺ : لما رأيت الناس في عسلانهم .... ما بين ملحود له ومضرح والضريح: هو الشق في وسط القبر، وفي حديث جرير- ﵁ عن النبي ﷺ : (اللحد لنا، والشق لغيرنا) أي: اللحد هو الذي نؤثره ونختاره، والشق: اختيار من كان قبلنا، وفي ذلك بيان فضيلة اللحد، وليس فيه النهي عن الشق؛ والدليل عليه: حديث عروة هذا؛ إذ لو كان منهيا عنه، لم يكن أبو عبيدة ليصنعه مع جلالة قدره في الدين، والأمانة، ولم يكن الصحابة ﵃ يقولوا دون دفن النبي ﷺ : (أيهما جاء أولاً عمل عمله)، وفى حديث أنس ﵁: لما توفي رسول الله ﷺ كان رجل يلحد، ورجل يضرح، فقالوا: نستخير ربنا ، ونرسل إليهما، فأيهما سبق تركناه، فأرسل إليهما، فسبق صاحب اللحد، فلحدوا لرسول الله ﷺ ). قلنا: فلما اختاره الله لرسوله ﷺ ، علمنا أن اللحد أفضل، ونرى أن النبي ﷺ لم ينه عن الشق مع إيثاره مخالفة أهل الكتاب، ومع قوله: (اللحد لنا، والشق لغيرنا)؛ لأن الناس في كثير من البلدان مضطرون إلى الشق إذا كانت الأرض رخوة أو دمثة ذات رمل، وإذا كانت صلبة: فالاختيار اللحد، لأنه أفضل ١٣٥] /أ].

стр. 368

ومن باب البكاء على الميت من الصحاح [١١٧٤] حديث أنس: (دخلنا مع رسول الله ﷺ على أبي سيف القين .... الحديث). أبو سيف هذا وزوجته أم سيف أنصاريان، وأم سيف هي التي كانت ترضع إبراهيم ابن النبي ﷺ ، ولم نجد أحداً من أهل الحديث ذكرها بأكثر من هذا. وفيه: (وكان ظئراً لإبراهيم). الظئر: يقع على الذكر والأنثى، ومنه الحديث: (الشهيد تبتدره زوجتاه كظئرين أضلتا فصيلهما)، وفي حديث عمر ﵁: (أعطى ربعة يتبعها ظئراها). والأصل في الظئر: العطف والحنو، قال: ظأرت الناقة ظأراً، وهي ناقة مظئورة: إذا عطفتها على ولد غيرها، وظأرت الناقة- أيضاً-: إذا عطفت على البو؛ فهى ظئور، يتعدى ولا يتعدى، وفي حديث ابن عمر ﵄: (أنه اشترى ناقة، فرأى بها تشريم الظئار، فردها). فسميت المرضعة ظئراً؛ لأنها تعطف على الرضيع، وصح أن يسمى زوج المرضعة ظئراً؛ لان اللبن منه، فصار بمثابة الأب؛ فهو -أيضاً- يعطف عليه. وفيه: أن عبد الرحمن بن عوف- ﵁ قال: (وأنت يا رسول الله): كان النبي ﷺ ينهاهن عن الجزع، ويأمرهم بالصبر على المصيبة، وذلك خلاف ما تقتضيه الجبلة

стр. 369

البشرية؛ فلما رأى ابن عوف بكاء النبي ﷺ استغرب ذلك من حاله، وحسب أنه ضعف عن مقاومة المصيبة بالصبر، فقال: (وأنت يا رسول ﷺ ) أي: تتفجع للمصائب تفجع غيرك؟ فقال: (إنما هي رحمة!)، أي: الحال التي تشاهد مني، أو تتعجب منها- رحمة ترق لها القلوب، وتفيض لها العيون، إذا تأمل المتأمل في الحالة التي ابتلي بها المقبوض من شدة الأمر، وضعف المنة، لا ما توهمت من قلة الصبر، والاسترسال في الجزع. وذلك مثل قول سعد بن عبادة في حديث أسامة ﵄ وهو يتلو هذا الحديث-: (يا رسول الله ما هذا؟! قال: رحمة جعلها الله في قلوب العباد؛ فإنما يرحم الله من عباده الرحماء)، وفي حديثه ذلك: (ونفسه تتقعقع)، تقعقع الشيء: إذا اضطرب وتحرك. يقال: إنه ليتقعقع الحياء من الكبر، ومعناه: اضطراب النفس؛ لقربها من الموت؛ فلا يثبت على حالة واحدة. [١١٧٦] ومنه: قول عبد الله بن عمر ﵄ في حديثه الذي يذكر فيه شكوى سعد بن عبادة: (فلما دخل، وجده في غاشية): الغاشية: الداهية من شر أو مرض أو مكروه؛ ومنه قولهم: (رماه الله بغاشية)، وهي داء يأخذ في الجوف، عنى بها- ههنا-: ما كان يتغشاه من كرب الوجع الذي به، ولم يرد بها حال الموت؛ لأن سعد ابن عبادة برأ من مرضه ذلك، وعاش بعد نبي الله ﷺ ، وتوفى في خلافة عمر- ﵁ وقيل: في خلافة أبي بكر ﵁. وقال الخطابي: أراد بها القوم الحضور [١٣٥/ب] عنده الذين هم غاشيته، أي: يغشونه للخدمة والزيارة ونحوها. والأول أشبه؛ لأنه في بعض طرقه الصحاح: (فلما دخل عليه، ووجده في غاشية)، قال: قد قضى؟ قالوا: لا يا رسول الله) وفي رواية: (وجده في غاشية). ومنه: في حديثه الآخر، عن النبي ﷺ : (وإن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه)؛ سمعت عائشة- رضي

стр. 370

الله عنها- حديثه هذا، فقالت: وهل ابن عمر، وفي رواية: (رحم الله أبا عبد الرحمن، سمع شيئاً، فلم يحفظ، إنما مرت على رسول الله ﷺ جنازة يهودي وهم يبكون عليه، فقال: أنتم تبكون، وإنه ليعذب)، وفي حديث عائشة- ﵂: (حسبكم والقرآن): ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ فاطر:١٨. وقد ذهب بعض الناس في ذلك إلى ما ذهبت إليه. ولا سبيل إلى دفع الحديث بهذا الاحتمال؛ فإن هذا الحديث رواه عمر، وابن عمر، والمغير بن شعبة ﵃، ولم يذكر أحد منهم حديث اليهودي أو اليهودية، وقد صح أسانيدها أفصح أن حديثهم غير حديث عائشة، والرواية إذا ثبتت، وجب قبولها، ثم حملها على ما لا يلزم منه تضاد واختلاف في أصول الدين، وإذ قد علمنا أن النبي ﷺ بكى عند موت ابنه إبراهيم، وعند كثير من ذويه وصحابته-: علمنا أن انهمال العين لا يدخل في باب البكاء المذموم؛ كيف وقد قال ﷺ : (إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا- وأشار إلى لسانه- أو يرحم) وقد روى ابن عباس، عن عمر- ﵁، عن النبي ﷺ : (وإن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه). فتبين لنا من هذه الأحاديث- ومما ورد في معناها-: أن ما لا يحمد من البكاء ويعذب عليه: هو [التفجع] المتعارف بينهم فيما سلف من أمر الجاهلية؛ فإنهم كانوا يجتمعون للمأتم، ويعظمون أمر الرزية، ويقطعون شأن الفجيعة، ويتناوحون، ويذكرون مآثر الميت، ويحمدونه على خلال لا محمدة دونها، ويذمون الدهر، وكل ذلك منهي عنه في الشرع، وقد علمنا من قوله سبحانه: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾: أن الميت لم يعذب عليه إلا بعد أن كان يرضى بذلك ويختاره، ويوصي به، وكان ذلك من صنيع أهل الجاهلية، وشواهده موجودة في أشعارهم، وفي مثل ذلك يقول قائلهم: إذا مت فانعيني بما أنا أهله .... وشقي علي الجيب يا أم معبد والحديث محتمل لوجه آخر، وهو أن نقول: أراد بـ (الميت): الذي أشرف على الموت؛ كقوله: (لقنوا موتاكم)، ويكون البكاء عليه نفس العذاب لا سبباً للعذاب، والمعنى: أنه إذا حضره الموت، فصرخوا عليه، وأظهروا الجزع دونه، وهو في كرب الموت- صار صنيعهم ذلك زيادة على كربه؛ فيقع ذلك منه موقع التعذيب، وقد روى مسلم بإسناده، عن أنس- ﵁ أن عمر بن الخطاب- ﵁[١٣٦/أ] لما طعن، عولت عليه حفصة- ﵄ فقال: يا حفصة، أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: (المعول عليه يعذب)؟! وعول عليه صهيب، فقال عمر- ﵁: يا صهيب، أما علمت، أن المعول عليه يعذب. وفي هذا الحديث نوع من الاستشهاد على التأويل الذي ذكرناه.

стр. 371

فإن قيل: فماذا تصنعون بحديث ابن عمر، عن النبي ﷺ : (الميت يعذب في قبره بما نيح عليه)؟: قلنا: نقول: إن هذا الحديث نحمله على الميت الذي أوصى بالنياحة، والحديث الآخر محتمل للوجهين. [١١٧٧] ومنه: حديث أبي موسى الأشعري- ﵁ عن النبي ﷺ قال: أنا برئ ممن حلق وسلق وخرق)، وفي رواية: (ليس منا) أي: ليس من أهل سنتنا من حلق) أراد به: من حلق شعره عند المصيبة: إذا حلت به، و (سلق) أي: رفع صوته بالبكاء والنوح، وسلقه بالكلام سلقاً أي: آذاه به، وهو شدة القول باللسان، ونقل عن ابن جريح أنه قال: هو أن تمرش المرأة وجهها وتصكه، ولعله أخذ من قول بعض العرب: (سلقه بالوط): إذا نزع جلده، و (سلقت اللحم عن العظم): إذا انتحيته، ومنه قيل للذئبة: سلقة، السالقة: المرأة التي ترفع صوتها بالصراخ عن المصيبة. وقوله: (خرق) أي: شق ثوبه على المصيبة، وكان ذلك في أغلب الأحوال من صنيع النساء، وفي (كتاب البخاري) من رواية أبي موسى: (أن رسول الله ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشاقة). [١١٧٨] ومنه: حديث أبي مالك الأشعري- ﵁ عن النبي ﷺ : (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب ... الحديث): الحسب: الفعال الحسن للرجل ولآبائه؛ مأخوذ من الحساب، إذ حسبوا مناقبهم وعدوها؛ فالحسب: العد، والمعدود: حسب. ومعنى هذا الكلام: أن الأشياء الأربعة من أمر الجاهلية تدوم في أمتي، وأراد: أن الأمة بأسرهم لا يتركونها تركهم لغيرها من سنن أهل الجاهلية؛ إن تركها طائفة تمس بها آخرون.

стр. 372

فمن ذلك: الفخر والتفاخر، ومعناه: التكبر والتعاظم من الرجل بعد مناقبه ومآثر آبائه، والفخر: المباهاة في الأشياء، الخارجة عن الإنسان، كالمال والجاه. وقوله: (في الأحساب) أي: في شأن الأحساب، وفي الحديث: (كرم الرجل: دينه، وحسبه خلقه)، وفي ذلك نفى ما كان عليه أهل الجاهلية، وفيه تنبيه على أن الحسب الذي يحمد به الإنسان: ما تحلى به من خصال الخير في نفسه، لا ما يعده من الأشياء الخارجة عنه. وفيه: (والطعن في الأناب): يحتمل: أن يراد به الطعن بالدعوة والدعوى في النسب، والظاهر: أن المراد منه الطعن فيمن ينسب إليه حجيج الطاعن؛ فينسب آباءه وذويه عند المساجلة والمساماة إلى الخمول والخساسة والغموض والانحطاط؛ لأنه ذكر [١٣٦/ب] في مقابلة الفخر في الأحساب. وفيه: (الاستسقاء بالنجوم): أي: طلب السقيا، وتوقع الأمطار عند وقوع النجوم في الأنواء، وفي معناه الحديث: (مطرنا بنوء كذا). وفيه: النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيام وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب). قوله: (قبل موتها): أي: قبل حضور موتها، وإنما قيدها هذا التقييد ليعلم أن من شرط التوبة أن يتوب التائب وهو يأمل البقاء، ويمكن أن يتأتى منه العمل الذي يتوب منه؛ ومصداق ذلك في كتاب الله: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن﴾. وقوله: (تقام): يحتمل أنها تحشر، ويحتمل أنها تقام على تلك الحال بين أهل النار وأهل الموقف؛ جزاء على قيامها في المناحة؛ وهو أمثل وأشبه: وقوله: (عليها سربال من قطران): ورد بمثله التنزيل: ﴿سرابيلهم من قطران﴾ إبراهيم: ٥٠، والقطران بكسر الطاء: هناء تهنأ به الإبل الجربى؛ فيحرق بحدته وحرارته الجرب، ويتخذ ذلك من الأبهل، وهو حمل شجرة العرعر، فيطبخ، ثم يهنأ به، وسكون الطاء وفتح القاف وكسرها: لغة فيه. وقد أوعد الله تعالى المستكبرين عن عبادته أن يعذبهم بذلك، لمعان أربعة: للذعه وحرقته، واشتعال النار فيه وإسراعها في المطلي به، وسواد لونه بحيث تشمئز عنه النفوس، ونتن رائحته؛ فيطلى به جلودهم حتى يعود طلاؤه لهم كالسرابيل؛ أنهم كانوا يستكبرون عن عبادته؛ فألبسهم لباس الخزى والهوان. وهذا الوعيد- في الحديث- يختص بالنائحة لمعنى آخر سوى ما ذكرنا، وهو أنا النائحة كانت تلبس الثياب السود في المأتم؛ فألبسها الله قميصاً من قطران؛ لتذوق وبال أمرها. وقوله: (ودرع من جرب). أي: يسلط عليها الجرب، فيغطي جلدها تغطية الدرع، ويلتزق بها التزاقة، فيجمع لها بين حدة القطران وحرارته وحرقته ونتنه وسواده واشتعاله، وبين الجرب الذي يمزق الجلد، ويقطع اللحم؛ كما تجمع المرأة بين القميص والدرع.

стр. 373

وذكر الدرع؛ لأنها قميص النساء، ثم إن النياحة تختص بشغلهن اختصاص الدرع بملابسهن، فشاركت أهل النار في لباسهم، واختصت بدرع من جرب؛ للمعنى الذي خصت به. ثم إنا نظرنا إلى المناسبات الواقعة بين الذنوب وعقوبتها؛ فوجدنا لتعذيبها بالجرب وجهين: أحدهما: أنها كانت تخمش وجهها، فابتليت بما لا صبر لها عليه إلا بالخمش والتمزيق. والآخر: أنها كانت تجرح بكلماتها المرقة قلوب ذوي المصيبات وتحرك بها بواطنهن؛ فعوقبت في ذلك المعنى بما يماثله في الصورة، والله أعلم. ومنه: قوله ﷺ في حديث أنس: (إنما الصبر عند الصدمة الأولى): الصدم: ضرب الشيء بمثله، والرجلان يعدوان فيتصادمان، ومعناه: أن كل [١٣٧/أ] ذي مرزية قصاراه الصبر، ولكنه إنما يحمد ويثاب عند فورتها؛ فإن الرزية إذا طالت الأيام عليها [...] المصاب، وصار الصبر طبعاً؛ فلم يؤجر عليه. [١١٨١] ومنه: حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار إلا تحلهة القسم). يقال: حللته تحليلاً وتحلة، كما يقال: غررته تغريراً وتغرة؛ قال الله تعالى: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ التحريم:٢، أي: شرع لكم تحليلها بالكفارة، وقيل: تحليلها بالاستثناء؛ فالتحلة: ما تتحل به عقد اليمين، وتحلل به ما حرم على المقسم.

стр. 374

وقد ذهب كثير من العلماء: إلى أن معنى قوله: (إلا تحلة القسم) إلا مقدار ما يبر الله قسمه بالجواز على النار؛ ذهاباً إلي قوله سبحانه: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ مريم: ٢٣. قال بعضهم: القسم يضمر بعد قوله ﴿وإن منكم﴾ أي: وإن منكم والله ﴿إلا واردها﴾. وقال بعضهم: موضع القسم مردود إلى قوله تعالى: ﴿فوربك لنحشرنهم والشياطين﴾ مريم:٦٨؛ واستدل أصحاب هذا التأويل بحديث مرفوع، وهو: (من حرس ليلة من وراء المسلمين متطوعاً، لم يأخذه السلطان- لم ير النار تمسه إلا تحلة القسم؛ قال الله تعالى: ﴿وإن منكم إلا وارها﴾. قلت: هذا الحديث- إن صح- فإنه محتمل للمعنى الذي يحتمله حديث أبي هريرة، والآية التي ذكرت بعد الحديث أن بعض الرواة ذكرها على وجه الاستدلال؛ كما ذكرها بعضهم في حديث أبي هريرة. والأشبه: أن المراد من (تحلة القسم): الزمان اليسير الذي يمكن فيه تحلة القسم بالاستثناء متصلاً به؛ هذا هو الأصل فيه، ثم جعل ذلك مثلاً لكل شيء يقل وقته، والعرب تقول: فعلته تحلة القسم، أي: لم أفعل إلا بقدر ما حللت به يميني، ولم أبالغ. وإنما قلنا: (إنه الأشبه)؛ لأن تحلة القسم مذكورة في كلامهم قبل أن جاء الله بالإسلام؛ قال الشاعر: (من الطويل): أرى إبلي عافت جدود فلم تذق .... بها قطرة إلا تحلة مقسم وهذا بيت جاهلي قاله القائل يوم جدود، وهو يوم الكلاب الأول، ويوم الكلاب الثاني- أيضاً- كان قبل الإسلام قريباً من مبعث النبي ﷺ ؛ فرأينا أن نرجع في المعنى إلى أصل اللغة (لكونانتها) على حقيقة. [١١٨٧] ومنه: حديث ابن عباس ﵄، قال: رسول الله ﷺ : (من كان له فرطان من أمتي .. الحديث). الفرط- بالتحريك: الذي يتقدم الواردة فيهيئ لهم الأرسان والدلاء ويمدر الحياض، ويستقي لهم، وهو فعل بمعنى فاعل؛ مثل: نبع بمعنى نابع؛ يقال: رجل فرط- أيضاً- ومنه الحديث (أنا فرطكم على

стр. 375

الحوض) أي: أتقدمكم، فأدمث لكم السبيل الوعر إلى الورود بالشفاعة، ومنه حديثة الآخر: (أنا والنبيون فراط القاصفين) أي: نتقدم الأمم إلى الجنة، وهم على أثرنا، فيزدحمون حتى يقصف بعضهم بعضاً بداراً إليه، ومنه قيل للطفل الميت: (اللهم، اجعله لنا فرطاً) أي: أجراً يتقدمنا حتى نرد عليه، وسمي الطفل فرطاً؛ لأنه يتقدم أبويه؛ فيمهد لهما مقعد الكرامة؛ كما [١٣٧/ب] يهيئ الفرط الذي يقدم للواردة الرشاء والدلاء ونحوهما.

стр. 376

ومن كتاب الزكاة (من الصحاح) [١١٩٦] حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: (ما من صاحب ذهب ولا فضة .. إلى أن ذكر جنسين من المال، ثم قال: (لا يؤدي منها حقها):

стр. 377

ذهاباً بالضمير إلى المعنى دون اللفظ؛ لأن كل واحد منهما جملة وافية ودنانير ودراهم ويحتمل أن يراد بها الأموال، ويحتمل أنه أراد بها الفضة، واكتفى بذكر أحدهما؛ كقول القائل: ومن يك أمسي بالمدينة رحله .... فإني وقيار بها لغريب وبمثله ورد التنزيل؛ قال الله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله﴾ التوبة:٣٤. وفيه: (صفحت له صفائح) تصفيح الشيء: جعله عريضاً، والصفائح: ما طبعت من الحديد وغيره عريضة؛ ومنه قيل للسيف العريض: صفيحة، وللحجر العريض- أيضاً-: صفيحة، وصفاح- أيضاً- بالضم والتشديد، وصفائح الباب: ألواحه. ومعنى الحديث: أن الدراهم والدنانير إذا لم يؤد حقها- صفحت صفائح. وقوله: (من نار) أي: تطبع صفائح من نار يقعد عليها. ولو قيل: إن قوله: (من نار): لبيان الجنس- لم يستقسم؛ لأن المال هي التي جعلت صفائح؛ ليعذب بها صاحبها، ثم إن الصفائح لو كانت متخذة من نار، لم يكن لقوله: (فأحمى عليها في نار جهنم) وجه. وعلى هذا: فمفعول ما لم يسم فاعله هو الضمير الراجع إلى الذهب والفضة وصفائح: مفعول ثان. ومن رفع (الصفائح): فإنه جعل (من نار): لبيان الجنس، ولست أحقق ذلك روايته، وإنما ذهبت إلى ما ذهبت إليه من طريق المعنى، وأتيت بالترجيح- أيضاً- من طريق المعنى، لا من طريق الرواية، وأرى الرواة بعضهم يرفعونها، وبعضهم ينصبونها، والنصب أقوى، للمعنى الذي ذكرناه، وهو موافق للنص الناطق من كتاب الله سبحانه؛ قال الله تعالى: ﴿يوم يحمى عليها في نار جهنم﴾ التوبة:٣٥؛ فجعل عين الذهب والفضة هم المحماة عليها في نار جهنم. وفيه: (ومن حقها حليها يوم وردها): قال بعض العلماء: معنى ذلك: أن يسقى ألبانها المارة ومن ينتاب المياه من أبناء السبيل، وقيل: أمر أن يحلبها صاحبها عند الماء؛ ليصيب ذو الحاجة منه؛ قال: وهذا مثل نهيه عن الجذاذ بالليل؛ إذا أراد أن يصرم بالنهار، ليحضرها الفقراء والمساكين. وفيه: (بطح لها بقاع قرقر): (بطح) أي: ألقى على وجهه، والضمير في قوله: (لها): يرجع إلى الإبل، والمبطوح: رب المال الذي لم يؤد زكاتها، فيبطح لها لتطأه بأخفافها.

стр. 378

وفي أكثر النسخ من (المصابيح) بل في أجمعها: (بطح له)، وهو خطأ بين رواية ومعنى. والقاع: المستوى من الأرض، والقرقر أيضاً في معناه، وإنما عبر عنه بلفظين مختلفين؛ للمبالغة في استواء ذلك المكان، وقد روى الحديث: (بقاع قرق)، وهو مثله. وفيه: (كلما مر عليه أولاها [١٣٨/أ]، رد عليه أخراها). قلت: في هذا الكلام تحريف عن وجهه، وهو أن الرد عليه إنما يستعمل في الأول لا في الآخر؛ فالآخر تبع للأول في مروره؛ فإذا انتهت النوبة ردت الأولى؛ لاستيقاف المرور. وهذا الحديث- على هذا السياق- رواه مسلم في (كتابه) عن سويد بن سعيد، عن حفص بن ميسرة الصنعاني، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح ذكوان؛ أنه سمع أبا هريرة، ورواه- أيضاً- عن محمد بن عبد الملك الأموي، عن عبد العزيز بن المختار، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، وفي حديثه: (ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمى عليه نار جهنم، فيجعل صفائح). قلت: وفي هذا دليل بين على صحة ما ذهبنا إليه من اختيار النصب في (صفائح)، وفي روايته هذه: (وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها بقاع قرقر كأوفر ما كانت تستن عليه، كلما مضى عليه أخراها، ردت عليه أولاها). وقد روى هذا الحديث- أيضاً- عن أبي ذر، وهو حديث صحيح، وفي روايته: (كلما جازت أخراها، ردت عليه أولاها). فتبين لنا من الرواتين- مع ما نشهد له من صحة المعنى-: أن الصواب ما ذكرناه، وأنه على الوجه الذي ذكر في (كتاب المصابيح) سهو من بعض الرواة، لم يتأمل فيه المؤلف فنقله، ولا يستبعد أن يكون ذلك من سويد بن سعيد؛ فإنه- وإن كان عدلاً ثقة، مع كونه من رجال الكتابين- فقد نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ. وفيه: (ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء): العقصاء: هي التي التوى قرناها على أذنيها من خلفها؛ يقال: تيس أعقص بين العقص، والجلحاء: التي لا قرن لها، وفي البقر أكثر استعمالاً، يقال: بقر جلح؛ قال الشاعر: تسكنهم بالقول حتى كأنهم .... بواقر جلح أسكنتها المراتع والعضباء: المكسورة القرن، وقد مر تفسيرها في (باب الأضحية). وفيه: (ولرجل ستر): أي: يتخذ تجملاً، وستراً للحال التي هو عليها من القلة، وضيق اليد، وقد بين معناه بقوله: (ربطها تغنياً وتعففاً) وأي: طالباً بنتاجها الغنى عن الناس، والتعفف عن المسألة، أو إظهاراً للغنى عن نفسه بركونها، وذلك أشبه بصنيع ذوي الهيئات، وأخلاق أهل الكرم والمروءة. وفيه: (فأطال لها):

стр. 379

أي: أرخى طويلتها في المرعى، وأكثر ما يستعمل في هذا المعنى: طول، أي: ارخى الفرس من طوله، وهو الحبل الذي يطول للدابة، فترعى به. والطول والطيل: حبل طويل يشد فيه في آخية، أو وتد، والطرف الآخر في يد الفرس ليدور فيه، ولا يعير على وجهه، والأصل فيه: الطول، وقد أبدلوا الياء من الواو؛ لكسرة ما قبلها. وفيه: (فاستنت شرفاً أو شرفين): أي: عدت طلقاً أو طلقين، وهو الجري إلى الغاية مرة أو مرتين؛ على هذا النحو فسره أصحاب الغريب، وأراهم فسروه على هذا الوجه؛ لأن الدابة إذا انفلتت من طولها، استشرفت نفسها إلى العدو؛ فتستفرغ جهدها في ذلك؛ فتعدو [١٣٨/ب] طلقاً أو طلقين، أو لأنها تعدو حتى تبلغ شرفاً من الأرض، وهو ما يعلو منها فتقف عند ذلك وقفة، ثم تعدو ما بدا لها، فعبر عن الطلق بالشرف لأحد المعنيين. وفيه: (نوءاً لأهل الإسلام): أي: معاداة لهم [ونواء بالهمز] لأنه من النوء، وهو النهوض، عبر به عن المعاداة؛ لأن كل واحد من المتعاديين يناوئ صاحبه، وربما ترك همزه. وفيه: (إلا هذه الآية الفاذة الجامعة): أي: المنفردة في معناها، الجامعة لأبواب البر، لاجتماع اسم الخير على سائر الطاعات؛ يقال: فذ الرجل عن أصحابه: إذا شذ عنهم، فبقى فرداً. قيل لخالد بن صفوان بن الأهتم: يا أب صفوان، ما الفاذة؟. قال: كلمة يقولها ثقيف التي ليس وراءها شيء؛ سماها فاذة؛ لحلولها عن بيان ما تحتها، وتفصيل أنواعه. [١١٩٨] ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي هرير ﵁: (مثل له ماله يوم القيام شجاعاً أقرع):

стр. 380

أي: حية قد نقط فروة رأسها؛ لكثرة سمها: وفيه: (له زبيبتان). الزبيبتان: الزبدتان في الشدقين، يقال: تكلم فلان حتى زبب شدقاه، أي: خرج الزبد عليهما؛ ومنه: الحية ذات الزبيبتين، وهي أحبث ما يكون من الحيات، ويقال: هما النكتتان السوداوان فوق عينيه. وفيه: (يطوقه). على بنا ما لم يسم فاعلهن أي: يجعل في عنقه كالطوق، أو يلزم عنقه ذلك إلزام الطوق، ومن الناس من يرويه على البناء الصحيح، وليس بصحيح، ونظم الكتاب يشهد عليه؛ قال الله تعالى: ﴿سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة﴾ آل عمران:١٨٠. [١٢٠٢] ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: (ما ينقم ابن جميل؛ إلا أنه كان فقيراً فأغناه الله ورسوله): نقمت على الرجل، أنقم- بالكسر- فأنا ناقم: إذا عبت عليه؛ يقال ما نقمت عليه إلا الإحسان، وقال الكسائي: نقمت- بالكسر- لغة. أما معنى الحديث: فقد قال بعض أصحاب الغريب: نقم منه الإحسان: إذا جعل الإحسان يؤديه إلى كفر النعمة، أي: أداه غناه إلى أن كفر نعمة الله فما ينقم شيئاً في منع الزكاة إلا أن يكفر النعمة، وهذا الذي قاله صحيح، لأن قول القائل لمن أساء إليه، بعد أن أحسن إليه: ما عبت علي إلا إحساني إليك، تعريض بكفران النعمة، وهو تقريع بسوء الصنيع في مقابلة الإحسان. وأما قوله: (فأغناه الله ورسوله). ذكر ﷺ نفسه عند المنة عليه، لأنه كان سبباً لدخول في الإسلام، وأصبح غنياً بعد فقره بما أفاء الله على رسوله، وبما أباح لأمته من الغنائم ببركته.

стр. 381

وفيه: (وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً): هذا القول محتمل لوجهين: أحدهما: أنكم تظلمونه بإدعائكم عليه منع الزكاة. والثاني: أو تظلمونه بمطالبتكم إياه بما لم يلزمه من الحقوق. ثم ذكر سناداً لقوله هذا، فقال: (قد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله)، وهذا القول- أيضاً- محتمل لوجهين؛ بناء على ما تقدم من الوجهين: أحدهما: أن يراد أني يقدم خالد على منع الزكاة، وهو فريضة من فرائض الله، وركن من أركان الإسلام، وهو محتسب باحتباس الأدراع والأعتد في سبيل [الله]. والآخر: أن يقال: إن خالداً جعل ذلك محتبساً في سبيل الله؛ فعلى ماذا يطالب [١٣٩/أ] بزكاته وقد فارق في الحكم عن عروض التجارة. هذا إذا عده العامل من جملة الأموال المعدة للتجارة. ويحتمل وجهاً ثالثاً، وهو: أن يقال: رخص النبي ﷺ لخالد أن يحتسب [....] في سبيل الله ما لزمه من الصدقة، وفيه بعد وتنافر، وإنما أوردناه [اقتفاء ... أهل] العلم في إيراده. وقوله: (أعتده): الأعتد: جمع المعتد، وهو الفرس الصلب المعد للركوب، وقيل: السريع الوثب؛ ويشهد لهذا التفسير ما ورد في بعض الروايات: (احتبس رقيقه ودوابه)، وفي (كتاب مسلم): (أعتاده) وهما بمعنى، ويروى: (عتادة)، ويصح أن تكون (الأعتد) جمع عتاد، وكذلك الأعتاد، وهو ما أعده الرجل من السلاح والدواب والآلة في الحرب، ويجمع- أيضاً- على (أعتد) بكسر التاء، ومن الناس من يرويه (أعبده) بالباء على جمع عبد، وهو تصحيف صحفي لم يأخذ العلم من أفواه الرجال، وفي بعض طرق الحديث أن خالد بن الوليد جعل رقيقه وأعتده حبساً في سبيل [الله]. وفيه: (وأما العباس: فهي على ومثلها معها): ذهب بعض العلماء في تأويله: إلى أن النبي ﷺ كان تسلف من العباس صدقة عامين. أحدهما: صدقة ذلك العام الذي شكاه العامل فيها، والأخرى: صدقة عام آخر. قلت: وفي هذا نظر؛ لأن تعجيل الصدقة للسنتين، وإن ذكر فيه حديث، فإنه غير محظوظ، وإنما المحفوظ الثابت منه: أن العباس سأل رسول الله ﷺ في تعجيل صدقته، قبل أن تحل، فرخص رسول الله ﷺ في ذلك. والعجب: أن صاحب هذا التأويل لم يجوز تعجيل الصدقة لأكثر من عام واحد. وقيل: يحتمل أن النبي ﷺ استلف منه مالاً لينفقه في سبيل الله، ثم يحتسب له عن الصدقة عند حلولها.

стр. 382

وقوله: (ومثلها): أي: في كونه فريضة عام آخر، ولم يرد به المثلية في الأسنان والمقادير؛ فإن ذلك بزيادة المال ونقصانه، ولا يعرف ذلك إلا بعد دخول عام آخر، وقد روى في معناه عن علي- ﵁ في قصة عمر بن الخطاب والعباس- ﵄ أن النبي ﷺ قال لعمر: (أما علمت أنا كنا احتجنا فاستلفنا العباس صدقته عامين؟!)؛ ذكر ذلك في كتب الفقهاء مسنداً، وفيه مقال. وقد روى البخاري هذا الحديث عن ابن اسحاق، وفي روايته تلك: (وهي على ومثلها)؛ قال أبو عبيد: أرى- والله أعلم- أنه كان أخر عنه الصدقة عامين لحاجة العباس إليها؛ فإنه قد يجوز للإمام أن يؤخرها إذا كان ذلك على وجه النظر، ثم يأخذها بعد ذلك! ويخرج معنى قوله: (فهي على ومثلها معها) على التأويل الذي ذهب إليه أبو عبيد، أن النبي ﷺ قال هذا القول على صيغة التكفل بما يتوجه عليه من صدقة عامين، وهو تأويل حسن لما فيه من التوافق في المعنى بين الحديثين. فإن قيل: كيف التوفيق بين ما روى أن العباس سأل رسول الله ﷺ في تعجيل صدقته وبين هذا التأويل؟: قلنا: يحتمل أنه سأل التأخير في أول الأمر، وقد وجدنا في الحديث ما يؤيد ذلك، وهو أنه لما أسر ببدر، أمره رسول الله ﷺ أن يفدي [١٣٩/ب] نفسه وابني أخويه عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث من ماله؛ فشق عليه ذلك، فوعده رسول الله ﷺ بعد إسلامه: أن يخوله من مال الله ما يسد به خلته، فعله سأل التأخير [قبل] نزول فريضة الزكاة ولما وسع الله عليه وأغناه من فضله، سأل التعجيل ليجبر به نقيصة التأخير، وقد روى البخاري هذا الحديث عن أبي اليمان، عن شعيب، وفي روايته: (وهي على صدقة ومثلها معها) وقد توبع شعيب في روايته هذه على هذا السياق؛ فالظاهر: أنه وهم فيه؛ فإن العباس كان من صليبة بني هاشم، وقد حرم الله عليهم أوساخ الناس، وفي بعض طرق هذا الحديث: عن موسى بن عقبة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: (فهي له ومثلها معها) وهذا- أيضاً- محمول على أن بعض الرواه وهم فيه. وقد قال الخطابي: (فهي له) أي: عليه، قال: وقد جاء في كلامهم: (له) بمعنى (عليه)، قال الله تعالى: ﴿أولئك لهم اللعنة﴾ الرعد:٢٥ أي: عليهم. قلت: ولأن نضرب عن هذه الرواية صفحاً- مع ما فيها من الاختلاف البين- أولى وأجدر من أن نقول بهذا التأويل؛ فإن (له) و (عليه) كلمتان تستعملان على وجه التضاد، ولو جوزنا ذلك- في هذا الحديث- أفضى بنا غلى تعطيل أصول اللغة العربية التي عليها مدار الكتاب والسنة، واستشهاد أبي سليمان بقوله تعالى: ﴿أولئك لهم اللعنة﴾ غير مستقيم، فإن الكلمتين في هذه الصيغة- وإن خلفا في اللفظ- فإنهما يتفقان في المعنى، ومعنى قوله: ﴿أولئك لهم اللعنة﴾ أي: حق لهم ووجب؛ كقوله: ﴿ولهم سوء الدار﴾.

стр. 383

وفيه: (يا عمر، أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه): إذا خرجت نخلتان وثلاث من أصل واحد، فكل واحدة منهن صنو، ويقال: ركيتان صنوان: إذا تقاربتا ونبعتا من عين واحدة، أراد: أن أباه والعباس من أرومة واحدة، وأنه منه بمثابة الأب، ويقال للمثل: الصنو، أي: مثل أبيه، فمن الأدب- بل من الواجب- أن لا يسمعه فيه ما يعود منه نقيصة عليه. [١٢٠٣] ومنه: حديث أبي حميد الساعدي- ﵁: (استعمل رسول الله ﷺ رجلاً من الأزد، يقال لهك ابن اللتبية .. الحديث): الأزد: جرثومة من جراثيم قحطان، ويقال: الأزد، والأسد بالسين أفصح، وبالزاي أكثر استعمالاً ولعل ذلك لمجانبتهم عن موقع الاشتباه؛ فإنك إذا قلت: الأسدي اشتبه بالأسدي). وإنما قيل لهم: الأسد والأزد؛ لأن [ادراء] بن الغوث كان رجلاً كثير المعروف، وكان الرجل يلقى الرجل، فيقول: أسدي إلى [دراء] يداً والأزدي إلى يداً، [فبدل]. فكثر هذا حتى سمى به، فقالوا: الأسد والأزد. وابن اللتبية رجل منهم استعمله رسول الله ﷺ على صدقات بني سليم، واسمه عبد الله، وقد اشتهر بالنسبة إلى أمه، ولم يذكر لها اسم، وقد اشتهرت عليه بالنسبة إلى (بني لتب) بضم اللام وإسكان التاء، بطن من العرب، ومن الرواة من يرويه: (ابن الأتبية) بالألف بدل اللام؛ وليس بشيء، ولا اعتداد به. وفيه: (إن كان بعير له رغاء، أو بقرة (له) خوار، أو شاه تيعر): الرغاء: صوت ذوات الخف [١٤٠/أ]، وقد رغا البعير يرغو رغاء: أذا ضج، وفي المثل: كفي برغائها منادياً، وتيعر، أي: تصيح؛ يقال: يعرت العنز، تيعر- بالكسر- يعاراً بالضم أي: صاحت. وفي (كتاب عمر بن أقصى): (إن لهم الياعرة) أي: ماله يعار، وفي روايته من هذا الحديث (أو شاة لها يعار)، وهذه الرواية أشبه بنسق الكلام، إلا أن الرواية الأخرى أشهر وأصح، ومعناه على بناء المضارع: (أو شاة لا تزال تيعر، أو صفتها تيعر). قلت: ولما كان الرغاء والخوار من الأصوات التي يسمعها البعيد كما يسمعها القريب- قال: له رغاء،

стр. 384

وله خوار، فلما انتهي إلى الشاة جعل الصياح صفة لازمة لها؛ ليدل على أنها لا تزال تيعر بين أهل الموقف؛ ليكون ذلك أنكل في العقوبة، وأبلغ في الفضيحة. وفيه: (حتى رأينا عفرة إبطيه): العفرة: البياض الذي ليس بخالص، فكأنه أراد منبت الشعر من الإبطين؛ لمخالطة بياض الجلدة سواد الشعر. وفيه: (فكتمنا مخيطاً): المخيط بكسر الميم: الإبرة، وفي حديث آخر: (أدوا الخياط والمخيط)، والخياط- في هذا الحديث: الخيط، وأما في قوله تعالى: ﴿حتي يلج الجمل في سم الخياط﴾: فإنه المخيط. (ومن الحسان) [١٢٠٤] قوله ﷺ في حديث ابن عباس- ﵄: (ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء: المرأة الصالحة): الكنز: المال المدفون لعاقبة ما، ثم يتسع فيه؛ فيقال لكل قنية يتخذها الإنسان، ومعنى قوله: (بخير ما يكنز) أي: يقتنيه ويتخذه لعاقبته والانتفاع به. ووجه المناسبة بين قوله ﷺ : (إنه ما فرض الزكاة إلا ليطيب ما بقى لكم من أموالكم)؛ فكبر عمر،

стр. 385

وبين هذا القول هو أنه لما فهم من تكبير عمر- ﵁ استبشاره برفع الحرج عن الأمة في اقتناء المال ودعته إذا زكى ولم يرض منهم بالتوسع في ذلك، بل اختار لهم التقلل والاكتفاء بالبلغة، وترك الفضول-: أشار إليهم أن تقنعوا من الانتفاع بمتاع الدنيا مع بقاء العين بالمرأة الصالحة؛ وفي هذا المعنى قوله ﷺ : (الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة). وفي هذا الحديث أبلغ زاجر عن جمع المال وحياطته لمن تدبره، وهو: إن متاعاً خيره المرأة- مع ما يلزم الإنسان في ذلك من الواجبات والحقوق الشرعية، والمحافظة على آداب الصحبة، والتورع عما يأثم به من ذلك، ثم الصبر على عوجها، والإعراض عن هناتها؛ لنقصان عقلها- لحرى بالمبادرة إلى تركه، والمسارعة إلى تخلية اليد عنه. [١٢٠٨] ومنه: حديث عبد الله بن عمر- ﵄ عن النبي ﷺ : (لا جلب ولا جنب ... الحديث). الجلب المنهي عنه في الصدقة: هو ألا يأتي المصدق القوم في مياههم لأخذ الصدقات، ولكن يأمرهم بجلب نعمهم (١٤٠/ب)، ويقال: بل هو الجلب في الرهان، وهو أن يركب فرسه رجلاً فإذا قرب النهاية تبع فرسه فجلب عليه وصاح به، ليكون هو السابق، وهو ضرب من الخديعة وهذا تفسير صحيح من طريق اللغة، والمراد منه في الحديث هو الأول لما بينته بقية الحديث وذلك قوله: (وإنما تؤخذ صدقاتهم في دورهم)، ولعل الذي فسره على الجلب في الرهان لم يبلغه الحديث بتمامه، أو قال هذا القول في حديث آخر؛ لقوله ﷺ : (لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام) فأما الذي جعله أحد [شقي] هذا الحديث فإنه لم يصب لما قد ذكرنا من التعليل، وعلى هذا فإن الجنب في هذا الحديث هو أن أصحاب الأموال لا يجنبون عن مواضعهم فيشق في المصدق متابعتهم. على هذا الوجه فسروه. ويحتمل أن يكون من قولهم: جنبت الدابة، إذا قدتها إلى جنبك، أي لا يذهب المصدق بالقوم

стр. 386

وبدوابهم يقودهم إلى جنبه كهيئة المجنوب إلى حيث يحب أن تحمل ليزكيهم هنالك، وأرى هذا الوجه أشبه بنسق الكلام، وإن لم أجده في كتب أصحاب الغريب، وذلك لأن حكم النهي على صفة الحديث متعلق بالأخذ دون المعطى. وإذا فسرنا الجنب على أن أصحاب الأموال لا يجنبون عن مواضعهم تعلق حكم النهي بالمعطى، وقد قال ﷺ : (وإنما يؤخذ صدقاتهم في دورهم)، والجنب يفسر: بأن يركب فرساً فيركضه وقد أجنب معه فرساً آخر ليركبه إذا قارب الغاية فيسبق صاحبه ولا وجه له ههنا لما ذكرنا، ومعنى (في دورهم) أي: في منازلهم، وحيث يحلونها من محلاتهم، ومنه الحديث: (ما بقيت دار لأبني فيها مسجداً) أي محلة. [١٢١١] ومنه حديث عبد الله بن عمرو- ﵁ أن النبي ﷺ خطب الناس فقال: ألا من ولى يتماً له مال- الحديث. روى هذا الحديث المثنى بن الصباح عن عمرة بن شعيب عن أبيه عن جده، والمثنى بن الصباح يضعف في الحديث، وصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فيه كلام من تدليس وتعمية وأبهام. ومن باب ما تجب فيه الزكاة (من الصحاح) [١٢١٢] حديث أبي سعيد الخدري- ﵁ قال رسول الله ﷺ : (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة .. الحديث). الوسق: ستون صاعاً، وقال الخليل: الوسق حمل البعير، والوقر حمل البغل أو الحمار. قلت: الوسق من أوسقت الشيء، أي: جمعته وحملته فالمعنيان في الوسق مبنيان على ما ذكرنا في معنى وسقت الشيء. وفيه: (وليس فيما دون خمس أواق) الأوقية أربعون درهماً، يقال: أوقية وأواقي، كما يقال بختية وبخاتي غير مصروفة لأنها على زنة جمع الجمع، ولك أن تخفف الياء، ويقال أيضاً في جمعها: أواق بلا

стр. 387

ياء كما يقال: أضحية وأضاح، وذكر الخليل أن الأوقية سبعة مثاقيل، وقيل: سبعة ونصف، وليس في هذه الأقوال تضاد؛ لأن ذلك مما يختلف باختلاف [١٤١/أ] البلدان والأزمان، وقد كانت الأوقية فيما مضى أربعون درهماً على ما في الحديث فأما اليوم فما يتعارفه الناس ويقدر عليه [الأطباء] وزن عشرة دراهم وخمسة أسباع درهم، وهو استار وثلثا استار ومن عوام المحدثين من يرويها بمد الألف، كأنها جمع أوق وهو لحن. وفيه: (وليس فيما دون خمس ذود). الذود من الإبل ما بين الثلاث إلى العشر، وهو مؤنثة لا واحد لها من لفظها، والكثير أذواد، وقال أبو عبيد القاسم بن سلام هي ما بين ثنتين إلى تسع من الإناث دون الذكور وأنشد: ذود صفايا بينها وبيني .... ما بين تسع إلى ثنتين والمراد من خمس ذود خمسة من الإبل لا خمس أذواد، وإنما أضاف خمساً إلى ذود لإفادة التعريف، وقد ذكر أبو عمرة بن عبد البر أن بعض الشيوخ رواه في (خمس ذود) على البدل لا على الإضافة. قلت: وفيه وهن لمخالفته رواية الإثبات، ثم لما وجدناه في الحديث: (أعطانا خمس ذود) ولا وجه فيه [على] الإضافة، وقوله: (من الإبل) تأكيد في البيان. [١٢١٥] ومنه حديث أنس- ﵁ أن أبا بكر- ﵁ كتب له هذا الكتاب لما

стр. 388

وجهه إلى البحرين ... الحديث. أشار بلفظ: (هذا) إلى الكتاب إما لأنه كان مكتوباً عند المتحدث به عن أنس وهو ثمامة بن عبد الله بن أنس، أو أشار بن ثمامة أو أنس إلى ما تحدث به؛ لأنه افتتح أن يحدث به فكان في حكم الحاضر. وفيه: (فرض رسول الله ﷺ ) أي: قدرها، ويجوز أن يراد به الإيجاب وأضيف إلى رسول الله ﷺ ؛ لأنه كان هو الآمر به من قبل الله تعالى. وفيه: (بنت مخاض) المخاض: الحوامل من النوق، واحدتها خلفة، ولا واحد لها من لفظها. قال الأصمعي: إذا حملت النوق لتمام سنة من يوم [...] ومخاضاً، وولدها ابن مخاض، وذلك إذا استكمل الحول، ودخل الثانية، وقبل ذلك يسمى فصيلاً، وقال غيره: هن شول ما داجر منها الفحل، وابن المخاض الذي حملت أمه أو حملت الإبل التي فيها أمه، وإن لم تلقح هي وهذا هو المعنى في قولهم: ابن مخاض، وبنت مخاض؛ لأن الناقة الواحدة لا يكون ابنه نوق، فلكون أمها في نوق حوامل وضعت حملها معهن قبل ذلك سميت بنت مخاض فنسبت إلى الجماعة لحكم مجاورتها أمها، وابن مخاض نكرة، فإذا أردت تعريفه أدخلت عليه الألف واللام، إلا أنه تعريف جنس فإذا وضعت أمه غيره فصار لها لبن، قيل له: ابن لبون، وهو نكرة تعرف بالألف واللام. فأما وجه قوله: (بنت مخاض أنثى وبنت لبون أنثى) فلم أجد أحداً من أصحاب المعاني ذكر فيه شيئاً يشفي الغليل وقد سئلت عنه فكان جوابي فيه: أن الابن والبنت إنما يختصان بالذكر والأنثى عند الإطلاق في بني آدم، وأما في غير بني آدم فقد استعمل على غير هذا الوجه فقيل: ابن عرس وابن آوى، وابن دأية وابن قترة وابن الماء وابن الغمام وابن ذكاء وابن الأرض وبنت الأرض وبنت الجبل وبنت الفكر [١٤١/ب]. وما أشبه ذلك من الأسماء، وكل ذلك مستعار لمعان غير الذي يختص بالإنسان وكذلك نقول في ابن مخاض وابن لبون وبنت مخاض وبنت لبون، ويدلك على صحة ما ادعينا قولهم: بنات مخاض وبنات

стр. 389

لبون وبنات آوى، ولم يقولوا: أبناء لبون أو بنو مخاض، وقد ذكر عن الأخفش: بنو عرس وبنو نعش. فأما ابن مخاض وابن لبون فلم يذكر في جمعها اختلاف، فالتقييد الذي ورد في الحديث بنت مخاض أنثى، وبنت لبون أنثى لرفع الاشتباه بما ذكرناه من النظائر. وفيه: (ففيها حقة طروقة الجمل)، الحق بالكسر ما كان من الإبل ابن ثلاث سنين، وقد دخل في الرابعة والأنثى حقة وحق أيضاً سمى بذلك لاستحقاقه أن يحمل عليه وينتفع به. يقال: هو حق بين الحقة، وهو مصدر وطروقة الحمل التي بلغت أن يضربها الفحل. وفيه: (ففيها جذعة)، يقال: للإبل في السنة الخامسة: أجذع وجذع، وهو اسم له في زمن ليس بن تنبت، ولا تسقط، والأنثى جذعة. وفيها: (فإذا زادت على ثلثمائة ففي كل مائة شاة ..) المراد من الزيادة على ثلثمائة وهو مائة أخرى؛ لأنه علق الصدقة الواجبة فيها بمائة مائة، ثم قال (فإذا زادت)، تقل أن الزيادة اللاحقة بها مائة كاملة، ولم ينقل خلاف ذلك إلا في قول شاذ متروك. وفيه: (ولا تخرج في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار). أراد بالهرمة التي نال منها كبر السن, وأخر بها، ولا ذات عوار أي: عيب، يقال: سلعة ذات عوار، بفتح العين، وقد تضم. وفيه: (ولا تيس إلا ما شاء المصدق). رواه أبو عبيد، بفتح الدال وتشديدها وهو الذي يعطي صدقة ماشيته، وخالفه عامة الرواة فقالوها بكسر الدال والتشديد، وهو الذي يأخذ الصدقات، وأكثر ظني أني وجدته في بعض المرويات بتشديد الصاد، وهو في معنى ما رواه أبو عبيد، وأصله المتصدق فقلبت التاء صاداً فأدغمت في مثلها، وبه ورد التنزيل ﴿إن المصدقين والمصدقات﴾ وقل من يتابع أبا عبيد في روايته هذه، وقد وجدت أبا جعفر الطحاوي يختار رواية أبي عبيد (وينصرها)، ويقول: هو عندي كما قال أبو عبيد: لأنه [...] على الذي وجب عليه، كان حراماً على العامل أخذه لما فيه من الزيادة على الواجب، وإن كان دونه كان حراماً عليه أن يأخذه بما عليه، وإن كان مثله في القيمة فهو خلاف النوع الذي أمر بأخذه لوجوبه على رب المال فحرام عليه أخذه بغير طيب نفس من صاحبه، فعلم أنه لم يرد به العامل، وإنما أراد به رب المال لأن [...] أو مثل ما عليه من نوع آخر. قلت: ولعل الذي يأخذ بهذا القول يجعل الاستثناء مختصاً بقوله: ولا تيس لأن رب المال ليس له أن يخرج في صدقته ذات عوار، وأما التيس فإنه وإن كان غير مرغوب فيه لنتنه وفساد لحمه فإنه ربما زاد على خيار النغم في القيمة لطلب الفحولة، ويشهد لهذا التأويل ما ورد في بعض طرق هذا الحديث: (ولا تيس الغنم) [١٤٣/أ] أي الفحل الذي يضربها، والذي ذكرناه من كلام أبي جعفر، وإن كان صحيحاً فإن الرواية التي ذهب إليها الجمهور [....] العامل إذا كان [....] النظر والمصلحة؛ لأنه أبعد من الشبهة فهو يسعى لغيره ورب المال يسعى لنفسه. وفيه: (ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة ...). اختلف العلماء في تأويله فمنهم من يقول: هو أن يكون للرجل مائة وعشرون شاة، فالواجب فيها شاة فإن فرقها المصدق فجعلها أربعين أربعين كان فيها ثلاث شياه، وكذا إن كانا شريكين متفاوضين لا يجمع بين أغنامها ولا يجمع

стр. 390

بين متفرق به، والرجلان بينهما أربعون شاة، فإن جمعها كان فيها شاة وإن فرقها لم يكن فيها شيء وهذا قول أبي حنيفة في تأويله ومنهم من يقول: هو أن يكون لكل واحد منهما أربعون شاة، فإذا أظلهما المصدق جمعوها لئلا يكون فيها إلا شاة واحدة. (ولا يفرق بين مجتمع) هو أن الخليطين إذا كان لكل واحد منهما مائة شاة وشاة فيكون عليهما ثلاث شياه، فإذا أظلهم المصدق فرقا غنمهما فلم يكن على كل واحد منهما إلا شاة [وشاة فيكون عليهما، فلم يكن على كل واحد منهما إلا شاة]، وهو قول مالك، ومنهم من يقول: (لا يجمع بين متفرق) رجل له مائة شاة وشاة ورجل له مائة شاة فإذا تزكيا متفرقين ففيهما شاتان وإذا جمعتا ففيها ثلاث شياه، (ولا يفرق بين مجتمع) أي لا يفرق بين ثلاثة خلطاء في عشرين ومائة شاة فإنما عليهم شاة فإذا فرقت [...] وهو قول الشافعي- ﵁ قال: والخشية خشيتان، خشية الساعي أن تقل الصدقة، وخشية رب المال أن يكثر. روينا هذا القول عن الطحاوي عن المزنى عن الشافعين وقد قيل غير هذه الأقاويل لم نوردها حذراً عن الإسهاب. وفيه: (وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية ..). معنى هذا الكلام على قول من ذهب إلى أن الخلطة لها تأثير في حكم الصدقة بين ظاهر، وأما من قال لا حكم للخلطة على ما ذكره القائلون بها، وإنما الحكم للأملاك دون ما سواها، فإنه يقول: معنى هذا القول ان يكون الرجلان لهما مائة وعشرون شاة لأحدهما الثلثان وللآخر الثلث وطالبهما المصدق غير منتظر قسمة تلك الأغنام فإنه يأخذ من جملتها شاتين فما أخذ من الحصتين جائز عن المالكين فصاحب الثلثين يأخذ منه شاه وثلث شاة، وقد لزمه في الصدقة شاة، وصاحب الثلث قد أخذ منه ثلثا شاة، وقد لزمه شاة فيتراجعان بينهما بالسوية، يرجع صاحب الثمانين على صاحب الأربعين في غنمه بثلث شاة الذي أخذ [بحصته] عن الغنم بحصة زكاته حتى يرجع حصة صاحب ثمانين من الغنم إلى تسع وسبعين، وحصة صاحب الأربعين إلى تسع وثلاثين. (وفي الرقة ربع العشر) الرقة: الدراهم المضروبة، وأصله الورق والهاء عوض من الواو [١٤٣/ب] ويجمع على رقين، وفي أمثالهم إن الرقين تغطى أفن الأفين. [١٢١٦] ومنه قوله ﷺ في حديث ابن عمر- ﵄: (أو كان عثرياً ..) العثري بالتحريك: العذين وهو الزرع الذي لا يسقيه إلا ماء المطر. [١٢١٧] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (العجماء جرحها جبار .. الحديث).
следующие страницы →