← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18569

الميسر في شرح مصابيح السنة للتوربشتي

التوربشتي

Полный текст (1 323 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

قلت: قد تقدم في حديث عائشة ﵂ من هذا الباب: (أن النبي ﷺ كان مفرداً)، وفي حديث أنس: (أنه كان قارناً)، وذلك قوله: (وإنهم ليصرخون بهما جميعاً الحج والعمرة)، وأراد بذلك النبي ﷺ ومن أهل معه بما أهل هو به، وقد بين ذلك في حديث آخر، وهو حديث صحيح: قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: لبيك عمرة وحجاً معاً). وفي الصحاح: (أن بكر بن عبد الله المزنى وهو الراوي عن أنس ﵁ [أخبر] بهذا الحديث ابن عمر، فقال: (لبى بالحج وحده)، قال: فلقيت أنساً فحدثته بقول ابن عمر، فقال: ما تعدونا إلا صبياً، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لبيك عمرة وحجا معاً). قلت: والتوفيق بين هذه الروايات مشكل ولابد منه، فإن ترك هذه الروايات على حالها من الاختلاف من غير بيان جامع بينهما مجلبة للشك في أخبار الصادقين، وقد طعن فيها طائفة من الفئة الزائغة عن منهج الحق، فقالوا: اتفقتم أيتها الرواة على أن نبيكم لم يحج من المدينة غير حجة واحدة، ثم رويتم أنه كان مفرداً، ورويتم أنه كان قارناً، ورويتم أنه كان متمتعاً، وصيغة هذه الأنساك متباينة، وأحكامها مختلة وتزعمون أن كل هذه الروايات مقبولة لصحة أسانيدها وعدالة رواتها!! فأجاب عن ذلك جمع من العلماء، شكر الله سعيهم، وقد اخترنا عن ذلك جواباً نقل عن الشافعي- ﵁ وزبدته: أن من المعلوم في لغة العرب جواز إضافة الفعل إلى الآمر به، كجواز إضافته إلى الفاعل له، كقولك: بنى فلان داراً: إذا أمر ببنائها، وضرب الامير فلاناً: إذا أمر بضربه. ومن هذا الباب: رجك رسول الله ﷺ ماعزاً، وقطع يد سارق رداء صفوان به أمية، وكان أصحاب رسول الله ﷺ منهم المفرد، ومنهم القارن، ومنهم المتمتع، وكل منهم يصدر عن أمره وتعليمه، فجاز أن يضاف كل ذلك إليه. وقولاً ذكره الخطابي، قال: يحتمل أن يكون بعضهم سمعه يقول: لبيك بحجة، وخفى عليه قوله: وعمرة، فحكى أنه كان مفرداً فلم يحك إلا ما سمع، وسمعه آخر يقول: لبيك بحجة وعمرة، فقال: كان قارناً، ولا ينكر الزيادات في الأخبار كما لا ينكر في [...] قلت: وأكثره [٣١].

стр. 562

[بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل محمد وسلم تسليما كثيرا ومن قصة حجة الوداع من الصحاح: [١٧٧٦] حديث جابر- ﵁ أن رسول الله ﷺ مكث بالمدينة تسع سنين لم يحج. قلت: أما تركه الحج في الأعوام التي قبل الفتح، فلا افتقار إلى بيانه لوضوح العلة فيه وهي: أن الحج

стр. 563

لم يكن فرض، ثم إنه كان معنياً بحرب أعداء الله، مأموراً بإعلاء كلمة الله وإظهار دينه، فلم يكن ليتفرغ من هذا القصد الكلي والأمر الجامع إلى الحج الذي لم يفرض عليه. فإن قيل: أو لم يعتمر في تلك الاعوام؟ قلنا: نعم. ولكن الخطب فيها كان أيسر، ولهوان العمرة لم يكن لها موسم معين، فيتألب الاعداء لمناوأته وصده عن البيت، وكان قضاؤها بعد الصد أو الوات غير مشروع في زمان معين، والإتيان على أفعالها كان ممكنا في بعض يوم، وكان الأمر في الحج بخلاف ذلك كله، فهذه من جملة الموانع التي لأجلها ترك الحج، مع أنه كان عبداً مأموراً يراكب الأمر في تصاريف

стр. 564

أحواله، فأمر بها لم يؤمر بالحج، وأما بعد الفتح، فكان التح سنة ثمان، فإن هوازن وثقيفا وكثيرا منا لعرب كانوا حربا لرسول الله ﷺ متأهبين لقتاله، والظاهر أن الحج فرض بعد تلك الحجة؛ لأن النبي ﷺ أمر الناس بالحج في السنة التاسعة، وفيها أمر أبا بكر- ﵁ على الحج، ولم يأمر فيه قبل ذلك بشيء، وإنما خرج عتاب بن أسد- ﵁ بالمسلمين وهو أمير مكة، فوقف بهم الموقف والمشركون وقوف في ناحية، وكان الذي دفع بهم أبو سيارة العدواني. وقد ذهب قوم إلى أن تأخير الحج بعد التح إنما كان للنسئ المذكور في كتاب الله، وهو: تأخير الأشهر عن مواضعها، حتى عاد الحساب في الأشهر إلى أصله الموضوع الذي بدأ الله به في أمر الزمان، يوم خلق لسموات والأرض، وإليه أشار النبي ﷺ بقوله: (إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق السموات والأرض) وهذا التأويل في سنة عتاب بن أسيد محتمل، وفي العام الذي بعث أبا بكر أميرا على أهل الموسم غير محتمل؛ لأن النبي ﷺ ] لم يكن ليأمر بالحج في غير وقته المعلوم، وقد ذكر بعض أهل العلم بالسير أن الحج عام الفتح وقع في ذي القعدة على الحساب الذي ابتدعوه، وكانوا ينسئون كل عامين من شهر إلى شهر، وكان الحج عام حجة أبي بكر- ﵁ في ذي الحجة على الحساب

стр. 565

القويم، وإنما وجه استثنائه بالحج إلى السنة العاشرة- والله أعلم- هو أنه لم ير أن يحضر الموسم، وأهل الشرك حضور هناك؛ لأنه لو تركهم على ما يتدينون به من هديهم المخال لدين الحق، لكان ذلك وهنا في الدين، ولو منعهم لأفضى ذلك إلى التشاغل عما أرادوه من النسك بالقتال، ثم إل استحلال حرمة الحرم. وكان قد أخبر يوم التح (أن حرمتها عادت إلى ما كانت عليه، وأنه لم تحل له إلا ساعة من النهار)، فرأى أن يبعث الناس إلى الحج، وينادي في أهل الموسم (ألا يحج بعد العام مشرك) ليكون حجة خاليا من العوارض التي ذكرناها، وقد ذكرنا لذلك وجوها غيرها في (كتاب المناسك)، واكتفينا هاهنا بالقول الوجيز إيثاراً للاختصار. وفيه: (ثم ركب القصواء): قيل: إنما سميت قصواء، لسبقها، أي: كان عندها أقصى السير وغاية الجرى. قلت: القصواء من النوق: التي قطع أذنها حتى بلغ الجدع الربع، فإذا جاوزوه فهي عضباء، وإذا قطع منها شيء فهي جدعاء، وبكل ذلك ورد الحديث في وصفها، وقد تبين لنا من السنن الثابتة أن كل ذك صفة ناقة واحدة، وأن الرواة إنما استعملوها لتقاربها في المعنى. وقيل: العضباء هي المشقوقة الأذن، وقال قائلون من علماء العربي: إن العضباء لقب لناقة النبي ﷺ ولم تكن مشقوقة الأذن.

стр. 566

قلت: وعلى هذا فالظاهر أنها كانت سكاء الأذن، فاعتورتها هذه الأسماء، ظنا منا لواصفين أنها كذلك، وقد بينا الألفاظ المختلفة في وصفها على ما جاءت بها الروايات في (كتاب المناسك)، وشرحناها على وجه التسديد والتوفيق، فمن أحب التثبت فليراجعه. وفيه: (قال جابر: لسنا نعرف العمرة). أي: لسنا نعرفها في أشهر الحج، وكان أهل الجاهلية يرون العمرة في أشهر الحج في أفجر الفجور، وإنما كانوا يعتمرون بعد مضيها، والعمرة في أشهر الحج إنما شرعت عام حج رسول الله ﷺ ولم يكن ذلك قصدهم حين خرجوا. وفيه: (حتى انصبت قدماه في بطن الوادي): يقال: صببت الماء فانصب، أي: سكبته فانسكب، وانصباب القدمين عبارة عن انحدارهما بالسهولة [٣٤/] في صيب من الأرض، وهو ما انحدر منها، وقوله: (سعى) أي: عدا. وفيه: (وأصعدت قدماه) أي أخذتا في الصعود منا لوادي؛ والإصعاد: الذهاب في الأرض والإبعاد، سواء ذلك في صعود أو حدور، قال الله تعالى: ﴿إذ تصعدون ولا تلوون على أحد﴾ ومعناه في الحديث: ارتفاع القدمين من بطن المسيل إلى المكان العالي؛ لأنه ذكر في مقابلة الانصباب عند الهبوط في الوادي. وفيه (لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدى وجعلتها عمرة): المعنى: لو عملت من أمري في قبل منه ما علمته في دبر منه لجعلتها: الضمير عائد إلى الحجة؛ أي: جعلت الحجة عمرة كما أمرتكم به، وذلك أن النبي ﷺ رأي أن تكون الأنساك الثلاثة معمولاً بها، لئلا يظن ظان أن شيئاً منها متروك، ولما لم يكن يسعه أن يقوم بها جميعا فعل بعضها وأمر ببعضها ليأتسى كل منهم بما فعله، أو بما أمر به. ولما كانت الصحابة أشد الناس ولعاً باقتفاء هديه، وإيثار سنته لم يرد أن يكلهم إلى اختيارهم في ذلك، لأنهم لم يكونوا يعدلون غير صنيعه بما صنع، بل كانوا يهلون بما أهل هو به، ويدعون ما سوى ذلك، فلما أهل هو بهما اتبعه من عرف ذلك، أو قال: أهللت بما أهل به رسول الله ﷺ ، وقد كان غمار الناس مفردين؛ لأنهم كانوا لا يعرفون القران ولا التمتع، ولو تركوا على ما هم عليه بقى أحد الأنساك وهو التمتع، مهملاً غير معمول به، فأمر من لم يسق الهدى منهم أن يرفض حجته، ويجعلها عمرة، وهذا أمر خصوا به من بين الامة، لا يجوز لأحد بعدهم رفض الحج إلى العمرة، ورد ذلك الأحاديث الصحاح، فكأن القوم تداخلهم غضاضة عن ذلك، وشق عليهم ما أمروا به، حتى قالوا ننطلق إلى منى وذكرنا يقطر، فبلغ ذلك النبي ﷺ بما خامر ضمائرهم من الاضطراب، ولم يأمن عليهم الشيطان أن يزلهم، فقال: (لو استقبلت من أمري ..) الحديث؛ دفعاً لما استمر بهم من وحر الصدر، وإرشاداً لهم إلى أن الفضيلة كل الفضيلة في الائتمار بأمره، والإجابة إلى ما دعا إليه.

стр. 567

وفيه (دخلت العمرة في الحج ..) الحديث أي: دخلت في وقت الحج وأشهره، وكان أهل الجاهلية لا يرون ذلك على ما ذكرناه عنهم؛ فأبطل النبي ﷺ ما كانوا عليه بقوله هذا. وقيل: معنى دخول العمرة في الحج: أن فرضها ساقط بوجوب الحج، وقال القائلون بوجوب العمرة: إن المعنى: دخلت العمرة في أجزاء أفعال الحج، فاتحدتا في العمل، واستدلوا بقول سراقة: ألعامنا هذا؟ فقال: لولا وجوب أصله لما توهموا أن يتكرر، ولم يحتاجوا إلى المسألة، والتأويل هو (٣٥/ أ/ جـ ٢) الاول، وكان سؤال سراقة كان عن العمرة في أشهر الحج، لما فهم من قول الرسول ﷺ ، وأنى يستدل بهذا الحديث على وجوب العمرة، وجابر هو الذي روى عنه هذا الحديث في الجوامع الصحاح؛ كان شاهد الحال، وروى عن النبي ﷺ أنه سئل عن العمرة، أواجبة هي؟ قال (لا، وأن تعتمر فهو أفضل) وهذا الحديث أخرجه أبو عيسى في كتابه، وقال: هذا حديث حسن صحيح. قلت: ولو زعم زاعم التقدم في حديثه هذا على الذي شرحناه، قلنا: لم يكن جابر ليروي هذا عن النبي ﷺ بعد ما سمع خلافه، ثم إن حديثه في نفي الوجوب قول فصل، والذي يدعيه تأويل على سبيل الاحتمال، والصحابي الذي روى أنها غير واجبه بعد رسول الله ﷺ لو كان معنى قوله: (دخلت العمرة في الحج) عنده على ما رأيتم لبين في أحد الحدثين، والصحابي أعرف بوجوه الخطاب. وفيه: (حين فرضت الحج) أي ألزمته نفيه، وذلك بالتلبية أو بتقليد الهدى، أو بالنية بحسب ما يختلف العلماء فيه. وفيه: (وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة) نمرة: بفتح النون وكسر الميم الجبل الذي عليه أنصاب الحرم، عن يمينك إذا خرجت من مأزمى عرفة تريد الموقف، وبقديد: موضع آخر يقال له: نمرة. وفيه (أمر بالقصواء فرحلت له)، أي شد عليها الرحل، تقول: رحلت البعير أرحله رحلاً إذا شددت على زهره الرحل، قال الاعشى: رحلت سمية غدوة أجمالها .... غضبي عليك فما تقول بدا لها وفي: (إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا): أراد أموال بعضهم على بعض، وإنما ذكره مختصراً اكتفاء بعلم المخاطبين، حيث جعل (أموالكم) قرينة (دماءكم)، وإنما شبه ذلك في التحريم بيوم عرفة وبذى الحجة والبلد؛ لأنهم كانوا يعتقدون أنها محرمة أشد التحريم لا يستباح منها شيء، وفي تشبيه هذا مع بيان حرمة الدماء والأموال تأكيد لحرمة تلك الأشياء التي شبه بتحريمها تحريم الدماء والأموال. وفيه: (ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضع) أي أبطلت ذلك، وتجافت عنه حتى صار كالشيء الموضوع تحت قدمي؛ تقول العرب في الأمر الذي لا تكاد تراجعه وتذكره: جعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي. وفيه: (إن أول دم أضع من دمائنا دم ربيعة بن الحارث): بدأ في وضع دماء الجاهلية ورباها بين أهل الإسلام بأهل بيته؛ ليكون أمكن بين قلوب السامعين، وأسد لأبواب الطمع في الترخيص. وقوله: (من

стр. 568

دمائنا) أراد به أهل الإسلام لا ذوي القرابة منه، أي أبدأ في وضع الدماء التي تستحق أهل الإسلام ولايتها بأهل بيتي. وربيعة بن الحارث هو: ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب صحب رسول الله ﷺ ، وروى عنه، وكان أسن من العباس بن [عبد] المطلب، توفى في خلافة عمر- ﵁ (٣٥/ جـ ٢) وقد ذكر جمع من أهل العمل أن رواة هذا الحديث لم يصيبوا في (؟) دم ربيعة، وإنما الصواب: دم ابن ربيعة، وقد ألحق هذه الزيادة بنسخ من المصابيح، وزادهم ما في (؟) (كان مسترضعاً، التثبت فيما رأوه، أو رووه ولا نرى التسلم لهم مع إمكان تقرير معمى الحديث على ما وردت به الرواية عن علماء النقل وحفاظهم: (دم ربيعة)، وهي رواية البخاري؛ فنقول: إنما أضاف الدم إلى ربيعة؛ لأنه كان ولي الدم. وقوله: (كان مسترضعاً) راجع على القتيل، فلك بالكلام مسلك الإيجاز على طريق الحذف والإضمار. ومثل ذلك في الكلام حسن إذا قرن به دلالة عليه، ولم يخل هذا القول من ذلك؛ لأن الدم إنما يطالب به لعلع القتل، ويحتمل أنه أراد دم قتيل ربيعة، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه موضعه اعتماداً على اشتهار القضية بين السامعين، ويحتمل أن يكون هذا القول- أعني (كان مسترضعاً) في بني سعد- من قول بعض الرواة على وجه البيان. وفيه: (فإنكم أخذتموهن بأمانة الله): أي بعهده وهو ما عهد إليهم من الرفق بهن، والشفقة عليهن. وفيه: (واستحللتهم فروجهن بكلمة الله): أي بأمر الله وحكمه، والمعنى أن استحلالكم فروجهن وكونهن تحت أيديكم إنما كان بعهد الله وحكمه فيما شرع لكم من الدين؛ فإن نقضتم عهده الذي عهد إليكم فيهن انتقم منكم لهن. وفيه: (فإن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه): أي لا يستبددن بالإذن لمن تكرهون في الدخول عليهن، والتحدث عندهن، كما كان من عادة العرب، وفي ذلك تأكيد للنهي فيما نهى عنه بالحجاب. وإيطاء الفرش كناية عما ذكرنا، وليس من كنايات الزنا في شيء وقد بين ذلك قوله: (فاضربوهن ضرباً غير مبرح) أي غير مؤثر ولا شاق من قولهم: برح به الأمر تبريحاً أس جهده. ولو كان الإيطاء كناية عن الزنا لكانت عقوبتهن الرجم. وفيه: (فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه): الحبل بالحاء المهملة المستطيل من الرمل، وقيل: هو الضخم منه، وجمعه حبال/ وقيل: الحبال في الرمل كالجبال في غير الرمل. ونقل عن الأخفش أنه قال: الح جبل عرفة، وأنشد: فراح بها من ذي المجاز عشية .... تبادر أولى السابقات إلى الحبل قلت: وحبل المشاة رمل مستطيل، دونا لجبل، وأضيف إلى المشاة لاجتماعهم هنالك من الموقف توقيا عن مواقف الركاب، ودون حبل المشاة، ودون الصخرات، اللاصقة بفتح الجبل موقف الإمام، وبه كان رسول الله ﷺ يتحرى الوقوف، والرواية عندنا: (إلى الصخيرات) (٣٦/ أ/ جـ ٢) بإثبات ياء التصغير.

стр. 569

وفيه: (حتى أتى بطن محسر) محسر بكسر السين وتشديدها: واد معترض للطريق يقطع الطريق بالعرض مقدار غلوة، ويقال له أيضاً: وادي محسر. وفيه: (مثل حصى الخذف): الخذف الخاء والذال المعجمتين: الرمي بالأصابع، يريد أن كل حصاة كانت كالتي يجعلها الإنسان على إصبعه فيرمي بها. وفيه: (فنحر ما غبر): أي ما بقى، والغابر: الباقي، وهو من الأضداد. وبقية أحاديث هذا الباب مبينة بما تقدم من البيان. ومن باب دخول مكة والطواف (من الصحاح) [١٧٨٠] حديث: ابن عمر -رضى الله عنهما- (أنه كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى) ذو طوى موضع بمكة داخل الحرم، يفتح طاؤه ويضم، والفتح أشهر. وقد قيدها بعض الرواة بالكسر، ولا أحسبه صواباً. [١٧٨٢] ومنه حديث عروة بن الزبير: (حج النبي ﷺ فأخبرتني عائشة ﵂ أنه أول شيء بدأ به حين قدم أنه توضأ ثم طاف بالبيت ..) الحديث: (أنه) الضمير للنبي ﷺ ، ويحتمل أن يكون

стр. 570

للشأن، والأول مرفوع بالابتداء، والجملة من قوله (أنه توضأ ثم طاف بالبيت) خبره، وإذا لم يجعل الضمير للشأن فالجملة التي هي المبتدأ، وخبره يكون خبر إن، ويجوز أن ينصب (أول) على الظرف بعامل مضمر، وتكون (أن) الثانية بدلاً من الأولى، كأنه قال: فأخبرتني أنه توضأ ثم ضاف بالبيت أول شيء بدأ به. وفيه: (ثم لم تكن عمرة): كذلك هو في كتاب البخاري، وفي كتاب مسلم لم يذكر شيئاً من ذلك في حج النبي ﷺ ، وإنما ذكر في حج غيره، والذي رواه البخاري: (لم تكن عمرة) يحتمل أن يكون من قول عائشة، ويحتمل أن يكون من قول عروة، والذي يدل عليه نسق الكلام أنه من قول عروة، وأما قوله: (ثم حج أبو بكر) إلى تمام الحديث فإنه من قول عروة من غير تردد، ويدل على صحة ذلك سياق حديث مسلم، فإنه ذكر الحديث بطوله وفيه: (ثم حج عثمان فرأيته أول شيء بدأ به الطواف بالبيت) وفيه: (ثم حججت مع أبي الزبير بن العوام فكان أول شيء بدأ به الطواف)، وفي كتاب مسلم بعد ذكر حج أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم-﵃: (ثم لم يكن غيره) مكان رواية البخاري (ثم لم تكن عمرة). والمراد من قوله (لم يكن غيره): أي لم يكن هناك تحلل بالطواف من الإحرام؛ بل أقاموا على إحرامهم حتى نحروا هديهم، عرفنا هذا المعنى من أصل الاختلاف الذي دار بين عروة والذي خالفه في الفتوى، فإن في أول الحديث (٣٦ ب/ج ٢) عن محمد بن عبد الرحمن ان رجلاً من أهل العراق قال له: سل لي عروة بن الزبير عن رجل يهل بالحج فإذا طاف بالبيت أيحل أم لا؟ فإن قال لك: لا يحل فقل له إن رجلاً يقول ذلك؛ وأشار السائل بذلك أن له أن يجعلها عمرة، وهذا القول راجع إلى ما ذكرنا من تمتع أصحاب النبي ﷺ ، وقد ذكرنا أن ذلك شيء خصوا به عامئذ، ولم يكن لأحد بعدهم، بعد عامهم ذلك أن يصنعه، وفي معناه ما في كتاب البخاري، وهو الذي أورده المؤلف في كتاب المصابيح، (ثم لم تكن عمرة) أي لم يحلوا عن إحرامهم ذلك ولم يجعلوها عمرة. [١٧٨٥] ومنه حديث: ابن عمر- ﵁ أنه سئل عن استلام الحجر فاستلمه) الحديث:

стр. 571

استلم الحجر: لمسه، إما بالقبلة أو باليد، ولا يهمز؛ لأنه مأخوذ من السلام بكسر السين، وهو الحجر. وقوله: رأيت رسول الله ﷺ يستلمه ويقبله، فإنه أراد به هاهنا اللمس باليد لذكره التقبيل بعد الاستلام. [١٧٨٩] ومنه حديث أبي الطفيل وهو عامر بن واثلة- ﵁: (رأيت النبي ﷺ يطوف بالبيت، ويستلم الركن بمحجن معه، ويقبل المحجن) المحجن: خشبة في رأسه اعوجاج كالصولجان، قلت: لما كان من حق الملوك على من ينتابهم من الوفود أن يقبلوا أيمانهم، وكان الحجر للبيت بمثابة اليد اليمنى شرع التقبيل للوافدين إليه، والطائفين به، إقامة لشرط التعظيم فإن منع عنه مانع فالسنة فيه أن يشير إليه بيده، ثم يقبل يده، والمعنى أني رمت التقبيل فحجزني عنه حاجز، فها أنا أقبل اليد التي تشرفت بالإشارة إليك، مكان ما قد فاتني. قلت: وقد وجد في تقبيل النبي ﷺ المحجن من التعظيم ما لا يوجد في تقبيل اليد نفسها؛ لأنه أبلغ في بيان المقصد، وأقرب إلى التواضع، وأبعد من تهمة الترفع، وشبهة الاشتراك. [١٧٩٠] ومنه حديث عائشة- ﵂ (فلما كتا بسرف): سرف بفتح السين وكسر الراء: اسم

стр. 572

موضع على ستة أميال من مكة، وقيل على سبعة، وهو مذكر مصروف ومن أصحاب الحديث من يرى أنه غير منصرف فيرويه مفتوحة الفاء. وقد غلط بعضهم في حديث عمر- ﵁ أنه حمى السرف والربذة، فرواه بالسين المهملة، ورأى أن بالمدينة موضعاً آخر يسمى سرفاً، وليس بصحيح، وإنما هو بالشين المعجمة. كذلك رواه ابن وهب المصري، وصوبه أهل العلم فيه. وفيه: (لعلك نفست) أي: حضت، يقال: نفست المرأة ونفست: إذا ولدت فإذا حاضت، قلت: نفست- بفتح النون لا غير. وفيه: (حتى تطهري) الرواية فيه بالتخفيف. (ومن الحسان) [١٧٩٥] حديث ابن عباس-﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (نزل الحجر الأسود من الجنة ..) الحديث: هذا الحديث أخرجه أبو عيسى (٣٧/أ/ج ٢) في كتابه، وذكر أنه حديث حسن صحيح، ووجدنا لفظ كتابه فيما نعتمد عليه من النسخ التي قام بتقويمها أقلام الحفاظ: (نزل الحجر الأسود) بغير ألف ولام، على صيغة الإضافة، وقد ذكرنا فيما تقدم أن العرب ربما أضافت الشيء إلى نفسه عند اختلاف اللفظين؛ كقولهم: مسجد الجامع، ومثله قولنا في: حجر الأسود. وهذا يحتمل أن يراد منه ما دل عليه الظاهر، ويحتمل أن يؤول على ما يستقيم عليه المعنى من باب الاتساع، ولسنا نرى- بحمد الله- خلاف الظواهر في السنن إلا إذا عارضه من السنن الثوابت ما يحوج إلى التأويل، أو وجدنا اللفظ في كلامهم بين الأمر في المجاز والاستعارة، فسلكنا به ذلك المسلك، وإذ قد عرفنا من أصل الدين بالنصوص الثابتة أن الجنة وما احتوت عليه من الجواهر مباينة لما خلق في هذه الدار الفانية في حكم الزوال والفناء، وإحاطة الآفات بها، فإن ذلك خلق خلقاً محكماً غير قابل لشيء من ذلك وقد وجدنا الحجر أصابه الكسر حتى صار فلقاً، وذلك من أقوى أسباب الزوال لم نستبعد فيه مذهب التأويل، وذلك بأن نقول: جعل الجحر لما وضع فيه من الأنس والهيبة واليمن والكرامة كالشيء الذي نزل من الجنة، وأراد به مشاركته جواهر الجنة في بعض أوصافها، ومثله قول ﷺ : (العجوة من الجنة) وقد علمنا أنه أراد بذلك مشاركتها ثمار الجنة في بعض ما جعل فيها من الشفاء والبركة بدعائه ﷺ بذلك فيها، ولم يرد ثمار الجنة نفسها، للاستحالة التي شاهدنا فيها، كاستحالة غيرها من الأطعمة، ولخلوها عن النعوت، والصفات الواردة في ثمار الجنة. وتأويل قوله: (نزل من الجنة) أي الصفات الموهوبة لها، قال الله

стр. 573

تعالى: ﴿وأنزلنا الحديد﴾ وقال: ﴿وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج﴾ فحمل الإنزال على معنى القضاء والقسمة. ومنهم من ذهب فيه إلى معنى الخلق، ومنهم من أقام إنزال الأسباب فيها مقام إنزالها نفسها. وأما قوله ﷺ : (وهو أشد بياضاً من اللبن)، فمعناه أن الحجر كان من الصفاء والنورانية [على هذا النعت]؛ فسودته خطايا بني آدم، ومعنى هذا القول-والله أعلم- أن كون بني آدم خطائين مقتحمين على موارد الهلكات، اقتضى أن يكون الحجر على الشاكلة التي هو عليها من السواد لئلا يتسارع إليهم المقت والعقوبة من الله تعالى؛ فإن كل من شاهد آية خارقة للعادة، ثم بخس بحقها استحق الطرد من الله فأضيف التسويد إلى الخطايا؛ لأنها كانت (٣٧ ب/ج ٢) السبب في ذلك. ومن الدليل على هذا التأويل قوله ﷺ في حديث عبد الله بن [عمر]﵄: (إن الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة، طمس الله نورهما، ولو لم يطمس نورهما لأضاءا ما بين المشرق والمغرب) فالذي طمس نورهما هو الله سبحانه، حكمة بالغة منه في المعنى الذي ذكرناه. ثم لمعنى آخر؛ وهو أن كونه أتم فائدة في الحال المكلفين؛ لأنهم إذا عظموه حق تعظيمه من غير مشاهدة آية باهرة صح إيمانهم بالغيب، وذلك من أعلى مقامات أهل الإيمان، فيكون من أجدي الأشياء في محو الخطايا؛ لاقتضائها ذلك من طريق الحكمة. ولقد ذكر بعض الأصولية عن بعض الفضولية، بل عمن لا خلاق له في الدين- كلاماً في هذا الحديث لم يعد عليه بفائدة غير الإيهام بتوهين أمر الدين، والتصدي للطعن في صحابة الرسول ﷺ ، وفيما نقلوه فعارضه بنقل عن محمد بن الحنفية-﵁ وعن أبيه كبيت العنكبوت، زعم هذا القائل أن ابن الحنفية رد على ابن العباس حديثه هذا، ثم لم يقنع بهذا القول المنحول حتى كد قريحته السقيمة، وأعمل رويته الخبيثة، فقال: لو كان هذا الذي رووه من تسويد خطايا بني آدم الحجر واقعاً لتناقلته الأمم في عجائب الأخبار، ولقد أجبت عن ذلك كله في كتاب المناسك، وأعطيت القول في حقه في موضعين منه، ولم أر ترديد القول ههنا؛ إيثاراً للاختصار [والله أعلم] [١٧٩٦] ومنه حديثه الآخر، قال رسول الله ﷺ في الحجر: (ليبعثنه الله يوم القيامة ..) الحديث: البعث: نشر الموتى، ولما كان الحجر من جملة الموات وأعلم نبي الله أن الله قد قدر أن يدب له حياة يوم القيامة يستعد به للنطق، ويجعل له آلة يتميز بها بين المشهود له وغيره، وآلة يشهد به- شبه حاله

стр. 574

بالأموات الذين كانوا رفاتاً، فبعثوا لاستواء كل واحد منهما في انعدام الحياة أولاً، ثم في حصوله ثانياً. وفيه (يشهد لمن استلمه بحق): المستلم بحق هو المؤمن بالله وبرسله، لوقوع فعله ذلك مطابقاً لأمر. [١٧٩٧] ومنه حديث عبد الله بن عمر-﵄: يقول: (إن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة) الحديث: لما كان الياقوت (٣٨/أ/ج ٢) من أشرف الأحجار، ثم كان بعد ما بين ياقوت هذه الدار الفانية وياقوت الجنة أكثر مما بين الياقوت وغيره من الأحجار علمنا أنها من ياقوت الجنة لنعلم أن المناسبة الواقعة بينهما وبين الأجزاء الأرضية في الشرف والكرامة والخاصية المجعولة لهما كما بين ياقوت الجنة وسائر الأحجار، وذلك مما لا يدرك بالقياس وأما قوله: (كمس الله نورهما) فقد مر بيانه. [١٧٩٩] ومنه قول عبد الله بن السائب-﵁ في حديثه: (فيما بين ركن بني جمح): أراد به الركن اليماني، وإنما أضافه إلى بني جمح، وهم بطن من قريش؛ لأن مساكنهم كانت من ذلك الشق

стр. 575

ومن باب الوقوف بعرفة (من الصحاح) [١٨٠٥] حديث عائشة-﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ما من يوم أكثر من أن يعتق فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ..) الحديث: أي يدنو منهم في موقفهم بفضله ورحمته، وفي تخصيص لفظ الدنو بهذا الموضع تنبيه على كمال القرب؛ لأن الدنو من أخص اوصاف القرب. وفيه: (يباهي بهم الملائكة): المسباهاة هي الفاخرة، [وموضعه] للمخلوقين فيما يترفعون به على أكفائهم، وتعالى الله الملك الحق عن التعزز بما اخترعه ثم تعبده وإنما هو من باب المجاز، أي: يحلهم من قربه وكرامته بين أولئك الملأ، محل الشيء المباهي فيه، ويحتمل أن يكون ذلك في الحقيقة راجعاً إلى أهل عرفة، أي: ينزلهم من الكرامة منزلة تقتضي المباهاة بينهم، وبين الملائكة. وإنما أضاف الفعل إلى نفسه تحقيقاً لكون ذلك من موهبته [والله أعلم] (ومن الحسان) [١٨٠٦] حديث يزيد بن شيبان-﵁: (كنا في موقف لنا بعرفة يباعده عمرو عن موقف

стр. 576

الإمام جدا). الحديث: قوله: (في موقف لنا) يدل على أن قومه كانوا يقفون قبل الإسلام موقفهم ذلك، وقوله (يباعده) أي يجعله بعيداً في وصفه إياه بالبعد. و (جدا) نصب على المصدر، أي: يجد في التبعيد جدا، والتباعد يجيء في كلامهم بمعنى التبعيد، وبه ورد التنزيل: ﴿ربنا باعد بين أسفارنا﴾. وفيه: (فأتانا ابن مربع) هو زيد بن مربع الأنصاري من بني حارثة، كذا ذكره الإثبات من علماء النقل. وقيل: عبد الله بن مربع بن قبطي. والميم من مربع مكسور. وفيه: (قفوا على مشاعركم): المشاعر جمع مشعر، والمراد منها هاهنا مواضع النسك، ويسمى كل موضع من مواضع النسك مشعراً لأنه معلم لعبادة الله. وفيه: (على إرث من إرث أبيكم إبراهيم ﵇: أعلمهم أنهم لم يخطئوا سنة خليل الله، وذلك؛ ان قريشاً ومن دان دينهم كانوا لا يرون الخروج عن الحرم للوقفة (٣٨ ب/ج ٢) ويقولون نحن قطان الحرم فلا ندعه بحال، وكان غيرهم من العرب يقفون بعرفات، فلما حج رسول الله ﷺ ، ووقف موقفه الذي يقف دونه الإمام، أعلم من وقف بها أنه على منهاج إبراهيم-﵇ وأن من بعد موقفه عن موقف النبي ﷺ كمن دنا، وذلك منه لمعنيين: أحدهما تسفيه رأي من رأى في الخروج عن الحرم حرجاً للوقفة. والثاني: إعلامهم بأن عرفة كلها موقف لئلا يتنازعوا في مواقفهم، ولا يتوهموا أن الموقف ما اختاره رسول الله ﷺ فلا يرون الفضل في غيره، فينتهي بهم ذلك إلى التشاجر، وإلى تصور الحق باطلاً ولهذا قال: (وقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف) وفي معناه حديث جابر الذي يتلوه. [١٨٠٩] ومنه حديث عبد الله بن عمرو-﵁ أن النبي ﷺ قال: (خير الدعاء دعاء يوم عرفة ..) الحديث: خير الدعاء أي خيره لصاحبه وأنفعه، وذلك لكونه أعجل إجابة، وأجزل ثواباً،

стр. 577

وفيه: (وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له ..) الحديث ... إنما سماه دعاء لأنه في معرض الدعاء، وفي معناه. وقد سئل سفيان الثوري عن هذا الحديث فقيل له: هذا هو الثناء فأين الدعاء؟ فأنشد قول أمية بن أبي الصلت في ابن جدعان: أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياة إذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاه من تعرضه الثناء وقد ذكرنا فيه وجوهاً في كتابنا الموسوم (بمطلب الناسك) [١٨١٠] ومنه قوله ﷺ في حديث طلحة بن عبد الله بن كريز: (ولا أدحر) أي: أبعد وأذل، والدحور: الطرد والإبعاد، وقد دحره. وفيه: (رأى جبريل يزع الملائكة) أي يكفهم، فيحبس أولهم على آخرهم. ومنه الوازع وهو الذي يتقدم الصف فيصلحه ويقدم في الجيش ويؤخر. وطلحة هذا من تابعي الشام، وأبوه عبد الله، ووجدنا في بعض نسخ المصابيح جعلوا عبيد الله مكان عبد الله، وهو غلط، وطلحة بن عبيد الله هو المشهود له بالجنة [من جملة العشرة المشهود لهم بالجنة-﵃]، وكريز جده، بفتح الكاف وكسر الراء. [١٨١١] ومنه قوله ﷺ في حديث جابر ﵁ (فتقول الملائكة: يارب فلان كان يرهق) أي يتهم بالسوء، والهاء منه مشددة، وفي حديث أبي وائل: صلى على امرأة كانت ترهق) أي تزن بالهنات،

стр. 578

ويقال: فيه رهق أي: غشيان للمحارم. ويقال للذي يفعل (٣٩/أ/ج ٢) ذلك المرهق- بتشديد الهاء وتخفيفها أيضاً وهي مفتوحة في الصيغتين. ويكون قول الملائكة هذا على سبيل الاستعلام، ليعلموا هل دخل ذلك المرهق في جملتهم أم لا، كأنهم قالوا: إن فيهم فلاناً، ومن شأنه كيت وكيت. فماذا صنعت به، أو يكون سؤالهم هذا من طريق التعجب، وعلى هذا النحو من المعنى يحمل قوله ﷺ في غير هذا الحديث: (إن فيهم فلاناً الخطاء) ولا يصح حمله على غير ذلك، فإنهم أعلم بالله من أن يسبق عنهم مثل هذا القول على سبيل الإعلام او الاعتراض. ومن باب الدفع من عرفة والمزدلفة (من الصحاح) [١٨١٢] حديث أسامة ﵁، أنه سئل: كيف كان رسول الله ﷺ يسير في حجة الوداع حين يدفع؟ الحديث: دفع أي: دفع من عرفات، والدفع يستعمل قي الإضافة من عرفة إلى مزدلفة، وأرى ذلك لأن الناس في مسيرهم ذلك مدفوعون، كانه يدفع بعضهم بعضاً، وقيل: حقيقة دفع أي: دفع نفسه عن عرفة ونحاها. وفيه: (يسير العنق): العنق: ضرب من سير الدابة والإبل، وهو سير مسيطر قال الراجز: يا ناق سيري عنقاً فسيحاً ... إلى سليمان فتتريحا وانتصاب العنق على المصدر؛ لأن العنق مجانس للسير في المعنى، إذ هو ضرب من السير، فصار كقولهم: سار سيراً، ويجوز أن يكون في الكلام موصوف ومحذوف، كأنه قال: يسير السير العنق. ومثل ذلك قولهم: رجع القهقري، وقعد القرفصاء، واشتمل الصماء. وفيه: (فإذا وجد فجوة نص): الفجوة: الفرجة بين الشيئين وأراد بها هاهنا المكان الذي يخلو عن المارة، فيقع الفرجة بينهم، والنص: السير الشديد، حتى يستخرج أقصى ما عندها. [١٨١٣ [ومنه قوله ﷺ في حديث ابن عباس- رضي [عنهما]: (فإن البر ليس بالإيضاع): أي ليس البر في الحج، وهو أن يوفق صاحبه في قضاء نسكه بالإصابة واجتناب الرفث والفسوق، ويتداركه الله بالقبول بالإيضاع: وهو حمل الدابة على إسراعها في السير، يقال: وضع البعير وغيره أي أسرع في سيره وأوضعه راكبه.

стр. 579

(ومن الحسان) [١٨٢١] حديث محمد بن قيس بن مخرمة: خطب رسول الله ﷺ فقال: (إن أهل الجاهلية كانوا يدفعون من عرفة حين تكون الشمس كأنها عمائم الرجال في وجوههم قبل أن تغرب) الحديث: أي حين

стр. 580

تكون الشمس في وجوههم كأنها عمائم الرجال، وذلك بأن تقع [من] الجهة التي تحاذى وجوههم، وإنما قال: في وجوههم ولم يقل: على رءوسهم لأن الشمس إذا وجبت للغروب فواجهها الإنسان أخذت بضوئها ما قابلها به، ولم تتعد إلى ما فوقه من الرأس لانحطاطها (٣٩ ب/ج ٢) وكذلك وقت الطلوع، وإنما شبهها بعمائم الرجال لأن الإنسان إذا كان بين الشعاب والأدوية في أحد هذين الوقتين لم يصبه من شعاع الشمس إلا الشيء اليسير الذي يلمع في جبهته لمعان بياض العمامة، والظل يستر منه بقية وجهه وبدنه، فإذا نظر الناظر إليه وجد ضوء الشمس في وجهه مثل كور العمامة فوق الجبين، والمراد منه أن أهل الجاهلية كانوا يفيضون من عرفة وقد بقيت من الشمس بقية، ويدفعون من المزدلفة إلى مني وقد بدا حاجب الشمس، وسنتنا نحن أن نفيض بعد الغروب، وندفع قبل الطلوع (هدينا مخالف لهدى الأوثان والشرك)، أي سيرتنا مخالفة لسيرة عبدة الأوثان وأهل الشرك. [١٨٢٢] ومنه حديث ابن عباس ﵁، قدمنا رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة أغيلمة بني عبد المطلب) الحديث ... أغيلمة نصب على التفسير للضمير الذي في قوله: قدمنا. وأغيلمة تصغير غلمة، على غير مكبره وكأنهم، صغروا أغلمة، وإن كانوا لم يقولوه، كما قالوا في تصغير الصبية أصيبية، والغلمة جمع غلام، وهو جمع القلة، وجمع كثرة غلمان. وفيه: (على جمرات فجعل يلطح أفخاذنا): جمرات جمع جمار، ويجمع الجمار على جمير، وجمر، وجمرات، وأجمرة، و (يلطح أفخاذنا) أي: يضربها ببطن كفه، واللطح بالحاء المهملة: هو الضرب اللين على الظهر ببطن الكف وفيه: (أبيني لا ترموا الجمرة) قال بعض علماء اللغة: تصغير أبناء: أبيناء، وإن شيءت أبينون على غير مكبره، كان واحدة ابن مقطوع الألف، فصغره فقال: أبين، ثم جمعه فقال: أبينون، قال الشاعر: من يك لا ساء فقد ساءني ... ترك أبيتيك غلى غير راع وفي الحماسة: يسدد أبينوها الأصاغر خلتي حذف النون فيهما للإضافة، وقد نقل بعض أهل النقل عن أبي عبيد أنه قال: هو تصغير بني، ونقل أيضاً أنه قال تصغير ابن، وقد رد عليه بعض المتأخرين من النحاة فقال: هو خطأ، والألف في ابن للوصل، وهو مفرد، ولا يقال فيه أبنون فكيف يتصور ذلك؟ ثم قال: وعند سيبويه تصغير ابني على وزن أعمي، وهو اسم مفرد يدل على الجمع. والجموع إذا صغرت يصغر آحادها، ثم يجمع بالواو والنون إذا كان الاسم مذكراً، وبالألف والتاء إذا كان مؤنثاً، فابني إذا صغر قيل: أبين مثل أعيم، ثم يجمع أبينون.

стр. 581

[١٨٢٣] ومنه حديث عائشة ﵂، أرسل النبي ﷺ بام سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ..) الحديث--- ذهب بعض العلماء بناء على هذا الحديث أن الحج لو رمى جمرة العقبة بعد النصف من ليلة النحر أجزاه ذلك، وقد سبقوا فيه بالخلاف (٤٠ أ/ج ٢) ممن تقدمهم. وقد ذكر الطحاوي أن هذا الحديث لم يسنده غير أبي معاوية، وقد اختلف عليه فيه، فروى أنه- يعني النبي ﷺ أمراها أن توافي معه صلاة الصبح بمكة، وهذا خلاف الأول. قلت: وفيه من الغلط ما لا يخفى على من تدبره؛ فإن النبي ﷺ لم يحضر صلاة الصبح بمكة يوم النحر، ولم يكن ليفعل ذلك ولا ليأمر به، قال: وروى عن أبي عبد الله احمد أنه قال: لم يسنده غير أبي معاوية، وهو خطأ. قال الطحاوي: وقد روى عن عائشة ان النبي ﷺ أمر أسلمة أن تصلي الصبح يوم النفر بمكة، وكان يومها، فأحب أن توافيه قلت: وهذا أشبه الروايات بالصواب. باب رمي الجمار [١٨٢٧] ومنه قول ابن مسعود ﵁، (هكذا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة): (إنما ذكر سورة البقرة؛ لأنها السورة المحتوية على أمهات المناسك، ويحتمل أنه أراد الذي أنزل عليه القرآن، فاكتفى بذكر تلك السورة لكونها أطول السور، والأول أمثل.

стр. 582

[١٨٢٨] ومنه: قوله ﷺ في حديث جابر ﵁: (الاستجمار تو): الاستجمار: الاستنجار بالأحجار، والتو: الفرد، يقال: جاء رجل توا إذا جاء وحده، ووجه فلان من خيله بألف تو أي بألف واحد. [١٨٢٩] ومنه: حديث قدامة بن عبد الله بن عمار: رأيت النبي ﷺ يرمي الجمرة يوم النحر على ناقة صهباء ..) الحديث--- الصهباء: التي يخالط بياضها حمرة وذلك بأن يحمر أعلى الوبر ويبيض أجوافه. وفيه: (وليس قيل إليك إليك) قيل: مرفوعة اللام وهو (مصدر تقول)، قلت قولاً وقيلاً وقالاً، والمعنى: لم يكن الوازع يمشي بين يديه فيطرد الناس عنه، ومعنى قوله: إليك عن الطريق كقولك إليك عني أني تنح عني وتأخر، وذلك كمثل قولهم: الطريق الطريق. ومن باب الهدى (من الصحاح) [١٨٣٢] حديث ابن عباس ﵄، (صلى رسول الله ﷺ الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته فأشعرها ..) الحديث: أراد ناقته التي أراد أن يجعلها في هداياه، فاختصر الكلام أو كانت هذه الناقة من

стр. 583

جملة رواحله فأضافها إليه. وأشعر الهدى إذا طعن في سنامه الأيمن حتى يسيل منه دم، ليعلم أنه هدى، من قولهم: شعرت كذا أي علمت. ومنه الإشعار في الحرب، وهو ما يشعر به الإنسان (٤٠ ب/ج ٢) نفسه في الحرب، أي يعلم. وقوله: (وسلت الدم) أي: أماطة، وأصله القطع، يقال: سلت الله أنفه، أي: جدعه، وفي بعض طرق هذا الحديث: (وأماط عنه الدم). قلت: وقد كان هذا الصنيع معمولاً به قبل الإسلام؛ وذلك لأن القوم كانوا أصحاب غارات لا يتناهون عن الغصب والنهب، ولا يتماسكون عنه، وكانوا مع ذلك يعظمون البيت وما أهدى إليه، ولا يرون التعرض لمن حجه او اعتمره، وكانوا يعلمون الهدايا بالإشعار والتقليد؛ ذلك بأن يقلدوها نعلاً، أو عروة مزادة، أو لحاء شجرة، لئلا يتعرض لها متعرض، فلما جاء الله بالإسلام، أقر ذلك لغير المعنى الذي ذكرناه؛ بل ليكون مشعراً بخروج ما أشعر عن ملك صاحبه، وجعلها مجعل ما يتقرب منه إلى الله، وليعلم أنه هدى، فإن نفر لم يركب ولم يحلب، ولم يختلط بالأموال، ولم يتصرف فيه كما يتصرف في اللقطة، وإن عطب لم يؤكل منه، إلا على الوجه الذي شرع. هذا وقد اختلف في الإشعار بالطعن وإسالة الدم؛ فرآه الجمهور، ونفر عنه نفر يسير، وقد صادفت بعض علماء الحديث يشدد في النكير على من يأباه حتى أفضى به مقالته إلى الطعن فيه، والادعاء بأنه عاند رسول الله ﷺ في قبول سنته ويغفر الله لهذا الفرح بما عنده؛ كيف سوغ الطعن في أئمة الاجتهاد وهم لله يكدحون وعن سنة النبي ﷺ يتناضلون، فأنى يظن بهم ذلك؟ أو لم يدر أن سبيل المجتهد غير سبيل الناقل، وأن ليس للمجتهد أن يتسارع إلى قبول النقل والعمل به إلا بعد السبك والإتقان، وتصفح العلل والأسباب، فلعله علم من ذلك ما لم يعلمه، أو فهم منه ما لم يفهمه، وأقصى ما يرمى به المجتهد في قضية يوجد فيها حديث فخالفه: أن يقال: لم يبلغه الحديث، أو بلغه من طريق لم ير قبوله، مع أن الطاعن لو قبض له ذو فهم، فألقى إليه القول من معدنه وفي نصابه، وقال: إن النبي ﷺ ساق بعض هديه من ذي الحليفة، وساق بعضها من قديد، وأتى على-﵁ ببعضها من اليمن، وجميع ما كان للنبي ﷺ على الثبت إما ست وثلاثون أو سبع وثلاثون بدنة، والإشعار لم يذكر إلا في واحدة منها. وقد روى أيضاً عن ابن عمر أن النبي ﷺ اشترى هديه من قديد، والقديد: قرية بين مكة والمدينة، وبينها وبين ذي الحليفة مسافة بعيدة، أفلا يحتمل أن يتأمل المجتهد في فعل النبي ﷺ فيرى أن النبي ﷺ [٤١/أ] إنما أقام الإشعار في واحدة، ثم تركه في البقية؛ حيث رأى الترك أولى، لاسيما والترك آخر الأمرين، أو اكتفى عن الإشعار بالتقليد؛ لأنه يسد مسده في المعنى المطلوب منه، والإشعار يجهد البدنة.

стр. 584

وفيه ما لا يخفى من أذية الحيوان، وقد نهى عن ذلك قولاً ثم استغني عنه بالتقليد، ولعله مع هذه الاحتمالات رأى القول بذلك؛ لأن النبي ﷺ حج وقد حضره الجم الغفير، ولم يرو حديث الإشعار إلا شرذمة قليلون. رواه ابن عباس ﵁، ولفظ حديثه على ما ذكرناه. ورواه المسور بن مخرمة، وفي حديثه ذكر الإشعار من غير تعرض للصيغة، ثم إن المسور- وإن لم ينكر فضله وفقهه- فإنه ولد بعد الهجرة بسنتين. وروته عائشة، وحديثها ذلك أورده المؤلف في هذا الباب، ولفظ حديثها: (فتلت قلائد بدن النبي ﷺ بيدي، ثم قلدها وأشعرها وأهداها فما حرم عليه شيء كان أحل له) ولم يتعلق هذا بالحديث بحجة النبي ﷺ ، وإنما كان ذلك عام حج أبو بكر-﵁ والمشركون يومئذ كانوا يحضرون الموسم، ثم نهوا. وروى عن ابن عمر: أنه أشعر الهدى ولم يرفعه. فنظر المجتهد إلى تلك العلل والأسباب، ورأى على كراهة الإشعار جمعاً من التابعين؛ فذهب إلى ما ذهب لسارع في العذر قبل مسارعته في اللوم، ولأسمع نفسه: (ليس بعشك فادرجي)، والله يغفر لنا ولهم ويجيرنا من الهوى؛ فإنه شريك العمى. [١٨٣٦] ومنه: قول عائشة-﵂ في حديثها: (فما حرم عليه شيء كان أحل له). سبب هذا القول: أنه بلغها فتيا ابن عباس فيمن بعث هدياً إلى مكة: أنه يحرم عليه ما حرم على الحج حتى ينحر هديه بمكة، فقالت: ليس كما قال، وذكرت الحديث. وقولها: (فتلت قلائدها من عهن) الضمير في (قلائدها) راجع إلى البدن، والعهن: الصوف، والعهنة: القطعة منه، وقيل: هو الصوف المصبغ ألواناً، وعلى ذلك فسر قوله : ﴿وتكون الجبال كالعهن المنفوش﴾

стр. 585

ومنه قول الرجل في حديث جابر-﵁ وهو ناجية بن جندب الأسلمي، صاحب بدن رسول الله ﷺ : (كيف أصنع [٤١/ب] بما أبدع على منها). أبدعت الراحلة إذا كلت وأبدع بالرجل، على ما لم يسم فاعله: عبارة عن الانقطاع به، لما يظهر من كلال راحلته وهزالها، وإنما قال: (أبدع على)، ولم يقل: (لي)؛ لأنه أراد بما حبس على من الكلال، وقولهم: (أبدع بي) إنما يقوله الراكب عند انقطاع راحلته به، ولم يكن هو راكبها؛ لأنها كانت بدنة، وإنما كان سائقاً ففصل بقوله: (على) بين الأمرين. [١٨٤١] ومنه: حديث ابن عمر ﵁: (ابعثها قياماً مقيدة): بعثت الناقة: إذا أثرته، وقياماً: نصب على الحال، أقام المصدر مقام اسم الفاعل، أي: قائمة مقيدة، والعامل في الحال محذوف مقدر، أي: انحرها قياماً، دل عليه أول الحديث: (أتى على رجل قد أناخ راحلته، وهو ينحرها)، ولا يصح أن يجعل العامل فيها: (ابعثها)؛ لأن البعث إنما يكون قبل القيام، واجتماع الأمرين في حالة واحدة غير ممكن، وفي غير هذه الرواية: (ابعثها قائمة مقيدة)، وهي أيضاً- رواية صحيحة. فإن قيل: أفلا يجوز أن يجعل قياماً نصباً على المصدر لما بين (ابعثها) وبين القيام من التفاوت في المعنى؛ كأنه قال: أقمها قياماً؟):

стр. 586

قلنا: لم يجز، والمانع منه خلو الكلام عن المعنى المقصود، وذلك أنه أمره أن ينحرها قائمة مقيدة، فإذا جعلت (قياماً) منصوباً بالمصدرية، تعلق الفعل المحذوف بـ (مقيدة) فحسب، فانحرف الكلام عن المنهج المراد. [١٨٤٤] ومنه: حديث ابن عباس-﵁ في حديثه: (في رأسه برة من فضة). البرة: حلقة من صفر، أو نحوه، تجعل في لحم أنف البعير، وقال الأصمعي: تجعل في أحد جانبي المنخرين. وأصل البرة: قيل: بروة؛ لأنها جمعت على بر، مثل: قرية وقرى، وتجمع: برا ت وبرون وكل حلقة من: سوار وخلخال وقرط برة، وإذا جعلت في أنف البعير مكان البرة شعر، فهي الخزامة. [١٨٤٨] ومنه: حديث عبد الله بن قرط، عن النبي ﷺ : (إن أفضل الأيام عند الله: يوم النحر، ثم يوم القر): يوم القر اليوم بعد يوم النحر؛ لأن الناس يقرون يومئذ في منازلهم بمنى.

стр. 587

فإن قيل: قد ورد من الأحاديث الصحاح في فضل يوم عرفة ما قد دل على أنه أفضل الأيام، وفي كتاب الله: ﴿يوم الحج الأكبر﴾ وهو يوم عرفة؛ فكيف التوفيق بين ذلك، وبين هذا الحديث؟ قلنا: أما قوله تعالى: ﴿يوم الحج الأكبر﴾ فقد اختلف في تأويله: فقيل: يوم عرفة. وقيل: يوم النحر، والأغلب والأقوى أنه يوم عرفة؛ لأن تعلق الحج به أقوى من تعلقه بيوم النحر؛ ألا ترى أن يوم عرفة لو فات فات إلى غير بدل وإلى هذا المعنى [٤٢/أ] التفت النبي ﷺ في قوله: (الحج عرفة). وأما الأحاديث فهي صحيحة، ولكن ليس في شيء منها أن يوم عرفة أفضل الأيام، والحديثان وإن لم يكن بينهما تضاد، أعني: حديث فضل يوم عرفة، وحديث فضل يوم النحر ولكننا أحببنا ان نقف على حقيقة المعنى في هذا الحديث، وعلى معرفة ما أشكل منه فوجدنا في الحديث الصحيح، ما قد دل على أن الأيام العشر أفضل الأيام، لأنها أحب الأيام إلى الله تعالى، وإذ قد وجدنا الفضل بعد يوم النحر ليوم القر، ووجدنا العشر من ذي الحجة أفضل الأيام وأحبها إلى الله تعالى ويوم القر ليس من جملتها- علمنا أن يوم عرفة غير داخل في جملة الأيام التي أفضلها يوم النحر والتخصيص جائز في مثل ذلك ذهابا إلى حضور معنى الخصوصية فيه، ويكون معنى قوله: (أفضل الأيام يوم النحر) أي: من أفضل الأيام؛ كما يقال: فلان أعقل الناس وأعلمهم، أي: من أعقل الناس وأعلمهم، وعلى مثل هذا يأول قوله ﷺ : (ما شيء في الميزان أثقل من خلق حسن) ومعلوم أن الإيمان أثقل منه، وكذلك الصلاة فرائض الإسلام. ويحتمل أن يراد بتلك الأيام: يوم النحر وأيام التشريق. [١٨٤٩] وفيه (يزدلفن إليه) أي: يقربن منه، ويتقدمن نحوه، يقال: تزلف وازدلف، أي: تقدم. وفيه: (فلما وجبت جنوبها): المراد منه: زهوق النفس وسكون النسايس، وتفسير اللفظ في وجوب الجنوب: وقوعها على الأرض، من وجب الحائط وجوباً: إذا سقط، ووجبت الشمس جبة: إذا غربت، قلت: وقد استعمل الراوي في قوله هذا لفظ التنزيل، قال الله تعالى: ﴿فإذا وجبت جنوبها﴾ وفي هذا الكلام من البلاغة ما لا يخفى على ذي الفهم مبلغه؛ وذلك أن الله تعالى ذكر البدن، وعظم شأنها، ثم أشار بمقتضى اللفظ إلى أنها تنحر قياماً فإن وجوب الجنوب منها إنما يتصور إذا كانت قائمة وتلك السنة فيها.

стр. 588

ومن باب الحلق (من الصحاح) [١٨٥١] حديث ابن عباس ﵄ قال لي معاوية (إني قصرت من رأس النبي ﷺ بمشقص). قوله: (من رأس النبي ﷺ ) أي: من شعر رأسه والمشقص من النصال ما طال وعرض قال الشاعر: سهام مشاقصها كالحراب قلت: لهذا الحدث تتمة لم يوردها المؤلف، وفيه اختلاف أعرض عن ذكره، أو لم يطلع عليه، وفيه إشكال لم يتعرض لحله الرواة، فرأينا أن نورد ذلك ونكشف عنه الغطاء. أما التتمة: فقول ابن عباس له: (لا أعلم هذا إلا حجة عليك) وبيان هذا القول أن ابن عباس [٤٢/ب] كان يرى أن الحاج إذا طاف بالبيت، فله أن يحل ويجعلها عمرة، وكان يأخذ ذلك من أمر النبي ﷺ حين أمر أصحابه في حجة الوداع أن يحلوا، وقد ذكرنا أن هذا حكم خص به أولئك الركب من بين الناس، وإنما اشتبه على ابن عباس؛ لأن الحديث لم يبلغه بتمامه فرأى رأياً وقد أنكر عليه. وفيه: (قال له رجل من بني الهجيم: ما هذه الفتيا التي تشعبت بالناس) أي: فرقتهم، ويروى: (شغبت) بالغين المعجمة، أي: أوقعتهم في الشغب وهيجتهم، ويروى على غير ذلك. وكان معاوية ﵁ ينهي عن المتعة أشد النهي، ويرى أن ذلك قد نسخ، وقد رد عليه قوله هذا غير واحد من الصحابة، فقول ابن عباس: (لا أعلم هذا إلا حجة عليك) أي: لا أعلم هذه القضية التي تذكرها إلا حجة عليك، يشير إلى أن قصره عند المروة دليل على أنه كان متمعتاً، وفي هذا إشكال جدا، وذلك أن النبي ﷺ لم يقصر في حجته، ولم يحلل عن إحرامه، لا شك في ذلك، ولم يكن الصحابي ليكذب في أمر الدين، لاسيما على رسول الله ﷺ ، ثم إن ابن عباس لو كان أسمعه هذا القول، ثم سكت، ولم يبين له العمرة التي قصر فيها كان يقع ذلك منه موقع الاعتراف بما قال والالتزام له؛ وهذا

стр. 589

غير صحيح، لأن النبي ﷺ لم يعتمر بعد الهجرة غير أربع عمر: واحدة منها عام حج، وقد أتى بهما في إحرام واحد، والثلاث البواقي كانت قبل أن حج، وقد أحببنا أن نعرف أن تقصيره هذا في أية عمرة يحتمل أن يكون، فرأيناه غير ممكن في عمرة الحديبية؛ لأنه حلق يومئذ ولم يدخل مكة، وهو محتمل في إحدى العمرتين: عمرة القضاء، وعمرة الجعرانة. فإن قيل: كيف يقدر ذلك في عمرة القضاء، وقد نقل عن أهل العلم بالسير أنه أسلم عام الفتح؟ قلنا: وقدنقل عنه نفسه أنه قال: (أسلمت عام القضية)، وإن يك في هذا النقل وهن فلا يستبعد أن يكون حضر المروة يومئذ فرآه يقصر من رأسه، وإنما جوزنا ذلك؛ لأن في (كتاب مسلم) عن ابن عباس أن معاوية بن أبي سفيان أخبره قال: (قصرت عن رسول الله ﷺ بمشقصٍ أو رأيته يقصر عنه بمشقص وهو على المروة) وهذا هو الاختلاف الذي قدمنا ذكره. وإذ قد بينا علة الحديث، وما فيه من الاختلاف، وما يورد عليه من الإشكال- فوجه ذلك عندنا أن نقول: الظاهر أن ابن عباس حسب أنه يذكر ذلك عن عام حج النبي ﷺ فقال قوله في نفسه، ولم يبرزه له فإضافة القول إلى ما قد حدث به الإنسان نفسه جائز، وشواهد ذلك في كلامهم كثير، وإن يكن الأمر على خلاف بنينا عليه التأويل،: فالوجه فيه أن نقول: نسى معاوية فحسب أنه كان في حجة الوداع، ولا يستبعد ذلك ممن شغلته الشواغل، ونازعته [٤٣/أ [الدهور والأعصار في سمعه وبصره وذهنه، وكان قد جاوز الثمانين، وعاش بعد حجة الوداع خمسين سنة. والعجب كل العجب ممن يأتي بمثل هذا الحديث مع ما فيه من الإشكال والاختلاف البين، ثم لا يتعرض لبيان ما أشكل منه، ولعل بعضهم بينه، ونفى الاختلاف عنه، ولم ينته إلينا، والله يرحمنا وإياهم. [١٨٥٢] ومنه: حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (اللهم ارحم المحلقين) قالوا: والمقصرين يا رسول الله ... الحديث):قلت: كان هذا من رسول الله ﷺ مرتين: إحداهما: في عمرة الحديبية. والأخرى: في حجة الوداع. فالتي كانت في عمرة الحديبية إنما كانت لموجدة وجدها في نفسه عليهم، وذلك أن القوم لما صدوا عن البيت وقاضاهم النبي ﷺ على ما أرادوه- تداخلهم غضاضة وخامرهم اضطراب، إلا من عصمه الله حتى استحوذ عليهم الشيطان وارتابوا فيما لم يكن غشيهم فيه ارتياب، واستولى عليهم الضجرة حتى كادوا أن

стр. 590

ينحروا أنفسهم، فأمرهم النبي ﷺ بنحر الهدي، والخروج عن الإحرام، فلم يراعوا إلى طاعته، فلما حلق هو وافقه المحفظون من أصحابه، وتلكأ آخرون، ثم تداركهم الله بلطفه، فأجابوه فيما أمر على كره منهم، ولم يحلقوا بل قصروا، فقال النبي ﷺ قوله ذلك؛ إظهاراً لموجدته عليهم، ليتوبوا إلى الله تعالى، وينالوا العفو والصفح عن نبي الله. ولما سئل يومئذ عن سبب تخصيصه المحلقين بالدعاء؟ قال: (إنهم لم يشكوا) وأما الذي كان منه في حجة الوداع؛ فإنه كان لبيان ما بين النسكين من الفضل، ويحتمل أنه كان لبيان فضل المتابعة فإنه من أوثق عرى الإيمان، وقد نبأهم الله تعالى بما عليهم من التقدم عليه والتأخر عنه. [١٨٥٣] ومنه: حديث انس ﵁ أن النبي ﷺ أتى منى، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى، ونحر نسكه، ثم دعا بالحلاق .. الحديث) الأصل في النسك التطهير، يقال: نسكت الثوب، أي غسلته وطهرته، واستعمل في العبادة، وقد اختص بأفعال الحج، والنسيكة مختصة بالذبيحة.

стр. 591

وقوله سبحانه: ﴿ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ ونسك: جمع نسيكة، وقيل: مصدر، والمصادر تقام مقام الأسماء المشتقة منها؛ فتطلق على الواحد والجمع، وأكثر ما نجده في الحديث بتخفيف السين. قلت: وفي هذا الحديث يجوز أن يحمل على الواحد؛ لأنه كان ينحر الواحد بعد الواحد. ويجوز أن يحمل على الجمع؛ لأنه نحو يومئذ بيده ثلاثاً وستين بدنة، وكأنه راعي بهذه العدة سني عمره ﷺ . والحلاق: هو معمر بن عبيد الله بن نافع بن نضلة القرشي العدوي. وفيه: (ثم دعا أبا طلحة [٤٣/ب] الأنصاري ... الحديث) قلت: غنما قسم الشعر في أصحابه؛ ليكون بركة باقية بين أظهرهم، وتذكرة لهم، وكأنه أشار بذلك إلى اقتراب الأجل، وانقضاء زمان الصحبة، وأرى أنه خص أبا طلحة بالقسمة التفاتاً إلى هذا المعنى؛ لأنه هو الذي حفر قبره، ولحد له، وبنى في اللبن. ومن الفصل الذي يتلوه (من الصحاح) [١٨٥٨] حديث عبد الله بن عمرو-﵁ (أن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه فجاءه رجل، فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أدبح فقال: أذبح ولا حرج .. الحديث)

стр. 592

استدل بهذا الحديث وبما ورد بمعناه: من لم ير التقديم والتأخير في هذه الأنساك موجبيين للدم، وأما من يذهب إلى خلاف ذلك فإنه يرى معنى قوله: (لا حرج) أي: لا إثم عليك في ذلك؛ حيث لم تعلم، وليس لأنه رخص لهم في التقديم والتأخير، أو سوى بين الأمرين، واستدلوا على ذلك بحديث أبي سعيد الخدري ﵁ (سئل رسول الله ﷺ ، وهو بين الجمرتين عن رجل حلق قبل أن يرمي؟ فقال: (لا حرج)، ثم قال: عباد الله، وضع الله- الحرج والضيق، فتعلموا مناسككم، فإنه من دينكم) فقالوا: أمره إياهم عند ذلك بتعلم المناسك يدل على أن الرجل جهل مناسكه، وأن الإصابة كانت في غير ما صنع، إلا أنه نفى عنه الإثم لجهله ولم يسقط عنه الدم، وإذا كان النسيان في إيجاب الدم كالعمد، فلأن يكون الجهل به موجباً أحق وأولى، وفي الحديث الصحيح الذي رواه مسور ﵁: (أن رسول الله ﷺ نحر قبل أن يحلق، وأمر أصحابه بذلك)، وقد تبين لنا من هذا الحديث: أن تقديم النحر على الحلق من واجبات الحج. ومن رواه هذا الحديث، اعني حديث عبد الله بن عمرو، عبد الله بن عباس. قلت: وقد رواه مسلم في كتابه، عن ابن عباس؛ أن رجلاً قال للنبي ﷺ زرت قبل أن أرمي؟ قال: (ارم ولا حرج). وقال آخر: حلقت قبل أن أذبح؟ قال: (اذبح ولا حرج) فما سئل عن شيءٍ يومئذ قدم ولا أخر، إلا قال: (افعل ولا حرج). هذا، وقد روي عن ابن عباس أنه قال: من قدم شيئاً من حجه أو أخر، فليهرق لذلك دماً، وهو الذي روى الحديث: (ولا حرج)، فلو لم يعلم ان الدم يلزمه لم يكن ليفتي بخلاف ما رواه والله أعلم.

стр. 593

ومن باب خطبة يوم النحر ورمى أيام التشريق والتوديع (من الصحاح) [١٨٦١] حديث أبي بكر-﵁ قال: خطبنا [رسول الله] يوم النحر، فقال: (الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض ... الحديث): الخطب والمخاطبة والتخاطب: المراجعة في الكلام [٤٤/أ] ومنه الخطبة والخطبة. لكن الخطبة-بالضم- تختص بالموعظة. فقوله: (خطبنا) مكان قوله: وعظنا. و (الزمان) اسم لقليل الوقت وكثيره، وأراد به هاهنا السنة، واستدارة الزمان: دورة بالشهور الهلالية، التي يدور عليها حساب السنة، واستدار ودار واحد، وأراد باستدارة الزمان: عود الأمر فيه إلى أصل الحساب، وبطلان ما ابدعه أهل الجاهلية من النسيء فإنهم كانوا ينسئون الحج في كل عامين من شهر إلى شهر آخر، ويجعلون الشهر الذي أنشأوا فيه ملغي، فتكون تلك السنة ثلاثة عشر شهراً، ويتركون العام الثاني على ما كان عليه الأول، سوى أن الشهر الملغي في الأول لا يكون في العام الثاني، ثم يصنعون في العام الثالث صنيعهم في الأول، ويتركون الرابع على ما تركوا عليه العام الثاني، وعلى هذا إلى تمام الدور، فيستدير حجمهم في كل خمسٍ وعشرين سنة إلى الشهر الذي بدئ منه، ولهذا تخبط عليهم حساب السنة، فأعلمهم النبي ﷺ بأن الله-تعالى أدحض أدحض أمر النسيء، وأن حساب السنة قد استقام، ورجع إلى

стр. 594

الأصل الموضوع يوم خلق السموات والأرض. وقوله: (السنة اثنا عشر شهراً) تأكيد في إبطال أمر النسيء، فإنهم كانوا يجعلون السنة الأولى من كل سنتين ثلاثة عشر شهراً-على ما ذكرنا. وفيه (ورجب مضر، الذي بين جمادى وشعبان) إنما أضافه إلى مضر؛ لأنهم كانوا يتشددون في تحريمه، ولا يستحلونه استحلال غيره، ولا يوافقون غيرهم من العرب في استحلاله. وأما تفريقه بالذي بين جمادى وشعبان؛ فلإزاحة الارتياب الحادث فيه من النسيء. وفيه: (أي شهر هذا؟) قالوا: الله ورسوله أعلم. قلت: إحالتهم الجواب عليه فيما استبان أمره وتحقق، نوع من الأدب بين يدي من حق عليهم التأدب بين يديه. ثم إنهم لم ييأسوا من أن يكون في الأمر المسئول عنه علم لم يبلغ إليهم، فأحالوا العلم على علام [٢٠ أ] الغيوب، ثم إلى المستأثر من البشر بنوع من ذلك العلم، وينبئك عن هذا المعنى قول بعضهم: حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. فإن قيل: في بعض الروايات في خطبة ذلك اليوم، أنه قال: (أي شهر هذا؟) قالوا: (ذو الحجة. وفي بعضها (شهر حرام). قلنا: كان ﷺ يومئذ بين بشر كثير لا يضبطهم ديوان، ولا ينالهم حسبان، حتى أقام في كل صقع من يبلغ عنه ما أداه الصوت إليه، إلى من بعد عنه فلم يبلغه. والاختلاف الذي في هذه الألفاظ لم يوجد في رواية راو واحد، بل في رواية أناس شتى، فالذي يروى قولهم: (الله ورسوله أعلم) إنما يرويه ممن كسان يليه من أهل العلم والخشية، الذين اكرمهم الله بحسن الأدب، وألزمهم كلمة التقوى، وكانوا أحق بها وأهلها. والذي يروى مبادرتهم إلى ما سكت عنه الآخرون، فإنه يرويه على ما بلغه من أوفاض الناس، أو غمار الأعراب. وفيه: (أليس البلدة؟) وفي كتاب البخاري أيضاً: (أليست بالبلدة؟) قيل: إن البلدة اسم خاص بمكة، عظم الله حرمتها. ويؤيد ذلك هذا الحديث. ووجه تسميتها بالبلدة- وهي تقع على سائر البلدان - أنها البلدة الجامعة للخير، المستحقة أن تسمى بهذا الاسم؛ لتفوقها سائر مسميات أجناسها، تفوق الكعبة- في تسميتها بالبيت- سائر مسميات أجناسها، حتى كأنها هي المحل المستحق للإقامة بها، من قولهم: بلدن بالمكان، أي: أقام. وفيه: (فإن دماءكم وأموالكم واعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا .. الحديث) أعراضكم، أي: أنفسكم وأحسابكم، فإن العرض يقال للنفس. يقال: أكرمت عنه عرضي، أي: صنت عنه نفسي، والعرض: الحسب. يقال: فلان نقي العرض، أي: برئ أن يشتم أو يعاب، والعرض: رائحة الجسد وغيره، طيبة كانت أو خبيثة. يقال: فلان طيب العرض، ومنين العرض.

стр. 595

ومعنى الحديث: أن استباحة دم المسلم وماله وانتهاك حرمته في عرضه حرام عليكم، وإنما شبهها في الحرمة بهذه الأشياء، لأنهم كانوا لا يرون استباحة تلك الأشياء وانتهاك حرمتها بحال، وإن تعرضوا لشيء منها باستباحة تعرضوا له متسترين بالتأويل، وإن كان فاسداً. [١٨٦٣] ومنه: حديث ابن عمر-﵁ أنه كان يرمي جمرة الدنيا بسبع حصيات) الجمرة: واحد جمرات المناسك، وهي ثلاث جمرات، واحدة منها جمرة ذات العقبة، وهي مما يلي مكة. ولا يرمي يوم النحر إلا جمرة ذات العقبة، وبعد يوم النحر يرمي الثلاث. والسنة فيها ما ذكر في الحديث. و (الدنيا) هي التي بدأ بها ووصفها بالدنيا، لكونها أقرب غلى منازل النازلين عند مسجد الخيف، وهنالك كان مناخ النبي ﷺ أو لأنها أقرب من الحل من غيرها. وإضافتها إلى الدنيا كإضافة المسجد إلى الجامع، ويحتمل أن يكون فيه حذف، أي جمرة البقعة الدنيا كقولك: حق اليقين، أي: حق الشيء اليقين. [١٨٦٥] ومنه قوله ﷺ في حديث ابن عباس-﵁: (لولا أن تغلبوا؛ لنزلت حتى أضع الحبل على هذه ... (الحديث) أعلمهم أن الذي يكدحون فيه، من سقاية الحاج بمكان العمل] ﴿[ما دمتم حرماً]﴾: صيد المحرمين دون غيرهم لأنهم هم المخاطبون؛ واستدل بقول عمر رضي

стр. 596

الله عنه لأبي هريرة، حين أفتى المستفتي في أكل المحرم لحم صيدٍ صيد له بغير إذنه؟ فأخبر عمر- ﵁ بمسألة الرجل، فقال: بما أفتيته؟ فقال: بأكله، فأقسم بالله أنه لو أفتاه بغير ذلك لعلاه بالدرة، وقال: لو لم يعلم عمر صحة ذلك من قبل التوقيف، لم يكن ليقسم على التعزير فيما خولف فيه من طريق الاجتهاد.

стр. 597

واستدل أيضاً-بحديث طلحة، وهو حديث صحيح: (أنه كان في سفر، فأهدى لهم طير وهم محرمون، فتورع بعضهم عن أكله، فاستيقظ طلحة، فأخبر به فوفق من أكله، وقال: أكلناه مع رسول الله ﷺ ، وقال: لو لم يعلم طلحة بقاء الحكم في ذلك على ما في الحديث، لم يشهد بالإصابة لمن أكله.

стр. 598

وأما ما ينافيه من حديث جابر الذي ذكر فقد قال الطحاوي: إن ثبت ولا أراه يثبت؛ لأن الراوي عن جابر هو المطلب بن عبد الله بن حنظب، ولم يعرف له سماع عن جابر، فتأويل قوله: (أو يصاد لكم) أي بأمركم.

стр. 599

وقال فى حديث الصعب: (لا نرى العمل به للاختلاف فيه وقد رواه بعضهم: حماراً وحشياً وبعضهم: (مذبوحا) وبعضهم: (من لحم الحمار)، وبعضهم: [حمار]. قلت: وكل هذه الاختلافات رواها مسلم فى كتابه، سوى (مذبوحاً) وروى مسلم- أيضاً -[حمار].

стр. 600

وقد وجدت الخطابي شرح هذا الحديث فى كتاب (الاعلام) قال: وفيه دليل على أن من ملك صيداً فأحرم، كان عليه إرساله. قلت: وذلك لانه رأى أن الحمار لم يكن مذبوحاً، وإنما كان يسلم له هذا التأويل لو سلم الحديث من الاختلافات التى ذكرناها، ولو سلم كان حجة لأبى حنيفة ومن ذهب مذهبه فى أن النبى ﷺ إنما رد عليه لأنه لم ير أن يمسكه، ولا أن يذبحه، ولا أن يأمر به. [١٨٩٥] ومنه: حديث عائشة - رضى الله عنها - عن النبى ﷺ قال: (خمس فواسق يقتلن فى الحل والحرم. . . الحديث). (خمس): منونة، ومنهم من يرويه على الإضافة، والصحيح هو الأول، ويدل عليه رواية البخارى فى إحدى طرقه: (خمس من الدواب كلهن فاسق) أى: كل واحدة وواحد منها فاسق، وأراد بالفسق: خبئهن وكثرة الضرر فيهن. وإنما خص هذه الخمس من الدواب المؤذية والضارية وذوات السموم، لما أطلعه الله عليه من مفاسدها، أو لأنها أقرب ضرراً إلى الإنسان، وأسرع فى الفساد [٤٤/ب] وذلك لعسر تمكن الإنسان من دفعها والإحتراز عنها، فإن منها ما يطير فلا يدرك، ومنها ما يختبئ فى نفق من الأرض كالمنتهز للفرصة، فإذا مكن من الضرر تبادر إليه، وإذا أحس بطلب استكن، ومنها ما لا يمتنع بالكف والزجر، بل يصول صولة العدو المباسل، وقد يصيب المعرض عنه بالمكروه، كما يصيب المتعرض له، ثم إنه متمكن عن الهجوم على الإنسان [. . . . . .]. ولا كذلك السباع العادية، فإنها متنفرة عن العمرانات، وفى أماكنها يتخذ الإنسان منها حذره. (والغراب الأبقع) الذى فيه سواد وبياض. فإن قيل: خص فى هذا الحديث الأبقع، وفى حديث ابن عمر قال: (الغراب)، فما الوجه فيه؟ قلنا: يحتمل أنه يخص الأبقع بالذكر، لأنه أكثر [ضرراً]، وأسرع فساداً.
следующие страницы →