← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18569

الميسر في شرح مصابيح السنة للتوربشتي

التوربشتي

Полный текст (1 323 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الله عنه لأبي هريرة، حين أفتى المستفتي في أكل المحرم لحم صيدٍ صيد له بغير إذنه؟ فأخبر عمر- ﵁ بمسألة الرجل، فقال: بما أفتيته؟ فقال: بأكله، فأقسم بالله أنه لو أفتاه بغير ذلك لعلاه بالدرة، وقال: لو لم يعلم عمر صحة ذلك من قبل التوقيف، لم يكن ليقسم على التعزير فيما خولف فيه من طريق الاجتهاد.

стр. 597

واستدل أيضاً-بحديث طلحة، وهو حديث صحيح: (أنه كان في سفر، فأهدى لهم طير وهم محرمون، فتورع بعضهم عن أكله، فاستيقظ طلحة، فأخبر به فوفق من أكله، وقال: أكلناه مع رسول الله ﷺ ، وقال: لو لم يعلم طلحة بقاء الحكم في ذلك على ما في الحديث، لم يشهد بالإصابة لمن أكله.

стр. 598

وأما ما ينافيه من حديث جابر الذي ذكر فقد قال الطحاوي: إن ثبت ولا أراه يثبت؛ لأن الراوي عن جابر هو المطلب بن عبد الله بن حنظب، ولم يعرف له سماع عن جابر، فتأويل قوله: (أو يصاد لكم) أي بأمركم.

стр. 599

وقال فى حديث الصعب: (لا نرى العمل به للاختلاف فيه وقد رواه بعضهم: حماراً وحشياً وبعضهم: (مذبوحا) وبعضهم: (من لحم الحمار)، وبعضهم: [حمار]. قلت: وكل هذه الاختلافات رواها مسلم فى كتابه، سوى (مذبوحاً) وروى مسلم- أيضاً -[حمار].

стр. 600

وقد وجدت الخطابي شرح هذا الحديث فى كتاب (الاعلام) قال: وفيه دليل على أن من ملك صيداً فأحرم، كان عليه إرساله. قلت: وذلك لانه رأى أن الحمار لم يكن مذبوحاً، وإنما كان يسلم له هذا التأويل لو سلم الحديث من الاختلافات التى ذكرناها، ولو سلم كان حجة لأبى حنيفة ومن ذهب مذهبه فى أن النبى ﷺ إنما رد عليه لأنه لم ير أن يمسكه، ولا أن يذبحه، ولا أن يأمر به. [١٨٩٥] ومنه: حديث عائشة - رضى الله عنها - عن النبى ﷺ قال: (خمس فواسق يقتلن فى الحل والحرم. . . الحديث). (خمس): منونة، ومنهم من يرويه على الإضافة، والصحيح هو الأول، ويدل عليه رواية البخارى فى إحدى طرقه: (خمس من الدواب كلهن فاسق) أى: كل واحدة وواحد منها فاسق، وأراد بالفسق: خبئهن وكثرة الضرر فيهن. وإنما خص هذه الخمس من الدواب المؤذية والضارية وذوات السموم، لما أطلعه الله عليه من مفاسدها، أو لأنها أقرب ضرراً إلى الإنسان، وأسرع فى الفساد [٤٤/ب] وذلك لعسر تمكن الإنسان من دفعها والإحتراز عنها، فإن منها ما يطير فلا يدرك، ومنها ما يختبئ فى نفق من الأرض كالمنتهز للفرصة، فإذا مكن من الضرر تبادر إليه، وإذا أحس بطلب استكن، ومنها ما لا يمتنع بالكف والزجر، بل يصول صولة العدو المباسل، وقد يصيب المعرض عنه بالمكروه، كما يصيب المتعرض له، ثم إنه متمكن عن الهجوم على الإنسان [. . . . . .]. ولا كذلك السباع العادية، فإنها متنفرة عن العمرانات، وفى أماكنها يتخذ الإنسان منها حذره. (والغراب الأبقع) الذى فيه سواد وبياض. فإن قيل: خص فى هذا الحديث الأبقع، وفى حديث ابن عمر قال: (الغراب)، فما الوجه فيه؟ قلنا: يحتمل أنه يخص الأبقع بالذكر، لأنه أكثر [ضرراً]، وأسرع فساداً.

стр. 601

ويحتمل: أنه خصه، لأنه لم يجعل حكم سائرها كذلك، ومن الدليل على ذلك: أن كثيراً من العلم أستثنى عنها غراب الزرع؛ لأنه مأكول اللحم، فلا يتعرض إلا على وجه التذكية المبيحة. ويحتمل: أن المراد من الغراب فى حديث ابن عمر هو الأبقع، فلا يوفى البان حقه، لمعرفة المخاطبين، أو لم يضبطه بعض الرواة، فيرد المطلق إلى المقيد، ويستثنى من الغربان غراب الزرع؛ للمنفعة التى فيه وقلة الضرر. (ومن الحسان) [١٨٩٧] حديث أبى هريرة رضى الله عنه، عن النبى ﷺ : (الجراد من صيد البحر): يقال: إن الجراد يتولد من الحيتان كالديدان، فيدسرها البحر إلى الساحل؛ ولهذا الحديث جوز بعض العلماء أن يصيده المحرم، وأما من لم يجوز فيقول: إنه من صيد البر، لاستقراره فيه ولوجوده فى الأرض وتقوته بما تخرجه الأرض من نباتها وثمراتها. قلت: وحديث أبى هريرة هذا محتمل لمعنى أخر، سوى ما ذهبوا إليه، وهو أن نقول: أراد أنه من صيد البحر، لمشاركته صيد البحر فى حكم الأكل منه من غير تذكية على ما ورد به الحديث: (أحلت لنا ميتتان) وهذا الحديث مع احتماله التأويل فيه ضعف من جهة الراوى عن أبى هريرة - رضى الله عنه - وهو أبو المهزم يزيد بن سفيان البصرى، ضعفه شعبة وغيره من أئمة الجرح والتعديل، ونسأل الله التجاوز عن هذا التعرض.

стр. 602

ومن باب الإحصار وفوت الحج: (من الصحاح) [١٩٠٦] حديث عائشة- ﵂: (دخل رسول الله ﷺ على ضباعة بنت الزبير، فقال: لعلك أردت الحج ... الحديث) ضباغة هذه هاشمية وأبوها الزبير هو ابن عبد المطلب بن هاشم عم النبي ﷺ ، وهو أكبر ولد عبد المطلب، لو يدرك افسلام، وضباعة كانت تحت المقداد بن الأسود. وفيه: (والله ما أجدنى إلا وجعة فقال لها: (حجى وأشرطى ... الحديث): الإشراط في الحج مختلف فيه بين العلماء، وقد صح [٤٥/أ] عن ابن عمر: أنه كان ينكر الاشتراط في الحج، ويقول: أليس حسبكم سنة نبيكم ﷺ . استدل الذاهبون إلى أن الإحصار لا يكون إلا بالعدو بحديث ضباعة، وقالوا: لو كان المرض يبيح التحلل لم يحتج إلى الاشتراط.

стр. 603

ومن ذهب إلى أن الإحصار يكون بالمرض والعدو وغير ذلك من الموانع المحصرة: فإنه يرى لفظ التنزيل منبثا عن ذلك؛ قال الله تعالى ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى﴾ يقال: أحضر فلان: إذا منعه أمر من خوف أو عجز أو مرض، قال الله تعالى: ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله﴾ قال ابن ميادة [من الطويل]: وما هجر ليلى أن تكون تباعدت ... عليك ولا أن أحصرتك شغول ثم إنهم وجدوا حديث الحجاج بن عمرو الأنصاري مبينًا للآية، في هذا الباب في الحسان. ويرون أن الاشتراط المذكور في حديث ضباعة إنما كان ليفيد تعجيل التحلل؛ لأنها لو لم تشترط، لتأخر تحللها إلى حين بلوغ الهدى محله؛ ذكر ذلك أبو نصر الأقطع. قلت: وهذا على أصل مذهب أبي حنيفة ﵀ ومن نحا نحوه، فإنه يرى أن المحصر ليس له أن يحل حتى ينحر هديه بالحرم، إلا أن يشرط، فإذا أشرط فله أن يحل قبل نحر الهدى. وهذا تأويل مرضى موفق بين هذا الحديث، وبين حديث حجاج. (ومن الحسان) [١٩٠٨] حديث الحجاج بن عمرو الأنصاري المازني ﵁، قال رسول الله ﷺ : (من كسر أو عرج [أو مرض] ... الحديث): قلت: (هذا الحديث أورده المعتبرون من أصحاب كتب الأحكام؛ كأس محمد الدارمي، وأبي داود السجستاني، وأبي عيسى الترمذي، وأبي عبد الرحمن النسائي، ولم نجد في شيء منهت: (أو مرض) فلعل المؤلف نقله مما سواها من الكتب، ولا أراه رمي الحديث بالضعف، إلا من قبيل هذه الزيادة، وإن لم يكن كلا القولين من [تزيد] بعض النساخ، وإلا فحديث حجاج - على ما نبينه - ليس بمستضعف، وقد ذكر الترمذي: أنه حديث حسن.

стр. 604

قلت: ولهذا الحديث تتمة من قول عكرمة، وهو أحد الرواة، عن الحجاج بن عمرو، وذلك قوله: (فذكرت ذلك لأبي هريرة وابن عباس، فقالا: صدق) وقد ذكر الشيخ أبو سليمان الخطابي عن بعضهم، ولم يسمه: أنه علل هذا الحديث بما ثبت عن ابن عباس أنه قال: (لا حصر إلا حصر العدو)، فكيف يصدق الحجاج، فيما رواه أن الكسر حصر، وقد استغربت عن الخطابي - مع تقدمه في العلم والفهم، وتمسكه ببرده الاستقصاء أني استحسن استيداع ذلك بطون القراطيس، وهو قول غير سديد، ثم تعجبت من إيراده على سبيل الإجمال؛ فلم يحل عنه عقدة الإشكال، وذلك من قوله: (فكيف يصدق الحجاج [فتوهم] بعض الناس أن المراد منه الحجاج بن عمرو، ومعاذ الإله أن [٤٥/ ب] أن يرمي متدين بدين الإسلام أحدا من الصحابة بمثل هذا القول، فإنهم صدق إبرار وعدول مقانع، لاسيما فيما نقلوه من أمر الدين، ولو وهم أحدهم أو سها أو غلط، أو سمع ظاهر القول ولم يفهم باطنه فالأدب أن يحكي ذلك منه: ملتبسا بالتوفير والتبجيل حفظا لحرمة الصحبة. وإنما المراد الحجاج الصواف، وهو أحد رواة هذا الحديث ذكره الترمذي فأثني عليه؛ فقال: وحجاج ثقة حافظ عند أهل الحديث. ومما يدلنا على أن المعنى بما في كتاب الخطابي هذا الذي ذكرناه: أن الذي نقل قوله: أنكر تصديق ابن عباس الحجاج في حديثه؛ لما في حديث ابن عباس: (لا حصر إلا حصر العدو)، وهذا الذي أنكره ليس من حديث حجاج الأنصاري، وإنما هو من كلام الراوي عنه، وهو عكرمة، وفي بعض الروايات: عبد الله ابن رافع، وهو أصح الروايتين. ولما كان هذا الحديث في أكثر كتب الأحكام مرويا عن حجاج الصواف، عن يحيي بن أبي كثيرة، عن عكرمة: ظن هذا القائل أنه تفرد به، وليس الأمر على ما توجه، فقد رواه عن يحيي بن أبي كثير - أيضا - معمر ومعاوية بن سلام، وروايتها عن يحيي عن عكرمة عن عبد الله بن رافع، عن حجاج المازني، مازن الأنصار: نحوه. وقال البخاري: روايتها أصح. قلت: وفي روايتها عن عبد الله بن رافع: (فذكرت ذلك لأبي هريرة وابن عباس، فقالا: صدق). وأما في ما نقله عن ابن عباس: (لا حصر إلا حصر العدو): فقد نقل عنه في معنى [...] برواية الثقاة: ما يؤيد حديث الحجاج، روى الفريابي - عن سفيان الثوري عن الأعمش، عن إبراهيم، عن (ابن عباس) (فإن أحصرتم) قال: من حبس أو مرض، قال إبراهيم: فحدثت به سعيد بن جبير قال: هكذا

стр. 605

قال ابن عباس. ولو ثبت عنه -أيضا-: (لا حصر إلا حصر العدو): فالسبيل أن يأول، لئلا يخالف حديث خجاج عن النبي ﷺ [وليوافق رواية] سعيد بن جبير، عنه. ورأيت التأويل الجامع بين ما ذكره أن نقول: (لا حصر إلا حصر العدو) بمثابة قول من قال: (لا هم إلا الدين؛ وذلك لأن الحصر بالعدو من أطم أسباب الحصر؛ لأنه متعلق بالعموم، وغيره متعلق بالخصوص والأفراد، كما كان من أمر النبي ﷺ ، حين صد عن البيت، وأحصر بالعدو: أحصر هو وسائر من معه، [....] واحد من القوم، لم يكن كذلك، فهذا معني قوله: (لا حصر إلا حصر العدو). فإن قيل: فما وجه قوله: (فقد حل) المتمسك [] بهذا الحديث يرى أن المحصر ليس له أن يحل حتى يبلغ الهدى محله، وعنده أن محله، مكانه الذي يجب أن ينحر به، وهو الحرم، فكيف بقوله: (فقد حل) ولم يبلغ الهدى محله؟ قلنا: [٦٥] قد قيل: عن وجهه: وقد حل له أن يعل من غير أن يصل إلى البيت، ومثله قولك للمرآة إذا انقضت عدتها: (قد حلت للرجل) يعني: أن يخطبها وبعقد عليها. ويجوز أن يكون بمعني المقاربة، أي: قرب ذلك وجاز، كقولك: من بلغ ذات عرق، فقد حج. [١٩٠٩] ومنه: حديث عبد الرحمن بن يعمر الدئلي - رضى الله عنه- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الحج عرفة ..... الحديث): أي: معظم الحج وملاكه الوقوف بعرفه، وذلك مثل قولهم: المال الإبل، وإنما كان ذلك ملاكه وأصله؛ لأنه يفوت بفواته، ويفوت الوقوف لا إلى بدل. وفي بعض طرق هذا الحديث: (الحج عرفات)، وكلاهما اسم للموضع الذي يقف به الحاج، وكل ذلك خارج عن الحرم، وقد قال أهل اللغة: إن (عرفات) اسم على لفظ الجمع، ولا يجمع، وقال الفراء: لا واحد له بصحة، وقول الناس: نزلنا بعرفة شبيه بمولد، وليس بعربي محض، وهي معرفة، وإن كان جمعا؛ لأن الأماكن لا تزول [......] وكالشيء الواحد. قلت: ولا يلزمنا تقليده في قوله: (إنه شبيه بمولد) وقد ورد بلفظ الواحد في السنن ورودا لا مدفع له

стр. 606

لصحته، وكثرة استعماله، والمتكلم به إما النبي ﷺ ، وهو أفصح العرب، وإما المهاجرون من قريش، أو من نزل مكة منهم، وهم أصح العرب لغة، وأعرفهم ببقاع مكة، وأساميها، وأما غيرهم من الصحابة واللغة يومئذ صحيحة لم تشبها لغة مولد، ولو استقصينا في إيراد ما روى على لفظ (عرفة) وتعداده من النبي ﷺ والصحابة لأفضى ذلك بنا إلى الإسهاب، وقد استغنينا عنه، لكثرته واشتهاره، فعملنا أن هذه التسمية أشبهت (عانات) فيما يقال لها تارة: عانة، وتارة عانات. ويحتمل أنهم أطلقوا عليها عرفات؛ لأنها أماكن مختلفة من سهل وجبل وبطون وأودية، ليشمل الكل. وقوله سبحانه: (فإذا أفضتم من عرفات) ليعلم أن حكم الإفاضة يتعلق بسائر من حضر تلك الأماكن؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ : (وعرفه كلها موقف) وفيه: (ومن أدرك عرفة ليلة جمع ....): كذا أورده المؤلف، والحديث على ما نجده في كتب الحفاظ المتقدمين زمانا ومنزلة: (ومن أدرك جمعا ...): ومعناه - إن صح-: من أدرك جمعا قبل صلاة الصبح، فقد أدرك البيتوتة، بجمع، وهذا الحديث لم يروه غير عبد الرحمن بن يعمر، ول يرو هو عن النبي ﷺ غير هذا الحديث، ولم يروه عن عبد الرحمن غير بكر بن عطاء، وهو حديث معتبر، جم الفائدة عزيز عند أهل النقل، وكان وكيع إذا تحدث به، قال: هذا الحديث أم المناسك. وفيه: (فمن تعجل [٤٦/ب] في يومين فلا إثم عليه ... الحديث): تعجل، أي: عجل في النقر، وتعجل يجئ لازما، ويجئ متعديا، فلو قدر متعديا، فمعناه: عجل النفر وإجراؤه على اللازم أمثل وأقوم؛ لمطابقة (ومن تأخر). فإن قيل: فما وجه التخيير بين الأمرين وأحدهما أفضل من الآخر، وما وجه التسوية بين المتعجل والمتأخر في نفي الحرج والمتأخر أخذ بالأسد والأفضل؟ قلنا: قد ذكر أهل التفسير أن أهل الجاهلية كانوا فئتين: فإحداهما ترى المتعجل آثما، والأخرى ترى المتأخر آثما، فورد التنزيل بنفي الحرج عنهما، وهذا قول مطابق لسياق الآية لو كان له في أسباب النزول آصل ثابت. والظاهر: أن الإعلام الذي جاءهم من قبل الله تعالى إنما جاء ليعلموا أن الأمر موسع عليهم، فلهم أن يأخذوا من الأمرين بأيهما شاءوا، ونظيره التخيير بين الصوم والإفطار، وإن كان الصوم أفضل، وأما وجه التسوية بين المتعجل والمتأخر في نفي الحرج، فهو أن من الرخص ما يقع من العامل موقع العزيمة، ويكون الفضل في إتيانه دون إتيان ما يخالفه، وذلك مثل قصر الصلاة للمسافر.

стр. 607

فمنهم من يراه عزيمة، ولا شك أنه في الأصل رخصة، والذي يراه - أيضا رخصة: يرى إتيان هذه الرخصة أفضل. ولما كان التعجيل في يومين رخصة، والرخص محتملة للمعاني التي ذكرناها - وقع قوله: ﴿فلا إثم عليه﴾ موقع البيان في إتيان الرخصة، وقوله: ﴿ومن تأخر﴾ موقع البيان لترك الرخصة، وإذا كانت الرخصة من هذا القبيل الذي لم يتبين لنا فضله على ما يخالفه - فلا شك أن الإتيان بالأتم والأكمل أولى وأفضل، والله أعلم. ومن باب حرم مكة (من الصحاح) [١٩١٠] حديث ابن عباس ﵁ قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: (لا هجرة، ولكن جهاد ونية .... الحديث): كان الهجرة إلى المدينة بعد أن هاجر إليها رسول الله ﷺ فرضا على الؤمن المستطيع؛ ليكون في سعة من أمر دينة؛ فلا يمنعه عنه مانع، ولينصر رسول الله ﷺ في إعلاء كلمة الله تعالى، وإظهار دينه، فينحاز إلى حزب الحق وأنصار دعوته، ويفترق فريق الباطل، فلا يكثر سوادهم، إلى غير ذلك من المعاني الموجبة لكمال الدين، فلما فتح مكة، وأظهره الله على الدين كله، أعلمهم بأن الهجرة المفروقة قد انقطعت، وأن السابقة بالهجرة قد انتهت وأن ليس لأحد بعد [٤٧ /ـ أ] أن ينال فضيلة الهجرة إليه، ولا أن ينازع المهاجرين في مراتبهم وحقوقهم. وقوله: (لا هجرة): أي: لم تبق هجرة، ولكن يبقي جهاد ونية، فينالون بذلك الأجرة والفضل والغنيمة. وفيه تنبيه على أنهم إذا حرصوا على الجهاد، وأحسنوا النية - أدركوا الكثير مما فاتهم بفوات الهجرة. وفي قوله: (لا هجرة): تنبيه على الرخصة في ترك الهجرة، يعني: إلى المدينة لنصرة الرسول ﷺ فأما الهجرة الهجرة التي تكون من المسلم لصلاح دينه، فإنها باقية يد الدهر. وفيه: (وإذا استنفرتم فانفروا): نفر القوم في الأمر نفورا: إذا تقدموا له، واجتمعوا، وهم النفير، وفي الحديث: (فنفرت لهم هذيل) أي: خرجت لقتالهم، والمعني: إذا سئلتم النفور وكلفتموه، فأجيبوا إليه.

стр. 608

ووجه المناسبة بين هذا الفصل وبين الفصل الأول: أنه لم يأمن عليهم أن يتوهموا أن لهم أن يثبطوا في الخروج إلى الجهاد، كما أن لهم أن يستقروا حيث شاءوا من بلادهم، فلا يهاجروا، فنبأهم أن أمر الجهاد خلاف أمر الهجرة. [١٩١١] وفيه: (إن هذا البلد حرمه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض) أي: لم يكن تحريمه من الناس باجتهاد شرعي، ولا بمقاية، ولا بمواضعه، بل كان من قبل الله بأمر سماوى). فإن قيل: كيف التوفيق بين قوله هذا، وبين قوله: (اللهم إني أحرم المدينة كما حرم إبراهيم مكة)؟ قلنا: يحتمل: أنه أضاف تحريم مكة إلى إبراهيم؛ لأن الله تعلى بين تحريمها للناس على لسانه، ويكون معني الدعاء: اللهم جرمها وبين تحريمها على لساني، كما بينت تحريم مكة على لسان إبراهيم. ويحتمل: أن التحريم المضاف إلى إبراهيم ما كان من دعائه عند بناء البيت، مثل قوله: ﴿وإذ قال إبراهيم رب أجعل هذا البلد آمنا﴾ لا الذى كان يوم خلق الله السموات والأرض، ويكون هذا النوع من التحريم زيادة على ما كان في أول الأمر، وذلك مثل تحريم الحرمين أن يدخلهما الدجال، وتحريم القتال فيهما، ولم يحمل التحريم الذي كان منهما على تحريم الصيد وتخويفه، وإثارته ما يشبهه من التحريم؛ لأن ذلك مختلف فيه بين أهل العلم: هل حكم المدينة في ذلك كحكم مكة؟ وإن كان الجمهور على التفريق بينهما في ذلك. والذي ذكرناه من دخول الدجال، وتحريم القتال، والدعاء على من خوف أهلها لا اختلاف فيه. وفيه: (ولا يلتقط لقطتها إلا من عرفها): أى: لا يلتقطها إلا من يريد [٤٧/ب] تعريفها فحسب؛ يدل عليه قوله في حديث آخر: (ولا يلتقط ساقطتها إلا منشد) أي: ليس للملتقط أن يتصدق بها، أو يستنفقها، كسائر اللقطات، وفي ذلك تعظيم أمر الحرم، ولم يفرق أكثر العلماء بين لقطة الحرم ولقطة غيرها من الأماكن، ويعضد هذا الحديث وما ورد بمعناه قول من فرق بينهما؛ لأن الكلام ورد مورد بيان الفضائل بل المختصة بها؛ كتحريم صيدها، وقطع

стр. 609

شجرها، وحصد خلالها، ثم إن الخبر الخاص إنما ياق لعلم خاص، وإذا سوى بين لقطة الحرم، ولقطة غيره من البلاد، وجدنا ذكر اللقطة في هذا الحديث خاليا عن الفائدة. وفيه: (ولا يختلي خلاها): الخلا - قصورا النبت الرقيق ما دام رطبا، فإذا يبس فهو الحشيس، والحشيش - أيضا - لا يحل قطعه، إذ لا فرق بين رطبه ويابسه، دل عليه من هذا الحديث قوله: (ولا يعضد شوكه) أي: لا يقطع، وذلك أبلغ في التحريم من قطع الشجر وغيره، لأن الشوك لا منفعة للنازلين في الحرم في إبقائه بل يستضرون، ولا يسرح في منابته النظر؛ بخلاف الخلاء [٤٨/أ] زينة الأرض، ومن المحدثين من روى (الخلاء) ممدودا، وهو خطأ. [١٩١٣] ومنه: حديث أنس ﵁: (أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح، وعلى رأسه المغفر .... الحديث): قال الأصمعي: المغفر: زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس، يلبس تحت القلنسوة. وفيه: (فلما نزعه جاءه رجل، فقال: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة): الرجل: هو فضلة بن عبيد أبو برزة الأسلمى، وهو الذي قتل ابن خطل، واسم ابن خطل: عبد العزيز، وقد أخبر النبي ﷺ : (أن ذلك لم يحل لأحد قبله، ولا يحل لأحد بعده، ولم تحل له إلا ساعة من نهار)، وكان ابن خطل قد ارتد بعد أن أظهر الإسلام، وقتل نفساً.

стр. 610

[١٩١٧] ومنه: حديث ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال: كأني به أسود أفحج .... الحديث): (كأني به) في معنى: أبصر به على هذه الصفة، يريد به: مخرب الكعبة من الحبشة، وهو الذي قال فيه: (يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة) فأراد به حموشة ساقية، وأسود أفحج: حالان من خبر (كأن) و (كأن) وإن لم يكن بفعل، فإن يشبه به، وإذا قيد منصوبه أو مرفوعة بالحال، كان مقيدا باعتبار معناه الذي أشبه الفعل. . وافحج: بتقديم الحاء على الجيم، وهو الذي يتدانى صدور قدميه، ويتباعد عقباه، ويتفحج ساقاه، ومعناه: ينفرج، والفجج - بجيمين: فتح ما بني الرجلين وهو أقبح من الفحج. و (يقلعها): في معنى الحال، والضمير: للكعبة، وفي الحديث، اختصار اختصره الراوي، لعلم السامعين به. [١٩١٩] ومنه: حديث عبد الله بن عدى بن الحمر السقرشي الزهري - رضى الله عنه: (رأيت رسول الله ﷺ واقفا على الحزورة) وفي غير هذه الرواية: (وهو واقف على راحلته بالحزورة): ومن الوراة من يشدد الواو، قال الدارقطني: التخفيف هو الصواب، والحزورة: موضع كان به سوق مكة، ويقال: إنما قيل لها: حزورة، لمكان تل صغير هنالك، ووجدت في (مجمع الأمثال) لأبي الفضل الميداني: أن وكسيع بن سلمة بن زهير بن إياد - وكان ولي أمر البيت بعد جرهم - بني صرحا بأسفل.

стр. 611

مكة، وجعل فيه سلما يرقي فيه، ويزعم أنه يناجي الله فوق الصرح، وكان علماء العرب يرون أنه صديق من الصديقين، وكان قد جعل في صرحه ذلك أمه يقال لها: حزورة؛ وبها سميت: حزورة مكة، والله أعلم. ومن باب حرم المدينة (من الصحاح) [١٩٢٠] حديث على ﵁[٤٨/ب] قال: قال رسول الله ﷺ : (المدينة حرام ما بين عبر إلى ثورة .... الحديث)، وفي بعض طرقه: (ما بين عائر إلى كذا) وفي بعضها: (إلى ثور). قال مصعب بن الزبير: لا يعرف بالمدينة عير ولا ثور، وقد ذهب بعض أهل العلم في تأويله: إلى أنه حرم من المدينة قدر ما بين عير وثور بمكة، قال: بمكة جبل يقال له: عير عدوى. قلت: وثور، يقال له: ثور أطحل، وكان قديما يعرف بأطحل، فكان ثور بن عبد مناة بن أد بن طالحة ينزله، فاشتهر به، فقيل بجبل ثور، واشتهر به، وغلب عليه ذلك حتى قيل للجبل: ثور، ثم أضيف إلى أطحل، لا ختلاف الاسمين. ويحتمل أنه أراد بها الحرتين؛ للحديث الصحيح أنه قال: (حرم ما بين لابتي المدينة على لساني) فشبه إحدى الحرتين بعير، لتوسطة ونشوزه، والأخرى بثور؛ لامتناعه تشيبها بثور الوحش، أو لاجتماعه، أو أراد بهما: مأزمي المدينة، فشبهها بعير وثور، وفي الحديث: (حرام ما بين مأزميها). وإنما تجوزنا فيه سبيل الاحتمال؛ لما لم نجد بالمدينة جبلا يعرف بواحد من هذين الاسمين؛ ولذلك ضرب بعض الرواة عليهما، وترك بعضهم موضعهما بياضا؛ ليبين الوهم فيه. وفيه: (فمن أحدث فيها حدثا، أو آوي محدثا)

стр. 612

أراد بالحدث البدعة، وذلك ما لم تجر به سنة، ولم يتقدم به عمل، وبالمحدث: المبتدع، وروي بعضهم: (المحدث): بفتح الدال، وليس بشيء؛ لأنه بكسر الدال هي الرواية الصحيحة، ثم إن فيه من طريق المعني وهنا، وهو أن اللفظين حينئذ يرجعان إلى شيء واحد؛ فإن إحداث البدعة وإيواءها سواء، والإيواء قلما يستعمل في الإحداث، وغنما المشهور استعماله في الأعيان التي تنضم إلى المأوي. وفيه: (ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم): الذمام والذمة: ما يذم الرجل على إضاعته من عقد، والمعني: أن المسلم إذا أعطي ذمته لمن يخالفه في الدين لم يكن لأحد من المسلمين أن ينقض العقد الذي عقد به ذلك في استئمانه، وإن كان ذلك المسلم من أدنى المسلمين منزلة. وقوله: (ذمة المسلمين واحدة) أي: أنها كالشيء الواحد لا يختلف باختلاف المراتب، ولا يجوز نقضها لتفرد العاقد بها، وكأن الذي ينقض ذمة أخيه كالذي ينقض ذمة أخيه كالذي ينقض ذمة نفسه. فقوله: (يسعى بها) أي: يتولاها ويليها ويذهب بها، والأصل في السعي: المشي السريع، ويستعمل للجد في الأمر؛ فمن خفر ملما، أي نقض عهده، وحقيقته: أزال خفرته، والخفرة هي العهد والأمان. وفيه: (لا يقبل منه صرف ولا عدل): قيل: فريضة ولا نافلة [٤٩ / أ] وقيل: توبة ولا فدية، وقد ذكرناه فيما قبل. وفيه: (ومن والي قوما غير مواليه): قال الطحاوى: إنما أراد به ولاء الموالاة؛ لا ولاء العتق. قلت: هذا حسن، غير أن نسق الكلام في قوله: (من أدعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه) يدل على أنه أراد به ولاء العتق، فإن له لحمة كلحمة النسب، وفيه, إبطال حق مواليه، وهو بالانقطاع عنهم، والانتماء إلى غيرهم، كالدعى الذي تبرأ عمن هو له، ويلحق نفسه بمن سواه، وفي ذلك قطع الرحم، وهتك الحرمات، وبه استوجب الدعاء عليه بالطرد والإبعاد. فإن قيل: فإذا كان المعني على ما أدعيت، فلم شرط فيه الإذن، وهو حرام، ووجود الشرط وعدمه في ذلك سواء؟ قلنا: بني الأمر في ذلك على الغالب، وهو أنه إذا استأذن مواليه، ل يأذنوا له وعلى هذا: فذكر الإذن فيه إرشاد إلى السبب المانع عنه، ويرع معني ذلك إلى التوكيد؛ لتحريه، والتنبيه على بطلانه، وأنه لا يملك ذلك، وليس له أن يتار شيئا منه.

стр. 613

[١٩٢١] ومنه: حديث سعد بن [أبي] وقاص ﵁ قال رسول الله ﷺ : (إني أحرم ماب ين لابتي المدينة: أن يقطع عضاهها ..... الحديث): اللوبة والسلابة: الحرة، و (لابتي المدينة): حرتان تكتنفانها، والعضاه: كل شجر يعظم وله شوك، واحد عضاهة. وعضهة بحذف الهاء الأصلية، كما تحذف من الشفة، سئل مالك رحمة الله - عن النهي الذي ورد في قطع سدر المدينة؟ وقال: إنما نهي عنها؛ لئلا تتوحش ويبقى بها شجرها، فيستأنس بذلك من هاجر إليها، ويستظل بها. فإن قيل: كان سعد وزيد بن ثابت يريان في ذلك الجزاء. قلنا: الوجه فيه أنه نسخ، فلم يشعرا به، وقد كان عبد الله بن مسعود ﵁ يرى التطبيق في الصلاة حيث خفي عليه نس ذلك، وإنما ذهب إلى النسخ من ذهب للأحاديث التي تدل على خلاف ذلك؛ ولهذا لم يأخذ بحديثهما أحد من فقهاء الأمصار. وقد بسطنا القول في بيان تلك الأحاديث في (كتبا المناسك) في بيان فضل مكة على سائر البقاع، فن أحب الوقوف عليه، فليراجع ذلك. [١٩٢٢] ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁ (ولا يثبت أحد على لاوائها وجهدها إلا كنت له شفيعا أو شهيدا). اللأواء: الشدة، واللأي: الشدة في العيش [٤٩/ب] والجهد، بفتح الجيم: المشقة، وقد ورد اللأواء في كلاهم بمعني القحط، وعليه يفسر الحديث؛ لما في أكثر الروايات: (على لأوائها وشدتها). والتعاقب في هذين اللفظين يدل على اختلاف في المراد، فيحمل اللأواء على ضيق المعيشة، والجهد على ما يصيبهم من الحر والجوع، وعلى ما يصيب المهاجرين فيها من وحشة والغربة وغير ذلك. وأما قوله: (كنت له شفيعا أو شهيدا): فالقول الأقوم فيه: أن يقال: (أو) للتقسيم لا على الشك من بعض الرواة؛ لأن هذا الحديث روى عن سعد، وابن عمر، وأبي أيوب، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وسفيان بن أبي زهير الشنوى، وسبيعة بنت الحارث الأسلمية، ﵃، وأكثر

стр. 614

الروايات عنهم على هذا السياق. ويدل ذلك على أن الحديث خرج كذلك من معدن الرسالة؛ لتواطؤ الرواة عليه؛ فالوجه فيه التقسيم؛ لأن الشك منفي عنه، لاسيما في أخبار الديانات، وأنباء الغيب. والمراد منه على هذا: إلا كنت شفيعا لبعضهم، شهيدا لبعضه، وقد قال في شهداء أحد: (أما هؤلاء فأنا عليهم شهيد)؛ فيحتل: أن يكون شهيدا لمن مات في زمانه، شفيعا لمن مات بعده، ويحتمل: أنه أراد أنه شهيد لمن اتقي وأحسن، شفيع لمن أساء وعصى. فإن قيل: أو ليس يشهد لأمته؟ قلنا: يشهد على سائرهم بالبلاغ، ولا يشهد إلا لمن وفي لله بعهده، قال الله تعالى: ﴿وجئنا بك على هؤلاء شهيدا﴾ فالآية تخبر عمن يشهد عليهم، والحديث يخبر عمن شهد لهم. وإن ذهب ذاهب: إلى أن (أو) بمعني الواو؛؛ لورود الرواية - أيضا - بالواو، فالتأويل أن نقول: إنه إشارة إلى اختصاص أهل المدينة بالجمع بين الفضيلتين: الشهادة والشفاعة. [١٩٢٣] ومنه: حديث أبي هريرة- ﵁: كان الناس إذا رأوا أول الثمرة، جاءوا به إلى رسول الله ﷺ ، فإذا أخذه قال ... الحديث): إنما كانوا يؤثرونه بذلك على أنفسهم؛ حبا له وكرامة لوجهة المكرم، وطلبا للبركة مما جدد الله عليهم من نعمته، ويرونه أولى الناس بما سيق إليهم من رزق ربهم، وأما إعطاؤه ﷺ أصغر وليد يراه: فإنه من تمام الشكر، والالتفات إلى وضع الشيء موضعه حيث بدا في أولية ما سيق إليه أول من هو أقرب إلى الضعف، وأبعد من الذنب، ثم إنه رأي أن يراعي المناسبة الواقعة بين الولدان وبين الباكورة، وذلك حدثان [٧٠] عهدهما بالإيداع فيخص به أصغر وليد يراه، تحقيقا لما أشير إليه من المعاني. [١٩٢٤] ومنه: حديث أبي سعيد الخدري رضى الله عنه عن النبي ﷺ ، قال: (اللهم، إن إبراهيم حرم مكة، فجعلها حرما ... الحديث): سمي حرم مكة حرما؛ لتحريم الله تعالى فيه كثيرا مما ليس محرما في غيره، والحرم قد يكون الحرام،

стр. 615

ونظيره: زمن وزمان، وأما إضافة: (جعل مكة حرما) إلى إبراهيم ﵇ وقد قال الله تعالى: ﴿أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا﴾: فهي من باب إضافة الشيء إلى سببه؛ وذلك لأن خليل الله هو الذي سأل الله ذلك؛ كما في قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم رب أجعل هذا البلد آمنا) أو لأنه بين للناس ذلك، أو لأنه هو الذي ميز حدود الحرم بالعلامات فنصب الأعلام عليها من الجهات، وقد ورد عن ابن عباس رضى الله عنه (أن إبراهيم نصب أنصاب الحرم يريه جبريل، ﵉. وذهب كثير من العلماء: أنه أراد بذلك تحريم التعظيم دون ما عداه من الأحكام المتعلقة بالحرم. وقد أشرنا فيما تقدم إلى أن التحريم الذي ذكر في المدينة ليس من سائر الوجوه؛ بل من وجه دون وجه، وفي بعض دون بعض، ومن الدليل عليه قوله في هذا الحديث: (لا يخبط شجرها إلا لعلف)، وأشجار حرم مكة لا يجوز خبطها بحال؛ وهذا من جملة الفرق بين التحريمين. فإن قيل: وفي هذا الحديث: (لا ينفر صيدها) وفي حديث جابر: (ولا يصاد صيدها)؟ قلنا: السبيل أن يحمل النهي على ما قاله مالك وغيره من العلماء: أنه أحب أن يكون المدينة مأهولة مستأنسا فإن صيدها وإن رأي تحريمه نفر يسير من الصحابة - فإن الجمهور منهم لم ينكروا اصطياد الطيور بالمدينة، ولم يبلغنا عن أحد من الصحابة: أنه رأي الجزاء في صيد المدينة، ولم يذهب - أيضا - إلى ذلك أحد من فقهاء الأمصار الذين يدور عليهم علم الفتوى في بلاد الإسلام. وفيه: (وإني حرمت المدينة حراما ما بين مأزميها): حراما: نصب على المصدر، والتقدير: أني حرمت المدينة، فحرمت حراما، ومثله قوله سبحانه: ﴿والله أنبتكم من الأرض نباتا﴾ و (ما بين مأوميها): يكون بدلا عنها. ويحتمل أن يكون (حراما) مفعول فعل محذوف، تقديره: وجعلت حراما ما بين مأزوميها، و (ما بين مأزميها) مفعولا ثانيا. والمأزم: كل طريق بين جبلين، ومنه يقال للموضوع الذي بين عرفة والمشعر الحرام: المأزمان؛ وفي حديث أبي هريرة رضى الله عنه: (وجعل - يعني: رسول الله ﷺ أثني عشر ميلا حول المدينة حمي). وقوله: (حمى): يؤيد ما قررنا) من قول العلماء في تحريم صيدها، وقطع شجرها؛ لأن ما كان على

стр. 616

سبيل (الحمى) لا يقع المنع عنه على التأبيد، بل يمنع منه تارة، ويرخص فيه أخرى، والحمي: الماء والكلأ يحمي فيمنع. والحديث أخرجه مسلم في كتابه وفيه: (أن لا يهراق فيها دم): هذا القول وقع موقع التفسير لما حرم؛ كأنه قال: وذلك بأن لا يهراق بها دم وليس من المفعولية في شيء؛ إذ لو كان متعلقا بقوله: (إني حرمت)، لكان من حقه ان يقول: أن يهراق بها دم، والمراد من النهي عن إراقه الدم ههنا، ـ النهي عن التقال فيها: فإنه يفضى إلى إراقة الدم. وإنما ذهبت غلى السبب المقضى إليه دون ظاهر القول؛ لأن إراقة الدم الحرام ممنوع عنه على الإطلاق، والمباح منه لم نجد فيه اختلافا نعتد به عند العلماء، إلا في حرم مكة. [١٩٢٥] ومنه: حديث سعد رضى الله عنه: (أنه وجد عبدا يقطع شجرا أو يخبطه، فسلبه) أي: أخذ ثيابه. والسلب- بالتحريك-: المسلوب، والوجه في ذلك النسخ على ما ذكرنا. وقد كانت العقوبات في أول الإسلام جارية في الأموال، وقد ذكر بنظائره في تفسير قوله ﷺ : (فله أن يعقبهم بمثل قراه). أى: أعطانيه نقلا، والنفل: الغتيمة،؛ تقول منه: نفلته نفيلا، أي: أعطيته نفلا. وقوله عائشة رضى الله عنها في حديثها: (وعك أبو بكر وبلال): الوعك: مغث الحمي، وهو ممارستها المحموم حتى تصرعه، يقال: وعكته الحمى، فهو موعوك، وأوعكت الكلاب الصيد: إذا مرغته في التراب. [١٩٢٧] ومنه: حديث ابن عمر في رؤيا النبي حتى نزلت مهيعة .... الحديث). قوله: (فى المدينة) أي: في ِشأن المدينة، (ثأثرة الرأس) أي: مستنشرة شعر الرأس مشعاثة، وقد انقضي القول فيه.

стр. 617

و (مهيعة): هي الجحفة، و (أرض مهيعة): مبسوطة، وبها كانت [٧٢] تعرف، فلما ذهب السيل بأهلها، سميت جحفة، وكانت - بعد ذلك - دارا ليهود يحلونها، ولهذا دعا النبي ﷺ بنقل وباء المدينة إليها، فقال: (وأنقل حماها إلى الجحفة). فلما رأي تلك الرؤيا عرف في تأويلها: أن الله تعالى قد استجاب دعوته؛ وذلك قوله: (فستأولتها أن وباء المدينة نقل إلى المهيعة)، وتأولته وأولته تأويلا: بمعني، وهو أن يفسر الشيء، بما يسئول إليه، ومنه قول الأعشي: على أنها كانت تأول حبها ... تأول ربعى السقاب فأصحبا والوباء: مرض عام، وأرض موبوءة: إذا كثر مرضها، والوباء يمد ويقصر، وكانت الجحفة - بعد رؤياه هذه- أكثر أرض الله وباء. ومنها غدير خم أوخم البلاد ماء وهواء وقد ذكر عن الأصمعي؛ أنه قال: لم يولد بغدير خم أحد فعاش إلى أن يحتلم، إلا أن يتحول منها. قلت: و (الميم من (خم) مشددة. [١٩٢٨] ومنه: حديث سفيان بن أبي زهير الشتوي، قال رسول الله ﷺ (تفتح اليمن، فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعملون): (يبسون) أي: يسوقون أخموالهم، من البس، وهو سوق لين، يقال للناقة إذا زجرت للسوق: بس بس، وبسست الناقة وأيستها: لغتان وعلى كلتيها روى الحديث. والمراد منه: أن قوما ممن يشهد تلك الفتوح إذا رأوا إرفاق تلك البلاد، وما يدر عليهم من الارزاق - دعتهم رغدة العيش، ومال يهم حبة البلهنية إلى استيطان تلك البلاد، فيتركون المدينة، والمدينة خير لهم؛ لانها حرم الرسول ﷺ ، ومنزل الوحى والبركات، ثم إن القوم كانوا يخرجون عنها، وبها أهلهم وعيالهم في ذات الله، وإعلاء كلمته، ويخاطرون بأنفسهم في حفظ الثغور لوجه الله، والذب عن حوزة الدين، فإذا

стр. 618

تركوا المدينة نظرا إلى الحظوظ العاجلة، تداخل الخلل والوهن في نياتهم، والتبست النقيصة بأعمالهم، وصار ذبهم في تلك البلاد عن أنفسهم وأهاليهم، وسعيهم في حيازة ما يقوم به أودهم بعد أن كان ذلك كله لله، . وقوله: (لو كانوا يعملون): أي: لو كانوا يعلمون أن المدينة خير لهم مما اختاروا عليها من البلاد. فإن قيل: فماذا تقول فيمن تحمل بأهله عنها، وهو يعلم أن المدينة خير له، وقلما يجهل ذلك مؤمن، لاسيما وقد نص عليه الرسول ﷺ أو ليس قد علم، ولم تكن المدينة خيرا له؟ قلنا: إنما ينفي العلم عن هذا الذى ذكرت، وينزل منزلة من لا يعلم؛ لأنه رغب عنها مع علمه بأنها خير له [٧٣] وطنا ومدفنا في محياه ومماته، والعالم إذا ترك العمل بما علم، ولم يتنفع بعلمه - صار منسلخا عنه؛ فكان كالذى لا يعلم. [١٩٢٩] ومنه: حديث أبي هريرة رضى الله عنه، قال رسول الله ﷺ : (أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون يثرب ... الحديث). (أمرت بقرية) أي: بنزول، وباستيطان قرية ونحو ذلك. (تأكل القرى): تقول العرب: أكلنا بني فلان، أي: ظهرنا عليهم. وأصل الأكل للشيء: الإفناء له، ثم استعير لانستاح البلاد، وسلب الأموال؛ فكأنه قال: يأكل أهل القرى، وأضاف الأكل إليها؛ لأن أموال تلك البلاد تجمع إليها فتفتي فيها. ويثرب: من أسماء المدينة، قيل: هو اسم أرضها؛ سميت باسم رجل من العمالقة كان أول من نزلها، وبه كانت تسمي قبل الإسلام، فلما جاء الله بالإسلام، غير النبي ﷺ هذا الاسم؛ فقال: (بل هي طابة)، وكأنه كرة هذا الاسم؛ لما يئول إليه من التثريب أو لغير ذلك. وقوله: (وهي المدينة): فيه - أيضا-: تنبيه على أن الاسم المقول متروك جعلت المدينة مكانه. يحتمل: أن يكون قوله: (وهي المدينة) على وجه التفخيم؛ كقول الشاعر: ......................... هم القوم كل القوم يا أم خالد

стр. 619

أي: هي المستحقة بأن تتخذ دار إقامة؛ فتسمي بذلك من قولهم: مدن بالمكان: إذا أقام به، وقد أشرنا إلى مثل هذا المعني في تسمية مكة بـ (البلد). [١٩٣١]: ومنه: حديث جابر بن سمره رضى الله عنه، قال رسول الله ﷺ : (المدينة كالكير، تنفى خبثها، وتنصع طيبها. الكير: كير الحداد -: هو البني من الطين، ويكون زقة أيضا، وقيل: الكير الزق. والكور: ما بني من الطين، وأصل الكلمة ممن الكور الذي هو الزيادة، ضموا الكاف على الأصل في أحدهما، وكسروها في الآخر؛ للفرق بين البناءين، والراد مما في الحديث: هو ما بني من الطين، وإن كانت اللغة فيهما على ما قيل؛ فالياء فيه معدولة عن الواو. و (خبثها) يروى مفتوحة الخاء والباء، ويروى مضمومة الخاء ساكنة الباء. وعلى الأولى: يعني به: ما تبرزه النار من الجواهر المعدنية التي تصلح للطبع، فتخلصها بما يميزه عنها من ذلك. وعلى الثانية: يعني به الشيء الخبيث. والمعتد به: هو الأول؛ لأنه أكثر وأشبه بالصواب؛ لمناسبته الكير، ولمساوقته المعني المراد منه. وقرن الخبث بالضمير على لفظ التأنيث؛ لأنه نزل المدينة منزلة الكير، فأعاد الضمير إليها. واختلفوا في قوله: (ينصع طيبها) اختلافا كثيرا، وأري أسد الروايات لفظا، وأقومها معني: (وينصع) بضم الياء، وتخفيف النون؛ من قولهم [٧٤]: نصع لونه نصوعا: إذا أشتد بياضه وخلص، وأنصعه غير: على اللغة القياسية، وفي معناه: ينصع بتشديد الصاد، والرواية بالتشديد أكثر. و (طيبها) بتشديد الياء، وفتح الباء، وقد ذكر الحافظ أبو موسى، عن صاحب (المجمع): أن صوابه: (ينصع) من الثلاثي، و (طيبها) بكسر الطاء وضم الباء، أي: يظهر طيبها، أو (ينصع) بضم حرف الاستقبال، وفتح الباء، والطاء مكسورة أيضا. قلت: وكسر الطاء غير سديد؛ لأن فتح الطاء وتشديد الياء، هي الرواية الصحيحة فيه، وذلك أقوم معني؛ لأنه ذكر في مقابلة (الخبيث) و (ينصع) على صيغة الثلاثي: أيضا غير سديد لأنه لازم، وقد جيء

стр. 620

به - ههنا - مطاوعا لقوله: (ينفي)، وهو متعد، وإذا كان من التنصيع أو الإنصاع، حصل به أتساق الكلام، وكذلك (طيبها) بتشديد الياء وفتح الباء، فإن كسر الطاء منه - مع مخالفته رواية الثقات - ناب عن الأصل المشبه به، أية مناسبة بين الكير والطيب. وهذا القول صدر عنه على وجه التمثيل، فعجل مثل المدينة وما يصيب ساكنيه من الجهد والبلاء كمثل الكير وما يوقد عليه في النار فيميز به الخبيث من الطيب، فيذهب الخبيث، ويبقي الطيب فيه أزكي ما كان وأخلص، وكذلك المدينة تنفي شرارها بالحمي والوصب والجوع، وتطهر خيارهم وتزكيهم. وقد ذكر الزمخشري أن صوابه: (ينضع) بالضاد المعجمة من (أنضعت الشيء) أي: جعلته نضاعة، وهذا القول ساقط من طريق الرواية، لين من حيث المعني. [١٩٣٣]: ومنه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: (ليس نقب من أنقابها): النقب: الطريق في الجبل. [١٩٣٥]: ومنه: حديث أنس رضى الله عنه: (أن النبي ﷺ طلع له أحد، فقال: هذا جبل يحبنا ونحبه). الأشبه أن تكون إضافة الحب إلى الجبل مجازا، والمراد منه: حصول الكرامة والشرف للجبل بمجاورة رسول الله ﷺ ، فإن من دأب الناس حب ما فيه كرامه وشرف، أو المراد منه: أنه يوافقهم في الماء

стр. 621

والهواء موافقة المحب لمحبوبة، فلا يجتوونه ولا يستوخمونه. ولعل أراد بالجبل: أرض المدينة كلها، وإنما خص الجبل بالذكر؛ لأنه أول ما يبدو ن أعلامها، ويحتمل أنه أراد بحب الجبل لهم: حب أهل المدينة. (ومن الحسان) [١٩٣٧]: حديث الزبير بن العوام، عن رسول الله ﷺ : (أن صيد وج وعضاهه حرم محرم لله). قال المؤلف: (ووج: ذكروا أنسها من ناحية الطائف)، وأنه نقله عن كتاب الخطابي؛ وعلى هذا [٧٥] وجدناه في (كتاب المعالم) إلا أن فيه: (أنه) من ناحية الطائف، وفي (المصابيح): (أنها) والصواب (أنه)، وقد وجدنا فيما نعتمد عليه من بيان أسماء الأمكنة: أن وجاء بلد الطائف؛ قال الشاعر: فإن تسق من أعناب وج فإننا ... لنا العين تجرى من [كسيس] ومن خمر وفي الحديث: (آخر وطأة وطئها الله بوج) وهى غزوة الطائف. و (حرم) أي: حرام، وهما لغتان كـ (حل وحلال)، وبه قرأ عاصم في إحدى الروايتين عنه، وحمزة

стр. 622

والكسائي: ﴿وحرام على قرية أهلكناها﴾، و (محرم): جاء به على وجه التأكيد لقوله: (حرم). وقوله: (لله) متعلق بالتحريم، أي: حرم ذلك لله. قد ذهب أكثر العلماء في تأويل هذا الحديث: إلى أنه حرمه على سبيل الحمي، أو حرمه في وقت معلوم، ثم نسخ. قلت: والذي ذهبوا إليه في تأويله هو الذي نعول عليه في أمثال هذا الحديث، ولا نرى عنه معدلا؛ وذلك أنه كان يريد غزوة الطائف، وأعلمه الله تعالى سيكون معه الجم الفقير من المهاجرين والأنصار والطلقاء وأعراب المسلمين؛ فرأى أن يحمي ذلك؛ ليرتفق به المسلمون، ويتقووا به على محاصرة أهل الطائف؛ ويدل عليه ما روي في هذا الحديث: أن ذلك كان قيل غزوة الطائف، وحصاره ثقيفا. وقد رووا عن كعب الأحبار في تقديس أرض وج وتحريمها قولا لا يخف على من عرف ربه ثقله، يخفى على من كان على بصيرة فساده؛ وعليه أولوا الحديث الذي ذكرناه في آخر وطأة. والله المسئول أن يبصرنا لدى ألعمي في مواطن العرفان، وينعش بنا عن السقطة في ورطة الخذلان.

стр. 623

كتاب البيوع ومن باب الكسب وطلب الحلال (من الصحاح) [١٩٤٢]: حديث أبى هريرة- ﵁ قال رسول الله ﷺ : (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا .... الحديث): الطيب في الأصل: خلاف الخبيث، وإذا وصف به العبد فهو المتعري عن الجهل والفسق المتحلي بالعلم والصلاح، وقد يوسف به الرب تعالى على أنه هو المتنزه عن رذائل الصفات، قبائح الأفعال. والطيب من الرزق: ما لا تستوم عاقبته، وكان متناولا بحكم الشرع. ومعني الحديث: لا يقبل الله إلا الشيء الطيب، ولا يحل أن يتقرب بغير ذلك إليه؛ إذ ليس من صفته قبول الشيء الخبيث والرضا بالمنكر. وفيه: (ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر): أراد بـ (الرجل): الحاج الذي أثر به السفر، وأخذ منه الجهد والبلاء، وأصابه الشعث، وعلاه الغبرة، فطفق يدعو الله على هذه الحالة، وعنده أنها من مظان الإجابة؛ فلا يستجاب له، ولا يعبأ ببؤسه وشقائه؛ لأنه متلبس بالحرا، صارف النفقة من غير حلها.

стр. 624

[١٩٤٤]: ومنه: حديث النعمان بن بشير - رضى الله عنه، قال رسول الله ﷺ : (الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات .... الحديث): أراد: أن الشرع بين الحلال والحرام، وكشف عن المباح والحظور بحيث لا خفاء بالأصل الذي أسس عليه الأمر، وإنما تقع الشبهة في بعض الأشياء إذا أشبه الحلال من وجه، وأشبه الحرام من وجه؛ وذلك بالنسبة إلى الأكثر دون العموم؛ فإن من الأشخاص من لا يشتبه ذلك أيضا - إليه، إذا كان ذا حظ من العلم والفهم؛ نبئنا عنه قوله ﷺ : (لا يعلمها كثير من الناس). فسبيل الشحيح بدينه، الستقصى لعرضه، إذا ابتلى بشيء منها: أن يتوقف حتى يأتيه البيان، ويتضح له الأمر، أو يعزم على تركه أبد الدهر؛ وهذا هو الأصل في الورع. وفيه: (ومن وقع في الشبهات، وقع في الحرام): الوقوع في الشيء: السقوط فيه، وكل سقوط شديد يعبر عنه بذلك، والمعني: أن ن يهون على نفسه الوقوع في الشبهات حتى يتعود ذلك - فإنه يقع في الحرام؛ لأنه حام حول حريم الحرام؛ فيوشك أن يواقعه. وإنما قال: (وقع في الحرام)؛ تحقيقا لمداناته الوقوع؛ كما يقال: من أتبع نفسه هواها، فقد هلك. ثم ضرب مثله بالراعي يرعي حول الحمي، وهو المرعي الذي حماه السلطان فمنع منه؛ فإنه إذا سبب ماشيته هناك لم يؤمن عليها أن ترتع في حمي السلطان؛ فيصيبه من بطشه ما لا قبل له به. ثم ذكر أن حمى الله محارمه؛ ليعلم أن التجنب من مقاربة حدود الله، والحذر من التخوض في حماه: أحق وأجدر من مسجانبة حمى كل ملك، وأن النفس الأبية الأمارة بالسوء إذا أخطأتها السياسة في ذلك الموطن، كانت أسوأ عاقبة من كل بهيمة خليع العذار. وفي قوله: (ألا إن في الجسد مضغة ..... إلى تمام الحديث). إشارة إلى أن صلاح القلب وفساده منوط باستعمال الورع وإهماله. [١٩٤٥] ومنه: حديث رافع بن خديج، عن النبي ﷺ قال: (ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث، وكسب الحجام خبيث):

стр. 625

الخبيث: ما يكره رداءة وخساسةن ويستعمل في الحرام؛ قال الله تعالى: ﴿ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب﴾، قيل: الحرام بالحلال، ويستعمل في الشيء الرديء؛ قال الله تعالى: ﴿ولا تيموا الخبيث منه تنفقون﴾ أي: لا تقصدوا الردئ فتصدقوا به [٧٧]؛ يقال للشيء الكريه العم، أو المنتن الرائحة، الخبيث؛ ومنه الحديث: (من أكل من هذه الشجرة الخبيثة). وإذا قد علمنا أن فعل الزني محرم، علمنا أن المراد من (الخبيث) في مهر البغي: هو الحرام؛ لأن بذل العوض في الزني ذريعة إلى التوصل إليه؛ وذلك في التحريم مثله. وعلمنا أن الحجامة مباحة، وأن (النبي ﷺ أحتجم، وأعطى الحجام أجره): علمنا أن المراد من خبث كسبه، غير التحريم، وإنما هو من جهة دماءة ووداءة مخرجه، وقد يطلق اللفظ الواحد على قرائن شتي، ويختلف فيه المعني بحسب اختلاف المقاصد فيها. والقول في ثمن الكلب: مبني على هذين القولين؛ على حسب اختلاف العلماء: فمن جوز بيعه حمل خبث ثمنه على الدناءة. ومن لم ير بيعه: حمله على التحريم. والبغي: الزانية؛ سميت بذلك؛ لتجاوزها إلى ما ليس لها؛ وذلك الفعل يقال له: البغاء، بالكر والمد. وإتما سمي الأجرة التي أخذها على البغاء: مهرا، والمهر إنما يطلق على الصداق، ويستعمل فيه، لوقوعها موقع المهر في مقابلة البضع، وتسميتها بـ (وكسب البغي)، ولا يقع ذلك في البيان موقع: (مهر البغي)؛ لأن الكسب لا يختص بالبغاء، والمهر يختص به. [١٩٤٦]: ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁: (وحلوان الكاهن): لك غير الأجرة، ولهذا سميت الرشوة: حلوانا. قال بعضهم: أصله من الحلاوة: شبه بالشيء الحلو؛ يقال: حلوت فلانا: إذا أطعمته الحلو. [١٩٤٧]: ومنه قوله ﷺ في حديث أبي جحيفة ﵁: (والواشمة والمستوشمة).

стр. 626

الوشم: أن يغرز شيء من البدن بإبرة، ثم يحشى بالكحل أو بالنئور، وهو دخان الشحم يعالج به الوشم حتى يخضر، ويقال له: النيلج، وكانت نساء العرب تفعل ذلك بمعاصمهن وظهور كفهن، فالواشمة: ذات الوشم، يضاف الفعل إليها؛ لأنها صنعت ذلك بنفسها، أو أمرت غيرها. على هذا يفسرها أهل اللغة. وأما في هذا الحديث فصيغة اللفظ تدل على أن الواشمة هي الصانعة بغيرها، والمستوشمة: التي سألت الواشمة أن تشمها. وفي غير هذه الرواية (المؤتشمة) كان (المستوشمة)، وهي [٧٨] التي تفعل بها ذلك [١٩٤٩]: ومنه: حديث عمر - رضى الله عنه - أن رسول الله ﷺ قال: (قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحو فجملوها فباعوها). قيل: معني: (قاتل الله) أي: لعنهم، وقيل: عاداهم، وقيل: قتلهم، و (فاعل) وإن كان سبيله أن يكون بين أثنين - فربما يكون من واحد، كقولك: سافرت، وعلى هذه الوجوه فسر قول تعالى: ﴿قاتلهم الله أنى يؤفكون﴾.

стр. 627

وقال بعضهم: الصحيح: أنه من المفاعلة، والمعني: أنه متصد لمحاربة الله، ومن قاتل الله فهو مقتول، ومن غالبه فهو مغلوب. (فجملوها) بالجيم، أي: أذابوها، والجميل: ما أذيب من الشحم، أولوا القضية تأويلا فاسدا، لعنهم الله وأخزاهم! [١٩٥٥]: ومنه: حديث الحسن بن على ﵄، قال: حفظت من رسول الله ﷺ : (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) الحديث: أي دعما اعترض لك الشك فيه منقلبا إلى ما لا شك فيه، يقال: دع ذلك إلى ذلك أي: استبدله به، ويريبك: بفتح حرف المضارع منه، ويضم، وقد ورد بها الرواية، والفتح: أكثر (وراب وأراب) لغتان. وقال بعض أصحاب (الغريب):هو من أرابني الشيء، ويقول: أراب الرجل، أي: صار ذا ريبة، ونه المريب. وفيه: (فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة): جاء هذا القول، (ثم بدا) لما تقدمه من الكلام، ومعناه: إذا وجدت نفسك ترتاب في الشيء فاتركه؛ فإن نفس المؤن تطمئن إلى الصدق، وترتاب من الكذب، فارتيابك في الشيء منبئ عن كونه باطلا، أو مظنة للباطل فاحذره، واطمئنانك إلى الشيء مشعر بكونه حقا فاستمسك به، والصدق والكذب يستعملان في المقال والفعال، وما يحقق أو يبطل من الاعتقاد.

стр. 628

(ومن الحسان) [١٩٥٦]: حديث وابصة بن معبد الأسدي - رضى الله عنه، قال رسول الله ﷺ (يا وابصة، جئت تسأل عن البر والإثم .... الحديث): هذا الحديث يدخل في أعلام النبوة؛ لأن وابصة أتاه وقد أسر في نفسه أن يسأله عن ذلك، فلم يلبثه أن قال: جئت تسأل .... الحديث)، وقد رأى بعض أهل النظر أن الأمارة التي أشار إليها رسول الله ﷺ للتميز بين الأمرين ليست من جملة [٧٩] ما يدخل في حكم العموم؛ بل هي شيء يختص بأهل النظر وأصحاب الفراسات ن ذوى القلوب السلمية، والنفوس المرتاضة. وهذا القول وإن كان غير مستبعد - فإن القول بحمل على العموم فيمن تجمعهم كلمة التقوى وتحيط بهم دائرة الدين أحق وأهدى، ولا ضرورة بنا إلى صرف قوله إلى الخصوص، ونحن نجد لحمله على العموم مساغا. وقد روى هذا الحديث بمعناه عن غير واحد من الصحابة، منهم النواس بن سمعان، قال: قال رسول الله (الإثم ما حاك في نفسك). فتقول - ون الله المعونة: قد تحقق لنا من جواب النبي ﷺ أن وابصة لم يسأله عن أمر تبين رشده، ولا عن أمر تبين غيه؛ إذ لم يكن له في الحق الواضح والباطل الجلي أن يعدل عن قوله المفتي الذي استفتاه قلبه ونفسه، وإنما سأله عما أشكل عليه من الأمرين، واشتبه عليه من النوعين، فأحاله إلى الأخذ بما هو عن الاشتباه بمعزل؛ وذلك لان اطمئنان قلب المؤمن ونفسه إنما يكون بزوال التردد عنهما، والمؤمن إذا أخبر بالأمر المجمع عليه عن الله ورسوله؛ فمن حق الإيمان أن يطمئن إلي كل الطمأنينة، وإذا أخبر بالأمر المختلف فيه لمعني يوجب الاختلاف فمن حق الورع أن يأخذ منهما بما هو أقو وأتقي؛ فذلك الذي يزيل التردد عنه؛ فيطمئن إليه، وإذا لم يجد إلى ذلك سبيلا لاستواء الأمرين، فالترك أول به، وإن أفتاك المفتون، وهذا القول راجع في المراد منه إلى ما يرجع إليه حديث الحسن بن على ﵁ وقد سبق القول فيه. وقوله: (حاك في النفس) أي: أثر فيها، والحيك: أخذ القول في القلب، يقال: ما يحيك فيه الملام إذا لم يؤثر فيه.

стр. 629

وقد روى أيضاً (الإثم ما حك في صدرك)، وفي حديث آخر: (إياكم والحكاكات؛ فإنها المأثم). قلت: وذلك لأن صدر المؤمن لا يزول عنه الحرج فيما لم يكن فيه على بينة؛ يقال: حك في نفسي الشيء: إذا لم يكن منشرح الصدر به [٨٠]، وكان في قلبك منه شيء. [١٩٦١] ومنه: حديث أبى هريرة ﵁: (نهي رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب، وكسب الزمارة) قال أبو عبيد: تفسيره في الحديث: أنها الزانية. قال: ولم أسمع هذا الحرف إلا فيه، ولا أدري من أي شيء أخذ، وقد نقل الهروي عن الزهري، أنه قال: يحتمل أن يكون نهي عن كسب المرأة المغنية، يقال: غناء زمير، أي حسن، ويقال: زمر إذا غني، وزمر الرجل: إذا ضرب المزمار، فهو زمار، ويقال للمرأة: زامرة قيل: ويحتمل أن يكون تسميته الزانية: زماة؛ لأن الغالب على الزواني اللاتي اشتهرن بذلك العمل الفاحش، واتخذته حرفه، كونهن مغنيات. وذهب بعضهم: إلى أن الصواب فيه تقديم الرء الهملة على الزاي، وهي التي تومي بشفتيها وعينيها، والزواني يفعلن ذلك؛ قال الشاعر: رمزت إلى مخافة من يعلها ... من غير أن يبدو هناك كلام

стр. 630

[١٩٦٢] ومنه: حديث أبى أمامة عن النبي ﷺ : (لا تبيعوا الفينات، ولا تشتروهن ..... الحديث): القينة: الأمة، مغنية كانت أو غير مغنية؛ لأنها تصلح البيت وتزينه، أخذ من التقيين وهو التزيين، وقيل: القينة: المغنية. ولا شك: أن المراد منها في الحديث: الأمة المغنتية؛ لأنها إذا لم تكن مغنية، فلا وجه للنهى عن بيعها وشرائها، وإذا لم تكن أمة فلا وجه لإطلاق البيع والشرى عليها. واكتفاؤه في الحديث بأحد الوصفين؛ لكون لفظ القينة منبئا في موضعه ذلك عن المعنيين؟ وفيه: (وثمنهن حرام). قيل: الحرمة في الثمن متعلق بالفضل الذى فيه، لأجل الغناء من الأخذ والمعطي. ويحتمل: أن تكون متعلقة بأخذ الثمن؛ فحذف منه المضاف، وأقيم المضاف إليه مكانه، وجاء به على هذه الصيغة؛ لكونه أبلغ في الإنذار وإنما جاز الحذف في مثل هذا الموضع؛ لما ورد به الشرع من البيان فيه، ويكون تحريم أخذ الثمن في القينة كما هو في بيع العنب عمن يتخذه خمرا، فإن أخذ الثمن عليه مع العلم بأن المشتري يشتريه ليتخذه خمرا فعل حرام، ثم إنه - مع كونه حراما - لا يمنع عن انعقاد البيع، وثبوت ملك البائع والمشترى في الثمن والمثمن عند أكثر العلماء، وإن كانا عصيا الله في صنيعهما. وأما من يرى البيع فيه [٨١] فاسدا فلا حاجة إلى التأويل. هذا وجه هذا الحديث إن ثبت؛ فإن في إسناده من لا يرى أهل الجرح والتعديل الاحتجاج بحديثه. ومن باب المساهلة في المعاملة (من الصحاح) [١٩٦٤] قوله ﷺ في حديث جابر - رضى الله عنه: (رحم الله رجلا سمحا) أي سهلا، ومنه حديث عطاء (اسمح يسمح لك) أي: سهل يسهل عليك، ومنه المسامحة.

стр. 631

[١٩٦٦] ومنه: حديث أبى هريرة - رضى الله عنه، عن النبي ﷺ : (إياكم وكثرة الحلف في البيع ينفق ويمحق). ينفق: بضم الياء، وسكون النون، وتخفيف الفاء، أي: يروج المتاع، ويكثر الرغبات فيه من قولهم: نفق البيع ينفق نفاقا: إذا كثر المشترون والرغبات، ويمحق، أي: يهلك ويذهب بسبركته؛ قال الله تعالى: ﴿يمحق الله الربا﴾ أي: يفنيه. ورواية من يرويه على وفاق ينفق من الإمحاق غير صواب؛ فإن أمحقه لغة رديئة في محقه، ثم إنه بفتح حرف المضارعة هي الرواية المعتد بها. ومن الناس من يشدد الكلمتين وليس ذلك بشيء. وفي الرواية الأخرى: (الحلف منفقه للسلعة ممحقة للبركة): بفتح الميم منهما وتسكين الحرف الثاني، والمعني: الحلف سبب لنفاق السلعة، وهي المتاع، وسبب لمحق البركة. ومن الناس من يضم الميم منهما، مع سكون الحرف الثاني، والصحيح هو الأول. ومنهم من يفتح الحرف الثاني منهما، ويشدد الثالث، وهو غير سديد رواية ولفظا [١٩٦٧]: ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي ذر ﵁ (المسبل والمسنان والمنفق سلعته ............. الحديث). المسبل: الذي يري إزاره، ويرسل ثوبي إلى الأرض خيلاء والمنان: الذي يكثر المن بما يوليه، ويعتد بصنيعته. والمنفق بالتخفيف: على ما ذكرنا.

стр. 632

ومن الحسان [١٩٧٠]: حديث رفاعة بن رافع الأنصاري، عن النبي ... ﷺ ، قال: التجار يحشرون فجارا ....) الحديث. الأصل في الفجور: المسيل عن القصد؛ ومنه يقال للكاذب: فاجر؛ وعلى هذا المعني سماهم: فجارا؛ وذلك أن التاجر قلما يسلم فاه عن الكذب والحلف؛ فيقول: اشتريته بكذا ولا أبيعه بأقل من كذا، وأعطيب به كذا، ويعد فيخلف، وربما يحلف على الأمر غير محتاط فيه ويبالغ في البيع والشرى؛ بالرفع والحط، حتى يفضي به إلى الكذب؛ فلذلك يحشرون في زمرة من كثر منه الكذب، إلا من اتقي الكذب وبر في يمنه وصدق [٨٢] في حديثه ومن باب الخيار من الصحاح [١٩٧١]: حديث عبد الله بن عمر ﵁ قال رسول الله ﷺ : (المتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا، إلا بيع الخيار). اختلف العلماء في معني قوله: ما لم يتفرقا:

стр. 633

فذهب جمع إلى أن معناه التفرق بالأبدان؛ فأثبتوا لهما خيار المجلس، وقالوا: سمماها المتبايعين، وهما المتعاقدان؛ لأن البيع من الأسماء المشنقة من أفعال الفاعلين، وهي لا تقع في الحقيقة إلا بعد حصول الفعل منهم، وليس بعد العقد تفرق إلا التميز بالأبدان. وذكروا عن بعض أهل اللغة: أن التفرق: ما كان بالأبدان، والافتراق ما كان بالكلام, وذهب آخرون: إلى أنهما إذا تعاقدا، صح السع، ولا خيار لهما إلا أن يشترطا، وقالوا: الراد من التفرق: هو التفرق بالأقوال، ونظير ذلك من كتاب الله : ﴿وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته﴾ ومن المعلوم أن الزوج إذا طلق امرأته على مال، فقبلت ذلك، حصل التفرق بينهما بذلك، وإن لم يتفرقا بأبدانهما. ثم إن التفرق بالأبدان ليس له حد محدود يعلم. وأما تسميتهما بالمتبايعين: فيصح أن يكون بمعني المتساومين، وهو باب تسمية الشيء بما يئول إليه، أو يقرب منه ، وفي الحديث: (لا يبع أحدكم على بيع أخيه) على صحة مذهبه، فقال: حقيقة (المتبايعان) التشاغلان بالبيع وذلك يكون قبل تمام البيع كقولك: المتقاتلان والمتضاربان وبعد انقضاء البيع، يقال لهما: المتبايعان، على المجاز والعبرةبها إذا اجتمعت مع المجاز؛ والمعبرة بها إذا اجتمعت مع المجاز؛ واستدلوا بقول ﷺ : (ولا يخل له ان يفارق صاحبه خشية؟ أن يستقبله)؛ رواه عبد الله بن عمر ﵁ والحديث بتمامه أورده المؤلف في (الحسان) من هذا الباب. واستدل على أهل هذه المقالة من خالفهم بما رؤى عن نافع في بعض طرق هذا الحديث: (فكان ابن عمر إذا بايع رجلا، فأراد ألا يقيله، قام فمشي هنيهة، ثم رجع إليه) فقالوا: نرى أن ابن عمر اشتب عليه حكم التفرق: أهو بالأبدان أم بالأقوال؟ فصنع صنيعه ذلك؛ احتياطا. قلت: ومما يصح أن يكون سنادا لقولهم، ومؤيدا له أن هذا الحديث رواه جماعة عن نافع، منهم مالك ابن أنس، وهو أفقههم وأعلمهم بالحديث، لاسيما بحديث نافع عن ابن عمر، ولم ير مالك الخيار بعد تمام العقد، ولم يكن ليتهم نفسه، ولا ليتهم نافعا، وحاشاه أن يتهم أحدا من الصحابة فيما يرويه، فلو لم ير تأويل (٨٣) الحديث على مصداق قوله، لم يذهب إلى ما ذهب، ولم يكن ليخالف حديثا صح عنده. وقوله ﷺ : (إلا بيع الخيار): المراد منه عند من لا يرى خيار المجلس: خيار الشرط، وقد أنكر الخطابي على هذا التأويل (والجرح) القول بفساده، وقال: (الاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات، والأول إثبات الخيار؛ فلا يجوز أن يكون ما استثني عنه إثباتا بمثله)؛ وكأن هذا القول صدر عنه من غير روية؛ لأن في قوله: (ما لم يتفرقا).

стр. 634

[دليل ظاهرًا] على نفى الخيار بعد وجوب البيع؛ فوقع الاستثناء عن المعني المنفي، والاتصال بين الكلامين حاصل من الوجه الذي ذكرنا. وأما تأويله عند من يقول بخيار المجلس: أن بخيره قبل التفرق عن المجلس؛ فيقول له: (أختر) فبعد الاختيار، لا يبقي له خيار، وإن لم يتفرقا بأبدانهما وفي بعض طرق هذا الحديث، من كتاب البخاري (أو يكون البيع خيارا) وإنما شرعنا في تقرير ما سبقنا بتقريره حسين أردنا تفسير قوله: (إلا بيع الخيار) ولم نر أن نعطى فيه البيان حقه، إلا بتقديم ما يمهد قاعدة البيان، ولقد بقيت علينا بقية من بيان ما يوجبه اختلاف الروايات في هذا الحديث، لاسيما في كتاب البخاري من اختلاف المعاني، رأينا الإضراب عنها؛ حذرا عن الإسهاب. ونحن تصدينا لشرح أحاديث كتاب (المصابيح)؛ فلا نرى أن نتعداها إلى غيره، إلا عن ضرورة، مع أن هذا الحديث على السياق الذي أورده المؤلف أحق الروايات بالتقديم؛ لأنها أكثر وأقوم. [١٩٧٣] ومنه: حديثه الآخر قال رجل للنبي ﷺ : (إني أخدع في البيوع؟ فقال: إذا بايعت فقل: لا خلابة). ذهب بعض العلماء: إلى أنه خاص في أمر ذلك الرجل، وهو حسبان بن منقذ بن عمرو الأنصاري المازني- ﵁. وذهب بعضهم إلى أنه عام في كل صفقة بين فيها الغبن. وأكثر العلماء: على أن البيع إذا صدر عن المتابعين عن رضى، وكانا ممن يصح تصرفاتهم، فإنه صحيح لا مرجع فيه بعلة الغبن. وتأويل الحديث على ذلك أن نقول: لقنه النبي ﷺ هذا القول ليتلفظ به عند البيع؛ فيطلع به صاحبه على أنه ليس من ذوي البصائر في معرفة السلع ومقادير القيمة فيها؛ فيمتنع بذلك عن مظان الغبن، ويرى له كما يرى لنفسه، وكان الناس في ذلك الزمان أحقاء بأن يعينوا أخاهم المسلم، وينظروا له أكثر ما ينظرون لأنفسهم [٨٤]. والخلابة: مصدر قولك: خلبت الرجل: إذا خدعته.

стр. 635

ومن باب الربا (من الصحاح) [١٩٧٧]: قوله ﷺ في حديث عبادة بن الصامت ﵁: (فإذا اختلفت هذه الأصناف): وجدنا في كثير من النسخ قد ضرب على (الأصناف)، وأثبت مكانها (الأجناس)، والحديث أورده في قسم الصحاح، وهو مما أخرجه مسلم في كتابه، ولفظ كتابه: (فإذا اختلفت هذه الأصناف)، ولم نجد فيه (الأجناس). وأروى ذلك من تصرفات بعض الفضولية، ظنا منه أن الصواب هو: (الأجناس)؛ لأن كل واحد من الأشياء المذكورة على حدته جنس، والصنف أخص من الجنس، ولم يدر هذا المتدفق (المستقصي) أن الأصناف - أقوام في هذا الموضع؛ لأنه أراد بيان الجنس الذي يجرى فيه الربا؛ فعد أصناف الجنس، (لأن) العرب تستعمل بعض الألفاظ المتقاربة في المعني مكان بعضها، ثم إن الذي زعزعه لم يكن من العلوم التي يتعاطونها. [١٩٧٨]: ومنه: قوله ﷺ في حديث أبى سعيد الخدري - رضى الله عنه -: (بدأ بيد): يدا من المنصوب بإضمار؛ كأنه قال: يقابل يدا بيد، ويتقابضان يدا بيد، وهي في موضعها هذا من الأسماء الجارية مجري المصادر، والمراد منها النقد، أي: نقدا ليس بنسيئة.
следующие страницы →