← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18569

الميسر في شرح مصابيح السنة للتوربشتي

التوربشتي

Полный текст (1 323 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

[١٩٦٦] ومنه: حديث أبى هريرة - رضى الله عنه، عن النبي ﷺ : (إياكم وكثرة الحلف في البيع ينفق ويمحق). ينفق: بضم الياء، وسكون النون، وتخفيف الفاء، أي: يروج المتاع، ويكثر الرغبات فيه من قولهم: نفق البيع ينفق نفاقا: إذا كثر المشترون والرغبات، ويمحق، أي: يهلك ويذهب بسبركته؛ قال الله تعالى: ﴿يمحق الله الربا﴾ أي: يفنيه. ورواية من يرويه على وفاق ينفق من الإمحاق غير صواب؛ فإن أمحقه لغة رديئة في محقه، ثم إنه بفتح حرف المضارعة هي الرواية المعتد بها. ومن الناس من يشدد الكلمتين وليس ذلك بشيء. وفي الرواية الأخرى: (الحلف منفقه للسلعة ممحقة للبركة): بفتح الميم منهما وتسكين الحرف الثاني، والمعني: الحلف سبب لنفاق السلعة، وهي المتاع، وسبب لمحق البركة. ومن الناس من يضم الميم منهما، مع سكون الحرف الثاني، والصحيح هو الأول. ومنهم من يفتح الحرف الثاني منهما، ويشدد الثالث، وهو غير سديد رواية ولفظا [١٩٦٧]: ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي ذر ﵁ (المسبل والمسنان والمنفق سلعته ............. الحديث). المسبل: الذي يري إزاره، ويرسل ثوبي إلى الأرض خيلاء والمنان: الذي يكثر المن بما يوليه، ويعتد بصنيعته. والمنفق بالتخفيف: على ما ذكرنا.

стр. 632

ومن الحسان [١٩٧٠]: حديث رفاعة بن رافع الأنصاري، عن النبي ... ﷺ ، قال: التجار يحشرون فجارا ....) الحديث. الأصل في الفجور: المسيل عن القصد؛ ومنه يقال للكاذب: فاجر؛ وعلى هذا المعني سماهم: فجارا؛ وذلك أن التاجر قلما يسلم فاه عن الكذب والحلف؛ فيقول: اشتريته بكذا ولا أبيعه بأقل من كذا، وأعطيب به كذا، ويعد فيخلف، وربما يحلف على الأمر غير محتاط فيه ويبالغ في البيع والشرى؛ بالرفع والحط، حتى يفضي به إلى الكذب؛ فلذلك يحشرون في زمرة من كثر منه الكذب، إلا من اتقي الكذب وبر في يمنه وصدق [٨٢] في حديثه ومن باب الخيار من الصحاح [١٩٧١]: حديث عبد الله بن عمر ﵁ قال رسول الله ﷺ : (المتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا، إلا بيع الخيار). اختلف العلماء في معني قوله: ما لم يتفرقا:

стр. 633

فذهب جمع إلى أن معناه التفرق بالأبدان؛ فأثبتوا لهما خيار المجلس، وقالوا: سمماها المتبايعين، وهما المتعاقدان؛ لأن البيع من الأسماء المشنقة من أفعال الفاعلين، وهي لا تقع في الحقيقة إلا بعد حصول الفعل منهم، وليس بعد العقد تفرق إلا التميز بالأبدان. وذكروا عن بعض أهل اللغة: أن التفرق: ما كان بالأبدان، والافتراق ما كان بالكلام, وذهب آخرون: إلى أنهما إذا تعاقدا، صح السع، ولا خيار لهما إلا أن يشترطا، وقالوا: الراد من التفرق: هو التفرق بالأقوال، ونظير ذلك من كتاب الله : ﴿وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته﴾ ومن المعلوم أن الزوج إذا طلق امرأته على مال، فقبلت ذلك، حصل التفرق بينهما بذلك، وإن لم يتفرقا بأبدانهما. ثم إن التفرق بالأبدان ليس له حد محدود يعلم. وأما تسميتهما بالمتبايعين: فيصح أن يكون بمعني المتساومين، وهو باب تسمية الشيء بما يئول إليه، أو يقرب منه ، وفي الحديث: (لا يبع أحدكم على بيع أخيه) على صحة مذهبه، فقال: حقيقة (المتبايعان) التشاغلان بالبيع وذلك يكون قبل تمام البيع كقولك: المتقاتلان والمتضاربان وبعد انقضاء البيع، يقال لهما: المتبايعان، على المجاز والعبرةبها إذا اجتمعت مع المجاز؛ والمعبرة بها إذا اجتمعت مع المجاز؛ واستدلوا بقول ﷺ : (ولا يخل له ان يفارق صاحبه خشية؟ أن يستقبله)؛ رواه عبد الله بن عمر ﵁ والحديث بتمامه أورده المؤلف في (الحسان) من هذا الباب. واستدل على أهل هذه المقالة من خالفهم بما رؤى عن نافع في بعض طرق هذا الحديث: (فكان ابن عمر إذا بايع رجلا، فأراد ألا يقيله، قام فمشي هنيهة، ثم رجع إليه) فقالوا: نرى أن ابن عمر اشتب عليه حكم التفرق: أهو بالأبدان أم بالأقوال؟ فصنع صنيعه ذلك؛ احتياطا. قلت: ومما يصح أن يكون سنادا لقولهم، ومؤيدا له أن هذا الحديث رواه جماعة عن نافع، منهم مالك ابن أنس، وهو أفقههم وأعلمهم بالحديث، لاسيما بحديث نافع عن ابن عمر، ولم ير مالك الخيار بعد تمام العقد، ولم يكن ليتهم نفسه، ولا ليتهم نافعا، وحاشاه أن يتهم أحدا من الصحابة فيما يرويه، فلو لم ير تأويل (٨٣) الحديث على مصداق قوله، لم يذهب إلى ما ذهب، ولم يكن ليخالف حديثا صح عنده. وقوله ﷺ : (إلا بيع الخيار): المراد منه عند من لا يرى خيار المجلس: خيار الشرط، وقد أنكر الخطابي على هذا التأويل (والجرح) القول بفساده، وقال: (الاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات، والأول إثبات الخيار؛ فلا يجوز أن يكون ما استثني عنه إثباتا بمثله)؛ وكأن هذا القول صدر عنه من غير روية؛ لأن في قوله: (ما لم يتفرقا).

стр. 634

[دليل ظاهرًا] على نفى الخيار بعد وجوب البيع؛ فوقع الاستثناء عن المعني المنفي، والاتصال بين الكلامين حاصل من الوجه الذي ذكرنا. وأما تأويله عند من يقول بخيار المجلس: أن بخيره قبل التفرق عن المجلس؛ فيقول له: (أختر) فبعد الاختيار، لا يبقي له خيار، وإن لم يتفرقا بأبدانهما وفي بعض طرق هذا الحديث، من كتاب البخاري (أو يكون البيع خيارا) وإنما شرعنا في تقرير ما سبقنا بتقريره حسين أردنا تفسير قوله: (إلا بيع الخيار) ولم نر أن نعطى فيه البيان حقه، إلا بتقديم ما يمهد قاعدة البيان، ولقد بقيت علينا بقية من بيان ما يوجبه اختلاف الروايات في هذا الحديث، لاسيما في كتاب البخاري من اختلاف المعاني، رأينا الإضراب عنها؛ حذرا عن الإسهاب. ونحن تصدينا لشرح أحاديث كتاب (المصابيح)؛ فلا نرى أن نتعداها إلى غيره، إلا عن ضرورة، مع أن هذا الحديث على السياق الذي أورده المؤلف أحق الروايات بالتقديم؛ لأنها أكثر وأقوم. [١٩٧٣] ومنه: حديثه الآخر قال رجل للنبي ﷺ : (إني أخدع في البيوع؟ فقال: إذا بايعت فقل: لا خلابة). ذهب بعض العلماء: إلى أنه خاص في أمر ذلك الرجل، وهو حسبان بن منقذ بن عمرو الأنصاري المازني- ﵁. وذهب بعضهم إلى أنه عام في كل صفقة بين فيها الغبن. وأكثر العلماء: على أن البيع إذا صدر عن المتابعين عن رضى، وكانا ممن يصح تصرفاتهم، فإنه صحيح لا مرجع فيه بعلة الغبن. وتأويل الحديث على ذلك أن نقول: لقنه النبي ﷺ هذا القول ليتلفظ به عند البيع؛ فيطلع به صاحبه على أنه ليس من ذوي البصائر في معرفة السلع ومقادير القيمة فيها؛ فيمتنع بذلك عن مظان الغبن، ويرى له كما يرى لنفسه، وكان الناس في ذلك الزمان أحقاء بأن يعينوا أخاهم المسلم، وينظروا له أكثر ما ينظرون لأنفسهم [٨٤]. والخلابة: مصدر قولك: خلبت الرجل: إذا خدعته.

стр. 635

ومن باب الربا (من الصحاح) [١٩٧٧]: قوله ﷺ في حديث عبادة بن الصامت ﵁: (فإذا اختلفت هذه الأصناف): وجدنا في كثير من النسخ قد ضرب على (الأصناف)، وأثبت مكانها (الأجناس)، والحديث أورده في قسم الصحاح، وهو مما أخرجه مسلم في كتابه، ولفظ كتابه: (فإذا اختلفت هذه الأصناف)، ولم نجد فيه (الأجناس). وأروى ذلك من تصرفات بعض الفضولية، ظنا منه أن الصواب هو: (الأجناس)؛ لأن كل واحد من الأشياء المذكورة على حدته جنس، والصنف أخص من الجنس، ولم يدر هذا المتدفق (المستقصي) أن الأصناف - أقوام في هذا الموضع؛ لأنه أراد بيان الجنس الذي يجرى فيه الربا؛ فعد أصناف الجنس، (لأن) العرب تستعمل بعض الألفاظ المتقاربة في المعني مكان بعضها، ثم إن الذي زعزعه لم يكن من العلوم التي يتعاطونها. [١٩٧٨]: ومنه: قوله ﷺ في حديث أبى سعيد الخدري - رضى الله عنه -: (بدأ بيد): يدا من المنصوب بإضمار؛ كأنه قال: يقابل يدا بيد، ويتقابضان يدا بيد، وهي في موضعها هذا من الأسماء الجارية مجري المصادر، والمراد منها النقد، أي: نقدا ليس بنسيئة.

стр. 636

وفيه: (فقد أربى): أي: أتي الربا، وتعاطاه، ومعني اللفظ: أخذ أكثر مما أعطي؛ من ربا الشيء يربو: إذا زاد، قال الله تعالى: (فأخذهم أخذ أكثر مما أعطى؛ من رباب الشيء يربو: إذا زاد، قال الله تعالى: (فأخذهم أخذة رابية) (١) أي: زائدة. [١٩٧٩] ومنه: حديث الآخر، عن النبي ﷺ : (ولا تشفوا بعضها على بعض): أي: لا تفضلوا الشف بالكسر: الفضل والربح ومنه: الحديث: (نهي عن شف ما لم يضمن)، والحديث الآخر: (فمثله كمثل ما لا شف له) والشف - أيضا - النقصان، وكلمة (على) هي الفارقة في هذا الخديث بين الزيادة والنقصان. [١٩٨١] ومنه: قوله ﷺ في حديث - عمر - رضى الله عنه-: (الذهب بالورق، إلا هاء وهاء) هاء: صوت يصوت به، فيفهم به معني: خذ، وكرر اللفظ؛ اعتبارا لحال المتقابضين للجنسين، أي: إلا ما يجري فيه هذا اللفظ، وهو مثل قوله: (يدا بيد) وأصحاب الحديث يروون: (ها وها) بالقصر فيهما، وذكر الخطابي: أن الصواب فيهما المد ونصب الهمزة؛ فإن الهمزة بدل من الكاف المحذوفة من (هاك) ولا كلام أن (هاك) إذا حذف منه الكاف يبدل منها الهمزة، وتصرف تصريفه؛ كما يصرف (هاك) مع المخاطب في أحواله، وإنما الكلام [٨٥] في (ها) المقصورة هل تفيد على حدتها معني: خذ. والذي يدل عليه قول أهل اللغة في تفسير هذه الكلمة: أنها تفيد، والكاف إنما تدخل عليها لبيان المخاطب في أحواله من التذكير والتأنيث، والجمع والتثنية. وقد ذكر أبو الفضل الميداني فيها أربع لغات: (ها) بالقصر، وفسرها فقال: أي: خذ، ثم قال: و (هاء) بفتح الهمزة لغة فيه.

стр. 637

قلت: وعلى هذا الوجه الذي ذكره لا يلزم أن تكون الهمزة بدلا من الكاف؛ ويؤيد ذلك جواز إلحاق الكاف به مع إثبات الهمزة. قال: و (هاء) بالمد وكسر الهمزة، و (ها) بإسكان الألف؛ مثل: هب. قلت: وهذان الحرفان يصرفان تصريفهما من غير أن يلحق بها شيء من حروف الخطاب، و (هاء) بفتح الهمزة تصرف على الوجهين؛ فتقول: هاء، وهاءك وهاءآ، وهاؤا، وهاؤم. وأما (ها) المقصورة: فلا يصرف إلا بحروف الخطاب. وعلى هذا الذي ذكرناه: فالذي رواه الحدثون له وجه؛ لأن (ها) في كلامهم وضع موضع (خذ)، والكاف فيه لبيان الخطاب، ولم يقصد به هاهنا بيان المخاطب، وإنما ورد مورد حكاية قول يجرى بين التعاقدين، وأكثر ظني، أني وجدت هذا الحديث في كتاب (الفائق) للزمخشرى، وقد جوز فيه القصر. [١٩٨٢] ومنه: حديث أبي هريرة، وأبي سعيد: (أن النبي ﷺ استعمل رجلا على خبير، فجاءه بتمر جنيب .....) الحديث. الجنيب: نوع من أجود التمور بالحجاز، وقيل: هو التمر المكبوس، وقيل: هو التين. وأرى أشبه المعاني به أن يكون سمي جنيباً، لغرابته وقلة نظائره، ويقال للغريب: جنيب، ويجري الجنيب على الصفة، ويجوز أن يجرى على الإضافة. وفيه: (بع الجمع بالدراهم، ث اتبع بالدراهم جنيبا) الرواية التي يعتمد عليها (بع الجمع)، وفي (المصابيح): (الجميع): نوع من التمر رديء، وقيل: بل هو أخلاط منها رديئة، فإن صحت الرواية في الجميع، فمعناه: أخلاط من التمر.

стр. 638

[١٩٨٧]: ومن الحسان: قوله ﷺ في حديث أبى هريرة ﵁: (فإن لم يأكله أصابه من بخاره)، وفي رواية: من غباره): المعني: أن الربا بكثر، فينقل عند التعامل به من يد إلى يد؛ فيختلط بأموال الناس فيأكلونه من غير قصد فيه؛ فلا يسلم أحد من أثره وضرره، وإن سلم من تعاطيه وتناوله. [١٩٨٩]: ومنه: قوله ﷺ ، في حديث سعد بن ابي وقاص ﵁: (أينقص الرطب إذا يبس): الظاهر أن هذا القول صدر عنه على سبيل التقرير [٨٦] والزجر عن التفاضل فيه، لا على سبيل الاستعلام؛ فإن ذلك مما لا يكاد يخفي على أحد. وحمل أبو حنيفة النهي عن شرى التمر بالرطب في هذا الحديث على ما كان من نسيئة، لما في حديث يحيي بن أبي كثير، عن عبد الله بن يزيد أن زيدا أبا عباس أخبره عن سعد بن أبي وقاص (أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الرطب بالتمر نسيئة) فبين بهذه الزيادة معنى الحديث.

стр. 639

[١٩٩٢] ومنه: حديث عبد الله بن عمرو: أن النبي ﷺ أمره أن يجهز جيشا ففقدت الإبل ... الحديث). في إسناد هذا الحديث مقال، فإن ثبت، فوجه التوفيق بينه وبين حديث سمرة الذي تقدمه في الكتاب: أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة): أن يحمل الأمر فيه على أنه كان قبل تحريم البا؛ فنسخ بعد ذلك. ومما يوجب القول بذلك ان حديث سمرة أثبت وأقوى؛ أثبته أحمد ﵀ ولم يثبت حديث عبد الله بن عمرو، ثم إن فيه أنه نهي، والنهي عن الفعل دال على أنه كان يتعاطي قبل النهي، والله أعلم ومن باب المنهي عنه من البيوع (من الصحاح) ١٩٩٥: حديث جابر ﵁، قال: (نهي رسول الله ﷺ عن المحاقلة، والمزابنة، والمخابرة، والمعاومة، وعن الثنيا، ورخص في العرايا):

стр. 640

أكثر ألفاظ هذا الحديث قد جاءت مفسرة في حديث ابن عمر، وجابر، قبل حديث جابر هذا، ولكنا أحببنا أن نذكر معانيها على وجه التحقيق على ما استخرجناه من كتب اللغة وكتب غريب الحديث. فمنها المحاقلة؛ أخذ من (الحقل)، وهو الزرع إذا تشعب ورقة قبل أن يغلظ سوقه، وإلى هذا المعني التفت من ذهب في تفسير المحاقلة إلى أنها بيع الزرع في سنبله بالبر وعلى ذلك فسر في حديث جابر، فقيل: المحاقلة: أن يبيع الرجل الزرع بمائه فرق (حنطة، ولا أدري من المفسر، غير أن قوله (بمائه فرق حنطة) كلام ساقط؛ وكذلك في بقية التفسير، وكان من حق البلاغة أن يأتي بالمثال من غير تسعين في العدد؛ فإن قوله: (بمائة فرق) موهم بأنه إذا زاد أو نقص عن المقدار المنصوص عليه، لم يكن ذلك محاقلة. والحقل - أيضا - القراح الطيب؛ وإلى هذا المعني التفت من قال: هو (اكتراء) الأرض بالحنطة، ومن قال: إنها المزارعة بالمثلث والربع والأقل والأكثر منهما. ومنه: المزابنة، وهي بيع التمر في رءوس النخل بالتمر؛ قال الأزهرى: وأصله من الزبن، وهو الدفع، كأن كل واحد من المتعاقدين يزبن صاحبه عن حقه بما يزداد منه، وقال ابن الأنباري، إذا وقفا على العيب، حرص البائع [٨٧] على إمضاء البيع، وحرص المشترى على فسخه. ومنها: المخابرة، وهى المزارعة على النصيب، والخبرة النصيب؛ يقال: تخبروا خبرة: إذا اشتروا شاة فذبحوها، واقتسموا لحمها. وقيل: هي من الخبير، وهي الأكار، وذكر الهروي عن ابن الأعرابي، أن أصله من خبير؛ لأن النبي ﷺ كان أقرها في أيدي أهلها على النصيب، فقيل: خابرهم، أى عاملهم في خيبر، ثم تنازعوا، فنهاهم عن ذلك، ثم جازت بعد ذلك. قلت: وعلى هذا ينبغي أن تكون المخابرة لم تعرف قبل الإسلام. والوجهان الأولان أوضح. ومنها: (الثنيا)، والثنيا - بالضم: الاسم من الاستثناء؛ وكذلك الثنوى، وهي في البيع أن يستثني منه شيء وقال الفتيبي: أن يبيع شيئا جزافا، ثم يستثني شيئا منه، قال: وتكون الثنيا في المزارعة أن يستثني بعد النصف أو الثلث: كيلا معلوما. ومنها: العرية؛ قيل: إنها من قولهم: أعريت الرجل النخلة: إذا أطعمته ثمرتها عامها، فيعروها، أي: يأتيها؛ فيكون (أعربته) في معنى: جعلت له أن يأتيها متى شاء.

стр. 641

وعلى هذا: يفسرها أكثر أهل اللغة، وهي فعيلة بمعني مفعولة، وإنما أدخلت فيها الهاء؛ لأنها أفردت فصارت في عداد الأسماء، مثل: النطيحة والأكيلة، ولو جئت بها مع النخلة، قلت: نخلة عرى. قيل: ويحتمل أنها من قولهم: عروت الرجل أعروه عروا: إذا أتيته طالبا معروفه، وتكون أعريته على هذا - في معني أعطيته، وذلك مثل قولك: أسألته وأطلبته: إذا أعطيته مسألته، وآتيته طلبته. وقيل: سميت عرية؛ لأنها استثنيت من جملة النخل، وتكون من عرى يعرى إذا خلا عن الشيء. يقال: أنا عرو من هذا الأمر، أي: خلو منه. والوجه الذي ينفرد أقاويل أهل اللغة فيه هو أن يكون في معني العطية والعارفة، ويحقق ذلك قول الشاعر: وليس بسنهاء ولا رجبية ... ولكن عرايا في السنين الجوائح أراد أنها مخلاة لذوى الفاقة، ولمن يعترى بجسنابهم من المعترين، مسبلة عليهم؛ لأنه قول سلك به مسلك المباهاة، وأخرج مخرج المدح، ولو كانت العرية المستثناة عن جملة المبيع لم يكن لذكرها على وجه المدح معنى. قلت: وحديث العرية ورد ورودا متواترا لم يختلف [٨٨] في صحته أحد من أهل العلم، وإنما اختلفوا في تأويله. فقال قو: هو أن تكون للرجل نخيلات في حائط غيره، فيأتي صاحب الحائط بأهله، فيسكن بين النخيل، فيدخل عليهم صاحب النخيلات؛ فيجدون في أنفسهم ويستضرون بدخوله عليهم؛ فرخص لصاحب الحائط أن يؤتيه مقدار خرص نخيلاته تمرا؛ عوضا عما له في ذلك. قال آخرون: شكا أهل الحاجة إلى رسول الله ﷺ إلى أن الرطب يدرك، ولا يتهيأ لهم بيه؛ لكون أيديهم صفرا من النقد، وعندهم تمر فضل عن أقواتهم، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصهم تمرا، وقد نقلوا فيه أثرا عن زيد بن ثابت منقطع الإسناد. وقال آخرون: هو أن يتطوع صاحب الحائط ببعض نخيله ويعريها المحاوج ثم يبدو له؛ لدخولهم عليه أو لغير ذلك أن يعطيه بدلها تمرا، أو يبدو لهم أن يأخذوا مكانها تمرا؛ فجعلهم في سعة من ذلك، وهذا التأويل على قياس الوضع اللغوي، ومصداق ما ذكر فيها من الأشعار أقوم التأويلات؛ غير أن في بعض أحاديث العرية ما يصلح للتمسك في المنع عنه؛ وبه يستدل من يرى خلافه. ومنه: قوله ﷺ : (رخص في العرايا): والرخصة إنما تلغى المحظور؛ وعلى هذا فلا معني للرخصة فيه.

стр. 642

[١٩٩٦] ومنه: حديث سهل بن أبي حثمة، وقد أورده المؤلف بعد حديث جابر - رضى الله عنه - هذا (نهي رسول الله ﷺ عن بيع التمر بالتمر، إلا أنه رخص في العرية أن تباع بخرصها تمرا يأكلها أهلها رطبا). وقد روى في الرخصة أنها وردت على ما يتحرج منه الرجل المسلم من خلف الوعد؛ لأنه إذا أعراها المحتاج، ثم عمل بخلاف ما كان منه، لم يكن موافيا بعهده، أو وردت على صنيع المعرى إذا أخذ البدل؛ لأنه أخذ البدل على ما لم يملكه بالقبض؛ فأشبه من باع ما لم يكن له. وعلى هذا يجعلون لفظ (البيع) فيه مجازا، ويقولون في قول الصحابي: (إلا أنه رخص في العرايا) أنه منقطع في المعني عن الفصل الأول، وقد يقرن الشيء بالشيء، وهما في الحكم مختلفان، وذكروا في قوله: (يأكلها أهلها رطبا): أن أهل العرية ملاكها الذين عادت إليهم بالبدل. وإنا ذكر الصحابي أنه يأكلونها رطبا؛ ليعلم أن ذلك ليس من بيع الرطب بالتمر المنهي عنه في شيء، وذكروا في حديث أبي هريرة ﵁. الذي أورده المؤلف بعد حديث سهل بن أبي حثمة (أن رسول الله ﷺ رخص في بيع العرايا بخرصها من التمر فيما دون خمسة أوسق أنه ليس [٨٩] بتوقيف على ذلك المقدار؛ لاحتمال أن يكون النبي ﷺ رخص فيه لقوم بلغ مقدار خرصهم في العرية هذا المبلغ؛ فحدث به أبو هريرة ﵁ على ما انتهي إليه علمه في تلك القضية، ولم يكن قوله هذا نافيا لجريان الرخصة فيما فوق ذلك. ولم يلجئهم إلى هذه المضايق إلا القول (بحمله) النهي، والهرب من قول يفضى بهم إلى تعطيل أحاديث كثيرة وردت في أبواب الربا، وفي النهي عن بيع التمر بالتمر جزافا، وعن المزابنة، وعن بيع ما لم يقبض، وغير ذلك مما لا يعسر على ذي الفهم مدركه.

стр. 643

ونحن لم نستحسن أن ندع أحاديث هذا الباب مبهمة مغلقة فأشرنا بجملة من القول إلى نوع من البيان على سبيل النقل، لا على وجه الاحتجاج؛ فإن كتابنا لا يسع لذلك، ثم إنه شيء قد أتي عليه بحججه ودلائله في كتاب كل فريق، فسلمنا الأمر لهم، واكتفينا بإيضاح الحديث، وإيراد ما ذهب إليه الذاهبون من التأويل على ما [٢٠٠٠] ومنه: حديث جابر - رضى الله عنه-: (أن النبي ﷺ نهي عن بيع السنين، وأمر بوضع الجوائح). أراد بيع السنين: أن يبيع الرجل ثمرة حائطه الثلاث والأربع، وما فوق ذلك؛ باع شيئا غير موجود ولا مخلوق، وفي معناه: السنتين؛ لوجود تلك العلة في السنة الثانية، ومثله المعاومة. والجائحة: الآفة التي تصيب الثمرة؛ من الجوح، وهو الاستئصال، ومذهب أكثر العلماء في معنيى الأمر بوضع الجوائح: أنه على الندب؛ لأن ما أصاب البيع بعد القبض فهو من ضمان المشترى. وقد ذكر أبو جعفر الطحاوى: أن هذه في الأراضي الخراجية التي حكمها إلى الأمام؛ أمر بوضع الخراج عن أصحاب الجوائح؛ لما فيه من مصالح المسلمين ببقاء العمارة فيها. وأما قوله في حديثه الآخر: (فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا)، فإنه يحمل على ما ل يقبض، وكان بعد في يعد في يد البائع، فأصابتها الجائحة؛ فذلك من ضمانه، والقبض في الثمار يقع بتخلية البائع بين المشترى وبينها وإمكانه من القطاف والجداد.

стр. 644

ويحتمل وجهاً آخر، وهو أن يكون باعه قبل الظهور، وسماها ثمرة باعتبار ما يكون منها، أو قبل بدو صلاحه؛ على قول من لا يرى بيعه، وسماه بيعا على المجاز، والقول الأول أشبه؛ لما في حديث أنس عن النبي ﷺ : (أرأيت إن منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه). والحديث بتمام أورده المؤلف، وذلك على المنع من أخذ المال على ثمرة لم تكن إذ لو كانت لكان الحكم فيها غير ذلك ويدل عليه حديث أبي سعيد الخدري [٩٠]: (أصيب رجل في ثمار ابتاعها، فكبر دينه، فقال النبي ﷺ : (تصدقوا عليه ... الحديث)؛ هذا وجه التوفيق بين هذه الأحاديث؛ كيلا يخالف بعضها بعضا. [٢٠٠٤]: ومنه: حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (لا تلقوا الركبان لبيع ... الحديث):

стр. 645

التلقي: الاستقبال، نهى أن يستقبل الرجل الركبان ليبتاع منه قبل أن يعرفوا الأسعار؛ لما يتوقع في ذلك من الخداع والضرر، واحتمال أن يخبر المتلقي صاحب السلعة بغير ما عليه سعر السوق، ثم لما فيه من الضرر بالمسلمين في أسعارهم، فإن بمثل هذا الصنيع ترتفع الأسعار في البلدان، وفي معناه قوله: (لا تلقوا الجلب) والجلب والأجلاب: الذين يجلبون الإبل والغنم للبيع، ويتوسع فيه؛ فيطلق أيضا على الذين يجلبون الأرزاق إلى البلدان. ومنه: الحديث: (الجالب مرزوق والمحتكر ملعون)، وفي حديث ابن عمر ﵁: (كنا نتلقى الركبان). والتوفيق بين الحديثين أن يراد بالتلقي المكروه ما يضر بأهل البلدان في أسعارهم، أو ما لا يؤمن على المتلقى فيه الغش والخيانة، فإذا خلا عن هذه الموانع، فلا كراهة فيه على ما في حديث ابن عمر. وفيه: (ولا بيع بعضكم على بيع بعض)، وفي بعض طرق هذا الحديث من الصحاح: (ولا يبع الرجل على بيع أخيه)، وهما سيان في المعني؛ لأن المراد من أخيه: الأخوة في الدين كما أن المراد من قوله: (بعضكم) المواصلة بملة الإسلام. وأما البيع فإنه يستعمل على وجهين: يقال: بعت الشيء، أي: شريته، وبعته أيضا إذا اشتريته، وهو من الأضداد، قال الفرزدق: إن الشباب لرابح من باعه ... والشيب فيه لبائعيه تجار قال الخطابي في تفسير هذا الحديث: إنما يكون ذلك بعد التعاقد، وقبل التفرق عن المجلس؛ فيجئ آخر، فيعرض على المبتاع متاعا أجود من المتاع الذي ابتاعه، وأرخص، فتدعوه الرغبة فيه إلى نسخ البيع المتقدم. وقال آخرون: المعني لا يشتر على شراء أخيه، ـ فإنما وقع النهى على المشترى لا على البائع. والوجه الأول: وإن كان محتملا - فإن الثاني أجود منه وأقوى؛ ويدل على صحة ذلك المناسبة الواقعة بين اللفظين، أعني قوله: (لا يبع أحدكم على بيع أخيه)، وقوله: (ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه)؛ وهذا لفظ حديث أبي هريرة - رضى الله عنه - في إحدى الروايات عنه، وقد أورده المؤلف فيما بعد من هذا الباب، ثم إن العلماء مختلفون في كل واحد من الصيغتين البيع والشرى، هل هو على الحقيقة أم على المجاز؟ فأما من يرى خيار المجلس [٩١]: فإنه يقول: إنه على الحقيقة، ويراه آخرون على المجاز.

стр. 646

ومما يدل على صحة ما ذهبوا إليه قوله ﷺ : (ولا يم الرجل على سوم أخيه المسلم)، وهو حديث صحيح أورده المؤلف فيما بعد من هذا البا، والوم: طلب المتاع بالثمن؛ ومنه: استام على وساومته سواء. فإن قيل: كيف يستقيم لهم هذا القول، وقد باع النبي ﷺ القدح والحلس فيمن يزيد؟ قيل: السوء المنهي في الحديث هو أن يتواضعا على الثمن، ورضي البائع فاستام عليه آخر قبل العقد، فمال إليه صاحب السلعة بعد أن كان عازما على البايعة مع الأول. وأما العرض على المناداة فإن ليس من المواضعة في شيء، بل هو بمنزلة التفتيش عمن يرغب فيه وبمثابة السؤال عن مقدار ما يبذله كل واحد من الراغبين من الثمن. وكذلك النهي عن الخطبة إنما هو قبل المواضعة على ما يريدون من النكاح، وأما قبل المواضعة فلا كراهة فيه، ويدل على هذا حديث فاطمة بنت قيس حين خطبها أبو الجهم ومعاوية، فاستشارت النبي ﵇ فقال لها: (أنكحي أسامة). وإنما نهي عن الأمرين؛ لما فيهما من مظان العداوة والبغضاء، ويدعو إلى التنافر، وكانوا مأمورين أن يتعاملوا فيما بينهم بما تزيد منه الألفة، وتستحكم الموجة. وفيه: (ولا تناجشوا) هو تفاعل من النجش، هو أن تزايد في البيع ليقع غيرك، وليس من حاجتك، وأصل النجش: مدح الشيء وإطراؤه، وقيل: تنفير الناس من شيء إلى غيره. وفيه: (ولا يبع حاضر للباد): نهى الحضري أن يتولى البيع من قبل البدوى لما في ذلك من تبغيض ما أباح الله - تعالى - من الأرباح على أرباب التجارات، وسد أبواب المرافق على ذوى البياعات، والنهي عنه نهى كراهة. وقد روى عن جابر ممثل هذا الحديث وفيه: (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض): وقد أورده المؤلف في هذا الباب. فإن قيل: أو ليس في ذلك ما يخالف معني قوله: (لا تلقو الركبان)؟ قيل: لا؛ لأن المتلقي بصدد أن يباشر الغش والخيانة في شراه ذلك أو يضيق على الناس في متاجرهم طرق الاكتساب، أو ينفرد بالشرى ليدخر المتاع؛ تربصا به الغلاء، وليس في بيع البدوى إذا انحدر به إلى السوق مظنة الخيانة؛ إذ لم يكن السعر ليخفي عليه مع كثر المساومين، وإن ابتغي الاستنصاح، لم يعدم من بيذل له النصح. وفيه: (ولا تصروا الإبل والغنم). صريت الشاة: إذا لم تحلبها أياما حتى اجتمع اللبن في ضرعها من قولهم: صربت الماء وصريته: إذا جمعته (٩٢) وحسبته، والمعني: لا تفعلوا ذلك؛ فإنه خداع. أما قوله: (وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر):

стр. 647

هذا الحكم معمول به عند كثير من العلماء، ووجه الحديث عند من لم ير ذلك أن يقال: كان ذلك قبل تحريم الربا جوز في المعاملات أمثال ذلك، ثم نسخ. [٢٠١١]: ومنه: حديث أبي هريرة ﵁ (نهي رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة .... الحديث) ... كان أهل الجاهلية يقولن في بياعاتهم: إذا نبذت إليك الحصاة، فقد وجب البيع وقد وجدت فيه عن بعضهم: أنهم كانوا يجعلون البيع لمن أصاب المبيع بحصاة. [٢٠١٢]: ومنه: حديث ابن عمر: (نهي رسول الله ﷺ عن بيع حبل الحبلة). الحبل - بالتحريك: الحمل، وكذلك الحبلة، والهاء أدخلت فيها للمبالغة، كما أدخلت في ضجعة وقعده، والمراد منه نتاج النتاج، وقد فسر في متن الحديث. [٢٠١٣]: ومنه: حديث الآخر: (نهي رسول الله ﷺ عن عسب الفحل). العسب: الكراء الذي يؤخذ على ضراب الفحل، والعسب - أيضا - ضرابه، ولعله الأصل فيه، ثم سمى الكراء الذي يؤخذ عليه باسمه؛ قال زهير يهجو قوما أخذوا غلاما له: ولولا عسبه لتركتموه ... وشر منيحة فحل معار [٢٠١٥]: ومنه: حديث أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : (لا يباع فضل الماء ليباع ﷺ به الكلأ).

стр. 648

رواه مسلم- أيضاً - في كتابه عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السالم - قال: (لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلا) وهذه الرواية أولى الروايتين؛ لأن بيع الماء ليباع به الكلأ غير منتظم في المعني على ما سنبينه، ورواه أبو داود في كتابه، ولفظه: (لا يمنع فضل الماء ليمنع فضل الكلا)، وفي كتاب البخاري، وفي كتاب البخاري: (لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا فضل الكلا). والذي ذكرناه عن كتاب مسلم (يمنع به الكلا) أقوم في المعني؛ لأن صاحب الماء أحق بمائه، فالذي يفضل من حاجته فهو فضل الماء ليس له في الكلا حق يختص به حتى يكون له فضل، والحديث في الرجل يحفر بئرا في وات من الأرض، ثم يمنع ماشية غيره أن ترد على ماء يفضل من حاجته، وقصده في ذلك أن يستبد بما حوله من المراعي في موات الأرض؛ لأن أصحاب المواشي إذا منعوا من الماء في أرض لا ماء بها غيره لم يتهيأ لهم الرعية بها فيتركونها؛ فيصير الكلأ ممنوعا بمنع الماء وقد اختلف العلماء في ذلك: فمنهم من ذهب إلى أن النهي عنه على التحريم. ومنهم من قال: يكره لصاحب الماء أن يمنع؛ لأنه من باب المعروف، ولو منعه فله ذلك ومنهم من قال: يجب عليه بذله بالعوض. والكلأ في موضعه هذا من فصيح الكلام الذي تهتز له أعطاف البليغ (٩٣)؛ لأن العشب يستعمل في الرطب من النبات والحشيش في اليابس منه، والكلأ يعم النوعين. ٢٠٢٠: ومن الحسان: حديث ابن عمر - رضى الله عنهما - (نهي النبي ﷺ عن الكالئ بالكالئ) أي بيع النسيئة بالنسيئة، والكالئ بالهمز النسيئة، قال الشاعر. وعينة كالكالئ الضمار

стр. 649

أي نقده كالنسيئة التي لا ترجي. [٢٠٢١] ومنه: حديث عبد الله بن عمرو- ﵁: (نهي رسول الله ﷺ عن بيع العربان). فيه ثلاث لغات: العربان، والعربون، والعربون، بالتحريك، وقيل: بالألف مكان العين لغة فيها، والعامة تسميه: الربون، وهو الشيء الذي كان المشترى يدفعه إلى البائع على أنه إن أمضي البيع فمن الثمن، وإن تركه لم يرتجعه. وأما قوله: (نهى عن بيع العربان) أي عن البيع الذي يكون فيه العربان، ويشترط على ما كانوا يتعارفونه في الجاهلية. وأكثر العلماء على فساد ذلك؛ بناء على ما هو الأصل من فساد البيع المعلق بالشرط، وأخذ المال الباطل. فأما الحديث ففي إسناده انقطاع؛ ولهذا جوزه بعضهم. [٢٠٢٢] ومنه: حديث علي- ﵁: (نهي رسول الله ﷺ عن بيع المضطرين): ذهب بعضهم في معنى المضطر: إلى أنه المكره. وقال آخرون: هو الذي يعرض الشيء للبيع؛ لضرورة تلجئه إليه، لا يجد معها من البيع بدا؛ فيعلم به المشترى، فلا يزال يظهر الرغبة عنه ويماكسه في الثمن حتى يضطره إلى البيع بالبخس، وهذا أشبه، وعلى الأول فالنهي للتحريم، وعلى الثاني للكراهة. وفيه: (وبيع الغرر) والغرر: ما كان له ظاهر يغر، وباطن مجهول، والغرور ما رأيت له ظاهرا تحبه، وفيه باطن مكروه أو مجهول، وقد قيل: أصله من الغر، وهو الأثر الظاهر من الشيء. ومنه: غر الثوب، وهو الأثر يحصل من طيه، وغره غرورا كأنما طواه على غره.

стр. 650

وقال الأزهري: بيع الغرر ما كان على غير عهدة، ولا ثقة، ويدخل فيه البيوع التي لا يحيط بكنهها المتعاقدان. [٢٠٢٥] ومنه: حديث أبي هريرة- ﵁: (نهى رسول الله- صلي الله عليه وسلم- عن بيعين في بيعة صفقة واحدة). هذا الحديث يؤول من وجهين: أحدهما: أن يقول: بعتك عبدي هذا بكذا، على أن تبعني فرسك هذا بكذا، فإذا وجب لي بفرسك وجب لك غلامي. والآخر: أن يقول: بعتك هذا الثوب بعشرة نقدا، وبعشرين نسيئة، ولا يقطع [٩٤] بأحد البيعتين. [٢٠٢٦] ومنه: حديث ابن عمر- ﵁ قال رسول الله ﷺ : (لا يحل سلف وبيع الحديث). هو مثل أن يقول: (بعتك هذا الثوب بعشرة على أن تسلفني مائة درهم في متاع منك إلى سنة، وهو يقرب في المعنى من بيعتين في بيعة. وفيه: (ولا شرطان في بيع): خرج هذا القول مخرج البيان لما ذكرنا في النهي عن بيعتين في بيعة؛ وذلك مثل قولك: أبيعك هذا الثوب بعشرة على أن تؤديها نقدا، وبعشرين على أن تؤديها بعد سنة؛ فلهذا ذكر شرطين، وإلا فلا فرق بين أن يقترن البيع بشرط أو بشرطين أو شروط عن أكثر العلماء في فساد البيع إذا كان الشرط قادحا في تمام العقد وصحته. فأما إذا كان من مصلحة العقد أو من مقتضاه فلا؛ وذلك ما يقع فيه التلفظ به، والسكوت عنه بالنسبة إلى نفس العقد سواء. وفيه: (ولأربح ما لم يضمن).

стр. 651

المعنى: أن الربح في الشيء إنما يحل لمن يكون عليه الخسران؛ وذلك مثل الرجل يشترى ذات در ولم يقبضها، فليس له أن يسترد منافعها التي كانت بعد البيع وقبل القبض؛ لأنها كانت من ضمان البائع، لو هلكت في يده بغير ثمن. وفيه: (ولاتبع ما ليس عندك). قيل: المراد منه بيع العين لا بيع الصفة، وهو بيع السلم؛ وذلك من قبل ما يضمنه بيع الأعيان التي ليست عنده من [الفساد]. [٢٠٢٧] ومنه: قول ابن عمر- ﵁: كنت أبيع الإبل بالنقيع). النقيع- بالنون-: مستنقع بالمدينة ينبت العشب فيه عند نضوبه. [٢٠٢٨] ومنه: حديث العداء بن خالد بن هوذة: (أنه أخرج كتابا ... الحديث). حديث العداء هو حديث محفوظ، وقد ذكره البخاري في كتابه وجه الاستدلال من غير سند؛ إذ لم يكن من شرطه. وفيه: (لا داء ولا خبثة ولا غائلة): أراد بالداء: النوع الذي يصح بوجوده الرد، والخبثة: ما كان خبيث الأصل لا يطيب للملاك كمن سبي من أهل العهد، يقال: هذا سبي خبيثه: إذا كان ممن يحرم [٩٥] سبيه، وهذا سبي طيبة، إذا كان ممن يحل استرقاقه، وفسروا الغائلة بالسرقة والإباق. ومعني اللفظ: ما يختال مال المشترى من تدليس وحيلة. وفيه: (بيع المسلم المسلم) أي: باعه بيع المسلم المسلم. وليس في ذلك ما يدل على أن المسلم إذا بايع غير أهل ملته جاز له أن يعامله بما يتضمن غبنا أو غشا. وإنما قال ذلك على سبيل المبالغة في النظر له، فإن المسلم إذا بايع المسلم يرى له من النصح أكثر مما يرى لغيره. أو أراد بذلك بيان حال المسلمين، إذا تعاقدا، فإن من حق الدين وواجب النصيحة أن يصدق كل واحد منهما صاحبه، ويبين له ما خفي عليه. ويكون التقدير: باعه بيع المسلم المسلم، أو اشتراه شرى المسلم المسلم. فاكتفى بذكر أحد طرفي العقد عن الآخر.

стр. 652

[٢٠٢٩] ومنه حديث أنس- ﵁ أن رسول الله ﷺ باع حلسا وقدحا) الحلس للبعير، وهو كساء رقيق يكون تحت البردعة، هذا هو الأصل فيه، وأحلاس البيوت: ما يبسط تحت حر الثياب. وفيه لغتان: حلس وحلس مثل شبه وشبه. وقد أشرنا إلى بيان ما هو مظنه التضاد مع هذا الحديث، من حديث أي هريرة عن النبي ﷺ : (لا يسم المسلم على سوم أخيه. ومن الفصل الذي يتلوه (من الصحاح) [٢٠٣٠] حديث ابن عمر، قال رسول الله ﷺ : (من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر، فثمرتها للبائع ... الحديث) التأبير: تلقيح النخل، يقال: أبر فلان النخل، وأبرها إبارا وتأبيرا. أي: لقحها وأصلحها، فهي مأبورة ومؤبرة، وموبرة، وتأبر الفسيل: إذا قبل الإبار، وذلك بأن يؤخذ جف نخل ذكر، فيذر نثاره طلعه على ما تشقق من كفرى النخلة، فيكون ذلك- بإذن الله- أصلا في التلقيح، ومادة للثمرة. [٢٠٣١] ومنه حديث جابر- ﵁ (أنه كان على جمل قد أعيا ... الحديث) أعيا: أي: أصابه العياء، فلم يستطع المشي، يقال: أعيا الرجل في المشي، وأعياه الله كلاهما بالألف. استدل بهذا الحديث من لا يرى الشرط الواحد مخلا بالبيع. ووجه الحديث عند من لا يرى ذلك، أن المساومة التي كانت من النبي ﷺ لم تكن على حقيقة التبايع، وإنما أراد ﷺ أن يوليه معروفا، ولم ير أن يخصه بذلك، من بين نظرائه، فيدخل [٤٦ أ] عليهم داخل، وكان يراعى ذلك كرما وحياء، ولطفا بالمؤمنين، ولم يجد ما يسوى به بينهم في العطاء، فاتخذ المساومة ذريعة إليه، ويدل على صحة هذا التأويل

стр. 653

ما في بعض طرق هذا الحديث أنه قال: (تراني إنما ما كستك لأذهب بجملك، خذ جملك وثمنه، فهما لك) وفي كتاب (مسلم): (أتراني ما كستك لآخذ جملك؟ خذ جملك ودراهمك، فهو لك). وإن قدر أن القصد فيه كان حقيقة البيع، فالوجه فيه: أن المساومة التي كانت من النبي ﷺ وجدناها خالية عن ذكر الشرط وجرى البيع عن جابر على ما كانت المساومة عليه وكان الاستثناء بعد وجوب البيع مفصولا عنه. وفي بعض طرق هذا الحديث عن جابر أنه قال: (فإن لرجل على أوقية ذهب، فهو لك بها، قال: قد أخذته، فتبلغ عليه إلى المدينة) وفي كتاب مسلم (قد أخذته) فتبلغ به إلى المدينة) وسياق هذا الحديث يدل على أن النبي ﷺ بدأه بذلك. وفي بعض طرقه (فأفقرنى ظهره إلى المدينة) والإفقار: إعارة الظهر للركوب، وقد وجدنا في بعض ألفاظ هذا الحديث، مع صحته، اختلافا بينا، لا يكاد يمكننا الجمع بين مختلفاتها، فمن ذلك: ما روى عنه: (فبعت منه خمس أوراق) ومنه، أنه قال: (اشترى منى رسول الله ﷺ بعيرا بوقتين وردهم، أو درهمين) ومنه: أن النبي ﷺ قال: (أعطه أوقية من ذهب وزده) وكل هذه الراويات في كتاب مسلم، ولاشك أن الاختلاف فيه إنما وقع ممن لم يضبطه من الرواة، ولعل الاستثناء فيه من قبيل ما لم يضبط. هذا وقد استغنينا في هذا الحديث عن هذا القول وشواكله بما وجدنا فيه من الدليل على أن المبيع لم يكن مقبوضا، فإن ثبت أن قد كان هناك شرط فإنه كان على بعيره الذي ما زالت عنه اليد، بل كان باقيا على ملكه. [٢٠٣٢] ومنه حديث عائشة- ﵂ (جاءت بريرة، فقالت: إني كاتبت على تسع أوراق، في كل عام وقية .. الحديث) استدل بهذا الحديث من زعم أن البيع إذا اقترن بشرط، فإنه جائز، والشرط باطل، والحديث على ما في كتاب المصابيح لا حجة فيه؛ لأن اشتراط الولاء في هذا الحديث لم يقع في نفس العقد، وإنما جاءت بريرة تستعين عائشة في كتابتها، فقالت: (إن أحب أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة) [٤٦ ب] أي: أحصيها لهم دفعة واحدة (ويكون الولاء لي فعلت) ظنا منها أن الولاء إنما يتقل إليها باشتراط من قبلهم، فلما أخبروا بما تريد عائشة، أبوا ذلك، وفي بعض طرق حديث بريرة، أن أهلها قالوا: (إن شاءت أن تحتسب عليك، فلتفعل، ويكون ولاؤك لنا) وقولهم هذا ليس من الشرط في شيء؛ لأنها إذا احتسبت بما تعنيها به من مال الكتابة- كان الولاء لأهلها؛ لأن ولاء المكاتب لمواليه، فأبت عائشة

стр. 654

إلا الشراء، فرضوا بالبيع على أن تجعل الولاء لهم؛ ظنا منهم أن ذلك يثبت بالاشتراط، فلما أخبرت عائشة رسول الله ﷺ بحديثهم، قال: (لا يمنعك ذلك، اشتريها فأعتقيها، فإنما الولاء لمن أعتق) فكانت مراجعتهم هذه في القول قبل الشروع في المبايعة، ولم يذكر في هذا الحديث أن البيع كان مشروطا بذلك الشرط، بل ذكر في الحديث ما كانوا يراجعون به عائشة دون المساومة، فأما عند وجوب البيع فلا، هذا هو الذي يدل عليه هذا الحديث، نعم وقد روى البخاري من غير وجه في كتابه أن النبي ﷺ قال لعائشة: (ابتاعيها فأعتقيها، فاشترطي لهم الولاء؛ فإن الولاء لمن أعتق ...) والحديث على هذا الوجه يدل على قول ذلك القائل لو سلم من المعاني المنافية لما زعم، وذلك أم حمله على حقيقة الفعل غير جائز، لأنه نهى عنه وسماه باطلا، وحمله على معنى التعمية عليهم أبعد وأبعد، ومعاذ الإله أن يتوهم ممن طهره الله عن شوائب الخيانة، وأظهر به أمور الديانة أن يصدر عنه قول يتضمن شيئا من التغرير، ومن هذا الوجه أنكر بعض أهل العلم هذا اللفظ، وأبي أن يكون من حديث الرسول ﷺ غير أن الراوية إذا صحت، فعلينا أن نطلب المخرج منها، لا على وجه الرد والنكير، ورأى بعضهم أن يتأول (لهم) بمعنى (عليهم) واستشهد بقوله- سبحانه- ﴿أولئك لهم اللعنة﴾ وهذا التأويل يعتوره الوهن والخلل من وجهين: أحدهما: أن الاستشهاد الذي جاء به غير ملائم لما استشهد عليه، وذلك أن لهم وعليهم نقيضان في الاشتراط، ولا كذلك في اللعنة، فإنها من حيث المعنى فيها سيان. ثم إنا نرى قوله- سبحانه- ﴿أولئك لهم اللعنة﴾ أبلغ في المعني من (عليهم اللعنة)؛ لأن اللام تفيد من المعني أن اللعنة لازمة لهم في عاجل الأمر وآجله، لا تنفك عنهم، وأن ذلك حظهم في الدارين، فلا حاجة بنا إذا أن نقول في تأويله: أولئك عليهم اللعنة، والظاهر أبلغ [٤٧ أ] من التأويل، ثم إن أمثال ذلك من التقديرات إنما يستقيم في موضع تلجيء إليه الضرورة. الوجه الآخر: أن الاشتراط عليهم مع قوله (فإن الولاء لمن أعتق) كلام لا طائل تحته مع ما فيه من مضادة ما حكم به الرسول، وقطع فيه القول، ومن إثبات ما نفاه ﷺ والوجه فيه أن يقال: إن يقال: إن لم يكن أخطأ سمع الناقل في قوله: (اشترطي لهم الولاء، وفيه مظنة للصواب، فإن قوله: (فإن الولاء لمن أعتق) يشهد له من طريق المناسبة بين القولين، فالتأويل أن يقال يحتمل أنه قال ذلك على سبيل المعتبة، حيث روجع كرة بعد أخرى، وقد كان بين حكم الله فيه، وكان المراد منه النهي، وإن وجد منه على صيغة الأمر، كقوله- سبحانه: ﴿اعملوا ما شئتم﴾ وقد قال هذا بعض أهل العلم، ويحتمل أن هذا القول خرج مخرج قطع القول بالشيء، وإسقاط الاعتبار عن قول من يروم خلافه، فكأنه أراد أن يقول: اشترطي لهم الولاء أو لا تشترطي، فاختصر الكلام استغناء بما نادي به في كتاب الله) ومعنى قوله: (في كتاب الله) أي: حكم الله الذي تعبد به عباده في كتابه، وجملة ذلك طاعة

стр. 655

الرسول ﷺ فيما يأمر به وينهي عنه، وإنما عدلنا في شرح هذا الحديث عن لفظ الكتاب إلى غير ما فيه؛ لأن الكل حديث واحد، وإن اختلف طرقه. وقد أخرج البخاري هذا الحديث من طرق شتى، وفي عدة منها: (واشترطي لهم الولاء) فرأينا إهمال بعضه مخلا بالبعض، وتركنا تفسير الأوقية لما سبق فيها من القول في كتاب الزكاة، والأوقية- على ما يأتي في الأحاديث أربعون درهما، وقد دل على أن المراد منها الدراهم قول عائشة: (إن أحب أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة) لأن العد إنما يستعمل في الدراهم، فإنها تنفق معدودة، وفي الحديث (في كل عام وقية) هي لغة قليلة في الأوقية. [٢٠٣٤] ومنه حديثه الآخر: أن رسول الله ﷺ قال: (الخراج بالضمان) الخراج: ما يخرج من الأرض ومن كرى الحيوان ونحو ذلك: وكذلك الخرج، ويقع الخراج على الضريبة وعلى الغلة، وعلى مال الفيء وعلى الجزية، وذكر أبو عبيد أن الخراج في هذا الحديث غلة العبد [٤٧ ب] والمراد منه: أن المشترى إذا عثر على عيب في العبد، وكان قد استعمله ثم رده، فالغلة طيبة له؛ لأن العبد حين استغله كان في ضمانه فلو هلك هلك من ماله، لا من مال البائع، فهذا بذاك، وقد أشرنا فيما قبل إلى هذا المعنى، وفسره بعضهم فقال: إنما يخرج من مال البائع، فهو بإزاء ما سقط عنه من ضمان المبيع. قول الفقهاء فيه مختلف، فمنهم من يرى ذلك في الدار والدابة والعبد، ومنهم من يراه في جميع ما حدث عن المبيع في ملك المشترى، ومنهم من قال غير ذلك، وهذا الحديث، وإن كان ضعيفا عند علماء النقل، فإنه معمول به عند الفقهاء.

стр. 656

ومن باب السلم والرهن [٢٠٤٠] حديث أبي هريرة- ﵁ قال رسول الله ﷺ : (الظهر يركب بنفقته، إذا كان مرهونا .. الحديث) الظهر: الإبل القوى الظهر، يطلق على الواحد والجمع، ومنه الحديث: (استأذنا في نحر ظهرنا) ذهب بعض أهل العلم في معناه إلى أن للمرتهن أن ينتفع من الرهن بالحلب والركوب، ومذهب أكثر العلماء على أن منفعة الرهن للراهن؛ لكونها تابعة للملك، فأما من لا يرى استدامة القبض شرطا في الرهن؛ فإنه يرى أن الحكم في الركوب والحلب منصرف إلى الراهن الذي هو مالك الرقبة، وأما من يرى استدامة القبض شرطا في الرهن، وأن للمرتهن احتباس الشيء المرهون، فقد قال المعنى بالذي يركب ويحلب هو المرتهن، وذكر فيه الحديث عن أبي هريرة- ﵁ وفيه: (إذا كانت الدابة وهنا، فعلى المرتهن علفها، وهو كذلك في رواية هشيم عن زكريا عن الشعبي، عن أبي هريرة، ونجعل حكم هذا الحديث من جملة ما نسخ من الآيات التي نزلت في تحريم الربا من سورة البقرة، وحجج الفريقين محررة في كتبهما، وقصدنا بيان متن الحديث وإيراد ما يحتمله من التأويل. (ومن الحسان) [٢٠٤١] حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (لا يغلق الرهن الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه) يقال لكل شيء نشب في شيء فلزمه: قد غلق، وهو ضد الفكاك.

стр. 657

قال فهر: وفارقتك برهن لا فكاك له .... يوم الوداع، وأمسى الرهن قد غلقا يقال: غلقت الرهن: أوجبته فغلق، أي: وجب للمرتهن، وكان أهل الجاهلية يرون الرهن مستحقا للمرتهن، إذا لم يفتكه الراهن في الوقت المشروط بأداء ما رهن فيه، فلما جاء الله بالإسلام/ [٤٨ أ] أبطل ذلك. والمراد من الرهن الأول الذي أسند إليه الفعل المصدر، ومن الثاني الشيء المرهون و (غنمه) زيادته ونماؤه، و (غرمه): أداء ما يفك به الرهن، على هذا فسر، وقد فسر: (وعليه غرمه) من يرى الرهن غير مضمون، بأن عليه خسرانه إذا هلك. وهذا الحديث وجدناه في الكتاب موصولا مسندا إلى أبي هريرة، والظاهر أن ذلك ألحق به، فإن الصحيح فيه أنه من مراسيل سعيد بن المسيب، وعلى هذا رواه أبو داواد في كتابه، ولم يوصله غير ابن أبى أنيسة. [٢٠٤٢] ومنه حديث ابن عمر- ﵄ أن النبي ﷺ قال: (المكيال مكيال أهل المدينة والميزان ميزان أهل مكة) المراد منه: أن العبرة [فيما] أوجبه الشرع مكيلا بمكيال أهل المدينة. وقد كانوا أصحاب زروع ونخيل، يتعاملون بالمكاييل، وليس ذلك في عموم ما يكال، بل في القسم المذكور مثل: صدقة الفطر، وما أوجبه الشرع من الإطعام في الكفارات ونحو ذلك، وكذلك في العبرة بميزان أهل مكة، فيما ورد به التوقيف من نصب الذهب ونحوه، فإنهم كانوا أصحاب تجارات. [٢٠٤٣] ومنه حديث ابن عباس- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأصحاب الكيل والميزان .. الحديث) الصحيح في إسناد هذا الحديث أنه موقوف على ابن عباس، ولم يرفعه غير الحسين ابن قيس، وهو ضعيف. ومن باب الاحتكار (من الصحاح) [٢٠٤٤] حديث معمر بن عبد الله بن نضلة العدوى- ﵁ قال رسول الله ﷺ : (من

стр. 658

احتكر فهو خاطئ) الاحتكار: جمع الطعام وحبسه يتربص به الغلاء، وهو الحكرة- بالضم- وقوله: (خاطئ) أي: آثم. يقال: خطئ، يخطأ، خطا، وخطاة على (فعلة): إذا تعمد الذنب. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إن قتلهم كان خطئا كبيرا﴾ أي: ذنبا كبيرا. والاسم الخطيئة على (فعيلة). ولك أن تشدد الياء. وأخطأ: إذا تعاطي الخطأ، وهو نقيض الصواب، من غير تعمد. وقد اختلف أهل العلم في الجنس الذي يكون فيه الاحتكار، والأكثرون على أنه في الطعام، وهذا القول هو الذي ينصره الوضع اللغوي. واختلفوا فيما يستغله من ضيعته، أو يجلبه من بلد إلى بلد، فيتربص به زيادة السعر، هل يصير به آثما؟ فالأكثرون علة أنه خارج عن القسم المنهي عنه، ويرون القسم المنهي (٤٨ ب) ما يعترض فيه سوق المسلمين، ويدخل الضرر عليهم في أسعارهم. [٢٠٤٥] ومنه حديث عمر- ﵁ كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله، لرسول الله ﷺ خاصة .. الحديث) بنو النضير: حي من يهود المدينة، صالحوا رسول الله ﷺ بعد قدمته على المدينة، أن لا يكونوا له ولا عليه، فلما وقعت وقعة أحد طارت في رءوسهم نعرة الخلاف، ومناهم المنافقون، فنكثوا العهد، وسار زعميهم الخبيث كعب بن الأشرف في رجال منهم إلى أهل مكة، فحالفوهم على رسول الله ﷺ فبعث النبي ﷺ محمد بن مسلمة الأنصاري في نفر الأنفار إليه ليقتله، فقتله ليلا، فصبحهم بالكتائب، فحاصرهم حتى قذف الله الرعب في قلوبهم، وأيسوا من نصر أجلب عليهم البلاء من المنافقين، بإطماعهم في النصر، فطلبوا الصلح فأبي عليهم إلا الجلاء، فجلوا إلى أريحا وأذرعات من الشام وإلى خيبر، إلا طائفة منهم لحقت بالحيرة، فأفاء الله أموالهم على رسوله. أي: جعلها فيئا لهم، والفيء: الغنيمة التي لا يلحق في حيازتها مشقة، أخذ من الفيء والفيئة وهو الرجوع. ومعنى ذلك أن النبي ﷺ خص من ذلك بشيء لم يكن لغيره فكان له أن يستبد به دون غيره، وكان هذا القول من عمر- ﵁ حين تقاول علي والعباس- ﵄ فيما تقاولا من مال الفيء. وفيه: (ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع): اسم لجمع الخيل، وتعلق هذا الحديث بهذا الباب هو: أن حبس الطعام لنفقة العيال إلى تمام السنة ليس من الاحتكار في شيء؛ لأن النبي ﷺ فعل ذلك. [٢٠٤٧] ومنه حديث أنس- ﵁: (غلا السعر على عهد النبي ﷺ ... الحديث) سمى سعرا تشبيها باستعار النار؛ لأن سعر السوق يوصف بالارتفاع، وسعرت وأسعرت، أي: فرضت وقدرت

стр. 659

سعرًا. وقوله: (الله المسعر) أي: أن ذلك إلى الله، وقد فسر الكلام بما بعده، القول بالقابض الباسط الرازق، وفي ذلك أشد النهي عن التسعير؛ لأن ما تولاه الله بنفسه، ولم يكله إلى العباد، لم يكن لهم أن يتكلفوا فيه، ولو فعلوا لم يزدهم ذلك إلا ضيقا وشدة، عقوبة لهم على معارضة الله في قضاياه- سبحانه- وقوله: (وإني لأرجو أن ألقي ربي ...) إلى تمام الحديث، دليل على أن الذي يسعى في الحطيط في أسعار المسلمين، من غير رضي منهم- سلك مسلك الظلم. باب الإفلاس والإنظار (من الصحاح) [٢٠٥٤] حديث أبي رافع- ﵁: (استسلف رسول الله ﷺ بكرا .. الحديث) البكر: الفتي من الإبل، والأنثى بكرة، ويجمع على بكار وبكارة.

стр. 660

وفيه: (إلا جملا رباعيا) الرباعية: مثل الثمانية، السن التي بين الثنية والناب، يقال للذي يلقي رباعيته: رباع، مثل ثمان، فإذا نصبت أتممت قلت: ركبت حمارا رباعيا، ويقال ذلك لذوات الخف في السنة السابعة، ولم ير جمع من العلماء العمل بهذا الحديث؛ لحديث عبد الله بن عمر: (نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، ثم لعدم وجود المثل فيه، ورأوا الوجه في حديث أبي رافع- ﵁ أن ذلك كان قبل تحريم الربا، على ما سبق القول فيه، وعلى هذا يستتم الجمع بين الحديثين. [٢٠٥٦] ومنه حديث أبى هريرة- ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع) أتبع بفلان، أي: أحيل عليه، ومنه التبيع، وهو الذي لك عليه مال. وقوله: (إذا أتبع أحدكم ..) الحديث بمثابة قولك: إذا أحيل أحدكم على مليء فليحتل، أي: ليقبل الحوالة، وملؤ الرجل: صار ملئا، بالهمز، أي ثقة، فهو غنى ملييء بين الملاءة والملاء، ممدوان. [٢٠٥٧] ومنه حديث كعب بن مالك، أنه تقاضي ابن أبى حدود ... الحديث) تقاضى، أي: تقاضاه دينه، يقال: اقتضى دينه وتقاضاه بمعنى. وابن أبي حدرد هو: عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، وأبوه: أبو حدرد- أيضا- من الصحابة، وسامه: سلامة، وقيل: عبد، وقيل: عبيد. [٢٠٥٨] ومنه حديث سلمة بن الأكوع، قال: (كنا عند النبي ﷺ إذ أتى بجنازة، فقالوا: صل عليها ... الحديث) امتناع النبي ﷺ عن الصلاة على المديون الذي لم يترك وفاء محتمل لوجهين.

стр. 661

أحدهما: التحذير عن الدين. والآخر: أنه كره أن يكون دعاؤه للميت موقوفا غير متلقي بالإجابة، وذلك أنه إذا سأل له المغفرة والتجاوز عن الذنوب، حال دونه حقوق الناس، وهذا أشبه، لأنه كان يفعل ذلك في أول الأمر، فلما فتح الله عليه الفتوح، كان يتولى الأداء عنه من مال الله الذي آتاه، ويصلي عليه، وكان يقول: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ..) الحديث أورده المؤلف في هذا الباب من رواية أبي هريرة. [٢٠٦٦] ومنه: ما روى أن معاذا كان يدان ... الحديث) يدان- بتشديد الدال، فهو (افتعل) من: دان فلان يدين دينا: إذا استقرض وصار عليه دين، وهو دائن.

стр. 662

قال الشاعر: ندين ويقضي الله عنا، وقد نرى .... مصارع قوم لا يدينون ضيعا وهذا الحديث على ما فيه من الإرسال غير مستقيم المعني؛ لما فيه من ذكر بيع النبي ﷺ مال معاذ من غير أن [حبسه] أو كلفه ذلك، أو طالبه بالأداء فامتنع، والذي يعرف من مذاهب زعماء النحل فيمن أحاطت به الديون، وطولب بها، وكان له مال، أنه يحبس بها حتى يبيع ماله فيها، وليس للحاكم أن يبيع شيئا من ماله بغير إذنه، أو يأمره الحاكم ببيع ماله [٤٩ ب] فإن امتنع باعه الحاكم فيها، واستثنى بعضهم مما يباع من ماله داره التي لا غني به عنها في السكني وخادمه. والحديث لا يدل على شيء من هذه الأقسام، بل يدافعها، ولم يكن معاذ مع فضله وعلمه أن يمتنع من أمر يحكم به عليه نبي الله ﷺ ولا يحق أن يظن به ذلك، ولا بأحد ممن نال شرف الصحبة، قال الله تعالي: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾. [٢٠٦٧] ومنه حديث الشريد بن سويد الثقفي- ﵁ قال رسول الله ﷺ : (لي الواجد يحل عرضه وعقوبته) اللي: المطل، من قولك: لويت حقه: إذا دفعته به. والواجد: الغنى، من قولهم: وجد في المال وجدا ووجدا ووجدا، وجدة، أي: استغني، ويصح أن تكون من: وجد مطلوبه يجده وجودا، والمراد منه: الذي يجد ما يقضي به دينه، والأول أوثق لمطابقة الحديث الآخر: (مطل الغني ظلم) والمراد بتحليل العرض: ما يستوجبه من الملام، ويتوجه عليه من النسبة إلى الظلم، والتعيير بأكل أموال الناس بالباطل، وبتحليل العقوبة: حبسه دون الإلظاظ والامتناع. [٢٠٦٨] ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁ لعلي- ﵁: (فك الله رهانك من النار، كما فككت رهان أخيك المسلم) فك الرهن: تخليصه، وفك الرقبة: عتقها. وفك الرقبة: عتقها. وفك الإنسان نفسه: أن يسعى فيما يعتقها من عذاب الله، والرهان: جمع رهن، والمراد من قوله هذا: هو أن

стр. 663

نفس المديون مرهونة بعد الموت بدينه، كما هي في الدنيا محبوسة به ومنه الحديث: (صاحب الدين مأسور بدينه) والمأسور هو الذي يشد بالإسار وهو القد، وكانوا يشدونه به، فسمي كل أخيذ أسيرا وإن لم يشد بالقد، يقال: أسرت الرجل أسرا وإسارا، فهو أسير ومأسور، والإنسان مرهون بعمله، قال الله تعالي: ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾ وقال: ﴿كل امريء بما كسب رهين﴾، أي: مقيم في جزاء ما قدم من عمله، فلما سعى في تخليص أخيه المسلم عما كان مأسورا به من الدين؛ دعا له بتخليص الله نفسه عما تكون مرهونة به من الأعمال. ولعله ذكر الرهان بلفظ الجمع تنبيها على أن كل جزء من الإنسان رهين بما [كسب] أو لأنه اجترح الآثام شيئا بعد شيء، فرهن بها نفسه رهناً بعد رهن.

стр. 664

ومن باب الشركة والوكالة (من الصحاح) [٢٠٧٣] قوله ﷺ للأنصار، في حديث أبي هريرة- ﵁: (لا تكفونا المئونة ونشرككم في الثمرة) المئونة: فعولة. وقيل مفعلة، من الأين، وهو التعب والشدة، فقوله: (لا) رد لما التمسوه [٥٠/أ] من قسمه الأموال، وقوله: (تكفوننا المئونة) خبر معناه الأمر: أي: اكفونا تعب القيام بتأبير النخل وسقيها وإصلاحها، ونشرككم في ثمرتها، وهذا باب عظيم في استعمال الرفق وحسن الخلق مع الخلق، فأنه أراد بهذا القول تسهيل الأمر على الأنصار وأن لا يخرجوا من أموالهم التي بها قيام أمرهم، فصرفهم عن ذلك بما لطف من الكلام، على وجه يحسبه السامع أنه يبتغي به التخفيف عن نفسه وأسرته من المهاجرين، وهذا هو اللطف التام، والكرم المحض. [٢٠٧٦] ومنه حديثه الآخر، عن النبي ﷺ : (أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك) أي: لا تقابله بخيانة مثل خيانته، والذي يجحد حقه فوجد مثل حقه من مال الجاحد، فله أن يأخذه بما له عليه، ولا يعد ذلك خيانة؛ لأن الخائن هو الذي يأخذ مال غيره ظلما وعدوانا، وهذا لم يأخذه ظلما، وإنما أخذه قصاصا، أو استدراكاً لظلامته.

стр. 665

باب الغضب والعارية (من الصحاح) [٢٠٧٩] قوله ﷺ في حديث ابن عمر- ﵁: (أيحب أحدكم أن يأتي مشربته) المشربة- بفتح الراء- الغرفة، وكذلك بضمها، وقد وجدت في كتاب الحافظ أبي موسى، الموسوم بالمجموع المغيث، في باب السين مع الراء: المسربة، بضم الراء وفتحها: مثل الصفة بين يدي الغرفة، وقد جاء في بعض الأخبار (دخل مسربته) وقد تصحفت بالمشربة، إلى هنا لفظ كتابه. وهذا شيء لم نجد له فيما اطلعنا عليه من كتب اللغة- أصلا، وإنما المسربة- بالسين المهملة وضم الراء- الشعر المستدق الذي يأخذ من الصدر إلى السرة، وبفتح الراء: واحدة المسارب، وهى: المراعى. وأرى أن قصده كان أن يبين أن المشربة- بالشين المعجمة- قد تصفحت بالسين المهملة، فجرى فيه غلط من سمع ناقل، أو قلم ناسخ، وإن يك غير ذلك، فهو سهو. ولم أستجز إيراد ذلك إلا بعد أن اطلعت على ادعاء بعض الناس أن الصواب فيه السين المهملة، حتى أثبته على حاشية المصابيح، اعتمادا علة نقله، فلم أر أن أعبر عن موضع الحاجة بغير بيان، هذا مع اعترافي بأنه- ﵀ هو الطود الأشم، والمعلم الراسخ في هذا العلم، ونحن نروى عن حليته، ونروى عن بقيته. [٢٠٨٠] ومنه قوله ﷺ في حديث أنس- ﵁: (غارت أمكم). غارت من الغيرة، أراد أن الغيرة حملت أمكم على صنيعها ذلك، وإنما قال: (أمكم) لأنه خاطب به المؤمنين، وقد تبين لنا من غير هذا الطريق أن التي ضربت يد الخادم هي عائشة- ﵂-

стр. 666

وهذا الحديث [٥٠ ب] لا تعلق له بالغضب ولا بالعارية، وإنما كان من حقه أن يورد في باب ضمان المتلفات. وقد روى هذا الحديث عن انس، من غير هذا الوجه، ولفظه: (أن النبي ﷺ استعار قصعة، فضاعت فضمنها لهم) وهو حديث غير محفوظ. [٢٠٨٢] ومنه قول جابر- ﵁ في حديثه: (وقد آضت الشمس) أي: عادت لحالها الأولى. ومنه قولهم في الكلام: أيضا: أي: رجع وعاد إليه كرة أخرى. وفيه: (حتى رأيت صاحب المحجن يجر قصبه في النار) المحجن: كالصولجان، وقد ذكروا القصب بضم القاف وسكون الصاد- المعى. وفيه: (ولم يدعها تأكل من خشاش الأرض) الخشاش- بكسر الخاء- الحشرات، وقد يفتح. [٢٠٨٣] ومنه قوله ﷺ في حديث أنس: (وغن وجدناه لبحرا) (إن) هى المخففة من الثقيلة، والضمير من (وجدناه) راجع إلى الفرس المستعار، واسمه المندوب. أي: المطلوب، ويقال للفرس: إنه لبحر، أي: واسع الجري، تشبيها له في سعة الجري بالبحر الذي هو في غاية السعة.

стр. 667

(ومن الحسان) [٢٠٤٨] حديث سعيد بن زيد بن نفيل العدوى- ﵁ عن رسول الله ﷺ : (من أحيا أرضا ميتة فهي له ... الحديث) الأرض الميتة: هي الخراب التي لا توجد للقوة النامية بها أثر، ويقال لها: الموات. والمراد منها الأرض التي لا مالك لها من الآدميين، ولا ينتفع بها أحد. وإحياؤها إنما يكون بإجراء الماء عليها وبحفرها وتحجيرها ونحو ذلك مما تعود به إلى حال العمارة. وقد ذهب أكثر العلماء إلى من أحياها: ملكها بالإحياء، ولم يشترطوا فيه إذن السلطان، شرط ذلك أبو حنيفة- ﵀ لقوله ﷺ : (عادي الأرض- ولرسوله، ثم هي لكم مني). وفيه: (وليس لعرق ظالم حق) وجدت بعض الحفاظ يرويه على الإضافة. والحديث على ما فسره علماء الغريب على الصفة، بالتنوين فيهما، والعرق الظالم هو المشهور عند أهل اللغة، [وهي] مثل قولهم: ليل نائم. أي: ينام فيه النائمون وقد قال في تفسيره الجمهور: هو أن يجييء الرجل إلى أرض قد أحياها غيره، فيغرس فيها أو يرزع؛ ليستوجب بها الأرض. وقال الخطابي قد تفسيره: هو أن يغرس الرجل في غير أرضه، بغير إذن صاحبها. وهذا وإن كان قريبا- فالأول أصح وأوجه؛ لما نقلناه من أصحاب الغريب ومن أهل اللغة، ثم للمناسبة التي بين الفصلين [٥١/أ]. والذي قاله الخطابي من المعلوم الذي لم يكونوا مفتقرين إلى معرفته. وفي كتاب المصابيح بعد هذا الحديث: مرسل. وهذا من العجب العجاب أن يسند الحديث إلى الصحابي، ثم يقال: مرسل، وسعيد بن زيد بن نفيل هو الراوي لهذا الحديث، وهو أحد العشرة المبشرة. ومنه روى هذا الحديث في كتابي أبي داود وأبي عيسى، فلعل أحد الأمرين من المؤلف: إما الإسناد وإما الإرسال، والآخر من غيره، فإن هذا الحديث قد روى عن عروة مرسلا ومتصلا عنه عن سعيد، وقد ذكر الترمذي الإرسال أيضا. والجمع بين الأمرين في كتب الحديث المؤلفة لبيان السند والرواية هو المطلوب، وأما في مثل هذا الموضع على هذه الصيغة، فلا.

стр. 668

[٢٠٨٦] ومنه قوله ﷺ في حديث عمران بن حصين- ﵁: (ولا شغار في الإسلام) الشغار- بكسر الشين- نكاح كان في الجاهلية، وهو أن يقول الرجل لآخر: زوجني ابنتك أو أختك، على أن أزوجك أختي أو ابنتي، على أن صداق كل [واحدة] منهما بضع الأخرى، كأنهما رفعا المهر، وأخليا البضع منه. والأصل فيه شغر الكلب: إذا رفع إحدى رجليه ليبول. وشغر البلد: إذا خلا من الناس. ومن العلماء من أبطل هذا النكاح، ومنهم من قال: هو جائز، ولكل واحد منهما مهر المثل، وهو مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، وإليه ذهب سفيان الثوري، ومعني النهي عندهم: النهى عن استحلال البضع بغير صداق. [٢٠٨٧] ومنه: حديث يزيد بن عبد الله الكندي أبي السائب- ﵁ عن النبي ﷺ : (لا يأخذ أحدكم عصا أخيه لاعبا جادا .. الحديث) المعني: أنه يأخذه على سبيل المداعبة، وقصده في ذلك أن يذهب به جدا، فهو لاعب على ما يظهر، جاد [على ما] يسره، وإنما ضرب المثل بالعصا؛ لأنه من الأشياء التافهة التي لا يكون لها كثير خطر عند صاحبها، ليعلم أن ما كان فوقه فهو بهذا المعنى أحق وأجدر. [٢٠٨٨] ومنه حديث سمرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق به ... الحديث) المراد منه: ما غضب أو سرق، أو ضاع من الأموال.

стр. 669

[٢٠٩١] ومنه: حديث أبي هريرة- ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الرجل جبار، والنار جبار) الجبار: الهدر. يقال: ذهب دمه جباراً، أي: هدراً. ومعنى قوله: (الرجل جبار) أن الدابة إذا أصابت برجلها، فذلك هدر، لا ضمان فيه، إذا كان صاحبها راكباً عليها، أو قائداً لها، وأراد بالنار: الحريق التي تقع في المواضع، فإن الذي أشعلها [٥١/ ب] أولاً لحاجته لا ضمان عليه. [٢٠٩٣] ومنه قوله ﷺ في حديث ابن عمر بن الخطاب- ﵁: (ولا يتخذ خبنة) خبنت الطعام: إذا عينته واستعددته للشدة، والخبنة: ما تحمله في حضنك. وقيل: خبنة الرجل: ذلاذل ثوبه [المرقوع] من قولهم: خبنت الثوب: إذا عطفته، وحمل بعضهم معنى هذا الحديث وحديث سمرة الذي قبله: (إذا أتى أحدكم على ماشيته) وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده الذي يتلو هذا الحديث أن للمحتاج أن يفعل ذلك، وحملها بعضهم على المضطر، والذي عليه أكثر العلماء، هو أنه- وإن فعل ذلك اضطراراً، فإنه ضامن، وهو السبيل في تأويل تلك الأحاديث، فإنها لا تقاوم النصوص التي وردت في تحريم مال المسلم.

стр. 670

[٢٠٩٦] ومنه: حديث صفوان بن أمية- ﵁ أن النبي ﷺ استعار منه أدرعا يوم حنين ... الحديث) اختلف العلماء في العارية: هل هي مضمونة أم غير مضمونة؟ وقد سبقهم الصحابة بالخلاف فيها، ممن لم ير فيها الضمان على وابن مسعود- ﵄ وقد قضى بذلك شريح ثمانين سنة بالكوفة. وتأويل حديث صفوان عند من لا يرى الضمان فيها: أنه أراد بالمضمونة ضمان الرد لا ضمان العين، على أن هذا الحديث قد روى من غير طريق، ولم يذكر (مضمونة) في بعضها، وفي بعضها: (بل عارية مؤداة) وقد وردت في بعض الروايات: (بل عارية ومضمونة) وهذه الرواية تدل على أن الضمان وصف زائد على العارية. والوجه في ذلك أن يكون النبي ﷺ تلفظ بها تسكيناً لما به وتألفاً له، فإنه كان يومئذ مشركاً، وقد أخذ بمجامع قبله الحمية الجاهلية، هذا ونحن قصدنا بيان تأويل الحديث عند من لا يرى الضمان فيها، فأما أدلة المختلفين فيها، فإن لهم كتباً قد أفردت لها- والعارية تشدد ياؤها، وذكر أهل اللغة أنها منسوبة إلى العار؛ لأنهم رأوا طلبها عاراً وعيباً. قال الشاعر: إنما أنفسنا عارية .... والعوارى قصار أن ترد والعارة: مثل العارية، وقد ذكر بعض أهل العلم في اشتقاقها، إنها من التعاور، وهو التداول ولم يبعد، وقد جاء في كلامهم المستعار بمعنى المتعاور، وقد ذكر فيها بعض الفقهاء أن العرية والعارية يتماثلان في الاشتقاق، ولم يصب فيه، فإن العرية من باب الناقص، والعارية من الأجوف. [٢٠٩٧] ومنه: حديث أبي أمامة رضي اله عنه سمعت رسول الله ﷺ : (العارية مؤداة .. الحديث) أي: تؤدى إلى أصحابها، ثم إن العلماء يفترقون في تأويله على حسب اختلافهم في الضمان [٥٢/ أ] فالقائل بالضمان، يقول: تؤدى عيناً حال القيام، وقيمة عند التلف، وفائدة التأدية عند من [لا] يرى خلافه إلزام المستعير مؤنة ردها إلى مالكها. وفيه: (والمنحة مردودة) المنحة: ما يمنحه الرجل صاحبه من ذات در ليشرب درها، أو شجرة ليأكل ثمرها، أو أرض ليزرعها، وقد سبق تفسيرها، وفي قوله: (مردودة) إعلام بأنها تتضمن تمليك المنفعة لا تمليك الرقبة، وفيه: (والزعيم غارم) أي: الكفيل ملزم نفسه ما ضمنه، والغرم: أداء الشيء يلزمه، وقد فسرناه فيما قبل.
следующие страницы →