Полный текст (1 323 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
وهذا الحديث [٥٠ ب] لا تعلق له بالغضب ولا بالعارية، وإنما كان من حقه أن يورد في باب ضمان المتلفات.
وقد روى هذا الحديث عن انس، من غير هذا الوجه، ولفظه: (أن النبي ﷺ استعار قصعة، فضاعت فضمنها لهم) وهو حديث غير محفوظ.
[٢٠٨٢] ومنه قول جابر- ﵁ في حديثه: (وقد آضت الشمس) أي: عادت لحالها الأولى. ومنه قولهم في الكلام: أيضا: أي: رجع وعاد إليه كرة أخرى. وفيه: (حتى رأيت صاحب المحجن يجر قصبه في النار) المحجن: كالصولجان، وقد ذكروا القصب بضم القاف وسكون الصاد- المعى. وفيه: (ولم يدعها تأكل من خشاش الأرض) الخشاش- بكسر الخاء- الحشرات، وقد يفتح.
[٢٠٨٣] ومنه قوله ﷺ في حديث أنس: (وغن وجدناه لبحرا) (إن) هى المخففة من الثقيلة، والضمير من (وجدناه) راجع إلى الفرس المستعار، واسمه المندوب. أي: المطلوب، ويقال للفرس: إنه لبحر، أي: واسع الجري، تشبيها له في سعة الجري بالبحر الذي هو في غاية السعة.
стр. 667
(ومن الحسان)
[٢٠٤٨] حديث سعيد بن زيد بن نفيل العدوى- ﵁ عن رسول الله ﷺ : (من أحيا أرضا ميتة فهي له ... الحديث) الأرض الميتة: هي الخراب التي لا توجد للقوة النامية بها أثر، ويقال لها: الموات. والمراد منها الأرض التي لا مالك لها من الآدميين، ولا ينتفع بها أحد. وإحياؤها إنما يكون بإجراء الماء عليها وبحفرها وتحجيرها ونحو ذلك مما تعود به إلى حال العمارة.
وقد ذهب أكثر العلماء إلى من أحياها: ملكها بالإحياء، ولم يشترطوا فيه إذن السلطان، شرط ذلك أبو حنيفة- ﵀ لقوله ﷺ : (عادي الأرض- ولرسوله، ثم هي لكم مني).
وفيه: (وليس لعرق ظالم حق) وجدت بعض الحفاظ يرويه على الإضافة. والحديث على ما فسره علماء الغريب على الصفة، بالتنوين فيهما، والعرق الظالم هو المشهور عند أهل اللغة، [وهي] مثل قولهم: ليل نائم. أي: ينام فيه النائمون وقد قال في تفسيره الجمهور: هو أن يجييء الرجل إلى أرض قد أحياها غيره، فيغرس فيها أو يرزع؛ ليستوجب بها الأرض.
وقال الخطابي قد تفسيره: هو أن يغرس الرجل في غير أرضه، بغير إذن صاحبها. وهذا وإن كان قريبا- فالأول أصح وأوجه؛ لما نقلناه من أصحاب الغريب ومن أهل اللغة، ثم للمناسبة التي بين الفصلين [٥١/أ].
والذي قاله الخطابي من المعلوم الذي لم يكونوا مفتقرين إلى معرفته. وفي كتاب المصابيح بعد هذا الحديث: مرسل.
وهذا من العجب العجاب أن يسند الحديث إلى الصحابي، ثم يقال: مرسل، وسعيد بن زيد بن نفيل هو الراوي لهذا الحديث، وهو أحد العشرة المبشرة. ومنه روى هذا الحديث في كتابي أبي داود وأبي عيسى، فلعل أحد الأمرين من المؤلف: إما الإسناد وإما الإرسال، والآخر من غيره، فإن هذا الحديث قد روى عن عروة مرسلا ومتصلا عنه عن سعيد، وقد ذكر الترمذي الإرسال أيضا. والجمع بين الأمرين في كتب الحديث المؤلفة لبيان السند والرواية هو المطلوب، وأما في مثل هذا الموضع على هذه الصيغة، فلا.
стр. 668
[٢٠٨٦] ومنه قوله ﷺ في حديث عمران بن حصين- ﵁: (ولا شغار في الإسلام) الشغار- بكسر الشين- نكاح كان في الجاهلية، وهو أن يقول الرجل لآخر: زوجني ابنتك أو أختك، على أن أزوجك أختي أو ابنتي، على أن صداق كل [واحدة] منهما بضع الأخرى، كأنهما رفعا المهر، وأخليا البضع منه. والأصل فيه شغر الكلب: إذا رفع إحدى رجليه ليبول. وشغر البلد: إذا خلا من الناس.
ومن العلماء من أبطل هذا النكاح، ومنهم من قال: هو جائز، ولكل واحد منهما مهر المثل، وهو مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، وإليه ذهب سفيان الثوري، ومعني النهي عندهم: النهى عن استحلال البضع بغير صداق.
[٢٠٨٧] ومنه: حديث يزيد بن عبد الله الكندي أبي السائب- ﵁ عن النبي ﷺ : (لا يأخذ أحدكم عصا أخيه لاعبا جادا .. الحديث) المعني: أنه يأخذه على سبيل المداعبة، وقصده في ذلك أن يذهب به جدا، فهو لاعب على ما يظهر، جاد [على ما] يسره، وإنما ضرب المثل بالعصا؛ لأنه من الأشياء التافهة التي لا يكون لها كثير خطر عند صاحبها، ليعلم أن ما كان فوقه فهو بهذا المعنى أحق وأجدر.
[٢٠٨٨] ومنه حديث سمرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق به ... الحديث) المراد منه: ما غضب أو سرق، أو ضاع من الأموال.
стр. 669
[٢٠٩١] ومنه: حديث أبي هريرة- ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الرجل جبار، والنار جبار) الجبار: الهدر. يقال: ذهب دمه جباراً، أي: هدراً. ومعنى قوله: (الرجل جبار) أن الدابة إذا أصابت برجلها، فذلك هدر، لا ضمان فيه، إذا كان صاحبها راكباً عليها، أو قائداً لها، وأراد بالنار: الحريق التي تقع في المواضع، فإن الذي أشعلها [٥١/ ب] أولاً لحاجته لا ضمان عليه.
[٢٠٩٣] ومنه قوله ﷺ في حديث ابن عمر بن الخطاب- ﵁: (ولا يتخذ خبنة) خبنت الطعام: إذا عينته واستعددته للشدة، والخبنة: ما تحمله في حضنك. وقيل: خبنة الرجل: ذلاذل ثوبه [المرقوع] من قولهم: خبنت الثوب: إذا عطفته، وحمل بعضهم
معنى هذا الحديث وحديث سمرة الذي قبله: (إذا أتى أحدكم على ماشيته) وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده الذي يتلو هذا الحديث أن للمحتاج أن يفعل ذلك، وحملها بعضهم على المضطر، والذي عليه أكثر العلماء، هو أنه- وإن فعل ذلك اضطراراً، فإنه ضامن، وهو السبيل في تأويل تلك الأحاديث، فإنها لا تقاوم النصوص التي وردت في تحريم مال المسلم.
стр. 670
[٢٠٩٦] ومنه: حديث صفوان بن أمية- ﵁ أن النبي ﷺ استعار منه أدرعا يوم حنين ... الحديث) اختلف العلماء في العارية: هل هي مضمونة أم غير مضمونة؟ وقد سبقهم الصحابة بالخلاف فيها، ممن لم ير فيها الضمان على وابن مسعود- ﵄ وقد قضى بذلك شريح ثمانين سنة بالكوفة.
وتأويل حديث صفوان عند من لا يرى الضمان فيها: أنه أراد بالمضمونة ضمان الرد لا ضمان العين، على أن هذا الحديث قد روى من غير طريق، ولم يذكر (مضمونة) في بعضها، وفي بعضها: (بل عارية مؤداة) وقد وردت في بعض الروايات: (بل عارية ومضمونة) وهذه الرواية تدل على أن الضمان وصف زائد على العارية. والوجه في ذلك أن يكون النبي ﷺ تلفظ بها تسكيناً لما به وتألفاً له، فإنه كان يومئذ مشركاً، وقد أخذ بمجامع قبله الحمية الجاهلية، هذا ونحن قصدنا بيان تأويل الحديث عند من لا يرى الضمان فيها، فأما أدلة المختلفين فيها، فإن لهم كتباً قد أفردت لها- والعارية تشدد ياؤها، وذكر أهل اللغة أنها منسوبة إلى العار؛ لأنهم رأوا طلبها عاراً وعيباً. قال الشاعر:
إنما أنفسنا عارية .... والعوارى قصار أن ترد
والعارة: مثل العارية، وقد ذكر بعض أهل العلم في اشتقاقها، إنها من التعاور، وهو التداول ولم يبعد، وقد جاء في كلامهم المستعار بمعنى المتعاور، وقد ذكر فيها بعض الفقهاء أن العرية والعارية يتماثلان في الاشتقاق، ولم يصب فيه، فإن العرية من باب الناقص، والعارية من الأجوف.
[٢٠٩٧] ومنه: حديث أبي أمامة رضي اله عنه سمعت رسول الله ﷺ : (العارية مؤداة .. الحديث) أي: تؤدى إلى أصحابها، ثم إن العلماء يفترقون في تأويله على حسب اختلافهم في الضمان [٥٢/ أ] فالقائل بالضمان، يقول: تؤدى عيناً حال القيام، وقيمة عند التلف، وفائدة التأدية عند من [لا] يرى خلافه إلزام المستعير مؤنة ردها إلى مالكها. وفيه: (والمنحة مردودة) المنحة: ما يمنحه الرجل صاحبه من ذات در ليشرب درها، أو شجرة ليأكل ثمرها، أو أرض ليزرعها، وقد سبق تفسيرها، وفي قوله: (مردودة) إعلام بأنها تتضمن تمليك المنفعة لا تمليك الرقبة، وفيه: (والزعيم غارم) أي: الكفيل ملزم نفسه ما ضمنه، والغرم: أداء الشيء يلزمه، وقد فسرناه فيما قبل.
стр. 671
ومن باب الشفعة
[٢٠٩٨] حديث جابر- ﵁ قال رسول الله ﷺ : (الشفعة فيما لم يقم .. الحديث) الشفع: ضم الشيء إلى مثله، والشفعة: هي طلب مبيع في شركته أو جواره بما بيع به ليضمه إلى ملكه، وهذا الحديث أخرجه البخاري في كتابه، ولفظه: (قضى رسول الله ﷺ بالشفعة فيما لم يقسم) ولم يخرج مسلم هذا الحديث، وإنما أخرج حديثه الآخر اذي يتلو هذا الحديث، وكان على المؤلف لما أورد الحديث في القسم الذي هو مما أخرجه الشيخان أو أحدهما أن لا يعدل في اللفظ عن لفظ كتاب البخاري، فإن بين الصيغتين [بون بعيد] ولا يكاد يتسامح فيه ذو عناية بعلم الحديث، وقد روى هذا الحديث أيضاً في غير الكتابين عن أبي هريرة، على نحو ما رواه البخاري عن جابر- ﵁ وتأويله عند من يثبت الشفعة للخليط في نفس المبيع، ثم للخليط في حق المبيع، ثم للجار أن يقال: إن جابراً أخبر عن قضاء قضى به رسول الله ﷺ في قضيته، وليس فيه نفي الشفعة عن المقسوم، وأما بقية الحديث، فإنه شيء رآه جابر فأوصله بما حكاه عن النبي ﷺ وتأويلهم الحديث على أن بقية الحديث من كلام جابر، وإن كان أقرب إلى الاحتمال؛ لأنه حكى فعل النبي- ﵇ ثم أتى بقوله لم يسنده إليه، فلأن يحمل على أنه من كلام جابر أقرب من أن يحمل على أنه من قول النبي ﷺ غير أن الترمذي روى في كتابه عن جابر، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة) فحينئذ يؤول قوله: (فلا شفعة) أي: لا شفعة من [جهة] الشركة؛ لأن الشركة في نفس المبيع ارتفعت بالقسمة، وتمييز الحدود، والشركة في حق المبيع ارتفعت بصرف الطرق، وقد قال بعض أهل هذه المقالة: يحتمل أنه أراد بوقوع الحدود وقوعها مع الفاصلة بين الحدين بطريق أو نهر أو غير ذلك، فلا شفعة فيها إذا بوجه من الوجوه، وإنما أحوجهم إلى هذه التأويلات شدة العناية بالجمع بين الأحاديث التي وردت في هذا الباب والجد في الهرب عن رد ما ورد من الاحاديث في الشفعة بالجوار. فمنها:
حديث أبي رافع: (الجار أحق بسقبه) وحديث أنس (جار الدار أحق بالدار) وحديث سمرة بن جندب: (جار الدار أحق بشفعة الدار). وحديث جابر: (الجار أحق بشفعته ... الحديث) وكل ذلك عن النبي ﷺ .
стр. 672
وحديث جابر أورده المؤلف في أول الحسان من هذا الباب، وهو حديث حسن. ووجدت بعض أهل العلم قد رماه بالوهن في كتابه من جهة عبد الملك بن أبي سليمان، وتفرده به وزعم أنه لين الحديث، وجعل سناد قوله كلاماً نقله الترمذي في كتابه عن الشفعة في رواية عبد الملك هذا الحديث، ولم يصب في ذلك؛ فإن أحاديث الثقاة لا ترد بوهم واهم. والعجب أنه ذكر ذلك، وترك ما أثنى به الترمذي عليه عقيب ذلك، فمن ذلك قوله: وعبد الملك هو ثقة المأمون عند أهل الحديث، لا نعلم أحداً تكلم فيه غير شعبة، من أجل هذا الحديث. منه أنه ذكر عن سفيان الثوري أنه قال: عبد الملك بن أبي سليمان ميزان. يعني: في العلم، وعلى هذا فالصواب في تأويل حديث جابر ما قدمناه ليتفق حديثه الآخر، ولا يضرب أحدهما بالآخر.
[٢١٠٠] ومنه حديث أبي رافع- ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الجار أحق بسقبه). السقب- بالتحريك القرب. يقال: سقبت داره- بالكسر- أي: قربت. والسقب من الكلمات التي يتكلم بها العرب بالسين والصاد، والصاد في أشهر اللغتين. قال الشاعر.
لا أمم دارها ولا صقب
وقد قال الخطابي في المعالم: يحتمل أن يكون أراد به البر والمعونة، وما في معناهما. ورحم الله أبا سليمان، فإنه لم يكن جديراً بهذا التعسف، وقد علم أن الحديث قد روي عن الصحابى في قضية صار البيان مقترناً به، ولهذا أورده علماء النقل في كتب الأحكام في باب الشفعة، وأولهم وأفضلهم البخاري، ذكره بقصته، عن عمرو بن الشريد أنه قال: وقفت على سعد بن أبي وقاص فجاء المسور بن مخرمة، فوضع يده على إحدى منكبي، إذ جاء أبو رافع مولى النبي ﷺ فقال: يا سعد، ابتع مني بيتي في دارك، فقال سعد: والله، ما أبتاعهما، فقال المسور: والله لتبتاعنهما، فقال سعد: والله، لا أريدك على أربعة آلاف منجمة، أو مقطعة. قال أب رافع: لقد أعطيت بها خمسمائة دينار، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الجار أحق بسقبه) ما أعطيتكها بأربعة آلاف، وأنا أعطي بها خمسمائة دينار، فأعطاه إياه.
قلت: قوله: بيتي في دارك. أي: في محلتك، أو في جنب دارك. وحمل بعضهم: (في دارك) على أن البيتين كانا في دار سعد، وكان هو وأبو رافع شريكين في حق البيع. والوجهان اللذان قدمناهما أشبه
стр. 673
وأولى. ومتى كان بالمدينة حينئذ دار تباع منها البيتان بخمسمائة دينار، وإنما أراد بالبيتين المسكنين، وأما قوله: (والله ما أبتاعهما) فإنه حلف على أنه لا يريد ابتياعهما، وعليه انعقدت النية، ثم بدا له في الابتياع، بعد كلام مسور وأبي رافع، ولهذا نفى الابتياع بحرف (ما) التي هي لنفي الحال، ولو كان قصده أن لا يفعله في مستقبل الزمان؛ لنفاه بلا التي هي لنفي المستقبل، ولو لم يكن كذلك، لم يكن مورد ليرد عليه يمينه، ولا ليقسم عليه، فإنهم بررة أتقياء، أحقاء بأن لا يظن بهم غير ذلك. وقوله: (لقد أعطيت بها، وأعطيتكها)، وإنما أعطى بها) (فأعطاها إياه) الضمير في ذلك كله راجع إلى البقعة المشتملة على البيتين.
[٢١٠١] ومنه: حديث أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ (لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره) هو عند جمع من العلماء على الندب والاستحباب من طريق المواساة وحسن الجوار، ولو منعه فله ذلك، ورأى آخرون على الوجوب.
(ومن الحسان)
[٢١٠٣] حديث سعيد بن حريث- ﵁ عن النبي ﷺ : (من باع منكم داراً أو عقاراً ... الحديث) العقار- بالفتح-: الأرض والضياع والنخل يقال: ما له دار ولا عقار. ويقال أيضاً: في البيت عقار حسن. أي: متاع وأداة. هذا الحديث تكلموا فيه فلم يثبتوه، مع مخالفته الحديث الثابت: (لا تتخذوا الضيعة، فترغبوا في الدنيا).
стр. 674
ومن باب المساقاة والمزارعة
(من الصحاح)
[٢١٠٧] حديث ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ : (دفع إلى يهود خيبر وأرضها، على أن يعتملوها من أموالهم ... الحديث) كانت خيبر مما فتح عنوة ولما ظهر عليها رسول الله ﷺ أراد إخراج اليهود منها، فسألوه أن يقرهم على أن يعملوا على نصف ما يخرج منها من زرع أو ثمر، فقال: (نقركم بها على ذلك ما شئنا) فكانوا على ذلك زمن النبي ﷺ وخلافة أبي بكر، وصدراً من خلافة عمر ﵄ حتى أجلاهم إلى تيماء، وأريحا .. وكان رسول الله ﷺ قد قسم خيبر، فأعطى ذوى السهمان سهمانهم، وكان الشطر الذي يؤدونه إلى رسول الله ﷺ من جملة ما وقع من الخمس ومن مال الفئ، فإن بعض قرى خيبر سلمها أهلها على أن يأخذوا [٥٣/ ب] منهم شطرها، ويقروهم عليها، فقال رسول الله ﷺ : (نقركم ما شئنا، وتعتملوها) أي: تسعوا فيها بما فيه عمارة أرضها وصلاح نخلها وتربية ثمرها، وينفقوا عليها من أموالهم، و (اعتمل) أي: اضطراب في العمل، قال الراجز:
إن الكريم وأبيك يعتمل
وقد قال بظاهر هذا الحديث جمهور العلماء، فأثبتوا المساقاة، ولم ير أبو حنيفة- رحمة الله عليه عقد المساقاة صحيحاً، وذكر في هذا الحديث أن لم يذكر فيه مدة معلومة، بل (نقركم ما شئنا) وفي رواية (نقركم ما أقركم الله) وذلك مما لا يجوز في المعاملة، وإنما استعمل اليهود في ذلك بدل الجزية، يدل عليه أنه لم يكن يؤخذ عنهم الجزية يعني: يهود خيبر، والشطر الذي كان يدفع إليهم إنما كان من طريق المعونة ليتقووا به على ما كلفوا من العمل، وللإمام أن يفعل ذلك إذا رأى فيه المصلحة.
وقصدنا إيراد تأويل الحديث عنده، وتركنا ما سوى ذلك من الدلائل، فلها كتب مفردة.
[٢١٠٩] ومنه: حديث رافع بن خديج- ﵁ (بما ينبت على الأربعاء) الربيع: النهر الصغير
стр. 675
الذي يسقي المزارع، وجمعه أربعاء، وأربعة، مثل: نصيب وأنصباء، وأنصبة، وقيل: يجمع ربيع الكلأ أربعة، وربيع الجداول أربعاء. وفيه: (وكان الذي نهى من ذلك) إلى تمام الحديث، هذه زيادة على حديث رافع بن خديج، أردت في حديثه، على هذا السياق رواه البخاري ولم يتبين لي أنها من قول بعض الرواة، أم من قول البخاري.؟ وقوله: ما لو نظر فيه ذوو الفهم: ذوو بواوين، أريد به الجمع، ومعنى قوه: (لما فيه من المخاطرة أي: من التورط فيما لا يحل لكون حصة كل واحد من الشريكين مجهولة، والمخاطرة من الخطر، الذي هو الإشراف على الهلاك، وفي حديثه أيضاً: (فربما أخرجت ذه، ولم تخرج ذه) ذه: إشارة إلى القطعة من الأرض، وهي من الأسماء المبهمة التي يشار بها إلى المؤنث، يقال: ذي وذه، والهاء ساكنة؛ لأنها للوقف.
[٢١١١] ومنه قول طاوس: إن أعملهم أخبرني. يعني: ابن عباس .. الحديث. الضمير عائد إلى من أدركهم طاوس من الصحابة، أو من كان حياً منهم بمكة أيام يفتى بها ابن عباس، ولا يصح أن يراد به العموم؛ لأن ابن عباس هو القائل: معظم علمي عن عمر- ﵁ وهو أحد الصحابة، وقد روى أنهم كانوا يرون أن عمر ذهب بتسعة أعشار العلم، ولا يصح أن يقال: الضمير عائد إلى بني هاشم لأن منهم علياً ﵁ وابن عباس هو القائل. فإذا علمي بالقرآن في علم علي كالقرارة في المثعنجر وأحاديث المزارعة (٥٤ أ) التي أوردها المؤلف [وما] ثبت منها في كتب الحديث في ظواهرها تباين واختلاف، وجملة القول في الوجه الجامع بينها أن يقال: إن رافع بن خديج سمع أحاديث في النهي، وعللها متنوعة، فنظم سائرها في سلك واحد، ولهذا يقول مرة: سمعت رسول الله ﷺ وتارة يقول: حدثني عمومتى. وأخرى يقول: أخبرني عماى. والعلة في بعض تلك الأحاديث أنهم كانوا يشترطون فيها شروطاً فاسدة، ويتعاملون على أجرة غير معلومة، فنهوا عنها، وفي البعض أنهم كانوا يتنازعون في
стр. 676
كرى الأرض، حتى أفضى بهم إلى التقاتل، فقال النبي- ﵇: إن كان هذا شأنكم، فلا تكروا المزارع، وقد بين ذلك زيد بن ثابت في حديثه، وفي البعض أنه كره أن يأخذ المسلم خرجاً معلوماً من أخيه على الأرض ثم تمسك السماء قطرها، أو تخلف الأرض ريعها، فيذهب ماله بغير شيء، فيتولد منه التنافر والبغضاء، وقد تبين ذلك من حديث ابن عباس: (أن النبي ﷺ لم ينه عنه، ولكن قال ... الحديث).
والضمير في قوله: (عنه) عائد إلى الزرع في أرض غيره.
[٢١١٢] ومن حديث جابر: قال النبي ﷺ : (من كانت له أرض فليزرعها .. الحديث) وذلك من طريق المروءة والمواساة، وفي البعض أنه كره لهم الافتتان بالحراثة والحرص عليها، والتفرغ لها، فيقعهد بهم عن الجهاد في سبيل الله، وتفوتهم الحظ عنه الغنيمة والفئ، ويدل عليه حديث أبي أمامة ورأى سكة وشيئاً من آلة الحرث، فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: (لا يدخل هذا بيت قوم إلا دخله الذل).
السكة: الحديدة التي يحرث بها الأرض.
قلت: إنما جعل آلة الحرث مظنة للذل، لان أصحابها يختارون ذلك، إما لجبن في النفس، أو قصور في الهمة، ثم إن أكثرهم ملزمون بالحقوق السلطانية في أرض الخراج، ولو آثروا الجهاد لدرت عليهم الأرزاق، واتسعت عليهم المذاهب، وجبى لهم الأموال، مكان ما يجبى عنهم، فهذه جملة القول في تلك الاحاديث. وقد أطلق القول ببطلان المزارعة الاكثرون من أصحاب المذاهب، ونحن نرى التسليم لهم فيما هم بصدده، وإنما تكلمنا في التوفيق بين تلك الأحاديث إلى ما انتهى إليه فهمنا، ومن الله المعونة في الإصابة.
(ومن الحسان)
[٢١١٤] حديث: رافع بن خديج- ﵁ عن النبي ﷺ : (من زرع في أرض قوم بغير
стр. 677
إذنهم، فليس له من الزرع شيء، وله نفقته) قيل: إن هذا الحديث لم يثبته علماء الحديث، وكان البخاري يضعفه، ورأى [٥٤/ ب] شريكاً قد وهم فيه، وذكر أن شريكاً تفرد به عن أبي إسحق، وتفرد به أبو إسحق عن عطاء، وعطاء لم يسمع من رافع بن خديج شيئاً، ذكر ذلك الخطابى في (المعالم) وقد روى الترمذي عن البخاري أنه سأله عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن. ونقل الترمذي أوثق، وعلى هذا فالحديث ليس مما يقابل بالطعن والإنكار، ولكنه تأول ليوافق الأصول التي تمسك بها المجتهدون، فيحمل معناه على العقوبة والحرمان للغاصب.
ومن باب الإجارة
(من الصحاح)
[٢١١٦] حديث ابن عباس أن النبي ﷺ : (احتجم وأعطى الحجام أجره، واستعط) السعوط بالفتح الدواء يصب في الأنف، يقال: اسطعت الرجل فاستعط هو بنفسه.
[٢١١٧] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁ (كنت أرعى على قراريط لأهل مكة) القيراط، ذكرناه في باب الجنائز، وإنما ذكر هاهنا القراريط؛ لأنه أراد بها سقط الشهر من أجره الرعية، والظاهر أن ذلك لم يكن يبلغ الدينار أو لم ير أن يذكر مقدارها، استهانة بالحظوظ العاجلة، أو لأنه نسى الكمية فيها، وعلى الأحوال، فإنه قال هذا القول تواضعاً لله تعالى وتصيحاً لمنته عليه.
وقد تعمق بعض المتكلفة في تأويله، حتى أتى بما لا حقيقة له، فقال: لعل القراريط موضع بمكة. وذلك قول لم يسبق إليه، وإنما وقع في هذه المهواة حين استعظم أن يرعى نبي الله بالأجرة، ولم يدر أن الانبياء إنما يتنزهون عن الأجرة فيما يعملونه لله، فأما ما كان سبيله الكسب، فإنهم كانوا يعتملون فيه ويكدحون، ولم يزل الكسب سنتهم، والتوكل حالهم، مع أن نبينا ﷺ تعانى الرعية قبل أن يوحى إليه، ولأنه عمل ذلك العمل بالأجرة، أورد العلماء هذا الحديث في باب الإجارة.
стр. 678
[٢١١٨] ومنه حديثه الآخر عن النبي ﷺ : (قال الله تعالى: ثلاثة أن خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر ... الحديث) الخصم: مصدر قولك: خصمته خصماً ثم وصف به، ولهذا يستوي فيه الجمع والمؤنث، وكأنه أخذ من الخصم- بالضم- وخصم كل شيء: جانبه وناحيته، وذلك لأنك إذا دفعته من جانب أتاك من جانب آخر. وهذا أبلغ ما يمكن من الوعيد؛ لأن من كان الله خصمه لا ينجو ولا يفلح. وقوله: (أعطى بي) على بناء الفاعل، أي: أعطى الأمان باسمي أو بذكري، أو بما شرعته من ديني. وذلك بأن يقول للمستجير: لك ذمة الله [٥٥/ أ) ولك عهد الله.
[٢١١٩] ومنه حديث ابن عباس ﵁: أن نفرا من أصحاب النبي ﷺ مروا بما فيهم لديغ .. الحديث) أراد بالماء: الحي النازلة عليه فاختصره، وتقدير الكلام: بأهل ماء. وفي كتاب البخاري (فيهم لديغ أو سليم) والحديث إنما نقله المؤلف من كتابه، فلم يكن له أن يترك اللفظ الآخر. واللديغ أكثر ما يستعمل في لدغ العقرب. والسليم فيمن لسعته الحي وإنما قيل ذلك تفاؤلا بالسلامة. وقيل: لأنه أسلم وترك يأسا من برئه.
والحديث لا تعلق له بأحكام الإجارة. فيه- على ما اختاره المؤلف من الروايات- اختصار. وقد روى هذا الحديث من وجوه كثيرة، وفي بعض طرقه ألفاظ تبين وجه الحديث، فمن ذلك: (واستضافوهم فلم يضيفوهم) رواه مسلم في كتابه. ومنه: (فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم) رواه البخاري في كتابه عن أبي سعيد الخدري، وفيه أيضاً: (فصالحوهم عن قطيع من الغنم) فوجه الحديث: أن أهل تلك السرية كانوا مرملين، وقد وجب على أهل الماء حقهم، على ما صح من حديث عقبة بن عامر ﵁ (قلنا: يا رسول الله إنك تبعثنا فننزل بقوم، فلا يقروننا، فما ترى؟ فقال لنا رسول الله ﷺ : (إن زلتم بقوم فأمروا بكم بما ينبغي للضيف، فاقبلوا، فإن لم يفعلوا، فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم)، فأبيح لهم أخذ ذلك عوضاً عن حقهم الذي منعوه، ويدل على صحة هذا التأويل قول أبي سعيد: (صالحوهم على قطيع من الغنم) وقد كان أبو سعيد في تلك السرية، ولم تكن الرقية علة لاستحقاقهم ذلك، وإنما كانت ذريعة إلى استخلاص حقهم.
وهذا المعنى وما يشاكله هو الصواب في تأويل هذا الحديث لئلا يخالف حديث عبادة بن الصامت وهو حديث صحيح- ولفظه: (علمت ناساً من الصفة الكتاب والقرآن، وأهدى إلى رجل منهم قوساً، فقلت: ليست بمال، وأرمي بها في سبيل الله فأتيته فقلت: يا رسول الله، رجل أهدى إلى قوساً ممن كنت أعلمه
стр. 679
الكتاب والقرآن، وليست بمال، فأمي عليها في سبيل الله، قال: (إن كنت تحب أن تطوق طوقاً من نار فاقبلها) فإن قيل: فإذا ما وجه قوله في حديث ابن عباس: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله- قلنا: أراد به أجر الآخرة. كان سؤالهم عن أخذ الاجر عليه، فعرض هو بما هو الحقيقة فيه والمطلوب منه. وهذا النوع من الخطاب يسميه أهل البلاغة التحويل للكلام ومن هذا الباب قوله ﷺ (٥٥ ب): (الصرعة من يملك نفسه عند الغضب) وقوله: (المحروب من حرب دينه) فإن قيل: فماذا تصنع بحديث خارجة بن الصلت عن عمه، وهو في الحسان، عقيب هذا الحديث، وفيه: (فأعطوه مائة شاة .... الحديث) قلنا: لم يذكر في الحديث أنهم شاطروه على شيء، وإنما كان الرجل متبرعاً بالرقية فرقاه، فبعدما أفاق المرقي أعطوه مائة شاة تكرمه له، هذا وجه هذا الحديث، ليوافق حديث عبادة، فإنه حديث صحيح، وهذا الحديث لا يقاومه في الصحة: فإن قيل: لو سلم لك الأمر فيما ابتغيت من التوفيق بينهما- على ما ذكرت- فكيف يوفق بينهما في غير ذلك المعنى، وهو أن يقال قلت: ولم يذكر في الحديث أنهم شارطوه على شيء، وكان متبرعاً بذلك، فأعطى بعد الرقية مائة شاة، هدية إليه وتكرمه له، وكذلك عبادة علمه القرآن متبرعا به، ثم أهدى إليه القوس هدية [المؤمن إليه المؤمن] فمنعه عن قبلها بأبلغ قول.
قلنا: الفرق بين القضيتين أن عبادة كان من مياسير الصحابة، وقد استفتاه في قولها كالمستشير المفوض أمره إليه، فأشار إليه بما هو الأحق له والأولى به. والرجل حدث رسول الله ﷺ بحديثه بعد أن كان قبل الشياه، وتناول منها وأفناها، وبعد أن رجع من تلك السفرة، ولعله كان من المحاويج فتصدقوا بها عليه، فلم ير لنهيه بعد وقوع الحادثة، أو بعد افتقاره إلى ذلك وجها ثم إن الحديثين، وإن اتفقا في الحكم، فإنهما مختلفان في الصحة، فإن قيل: فإن كان الأمر على ما قدرت، وقد كان النبي ﷺ أشار إليه بما أشار نظراً له، وشفقة عليه، فعلام أوعده بالعقوبة على صنيع لو أتاه لم يكن آتيا محرماً عليه.
قلنا: نرى أن قوله: (إن كنت تحب أن تطوق طوقاً من نار فاقبلها) لم يكن من باب الوعيد بالعقوبة على ارتكاب ذنب، وإنما شبه القوس التي كادت أن تنقض سريرته بالنار المحرقة المفنية لذوات الأشياء، ولما كان من عادة المتسلحة أن يتقلدوا القسى، فيكون عليهم هيئة الطوق، أنزل تلك القوس، إذا تقلد بها منزلة طوق من نار، لما يصيبه [٥٦ أ] [بسببها] من بطلان العمل وانتقاص الأجر، وإن يكن المراد منه
стр. 680
العقوبة، فإنه يحمل على أنه نهاه عن ذلك نظراً له- على ما بينا- وكان عليه أن يجيبه لما دعاه، فلو قبلها كان مستوجباً للعقوبة، لأنه لم يتبع أمره، ولم يستمع لقوله، والله أعلم.
(ومن الحسان)
[٢٠٢٠] حديث عم خارجة بن صلت: (كأنما أنشط من عقال): أي حل، يقال: نشطت الحبل أنشطه، نشطاً: عقدته، وأنشطته أي: حللته، وهذا القول أعني: (أنشط من عقال) يستعملونه في خلاص الموثوق، وزوال المكروه في أدنى ساعة والوجه في هذا الحديث قدمناه.
[٢٠٢١] ومنه قوله: ﷺ : (أعطوا الأخير أجرته ... الحديث) وصف هذا الحديث في المصابيح بالإرسال، فلا أدري أثبت ذلك في الأصل، أم هو شيء ألحق به؟! وقد وجدته مسنداً إلى ابن عمر ﵁، وقد أورد بقية الحديث بمعناه أبو داود في كتابه بإسناد له عن الحسين بن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (للسائل حق وإن جاء على فرس) معنى هذا القول أن الذي يبذل لك وجهه بالسؤال، وإن وجد على حال تكون مظنة للغني، فإنه أدلى إليك بحق يجب عليك رعايته، وذلك بأن تحسن به الظن وتقرر في نفسك بان حاجة ما دعته إلى ذلك وأن وراء ما ترى خلة، لم يستطع سدها، فتبذل له معروفك، كما بذل لك وجهه، فإن لم تجد إلى ذلك سبياً، فبميسور من القول تحسن مردودك.
ومن باب إحياء الموات والشرب
(من الصحاح)
[٢١٢٢] حديث عائشة:﵂ النبي ﷺ قال: (من عمر أرضاً ليست لأحد فهو أحق
стр. 681
بها) قد سبق القول في بيان إحياء الموات، وبيان الاحكام المتعلقة به، واختلاف العلماء فيها، في باب الغصب.
وهذا الحديث مما أخرجه البخاري في كتابه، ولفظه [من عمر] ووجدناه في نسخ من المصابيح (أعمر بزيادة (ألف) وليس بشيء.
وفي البخاري- بعد تمام الحديث: قال عروة: قضى به عمر- ﵁: في خلافته.
[٢١٢٣] ومنه: حديث الصعب بن جثامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا حمى إلا لله ولرسوله) كان زعيم القوم في الجاهلية يحمي المكان الخصيب لخيله وماشيته، ويمنع غيره عنا لرعية فيه، فأبطله رسول الله ﷺ وأعملهم أن ذلك من الأمور التي لا شرعة فيها لأحد، بل هي إلى الله- تعالى- وإلى رسوله ﷺ فلا ينبغي لأحد أن يفعل إلا أن يأذن الله لرسوله فيه، وكان النبي ﷺ قد حمى النقيع، لإبل الصدقة، وحمى عمر- ﵁ الرف والزبدة، وقد ذكرنا في باب دخول مكة- أن الأكثرين رووا السرف بالسين المهملة، كما هو في سرف اذي بقرب مكة. ورواه ابن وهب بالشين المعجمة. قيل: وهو الصواب.
[٢١٢٤] ومنه حديث عروة: (خاصم الزبير رجلاً من الأنصار في شريج من الحرة) اختلفت الرواية في كتاب البخاري في (شريج الحرة) رواه عن بعضهم: شريج، وعن بعضهم: شراج.
وشراج هو الصواب من الروايتين، وهو جمع شرج والشرج: ميل الماء من الحرة. ويجمع أيضاً على شروج والشريج أيضاً لم يعرف في هذا المعنى.
وكان خصام الزبير ﵁ مع الأنصاري في ماء المد الذي كان يجري في مسيل الحرة، وحق الشرب في ذلك إنما هو الأول فالأول، وكان ينتهي أولاً إلى أرض الزبير.
وفيه: (فقال الأنصاري: أن كان ابن عمتك) أي: لأن كان ابن عمتك حكمت بما حكمت. وقد اجترأ
стр. 682
جمع من المفسرين بنسبة الرجل تارة إلى النفاق، وأخرى إلى اليهودية. [وكلا] القولين زائغ عن الحق، إذ قد صح أنه كان أنصارياً. ولم يكن الانصار من جملة اليهود، ولو كان مغموصاً عليه في دينه لم يصفوه أيضاً بهذا الوصف؛ فإنه وصف مدح. والأنصار- وإن وجد فيهم من يرمى بالنفاق- فإن القرن الاول والسلف بعدهم تحرجوا واحترزوا أن يطلقوا على من ذكر بالنفاق واشتهر به: الأنصاري.
والأولى بالشحيح بدينه أن يقول: هذا قول [٥٦ أ) أزله الشيطان فيه بتمكنه منه عند الغضب، وغير مستبدع من الصفات البشرية الابتلاء بأمثال ذلك.
وفيه: (حتى يرجع إلى الجدر) الجدر- بفتح اجيم وسكون الدال المهملة- قيل: إنه المسناة، وهي للأرضين كالجدار للدار. وقيل: هو الجدار. وقيل: هو أصل الجدار. ورواه بعضهم بضم الاوليين، على أنه جمع جدار ورواه بعضهم بالذال المعجمة يريد: مبلغ تماما لشرب من جدر الحساب. والجيم منه يفتح ويكسر، وهو أصل كل شيء. وهذه الرواية لا اعتداد بها؛ إذ المحفوظ فيه بالدال المهملة.
وفيه: (فاستوعى النبي ﷺ للزبير حقه) أي: استوفاه له، مأخوذ من الوعاء.
ومن أهل العلم من يرى أن الحديث من هاهنا من كلام الزهرى، أردجه في الحديث، وهو كثير الإدراج في أحاديثه، من غير فصل يميز به الحديث عما أدرج فيه.
وفيه: (حين أحفظه الانصاري) أي: أغضبه. يقال: أحفظته فاحتفظ. أي: أغضبته فغضب. والحفيطة: الغ ب والحمية، وكذلك الحفظة بالكسر.
[٢١٢٥/ ٢١٢٦] ومنه: حديث أبي هريرة ﵁ وحديث جابر ﵁ في منع الماء، وقد شرحناه فيما قبل.
[٢١٢٧] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁: (لقد أعطى بها أكثر مما أعطى) كلا الفعلين على بناء المفعول.
стр. 683
ومن الحسان:
[٢١٢٩] حديث سمرة بن جندب- ﵁-عن النبي ﷺ : (من أحاط حائطاً على أرض، فهي له) يستدل به من يرى التملك بالتحجير، ولا تقوم به حجة؛ لأن التملك إنما هو بالإحياء. وتحجير الأرض وإحاطته بالحائط ليس من الإحياء في شيء. ثم إن قوله [٥٧ ب]: (على أرض) مفتقر إلى البيان؛ إذ ليس كل أرض تملك بالإحياء. وكثير من أئمة النقل يقولون: (إن الحسن لم يسمع من سمرة. وقال بعضهم: لم يسمع منه غير حديث العقيقة، وإنما يروى عن صحيفة لسمرة اطلع عليها، وهذا من جملتها.
[٢١٣١] ومنه: حديث ابن عمر- ﵄ أن النبي ﷺ (أقطع الزبير حضر فرسه) يقال: أقطعته قطيعة: أي طائفة من أرض الخراج. وفي الإقطاع ما يكون تمليكاً، وفيه ما لا يكون تمليكاً. وهذا الذي أقطع الزبير من موات الأرض، فملكها بالإحياء؛ لأن ورثة الزبير تصرفوا فيها تصرف الملاك في أملاكهم. و (حضر فرسه) أي: قدر ذلك، والحضر: العدو، يقال: أحضر الفرس إحضاراَ، واحتضر، أي: عدا. وأراد به ها هنا طلقة واحدة.
وأما الحديث الذي تقدمه عن أسماء ﵂: (أقطع الزبير نخلاً) فذلك غير تمليك، وإنما هو مما تركه الانصار لإخوانهم من المهاجرين، فلما أفاء الله على رسوله ﷺ من أهل القرى، وفتحت خيبر، رد إلى الأنصار أموالهم، وعوضهم مما في يديه من مال الفئ، وبيان ذلك في حديث أم أيمن- ﵂ ويحتمل أنه أقطعه من مال الفئ.
[٢١٣٣] ومنه: حديث أبيض بن حمال المأربي- ﵁ أنه وفد إلى رسول الله ﷺ -
стр. 684
فاستقطعه الملح الذي بمأرب، فأقطعه .. الحديث) استقطعه، أي: سأله أن يقطعه إياه. و (مأرب) - بالهمز- موضع باليمن به مملحة. يقال لها ملح شذا. وأبيض ينسب إلى سبأ، ويقال: إنه أزدى، وإنما نسب إلى مأرب لنزوله به. ويقال: إن اسمه كان أسود، فغير رسول الله ﷺ [٥٨ أ] اسمه، فسماه أبيض. قيل: إنه أقطعه ذلك ظنا منه أن القطيعة معدم يستخرج منه الملح بالكد والعمل فيه، فلما استبان له أنه الماء العد، أي: الدائم الذي لا انقطاع لمادته، استرده منه؛ لأنه وجده منا لمنافع الحاصلة التي يرتفق بها المسلمون، فلم يرد لأحدهم الاستئثار بها دون الناس، وإنما يتملك الشيء منه بالسبق إليه والحيازة له. والرجل الذي قال: (إنما أقطعته الماء العد) هو الأقرع بن حابس التميمي. وفيه: (فسأله ماذا يحمي من الأراك .... الحديث) يحمى- على بناء المفعول؛ لما في غير هذه الرواية (فسأله عما يحمي من الأراك؟) ومنهم من رواه على بناء الفاعل، ونقل في تفسير قوله: (ما لم تنله أخفاف الإبل) عن محمد بنا لحسين المخزومي، أن معناه: أن الإبل ترعى منتهى رءوسها، فتحمي ما فوقه. وهذا المعنى يأباه اللفظ. وقد قيل فيه: تحمي منه ما بعد عن العماره، فلا تبلغه الإبل الرائحة إذا أرسلت في الرعي. وهذا أوجه التأويلين لمطابقته اللفظي ويحتمل أنه أراد: أن لا يحمي منه شيء. لأن الحمى إنما يكون بمن يحميه وأية أرض وجد بها من يحمي الأراك، لم تخل من السارحة، وإنما ذكر الإبل لأنها هي التي تنال أغصانها، فترعاها على أغلب الأحوال دون غيرها من المواشي.
[٢١٣٤] ومنه: حديث ابن عباس- ﵁ قال رسول الله ﷺ : (المسلمون شركاء في ثلاث) إنما جاء التأنيث ليدل على الأنواع المشتركة من كل جنس من الأجناس الثلاثة، وأراد (بالماء): الذي لم يملكه أحد. و (بالكلأ): ما يكون منه في أرض غير مستملكة، أو في ملك أذن للمتناول منه في دخوله، على اختلاف فيه، وأما الاشتراك [٥٨ ب] في النار، فهو أن يتناول منها جذوة، أو يشعل منها شعلة، والاشتراك في الماء إنما هو: في الشرب والاستعمال. وكل من سبق إليه فهو أحق بالاستقاء، وأما في سقي الأرض، فهو على الترتيب: الأعلى فالأعلى، وأما ما يساق منه إلى موات الأرض، فهو حق من سبق إليه.
وفي معناه:
стр. 685
[٢١٣٥] حديث أسمر بن مضرس الطائي- ﵁ عن النبي ﷺ : (من سبق إلى ماء لم يسبقه إليه مسلم فهو له).
[٢١٣٦] ومنه: قوله ﷺ في الحديث الذي أرسله طاوس: (وعادى الارض لله ولرسوله) المراد منه، ما لم يعرف له مالك. وشيء عادى، أي: قديم. كأنه منسوب إلى عاد قوم هد- ﵇ والعرب تنسب الشيء إليهم إن لم تدركهم.
[٢١٣٧] ومنه: ما روى أن النبي ﷺ (أقطع لعبد الله بن مسعود- ﵁ الدور ... الحديث) أقطع له، أي: جعلها قطيعه له، أو ميزها له عن غيرها. والظاهر أنه أقطعه العرصة، ليبني فيها. والعرب تسمي المنزل داراً قبل البناء. وقد قيل في أصل هذه التسمية، أنهم كانوا يأخذون الرمح فيخطون به الدائرة قبل التحجير والإحاطة.
وفي الحديث: (أنه أقطع المهاجرين الدور بالمدينة) فوول على ما ذكرنا من إقطاع العرصة. وقيل: أفطعهم الدور عارية، والأول أظهر لما في الحديث: أن زينب امرأة عبد الله بن مسعود- ﵄ ورثته داره بالمدينة، ولم يكن لعبد الله دار سواها.
وفيه: (وهي بين ظهراني عمارة الانصار). يقال: هو نازل بين ظهري القوم، وبين ظهرانيهم- بفتح النون أي: بينهم، وأقران [٥٩ أ] الظهر: الذين يجيئون من وراء ظهرك في الحرب. وإنما قيل: بين ظهيرهم وظهرانيهم وأظهرهم؛ ليكون دالا على الاستظهار بهم والاستناد إليهم، وكأن معنى التثنية فيه: أن ظهراً منهم قدامه وآخر وراءه، فهو مكنوف من جانبيه، ثم اتسعوا فيه، فاستعملوه في الإقامة بين القوم، وإن لم يكن مكنوفاً، وإنما زيدت الالف والنون في ظهرانيهم للتأكيد كما زيدت في النفساني للعيون، وفي الصيدلاني في النسبة إلى الصيدال، وهو أصل الأشياء وجواهرها.
стр. 686
وفيه: (فقال بنو عبيد بن زهرة: نكب عنا ابن أم عبد) أي: اصرفه واعدل به عنا، وبنو عبد بن زهرة: حي من قريش، أخوال رسول الله ﷺ وكان منزل عبد الله بن منازلهم، وكانوا رهطاً منا لمهاجرين، وكأنهم قالوا هذا استهانة بقربه وتبرماً عن مجاورته.
[٣١٣٩] ومنه: حديث عبد الله بن عمرو- ﵁ (أن رسول الله ﷺ قضى في سيل مهزور ... الحديث) مهزور- بتقديم الزاي المعجمية على الراء المهملة- وادي بني مربضة. وعلى القلب من ذلك: موضع سوق المدينة، تصدق به رسول الله ﷺ وبالمدينة واد آخر إلى أصل جبل يثرب، يقال له: مهزول- باللام- ولفظ هذا الحديث في المصابيح وجدناه مصروفاً عن وجه، ففي بعض النسخ: (في السبيل المهزور) وهو الأكثر. وفي بعضها: (في سبيل المهزور) وفي بعضها: (في السبيل المهزورى) وكل ذلك خطأ. وصوابه على ما ذكرناه بغير ألف ولام فيهما صيغة الإضافة إلى علم.
[٢١٤٠] ومنه حديث سمرة بن جندب- ﵁ (أنه كان له عضد من نخل ... الحديث) ذكر [٥٩ ب] في (عضد) عن أصحاب الغريب أن المراد منه: طريقة من نخل ولم نجد لهذا القول سناداً من الاستشهاد العربي، ولا نظيراً في كلامهم. ثم إن لفظ الحديث يدل على أنه كان فرد نخل؛ لتعاقب الضمير بلفظ التذكير في قوله: (ليبيعه)، (ويناقله)، و (فهبه له) وأيضاً لو كانت طريقة من النخل لم يأمره بقطعها، لدخول الضرر عليه أكثر مما يدخل على صحابه من دخوله. ولم يكلفه أن ينقلها من موضع إلى موضع آخر؛ لأن ذلك قلما يتيسر إلا في الأفراد التي لم يمض عليها من زمان الغراس إلا السنة والسنتان، بل كان يأمره [بالإقراذ] من حائط شريكه. وقد ذكر أن صوابه: (عضيد من نخل) يقال للنخلة- إذا صار لها جدع يتناول منه المتناول-: عضيد، وجمعها: عضدان. وهذا هو الصواب، والله أعلم وأحكم.
ومن باب العطايا
(من الصحاح)
[٢١٤٢] حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي: (العمرى جائزة) العمرى: الاسم من:
стр. 687
أعمرته الشيء. أي: جعلته له مدة عمره، أو مدة عمري. وكانوا يرون أنها ترجع بعد وفاء المعمر إلى المعمر، قال لبيد:
وما المال إلا معمرات ودائع
هذا قول أهل اللغة. وإلى معناه يذهب بعض أهل العلم، فيرى أن العمرى تمليك المنفعة دون تمليك الرقبة. والأكثرون على أن العمرى: اسم من: أعمرتك الشيء، أي: جعلته لك مدة عمرك. وعلى أنها لا ترجع إلى المعمر؛ لأنه أوجب الملك في الحال، وعلق الفخ بخطر، فلا عبرة له، ويصير حكمه بعد موت المعمر كحكم سائر أمواله.
ويدل على صحة ما ذهبوا إليه الحديثان المتعاقبان بعد هذا الحديث، عن جابر. فإن قيل: أو ليس الحديث الذي بعدهما عن جابر أيضاً، ويدل على خلاف ما ذهبوا إليه. قلنا: ذاك تأويل حدث به جابر، عن رأي واجتهاد. وأحاديثه التي رواها عن قول النبي ﷺ تدل على خلافة مع ما يعضد قول [٦٠ أ] الجماعة من النظر.
(ومن الحسان)
[٢١٤٥] حديث جابر- ﵁ عن النبي ﷺ (لا تعمروا ولا ترقبوا ... الحديث) أرقب الرجل: إذا قال لصاحبه: وهبت منك كذا، فأن مت قبلك فهي لك، وإن مت قبلي فهي لي. والاسم منه الرقبى. وهي من المراقبة؛ لأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه. وذهب بعض العلماء إلى أن الرقبى ليست بتمليك؛ لأن الملك لا يجوز تعليقه بخطر حال الحياة.
стр. 688
ووجه الحديث عنده: أن الرقبى المذكورة في هذا الحديث: هي التي يترقب فيها الفسخ.
[٢١٤٦] ومنه حديثه الآخر، عن النبي ﷺ (العمرى جائزة لأهلها) أي: صحيحة ممضاة، ولو ذهب ذاهب إلى أن معنى الجائزة العطية، فله وجه.
والذي يذهب إلى أن الرقبى ليست بتمليك، فإنه يقول: جائزة، أي: فيما هو حكمها من العارية وتمليك المنفعة.
ومن الفصل الذي يليه
(من الصحاح)
[٢١٤٩] قوله ﷺ في حديث ابن عباس- ﵁: (ليس لنا مثل السوء) أي: [لا ينبغي لأهل ملتنا] المكرمين بالإيمان أن يوصفوا بما يسوء في العاقبة، وتنحط به منزلتهم فإن الله تعالى- لم يرض لهم ذلك، وإنما جعل ذلك للمشركين، قال الله تعالى: ﴿للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء﴾
стр. 689
أي: الصفة الذميمة، وأي وصف أخس من وصف يشابهه في الكلاب،. ومحمل هذا القول عند من يرى الرجوع في الهبة عن الاجنبي أنه على [التنزيه] وكراهة الرجوع، لا على التحريم. ويستدل بحديث عمر- ﵁ حين أراد شرى فرس حمل عليه في سبيل الله، فسأل عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: (لا تبتعه، وإن أعطاكه بدرهم، ولا تعد في صدقتك؛ فإن العائد في صدقة كالكلب يعود في قيئه) قال: فكما لم يكن هذا القول موجباً حرمه ابتياع ما تصدق به، فكذلك هذا الحديث لم يكن موجباً حرمة الرجوع في الهبة.
[٢١٥١] ومن الحسان حديث عبد الله بن عمرو- ﵁ قال رسول الله ﷺ : (لا يحل لواهب [٦٠] أن يرجع فيما وهب، إلا الوالد من ولده) وهذا الحديث يأول عند أبي حنيفة- ﵀ على أن (لا يحل) في معنى التحذير عن ذلك الصنيع، مقول القائل: لا يحل للواجد أن يحرم سائله، ولم ير هو أيضاً الرجوع فيما وهب الواهب لذوي الرحم المحرم، ولا فيما وهبه أحد الزوجين للآخر. وقد روى فيه حديث عن عمر- رضي الله عن- موقوفاً: (من وهب هبة لذوي رحم جازت، ومن وهب هبة لغير ذي رحم، فهو أحق بها ما لم يثب منها).
وتأويل قوله: (إلا الوالد لولده) عند أبي حنيفة: أن معنى الرجوع ها هنا إباحته للوالد أن يأخذ ما وهب لابنه في وقت الحاجة إليه، كما يحل له أخذ ماله مما سوى الموهوب، ولا يقع ذلك منه موقع الرجوع من الهبة، ولا يكون مثله مثل العائد في هبته.
[٢١٥٣] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁: (لقد هممت أن لا أقبل هدية إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي أو دوسي) كره قبول الهدية ممن كان الباعث له عليها طلب الاستكثار، وإنما خص المذكورين فيه بهذه الفضيلة لما عرف منهم من سخاوة النفس وعلو الهمة، وقطع النظر عن
стр. 690
الأعواض.
[٢١٥٦] ومنه حديثه الآخر عن النبي ﷺ : (من لم يشكر الناس لم يشكر الله)
فيه تنبيه على أن من شكر النعمة شكر الوسائط، وذلك لأن الله سبحانه أمر عباده بمجازاة المحسن، فإن لم يتهيأ، فبالثناء عليه والدعاء له، والمقصر في القيام بما أمره الله به مقصر في شكر نعمه.
وفيه احتمال وجه آخر، وهو: أن الإنسان إذا تهاون بشكر من أسدى إليه معروفاً من الناس، مع حرصهم على حب الثناء، وفقرهم إليه، لجبر النقائص بهم، وقطعهم الرفق عمن لم يقابل إحسانهم بالشكر، [فهو بتهاونه] في شكر نعم الله الذي يحسن إلى المسيء، ويتفضل على المقصر، وهو المتعالى عن المفاقر والحاجات، المستغني عما يكون من العباد، أحق وأجدر.
[٢١٥٧] ومنه: حديث أنس- ﵁: (وأشركونا في المهنأ) أرادوا بالمهنأ: ما أشركوهم فيه من زروعهم ونخيلهم من حب وتمر، من قولهم: هنأني الطعام يهنؤني ويهنئني، ولا نظير له في المهوز: هنأ، وهنأ، وهنأت الرجل، أهنؤه وأهنته أيضاً هنأ: إذا أعطيته، والاسم: الهنؤ- بالكسر- وهو العطاء [٦١ أ] وكل أمر يأتيك من غير تعب فهو هنئ. ولك المهنأ، وهنأته شهراً، أي: كفيته مؤنته. والمهنأ: ما يقوم بكفاية الرجل وإصلاح معاشه.
стр. 691
[٢١٥٩] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁: (يذهب وحر الصدر) الوحر في الصدر: مثل الغل يقال وحر صدره على، أي: وغر، وفي صدره على وحر- بالتسكين- مثل وغر، وهو اسم، والمصدر بالتحريك. ولفظ الحديث يروى بالتحريك على المصدر.
وفيه: (ولو بشق فرسن) الفرسن: عظم قليل اللحم، وهو للشاة البعير بمنزلة الحافر للدابة، وفي نسخ المصابيح (ولو بشق فرسن) بزيادة حرف الجر، ونحن نرويه بغير حرف الجر، وهو أقوم، فإن كانت الراية وردت أيضاً بحرف الجر، فالتقدير: ولو أن تبعث إليها، أو تتفقدها، أو مثل ذلك من الألفاظ.
ومن باب اللقطة
(من الصحاح)
[٢١٦٢] حديث زيد بن خالد الجهني- ﵁: (جاء رجل إلى رسول ﷺ فسأل عن اللقطة، فقال: اعرف عفاصها .. الحديث) لقط الشيء والتقطه: أخذه من الأرض.
стр. 692
وقد اختلف قول أهل اللغة في اسم المال الملقوط، فقال قوم: إنه اللقطة- بفتح القاف- وهو الذي يستعمله الأكثرون ويتعارفه المتفقهون قديماً وحديثاً. وأبي ذلك الخليل، فقال: (إنما اللقطة- بفتح القاف- اسم الملتقط، قياساً على نظائرها من أسماء الفاعلين، كهمزة، ولمزة وضحكة. فأما اسم المال الملقوط، فبسكون القاف.، (وعفاصها): المراد منه الوعاء الذي يكون فيه النفقة، والأصل فيها صمام القارورة، وهو الجلد الذي يلبس رأسها، فيكون لها كالوعاء، وليس عرفان العفاص، والوكاء، وهو: الخيط الذي يشد به لرد اللقطة إلى من ينشدها من غير بينه، بل ليميزها بذلك عن ماله ومال غيره، فلا يختلط به، ألا ترى أنه أمره بعد ذلك بالتعريف سنة.
وفيه: (وإلا فشأنك بها) أي: اعمل بها ما شئت من التصدق والاستنفاق، على اختلاف فيه بين العلماء في الفقر والغنى. وقوله: (فشأنك) منصوب على المصدر، يقال: شأنت شأنه، أي: قصدت قصده، واشأن شأنك، أي: اعمل ما تحسنه.
وفيه: فقال: فضالة الغنم، فقال: (هي لك أو لأخيك [٦١ ب] أو للذئب) المعنى: إن لم تأخذها أنت أخذها غيرك، أو أكلها الذئب، ويحتمل أن يكون المعنى بأخيك صاحب اللقطة.
وفيه: فقال: فضالة الإبل؟ قال: (مالك ولها، معها سقاؤها وحذاؤها) أبان بذلك وجه الرخصة في التقاط الغنم، وهو خشية التلف؛ لضعفها وعجزها عن الرعية بغير راع، وأما الإبل وما في معناها من الدواب، فإنها تترك بحالها، ما لم يخش عليها منا لتلف، فإن ذلك أرجى لمواقعة صاحبها بها عند المراعي التي تألفها، والموارد التي تعتادها. ومعنى قوله: (معها سقاؤها وحذاؤها) أي: يؤمن عليها أن تنقطع من الحفاء والظمأ؛ لأنها تقوى على السير الدائم، والظمأ المجهد: (والحذاء) ما وطئ عليه البعير من خفه، والفرس من حافره. (والسقاء) ما يكون للبن ويكون للماء، وأريد به هاهنا: ما تحويه في كرشها من
стр. 693
الماء، فيقع موقع السقاء في الري، وأريد به: صبرها على الظمأ، فإنها أصبر الدواب على ذلك، وقد استبان لنا من إطلاقاتهم في الإظماء أنها ربما ترد الماء في يوم العشرين من وردها، فيكون ظمؤها عشران، وذلك ثمانية عشر يوماً، وربما زادت على ذلك، فيقال لها: الجازئة.
[٢١٦٤] ومنه: حديث عبد الرحمن بن عثمان التيمي- ﵁ أن رسول الله ﷺ (نهى عن لقطة الحاج) ورد في الحديث ما يدل على التفريق بين لقطة الحرم ولقطة غيره منا لبلاد، وقد ذكرناه. وهذا الحديث يحتمل لذلك المعنى، ويحتمل لغيره، وهو أن يقال: نهى عن أخذه ليتركه بمكانها، ويتعرف بالنداء عليها، فيكون أقرب لنشدانها، وأهدى إلى وجدانها، فإن الحاج لا يلبثون بمكة إلا أياماً قلائل، ثم يصدرن مصادر شتى، لا يتلقى بهم طريق، ولا تجمع بينهم بلدة، فيعدم فائدة التعريف بعد تفرقهم. وعبد الرحمن بن [عثمان] هذا، هو: ابن أخي طلحة بين عبيد الله وعبد الرحمن بن عبيد الله بن عثمان عمه أخو طلحة. ويقال لعبد الرحمن بن عثمان راوي هذا الحديث: شارب الذهب.
(ومن الحسان)
[٢١٦٥] حديث عبد الله بن عمرو- ﵁ عن رسول الله ﷺ (أنه سئل عن الثمر المعلق .. الحديث) وقد ذكرنا- فيما تقدم- حكم هذا الحديث وأن [٦٢ أ] قوله: (فعلية غرامة مثليه) حكم كان في أو الإسلام ثم نسخ، ورأى بعض أهل العلم جواز العقوبات بالأموال، ونقل أن عمر- ﵁ كان يرى ذلك.
وفيه: (حتى يؤويه الجرين) أي: يضمه اجرين، ويصير له مأوى. وفي بعض طرق هذا الحديث: (حتى يأويه الجرين) وآويته- بالمد- وأويته- بالقصر- فعلت وأفعلت بمعنى. إذا أنزلته بك. والجرين: موضع التمر الذي يجفف، وثمن المجن سنبينه- إن شاء الله- في باب الحدود.
стр. 694
وفيه: (وسئل عن اللقطة، فقال: ما كان منها في الطريق الميتاء) الميتاء: طريق [العام] ومجتمع الطريق أيضاً ميتاء. ووصف الطريق ها هنا بالميتاء، والمراد منه: المحجة الواضحة، والذي يكثر المارة به، وهو مفعال، من الإتيان. أي: يأتيه الناس كثيراً، ونظيره: دار محلال. وفي نسخ المصابيح: (طريق الميتاء) على الإضافة، فإن كانت الرواية واردة به، فإنه أضيف لاختلاف اللفظين، أو على تقدير إضمار، كما في قولهم: مسجد الجامع، وحق اليقين، وقد يظن بعض الناس أن قوله: (وسئل عن اللقطة) حديث منفرد، لا تعلق له بما تقدمه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وليس الأمر على ما يقدره، فإن الكل حديث واحد، رواه أبو داود في كتابه كذلك.
[٢١٦٨] ومنه: حديث الجارود بن المعلى العبدري- ﵁ عن النبي ﷺ : (ضالة المسلم حرق النار) منع بعض أهل العلم عن أخذ الضالة، بناء على هذا الحديث. وإنما المراد منه: تحذير الذي لا يراعي فيها الأحكام التي شرعت فيها، من التعريف وغير ذلك عن أخذها. و (حرق النار) بالتحريك- قيل: لهبها، والحرق- بالتحريك-: النار. ويقال: في حرق الله، أي: في ناره، شبهها بالنار ولهبها؛ لأنها تؤدي إليها، إذا لم يحفظ فيها حدود الله، أو لما فيها من الضرر بدينه، إذا استأثر بها وبماله إذا اختلط بها.
[٢١٦٩] ومنه حديث عياض بن حمار المجاشعي- ﵁ قال رسول الله ﷺ : (من وجد لقطة فليشهد ذا عدل .. الحديث) إنما أمره بالإشهاد استبراء لدينه عن تهمة الاستبداد بها؛ ليأمن من تسويلات النفس فيها؛ ولئلا يلحقه تبعة بسببها بعد الموت، إذا عدها الورثة أو [٦٢ أ] غيرهم من ماله
стр. 695
وهو أمر تأديب وتعليم وفي نسخ المصابيح (من وجد اللقطة) على التعريف، وليس بتقويم، والرواية فيها على التنكير، كما أوردناه.
ومن باب الفرائض
(من الصحاح)
[٢١٧٢] قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁: (ومن ترك دينا أو ضياعا) ويروى ضياعاً- بفتح الضاد وكسرها والفتح أكثر- وهو العيال، اسم جاء على لفظ المصدر، من قولهم: ضياع يضيع ضياعاً أراد: من ترك عيالا عالة، كقولك: من ترك فقرا. أي: فقراء. وأما بكسر الضاد، فجمع ضائع، كجائع وجياع، وفي رواية: (ومن ترك كلا)، الكل: العيال، والثقل. قال الله تعالى: ﴿وهو كل على مولاه﴾ والجمع: كلول: والكل: اليتيم. قال الشاعر:
стр. 696
أكول المال الكل قبل شبابه .... إذا كان عظم الكل غير شديد
(ومن الحسان)
[٢١٨٤] قوله: ﷺ في حديث مقدام بن معدى كرب الكندي- ﵁: (أعقل عنه وأفك عانه) عقلت عن فلان: إذا غرمت عنه جنايته، وذلك إذا لزمته دية فأديتها عنه. وفي نسخ المصابيح:
стр. 697
(أعقل له) يقال: عقلت له دم فلان: إذا تركت القود للدية، قالت كبشة بنت معدى كرب:
وأرسل عبد الله إذ حان يومه .... إلى قومه: لا تعلقوا لهم دمي
ولا معنى له في هذا الحديث (وأفك عانه) فككت الشيء: خلصته، وكل مشتبكين فصلتهما فقد فككتهما، (وعانه) أي: عانيه، فحذف الياء، وروى في الخال يفك عنيه. والعاني: الأسير، وأريد به هاهنا: من تعلقت به الحقوق بسبب الجنايات، يقال: عنى يعنو. أي: خضع وذل، وأعناه غيره يقال: عنا فيهم فلان أسيراً، أي: أقام على إساره واحتبس وعناه غيره، يعينه: حبسه.
[٢١٨٧] منه: حديث عائشة- ﵂: (أن مولى لنبي ﷺ مات، ولم يدع ولداً ولا حميماً .. الحديث) وحميم الرجل: قريبه الذي يهتم لأمره، وكان النبي ﷺ لا يرث بقرابة ولا ولاء، وكذلك الأنبياء- صلوات الله عليهم- لا يرثون، ولا يورث عنهم؛ لارتفاع قدرهم عن التلبس بالدنيا الدنية وانقطاع أسبابهم عنها. وقوله- في الحديث الذي تقدم-: (أنا مولى من لا مولى له: أرث ماله) فإنه لم يرد به حقيقة الميراث، وإنما أراد أن الأمر فيه إلى في التصديق به، أو صرفه في مصالح المسلمين، أو تمليك غيره، هذا إذا كان الحديث [٦٣/ أ] محفوظاً، على ما أورده المؤلف، وقد وجدت فيه خبطا من طريق الرواية، ولا أرى هذا السياق إلا سياق ابن ماجه. أعني: سياق حديث المقدام.
[٢١٨٩] منه: حديث علي- ﵁ (قضى رسول الله ﷺ أن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات) أعيان القوم: أشرافهم: والأعيان: الاخوة بنو أب وأم. وهذه الأخوة تسمى المعاينة. (وبنو العلات): هو أولاد الرجل من نسوة شتى. سميت بذلك؛ لأن الذي تزوجها على أولى قد كانت
стр. 698
قبلها تأهل ثم عل من هذه.
ومن باب الوصايا
(من الصحاح)
стр. 699
[٢٢٠٠] قوله ﷺ في حديث سعد- ﵁: (عالة يتكففون الناس) عالة، أي: فقراء. والعيلة والعالة: الفقر والفاقة. يقال: رجل عائل، وقوم عليلة وعالة. و (يتكففون): أي: مادين أكفهم يسألون بها الناس، وتكفف واستكف بمعنى.
(ومن الحسان)
[٢٢٠٢] قوله ﷺ في حديث أبي أمامة- ﵁: (وللعاهر الحجر) العاهر: الزاني.
стр. 700
والعهر: الزنا. وكذلك العهر. مثل نهر ونهر. والاسم العهر- بالكسر- يريد أن له الخيبة، فلا حظ له في نسب الولد، وهو كقولك: له التراب. والذي ذهب فيه إلى الرجم فقد أخطأ؛ لأنا لرجم لم يشرع في سائر الزناة، وإنما شرع في المحصن دون البكر.
стр. 701
ومن كتاب النكاح:
[٢٢٠٥] حديث عبد الله بن مسعود- ﵁ قال رسول الله ﷺ : (يا معشر الشباب من استطاع الباءة فليتزوج) الشباب: جمع شاب، وكذلك الشبان. والشباب أيضاً: الحداثة، وكذلك الشبيبة. و (الباءة) والباة: من أسماء النكاح، سمي به؛ لأن الرجل يتبوأ من أهله، أي: يتمكن منها، كما يتبوأ من داره. والاستطاعة. أريد بها استطاعة التزوج، لما يفتقر إليه من الأسباب، لا استطاعة نفس الفعل.
وفيه: (فإنه له وجاء) الوجاء- بالكسر- ممدوداً: رض عروق البيضتين حتى تفضخ، فيكون شبيهاً بالخصاء. وقيل: إنه رض الخصيتين. والمعنى: أن الصوم يقع في قطع شهوة لنكاح وتقتيرها موقع الوجاء.
[٢٢٠٧] ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁ (فاظفر بذات الدين تربت يداك) أي: فز بنكاح ذات الدين. وفي بعض طرقه: (فعليك [٦٣/ ب] بذات الدين) وقوله: (فاظفر بذات الدين) أبلغ في المعنى، لما يتضمنه الأمر من الفوز. وقوله: (تربت يداك) يقال: تربت الرجل: أي: افتقر، كأنه قال: لصق بالتراب. وتفسير اللفظ: افتقرت، فلا [أصبت] خيراً، على الدعاء وقد ذهب إلى ظاهره بعض أهل العلم ولم يصب؛ فإن ذلك وما يسلك مسلكه منا لكلام تستعمله العرب على أنحاء كثيرة: كالمعتبة والموجدة، والإنكار، والتعجب وتعظيم الأمر والاستحسان والحث على الشيء، وقد مر بيانه والقصد فيه هاهنا: الحث والتشمير في الطلب المأمور به، واستعمال التيقظ دونه، مثل قولهم: انج لا أبا لك
стр. 702
[٢٢٠٩] ومنه: حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش) يريد: خير نساء العرب، فإنهن يركبن الإبل. و (صالح) أجراه على لفظ خير.
وقوله: (أحناه) أي: أعطفه، والضمير فيه: يرجع إلى المحذوف. أي: أحنا من يوجد، أو: وجد، أو: من هناك ونحوه. وهذا من فصيح الكلام. ومثله قول الواصف: أحسنه خلقاً. يعني النبي ﷺ : أي: أحسن من يذكر ويوجد.
[٢٢١٢] ومنه حديث ابن عمر- ﵄ عن النبي ﷺ : (الشؤم في المرأة والفرس والدار) الشؤم: نقيض اليمن. أي: يوجد ذلك في الأشياء الثلاثة أي: يوجد فيها ما يناسبه ويشاكله. والأشبه أن ذلك على طريق الاحتمال، لا على وجه الحتم والقطع؛ لما في حديث سعد بن أبي وقاص- ﵁: (وإن يكن الطيرة في شيء ففي المرأة والفرس والدار) وإنما قال ذلك لرجوع الأشياء الثلاثة بالضرر البالغ على صاحبها، وليعلم أنها من أقرب الأشياء التي يبتلى به الإنسان إلى الآفة وقلة البركة. وقد قيل: إن شؤم المرأة: سوء خلقها. وشؤم الفرس: حرانه وشماسه. وشؤم الدار: ضيق عطنها، وسوء جارها.
[٢٢١٣] ومنه قوله: ﷺ في حديث جابر- ﵁: (أمهلوا حتى ندخل ليلاً) أي: عشاء لكي تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة: أي تتزين لزوجها وتتهيأ، [بامتشاط] وإماطة الأذى. و (الاستحداد) استفعال من الحديد يعني: استعماله والاستحلاق به. يحتمل أنه كنى بذلك عما تعالجه بالنتف، أو التنور [٦٤ أ]؛ لأنه أصلح للكناية، وهو الوجه؛ لأن النساء لا [يرين] استعمال الحديد ولا يحسن بهن،
стр. 703
و (المغيبة) هي التي غاب زوجها، يقال: أغابت المرأة فهي مغيبة، بالهاء، ومشهد، بلا هاء. فإن قيل: كيف التوفيق بين قوله: (أمهلوا حتى ندخل ليلاً) وبيم ما روى أنه (نهى أن يطرق الرجل أهله) والطروق: هو أن يجيء أهله ليلاً.
قلنا: المنهي عنه من الطروق: هو أن تقدم من سفر ليلاً من غير إعلام واستعلام وإمهال لتتمكن المغيبة من حاجتها، وتستعد للقاء الزوج. وقد كان رسول الله ﷺ يقدم من سفره نهاراً، وأكثر ما روى قدومه عند ارتفاع النهار وأوله، ويجلس للناس في المسجد، فالوجه في حديث جابر، أنهم قدموا نهاراً، فأمرهم بالتلبث، ليجدوا أهلهم على ما يحبون، فلم يوجد في ذلك المعنى الذي بسببه نهوا عنا لطروق، والأقرب أنه أراد الدخول ليلاً الاجتماع والإفضاء إليهن.
(ومن الحسان)
[٢٢١٧] حديث عبد الرحمن بن عويم عن النبي ﷺ : (عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواها، وأنتق أرحاماً، وأرضى باليسير) إنما أضاف العذوبة إلى الأفواه ما تحويه من الريق، ويقال للريق والخمر الأعذبان، والعذب: الماء الطيب، و (أنتق أرحاماً) أي: أرحامهن نتقاً للولد والأصل في (النتق) قلع الشيء والرمي به. ولهذا قيل للمرأة الكثيرة الأولاد: ناتق؛ لأنها ترمي بالأولاد [رمياً] يقال: نتقت المرأة، فهي ناتق، ومنتاق. وقوله: (وأرضى باليسير) أي: من الإرفاق؛ لأنها لم تتعود في سالف الزمان دون معاشرة الازواج ما يدعوها إلى استقلال ما تصادفه في المستأنف.
وعبد الرحمن هذا هو عبد الرحمن بن عويم. من أهل العقبة، وولد هو في زمان النبي ﷺ ولم ير له رؤية ولا رواية، فلهذا قال: مرسل. وفي نسخ المصابيح: ابن عويمر، بزيادة الراء، وهو غلط.
стр. 704
ومن باب النظر إلى المخطوبة وبيان العورات
(من الصحاح)
[٢٢١٨] قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁: (فانظر إليها، فإن في أعين الانصار شيئاً) يريد به: شيئاً لا يستقر عليه الطبع، يكون سبباً للنفرة. وفي بعض طرق هذا الحديث من قول بعض الرواة بعد قوله: (فإن [٦٤ ب] في أعين نساء الأنصار شيئاً يعني: الصغر. ويكون النبي ﷺ عرف ذلك إما لتحدث الناس به، إما لتوسمه ذلك الشيء في أعين رجالهم. والنساء شقائق الرجال، فاستدل بالشاهد على الغائب وأشار بقوله: (في أعين الأنصار) إلى ذلك فعم الرجال والنساء، أو عرفه ربه فحدث به، ولا رابع لهذه الأسباب الثلاثة.
[٢٢٢٢] ومنه: حديث عقبة بن عامر- ﵁ عن النبي ﷺ : (إياكم والدخول على النساء، فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت) والحمو: كل قريب من قبل الزوج، مثل الأب والأخ. وفيه أربع لغات: حما مثل قفا، وحمو مثل أبو، وحم مثل أب، وحمؤ- ساكنة الميم مهموزة.
قال أبو عبيد: معنى قوله: (الحمو الموت) أي: فلتمت ولا تفعلن ذلك، فإذا كان ذلك دأبه في أب الزوج- وهو محرم- فكيف بالغريب، قال ابن الأعرابي: هذه كلمة تقولها العرب. كما تقول: الأسد الموت. أي: لقاؤه مثل الموت. وكما تقول: السلطان نار. وهذا اذي ذهبوا إليه صحيح، غير أنهم غفلوا عن بيان وجه النكير وتغليظ القول عن النبي ﷺ والذي ذهب إليه أبو عبيد في تخصيص أب الزوج بالحمو غير سديد، لكونه محرماً مأذوناً له في الدخول على زوجة ابنه، شهد بذلك التنزيل، قال الله
стр. 705
تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن﴾ والوجه فيه أن السائل أطلق القول في الحمو، ولم يبين عن أي الأحماء يسأل، فإن الحمو يتناول عند الإطلاق أخ الزوج الذي هو غير محرم، كما يتناول أب الزوج الذي هو محرم، فرد عليه قوله، كالغضب المنكر عليه لتعميته في السؤال، ثم لجمعه باللفظ الواحد بين من لا يجوز له الدخول عليها، وبين من يجوز له.
ويحتمل أنه أراد بالدخول عليهن الخلة بهن، إذا انفرد كل واحد منهما بالخلوة مع صاحبه. ويدل عليه حديثه الآخر: (لا يخلون رجل بمغيبة، وإن قيل: حموها، [ألا]. حموها الموت).
(ومن الحسان)
[٢٢٢٧] قوله ﷺ في حديث المغيرة بن شعبة- ﵁: (فإنه أحرى أن يؤدم بينكما) يعني: أن يكون بينكما المحبة والاتفاق.
قال الشاعر:
والبيض لا يؤدمن إلا مؤدما
أي: لا يحببن إلا محبباً، من (الأدم) وهو الألفة والاتفاق [٦٥/ أ] يقال: أدم الله بينهما، وآدم، أي: أصلح وألف، وكذلك آدم، فعل وأفعل بمعنى.
следующие страницы →