Полный текст (1 323 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
ومن كتاب النكاح:
[٢٢٠٥] حديث عبد الله بن مسعود- ﵁ قال رسول الله ﷺ : (يا معشر الشباب من استطاع الباءة فليتزوج) الشباب: جمع شاب، وكذلك الشبان. والشباب أيضاً: الحداثة، وكذلك الشبيبة. و (الباءة) والباة: من أسماء النكاح، سمي به؛ لأن الرجل يتبوأ من أهله، أي: يتمكن منها، كما يتبوأ من داره. والاستطاعة. أريد بها استطاعة التزوج، لما يفتقر إليه من الأسباب، لا استطاعة نفس الفعل.
وفيه: (فإنه له وجاء) الوجاء- بالكسر- ممدوداً: رض عروق البيضتين حتى تفضخ، فيكون شبيهاً بالخصاء. وقيل: إنه رض الخصيتين. والمعنى: أن الصوم يقع في قطع شهوة لنكاح وتقتيرها موقع الوجاء.
[٢٢٠٧] ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁ (فاظفر بذات الدين تربت يداك) أي: فز بنكاح ذات الدين. وفي بعض طرقه: (فعليك [٦٣/ ب] بذات الدين) وقوله: (فاظفر بذات الدين) أبلغ في المعنى، لما يتضمنه الأمر من الفوز. وقوله: (تربت يداك) يقال: تربت الرجل: أي: افتقر، كأنه قال: لصق بالتراب. وتفسير اللفظ: افتقرت، فلا [أصبت] خيراً، على الدعاء وقد ذهب إلى ظاهره بعض أهل العلم ولم يصب؛ فإن ذلك وما يسلك مسلكه منا لكلام تستعمله العرب على أنحاء كثيرة: كالمعتبة والموجدة، والإنكار، والتعجب وتعظيم الأمر والاستحسان والحث على الشيء، وقد مر بيانه والقصد فيه هاهنا: الحث والتشمير في الطلب المأمور به، واستعمال التيقظ دونه، مثل قولهم: انج لا أبا لك
стр. 702
[٢٢٠٩] ومنه: حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش) يريد: خير نساء العرب، فإنهن يركبن الإبل. و (صالح) أجراه على لفظ خير.
وقوله: (أحناه) أي: أعطفه، والضمير فيه: يرجع إلى المحذوف. أي: أحنا من يوجد، أو: وجد، أو: من هناك ونحوه. وهذا من فصيح الكلام. ومثله قول الواصف: أحسنه خلقاً. يعني النبي ﷺ : أي: أحسن من يذكر ويوجد.
[٢٢١٢] ومنه حديث ابن عمر- ﵄ عن النبي ﷺ : (الشؤم في المرأة والفرس والدار) الشؤم: نقيض اليمن. أي: يوجد ذلك في الأشياء الثلاثة أي: يوجد فيها ما يناسبه ويشاكله. والأشبه أن ذلك على طريق الاحتمال، لا على وجه الحتم والقطع؛ لما في حديث سعد بن أبي وقاص- ﵁: (وإن يكن الطيرة في شيء ففي المرأة والفرس والدار) وإنما قال ذلك لرجوع الأشياء الثلاثة بالضرر البالغ على صاحبها، وليعلم أنها من أقرب الأشياء التي يبتلى به الإنسان إلى الآفة وقلة البركة. وقد قيل: إن شؤم المرأة: سوء خلقها. وشؤم الفرس: حرانه وشماسه. وشؤم الدار: ضيق عطنها، وسوء جارها.
[٢٢١٣] ومنه قوله: ﷺ في حديث جابر- ﵁: (أمهلوا حتى ندخل ليلاً) أي: عشاء لكي تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة: أي تتزين لزوجها وتتهيأ، [بامتشاط] وإماطة الأذى. و (الاستحداد) استفعال من الحديد يعني: استعماله والاستحلاق به. يحتمل أنه كنى بذلك عما تعالجه بالنتف، أو التنور [٦٤ أ]؛ لأنه أصلح للكناية، وهو الوجه؛ لأن النساء لا [يرين] استعمال الحديد ولا يحسن بهن،
стр. 703
و (المغيبة) هي التي غاب زوجها، يقال: أغابت المرأة فهي مغيبة، بالهاء، ومشهد، بلا هاء. فإن قيل: كيف التوفيق بين قوله: (أمهلوا حتى ندخل ليلاً) وبيم ما روى أنه (نهى أن يطرق الرجل أهله) والطروق: هو أن يجيء أهله ليلاً.
قلنا: المنهي عنه من الطروق: هو أن تقدم من سفر ليلاً من غير إعلام واستعلام وإمهال لتتمكن المغيبة من حاجتها، وتستعد للقاء الزوج. وقد كان رسول الله ﷺ يقدم من سفره نهاراً، وأكثر ما روى قدومه عند ارتفاع النهار وأوله، ويجلس للناس في المسجد، فالوجه في حديث جابر، أنهم قدموا نهاراً، فأمرهم بالتلبث، ليجدوا أهلهم على ما يحبون، فلم يوجد في ذلك المعنى الذي بسببه نهوا عنا لطروق، والأقرب أنه أراد الدخول ليلاً الاجتماع والإفضاء إليهن.
(ومن الحسان)
[٢٢١٧] حديث عبد الرحمن بن عويم عن النبي ﷺ : (عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواها، وأنتق أرحاماً، وأرضى باليسير) إنما أضاف العذوبة إلى الأفواه ما تحويه من الريق، ويقال للريق والخمر الأعذبان، والعذب: الماء الطيب، و (أنتق أرحاماً) أي: أرحامهن نتقاً للولد والأصل في (النتق) قلع الشيء والرمي به. ولهذا قيل للمرأة الكثيرة الأولاد: ناتق؛ لأنها ترمي بالأولاد [رمياً] يقال: نتقت المرأة، فهي ناتق، ومنتاق. وقوله: (وأرضى باليسير) أي: من الإرفاق؛ لأنها لم تتعود في سالف الزمان دون معاشرة الازواج ما يدعوها إلى استقلال ما تصادفه في المستأنف.
وعبد الرحمن هذا هو عبد الرحمن بن عويم. من أهل العقبة، وولد هو في زمان النبي ﷺ ولم ير له رؤية ولا رواية، فلهذا قال: مرسل. وفي نسخ المصابيح: ابن عويمر، بزيادة الراء، وهو غلط.
стр. 704
ومن باب النظر إلى المخطوبة وبيان العورات
(من الصحاح)
[٢٢١٨] قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁: (فانظر إليها، فإن في أعين الانصار شيئاً) يريد به: شيئاً لا يستقر عليه الطبع، يكون سبباً للنفرة. وفي بعض طرق هذا الحديث من قول بعض الرواة بعد قوله: (فإن [٦٤ ب] في أعين نساء الأنصار شيئاً يعني: الصغر. ويكون النبي ﷺ عرف ذلك إما لتحدث الناس به، إما لتوسمه ذلك الشيء في أعين رجالهم. والنساء شقائق الرجال، فاستدل بالشاهد على الغائب وأشار بقوله: (في أعين الأنصار) إلى ذلك فعم الرجال والنساء، أو عرفه ربه فحدث به، ولا رابع لهذه الأسباب الثلاثة.
[٢٢٢٢] ومنه: حديث عقبة بن عامر- ﵁ عن النبي ﷺ : (إياكم والدخول على النساء، فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت) والحمو: كل قريب من قبل الزوج، مثل الأب والأخ. وفيه أربع لغات: حما مثل قفا، وحمو مثل أبو، وحم مثل أب، وحمؤ- ساكنة الميم مهموزة.
قال أبو عبيد: معنى قوله: (الحمو الموت) أي: فلتمت ولا تفعلن ذلك، فإذا كان ذلك دأبه في أب الزوج- وهو محرم- فكيف بالغريب، قال ابن الأعرابي: هذه كلمة تقولها العرب. كما تقول: الأسد الموت. أي: لقاؤه مثل الموت. وكما تقول: السلطان نار. وهذا اذي ذهبوا إليه صحيح، غير أنهم غفلوا عن بيان وجه النكير وتغليظ القول عن النبي ﷺ والذي ذهب إليه أبو عبيد في تخصيص أب الزوج بالحمو غير سديد، لكونه محرماً مأذوناً له في الدخول على زوجة ابنه، شهد بذلك التنزيل، قال الله
стр. 705
تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن﴾ والوجه فيه أن السائل أطلق القول في الحمو، ولم يبين عن أي الأحماء يسأل، فإن الحمو يتناول عند الإطلاق أخ الزوج الذي هو غير محرم، كما يتناول أب الزوج الذي هو محرم، فرد عليه قوله، كالغضب المنكر عليه لتعميته في السؤال، ثم لجمعه باللفظ الواحد بين من لا يجوز له الدخول عليها، وبين من يجوز له.
ويحتمل أنه أراد بالدخول عليهن الخلة بهن، إذا انفرد كل واحد منهما بالخلوة مع صاحبه. ويدل عليه حديثه الآخر: (لا يخلون رجل بمغيبة، وإن قيل: حموها، [ألا]. حموها الموت).
(ومن الحسان)
[٢٢٢٧] قوله ﷺ في حديث المغيرة بن شعبة- ﵁: (فإنه أحرى أن يؤدم بينكما) يعني: أن يكون بينكما المحبة والاتفاق.
قال الشاعر:
والبيض لا يؤدمن إلا مؤدما
أي: لا يحببن إلا محبباً، من (الأدم) وهو الألفة والاتفاق [٦٥/ أ] يقال: أدم الله بينهما، وآدم، أي: أصلح وألف، وكذلك آدم، فعل وأفعل بمعنى.
стр. 706
[٢٢٢٩] ومنه حديث عبد الله بن مسعود- ﵁ عن النبي ﷺ قال: (المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان) العورة: السوءة وكل ما يستحيا منه، وأصلها من العارة، أي: المذمة، ولذلك سمي النساء عورة، أي أن المرأة موصوفة بهذه الصفة، وما كان هذه صفته، فمن حقه أن يستر.
ويحتمل أن يكون معنى قوله: (المرأة عورة) أنها ذات عورة، ولما كان من شأن العورة أن تكون مستورة محجوبة، ويستحيى من كشفها، ويستنكف. من هتك حرمتها، وكان شأن المرأة في تبرزها وتبرجها شببها بكشف العورة، سماها هنالك عورة، وذكر أنا إذا خرجت استشرفها الشيطان. والأصل في الاستشراف رفع البصر للنظر إلى الشيء، وبسط الكف فوق الحاجب كهيئة المستظل من الشمس، ومنه قول الحسن بن مطير:
فيا عجباً للناس يستشرفونني .... كأن لم يروا بعدي محباً ولا قبلي
وفي الحديث وجوه: أحدها: أنه ينظر إليها ويطمح ببصره نحوها، ليغويها أو يغوى بها.
وثانيها: أن أهل [الريبة] إذا رأوها بارزة من خدرها استشرفوها؛ لما بث الشيطان في نفوسهم من الشر، وألقى في قلوبهم من الزيغ، فأضاف العمل إلى الشيطان؛ لكونه الباعث على استشرافهم إياها.
وثالثها: أنه يود أنها على شرف من الأرض؛ لتكون معرضة له. وعلى هذا الوجه فسر الاستشراف في البيت الذي نقلناه من كتاب الحماسة.
стр. 707
ورابعها: أنه أراد أن الشيطان يصيبها بعينه، فتصير من الخبيثات، بعد أن كانت من الطيبات، من قولهم: استشرفت إبلهم. أي: تعينتها. هذا الذي اهتدينا إليه من البيان. والعجب ممن يتصدى لبيان المشكل وتفسير الغريب ثم يمر على مثل هذا القول غير مكترث به، وربما تدتق في تقدير ظاهر من القول. ولقد فتشت أمهات الكتب التي صنفت في هذا الفن عن بيان هذا الحديث، فلم أصادف أحداً منهم تعرض له بكلمه، فلعلهم غفلوا عنه، أو حبسوه من الواضح الجلى، ونحن استبهناه، فاجتهدنا فيه مبلغ علمنا في الاستكشاف.
[٢٢٣٦] ومنه: حديث أم سلمة- ﵂: (أنها كانت عند رسول الله ﷺ وميمونة، إذ أقبل ابن أم مكتوم .. الحديث) وميمونة معطوفة على اسم (كان) ويجوز فيها لجر [٦٥ ب] معطوفة على رسول الله ﷺ شرع بهذا الحديث أن ليس للنساء أن يرمين بأبصارهن إلى الرجال من غير ذوي المحارم قصداً، لما يتوقع فيه من الفتنة، ويتوقى عنه من الفساد، وأنهن لسن في فسح من ذلك، كما أنا لرجال ليس لهم ذلك، وإن كان الأمر من حقهم أشد وآكد؛ لأن العلة في النهي عن النظر إليهن غير واحدة، فإن قيل: كيف التوفيق بين هذا الحديث وبين حديث عائشة- ﵁ (كنت أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم في المسجد).
قلنا: نرى أن ذلك كان قبل نزول الحجاب، ويحتمل أنها كانت يومئذ لم تبلغ الحلم، ويحتمل أن كلا الامرين وجد هنالك.
стр. 708
ومن باب الولي في النكاح واستئذان المرأة
(من الصحاح)
[٢٢٤١] حديث أبي هريرة- ﵁ قال رسول الله ﷺ : (لا تنكح الثيب حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن، وإذنها الصموت) الاستئمار والائتمار: المشاورة، على هذا فسر في كتب أهل اللغة ولا وجه لحمله على التشاور في هذا الحديث؛ لكون الاستئذان حينئذ أبلغ منه، وقد علمنا أن الثيب أتم تصرفا في نفسها، فمعنى الاستئمار فيه طلب الأمر من قبلها، كما أن الاستئذان طلب الإذن. والأمر بالشيء: التقدم به، ولا يكون إلا بنطق. والإذن في الشيء: الإعلام بإجازته والرخصة فيه. والسكوت عنده ينوب مناب القول، ويستدل به على الرضا، لاسيما في هذه القضية؛ لأن الغالب من حال الأبكار أن لا يبدين إرادة النكاح من أنفسهن، حياء وأنفة وكان هذا أمراً مفهوماً، فلما أنزل النبي ﷺ الصمات منها منزلة صريح الإذن، واشتهر علم ذلك في الأمة، صار الصموت في إذنها شرعاً مشروعاً. والصمات والصموت والصمت كلها مصدر: صمت. وبثلاثتها ورد الحديث، ففي هذا الحديث: وإذنها الصموت) وفي حديث ابن عباس- ﵁ و (إذنها صماتها) وفي بعض طرقه: (وصمتها إقرارها) والثيب المرأة التي دخل بها، وكذلك الرجل الذي قد دخل بامرأته، يقال: رجل ثيب وامرأة ثيب، الذكر والأنثى فيه سواء، وأصله من: ثاب الرجل، يثوب، ثوباً [وثوبانا] أي: رجع بعد ذهابه: والبكر هي التي لم تفتض، سميت [٧٧/ أ] بذلك اعتباراً بالثيب؛ لتقدمها عليها فيما يراد له النساء. وأصل الكلمة: البكرة التي هي أول النهار.
[٢٢٤٢] ومنه حديث ابن عباس- ﵁ عن النبي ﷺ : (الأيم أحق بنفسها من وليها ..
стр. 709
الحديث) الأيم- فيما يتعارفه أهل اللسان-: الذي لا زوج له من الرجال والنساء، يقال: رجل أيم، سواء كان تزوج من قبل أو لم يتزوج، وامرأة أيم أيضاً، بكراً كانت أو ثيباً، ويدل عليه قوله- سبحانه- ﴿وانكحوا الأيامى منكم﴾.
قال الشاعر:
فإن تنكحي أنكح، وإن تتأيمي .... فإن كنت أفتى منكم أتأيم
وإنما قيل للمرأة: أيم، ولم يقل: أيمة؛ لأن أكثر ذلك للنساء، فهو كالمستعار للرجال، وفسر جمع من أهل العلم الأيم في هذا الحديث بالثيب، وزعموا أنه فيها خاصة؛ لأنها ذكرت في مقابلة البكر، وأراهم إنما ذهبوا إلى ذلك فراراً من القول بولاية المرأة على نفسها، ويلزمها في البكر ما يلزمهم في الثيب، ثم إنهم وجدوا في بعض طرق هذا الحديث من غير وجه (الثيب أحق بنفسها) فردوا الأيم إليه في المعنى.
ونقول: إن ذلك من بعض الرواة، في روايته الحديث بالمعنى، فحسب أن اثيب يسد مسد الأيم، فرواه كذلك، فعلى الوجه الذي ذكرنا من لغة العرب، واستدللنا عليه منا لكتاب الأيم هي: المرأة التي لا زوج لها، بكراً كانت أو ثباً، وإنما أفرد البكر في الاستئذان؛ لأن البكر والثيب، وإن اجتمعنا في حكم الولاية- فإنهما يفترقان في حكم الاستئذان.
قلت: وفي بعض طرق هذا احديث من كتاب مسلم: (والبكر يستأذنها أبوها في نفسها) والأمر باستئذان الأب منها، وهو أقوى الأولياء ولاية، يؤيد الوجه الذي ذكرناه.
[٢٢٤٥] ومنه: قول عائشة- ﵂ في حديثها (ولعبها معها) اللعب: جمع لعبة، كركبة وركب. أرادت ما كانت تلعب به، وكل ملعوب به فهو لعبة. وإذا فتح اللام، فهو المرة الواحدة من اللعب، وإذا كسر فهي الحالة التي عليها اللاعب.
(ومن الحسان)
[٢٢٤٧] حديث أبو موسى الأشعري- ﵁ عن النبي ﷺ : (لا نكاح إلا بولي) وجه هذا الحديث عند أبي حنيفة- رحمة الله عليه- على تقدير ثبوته، أن يؤو على أن المراد منه النكاح الذي لا يصح إلا بعقد ولي بالإجماع، كعقد نكاح الصغيرة والمجنونة والأمة، وعلى هذا في الطرف الآخر. وقيل: المراد منه: نفي الكمال، وقد زيف بعض أهل [العلم] هذا التأويل. وقال: إنا يتأتى ذلك في العبادات
стр. 710
والقرب التي لها جهتان في الجواز من ناقص وكامل. وأما المعاملات التي لها جهة واحدة، فإن النفي يوجب فيها الفساد، أو كلاماً هذا معناه.
والجواب عنه، أن هذا القائل قصد بنفي الكمال ارتهان العقد بما عسى أن ينقصه بعد الإبرام، من اعتراض الولي، فيما له فيه حق الاعتراض، فإذا عقد برضاه؛ انتفى عنه هذه النقيضة. وهذا كلام صحيح. وقد قيل فيه غير ما ذكرنا من التأويل. وإنما أحوجهم إلى ذلك طلب التوفيق بين هذا الحديث وبين حديث ابن عباس- ﵁ عن النبي ﷺ : (الأيم أحق بنفسها من وليها) وحديث ابن عباس حديث صحيح متفق على صحته، لا يقاومه حديث أبي موسى، إذ فيه لأهل السند مقال، لما وجد فيه من لاختلاف، فقد روى تارة عن أبي موسى، وتارة عن أبي بردة منقطعاً، وممن رواه كذلك سفيان الثوري وشعبة، روياه عن أبي إسحق عن أبي بردة، ومدار هذا الحديث على أبي إسحق، وقد رواه بعضهم عن يونس بن أبي إسحق عن أبي بردة، ولم يذكر فيه أبو إسحق.
[٢٢٤٧] ومنه: حديث عائشة- ﵂ عن النبي ﷺ : (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها
стр. 711
فنكاحها باطل .. الحديث) قد تكلم بعض أه الحديث في هذا الحديث، وذكر في رواية ابن جريج هذا الحديث عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة، أن ابن جريح قال: سألت الزهري عنه فلم يعرفه.
قلت: وقد سبق فيما يخالفه من حديث ابن عباس، وقد روى أيضاً عن عائشة- ﵂ ما يخالف حديثها هذا، مع صحة ذلك وضعف هذا، وذلك أنها زوجت بنت أخيها حفصة بنت عبد الرحمن، المنذر بن الزبير، وعبد الرحمن غائب بالشام، فلما قدم عبد الرحمن قال: أمثلي يفتات عليه في أمر بناته، فكلمت عائشة المنذر، فقال: ذلك بيد عبد الرحمن، فقال عبد الرحمن: ما كنت أرد أمراً قضيتيه .... الحديث) وقد استدل من يرى أن المرأة أحق بنفسها بهذا الحديث، فقال: أنى يستقيم لنا القول بسماع عائشة- ﵂ هذا الحديث عن النبي ﷺ وقد صنعت في ابنة أخيها ما صنعت، حتى أجازت ما لا يخالف صنيعها ذلك، فيؤول على ما أول حديث أبي موسى.
وفي كتاب أبي عيسى: (أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها) وفي كتاب أبي داود: (بغير إذن مواليها) وهذا أكثر وأشبه، وعلى هذا يحتمل أن المراد من (امرأة) هو الامة، فكأنه قال (أيما أمه) واعتمد على ما بينه بقوله: (بغير إذن مواليها) فيكون مثل حديثه: (أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه) ومما يدل على اختيار رواية كتاب أبي داود نسق الكلام (فإن تشاجروا)، وفي تاب أبي عيسى (فإن اشتجروا) وهما سيان. يقال: اشتجر القوم وتشاجروا. أي: تنازعوا واختلوا. ولا نزاع في أن الضمير راجع إلى المولى، أو الاولياء. وقال الخطابي: يريد تشاجر العضل والممانعة في العقد دون تشاجر المشاحة في السبق.
قلت: وأرى قوله: (فإن اشتجروا فالسلطان ولى من لا ولي له) مشكلا جا؛ لأنه يحكم بانتفاء الولي مع وجوده، إلا أن يقال: إنه أنزل التي وقعت المشاجرة فيها بين مواليها منزلة من لا ولي لها في الحكم، فيقوم السلطان مقام الولي في النظر لها الاعتراض عليها.
ومن باب إعلان النكاح والخطبة والشرط
(من الصحاح)
[٢٢٥٣] حديث عائشة- ﵂: (تزوجني رسول الله ﷺ في شوال، وبنى بي في
стр. 712
شوال ... الحديث) (بنى بي) صوابه عند أه اللغة بنى علي، علي ما في حديث الربيع بنت [معوذ] (حين بنى علي) ويقولون: العامة تقول بني بأهله، وهو خطأ، وكان الأصل في هذا أن الداخل بأهله كان يضرب عليها ليلة دخوله بها قبة، فقيل لكل داخل بأهله بأن، والظاهر أن يكون من بعض الرواة، فإنها- ﵂ كانت تضم إلى فصاحة قريش بلاغة، وفصل خطاب، وإنما قالت: (فأي نساء رسول الله ﷺ كانت أحظى عنده مني)؛ لأنها سمعت بعض الناس يتطيرون ببناء الرجل على أهله في شوال، وكأن هذا كان من أحاديث أهل الجاهلية، لا يرون الإعراس في أشهر الحجر، فحكت من نفسها ما حكت؛ دفعاً للوهم عن نفوسهم وإزاحة للباطل عن عقائدهم.
[٢٢٥٤] ومنه حديث عقبة بن عامر- ﵁ قال رسول الله ﷺ : (أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به (الفروج) الشروط التي استحلت به الفروج هي: المهر والنفقة وحسن العشرة، ويحتمل أنه أراد بذلك الشروط التي دعت المرأة إلى الرغبة في الزوجية، فيدخل بذلك الوفاء بما لم تحظره الشريعة، ولم تقدح فيه السنة.
[٢٢٥٦] منه: حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (لا تسأل المرأة طلاق أختها .. الحديث) أراد أختها في الدين، إذا رغب زوجها في خطبتها، فسألته المخطوبة أن يطلق زوجته؛ لتكون منفردة بالحظ منه. وقوله: (لتستفرغ صفحتها) أي: تجعلها فارغة عما فيها. وهذا مثل ضربه لحيازة الضرة حق صاحبتها لنفسها. وفي رواية: (لتكتفي بما في إنائها) (وتكتفي): تفتعل. من: كفأت القدر: إذا كببتها لتفرغ ما فيها، (فإن لها ما قدر لها) أي: لن تعدو بذلك ما قسم لها، ولن تستزيد به شيئاً.
[٢٢٦٠] ومنه حديث سلمة بن الأكوع- ﵁: (رخص رسول الله ( ﷺ ) عام أوطاس في
стр. 713
المتعة ثلاثاً، ثم نهى عنها) أوطاس، واد من ديار هوازن قسم بها رسول الله ﷺ غنائمهم، وذلك بعد الفتح، وكان ذلك في غزوة حنين، فإن سأل سائل عن أحاديث المتعة، فقال: تروون في حديث سلمة أنه رخص فيها عام أوطاس، ثم نهى عنها بعد ثلاث، وتروون في حديث سبرة بن معبد الجهني أنه نهى يوم الفتح عن متع النساء، وتروون من حديث علي- ﵁ أن النبي ﷺ : نهى عن متعة النساء عام خيبر، وتروون عن جابر، أنه قال: كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الايام على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، حتى نهى عن عمر في شأن عمرو بن حريث، وفي حديث أبي نضرة: كنت عند جابر بن عبد الله فأتاه آت فقال: إن ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين، فقال جابر: لعلناهما مع رسول الله ﷺ ثم نهانا عنهما عمر- ﵁ فلم نعد لهما، وتروون أيضاً عن سبرة بن معبد: (أمرنا رسول الله ﷺ بالمتعة عام الفتح، حين دخلنا مكة، ثم لم نخرج منها حتى نهانا عنها) وكل هذه الأحاديث صحاح، فكيف بالتوفيق بينها؟
فالجواب: أن يقال: المتعة كانت من الأنكحة التي كانوا يعتقدونها في الجاهلية، فلما جاء الله بالإسلام، لم يبين لهم فيها حكم، حتى كان يوم خيبر فنهوا عنها، ونودي فيهم بذلك، على ما في حديث علي- ﵁ ويحتمل أنهم كانوا قد رخصوا فيه قبل ذلك، ثم نهوا عن، ففي حديث عبد الله بن مسعود- ﵁: (كنا نغزو مع رسول الله ﷺ ليس لان نساء، فقلنا: ألا نستخصي فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل) ويحتمل أن الرخصة كانت بعد ذلك، ثم إنه بعد النهي عنها عام خيبر رخص فيها عام أوطاس، على ما في حديث سلمة، وكان الفتح ووقعة هوازن في عام واحد، فلا اختلاف بين حديث سلمة وسبرة. وقول سلمة: (رخص رسول الله ﷺ عام أوطاس في المتعة) يدل على تقدما لنهي. وأما حديث جابر: (كنا نستمتع) فإن الأمر فيه محمول على أنا لنهي لم يبلغه إلى زمان عمر- ﵁ وتأويل قوله: (على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر) أي: نرى ذلك جائزاً في زمان أبي بكر. وذلك غير مستبعد، فإن عبد الله بن مسعود مع غزارة علمه وقدمة صحبته
стр. 714
ومداومته، خفي عليه نسخ التطبيق، فلا ينكر أن يكون جابر لم يعلم بذلك، حتى بلغ عمر- ﵁ ما كان من عمرو بن حريث، فأغلظ القول، ورأى فيه العقوبة، وأعلم الجاهل بها، حتى استفاض علم ذلك في الامة، ونقله الآخر عن الأول.
وقد شهد بتحريمها جمع من [علماء الصحابة]، فمن ذك: ما صح عن علي- ﵁ وأبي وغيرهم، النكير على ابن عباس في فتواه. وقد صح عن سبرة بن معبد أنه كان مع رسول الله ﷺ فقال: (يا أيها الناس، إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة ... الحديث) ولما علم به ابن عباس رجع عن فتواه. وكان ابن عباس قاس أمر المضطر إلى قضاء الشهوة على أمر المضطر إلى الميتة، ولم يبلغه فيها نص، وقد استبان ذلك من قوله لسعيد بن جبير- حين قال له: (أتدري ما صنعت وبما أفنيت: والله ما بهذا أفنيت ولا هذا أردت ولا أحللت إلا مثل ما أحل الله من الميتة والدم ولحم الخنزير).
فإن قيل: ألم يكن ابن عباس أكثر الناس ملازمة لعمر- ﵁ فكيف التبس عليه أمر المتعة إلى زمان ابن الزبير. قيل: يحتمل أنه حسب أن عمر- ﵁ نهى عن ذلك رأياً واجتهاداً، أو نهى عنها غير المضطر. فإن قيل: فإذا كانت متعة النكاح محرمة بالنص، وأجمعت الصحابة على تحريمه- على ما ذكرتم- فلم قرن عمر- ﵁ بينها وبين متعة الحجر، ومتعة الحج لم يختلف أحد في جوازها.
قيل: إنما قرن بينهما؛ لاشتراكهما في التسمية، وغن كان النهي في أحديهما من جهة التحريم، وفي الأخرى من طريق النظر إل الأتم والأول، ولم يفتقر فيهما إلى بيان تميز أحدهما عن الآخر لمعرفة [٦٨/ أ] السامعين، ثم إنه نهى عن متعة الحج في صيغتين: إحدهما رآها من المنكر، والأخرى نهى عنها من طريق المصلحة، فالأولى هي التي صنعها أصحاب رسول الله ﷺ ؛ حيث رفضوا الحج وجعلوه عمرة، ولم يكن ذلك لغيرهم عرفناه من الأحاديث التي وردت فيه.
فمنها: حديث بلال بن الحارث المزني- ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله، نسخ الحج لنا خاصة أو لمن بعدنا قال: بل لكم خاصة) وإلى ذلك أشار أبو ذر- ﵁ بقوله: (لا تصلح المتعتان إلا لأصحاب محمد ﷺ : متعة النساء ومتعة الحج) فهذه الصيغة هي التي قابلها عمر- ﵁ بالنكير، وأوعد عليها، والأخرى كان ينهى عنها، لئلا يتخذها الناس ذريعة إلى إزالة التفث وقضاء حاجة النفس بين الإحرامين، فإن الطباع مائلة إلى إيثار الرخص ورفض العزائم، ونرى في الأولى قول عمر- ﵁: (متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ أنا أنهي عنهما وأعاقب عليهما: متعة النساء ومتعة الحج). وكيف يظن به وهو الإمام العدل أن يعاقب على أمر مشروع، وعلى هذا يحمل قول
стр. 715
جابر: فعلناهما مع رسول الله ﷺ ثم نهانا عنه عمر، فلم نعد لهما. ومعلو، أن الصحابة في زمان عمر وبعده كانوا يتمتعون بالعمرة إلى الحج، فأما التي لم يفعلها أحد من الصحابة ثم من بعده، بعد أن بينها لهم عمر هي المتعة التي خص بها الركب الذين كانوا مع رسول الله ﷺ في حجته، كما خصت متعة النكاح بمن كانوا في زمانه ممن أضر بهم الغلمة، حتى استأذنوا في الخصاء.
فإن قيل: قد ذكرتم من حديث سبرة، أنه نهى يوم الفتح متعة النساء وكذلك أخرجه مسلم في كتابه، وقد روى أبو داود في كتابه عن سبرة أيضا ـن رسول الله ﷺ نهى عنها يوم حجة الوداع، وقد ذكرتم من حديث سبرة، أن النبي ﷺ قال: (إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة) فكيف بالتوفيق بينهما؟
قلنا: روى في كتاب مسلم عن الزهرى، رواه عنه معمر. وفي روايته: (يوم الفتح) ورواه عنه أيضا صالح، وفي روايته [٦٩/أ] (زمان الفت) ورواه عن الزهرى في كتاب أبي داود إسماعيل بن أمية: (يوم حجة الوداع) والعبرة براوية معمر وصالح، على ما رواه مسلم و (يوم حجة الوداع) وهم من إسماعيل أو ممن قبله من الرواة، مع أنه ليس باختلاف تناقض، فيحتمل أنه نهى عنها أيضا يوم حجة الوداع؛ ليكون أبلغ في الإبلاغ.
(ومن الحسان)
[٢٢٦٢] قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁: (كاليد الجذماء) أي: المقطوعة- والجذم: سرعة القطع. يعنى: أن كل خطبة لم يؤت فيها بالثناء على الله، فهي كاليد المقطوعة التي لا فائدة فيها لصاحبها. وأصل التشهد قولك: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، ويعبر به عن الثناء، وفي غير هذه الراوية: (كل خطبة ليس فيها شهادة فهي كاليد الجذماء) الشهادة: الخبر المقطوع به.
والثناء على الله أصدق الشهادات وأعظمها.
стр. 716
[٢٢٦٦] ومنه حديث عائشة- ﵂: (كانت عندي جارية من الأنصار، زوجتها، فقال رسول الله ﷺ : يا عائشة ألا تغنين .. الحديث) تغنى، وغنى بمعني، وكلا الفعلين فيه جائز، ويحتمل أن يكون على خطاب الغيبة لجماعة النساء، والمراد منهن من يتعانى ذلك من الإماء والسفلة فإن الحرائر من نساء العرب كن يستنكفن عن ذلك، لاسيما في الإسلام، ويحتمل أن يكون على خطاب الحضور لهن، ويكون من باب إضافة الفعل إلى الآمر والآذن فيه نبي الله، فإنه لهو مكروه، ولكن ارتفعت الكراهية عنه في هذه الصورة بالرخصة فيه، والنبي ﷺ رخص فيه على غير صيغة الأمر؛ لما في إخوتها من الحظر والكراهة وأحلت صيغة اللفظ إلى ما فيه من الاحتمال؛ حيث لم يكن عندي غيها رواية أثق بها.
стр. 717
ومن باب المحرمات
(من الصحاح)
[٢٢٧٣] حديث أم الفضل- ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تحرم الإملاجة [٦٩/ب] والإملاجتان) الملج: المص. يقال ملج الصبي أمه، وأملجت المرأة صبيها. والإملاجة المرة الواحدة منه، وفي معناه حديث عائشة- ﵂: (لا تحرم المصة والمصتان)، وأكثر الفقهاء ذهبوا إلى أن قليل الرضاع وكثيره محرم، عملا بالمفهوم من الآية: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾ واعتبار بعمومها، وقد روى أن ابن عمر لما أخبر ابن الزبير يقول: لا تحرم الرضعة والرضعتان، قال: قضاء الله أولى من قضاء ابن الزبير، قال الله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾ وقد قال بعض الفقهاء من أتباعهم: اختلفت الصحابة في قبول هذا الحكم الذي يتعلق بالكثير دون القليل، وأنكره طائفة منهم، وما كان هذا سبيله من أخبار الآحاد لا يعترض به على ظاهر القرآن. قال: وقد روى عن ابن عباس- ﵁ أنه قال فيما روى أنه لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان، فقال: قد كان ذلك ثم نسخ. وقيل: لعل ذلك كان ذلك في رضاع الكبير، حين كان يحرم رضاع الكبير، يعني به: حديث سهلة بنت سهيل زوجة أبي حذيفة، حين قالت لرسول الله ﷺ : (إن سالما مولى أبي حذيفة- معنا في بيتنا، وقد بلغ ما بلغ الرجال، وعلم ما يعلم الرجال. قال: أرضعيه تحرمن عليه) وهو الآن منسوخ بالاتفاق، فسقط حكم العدد فيه، وعلى نحو من هذا الذي ذكرناه يأول حديث عائشة- ﵂ الذي يتلو هذا الحديث: (كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس
معلومات) وقولها: فتوفى رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن) يأول على أن بعض من لم يبلغه النسخ كان يقرأه على الرسم الأول؛ لأن النسخ لا يكون إلا في زمان الوحي، وكيف بالنسخ بعد موت النبي ﷺ ولا يجوز أن يقال: إن تلاوتها قد كان باقيا فتركوها، فإن الله- تعالى- قد رفع قدر هذا الكتاب المبارك عن الاختلال والنقصان، وتولى حفظه، ضمن بصيانته، فقال- عز من قائل-: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ فلا يجوز على كتاب الله أن يضيع منه آية، ولا ينخرم منه حرف كان يتلى في الذكر وإنا له لحافظون﴾ فلا يجوز على كتاب الله أن يضيع منه آية، ولا ينخرم منه حرف كان يتلى في زمان الرسالة، إلا ما نسخ منه.
[٢٢٧٥] ومنه: قوله ﷺ في حديث عائشة- ﵂: (فإنما الرضاعة من المجاعة) يريد
стр. 718
أن الرضاع المحرم المعتد به في الشرع ما يسد الجوعة، ويقوم [٧٠/أ] من الرضيع مقام الطعام، وقد اختلف العلماء في مدة الرضاع، فمنهم من ذهب إلى الحولين، وهو الأكثر، ومنهم من زاد عليهما ستة أشهر، ومنهم من قال: ثلاثة أحوال. وقد تفرد به قائله. وهذا الحديث هو الأصل في نسخ رضاع الكبير- إن صح أنه كان مشروعا، فإن كثيرا من أهل العلم حملوه في سالم على الخصوصية، والله أعلم.
[٢٢٧٦] ومنه: قوله ﷺ في حديث عقبة بن الحارث- ﵁: (كيف وقد قيل ففارقها) ذهب بعض أهل العلم إلى الاكتفاء في إثبات الرضاع بشهادة المرضعة، ووجه ذلك- عند أكثر العلماء- أن قوله: (كيف وقد قيل) حث على التورع منها لمكان الشبهة.
ومن الحسان:
[٢٢٧٩] حديث البراء بن عازب- رضي اله عنه-: (مر على خالي ومعه لواء ... الحديث) حرف هذا الحديث في كتاب المصابيح، فكتب: مر بى مكان: (على) والصواب على ما أثبتناه. وخاله: أبو بردة بن نيار.
стр. 719
ومن الرواة من قال: (عمى) والصواب هو الأول. وقد ذهب كثير من العلماء إلى أن الناكح كان مستحلا على ما كان في الجاهلية، فصار بذلك مرتدا محاربا لله ولرسوله؛ لذلك عقد اللواء لأبى بردة، ولذلك أمره بأخذ ماله. والله أعلم.
[٢٢٨٠] ومنه: قوله ﷺ في حديث أم سلمة- ﵂: (لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء) فتقت الشيء فتقا: شقتته. والمراد منه: ما وقع موقع الغذاء، وشق الأمعاءـ شق الطعام: إذا نزل إليها، وذلك لا يكون إلا في أوان الرضاع. وقوله: (في الثدي): (في) يعني الوعاء كقولك الماء في الإناء، وهو مثل قولهم: شربت من الإناء وشربت فيه. والارتضاع في الثدي إنما يفتق أمعاء الرضيع؛ لضيق مخرج اللبن من الثدي، ودقة معي الصبي، ولم يرد به الاشتراط في الرضاع المحرم أن يكون من الثدي، فإن إيجاد الصبي اللبن يقوم في التحريم مقام الارتضاع من الثدي.
[٢٢٨١] ومنه: حديث الحجاج بن مالك الأسلمي- ﵁ أنه قال: (يا رسول الله، ما يذهب عني مذمة الرضاع- الحديث) يعني بمذمة الرضاع: ذمام المرضعة، وكان لنخعي يقول في تفسيره: كانوا يستحبون عند فصال الصبي أن يأمروا للظئر بشيء سوى الأجر، وكأنه سأله: أي شيء يسقط عني
стр. 720
حق التي أرضعتني، حتى أكون قد أديته كاملا. والرواية فيه بكسر الذال، وفتح الذال فيها جائز. يقال: أخذتني منه مذمة ومذمة، أي: رقة وعار من ترك الحرمة. وأما قولهم: البخل مذمة، فإنه بالفتح لا غير. أي: ما يذم عليه. ويقال: أذهب مذمتهم بشيء، أي: أعطهم شيئا، فإن لهم ذماما. وقوله: (غرة: عبد أو أمة) بالتنوين والرفع في الجميع. و (عبد) بدل (غرة) فإنه الغرة عندهم: عبد أو أمة.
وقال أبو عمرو: الغرة لا تكون إلا الأبيض من الرقيق. وقيل: الغرة- عند العرب-: أنفس شيء يملك.
[٢٢٨٦] ومنه قول الراوي- في حديث صفوان بن أمية- ﵁: وجعل له النبي ﷺ تسيير أربعة [٧٤/أ] يقال: سيره من بلده، أي: أخرجه وأجلاه، هذا هو الأصل فيه. والمراد به في الحديث: تمكينه من السير في الأرض آمنا، وذلك إشارة إلى ما أمر الله- تعالى- به نبيه، حين نبذ إلى المشركين عهدهم، وضرب لهم هذه المدة أجلا، بعد نبذ العهد إليهم. أي: يكون لهم الأمان، حتى يأخذوا حذرهم، ويسيحوا في أرض الله حيث شاءوا، قال الله- تعالى-: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين (١) فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾
стр. 721
ومن باب المباشرة
(من الصحاح)
[٢٢٨٩] قوله ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري- ﵁: (لا عليكم ألا تفعلوا) في سائر النسخ إلا ما أصلح أو ألحق به: (ما عليكم) وهو- وإن ورد به الحديث- فإنه غير سديد في هذا الموضع؛ لأن المؤلف أورده في قسم الصحاح، [وهذا حديث لم يخرج في البخاري]، وإنما أخرجه مسلم، وفي كتابه: (لا عليكم) وفي بعض طرقه: (ولا عليكم) وكان يلزمه أن يراعى رواية مسلم حين أورده في قسم الصحاح. وفي كتاب مسلم عن ابن عون أنه قال: فحدثت بأ الحسن، فقال: والله' لكان هذا زجر. وفيه أيضا عن ابن سيرين، أنه قال: (لا عليكم) أقرب إلى النهي، وكأنهما يذهبان في معناه إلى أن المراد: ليس عليكم ضرر أن لا تفعلوا ذلك. ويحتمل أن يقال: (لا) نفى لما سألوا عنه، و (عليكم ألا تفعلوا) كلام مستأنف.
وقوله- في الحديث الآخر-: (اعزل عنها إن شئت) توهن هذا التأويل. ويؤيده الحديث الآخر: (ذلك الوأد الخفي) إلا أن هذا الوجه يقتضى فتح الهمزة، والذي نعرفه من الراوية (إلا) بكسر الهمزة لا غير، وقد روى عن المبرد في هذا الحديث: (ما عليكم ألا تفعلوا) أي: ما عندكم أن تعزلوا ورسم الخط في ألا تفعلوا في كتاب مسلم بغير نون. وفي المصابيح، أن لا تفعلوا).
[٢٢٩٢] ومنه: حديث جذامة بنت وهب الأسدية- ﵂ قالت: (حضرت رسول الله ﷺ -
стр. 722
في أناس، فقال: لقد هممت أن أنهى عن الغيلة ... الحديث) الغيلة بالكسر، الأصل فيه أنها الاغتيال.
يقال: فتلة غيلة، وهو أن يخدعه، فيذهب به إلى موضع، فإذا صار إليه قتله. ويقال أيضا: أضرت الغلية بولد فلان: إذا أتيت أمه وهي ترضعه. وكذلك إذا حملت أمه وهي ترضعه. والغيل بالفتح اسم ذلك اللبن، وكانت العرب ترى أن المرأة إذا أغالت ولدها شب شبابا غير محمود، وكان ممن لا يغنى غناء.
[٢٢٩٧] ومنه: حديث أسماء بنت يزيد، الذي في الحسان من هذا الباب- عن النبي ﷺ : (لا تقتلوا أولادكم سرا؛ فإن الغيل يدرك الفارس فيدعثره).
стр. 723
وفيه: (ذلك الوأد الخفي) الوأد: الدفن في القبر حيا. شبه إضاعة النطفة التي هيأها الله لتكوين الولد منها بالوأد؛ لأنه سعى في إبطال ذلك الاستعداد، بعزل الماء عن محله، وفي ذلك ما يوجب الكراهة. فإن قيل: ففي أحاديث العزل ما يتضمن الرخصة، وفيها ما يفضي به الكراهة، فلأي معني جعل الجواب عنه- مبهما ولم ينه عنه نهيا صريحا، قلنا: النبي ﷺ لا ينهى عن المباح حذرا أن ينتهي ذلك به إلى المحظور، فيشير إلى الكراهة بمعاريض القول.
ومن باب الصداق [ ٧٥/ب]
(من الصحاح)
[٢٣٠٢] حديث سهل بن سعد- ﵁ (أن رسول الله ﷺ جاءته امرأة فقالت: يا رسول
стр. 724
الله، إني وهبت نفسي لك .. الحديث) المشكل من هذا الحديث (زوجتكها بما معك من القرآن) وتأويله- عند من يقول: إذا تزوجتها على سورة من القرآن، فالنكاح جائز ولها مهر المثل، إن دخل بها، أو ماتا، أو مات أحدهما، وإذا طلقها قبل الدخول فلها المتعة، أي: زوجتكها لما معك من القرآن، وإنما جعل الباء مكان اللام؛ لأن ذلك صار سببا للاجتماع بينهما، ولعل المرأة وهبت مهرها له، كما وهبت نفسها للنبي ﷺ وفي حديث أنس، (أن أبا طلحة تزوج أم سليم على إسلامه، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فحسنه) فلم يكن إسلام أبى طلحة مهرا لها على الحقيقة، وإنما المعنى: تزوجها إسلامه، وكانت قد شارطته أن تجيبه إلى النكاح إذا أسلم. وفي بعض طرق حديث أنس: (ما كان لها مهر غيره) ومعنى ذلك- والله أعلم- أنها ما أرادت منه مهرا غيره.
وقد روى عن الليث أنه قال- وهو احد رواة حديث سهل بن سعد-: لا يجوز لأحد بعد رسول الله ﷺ أن يزوج بالقرآن.
قلت: وإنما رأى القائلون بما ذكرنا العدول عن ظاهر الحديث إلى التأويل؛ لحديث عبادة بن الصامت، فيمن كان يعلمه القرآن، فأهدى إليه قوسا، وقد ذكرناه فيما قبل، ولحديث عبد الرحمن بن شبل الأنصاري- ﵁ عن النبي ﷺ : (اقرأوا القرآن، ولا تغلوا فيه، ولا تأكلوا به) ثم إنهم قالوا: قد أجمع المسلمون على أن من استأجر رجلا يدرهم على أن يعلمه سورة من القرآن، أن ذلك لا يصلح؛ للجهالة التي فيها، وكذلك لو باع منه بتعليم سورة من القرآن، وكل ما يوجب بطلان الإجارة والبيع من جهة الجهالة؛ فهو يوجب بطلان المهر، مع أن لفظ الحديث لا ينبئ عن التعليم، فإنه قال: (زوجتكها بما معك من القرآن) وما معه من القرآن لا يكون مهرا بحال.
ثم إن في عدة طرق من هذا الحديث، أن المرأة قالت: (وهبت نفسي لك يا رسول الله، فقامت طويلا، فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن لم يكن لك فيها حاجة، فزوجنيها) ولم يذكر في الحديث أنه شاورها فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن لم يكن فيها حاجة، فزوجنيها) ولم يذكر في الحديث أنه شاروها في نفسها، ولا أنها قالت: زوجنى منه، ولابد لهذا القول من تتمة لم تذكر في الحديث، فما ينكر أن يكون قد جعل لها مهرا سوى السورة، وإنما ذكر السورة للمعنى الذي ذكر، والله أعلم.
(ومن الحسان)
[٢٣٠٤] حديث عمر بين الخطاب- ﵁: (ألا لا تغالوا صدقة النساء ... الحديث) صداق المرأة، وصداقها، وصدقتها: ما يعطى من مهرها، والراوية عندنا فيه من الوجهين، أحدهما: (لا تغالوا صدق النساء) على الجمع، مثل: ربط. والآخر: (لا تغلوا في صدقات السناء) أي: لا تتجاوزوا فيه الحد،
стр. 725
أو لا تنافسوا بالمغالاة في مهور النساء. وأصل الغلاء: الارتفاع، والغلو: مجاوزة القدر في كل شيء، يقال: غاليت الشيء وبالشيء، وأغليت به: من غلاء السعر. ومنه قول [٧٦/أ] الشاعر
إنا لنرخص يوم الروع أنفسنا .... ولو نسام بها في الأمن أغلينا
فإن قيل: في هذا الحديث (ما علمت رسول الله ﷺ نكح شيئا من نسائه ولا أنكح شيئا من بناته على أكثر من اثني عشر أوقية).
وقد روى في صداق أم حبيبة بنت أبي سفيان-﵂ أنه كان أربعة آلاف درهم. قلنا: إن أم حبيبة كانت بأرض الحبشة، فتأيمت عن زوجها عبيد الله بن جحش الذي تنصر بها ومات على النصرانية، فبعث رسول الله ﷺ إلى النجاشي في خطبتها، فخطب إليها النجاشي في خطبتها، فخطب إليها النجاشي رسول الله ﷺ ووكلت خالد بن سعيد بن العاص، فتولى العقد عنها. وقيل: تولى العقد عنها عثمان بن عفان- ﵁ وأصدقها النجاشي عن رسول الله ﷺ أربعة آلاف. وقيل: أربعمائة دينار. ولم يكن ما ساق إليها بمؤامرة النبي ﷺ ولا باختيار منه، فصار مستثني من جملة ما قال عمر. ويحتمل أنه لم يبلغ عمر- ﵁ فإنه قال: ما علمت.
وأما الزيادة على اثني عشر أوقية في حديث عائشة نش، فإنه أراد عدد الأوقية، أي: أكثر منها في العدد، فلم يبلغ ثلاث عشرة، أو لم يحط علمه بالزيادة. وقول عائشة: (ونش) كذلك هو في كتب الحديث ومرجعه التنوين في نصبه، لعل بعض الرواة لم يثبت الألف، فجرى الأمر من بعده على ما رواه.
[٢٣٠٥] ومنه حديث جابر- ﵁ أن النبي ﷺ : قال (مز أعطى في صداق امرأته ملء كفيه سويقا، فقد استحل) الراوية على ما انتهت إلينا من كتاب أبي داود، فقد استحق وجه الحديث عند من لا يجوز المهر بما دون عشرة دراهم، أن يقال: في الحديث إجازة النكاح بهذه التسمية.
وليس فيه دلالة على أن الزيادة لا تجب إلى تمام العشرة.
هذا وقد كان من عادة العرب قديما وحديثا تعجيل المهر ودفعه إلى المخطوبة عند تمام العقد، فربما كان أحدهم لا يجد إلا الشيء اليسير، فأجيز له في ذلك. وعلى هذا المعنى حمل قوله ﷺ في حديث سهل ابن سعد: (فالتمس ولو خاتما من حديد) إذ لو كان مراده ما يصح العقد عليه لزوجه بمهر في ذمته.
стр. 726
وقولهم في حديث عامر بن ربيعة- الذي يتلو هذا الحديث أيضا- على منوال ما ذكرناه، مع احتمال أن يكون قيمة النعلين لم يكن يقصر عن عشرة دراهم، الذي هو مقدار الواجب في الصداق.
[٢٣٠٧] ومنه: قول معقل بن سنان الأشجعى- في حديث ابن مسعود- ﵄: (قضي رسول الله ﷺ في بروع بنت واشق امرأة منا)
أصحاب الحديث يكسرون الباء من (بروع) والصواب فيه الفتح؛ لأنه ليس في كلامهم (فعول) إلا (خروع، وغنود) اسم واد. وقوله: (امرأة منا) أي: من قومنا. وبروع كانت أشجعية، وقول الراوى: (ففرح بها ابن مسعود) الضمير يرجع إلى الفتيا، أو إلى القضية، فإن ابن مسعود أفتى بذلك من طريق الاجتهاد. وفي هذا الحديث أن أهل تلك القضية اختلفوا إليه شهرا، أو مرات، فلما قضى قوله قال: (فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ، فمنى ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان) فلما رأى الإصابة في الجواب فرح؛ حيث وافق فتياه رسول الله ﷺ .
ومن باب الوليمة
(من الصحاح)
[٢٣٠٨] حديث أنس- ﵁ أن النبي ﷺ رأى على عبد الرحمن بن عوف أثر
стр. 727
صفرة ... الحديث) كان النبي ﷺ ينهى أن يتزعفر الرجل، فيحتمل أن قوله: (ما هذا) تعريض بالنكير ولم يصرح بذلك؛ لأنه كان شيئا يسيرا، ويدل على ذلك لفظ الحديث (أثر صفرة) وعرض هو أيضا في جوابه، بأنه لم يقصد ذلك، وإنما هو شيء علق به من مخالطته العروس.
وقوله: (على وزن نواة) اختلف فيه أقاويل أهل العلم، فقال أبو عبيد: قد كان بعض الناس يحمل معنى النواية على صفرة ... الحديث) كان النبي ﷺ ينهى أن يتزعفر الرجل، فيحتمل أن قوله: (ما هذا) تعريض بالنكير ولم يصرح بذلك؛ لأنه كان شيئا يسيرا، ويدل على ذلك لفظ الحديث (أثر صفرة) وعرض هو أيضا في جوابه، بأنه لم يقصد ذلك، وإنما هو شيء علق به من مخالطته العروس.
وقوله: (على وزن نواة) اختلف فيه أقاويل أهل العلم، فقال أبو عبيد: قد كان بعض الناس يحمل معنى النواية على قدر نواة من ذهب قيمتها بخمسة دراهم، ولم يكن ثم ذنب، إنما هي خمسة دراهم، سميت نواة، كما يسمى الأربعون أوقية والعشرون نشا. وقال الأزهري: لفظ الحديث يدل على أنه تزوجها على ذهب قيمته خمسة دراهم، ألا تراه قال: (نواة من ذهب) ولست أدرى لم أنكره أبو عبيد؟!
قلت: هذا الذي قاله الأزهري حسن، غير أن قوله: قيمته خمسة دراهم غير موافق للفظ الحديث، وهو قوله: (على وزن نواة من ذهب) ولعل الحديث لم يبلغه إلا على ما ذكره (نواة من ذهب) وإذا اقتفينا لفظ الحديث، فالذي يقتضيه ظاهر اللفظ أحد الوجهين: إما أن يكون تزوجها على تبرة لم يعرف وزنها، فقدرها بوزن نواة من نوى التمر، أو وجدها موازية لها، وإما أن تزوجها على تبرة بلغت في الوزن وزن خمسة دراهم.
وقوله: (أو لم) أي: اتخذ وليمة. والوليمة: طعام العرس.
[٢٣١٤] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ قال: (شر الطعام طعام الوليمة)
стр. 728
أي: من شر، وذلك مثل قوله: (شر الناس من أكل وحده) وما أكثر ما يكون في الناس شرا منه، فالمعني: من شر الناس. وسماه شر الطعام على الغالب من أحوال الناس فيها، فإنهم يبتقرون فيه: فيدعون الأغنياء ويدعون الفقراء. وأرى فيه وجها آخر، وهو أن يكون قوله: (يدعى لها الأغنياء- الحديث) صفة للوليمة، والتقدير: من طعام الوليمة التي صفتها كيت وكيت. وفي كتاب مسلم: (يدعى له) وفي بعض طرقه: (بئس الطعام طعام الوليمة) وعلى الجملة لا جائز أن يقال: إنه شر الطعام على الإطلاق. فإن نبي الله ﷺ أمر بالوليمة وأمر بإجابة من يدعو إليها، ومعاذ الإله أن يأمر هو بما فيه شر، أو يدعو إلى ما يقرب من شر، فكيف بما هو الشر المحض.
стр. 729
ومن باب القسم
[٢٣٢٦] حديث أم سلمة- ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (ليس بك على أهلك هوان ... الحديث) السنة في البكر التسبيع وفي الثيب التثليت، والنظر فيه إلى حصول الأفلة ووقع المؤانسة بلزوم الصحبة [٧٨/أ] والبكر لما كانت حديث عهد بصحبة الرجل، وكانت حقيقة بالإباء والاستقصاء، لا تلين عريكتها إلا بجهد جهيد، شرع لها الزيادة لينفى بها نفارها، ويسكن بها روعها، وهي العدد التي يدور عليها الأيام. ولما أراد إكرام أم سلمة أخبرها أن لا هوان بها على أهلها، يعنى: نفسه، وأنزلها في الكرامة منزلة الأبكار. وقد كان ﷺ مخصوصا في أمور العشرة ما يشاء، لم تكن لغيره، قال الله- تعالي-: ﴿ترجى من تشاء منهن وتؤوى إليك من تشاء﴾ الآية.
стр. 730
وقد اختلف أهل العلم فيما يلزم من بني على أهله بعد التسبيع أو التثليت، هل يقسم بعدها لبقية أزاوجه بحساب ذلك، أو يستأنف القسم، فذهب ذاهبون إلى أن ذلك من حقوق الجديدة، لا شركة لبقية الأزواج فيه.
وقال آخرون: إن لبقية الأزواج استيفاء عدة تلك الأيام، والحجة لهم على من خالفهم هذا الحديث، فإن النبي ﷺ قال لأم سلمة: (إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن) فقالوا: لو كان الأيام الثلاثة التي هي من حقوق الثيب مسلمة لها مخلصة عن الاشتراك، لكان من حقه أن يدور عليهن أربعا أربعا؛ لكون الثلاثة حقا لها، فلما كان الأمر في التسبيع على ما ذكر، علم أنه في الثلاث كذلك.
[٢٣٢٧] ومنه: حديث عائشة- ﵂ (أن النبي ﷺ كان يقسم بين نسائه فيعدل ويقول اللهم، هذا قسمتي فيما أملك- الحديث) أشار بذلك إلى ميل النفس، وما جبل عليه الإنسان من التزيد الحب بحكم الطبع، وغلبة الشهوة.
ومن باب عشرة النساء
(من الصحاح)
[٢٣٢٩] حديث أبي هريرة- ﵁ قال رسول الله ﷺ : (استوصوا بالنساء خيرا ... الحديث) أي: أوصيتكم بهن خيرا، فاقبلوا وصيتي فيهن. وقد بينا معني الاستيصاء في كتاب العلم. وفيه
стр. 731
(فإنهن خلقن من ضلع) الضلع- بكسر الضاد وفتح اللام- واحدة الضلوع والأضلاع. ثبت أن حواء استخرجت من ضلع آدم، فأشار بذلك إلى أن المرأة خلقت خلقا فيه اعوجاج، لا يستطيع أحد من خلق الله أن يقيمه ويغيره عما جبل عليه، وهي من بدو خلقها وأصل فطرتها ركب فيها العوج، لا يتهيأ الانتفاع بها إلا بمداراتها والصبر على عوجها.
[٢٣٣١] ومنه: حديثه الآخر، عن النبي ﷺ : (لا يفرك مؤمن مؤمنة ..) الفرك- بالكسر- البغض. تقول منه: فركت المرأة زوجها، أي: أبغضته، فهي فروك وفارك. وكذلك فركها زوجها. ولم يسمع هذا الحرف في غير الزوجين.
[٢٣٣٢] ومنه: حديثه الآخر، عن النبي ﷺ : (لولا بنو إسرائيل لم يختز اللحم) خنز اللحم- بالكسر- يختز خنزا، أي: أنتن مثل خزن- على القلب.
يشير إلى أن خنز اللحم شيء عوقبت به بنو إسرائيل؛ لكفرانهم نعمة الله، وسوء صنيعهم فيها.
[٢٣٣٤] ومنه: قول عائشة- ﵂ في حديثها: (ينقمعن منه فيسربهن إلى) ينقمعن، أي: يتغيبن ويتسترن. يقال: قمعته وأقمعته بمعني، أي: قهرته وذللته فانقمع. قيل: انقماعهن: دخولهن في بيت أو ستر، (فيسربهن إلى) أي: يرسلهن سربا سربا. يقال: سربت إليه الخيل، وهو: أن يبعثه عليه سربة بعد سربة. وفي حديث علي- ﵁: إني لأسربه عليه، أي: أرسله قطعة قطعة، وفي حديث جابر: فإذا قصر السهم قال: سرب شيئا أي: [أرسله] ومعنى الحديث: أن صواحبها كن يهبن رسول الله ﷺ فإذا دخل عليها تغيبن واعتزلن الملعب، فيردهن إليها ليلعبن معها.
стр. 732
[٢٣٣٥] ومنه: حديثها الآخر: (رأيت النبي ﷺ يقوم على باب حجرتي والحبشة يلعبون الحراب .. الحديث) يحتمل أنهم كانوا في رحبة المسجد، وكانت تنظر إليهم من باب الحجرة وذلك من داخل المسجد فقال: في المسجد؛ لاتصال الرحبة به، أو دخلوا المسجد لتضايق الموضع بهم، وإنما سومحوا فيه؛ لأن لعبهم ذلك لم يكن من اللعب المكروه، بل كان يعد من عدة الحرب مع أعداء الله، فصار بالقصد من جملة العبادات، كالرمي، وأما النظر إليهم، فالظاهر أنه كان قبل نزول الحجاب، وقد مر بيانه بأكثر من هذا.
وفيه: (فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو) يقال: قدرت لأمر كذا، أقدر وأقدر: إذا نظرت فيه ودبرته. أي: دبروا أمر الجارية مع حداثة سنها وحرصها على اللهو، وانظروا فيه، إذا تركت وما تحب من ذلك كم تلبث وتديم النظر إليه. يريد بذلك طول لبثها ومصابرة النبي ﷺ معها على ذلك.
[٢٣٣٨] ومنه: حديث جابر- ﵁ قال رسول الله ﷺ في خطبة حجة الوداع: (اتقوا الله في النساء) الحديث شرحناه في قصة حجة الوداع.
[٢٣٣٩] ومنه: حديث أسماء- ﵂: (قالت امرأة، يا رسول الله، إن لي ضرة، فهل عليَّ
стр. 733
جناح إن تشبعت من زوجي .. الحديث) تشبعت، أي: تكثرت بأكثر مما عندي والمتشبع: المتزين بأكثر مما عنده يتكثر بذلك، ويتزين بالباطل. وقد مر تفسير قوله: (كلابس ثوبي زور).
[٢٣٤٠] ومنه: حديث أنس- ﵁: (آلي رسول الله ﷺ من نسائه شهرا ... الحديث) آلي يؤالى إيلاء: حلف. وتألى وائتلى مثله. والآلية: اليمين. وجعل الإيلاء في الشرع للحلف المانع من جماع المرأة، وكيفيته وأحكامه مذكورة في كتب الفقه.
وفيه: (وكانت انفكت رجله) يقال: يسقط فلان فانفكت قدمه، أو إصبعه: إذا انفرجت وزالت.
الفكك: انفساح القدم.
[٢٣٤٢] ومنه: قوله ﷺ في حديث عائشة- ﵂: (وإذا مرت صاحبكم فدعوه) تبين لنا من قوله: (وأنا خيركم لأهله) أنه عنى بقوله ذلك نفسه. وعنى بقوله: (فدعو) أي: دعوا التلهف عليه والتحسر، ففي الله خلف عن كل فائت فكأنه لما قال: (وأنا خيركم لأهله) ووجه تلك الكلمة مدعاة لفرط الأسف ومجلبة للهم المتلف، خفف عنهم أعباءها، بقوله: (وإذا مات صاحبكم فدعوه).
стр. 734
[٢٣٤٦] ومن الحسان قوله ﷺ في حديث طلق بن علي- ﵁: (فلتأته، وإن كانت على التنور) أي: وإن كانت نخبز، فإن التنور هو الذي يخبز فيه، وإنما علق الأمر بكونها على التنور؛ لأن شغلها بالخبز من الأشغال الشاغلة التي لا يتفرغ معها إلى غيرها، إلا بعد انقضائها والفراغ منها.
[٢٣٤٨] ومنه: حديث معاوية بن حيدة القشيري- ﵁: (قلت: يا رسول الله، ماحق زوجة أحدنا عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طعمت .. الحديث) طعمت: متصلا بتاء الخطاب، وكذلك (إذا اكتسيت) وهو (افتعلت) من الكسوة، وإنما بينته- مع سهولته-؛ لأني وجدت أقواما يروون (طعمت) متصلا بتاء التأنيث على أن ذلك راجع إلى الزوجة. وكذل يروون: (إذا كسيت) وكلاهما غلط، وفي بعض الروايات: (أن تطعمها مما طعمت، وتكسوها مما اكتسيت) وذلك أسد؛ لأن الرجل إذا كان صائما أو غير مشته للطعام، فليس له أن يحبس عنها الطعام حتى يطعم هو. وفيه: (ولا تقبح) أي: لا تشتم، ولا تقل: قبحك الله. قيل: لا تقل: قبح الله وجهك. وفي الحديث: (لا تقبحوا الوجه).
стр. 735
[٢٣٤٩] ومنه: قوله ﷺ في حديث لقيط بن صبرة- ﵁: (ولاتضربن ظعينتك ضربك أميتك) الظعينة: المرأة ما دامت في الهودج، فإذا لم تكن في الهودج فليست بظعينة. قال الشاعر:
قفي قبل التفرق يا ظغينا ... نخبرك اليقين وتخبرينا
فاتسعوا فيها فقالوا للزوجة: ظعينة، وأرى أنهم يكنون بها عن كرائم النساء؛ لأن الهودج إنما يضم الكريمة على أهلها، ولهذا سماها في هذا الموضع ظعينة. أي: لا تضرب الحرة التي هي منك بأعز مكان ضربك أميتك التي هي بأوضع مكان منك. و (أمية) تصغير أمة.
[٢٣٥٠] ومنه: قول عمر- ﵁ في حديث إياس بن عبد الله: (يا رسول الله، ذئر النساء على أزواجهن) أي: نشزن واجتزأن. يقال: امرأة ذئر على (فعل) والذائر: النفور.
[٢٣٥٣] ومنه: قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁: (وخياركم خياركم لأهله) أي: من خياركم خياركم لأهله، وقد ذكرنا نظائر ذلك فيما سبق، والله أعلم.
стр. 736
ومن باب الخلع والطلاق
(من الصحاح)
[٢٣٥٥] حديث عبد الله بن عباس- ﵁: (أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعيب عليه .. الحديث) امرأة ثابت هذه قد اختلف فيها، فمن قائل: إنها جميلة بنت أبي بن سلول، ومن قائل: إنها حبيبة بنت سهل النصارى، وكذلك أورده أبو داود في كتابه، أن حبيبة بنت سهل امرأة ثابت بن قيس، أتت النبي ﷺ وكانت هذه المرأة التي اختلف فيها فركت زوجها لدمامته، فنشزت عليه.
وقولها: (ما أعتب عليه) أي: ما أجد في نفسي منه شيئا لرقة في دينه، أو غلظة في خلقه. والعتب في الأصل: كل مكان ناب بنازله، واستعير العتب والعتبة لغلظة يجدها الإنسان في نفسه على غيره، وعرضت عما في نفسها من كراهة الصحبة وطلب الخلاص منه بقولها: (ولكن أكره الكفر في الإسلام) أي: أكره أن أتعرض في الإسلام لما هو شجنة من الكفر، وذلك كفران العشير، أو أرادات بذلك ما صارت بصددها من اجتراح الآثام بسبب النشوز والفرك، وسماه كفرا لمنأواته حكم الإسلام.
[٢٣٥٧] ومنه: حديث عائشة- ﵂: (خيرنا رسول الله ﷺ فاخترنا الله ورسوله، فلم
стр. 737
يُعد ذلك علينا شيئا) كان علي- ﵁ يرى أن المرأة إذا خيرت فاختارت نفسها بانت بواحدة، وإن اختارت زوجها، كان ذلك واحدة رجعية، وكان يزيد بن ثابت في الصورة الأولى يقول: بانت بثلاث، وفي الأخرى بواحدة بائنة، فأنكرت ذلك وقالت قولها. أي: لو كان ذلك موجبا لوقوع الطلاق لعد علينا طلاقا، ولم يعد علينا شيئا، لا ثلاثا وواحدة بائنة ولا رجعية.
[٢٣٥٨] ومنه: قولها في حديثها الآخر: (فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير) المغافير والمغاثير: جمع مغفور ومغثور- بضم الميم فيهما- وقيل: جمع مغفر ومغثر، وهو ثمر العضاد كالعرفط والعشر والثمام والسلم والطلح وغيرها، إلا أن الذي في هذا الحديث هو ما يجتني من العرفط، لما في الحديث: جرست نحلته العرفط) وما ينضحه العرفط حلو، وله رائحة كريهة.
[٢٣٥٩] ومن الحسان: حديث ثوبان- ﵁ قال رسول الله ﷺ : (أيما امرأة سألت زوجها طلاقا في غير ما بأس .. الحديث) ما صلة، والبأس: الشدة. أي: من غير شدة تلجئها إلى ذلك. وقوله (فحرام عليها) أي: ممنوع، وذلك علي نهج الوعد والمبالغة في التهديد، ووقوع ذلك يتعلق بوقت دون وقت، أي: لا تجد رائحة الجنة إذا وجدها المحسنون، وقد بينا وجه ذلك في كتاب العلم.
стр. 738
[٢٣٦١] ومنه: حديث علي- ﵁ عن النبي ﷺ (لا طلاق قبل النكاح .. الحديث) وقد روى في معناه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
وقد رأى جمع من العلماء إيقاع الطلاق النكاح، على ما هو مذكور في كتب الفقه. وقد روى ذلك عم عبد الله بن مسعود- ﵁ فأخذوا به لما يعضد النظر. وتأويل الحديث عندهم، أنه إذا قال لآخر: تزوج فلانة، فيقول: قد طلقتها ثلاثا. أو قيل له: أسير عند فلان، فيقول: قد أعتقته، فإذا تزوج المرأة أو اشترى العبد لم يضره ذلك.
ومن الصحاح: حديث ابن عباس- ﵄ في الحرام يكفر: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ أراد ابن عباس: أن من حرم على نفسه شيئا قد أحل الله له يلزمه كفارة يمين، فإن النبي ﷺ لما حرم على نفسه ما أحل له أمر بالكفارة، قال الله- تعالي-: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما احل ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم (١) قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ الآية. والأسوة: الحالة التي يكون عليها الإنسان من اتباع غيره، إن حسنا وإن قبيحا، ولهذا وصفت في الآية بالحسنة.
стр. 739
[٢٣٦٥] ومنه: حديث عائشة- ﵂: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا طلاق ولا عتاق في إغلاق) فسر كثير من أصحاب الغريب الإغلاق بالإكراه، كأنه يغلق عليه الباب ويحبس ويضيق عليه حتى يطلق أو يعتق. وقيل: لا يطلق التطليقات في دفعة واحدة، حتى لا يبقي منها شيء، ولكن يطلق [٨٢/أ] طلاق السنة، وهذا تأويل حسن، لو استقام لنا في العتاق استقامته في الطلاق.
ووجدت بعض أهل العلم فسر الإغلاق بالغضب، وكأنه التفت فيه إلى ما في الغضب من الإطباق والتضييق، وليس التفسير الذي سبق بأحق من هذا. والمعني: أنه إن طلق من حدة الطبع وثوران الغضب، فربما بثه بالمحرجات الثلاث، فيتأثم بترك طلاق السنة. وربما لم يكن الطلاق من [قصده ونيته] فيستفزه الشيطان، فيلقيه على لسانه، فيفرق بينه وبين امرأته. وفي العتاق إذا فعل ذلك من حال الغضب من غير قصد صحيح ونية صالحة صادقة يتوجه بها إلى الله، حبط أجره وضل عمله، فنهى عنه، وهو نهى عن فعله، وليس بنفي عن حكمه.
ومن باب المطلقة ثلاثا
(من الصحاح)
[٢٣٦٩] حديث عائشة- ﵂: (جاءت امرأة رفاعة القرظى إلى رسول الله ﷺ -
стр. 740
الحديث) ورفاعة هذا هو: رفاعة بن السموءل القرظى، وامرأته تميمة بنت وهب. وقيل: بنت أبي عبيد والظاهر أن أبا عبيد هو وهب.
وفيه: (فبت طلاقي) أي: قطعه، فلم يبق من الثلاث شيئا. يقال: صدقة بتة: إذا انقطعت عن ملك صاحبها.
وفيه: (فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير) أكثر أهل النقل يفتحون الزاي ويكسرون الباء. ورواه أبو بكر النيسابوري بضم الزاى وفتح الباء، وكذلك أخرجه البخاري في تاريخه. وقولها: (وما معه إلا مثل هدية الثوب) كناية عن صغر هنه وقلة غنائه. وفيه: (حتى تذوقى عسيلته) قيل: إنه كناية عن حلاوة الجماع، شبه لذته بالعسل، وإنما أنث؛ لأنه أراد قطعة من العسل. وقيل: أنث؛ على معنى النطفة. وقيل على إرادة اللذة. وقيل: العسل يذكر ويؤنث، فذهب في تصغيره إلى التأنيث.
(ومن الحسان)
[٢٣٧٠] حديث ابن مسعود- ﵁: (لعن رسول الله ﷺ المحلل والمحلل).
следующие страницы →