Полный текст (1 323 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
ومن باب الخلع والطلاق
(من الصحاح)
[٢٣٥٥] حديث عبد الله بن عباس- ﵁: (أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعيب عليه .. الحديث) امرأة ثابت هذه قد اختلف فيها، فمن قائل: إنها جميلة بنت أبي بن سلول، ومن قائل: إنها حبيبة بنت سهل النصارى، وكذلك أورده أبو داود في كتابه، أن حبيبة بنت سهل امرأة ثابت بن قيس، أتت النبي ﷺ وكانت هذه المرأة التي اختلف فيها فركت زوجها لدمامته، فنشزت عليه.
وقولها: (ما أعتب عليه) أي: ما أجد في نفسي منه شيئا لرقة في دينه، أو غلظة في خلقه. والعتب في الأصل: كل مكان ناب بنازله، واستعير العتب والعتبة لغلظة يجدها الإنسان في نفسه على غيره، وعرضت عما في نفسها من كراهة الصحبة وطلب الخلاص منه بقولها: (ولكن أكره الكفر في الإسلام) أي: أكره أن أتعرض في الإسلام لما هو شجنة من الكفر، وذلك كفران العشير، أو أرادات بذلك ما صارت بصددها من اجتراح الآثام بسبب النشوز والفرك، وسماه كفرا لمنأواته حكم الإسلام.
[٢٣٥٧] ومنه: حديث عائشة- ﵂: (خيرنا رسول الله ﷺ فاخترنا الله ورسوله، فلم
стр. 737
يُعد ذلك علينا شيئا) كان علي- ﵁ يرى أن المرأة إذا خيرت فاختارت نفسها بانت بواحدة، وإن اختارت زوجها، كان ذلك واحدة رجعية، وكان يزيد بن ثابت في الصورة الأولى يقول: بانت بثلاث، وفي الأخرى بواحدة بائنة، فأنكرت ذلك وقالت قولها. أي: لو كان ذلك موجبا لوقوع الطلاق لعد علينا طلاقا، ولم يعد علينا شيئا، لا ثلاثا وواحدة بائنة ولا رجعية.
[٢٣٥٨] ومنه: قولها في حديثها الآخر: (فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير) المغافير والمغاثير: جمع مغفور ومغثور- بضم الميم فيهما- وقيل: جمع مغفر ومغثر، وهو ثمر العضاد كالعرفط والعشر والثمام والسلم والطلح وغيرها، إلا أن الذي في هذا الحديث هو ما يجتني من العرفط، لما في الحديث: جرست نحلته العرفط) وما ينضحه العرفط حلو، وله رائحة كريهة.
[٢٣٥٩] ومن الحسان: حديث ثوبان- ﵁ قال رسول الله ﷺ : (أيما امرأة سألت زوجها طلاقا في غير ما بأس .. الحديث) ما صلة، والبأس: الشدة. أي: من غير شدة تلجئها إلى ذلك. وقوله (فحرام عليها) أي: ممنوع، وذلك علي نهج الوعد والمبالغة في التهديد، ووقوع ذلك يتعلق بوقت دون وقت، أي: لا تجد رائحة الجنة إذا وجدها المحسنون، وقد بينا وجه ذلك في كتاب العلم.
стр. 738
[٢٣٦١] ومنه: حديث علي- ﵁ عن النبي ﷺ (لا طلاق قبل النكاح .. الحديث) وقد روى في معناه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
وقد رأى جمع من العلماء إيقاع الطلاق النكاح، على ما هو مذكور في كتب الفقه. وقد روى ذلك عم عبد الله بن مسعود- ﵁ فأخذوا به لما يعضد النظر. وتأويل الحديث عندهم، أنه إذا قال لآخر: تزوج فلانة، فيقول: قد طلقتها ثلاثا. أو قيل له: أسير عند فلان، فيقول: قد أعتقته، فإذا تزوج المرأة أو اشترى العبد لم يضره ذلك.
ومن الصحاح: حديث ابن عباس- ﵄ في الحرام يكفر: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ أراد ابن عباس: أن من حرم على نفسه شيئا قد أحل الله له يلزمه كفارة يمين، فإن النبي ﷺ لما حرم على نفسه ما أحل له أمر بالكفارة، قال الله- تعالي-: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما احل ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم (١) قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ الآية. والأسوة: الحالة التي يكون عليها الإنسان من اتباع غيره، إن حسنا وإن قبيحا، ولهذا وصفت في الآية بالحسنة.
стр. 739
[٢٣٦٥] ومنه: حديث عائشة- ﵂: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا طلاق ولا عتاق في إغلاق) فسر كثير من أصحاب الغريب الإغلاق بالإكراه، كأنه يغلق عليه الباب ويحبس ويضيق عليه حتى يطلق أو يعتق. وقيل: لا يطلق التطليقات في دفعة واحدة، حتى لا يبقي منها شيء، ولكن يطلق [٨٢/أ] طلاق السنة، وهذا تأويل حسن، لو استقام لنا في العتاق استقامته في الطلاق.
ووجدت بعض أهل العلم فسر الإغلاق بالغضب، وكأنه التفت فيه إلى ما في الغضب من الإطباق والتضييق، وليس التفسير الذي سبق بأحق من هذا. والمعني: أنه إن طلق من حدة الطبع وثوران الغضب، فربما بثه بالمحرجات الثلاث، فيتأثم بترك طلاق السنة. وربما لم يكن الطلاق من [قصده ونيته] فيستفزه الشيطان، فيلقيه على لسانه، فيفرق بينه وبين امرأته. وفي العتاق إذا فعل ذلك من حال الغضب من غير قصد صحيح ونية صالحة صادقة يتوجه بها إلى الله، حبط أجره وضل عمله، فنهى عنه، وهو نهى عن فعله، وليس بنفي عن حكمه.
ومن باب المطلقة ثلاثا
(من الصحاح)
[٢٣٦٩] حديث عائشة- ﵂: (جاءت امرأة رفاعة القرظى إلى رسول الله ﷺ -
стр. 740
الحديث) ورفاعة هذا هو: رفاعة بن السموءل القرظى، وامرأته تميمة بنت وهب. وقيل: بنت أبي عبيد والظاهر أن أبا عبيد هو وهب.
وفيه: (فبت طلاقي) أي: قطعه، فلم يبق من الثلاث شيئا. يقال: صدقة بتة: إذا انقطعت عن ملك صاحبها.
وفيه: (فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير) أكثر أهل النقل يفتحون الزاي ويكسرون الباء. ورواه أبو بكر النيسابوري بضم الزاى وفتح الباء، وكذلك أخرجه البخاري في تاريخه. وقولها: (وما معه إلا مثل هدية الثوب) كناية عن صغر هنه وقلة غنائه. وفيه: (حتى تذوقى عسيلته) قيل: إنه كناية عن حلاوة الجماع، شبه لذته بالعسل، وإنما أنث؛ لأنه أراد قطعة من العسل. وقيل: أنث؛ على معنى النطفة. وقيل على إرادة اللذة. وقيل: العسل يذكر ويؤنث، فذهب في تصغيره إلى التأنيث.
(ومن الحسان)
[٢٣٧٠] حديث ابن مسعود- ﵁: (لعن رسول الله ﷺ المحلل والمحلل).
стр. 741
قيل: هو أن يطلق الرجل امرأته ثلاثا، فيتزوجها رجل آخر، على شريطة أن يطلقها بعد مواقعته إياها؛ لتحل للزوج الأول. يقال حللت له امرأته، فأنا حال، وهو محلول له. وفيه ثلاث لغات: حللتها- بالتخفيف وحللتها بالتشديد، وأحللتها. وروي: (لعن الله المحل والمحل له) قيل سماه محلا لقصده إلى التحليل، وإن كانت لا تحل إذا كان قصده.
[٢٣٧١] ومنه: ما روى عن سليمان بن يسار: (أدركت بضعة عشر من أصحاب النبي ﷺ كلهم يقول: يوقف المولى) قد ذكرنا قول أهل اللغة في البضع في أول باب من الكتاب وترك المميز، وهو رجلا أو شخصا، لما دل عليه قوله: (من أصحاب) يقال: بضعة عشر رجلا، وبضع عشر امرأة. ومعنى قوله [٧٠/ب]: (يوقف المولى) ذهب بعض الصحابة وبعض من بعدهم من أهل العلم: أن المولى عن امرأته، إذا مضى عليه مدة الإيلاء، وهي عند بعضهم أكثر من أربعة أشهر وقف، فإما أن يفيء، وإما أن يطلق. وإن طلق عليه الحاكم، وذلك شيء استنبطوه من الآية رأيا واجتهادا.
وخالفهم آخرون فقالوا: الإيلاء أربعة أشهر، فإذا انقضت بانت منه بتطليقه، وهو مذهب أبي حنيفة- ﵀ عليه- وهو الذي يقتضيه ظاهر الآية، قال الله- تعالى-: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم﴾ ﴿فإن فاءوا﴾ يعنى: في الأشهر. وفي حرف ابن مسعود- ﵁: ﴿فإن فاءوا فيهن﴾ والتربص: الانتظار. أي: ينتظر بهم إلى مضي تلك الأشهر. ﴿وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم﴾ أي: عزموا الطلاق بتربصهم إلى مضى المدة، وتركهم. وتأويله- عند من يرى أنه يوقف-: فإن فاءوا وإن عزموا الطلاق بعد مضى الطلاق بعد مضى المدة.
ومن الفصل الذي يليه
(من الصحاح)
[٢٣٧٤] حديث معاوية بن الحكم السلمي- ﵁ في حديثه: (فأسفت عليها) أي: غضبت.
ومنه قوله ﷺ : (أين الله؟ فقالت: في السماء .. الحديث) أشكل على كثير من المحصلين حقيقة ما أريد من هذا السؤال والجواب وتشعبت بهم صيغة القول في الفصلين حتى انتهى بفريق منهم إلى النكير والطعن على العمياء في الحديث، ولم يعد إليهم من ذلك إلا إفك صريح، فإن الحديث حديث صحيح. وأفضى بآخرين منهم إلى ادعاء ما لم يعرف له في الحديث أصل، وذلك زعمهم أن الجارية كانت
стр. 742
خرساء، فأشارت إلى السماء [وكلى] القولين مردود؛ لأنهم قابلوا الصدق بالكذب، وعارضوا اليقين بالشك.
والسبيل- فيما صح عن رسول الله ﷺ أن يتلقى بالقبول، فإن تدارك الله المبلغ إليه بالفهم فيه، فذلك هو الفضل العظيم، وإن قصر عنه فهمه، فالسلامة في التسليم، ورد العلم فيه إلى الله وإلى الرسول، مع نفى ما يعترض الخواطر فيه من المعاني المشتركة والأوصاف الموهمة للمشاكلة، وقد عز جناب الكبرياء عما تتصرف فيه الأوهام، وتتلقفه الأفهام، وتدركه الأبصار، وتحيط به العقول [٣٦١/]: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ ثم إن المتنفر عن هذا الحديث، المجد في الهرب عنه، لو أنعم النظر فيه، وفيما يتلى عليه من الآيات والذكر الحكيم، ويروى له من السنن بالنقل القويم؛ لم يعدم له نظائر في القبيلين، قال الله- سبحانه-: ﴿أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور﴾. ولاشك أنه يريد به نفسه، وليس ذلك أنه محصور فيها، ولكن على معني أن أمره ونهيه جاءا من قبل السماء، فوقعت الإشارة من النبي ﷺ في الحديث إلى مثل ما نطق به التنزيل. وقد كان ﷺ في توقيف العباد على الشئون الإلهية والأمور الغيبية على صراط مستقيم، لم يكن لغيره أن يسلك ذلك المسلك إلا بتوقيفه، وقد أذن له في ذلك ما لم يؤذن لغيره. وكان رحمة من الله على عباده، بعث إلى كافة الخلائق، بعد أن كانوا على طبقات شتى ومنازل متفاوتة من عقولهم وآرائهم وإدراكاتهم واستعدادتهم، وكان منهم القوى والضعيف، والبالغ والقاصر، والكامل والناقص، فكان يأتي في تعريف ما قد علم أن بالناس حاجة إلى معرفته سهل المتناول، غزير المعنى، يأخذ العارف منها حظه، ويعلم الجاهل بها دينه، ويتضح بها ما أشكل، ويقرب بها ما بعد، ﴿قد علم كل أناس مشربهم﴾ وكان ﷺ معنيا بأن يكلم الناس على قدر عقولهم، فلم يكن ليكلم جارية ضعيفة العقل واهية الرأي، فاترة النظر، قاصرة الفهم بما يقتضيه صرف التوحيد، ويكشف عن حقيقته نور القدس، فتزداد حيرة إلى حيرتها، لكن قنع منها بأن تعلم أن لها ربا ﴿يدبر الأمر من السماء إلى الأرض﴾ فسألها عن ذلك، على ما تبصره من حالها، وتبينه من مقدار عقلها، وكان ﷺ أعرف الخلق بالله، وأعلمهم بطريق الهداية إليه، فليس لأحد من خلق الله أن يشمئز عن قاله قالها، أو يتنكب عن محجة سلكها، فما يأتي منه إلا ما طاب وكرم، وما له منا- فيما بلغنا عنه- إلا السمع والطاعة، والرضا والتسليم، صلى الله عليه أفضل ما صلى على أحد من عباده المكرمين.
ومن باب اللعان
(من الصحاح)
[٢٣٧٥] حديث سهل بن سعد الساعدى- ﵁: (أن عويمر العجلاني قال: يا رسول الله
стр. 743
الحديث) عويمر هذا هو: عويمر بن أبيض العجلانى الأنصاري، وبنو عجلان [٧١/ب]- بفتح العين- بطن وفي حديثه متمسك لمن يرى أن الفرقة بين المتلاعنين إنما تقع بتفريق الحاكم؛ وذلك في قول عويمر: (كذبت عليها يا رسول الله، إن أمسكتها، فطلقها ثلاثا) ولو كانت الفرقة واقعة بينهما بنفس اللعان، لم يكن للتطليقات الثلاث معنى.
وفيه (أسحم أدعج العينين) الأسحم: الأسود. والسحمة السواد. والدعج: شدة سواد العين مع سعتها.
وفيه: (خدلج الساقين) أي: عظيم الساقين [وممتلئها]. والخدلج- بتشديد اللام: الممتلئ الذراعين والساقين. وفى معناه: خدل الساقين وخدلم، بزيادة ميم، وقد ورد في بعض طرق هذا الحديث (خدل الساقين) ويحتمل أن يكون بالذال المعجمة. يقال: مخلخل خذل، أي: ضخم. وفيه: (كأنه وحرة) الوحرة- بالتحريك- دويبة حمراء تلزق بالأرض.
[٢٣٧٨] ومنه: حديث ابن عباس- ﵄: (أن هلال بن أميا قذف امرأته بشريك بن
стр. 744
سحماء ... الحديث) امرأة هلال اسمها خولة. وهي: بنت عاصم الأنصارية، وهذا أول لعان كان في الإسلام، وفيه نزلت الآية وفي صاحبته.
وفيه: (البينة أو حدا في ظهرك) أي: أقم البينة، أو حدا، نصب على المصدر، أي: تحد حدا. وفي البخاري: (وإلا حد في ظهرك) والتقدير: وإلا عليك حد أو لك حد. وفي كتاب أبي داود: (أو حد في ظهرك)، وفيه: (فلما كانت الخامسة وقفوها، أي: الشهادة الخامسة: (ووقفوها) أي: حبسوها ومنعوها عن المضي في الشهادة الخامسة. يقال: وقفت الدابة، تقف،، وقوفا. ووقفتها أنا، يتعدى ولا يتعدى. وقالوا: (إنها) أي: الخامسة (موجبة) أي: موجبة للتفريق بينكما، أو لحكم اللعان.
ويحتمل أن يكون معنى: (وقفوها) أي: أطلعوها على حكم الخامسة أنها موجبة، من قولهم: وقفته على ذنبه، أي: أطلعته. قال ابن عباس: (فتلكات) أي: توقفت. يقال: تلكأ عن الأمر تلكأ، أي: تباطأ عنه وتوقف فيه. وفيه: (ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم) أي: جميعه. واللام فيه للجنس.
أي: سائر الأيام. وهو في معنى قولهم: سائر الدهر. أي: لا أصدق الزوج؛ فإن فيه فضيحة قومي آخر الدهر، فيعيروني لمكان منهم.
وفيه: (فمضت) أي: في الخامسة، فلم تتأخر عنها، وفيه: (أبصروا، فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الإليتين) يقال: شيء سابغ، أي: كامل تام واف. فإن قيل: ما فائدة هذا الكشف، ولم يتضمن إلحاق الوالد بالزاني، وإقامة الحد على المرأة، مع أنه ﷺ كان يتحرى الستر على ذوى الهنات، ويأمر بذلك [٧٢/أ].
стр. 745
قلنا: فيه فوائد، فمنها: أنه يدخل في أعلام النبوة؛ لأنه قدر أمر المولود على نعت [لم يتعد] عنه، ثم ما فيه من التنبيه على أن لا عبرة بالشبه، وأن لا تأثير لوضوح الأمر بعد وقوع الفرقة بين المتلاعنين، وإليه وقعت الإشارة بقوله ﷺ : (لولا [ما] مضى من كتاب الله؛ لكان لها [شأنا] والمعنى: لولا ما سبق من حكم الله في المتلاعنين، لجعلتها عبرة للناظرين، وتذكرة للسامعين؛ لهتكها الحرمة بينها وبين ربها، تارة بالزنا، وأخرى بالأيمان الكاذبة.
فبين بذلك أولا: شدة غضب الله وغضب رسوله عليها، وأعلن ثانيا بأن لا سبيل عليها بالعقوبة والتنكيل فيما ارتكبته من المنكر الشنيع والعضيهة الفظيعة، وإن وجد الشبه وعرفت الأمارات، إذ لو كان ذلك لأحد، لكان أولى الناس به نبى الله الذي أيد بالإصابة فيما يخبر عنه، وأعين بالعصمة عن الزيغ فيما يحكيه.
فإن قيل: فكيف التوفيق بين حديث اللعان وبين قوله: (الولد للفراش، وللعاهر الحجر) قيل: حديث إلحاق الولد بالفراش ورد فيمن يدعى الولد من غير فراش، فنفى عنه وجعله لصاحب الفراش، إذا لم ينتف عنه، فإن انتفى الولد دعة إلى الملاعنة، فإن لاعن عنه، لم يلحق به، فلا مصادة إذا بين الحديثين؛ لأن حديث اللعان فيمن ينفى الولد مع الفراش، والحديث الاخر فيمن يدعى الولد من غير فراش.
[٢٣٨٣] ومنه: قوله ﷺ في حديث الأعرابي، رواية هريرة- ﵁: (هل فيها من أورق) الأورق من الإبل: الذي في لونه بياض إلى سواد. وقد قيل: إنه أطيب الإبل لحما، وليس بمحمود عندهم في عمله وسيره.
وفيه: (عرق نزعها) نزعت الشيء من مكانه، أي: قلعته، ونزعت القوس: مددتها. فقوله: (عرق نزعها) أي: قلعها ومدها من ألوان فحلها ولقاحها، ومن المثل: العرق نزاع. ونزع إلى أبيه في الشبه، أي: ذهب. والنزاع من الخيل: التي نزعت إلى أعراق. والمراد من العرق: النار والأصل، وما درس فيه من الطباع. أخذ من عرق الشجر. يقال: أعرق الرجل: إذا صار عريقا، وهو الذي له عرق في الكرم، وفلان معرق، ويقال ذلك في الكرم واللؤم جميعاً.
стр. 746
ضرب له المثل بما شاهده من لون إبله التي [٩٢/ب] تخالف الفحل واللقاح في شياتها وألوانها، وبين له من طريق القياس أن اختلاف اللون ليس من الدلائل التي يجب الحكم بها.
وفي بعض طرق هذا الحديث أن الرجل كان من بني [فزارة] وقد ذكر بعض الحفاظ أن اسمه ضمضم، واسم أبيه قتادة، وامرأته من بني عجل.
[٢٣٨٤] ومنه: حديث عائشة- ﵂: (كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه .. الحديث) عهد إليه، أي: أوصاه (أن ابن وليدة زمعة منى) أراد بالوليدة: الأمة. وكان أهل الجاهلية إذا الحديث) عهد إليه، أي: أوصاه (أن ابن وليدة زمعة منى) أراد بالوليدة: الأمة. وكان أهل الجاهلية إذا وطئ أحدهم أمة غيره، ترقب بها الحبل، فإن حبلت عقيب ذلك، زعم أن الحمل منه، فإذا وضعته ادعاه فألحق به، وكان عتبة قد صنع هذا الصنيع، فأوصى أخاه سعد بن أبي وقاص- ﵁ حين مات بمكة أن يضم إليه ابن وليدة زمعة، على أنه ابنه، فلما كان يوم فتح مكة طلب سعد أن ينتزعه من ذويه ويؤويه فألحقه بأبيه، وأقر له بالأخوة (فتساوقا) أي: ذهبا إلى رسول الله ﷺ كأن كل واحد منهما يسوق صاحبه إليه، فكم بينهما بما ينبئ عنه بقية الحديث.
ووجه الحديث ومعناه عند من لا يرى للأمة فراشا، ولا يرى أن يلحق الولد بالمولى إلا بإقرار منه، أنه لم يحكم فيه بشيء سوى اليد التي جعله بها لعبد بن زمعة ولسائر ورثته دون سعد، ولعل ذلك بحق الولاية، ولم يكن ذلك من الحكم بالنسب في شيء؛ لأنه أمر سودة بالاحتجاب منه، ولو كان المراد إثبات النسب، لم يأمرها بالاحتجاب؛ لأنه خلاف ما شرعه ﷺ .
ومعنى قوله: (الولد للفراش) على جهة التعليم والتعليل. أي: إنك تدعى أنه لأخيك عتبة، ولم يكن له فراش حتى يكون له الولد، وإذا لم يكن له فراش، فللعاهر الحجر.
وأما ما ذكر في الحديث من الشبه، فإنه من قول الراوي، حمل الأمر فيه على الشبه، ولو كان الشبه معتدا به في هذا الباب، لما قال للأعرابي الفزارى: (فلعل عرقا نزعه) فإن قيل: ففي الكتاب ويروى: (هو أخوك) قيل: إن ثبت، فالوجه فيه: إنه أخوك بإقرارك، فيشاركك في حصتك من الميراث. وإقرار الوارث في مثل هذه القضية يعتبر به في الميراث، ولا عبرة في إثبات النسب.
стр. 747
وذهب آخرون في قوله: (احتجبي منه) إلى أنه رأى الشبه، فلم يأمن أن يكون من مائه، فأجراه في التحريم مجرى النسب. ويحتمل أنه استعمل الورع في اتقاء الشبهات، وأخذ بالأحوط من الأمرين، وبني الأمر على مقتضي الغيرة. وكان ﷺ أولى الناس بتلك الخلال، وأحقهم بها [٧٣/أ] وعتبة بن أبي وقاص مات بمكة كافرا، وهو الذي كسر رباعية رسول الله ﷺ يوم أحد. وقد ذكره بعض المتأخرين من أهل الرواية في أعداد الصحابة، ولم يصب، ولم يسبق إليه، ولم يتابع عليه.
[٢٣٨٥] ومنه: حديثها الآخر: (دخل على رسول الله ﷺ وهو مسرور، فقال: أي عائشة، ألم ترى أن مجززا المدلجى ... الحديث) مجزز هذا هو القائف، من بنى مدلج. قيل: لم يكن اسمه مجززا، وإنما سمى به؛ لأنه كان إذا أخذ أجيرا جز ناصيته، فغلب عليه هذه التسمية.
وكان من أمر زيد بن حارثة وابنه أسامة أن زيدا كان أبيض اللون، وأسامة أسود، وأم أسامة أم أيمن كانت جارية حبشية الأصل، ورثها النبي ﷺ من أبيه عبد الله، فأعتقها، وكانت حاضنته، وكان أهل ذلك البيت من رسول الله ﷺ بمكان لم يشاركهم فيه أحد، وكان المنافقون يتعرضون بالطعن في نسب أسامة لسواد لونه، يبغون بذلك أذية رسول الله ﷺ فمر عليهما القائف وهما نائمان في المسجد، قد تغطيا رءوسهما، فنظر إلى أقدامهما، وهو لا يدرى من هما، ولم ير وجههما فقال قوله، فسر بذلك رسول الله ﷺ لما فيه من إشادة الحق، وغيظ أهل النفاق، واستحسن حديثه ودقة نظره في ذلك.
(ومن الحسان)
[٢٣٨٨] قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁: (ولن يدخلها الله جنته)، أي: مع من يدخلها من المحسنين، بل يؤخرها أو يعذبها ما شاء، إلا أن تكون كافرة فيجب عليها الخلود.
стр. 748
وفيه: (وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه) ذكر النظر تحقيق لسوء صنيعه، وتعظيم للذنب الذي ارتكبه؛ حيث لم يرض بالفرية حتى أماط جلباب الحياء عن وجهه.
[٢٣٨٩] ومنه: حديث ابن عباس- ﵄: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن لي امرأة لا ترد يد لامس .. الحديث) لقد غلط جمع من الناس في تأويل قول الرجل: (لا ترد يد لامس) فظنوا أنه رماها ببذل البضع لمن روادها عنه، وهذا وإن كان اللفظ يقتضيه احتمالا، فإن قوله ﷺ : (فأمسكها إذن) يأباه. ومعاذ الله أن يأذن رسول الله في إمساك من لا تماسك لها عن الفاحشة، فضلا [٧٣/أ] من يأمر به، وإنما الوجه فيه: أن الرجل شكا إليه عنهها وخرقها وتهاونها بحفظ ما في البيت، والتسرع إلى بذل ذلك لمن أراده، فلا ترد يد لامس بل تدعه حتى يأخذ حاجته من ماله.
[٢٣٩٠] ومنه حديث عبد الله بن عمرو- ﵁ أن النبي ﷺ : (قضى أن كل مستلحق استلحق بعد أبيه .. الحديث) المستلحق: بفتح الحاء- هو طلب الورثة أن يلحقوه بهم. واستلحقه، أي: ادعاه، وذلك إذا توفي الرجل عن حمل أو ولد على فراشه بملك اليمين، فلم ينتف عنه ولم يلحقه بنفسه فاستلحقه الورثة، وبقية الحديث تكشف عن المراد.
стр. 749
ومن باب العدة
(من الصحاح)
[٢٣٩٢] حديث فاطمة بنت قيس القرشية الفهرية- ﵂ أن أبا عمرو بن حفص طلقها البته ... الحديث) أرادت بالبتة: التطليقات الثلاث. وقيل: إن البتة كانت آخر تطليقة بقيت لها من الثلاث.
وفيه: (فأرسل إليها وكيله الشعير، فسخطته) سخطته، أي: استقلته. يقال: سخط عطاءه، أي: استقله، ولم يقع موقعا. وفيه: (ليس لك نفقة) على هذا النحو رواه الحجازيون. ورواه الشعبي عنها وفي روايته: (لا نفقة لك ولا سكنى) والحديث- وإن كان صحيحا- فقد روى عنها بألفاظ مختلفة المعنى. ولم ير جمع من العلماء العمل بها، ولهم في خلافه متمسك أقوى منه، فمنه حديث النخعى أن عمر- ﵁ أخبر بذلك، فقال: لسنا بتاركي آية من كتاب الله وقول رسول الله ﷺ بقول امرأة، لعلها وهمت. سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لها السكنى والنفقة) وقد أنكرت عليها عائشة- ﵂ في روايتها، فقالت: (ما لفاطمة من خير أن تذكر ذلك) وقد أنكر عليها أسامة، وقد صح أن حديثها رفع إلى عمر- ﵁ فقال: (لسنا بتاركي كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة) وذلك بمحضر من الصحابة، فلم ينكر عليه أحد. ولو كانوا يرون، أو يعلمون خلاف ذلك لم يسكتوا عنه، وكفى به حجة.
والوجه في حديثها: أنها نسيت أو أخطأ سمعها. قلت: وقد روى في هذا الحديث أنها ردت الشعير على وكيله، وذكر أنها كانت تتسلط على أحمائها وتؤذيهم بطول لسانها. وروى أنها لم تكن تلبث عند بني مخزوم، وهم رهط [٧٤/أ] زوجها. وكل ذلك يدل على بذائها ونشوزها، وإذا نشزت المرأة على زوجها وهي في حبالته لم تستحق النفقة، وذلك أكد حقا من كونها في عدته، فبالحري أن تمنع النفقة والسكنى مع العلل التي ذكرناها.
стр. 750
وفيه: (وأما أبو الجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه) قيل في معناه: إنه كثير الأسفار، لقولهم: ألقى عصاه: إذا أقام قال الشاعر:
فألقى عصاه واستقر به النوى
وقيل: إنه كناية عن كثرة ضربه النساء وهذا أولى التاويلين، لاسيما وقد ورد في بعض طرقه: (فرجل ضراب للنساء) وابو جهم هذا هو: أبو جهم بن حذيفة القرشي العدى صاحب الخميصة، ولم يعرف له سمى في الصحابة، على الصحيح.
[٢٣٩٣] ومنه: حديث عائشة- ﵄: (أن فاطمة كانت في مكان وحش ... [الحديث]) أرض وحشة وبلد وحش بالتسكين فيهما- أي: قفر يقال: لقيته بوحش إصمت، أي: ببلد قفر.
وفي حديث ابن مسعود: (أنه كان يسمى مع النبي ﷺ في الأرض وحشا) أي: وحده ليس معه غيره. وأصل الوحشة: الفرق من الخلوة. ويقال للخلوة: الوحشة، وللهم أيضا.
[٢٣٩٦] ومنه: قوله ﷺ في حديث أم سلمة- ﵂: (وقد كانت إحداكن في
стр. 751
الجاهلية ترمى بالبعرة على رأس الحول) كانت المرأة من أهل الجاهلية إذا توفي عنها زوجها دخلت بيتا صغيرا مظلما مبتذلة في شر ثيابها، معتزلة عن الطيب والكحل وما يجرى مجراهما من زينة النساء، حتى يمضي عليها حول، ثم تؤتى بدابة: حمار أو شاة أو طائر، فتفتض، أي: تكسر بها عدتها، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمى بها تشير بذلك إلى أن الذي رعته من حق زوجها بتلك العدة لا يقع في جنب ما لزمها من حقه موقع تلك البعرة.
أراد النبي ﷺ بهذا القول تعبيرهن. أي: كانت إحداكن في الجاهلية تتحمل هذه المشاق، ويعز على إحداكن في الإسلام أن تتربص بنفسها أربعة أشهر وعشرا.
[٢٣٩٨] ومنه: قوله ﷺ في حديث أم عطية- ﵂: (إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار) قوله: (نبذة) أي: قطعة على هذا فسر. والنبذ من الشيء هو اليسير منه. يقال: ذهب ماله وبقي نبذ منه. وبأرض كذا نبذ من ماء أو كلأ. وفي رأسه نبذ من شيب. وأصاب الأرض نبذ من مطر [٧٤/ب] والنون من (نبذة) إذا كانت بمعنى الناحية- تفتح وتضم وأما في هذا الحديث فلا أعرفها إلا بالفتح. والقسط، قيل: هو العود الذي يتبخر به. وقيل: هو طيب غيره. وقول أهل اللغة فيه: [إنه] من عقاقير البحر.
وفي بعض الروايات: (من كست) والقاف والكاف يبدل أحدهما من الآخر كالطاء والتاء، والأظفار، قيل: إنه جنس من الطيب، لا واحد له من لفظه. ونقل عن الأزهري أنه قال واحده ظفر. وقال غيره: الأظفار شيء من العطر أسود، والقطعة منه [شبيه] بالظفر.
стр. 752
(ومن الحسان)
[٢٤٠٠] قوله: ﷺ في حديث أم سلمة- ﵂: (إنه يشب الوجه) أي: يوقده ويلونه. من: شبت النار، إذا أوقدتها. ولعل المعنى يحسنه. يقال للجميل: إنه لمشبوب. وهذا شبوب لكذا، أي: يزيد فيه ويقويه. يقال: شعرها يشب لونها، أي: يطهره ويحسنه.
وفيه: (تغلفين به رأسك) تغلفين- مفتوحة التاء، والأصل: تتغلفين، فحذف إحدى التائين، وهو من قولك: تغلف الرجل بالغالية، وغلف بها لحيته غلفا، من قولك: غلفت القارورة، أي: جعلتها في الغلاف.
[٢٤٠١] ومنه: قوله- ﵇ في حديثها الآخر: (ولا الممشقة) أي: الحلة المصبوغة، أو الثياب المصبوغة بالمشق، مكسورة الميم، أي: الطين الأحمر، وهو المغرة.
ومن باب الاستبراء
(من الصحاح)
[٢٤٠٢] حديث أبى الدرداء- ﵁: (مر النبي ﷺ بامرأة مجح ... الحديث) المجح- بتقديم الجيم على الحاء المهملة- هي: الحامل المقرب. وأصل الإجحاح للسباع، تقول قيس لكل سبعة إذا حملت فأقربت وعظم بطنها: قد أجحت، فهي مجح.
стр. 753
ومعنى قوله: (كيف يستخدمه ... إلى تمام الحديث) أنه إذا ألم بأمته التي تملكها وهي حامل، كان تاركا للاستبراء، وقد فرض عليه، وأثار الشبهة على نفسه في ولد غيره، وإذا أتت بولد في زمان يحتمل الحمل فيه وأقر به لحق الولد به، وليس له، مع احتمال أن يكون الولد من غيره، أن يشركه في الميراث مع أولاده أو غيرهم ممن يجب له الميراث، ولا أن يوقفه موقف العبيد، لما فيه من احتمال أن يكون منه، فاستحق اللعن بتركه الاستبراء، وإتيانه ما لم يحل له [٧٥/أ] وسقيه زرع غيره، وقد نهي عنه.
стр. 754
ومن باب النفقات وحق المملوك
(من الصحاح)
[٢٤١٠] حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (إذا صنع لأحدكم خادمه طعامه، ثم جاءه وقد ولى حره ودخانه ... الحديث) (ولى) يجوز أن يكون من الولاية، أي: تولى ذلك، ويجوز أن يكون من (الولي) وهو القرب والدنو، وعلى التقديرين كناية عن مقاساته الحر والدخان في اتخاذ ذلك الطعام.
وفيه: (فإن كان الطعام كشفوها قليلا)، فسر المشفوه بالقليل من قولهم: رجل مشفوه: إذا كثر السؤال الناس إياه حتى نفذ ما عنده، وماء مشفوه: إذا كثرت الواردة عليه. وعلى قول من يفسره بالقليل، (فقليلا) بدل منه. ويحتمل أن يكون تفسيرا له، وأرى أن المراد من المشفوه- ها هنا- ما كثرت أكلته، وهو من الشفه، وأصلها شفهة. ويتضمن الحديث حينئذ أمرين، أحدهما: كثرة الأكلة. والثاني: قلة المأكول. وفيه (فليضع في يده أكلة) الهمزة منها مضمومة، وهي: اللقمة.
стр. 755
(ومن الحسان)
[٢٤١٦] حديث عبد الله عمر- ﵁: (أن رجلا أتي النبي ﷺ فقال: إني فقير وليس لي يتيم .. الحديث) أضاف اليتيم إلى نفسه لمكان ولايته عليه بالقرابة القريبة. ولهذا رخص له أن يتناول من مال يتيمه، وذلك بأنه يأكل منه قوتا مقدرا محتاطا في تقديره على وجه الحرة، أو استقراضا، على ما في ذلك من الاختلاف. وعن بعض علماء التفسير في: ﴿ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف﴾ أنه ينزل نفسه منزلة الأجير فيما لابد منه.
وكان عمر- ﵁ يقول: إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة ولى اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، وإذا أيسرت قضيت. و (المبادر) هل: الذي يبادر إلى أخذ مال اليتيم مخافة أن يبلغ فينتزع ماله من يده. (ولا متأثلا) أي: غير جامع مالا من مال اليتيم، فيتخذه أصل ماله. وقد فسر التأثل فيما قبل.
[٢٤١٧] ومنه: حديث أم سلمة- ﵂ عن النبي ﷺ (أنه كان يقول في مرضه: الصلاة، وما ملكت أيمانكم) المعنى: أحفظوا الصلاة [٧٥/ب] أو أحذركم الصلاة وما ملكت أيمانكم أن تضيعوها.
وقد ذهب بعض الناس في تأويل قوله: (وما ملكت أيمانكم) إلى أنه الزكاة. والأكثر والظهر أنه أراد به المماليك. وإنما قرنه بالصلاة ليعلم أن القيام بمقدار حاجتهم من الكسوة والطعام واجب على من ملكهم وجوب الصلاة التي لا سعة في تركها، وقد ضم بعض العلماء البهائم المستملكة في هذا الحكم إلى المماليك، وإضافة الملك إلى اليمين كإضافته إلى اليد. والاكتساب والأملاك تضاف إلى الأيدي لتصرف المالك فيها وتمكنه من تحصيها باليد، وإضافتها إلى اليمين أبلغ من إضافتها إلى اليد؛ لكون اليمين أبلغ في القوة والتصرف، وأولى بتناول ما كرم وطاب.
وأرى فيه وجها آخر، وهو: أن المماليك خصوا بالإضافة إلى الإيمان تنبيها على شرف الإنسان وكرامته، وتبيينا لفضله على سائر أنواع ما يقع عليه اسم الملك، وتمييزا له بلفظ اليمين عن جميع ما احتوته الأيدي، واشتملت عليه الأملاك.
[٢٤١٨] ومنه: حديث رافع بن مكيث- ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (حسن الملكة يمن
стр. 756
الحديث) يقال ما في ملكه شيء، ومت في ملكه شيء، أي: لا يملك شيئا. وكذلك: ما في ملكته شيء- بالتحريك، إلا أن الملكة في الغالب تختص باستعماله في المماليك. يقال: فلان حسن الملكة: إذا كان حسن الصنع إلى مماليكه.
و (اليمن): البركة. ومعنى ذلك: أن المحسن في ملكته يبارك له فيما ملك لإحسانه؛ لأن المماليك يرغبون فيه لذلك، ويحسنون خدمته، ويأثرون طاعته، وبضد منه أمر سييء الملكة.
وفيه: (ويدفع عنه ميتة السوء) الميتة- بكسر الميم-: الحالة التي يكون عليها الإنسان من موته، كالجلسة، والركبة. يقال: مات فلان ميتة حسنة، أو ميتة سيئة.
وفيه: (والبر زيادة للعمر) يحتمل أنه أراد بالزيادة البركة فيه، فإن الذي بورك له في عمره يتدارك في اليوم الواحد من فضل الله ورحمته ما لا يتداركه غيره [٧٦/أ] في السنة من سني عمره. أو أراد: أن الله جعل ما علم منه من البر سببا للزيادة في العمر، وسماه زيادة باعتبار طوله، وذلك كما جعل التداوى سببا للسلامة، والطاعة سببا لنيل الدرجات، وكل ذلك كان مقدرا كالعمر. وقد تقدم القول في هذا المعنى.
стр. 757
[٢٤٢٥] ومنه: قوله ﷺ في حديث أبى ذر- ﵁: (من لاءمكم من مملوكيكم) أي: وافقكم وصلح لكم. ولاءمت بين القوم ملاءمة: إذا أصلحت وجمعت. وإذا اتفق الشيئان فقد التأما. ومنه قولهم: هذا طعام لا يلائمنى، ولا يقل: لا يلاومنى، فإنما هو من اللوم. ولليم: الصلح والاتفاق بين الناس. وفي الحديث: (ليتزوج الرجل لمته) أي: مثله وشكله، والهاء عرض من الهمزة الذاهبة في وسطه.
стр. 758
ومن باب بلوغ الصبي وحضانته
(من الحسان)
[٢٤٢٩] قول المرأة في حديث عبد الله بن عمرو- ﵁: (وحجري له حواء) حجر الإنسان- يفتح ويكسر- والحواء- في الأصل-:جماعة بيوت من الناس مجتمعة، والجمع: الأحوية، وهى من الوبر، ويستعمل في المكان الذي يحوى الشيء، وهو المراد في الحديث.
стр. 759
ومن كتاب العتق
(من الصحاح)
[٢٤٣٣] حديث أبي ذر- ﵁: (سألت النبي ﷺ : أي العمل أفضل ... الحديث) قد ذكرنا وجه التوفيق بين هذا الحديث وبين ما يخالفه نظما وترتيبا في أفضل الأعمال، فلا حاجة بنا إلى إعادة القول فيه.
وفيه: (أو تصنع لأخرق) الأخرق: الذي لا يكون في يديه صنعة، يقال: خرق وخرق، بالضم والكسر: إذا لم يحسن العمل. وفي معناه حديث جابر: (فكرهت أن أجيئهن بخرقاء مثلهن) الخرقاء: هي التي تجهل ما يجب أن تعلمه.
(ومن الحسان)
[٢٤٣٤] قوله ﷺ في حديث البراء بن عازب- ﵁: (والمنحة الوكوف) قد ذكرنا أن (المنحة) هي: الناقة أو الشاة يمنحها صاحبها بعض المحاويج؛ لينتفع بلبنها ووبرها زمانا ثم يردها. (الوكوف) الغزيرة الدر. (والقيء على ذي الرحم الظالم) أي العطف عليه والرجوع إليه بالبر، والذي نعرفه من الإعراب في المنحة والفيء هو النصب، أي: وامنح وآثر الفيء ونحو ذلك. وإن وردت الرواية بالرفع فالتقدير: ومن ذلك المنحة والفيء أو نحو ذلك.
стр. 760
ومن باب إعتاق العبد المشترك وشراء القريب والعتق في المرض [ ٧٦/ب]
(من الصحاح)
[٢٤٣٦] حديث ابن عمر- ﵄: (أن رسول الله ﷺ قال: من أعتق شركا له في عبد .. الحديث) أراد بالشرك: نصيبه، سماه شركا للاشتراك الذي فيه ومنه حديث معاذ- ﵁ (أنه أجاز بين أهل اليمن الشرك) أي: الاشتراك في الأرض. وقد اختلف أهل العلم في حكم هذا الحديث، فمنهم من ذهب إلى أنه في الموسر خاصة دون المعسر، واستدلوا بما روى عنه في غير هذه الراوية، أن قال رسول الله ﷺ : (من اعتق شركا له في عبد، وكان له مال يبلغ ثمن العبد، قوم عليه قيمة العبد، فأعطى شركاؤه حصصهم .. الحديث).
[٢٤٣٩] ومنه: حديث أبي هريرة- ﵁: (لا يجزئ ولد والده ... الحديث) ذهب بعض
стр. 761
أصحاب الظاهر وفرقة من المتكلمين إلى أن الأب لا يعتق على الابن إذا ملكه، وقالوا: إذا صح الشرى فقد ثبت الملك. ويعتق عليه عند جمهور العلماء، ومعنى قوله: (فيعتقه) أي: يعتقه بشرائه، أضاف العتق إليه، لأن سببه وجد منه، وهو الشرى.
ويؤيد هذا التأويل حديث عبد الله عمر وسمرة- ﵄ عن النبي ﷺ : (من ملك ذا رحم محرم فهو حر) وقد ذكر الحديث في الحسان.
(ومن الحسان)
[٢٤٤٣] حديث جابر- ﵁: (بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر- ﵁ الحديث) يحتمل أن النسخ لم يبلغ العموم في عهد الرسالة، ويحتمل أن بيعهم في زمان
стр. 762
النبي ﷺ كان قبل النسخ، وهذا أولى التأويلين، وأما بيعهم في خلافة أبي بكر- ﵁ فلعل ذلك كان في فرد قضية فلم يعلم به أبو بكر- ﵁ ولا من كان عنده علم بذلك، فحسب جابر أن الناس كانوا على تجويزه، فحدث بما تقرر عنده في أول الأمر، فلما اشتهر نسخه في زمان عمر- ﵁ عاد إلى قول الجماعة، يدل عليه قوله: (فلما كان عمر نهانا عنه فانتهينا) وقوله هذا من ﵁ عاد إلى قول الجماعة، يدل عليه قوله: (فلما كان عمر نهانا عنه فانتهينا) وقوله هذا من ﵁ عاد إلى قول الجماعة، يدل عليه قوله: (فلما كان عمر نهانا عنه فانتهينا) وقوله هذا من أقوى الدلائل على بطلان بيع أمهات الأولاد؛ وذلك أن الصحابة لو لم يعلموا أن الحق مع عمر- ﵁ لم يتابعوه عليه، ولم يسكتوا عنه أيضا، ولو علموا أنه يقول ذلك عن رأى واجتهاد لجوزوا خلافه، لاسيما الفقهاء منهم، وإن وافقه بعضهم [٧٧/أ] خالفه آخرون.
ويشهد بصحة هذا التأويل حديث ابن عباس- ﵁ عن النبي ﷺ : (إذا ولدت أمة الرجل منه فهي معتقة عن دبر منه) فإن قيل: أو ليس علي- ﵁ قد خالف القائلين ببطلانه.
قيل: لم ينقل عن علي- ﵁ خلاف عند اجتماع آراء الصحابة على ما قال عمر- ﵁ ولم يصح عنه أنه قضي بجواز بيعهن أو أمر بالقضاء به، بل الذي صح عنه أنه كان مترددا في القول به، وقد سأل شريحا عن قضائه فيه أيام خلافته بالكوفة فحدثه أن يقضى فيه بما اتفق عليه الصحابة عند نهى عمر- ﵁ عن بيعهن منذ ولاه عمر- ﵁ القضاء بها. فقال لشريح: فاقض فيه بما كنت تقضي، حتى يكون للناس جماعة، فأرى فيه رأيي وأفاوض فيه علماء الصحابة.
وهذا الذي نقل عنه محمول على أن النسخ لم يبلغه، أو لم يحضر المدينة يوم فاوض عمر- ﵁ علماء الصحابة فيه.
وجملة القول أن إجماعهم في زمانه على ما حكم هو به لا يدخله النقض، بأن يرى أحدهم بعد ذلك خلافه اجتهادا، والقوم رأوا ذلك توفيقا، لاسيما ولم يقطع علي- ﵁ القول بخلافه، وإنما تردد فيه ترددا.
[٢٤٤٨] ومنه حديث أم سلمة- ﵂ قالت: رسول الله ﷺ : (إذا كان عند مكاتب إحداكن وفاء، فلتحتجب منه) هذا الحديث على هذا السياق مختصر، وقد روى من غير وجه أتم من هذا فمن ذلك.
ما رواه الزهري عن نبهان مولي أم سلمة زوج النبي-
стр. 763
- ﷺ في طريق مكة، وقد بقى من كتابته ألفا درهم، قال: فكنت أتمسك بهما كيما أدخل عليها وأراها فقالت وهي تسير: ماذا بقي عليك من كتابتك يا نبهان؟ قلت: ألفا درهم. قالت: فهما عندك؟ فقلت: نعم، قالت: ادفع ما بقى عليك من كتابك إلى محمد بن عبد الله بن أمية، فإني قد أعنته بهما في نكاحه، وعليك السلام، ثم ألقت دوني الحجاب، فبكيت وقلت: والله، لا أعطيه أبدا. قالت: إنك والله، يا بني، لن تراني أبدا، إن رسول الله ﷺ عهد إلينا أنه إذا كان عند مكاتب إحداكن وفاء بما بقي عليه من كتابه، فاضربن دونه الحجاب). روى هذا الحديث على هذا السياق أبو جعفر الطحاوي- ﵀ في كتابه الموسوم (بمشكل الآثار)، ورواه أيضا من عدة وجوه، ثم ذكر كلاما، زبد [٧٧/ب]: أن المكاتب ما بقي عليه من مال الكتابة شيء فهو في حكم العبيد؛ لقوله ﷺ : (المكاتب عبد ما بقي عليه درهم) وقد أباح الله- تعالى- للعبيد النظر إلى من تملكهم من النساء، فقال- سبحانه-: ﴿لا جناح عليهم في آبائهن﴾ إلى قوله: ﴿ولا ما ملكت أيمانهن﴾ فتأملنا فيه فصادفنا العلة الموجبة للأمر بالاحتجاب عنهم، بعد أن أبيح لهم النظر، أنه وجد تأخير الأداء بعد تمكن المكاتب عنه سببا إلى استباحة ما يحرم إليه بالأداء، وهو النظر إلى السيدة، فأمر بالاحتجاب سدا لهذا الباب. ثم إن أبا جعفر استخرج من هذا الحديث أحكاما منها: أن تأخير الأداء مع القدرة عليه يحرم على المكاتب والمكاتبة، إذا أراد بذلك إسقاط ما يجب عليهما بعد العتق من الزكاة، وكذلك المكاتبة، إذا كان قصدها أن تصلى بغير فناع، وكذلك إذا طلبت إسقاط الإحداد على زوجها المتوفى عنها، أو أحبت أن تعتد عدة الإماء، وهي في عدة الوفاة، وعدة الطلاق، فالتأخير في
سائر هذه الصور حرام عليها، إذا قصدت به استباحة ما لا يباح لها في حال العتق.
قلت: ومن تدبر الحديث وتفكر في قوله لأم سلمة، وفيما كان من أمر نبهان مولاها، علم أن هذا الحديث داخل في أعلام النبوة.
стр. 764
[باب الأيمان والنذور]
[٢٤٥٣] حديث عبد الرحمن بن سمرة- ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تحلفوا بالطواغى ولا بآبائكم) قيل: إنها جمع طاغية، وليس من الطواغيت، فلعله أراد بها من جاوز الحد في طغيانه من عظماء الكفر ورؤسائه، ويشبه أن يكون أراد بها الأوثان، على ما ورد في الحديث: طاغية دوس، وطاغية فلان، وهي مصدر جاءت على فاعلة، ومعناها الطغيان، سميت الأوثان بها؛ لأنها من أعظم ما يطغى الإنسان بها، فكأنها نفس الطغيان، حتى أن الطغيان لو قدر أن يكون شبحا لكانت الأوثان ذلك الشبح.
وفي بعض الروايات: (ولا بالطاغوت) والطاغوت: عبارة عن كل متعد وكل معبود من دون الله، ووزنه- فيما قيل- فعلوت، مثل جبروت وملكوت، وهو وإن جاء على وزن (لاهوت) فهو مقلوب؛ لأنه من طغا، و (لا هوت) غير مقلوب؛ لأنه من (لاه) وعلى هذا قيل: إنه بمنزلة (الرغبوت، والرهبوت) أصله: (طغووت) لكن قلب لام الفعل، ثم قلب الواو ألفا؛ لتحركه وانفتاح ما قبله.
وأرى أن المراد من النهى في هذا الحديث هو: النهى عن الغفلة عن محافظة اللسان [٧٨/أ] فيجرى عليه ما قد تعوده زمان الجاهلية، فإن القوم كانوا قبل أن أنعم الله عليهم بالإسلام يحلفون بالطواغى، وقد نشأوا على ذلك، وجرت بذلك ألسنتهم، فلم يؤمن عليهم زلة اللسان، فنبهوا على التيقظ في محاوراتهم؛ لئلا ينتهز عنهم الشيطان فرصة. هذا وجه الحديث، ومعاذ الله أن يظن بهم أنهم [كانوا] يتسامحون نفسه ويقاولون به حتى نهوا عنه، فإن ذلك مما لا يظن بأقل المسلمين علما، وأسخفهم رأيا، فكيف بالقرن الذين هم أصدق القرون إيمانا، وأخلصهم طاعة، وأرضاهم سريرة وعلانية.
ومما يبين صحة ما ذهبنا إليه حديث سعد بن أبى وقاص- ﵁ أنه قال: (حلفت باللات والعزى، وكان العهد حديثا، فأتيت النبي ﷺ فقلت: (إني حلفت باللات والعزى، وكان العهد حديثا، فقال: قلت هجرا، اتفل عن يسارك ثلاثا، وقل: لا إله إلا الله وحده، واستغفر الله- ولا تعد) قوله: (لا تعد) حث على التيقظ وملازمة الحزم، على ما ذكرنا.
وأما النهى عن الخلف بالآباء، فإنهم كانوا يحلفون بآبائهم، لا يرون به بأسا، حتى نهوا عنه. وقد ذهب فيه بعض العلماء إلى النسخ؛ طلبا للتوفيق بين ما نقل فيه عن النبي ﷺ وعن الصحابة، وبين النهى الوارد فيه، ولا أراها إلا زلة من عالم، فإن النسخ إنما يتأتى فيما كان في الأصل جائزا. وروى عن ابن عمر- ﵄ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ : (من حلف بغير الله فقد أشرك) وكل ما
стр. 765
كان راجعًا إلى إخلاص الدين وتنزيه التوحيد عن شوائب الشرك الخفيّ، فإنّه مأمور به في جميع الأديان القويمة، وسائر القرون الخالية، وإنما الوجه فيه - والله أعلم - أن نقول: قد روى عن النبي ﷺ في حديث طلحة بن عُبيد الله ﵁: (جاء رجلٌ
من أهل نجد ثائر الرأس إلى رسول الله ﷺ ...) الحديث (أفلح وأبيه إن صدق) وفي حديث فجيع العامريّ: (ذاك وأبى الجوع) وفي حديث أبي هريرة (لتنبّأنّه وأبيك) للرجل الذي سأله: (أي الصدقة خير).
أما قوله - في حديث طلحة -: (أفلح وأبيه) فقد زعم بعضهم أنّه تصحيف (والله) ونحن نرويه عن كتاب مسلم: (أفلح وأبيه) وعلى هذا فإنه ليس بحلفٍ، فإنّه ﷺ لم يكن ليحاف بغير الله، وقد أخبر أنّه شرك، وإنما هو تدعيم للكلام وصلة له، وهذا النوع [٧٨/ب] وإنْ كان موضوعا في الأصل لتعظيم المحلوف به - فإنمهم قد اتّسعوا فيه، حتى كانوا يُدَعمون به الكلام ويُوصِلونه، وهذا النوع لا يُراد به القسم. ومنه قول ابن ميّادة:
أظنّت سفاهًا من سفاهة رأيها .... لهجوها، لا هجتني محاربُ
فلا وأبيها، إننيّ بعشيرتي .... ونفسي عن ذاك المقام لراغبُ.
فهذا وجه قوله: (أفلح وأبيه) إنّ صحّ وسلم من اختلاف الروايات، وكذلك في حديثي أبي هريرة ﵁ وفجيع، إن ثبتا.
وأمّا غير النبي ﷺ ممن جمعه زمان النبوة؛ فإنّ بعضهم كانوا يحلفون بآبائهم؛ تعظيمًا لهم، وبعضهم عادة، وبعضهم عصبيَّة، وبعضهم للتوكيد، وقد أحاط بسائرها دائرة للنهيّ، وإن كان بعضها أهونّ من بعضٍ؛ لئلا يلتبس الحقّ بالباطل، ولا يكون مع الله محلوفٌ به، والنبي ﷺ وإن امتاز عن غيره بالعصمة عن التلفّظ بما يكاد أن يكون قادحا في صرف التوحيد، ولا يُشبه حاله في ذلك حال غيره، فالظاهر أنّ اتساعه في استعمال هذا اللفظ، قد كان قبل النهي ولم يعدْ إليه بعده؛ كيلا يقتدي به من لا يهتدي إلى صرف الكلام.
[٢٤٥٥] ومنه: قوله ﷺ في حديث ثابت بن الضحاك الأنصاري الخزرجي ﵁: (مَن لعن مؤمنا فهو كقتله، ومَن قَذف مؤمنا بكفر فهو كقتله) ليس معنى قوله: (إنّه كقتلهِ) من سائر الوجوه، بل من وجهٍ دون وجهٍ، وهو أن الله - تعالى - كما حرّم قتل المؤمن، حرّم لعنه وقَذفه بالكفر، فهما في التحريم كقتله، إلاّ أن يكون مستحلا، فيستوي الأمر في سائرها.
стр. 766
[٢٤٥٥] ومنه: حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنّه قال: (والله، لأن يلج أحدُكم بيمينه في أهله - الحديث) لجِجت - بالكسر - أَلَجُّ - بالفتح، من اللج، واللجاجة، ولَجَجت - بالفتح، ألجُّ - بالكسر لغةٌ فيه. أراد به الرجل يحلف على الشيء أن لا يفعله، وقصدُه فيه اللجُّ مع أهله، فإذا سئل أن يفعل تعلّل باليمين، والحديث يقرب في المعنى من قوله - سبحانه -: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس﴾ وقوله: (آثم) أي: هو بصنيعه ذلك آثمُ منه، أن لو فعل المحلوف عليه وأعطى الكفارة، ولم يُرد بذلك أن في تكفير تلك اليمين إثمًا، حتى يكون في تركه أشدّ وآكد؛ لأن الشرع ورد بتكفير اليمين في تلك الصورة من غير حرج.
ولكنّه أخرج الكلام مخرج المعارضة فيما يدّعيه من السبرّ، في التعلّل [٧٩/أ] باليمين عند اللجاجة، فكأنّه قال: إن كان يرى في تلك اللجاجة وتكفير اليمين إثما، فهو فيما آتخذه ذريعة إلى الامتناع عن فعل ما هو أسلم وأ [ر له، أشدّ وزرًا وأكثر إثما. ونقل عن بعضهم في تفسيره، أنه قال: استحل فلانٌ متاع فلان وتلجَّجَه: إذا ادّعاه، فذهب في معنى اللج إلى ادّعاء البِرّ. وقد قيل فيه غير ذلك. والوجه فيه ما قدّمنا.
ومنه قوله ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة: (وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها، فكفر عن يمينك.
[٢٤٦٠] ومنه: حديثهُ الآخر، عن النبي ﷺ : (يمينك على ما يصدّقك عليه صاحبُك).
المراد منه: اليمين الواجبة في الدعوى الذي يدّعيه من تسعه دعواه على من لا يسعه الجحود، فلا يحلّ له أن يورى فيها، بل يأتي بها في الظاهر على النعت الذي هي عليه في الباطن، وإذا لم يكن المدَّعِى محقاً فالمدَّعَى عليه في سعة من ذلك.
стр. 767
وقد أشار الشيخ أبو جعفر الطحاوي في كتاب مشكل الآثار إلى نحو هذا المعنى، واستدلّ عليه بحديث سُويد بن حنظلة أنّه قال: "خرجنا نريد رسول الله ﷺ ومعنا وائل بن حُجر الضرميّ، فأخذه عدوّ له، فتحرّج القوم أن يحلفوا وحلفت أنّه أخى، فخلّوا سبيله، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فقال: (صدقت المسلم أخو المسلم).
(ومن الحسان).
[٢٤٦٥] حديث بريدة الأسلمي ﵁ عن النبي ﷺ (مَن حلف بالأمانة فليس منّا) أي: ليس ممن ينضوي إلينا، ولا من ذوى الأسوة بنا لمخالفته هدينا. قيل: إنما كره ذلك؛ لأنه غير داخل
стр. 768
في أسماء الله وصفاته، فلم ير أن يحلف به. ويحتمل أن يكون الحلف بالأمانة من مبتدعات أهل الكتاب، فكرهه، مع ما فيه من العدول في الحلف عن أسماء الله وصفاته، فنفى الحالف عن نفسه بالتبرّى عنه، هذا إذا حلف بالأمانة، أمَّا إذا حلف بأمانة الله، فقد اختلف فيه أقاويل العلماء، والمشهور عن أبي حنيفة - رحمة الله عليه - أنّ يمينه ينعقد، فجعل أمانة الله من أقسام الصفات؛ لأن من أسماء الله الأمين، وأحلّها محل الإرادة من المريد، والقدرة من القدير، ويحتمل أن يقال: إنّه في معنى كلمة الله، على ما يذهب إليه غير واحد من علماء التفسير في تأويل قوله - سبحانه -: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال﴾ فقالوا الأمانة: كلمة التوحيد، ولا مخالفة بين قول من يجعل الحلف بأمانة الله [٧٩/ب] يمينا، وبين ما ورد فيه الحديث، فإن النهي ورد في الحلف بالأمانة، لا بأمانة الله، وقد روى عن أبي يوسف خلافهُ.
واختيار الطحاوي: أن اليمين لا تنعقد بأمانة الله، سواء نوى اليمين أو لم ينو.
стр. 769
ومن الفصل الذي في النذر
(من الصحاح)
[٢٤٧٤] حديث: ابن عباس ﵁: "بينا النبي ﷺ يخطب: إذ هو برجلٍ قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد ... الحديث) الظاهر أن قول الراوي: فسأل عنه، أي: فسأل عن علّة انتصابه قائما، ولم يُرد به السؤال عن اسمه حتى يعلم مَن الرجلُ، فإن أبا إسرائيل هذا رجلٌ من قريش من بني عامر بن لؤيّ، فاشتبه على السامعين، فلم يدروا عن أيّ الأمرين يسأل؟ فأخبروه بهما جميعا.
والنذر: أن توجب على نفسك ما ليس بواجب، وحكمه حكم اليمين عند كثير من العلماء، فإن استطاع الناذر أن يفي به، ولم يكن مما نُهي عنه، فعليه الوفاء به، وإن كان غير ذلك، فالكفّارة كما في اليمين، وحجّتهم فيما ذهبوا إليه، حديث عقبة بن عامر عن النبي ﵇: (كفّارة النذر كفّارة اليمين) وحديث عائشة الذي في أول الحسان من هذا الباب، قال رسول الله ﷺ : (لا نذر في معصيةٍ، وكفارته كفارة اليمين) وحديث ابن عباس الذي يتلوه، أن النبي ﷺ قال: (من نذر نذرا لم يسمّه - الحديث) فإن قيل: فإن أبا إسرائيل نذر أن لا يقعد ولا يستظلّ، وذلك مما لا يستطاع، وأن لا يتكلّم، وذلك مّما نهى عنه، ثم إن النبي ﷺ أمره بأن يترك ذلك، ولم يأمره بالكفارة، قيل: يحتمل أنّه لم يأمره بها؛ لأنّه أسمعهم ذلك غير مرَّة، على ما ذكر في الأحاديث التي ذكرناها. ويحتمل أنّه أمره بها ولم ينقل إلينا، هذا وجه هذا الحديث، لم يقع التضادّ بينه وبين الأحاديث التي وردت في وجوب الكفارة.
[٢٤٧٥] ومنه: قول أنس ﵁ في حديثه: "يُهادي بين ابنيه" قال: جاء فلان يُهادى بين اثنين: إذا كان يمشي بينهما معتمدا عليهما من ضعف به، وقد ذكرناه.
[٢٤٧٧] ومنه: قول كعب بن مالك ﵁ في حديثه: (يا رسول الله، إنّ من توبتي أن أنخلع من مالي) أي: من تمام توبتي أن أصير منخلِعًا من مالي فأخرجه صدقة في سبيل الله.
стр. 770
وقد وجد المتخبِّطين في كتاب المصابيح، بل في الجامع الصحيح للبخاري يروونه (أتخلّع) من التخلع، وإنّما [٨٠/أ] الصواب فيه روايةً ولغةً (أنخلع) من الانخلاع.
(ومن الحسان)
[٢٤٨٠] حديث ثابت بن الضّحاك الأنصايّ ﵁ "أتى رجلٌ النبي ﷺ فقال: إنّي نذرت أن أنحر إبلا ببُوانة) بُوانة - بالضم - اسم موضع، قال وصَّاح اليمن:
أيا نخلَتَي وادِي بُوانَةَ حبَّذا .... إذا نام [أحرسُ] النخيل جَناكُما
وقد جاء في الشعر محذوفة الهاء، قال الشاعر:
ماذا تذكرت من الأظعانِ .... طوالعا من نحو ذى بُوانِ
[٢٤٨١] ومنه: حديث عبد الله بن عَمرو ﵁: "آن امرأة قالت: يا رسول الله، إني نذرت
стр. 771
أن أضرب على رأسك بالدّفّ ... الحديث) إنما قال لها: (أوفى بنذرِك)؛ لأن ذاك لم يكن من قبيل اللهو واللعب المنهى عنه، بل صار ذلك نوعا من أنواع البرّ بالقصد الصحيح، وهو: إظهار السرور، بمرجع النبي ﷺ مصحوبَ السلامة والظفر على أعداء الدين. وإذا أبيح ذلك لإعلان السكاح؛ ي يخالف صيغته صيغة السفاح الذي لم يزل الناس يغشونه في السرّ والخفاء، فلأن يباح في إعلاء كلمة الله العليا، وإعزاز الداعي إليها أحقّ وأولى.
[٢٤٨٦] ومنه ما رواه سعيد بن المسيب ﵁: (فكل مالي في رتاج الكعبة): الرتاجد والرتجُ - بالتحريك - الباب العظيم، ويقال: الرتاج الباب المغلق وعليه باب صغير. والمراد من قوله (في رتاج الكعبة) أي: مالي لها ويحتمل أنهم استعملوا فيه الرتاج؛ لأن أحدهم كان إذا جعل ماله للكعبة فسلّمه لها، وضعه في جوف الكعبة حيث كان كنزلها ثم أغلق.
стр. 772
من كتاب القصاص
(من الصحاح)
[٢٤٩١] حديث المقداد بن الأسود ﵁ أنه قال: (يا رسول الله أرأيت إن لقيتُ رجلا من الكفار .. الحديث) الحديث المشكل من هذا الحديث ما توهَم أنه سوّى بين الكافر وبين قاتل النفس المسلمة، بقوله: (فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله - إلى تمام الحديث) وقد عرفنا من أصول الدين أن التسوية بينهما من سائر الوجوه غير جائز، فعقلنا بذلك تأويل الحديث، وهو: أن نقول: المسئول عنه كان قبل قوله: (أسلمت لله) مباح الدم بالكفر، ويصير بعد قوله ذلك محقون الدم بالإيمان، فيصير قائله بعدما قال لأفقاله] مباح الدم بالقصاص، فيصير هو بمنزلتك في حقن الدم بالإسلام، وتصير أنت بمنزلته قبل الكلمة في إباحة الدم، فالتسوية واقعة بين الأمرين من جهة إباحة الدمين، لا من جهة الجنايتين.
[٢٤٩٢] ومنه حديث أسامة بن زيد ﵁ قال: (بعثنا رسول الله ﷺ إلى ناس من جهينة
стр. 773
فأتيت على رجل منهم .... الحديث). [اسم الرجل على الصحيح] واختلف في اسم أبيه فذكر الفقيه أبو عمر بن عبد البر الحافظ النمري أنه مرداس بن نهيك الفزاري، وذكر الحافظ أبو الفضل بن طاهر المقدسي في كتاب (إيضاح الإشكال) أنه مرداس بن عمرو الفدكي وقد تبين له من القولين أنه لم يكن جُهنيا وإنما كان دخيلاً فيهم غريباً بأرضهم فحسبُوه من جملتهم؛ لأنهم وجدوه في بلاد جهينة وكان يرعى غنماً له فلما قال: لا إله إلا الله، رأوا أنه يقول ذلك تعوذَا، ولم يكن يبلغهم في ذلك نص فقتله أسامة على أنه مباح الدم والخطأ موضوع عن المجتهد ولهذا لم يلزمه الدية. ومذهب جمع من العلماء أن الرجل بقوله لا إله إلا الله لم يكن محكومًا بإسلامه حتى يضم إليه محمد رسول الله، وإنما وجب الإمساك عنه حتى يعرف حاله، فتوجه النكير على أسامة لتركه التوقف في أمره حتى يستبين له الحق.
[٢٤٩٣] ومنه حديث أبي هريرة ﵁ (قال رسول الله ﷺ : من قتل مُعاهدا لم يرح رائحة الجنة .. الحديث) المعاهد: اتلذميّ وقوله: (لم يرح) يروى على ثلاثة أوجُه: لم يرح [بفتح الراء] من رِحت الشيء أراحُه: إذا وجدتَ ريحه. ولم يرح - بكسر الراء - من رَحتُ الشيء أربحه. ولم يُرح - بضم الياء وكسر الراء - من أرحت الشيء أريحه أي لا يجد رائحة الجنة. وقد بينا وجه ذلك في كتاب العلم من أول هذا الكتاب.
[٢٤٩٤] ومنه حديثه الآخر بعن النبي ﷺ (من تردى من جبل فقتل نفسه. الحديث) التردّى إذا أسند إلى الإنسان فمعناه التعرض للهلاك والمراد منه ها هنا أن يتهور الإنسان فيرمي نفسه من جبل (يجأ بها بطنه) وجأته بالسكين أي: ضربته به.
قلت: لما كان الإنسان بصدد أن يحمله الضجر والحنق والضغب على إتلاف نفسه ويسول له الشيطان أن الخطب فيه يسير وهو أهون من قتل نفس أخرى حرم قتلها عليه وإذا لم يكن لصنيعه مُطالب من قبل
стр. 774
الخلق فالله يغفر له، أعلم النبي ﷺ المكلفين أنهم مسئولون عن ذلك يوم القيامة ومعذبون به عذابًا شديدًا وأن ذلك في التحريم كقتل سائر النفوس المحرمة وقوله (خالدًا مخلداً فيها) محمول على من يفعل ذلك مستبيحًا له، فيصير باستباحته مستوجبًا للخلود، هذا وجه الحديث كيلا يخالف الأحاديث الصحاح التي وردت في خروج من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله من النار وإن عمل الكبائر، لا سيَّما [٨١/ أ] وقد ثبت التواتر في جنسها وأيّد معناها بالآية من كتاب الله تعالى قال الله سبحانه: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾.
فإن قيل: كيف يستقيم لك هذا التأويل وقد خصصت حكم الخلود بالمستبيح ثم تقول: إن غير المستبيح أيضا مسئول عنه معذب به، والحديث لم يفرق بين المستبيح وغيره، وإنما سلك بالكل مسلكا [واحدا؟] قلنا: قد عرفنا حكم الخلود من قول الشارع مبينا في غير هذا الحديث فرددنا المجمل منه إلى المفصل في غيره فإن قيل [فلم يأت به في] هذا الحديث على الوجه الذي تدعيه في غيره؟ قلنا: أبهمه إبهامًا إيفاء لوظيفة الخوف على أصحاب النفوس المتمردة فإنه على تلك الصيغة أبلغ في الوعيد وأمثل في الزجر، فيرتدع به الغاوى، ولا يشتبه على الخبير، لما انتهى إليه من الواضح الجلى. فإن قيل: فما قولكم في الحديث الذي يتلوه رواية جندب بن عبد الله البجلي عن النبي ﷺ (كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح ... الحديث) قلنا: يحتمل أنه مستبيحًا فلا تضادّ فيه إذًا، ويحتمل أنه لم يكن مستبيحًا فحرم عليه الجنة في أول الأمر حتى يذيقه وبال أمره بإدخاله النار ثم ينجيه منها بفضله ورحمته.
[٢٤٩٧] ومنه حديث جابر ﵁ (أن الطفيل بن عمرو الدَّوْسي لما هاجر .. الحديث) قلت: هذا الحديث وإن كان فيه ذكر رؤيا أريها الصحابي للاعتبار بما يؤول إليه تعبيره فإِنَّ قول النبي ﷺ : (اللهم وليديه فاغفر) من جملة ما ذكرنا من الأحاديث الدالة على أن الخلود غير واقع في حق من أتى بالشهادتين وإن قتل نفسه؛ لأن نبي الله صلى الله عليه دعا للجاني على نفسه بالمغفرة، ولا يجوز في حقه أن يستغفر لمن وجب عليه الخلود، بعد أن نهى عنه مع ما يدل على كونه صحيح الحال في قصة الرؤيا من ذكر الهيئة الحسنة. وفي الحديث من الألفاظ المفتقرة إلى التفسير: (المشاقص) جمع مشقص، وهو من النصال: ما طال وعرُض (والبراجم) وهي مفاصل الأصابع بين الرواجب والأشاجع فالتي تلي الأنامل هي الرواجب ثم البراجم ثم الأشاجع وهي التي تلي الكف وقوله: (فخشيت يداه) أي سألت دما. والأصل فيه: الخشب،، وهو ما خرج من تحت يد الحالب عند كل غمزة.
стр. 775
[٢٤٩٨] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي شريح الكعبي ﵁: (فأهله بين خيرتين إن أحبُّوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل).
الخيرة - بكسر الخاء [٨١/ب] وفتح الياء - الاسم من الاختيار. والعقل: الدية. قيل باعتبار عقل البعير، وقيل: عقلت القتيل أي: أعطيت ديَّته. والأصل فيه أن يعقل الإبل بفاء وليّ الدم. وقيل: لأنّه يعقل الدم أن يُسْفك.
يستدل بهذا الحديث من يرى أن كل واحد من القصاص والدية يجب لولي الدم في العمد على جهة التخيير. والذي يرى أن الواجب له القصاص لا غير فإنه يأول الحديث على أنه بين خيرتين: القصاص أالدية إن بذلت له. والوجوه التي تلجئهم إلى هذا التأويل مثبتة في كتبهم، ونحن لو استقصينا في إيراد ذلك وأمثاله أخرجنا به الكتاب عن قاعدة كتب الحديث، مع ما يتضمن ذلك من الإسهاب الممل.
[٢٤٩٩] ومنه حديث أنس ﵁ (أن يهوديًا رضَّ رأس جارية بين حجرتين .. الحديث) أكثر العلماء على أن المماثلة في صيغة القتل ليست بشرط وإنما رضَّ رأس اليهودي، لأنه صار في حكم قاطع الطريق بما أخذ منها من الأوضاح ثم إنه نقض العهد ففعل به ما فعل نظرا إلى ما فيه من المصالح وقد قيل يحتمل أنه كان قبل نسخ المثلة والله أعلم بصحة ذلك.
следующие страницы →