← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18569

الميسر في شرح مصابيح السنة للتوربشتي

التوربشتي

Полный текст (1 323 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

أن أضرب على رأسك بالدّفّ ... الحديث) إنما قال لها: (أوفى بنذرِك)؛ لأن ذاك لم يكن من قبيل اللهو واللعب المنهى عنه، بل صار ذلك نوعا من أنواع البرّ بالقصد الصحيح، وهو: إظهار السرور، بمرجع النبي ﷺ مصحوبَ السلامة والظفر على أعداء الدين. وإذا أبيح ذلك لإعلان السكاح؛ ي يخالف صيغته صيغة السفاح الذي لم يزل الناس يغشونه في السرّ والخفاء، فلأن يباح في إعلاء كلمة الله العليا، وإعزاز الداعي إليها أحقّ وأولى. [٢٤٨٦] ومنه ما رواه سعيد بن المسيب ﵁: (فكل مالي في رتاج الكعبة): الرتاجد والرتجُ - بالتحريك - الباب العظيم، ويقال: الرتاج الباب المغلق وعليه باب صغير. والمراد من قوله (في رتاج الكعبة) أي: مالي لها ويحتمل أنهم استعملوا فيه الرتاج؛ لأن أحدهم كان إذا جعل ماله للكعبة فسلّمه لها، وضعه في جوف الكعبة حيث كان كنزلها ثم أغلق.

стр. 772

من كتاب القصاص (من الصحاح) [٢٤٩١] حديث المقداد بن الأسود ﵁ أنه قال: (يا رسول الله أرأيت إن لقيتُ رجلا من الكفار .. الحديث) الحديث المشكل من هذا الحديث ما توهَم أنه سوّى بين الكافر وبين قاتل النفس المسلمة، بقوله: (فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله - إلى تمام الحديث) وقد عرفنا من أصول الدين أن التسوية بينهما من سائر الوجوه غير جائز، فعقلنا بذلك تأويل الحديث، وهو: أن نقول: المسئول عنه كان قبل قوله: (أسلمت لله) مباح الدم بالكفر، ويصير بعد قوله ذلك محقون الدم بالإيمان، فيصير قائله بعدما قال لأفقاله] مباح الدم بالقصاص، فيصير هو بمنزلتك في حقن الدم بالإسلام، وتصير أنت بمنزلته قبل الكلمة في إباحة الدم، فالتسوية واقعة بين الأمرين من جهة إباحة الدمين، لا من جهة الجنايتين. [٢٤٩٢] ومنه حديث أسامة بن زيد ﵁ قال: (بعثنا رسول الله ﷺ إلى ناس من جهينة

стр. 773

فأتيت على رجل منهم .... الحديث). [اسم الرجل على الصحيح] واختلف في اسم أبيه فذكر الفقيه أبو عمر بن عبد البر الحافظ النمري أنه مرداس بن نهيك الفزاري، وذكر الحافظ أبو الفضل بن طاهر المقدسي في كتاب (إيضاح الإشكال) أنه مرداس بن عمرو الفدكي وقد تبين له من القولين أنه لم يكن جُهنيا وإنما كان دخيلاً فيهم غريباً بأرضهم فحسبُوه من جملتهم؛ لأنهم وجدوه في بلاد جهينة وكان يرعى غنماً له فلما قال: لا إله إلا الله، رأوا أنه يقول ذلك تعوذَا، ولم يكن يبلغهم في ذلك نص فقتله أسامة على أنه مباح الدم والخطأ موضوع عن المجتهد ولهذا لم يلزمه الدية. ومذهب جمع من العلماء أن الرجل بقوله لا إله إلا الله لم يكن محكومًا بإسلامه حتى يضم إليه محمد رسول الله، وإنما وجب الإمساك عنه حتى يعرف حاله، فتوجه النكير على أسامة لتركه التوقف في أمره حتى يستبين له الحق. [٢٤٩٣] ومنه حديث أبي هريرة ﵁ (قال رسول الله ﷺ : من قتل مُعاهدا لم يرح رائحة الجنة .. الحديث) المعاهد: اتلذميّ وقوله: (لم يرح) يروى على ثلاثة أوجُه: لم يرح [بفتح الراء] من رِحت الشيء أراحُه: إذا وجدتَ ريحه. ولم يرح - بكسر الراء - من رَحتُ الشيء أربحه. ولم يُرح - بضم الياء وكسر الراء - من أرحت الشيء أريحه أي لا يجد رائحة الجنة. وقد بينا وجه ذلك في كتاب العلم من أول هذا الكتاب. [٢٤٩٤] ومنه حديثه الآخر بعن النبي ﷺ (من تردى من جبل فقتل نفسه. الحديث) التردّى إذا أسند إلى الإنسان فمعناه التعرض للهلاك والمراد منه ها هنا أن يتهور الإنسان فيرمي نفسه من جبل (يجأ بها بطنه) وجأته بالسكين أي: ضربته به. قلت: لما كان الإنسان بصدد أن يحمله الضجر والحنق والضغب على إتلاف نفسه ويسول له الشيطان أن الخطب فيه يسير وهو أهون من قتل نفس أخرى حرم قتلها عليه وإذا لم يكن لصنيعه مُطالب من قبل

стр. 774

الخلق فالله يغفر له، أعلم النبي ﷺ المكلفين أنهم مسئولون عن ذلك يوم القيامة ومعذبون به عذابًا شديدًا وأن ذلك في التحريم كقتل سائر النفوس المحرمة وقوله (خالدًا مخلداً فيها) محمول على من يفعل ذلك مستبيحًا له، فيصير باستباحته مستوجبًا للخلود، هذا وجه الحديث كيلا يخالف الأحاديث الصحاح التي وردت في خروج من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله من النار وإن عمل الكبائر، لا سيَّما [٨١/ أ] وقد ثبت التواتر في جنسها وأيّد معناها بالآية من كتاب الله تعالى قال الله سبحانه: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. فإن قيل: كيف يستقيم لك هذا التأويل وقد خصصت حكم الخلود بالمستبيح ثم تقول: إن غير المستبيح أيضا مسئول عنه معذب به، والحديث لم يفرق بين المستبيح وغيره، وإنما سلك بالكل مسلكا [واحدا؟] قلنا: قد عرفنا حكم الخلود من قول الشارع مبينا في غير هذا الحديث فرددنا المجمل منه إلى المفصل في غيره فإن قيل [فلم يأت به في] هذا الحديث على الوجه الذي تدعيه في غيره؟ قلنا: أبهمه إبهامًا إيفاء لوظيفة الخوف على أصحاب النفوس المتمردة فإنه على تلك الصيغة أبلغ في الوعيد وأمثل في الزجر، فيرتدع به الغاوى، ولا يشتبه على الخبير، لما انتهى إليه من الواضح الجلى. فإن قيل: فما قولكم في الحديث الذي يتلوه رواية جندب بن عبد الله البجلي عن النبي ﷺ (كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح ... الحديث) قلنا: يحتمل أنه مستبيحًا فلا تضادّ فيه إذًا، ويحتمل أنه لم يكن مستبيحًا فحرم عليه الجنة في أول الأمر حتى يذيقه وبال أمره بإدخاله النار ثم ينجيه منها بفضله ورحمته. [٢٤٩٧] ومنه حديث جابر ﵁ (أن الطفيل بن عمرو الدَّوْسي لما هاجر .. الحديث) قلت: هذا الحديث وإن كان فيه ذكر رؤيا أريها الصحابي للاعتبار بما يؤول إليه تعبيره فإِنَّ قول النبي ﷺ : (اللهم وليديه فاغفر) من جملة ما ذكرنا من الأحاديث الدالة على أن الخلود غير واقع في حق من أتى بالشهادتين وإن قتل نفسه؛ لأن نبي الله صلى الله عليه دعا للجاني على نفسه بالمغفرة، ولا يجوز في حقه أن يستغفر لمن وجب عليه الخلود، بعد أن نهى عنه مع ما يدل على كونه صحيح الحال في قصة الرؤيا من ذكر الهيئة الحسنة. وفي الحديث من الألفاظ المفتقرة إلى التفسير: (المشاقص) جمع مشقص، وهو من النصال: ما طال وعرُض (والبراجم) وهي مفاصل الأصابع بين الرواجب والأشاجع فالتي تلي الأنامل هي الرواجب ثم البراجم ثم الأشاجع وهي التي تلي الكف وقوله: (فخشيت يداه) أي سألت دما. والأصل فيه: الخشب،، وهو ما خرج من تحت يد الحالب عند كل غمزة.

стр. 775

[٢٤٩٨] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي شريح الكعبي ﵁: (فأهله بين خيرتين إن أحبُّوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل). الخيرة - بكسر الخاء [٨١/ب] وفتح الياء - الاسم من الاختيار. والعقل: الدية. قيل باعتبار عقل البعير، وقيل: عقلت القتيل أي: أعطيت ديَّته. والأصل فيه أن يعقل الإبل بفاء وليّ الدم. وقيل: لأنّه يعقل الدم أن يُسْفك. يستدل بهذا الحديث من يرى أن كل واحد من القصاص والدية يجب لولي الدم في العمد على جهة التخيير. والذي يرى أن الواجب له القصاص لا غير فإنه يأول الحديث على أنه بين خيرتين: القصاص أالدية إن بذلت له. والوجوه التي تلجئهم إلى هذا التأويل مثبتة في كتبهم، ونحن لو استقصينا في إيراد ذلك وأمثاله أخرجنا به الكتاب عن قاعدة كتب الحديث، مع ما يتضمن ذلك من الإسهاب الممل. [٢٤٩٩] ومنه حديث أنس ﵁ (أن يهوديًا رضَّ رأس جارية بين حجرتين .. الحديث) أكثر العلماء على أن المماثلة في صيغة القتل ليست بشرط وإنما رضَّ رأس اليهودي، لأنه صار في حكم قاطع الطريق بما أخذ منها من الأوضاح ثم إنه نقض العهد ففعل به ما فعل نظرا إلى ما فيه من المصالح وقد قيل يحتمل أنه كان قبل نسخ المثلة والله أعلم بصحة ذلك.

стр. 776

[٢٥٠١] ومنه حديث علي ﵁ (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة) فلق الحبة أي: شقها فأخرج منه النبات الغَضَ وبرأ النسمة فلق الحبة أي خلقها والنسمة النفسُ وكل دابة فيها روح فهي نسمة يشير بذلك إلى أن المخلوق به سبحانه هو الذي فطر الرزق وخلق المرزوق وكذلك كان يحلف إذا اجتهد في يمينه وإنما سأله الراوي أبو جحيفة عن ذلك؛ لأن شيعته يومئذ كانوا يزعمون ويتوهمون أن النبي ﷺ خص أهل بيته لاسيما عليا ﵁ من علم الوحي بما لم يفض به إلى غيره، فحلف حلقه أن ليس عنده من ذلك سوى القرآن ثم استثنى استثناء أراد به استدراك معنى اشتبه عليهم معرفته فقال: (إلا فهماً يُعطي رجل في كتابه) والمعنى أن التفاوت في العلوم لم يوجد من قبل البلاغ وإنما وقع من قبل الفهم ثم قرن بذلك ما في الصحيفة احتياطًا في يمينه، وحذرا من أن يكون ما في الصحيفة عند غيره، ويحتمل أنه تفردّ بسماع ما فيها وكانت تلك الصحيفة في علاقة سيفه، فإن في غير هذه الرواية: (والله، ما خصّنا رسول الله ﷺ بشيء دون الناس، إلا فهما يعطي رجل في كتابه) والاستثناء منقطع، ثم استدرك وقال (وما في الصحيفة) صحيفة كانت في علاقة سيفه. قلت: وقد تبين لنا من غير هذه الرواية أن ما في الصحيفة لم يكن مقصورا على ما في هذا الحديث

стр. 777

ومما يدل عليه قوله حين سئل عمّا في الصحيفة (لإقال: لعن الله من غيّر منار الأرض، لعن الله من تولى غير مواليه) فيحتمل أنه حدث بجميع ما فيها فلم يحفظه الراوي أو حدّث بها في مجالس شتى، ويحتمل أن قد كان فيها غير ذلك فاقتصر على ذكر البعض أو لم يحضره ساعتئذ [٨٢/أ] ما في الصحيفة بأجمعه. وأراد بالعقل: أسنان ما يؤدى في الدية وعددها. (ومن الحسان) [٢٥٠٣] قوله ﷺ في حديث أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ (إلا كبهم الله في النار) كبّة لوجهه أي صرعه فأكب هو وهذا من النوادر أن يقال: (أفعلت أنا وفعلت غيري ولم يوجد فيه خلاف عن أهل اللغة فالصواب كبَّهم والذي رووه في هذا الحديث لا يكون إلا سهوًا من بعض الرواة والمؤلف أتى به على ما وجَده في كتاب أبي عيسى. [٢٥٠٦] ومنه حديث أبي الدرداء عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لا يزال المؤمن مُعنقاً صَالحاً ... الحديث) أعنق أي سار العنق وهو ضربٌ من السير السريع. وقد فسره صاحب الغريبين فقال: أي منبسطأً في سيره يعني في القيامة. ولا أرى قوله - يعني في القيامة سديدًا؛ فإن قول النبي ﷺ : (لا يزال المؤمن مُعنقاً)

стр. 778

مشروط بقوله: (ما لم يصب دمًا حرامًا) ولا يصح أن يصيب دمًا حرامًا في القيامة، وإنما معنى الحديث: أن المؤمن لا يزال موفَّقا في الخيرات مُسارعًا إليها ما لم يُصب دمًا حرامًا، فإذا أصاب ذلك انقطع فلم يوفق للمسارعة بشؤم ما ارتكب من الإثم. يقال: بلح الرجل بلوحًا أي أعيا قال الأعشى: واشتكى الأوصال منه وبَلَحْ وبلحَ تبليحًا مثله. والرواية في هذا الحديث بالتشديد. [٢٥٠٩] ومنه حديث أبي رمضة التيمي ﵁ (قال دخلت مع أبي على رسول الله ﷺ .. الحديث) أبو رمثة هذا ليس بأبي رِمْثَة البَلَوى وإنما هو أبو رمثة التيمي من تيم الرباب ويقال التميميّ. واختلف في اسمه واسم أبيه اختلافاً كثيراً فقيل: حبيب بن حيان، وقيل: حيان بن وهب، وقيل: رفاعة بن يثربي وقيل غير ذلك، والأكثر في اسم أبيه يثربي. وفيه: (فرأى أبي الذي بظهر رسول الله ﷺ ) يريد به موضع خاتم النبوة فإن ذلك كان ناتئًا عن ظهره على ما بيناه في صفة ذلك في أول الكتاب. وكان الأغمار من الأعراب يتوهَّمون أنه سلعة تولدت من فضلات البدن ولهذا قال أبوه: (دعني أعالج الذي بظهرك)؛ فقال: (أنت رفيق والله الطبيب) الرِفق والرُفق لين الجانب ولطافة الفعل أي أنت المتصدي للعلاج بلطافة الفعل وإنما الشافي المزيل للداء هو الله سبحانه ذهب في ذلك إلى مقتضى المعنى من الطبيب لا إلى مقتضاه في اللفظ. وهذا النوع من باب تحويل الكلام أي أن الذي تدعيه إنما هُو إلى الله. وفي الحديث: (طبيبها الذي خلقها) ولا يوجب هذا جواز تسمية الله [٨٢/ب] سبحانه طبيبًا، بل الوجه في ذلك كما هو في قوله: (فإن الهل هو الدَّهر) أي الذي ينسبونه إلى الدهر، فإن الله فاعله لا الدّهر. وفيه: (قال رسول الله ﷺ : من هذا معك؟ قال: ابني فاشهد به). قد تبين لنا من قول النبي ﷺ -

стр. 779

للرجل: (إنه لا يجني عليك) أنه عنى بقوله: فاشهد بأني ابني، الالتزام بضمان الجنايات عنه على ما كانوا يتعاملون به في الجاهلية من مؤاخذة الابن بما جناه الأب، ومؤاخذة الأب بما جناه الابن وقيل أحدهما بالآخر فقال: إنه لا يجني عليك أي: لا يجني جناية يكون القصاص أو الضمان فيها عليك، ويحتمل أن يقال لفظه خبر ومعناه نهى أي لا يجْن عليك ولا تجن عليه، والتأويل الصحيح هو الأول، وإليه التفات من أورد هذا الحديث في كتاب القصاص من أهل العلم بالحديث. ومن الناس من يقول فأشهدته، على لفظ الماضي، وهو تصحيف، وإنما هو على لفظ الأمر. [٢٥١١] ومنه حديث سمرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : (من قتل عبدهُ قتلناه .. الحديث) هذا الحديث يحمل على الزجر دون إرادة الإيقاع، ومن أهل العلم من يراه منسوخا ويقول: إن الحكمين ثبتا معاً فنسخا معا، يستدل بسقوط القصاص في الأطراف بين الحر والعبد بالإجماع. [٢٥١٣] ومنه حديث علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: (المسلمون تتكافأ دماؤهم .. الحديث) تتكافأ أي: تتساوى في الديات والقصاص يقال: تكافأ القوم: إذا تساووا، وهذا الحديث من جملة ما قد كان في الصحيفة التي كانت في قراب سيفه. وفيه (يسعى بذمته أدناهم) قد مر تفسير ذلك فيما مضى، وفيه (ولا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده) تأويله عند من يرى قتل المسلم بالذمىَّ أن المراد من الكافر الحربي دون الذمي وقوله: (ولا ذو عهد في عهده) معطوفًا على مسلم وفيه تقديم وتأخير ومثله في كتاب الله تعالى ﴿وللائي يسئن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن﴾ ثم إنهم قالوا: لو أن المراد به هذا لكان الكلام

стр. 780

خالياً عن الفائدة لحصول الإجماع على أن المعاهد لا يقتل في عهده. [٢٥١٥] ومن قوله ﷺ في حديث ابن عباس - رضصي الله عنه -[٨٣/أ]: (من قتل في عميّةٍ) أي: في أمر لا يستبين ما وَجهُه يقال: هم في عميّتهم أي: في جهلهم. والميم منها مشددة، فكان أصله من التعمية وهو التلبيس. وفي بعض طرق هذا الحديث عن طاوس مرسلا (من قتل في عمياً) على وزن فعيلا من العمى كما يقال: رمّيا من الرَّمى، والمراد أن يوجد بينهم قتيل يعمى أمره ولا يتبيَّن قاتله ولا حاله. [٢٥١٦] ومنه حديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ (لا أعفى من قتبل بعد أخذ الدية) أي: لا أدع القاتل بعد أخذ الدية فيعفى عنه أو يرضى منه بالدية من قولهم: أعفني من الخروج معك، أي: دَعني والمراد منه التغليظ عليه لمباشرته الأمر الفظيع فلم ير أن يعفى عنه أو يرضى منه بالدية زجرًا لغيره عن تعاطي صنيعه. وفي بعض النسخ (لا يُعفى) على بناء المفعول من العفو، لفظه خبر ومعناه نهى، وهو حسن، إن صحت الرواية فيه. ومن باب الديات (من الصحاح) [٢٥٢٠] حديث أبي هريرة ﵁ (افتتلت امرأتان من هذيل ... الحديث) المرأتان كانتا

стр. 781

ضرتين وكانتا من هذيل على ما في حديث المغيرة وحديث أبي هريرة في جنان امرأة من بني لحيان يريد به ما ذكره في حديثه هذا ولا تناقض فيه فإن بني لحيان بطن من هذيل. ولحيان هو لحيان بن هذيل والمضروبة هي مُلَيكة بنت عويم والضاربة أم عفيف بنت مسروح بن النابغة ذكرت في حديث أخيها العلاء بن مسوح وحمل بن مالك بن النابغة ابن عمها وقيل له: غطيف بالغين المعجمة والأول أثبت. وقد روى حديثها المغيرة بن شعبة وأبو هريرة وجابر بن عبد الله وليس في حديثهم القود وإنما فيه العقل. وقد روى هذا الحديث أيضا حملُ بن مالك وفي فرد طريق منه (فقضى في جنينها بغرة وأن تقتل) ولا عبرة بهذه الزيادة؛ لأنها مخالفة للأحاديث الصحاح ثم إن أكثر الروايات وأصحها عن حمل بن مالك لم يذكر فيها (وأن تقتل) والحديث حجة لأبي حنيفة - رحمة الله عليه - ومن يذهب مذهبه في سقوط القود عن القاتل بالحجر والعصا وما يشبه ذلك. وفيه (فقضى رسول الله ﷺ أن دية جنينها غرّة عبد أو أمه) قد ذكرنا تفسير الغرة في باب الرضاع على ما بلغنا من أهل اللغة. [٨٣/ ب] وأصحاب الغريب، وذكرنا أنها تروى على لصفة وهو الأكثر، وتروى على الإضافة. وقد فسّرها الفقهاء بما يبلغ ثمنه من العبيد عشر الدية، على حسب اختلافهم في مقادير أنواع ما يقتضي به في الدية.

стр. 782

[٢٥٢٣] ومن الحسان حديث عمرو بن حزم الأنصاري الخزرجي ﵁ أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن وكان في كتابه (أن من اعتبط مؤمنا فهو قود يده .. الحديث) عمرو بن حزم استعمله رسول الله ﷺ على نجران ليفقههم في الدين ويعلمهم القرآن ويأخذ صدقاتهم وذلك في السنة العاشرة وكان هو ابن سبع عشرة سنة، وكتب له كتاباً فيه الفرائض والسنن والصدقات والديات وقوله: (من اعتبط مؤمناً) أي قتله بلا جناية توجب ذلك، أخذ من قولهك: عبطت الناقة واعتبطتها: إذا ذبحتها وليست بها علة، فهي عبيطة ولحمها عبيط. ومات فلان عبطة أي شابا صحيحا ومنه قول [أمية]: مَنْ لَمْ يَمُتْ عَبْطَةً يَمُتْ هَرمًا ... للموتِ كأسٌ والمرء ذائقها وقوله: (فإنه قود يده) أي يقتص منه بما جنته يده من القتل والقود قتل القاتل بالقتيل يقال: أقدته به واستقدت الحاكم أي سألته أن يقتاد لي. والأصل فيه: الخضوع والانقياد وإلقاء مقادة أمر القاتل إلى وليّ المقتول. وفيه (وفي الأنف إذا أوعب جدعُهُ) أُوعب على بناء المفعول، ويجوز أن يكون على بناء الفاعل أي أوعبه الجادع يقال: جدعه فأوعب أنفه أي: استأصله. وفي الشتم: جدعه الله جدعًا مُوعباً. وفي غير هذه الرواية (وفي الأنف إذا استوعب جدعه الدية) أي: إذا لم يترك منه شيء، فاستيعاب الشيء: استئصاله. وفيه (وفي الجائفة ثلث الدية) قال الأصمعي: هي طعنةٌ تنفذ إلى الجوف يقال: أَجَفْتُهُ الطعنة وجفْتُهُ بها قيل: وقد تكون الجائفة التي تخالط الجوف. وفيه (وفي المنقلة) - بكسر القاف الشجة التي تنقل العظم أي: تكسره حتى يخرج منها فراش العظام. وفي حديث حذيفة (ما منا من أحد إلا فتش عن جائفة أو منقلة) يريد: ليس منا أحد إلا وفيه عيب عظيم، فأتى بالجائفة والمنقلة على وجه التمثيل وفيه (وفي الموضحة) الموضحة: الشجة التي تبدي وضيح العظم، أي: بياضه [٨٤/أ]. [٢٥٢٦] ومنه حديث عبد الله بن عمرو ﵁ (خطب رسول الله ﷺ عام الفتح ثم قال: أيها الناس إنه لا حلف في الإسلام .. الحديث) الحلف - بالكسر - العهد يكون بين القوم. وقد حالفه أي:

стр. 783

عاهده. وتحالفوا أي: تعاهدوا. وكان الرجل في الجاهلية يُعاقد الرجل فيقول: دمي دمك، وهدمي هدمك، وثآري ثأرك، وحربي حربك، وسلمي سلمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، وتعقل عني وأعقل عنك. فيعدون الحليف من جملة القوم الذين دخل في حلفهم ويطالبونهم بجريرته، فلما جاء الله بالإسلام واستقر أمره نهى أن يحدث ذلك في الإسلام وأٌر ما كان منه في الجاهلية لتعلق المصالح به من حقن الدماء وطلب الحقوق وحفظ العهود وجمع الشمل وضبط الأنساب وصيانة الأعراض وغير ذلك، وهو المراد من قوله: (وما كان من حلف في الجاهلية فإن الإسلام لا يزيده إلا شدة) وقد نسخ من أحكامه التوارث به قال الله تعالى ﴿والذين عقدت أيمانكم قآتوهم نصيبهم﴾ وقد رُوى أن الرجل كان يرث حليفه، ومعنى ﴿عقدت أيمانكم﴾ أي: عاقدتهم أيديكم وما سمحتموهم بها، وأما إثبات الولاء بالموالاة فليس من الحلف المهني عنه في شيء، وقد أجاز ذلك عمر بن الخطاب ﵁ وإليه ذهب أبو حنيفة وصاحباه وأوّلُوا قول النبي ﷺ في حديث تميم الداري ﵁ حيز سأله عن الرجل يُسلم على يدي الرجل: (وهو أولى الناس بمحياه ومماته) على أنه أولى الناس بموالاته وكان عمر بن عبد العزيز وآخرون من أهل العلم يرون أنه يرث إذا لم يكن له وارث من غير عقد موالاة. وفيه (والمؤمنون يد على من سواهم) أي ينصر بعضهم بعضا، ويعين بعضهم بعضا .. جعلهم بمثابة اليد الواحدة في التناصر والتفاضل. وفيه (يجير عليهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم) قد مر تفسيره فيما مضى

стр. 784

وفيه (ويرد سراياهم على قعيدتهم) أراد بالقعيدة: الجيوش النازلة في دار الحرب يبعثون سراياهم إلى العدو، فما غنمت يرد به على القاعدين حصّتهم؛ لأنهم كانوا ردءًا لهم. وفيه (لا جلب ولا جنب) وقد سبق تفسيره في كتاب (الزكاة) ومنه قول المؤلف بعد حديث ابن مسعود ﵁ في أسنان الدية وأقسامها: والصحيح أنه موقوف على ابن مسعود وخشف [٨٤/ب] مجهول. العجب منه كيف شهد بصحته موقوفاً، ثم طعن في الذي يرويه عنه؟ وقوله: (وخشف مجهول) قول لم يبتدعه هو، بل سبقه به الأولون الذين خالفوا هذا الحديث. وأراه قد تقلد في إيراده الخطابي فإنه

стр. 785

ذكر ذلك في الأعلام وكان عليه ألا يبادر فيه، فإن من جملة من أخذ بحديث ابن مسعود ﵁ من أصحاب الحديث أحمد، وهو من علم الرجال بمكان لا ينازعه فيه الخطابي، وقد ذكره البخاري في تاريخه فقال: خشف بن مالك سمع عمر، وابن مسعود ﵁ من أصحاب الحديث أحمد، وهو من علم الرجال بمكان لا ينازعه فيه الخطابي، وقد ذكره البخاري في تاريخه فقال: خشف بن مالك سمع عمر، وابن مسعود وروى عنه زيد بن جبيرة الطائي، وروى حديثه أبو جعفر الطحاوي وفي روايته عن زيد بن جبيرة الجشمي عن خشف بن مال الطائي. والأسنان التي ذكرت في هذا الحديث فسرناها في كتاب الزكاة. [٢٥٣٢] ومنه حديث عبد الله بن عمرو ﵁ (قضى رسول الله ﷺ أن عقل المرأة بين عصبتها) المعنى أن العصبة يتحملون عقل المرأة الذي يجب عليهم بسبب جنايتها تحملهم عن الرجل فإنها ليست كالعبد في جنايته إذ العاقلة لا تحمل عنه بل تتعلق الجناية برقبته. [٢٥٣٤] وفيه: (قضى رسول الله ﷺ في العين القائمة السادّة لمكانها) أراد بها العين التي لم تخرج من الحدقة ولم يخل موضعها فبقيت في رأي العين على ما كانت لم تشوه خلقتها ولم يذهب بها جمال الوجه والحديث لو صح فإنه يحمل على أنه أوجب فيها ثلث الدية على معنى الحكومة. [٢٥٣٧] ومنه حديث عمران بن حُصين ﵁ (أن غلاماً لأناس فقراء قطع أُذن غلام لأناس أغنياء ... الحديث) المراد من الغلام الجاني هو الحرّ لا العبد، لأنه لو كان عبدًا لتعلقت الجدناية برقبته ولم يكن فقر مواليه يُدافع عنه، وإنما لم يجعل فيه شيئا؛ لأن عاقلة الغلام كانوا فقراء باب ما لا يضمن من الجنايات (من آل صحاح) [٢٥٣٩] حديث يعلى بن أمية ﵁ (غزوتُ مع رسول الله ﷺ جيش العسرة .. الحديث) المراد من جيش العسرة غزوة تبوك قيل لها جيش العسرة لعسرة حالهم فيها فإنهم كانوا في عسرة من الظهر وعُسرة من الزاد وعُسرة من الماء، وكانوا في شدة من حُمّارة القيظ ومن الجدب. ويشتبه على بعض الناس غزوة ذات العسرة بغزوة ذات العُثشيرة أو العُشيرة بعين مضمومة وبالشين المعجمة وهي من

стр. 786

بطن ينبع ولعلها سُمّيت [٨٥/أ]. بذلك لما بها من العشير وهي شجر لها صمغ. وهذه الغزوة كانت في أول الإسلام قبل بدر ولم يلتق فيها الفريقان. وفيه (فأندر ثنيته) ندر الشيء ينذر ندرًا: سقط، وأندره غيره أي: أسقطه. والمعنى: أسقط تثنيته فسقطت. [٢٥٤٣] ومنه حديث سهل بن سعد ﵁ (ومع رسول الله ﷺ مدرى يحك بها رأسه) المدْري: القرن، وكذلك المدارة، وربما تصلح بها الماشطة قرون النساء، وهي شيء كالمسلة يكون معها. [٢٥٤٤] ومنه حديث عبد الله بن مغفل ﵁ (أنه رأى رجلا يخذف) أي يرمي الحصا بالأصابع ومنه المخذفة وهي المقلاع وكل شيء يرمى به. [٢٥٤٧] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: (فلعل الشيطان ينزع في يده) أي:

стр. 787

يرمى به في يده كأنه يدفع يده فيحقق إشارته. وأصل النزع: القلع. يقال: نزعت الشيء من مكانه أي: قلعته. وروى بالغين المعجمة، ومعناه: يُغريه فيحمله على تحقيق الضرب حين يشير به عند اللعب والهزل. ونزغ الشيطان: إغراؤه، ويحتمل أن يكون المعنى: يطعن في يده من قولهم: نزغه بكلمة أي: طعن فيه، وقد فسرناه بأكثر من هذا فيما مضى. [٢٥٥١] ومنه قوله ﷺ في حديثه أيضا "ونساء كاسيات [وعاريات] المعنى: أنهن يلبسن من رقائق الثياب ما تبدُو عنه أجسامهن فيصفها للناطرين فهن عاريات على الحقيقة، وإن كن كاسيات. وقد قيل: كاسيات من نعم الله عاريات من الشكر. وأرى الوجه فيه الأول؛ لأنه قال في أول الحديث: "صنفان من أهل النار لم أرهما" ولم يخلُ زمانه عنهن على التأويل الثاني؛ لأنه إن لم يوجد هذا الصنف في مؤمنات زمانه فما أكثر ما وجد في المنافقات والكوافر. وفيه "مميلات مائلات" ذكر فيه أبو عبيد الهروى عن ابن الأنباري "مائلات" أي: زائغات عن استعمال الطاعة لله وما يلزمهن من حفظ الفروج "ومميلات" يُعلّمن غيرهن الدخول في مثل فعلهن قال: وفيه وجه آخر مائلات: متبختراتٌ في مشيهنز مميلات: يملن أكتافهن في أعطافهن. قال: وفيه وجه ثالث: يمتشطن المشطة الميلاء: وهي التي جاءت كراهتها وهي مشطة البغايا. قال: ويجوز أن يكون المائلات والمميلات بمعنى، كما قالوا: جادٌّ مجدٌّ. قلت: ويحتمل أن يكون المعنى في المائلات: اللاتي يملن إلى الفجور، وفي المميلات: [المميلات] إليه من يرغب فيهن من الرجال. وفيه "رءوسهن كأسنمة البخت المائلة" قيل: أراد أنهن يعظمن رءوسهن بالخُمر والعمائم [٨٥/ب] حتى يشبه أسنمة البخت. ويحتمل أنه أراد بذلك عظمها وميلها من السمن. وفيه "لا يدخلن الجنة ... إلى تمام الحديث" وقد مر تأويله غير مرة.

стр. 788

[٢٥٥٢] ومنه حديثه الآخر عن النبي ﷺ "إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه؛ فإن الله خلق آدم على صورته" ذهب بعض أهل العلم في تأويل "خلق آدم على صورته" إلى أن الضمير راجع إلى آدم وفائدته: أن أحدًا من خلق الله لم يخلق على ما هو عليه من تمام الصورة غير آدم، فأما غيره فإنه منقلب في أطوار الخلقة من نطفة إلى علقة إلى مضغة، ثم إلى غير ذلك من تارات الحالات يصير من صغر إلى كبر، حتى يبلغ أشده. وهذا الكلام وإن كان صحيحًا فإن التأويل عليه فاسد لوجهين أحدهما: لما صح من طرق هذا الحديث "فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن" والثاني: أن الكلام يبقى خاليا عن الفائدة؛ لأن كون آدم مخلوقاً على صورته التي كان عليها لا يقتضي الاجتناب عن الوجه في المقابلة مع الاشتراك الذي كان بين آدم وحواء في تلك الصفة، وإنما الوجه فيه: أن يكون الضمير راجعًا إلى الله - سبحانه - رجوعاً إليه في بيت: الله، وناقة الله، وما يشبه ذلك من إضافة التكريم. والمعنى: أن الله تعالى أكرم هذه الصورة بإضافتها إليه؛ لأنه أبدعها إبداعًا عجيبًا لم يشارك الإنسان فيها أحد، فهي أحسن الصورة، كما قال سبحانه ﴿وصوركم فأحسن صوركم﴾ ثم أكرمها [بسجود] ملائكته، فمن حق هذه الصورة أن تركم فلا يستهان بها، فإن الله أكرمها وليس لأحد أن يستخف بما أله الله لباس الكرامة، فيكره أن يقصد الوجه بالضرب؛ لأن الله خلق آدم على صورته التي أكرمها بالإضافة إلى نفسه للمعاني التي ذكرناها. [٢٥٥٦] ومنه حديث سمرة ﵁ "نهى رسول الله ﷺ أن يقد السير بين الأصبعني" القد الشق طولاً تقول: قددتُ السير وغيره أقُدّه قدا. ومنه الحديث: "كانت ضرباتُ علىّ ﵁ أبكارًا، إذا اعتلت قَدَت، وإن اعترضت قطّت".

стр. 789

وإنما نهى عن ذلك لما يتضمَّنه من الخطر، إذ لا يؤمن أن يخطئ الصّانعُ في قدّ السَّير فتعود الحديدة إلى ما بين الأصبعين فيجرحه. ومن باب القسامة (من الصحاح) [٢٥٥٩] قوله ﷺ في حديث رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة ﵄ (استحقوا قتيلكم أو قال صاحبكم بأيمان خمسين) المعنى: استحقوا دية قتيلكم أو صاحبكم. وفي غير هذه الرواية (وتستحقون دم صاحبكم) والمراد من [٨٦/أ] الدم: الدية؛ لأنها تؤخذ بسبب الدم فَسمّيت به، ويؤيد هذا التأويل ما رواه مالك عن ابن أبي ليلى عن سهل بن أبي حثمة أن رسول الله ﷺ قال: (إما أن تدوا صاحبكم وإما أن تؤذنُوا بحرب) وقد اختلف العلماء فيمن يبدأ به في القسامة فذهب قوم إلى ظاهر هذا الحديث فرأوا أن يبدأ بالمدَّعين، وقد سبقهم بالخلاف فيه آخرون، فرأوا أن يبدأ بالمدعى عليهم كما في سائر الدعاوى وبعد هذا القياس فلهم متمسك من الحديث وهو ما رواه أبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار عن رجال من الأنصار أن رسول الله ﷺ قال ليهود أنه يحلف منكم خمسون وبدأ بهم: قيل: ودية هذا القتيل قد توجهت على اليهود؛ لأنه وجد بين ظهرانيهم، والعداوة بينهم وبين المسلمين كانت ظاهرة. وإنما وداه رسول الله ﷺ من عنده؛ لأنه كان قد جعل لليهود العهد فلم ير أن يُبطله، وإن كان ظاهرة. وإنما وداه رسول الله ﷺ من عنده؛ لأنه كان قد جعل لليهود العهد فلم ير أن يُبطله، وإن كان سببُ النقض ظاهرًا من قبلهم. وقيل: إنما وداه؛ لأنه كره أن يبطل دمه.

стр. 790

ومن باب قتل أهل الردة والسعادة بالفساد (من الصحاح) [٢٥٦٠] حديث عكرمة (قال أتى عليّ ﵁ بزنادقة فأحرقهم ... الحديث) الزنديق من الثنوية وهو معرَّب والجمع الزنادقة والهاء عوض من الياء المحذوفة وأصله الزناديق وقد تزندق والاسم الزندقة والأصل في هذا النَّبرزوند كتاب بالفهلوية وضعه الخبيث زراد شت في المجوسية، ولما كان هؤلاء الفئة المعلونة في أول الأمر مظهرين للإسلام مُسترين للكفر سمى به كل ملحد في الدين خوان في الإسلام، يتستر بإظهار الكلمة وهو لا يأوى إلى دين وملة. والنفر الذين أحرقهم على ﵁ بالنار هم السبائية على ما يذكره أهل العناية بضبط الملل والنحل، وهم أصحاب عبد الله بن سبأ، وكان ابن سبأ يهوديا يتستر بإظهار الإسلام ابتغاء للفتنة في هذه الأمة فلم يزل يسعى في الإثارة على عثمان - رضي

стр. 791

الله عنه - حتى كان ما كان، ثم دس نفسه الخبيثة في الشيعة وأفضى إلى شرذمة من الجهال والأغمار منهم أن عليا ﵁ هو المعبود، فعلم بذلك على ﵁ فاستتابهم فأبوا فحفر لهم حفرًا وأشعل النار وأمر أن يرمى بهم فيها وفيه يقول: وإنني لما رأيت منكرا ..... أوقدت نارًا ودعوت قنبرا وإنما أحرقهم تنكيلاً بهم [٨٦/ب] وكان ذلك منه عن رأى واجتهاد لا عن توقيف، ولهذا لما بلغه قول ابن عباس "لو كنت أنا لم أحرقهم ... الحديث" قال: ويح أم ابن عباس. وأكثر أهل العلم على أن قوله: ويح أم ابن عباس ورد مورد المدح والإعجاب بقوله والاستشهادات فيه من العربية كثيرة، وزعم بعض أهل العلم على أنه لم يحرقهم، ولكن حفر لهم أسرابًا ودخن عليهم واستتابهم فلم يتوبوا، حتى قتلهم الدخان. والصحيح أنه أحرقهم. وفي تلك القصة يقول قائلهم: لترم بي المنايا حيث شاءت .... إذا لم ترم بي في الحفرتين إذا ما قرنوا حَطبا ونارا .... فذاك الموت نقدا غير دين وفي كتاب أبي داود أنَّ عليا أحرق ناساً أرتدوا عن الإسلام. حمل الراوي أمرهم على الردة لما عرفوا به من إظهار الإسلام قبل إظهار ما أظهروه من الكفر، وبين في الرواية الأخرى التي في كتاب المصابيح من قوله: (أتى بزنادقة) أنهم كانوا قبل ذلك لا يتدينون بدين، وإنما تستروا بإظهار الكلمة. [٢٥٦٧] ومنه حديث أنس ﵁ (قدم على رسول الله ﷺ نفر من عكل فأسلموا فاجتووا المدينة ... الحديث) النفر بالتحريك عدّة رجال من ثلاثة إلى عشرة. وقد عرفنا من الروايات الصحاح أن أولئك كانوا ثمانية. وعكل قبيلة وبلد أيضا وأريد بها هاهنا القبيلة. وفي بعض طرق هذا الحديث (نفر من عرينة) وفي بعضها (رهط من عُرْينة) وفي بعضها (رهط من عُكل وعُرينة) فإن لم يكن عُرينة بطن من عكل فلعلَّ بعضهم كان من عكل وبعضهم من عُرينة والأول أشبه لاشتهار القصة بالعربنيَّين وفي بجيلة بطن يقال لها عُرينة مصغرة، والنسبة إليها عُرَيْنى.

стр. 792

وقوله: (فاجتووا المدينة) أي استوخموها فكرهُوا المُقام بها [يقال:] جويت نفسي: إذا لم توافقك البلد، واجتويت البلد: إذا كرهت المقام به، وإن كنت في نعمة. وقد كان وقع يومئذ بالمدينة الموم وهو البرسام. وفي هذا الحديث (وقتلوا رعاتها) وفي غير هذه الرواية (وقتلوا الراعي) وهو أكثر الروايتين من كتاب البخاري. والمعتد به أنهم قتلوا الراعي لما في بعض طرق هذا الحديث (فقتلوا أحد الراعيين وجاء الآخر). ويحتمل أن قد كان معهما رُعاة لآخرين فقتلوهم لتتفق الروايات. ولم يعرف ممن قتلوه غير راعي النبي ﷺ وهو يسار مولاه وكان نوبيا فقتلوه وقطعوا [٨٧/أ] يديه ورجليه وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه، النبي ﷺ وهو يسار مولاه وكان نوبيا فقتلوه وقطعوا [٨٧/أ] يديه ورجليه وغرزوا في لسانه وعينيه، فعاقبهم النبي ﷺ بما ذكر في الحديث. وكان قد بعث في طلبهم فئة من الأنصار وأمَّر عليهم كرز بن جابر الفهري. يستدل بهذا الحديث من يرى أن يقتص من القاتل بمثل صنيعه. وأما من يذهب إلى حديث النعمان بن بشير عن النبي ﷺ (لا قود إلا بالسيف) فإنه يرى أن حديث العرينيين ان قبل النهي عن المثلة، ولا أدرى أيحتمل تاريخ العرينيين هذا التقدير أم لا، فإن ذلك كان في شوال سنة ست من الهجرة، ثم إن في حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال لما قتل حمزة ومثل به: (لئن ظفرت بهم لأمثلهن بسبعين رجلا منهم) فأنزل الله تعالى ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين﴾ فقال: بل نصبر) ورواه أبو هريرة كذلك. وهذا يدل على جواز المثلة يومئذ ومعنى قوله ﴿بمثل ما عوقبتم به﴾ أي: الواحد بالواحد، ونزول الآية بعد أحد. ولا شك أن المثلةحرمت بعد ذلك، غير أن معرفة تاريخ التحريم على التحقيق لم نجد إليها سبيلا، فإن كان أمر العرينين على ما ادعوه فهو وجه الحديث، وإلا فالوجه فيه أن يقال: إن هؤلاء ارتدوا وسفكوا الدم الحرام وأفرطوا فيه وقطعوا الطريق فللإمام أن يجمع بين العقبات في مثل هذه القضية، وكذلك قولنا في حديث اليهودي الذي أخذ أوضاح الجارية ورضخ رأسها بالحجارة. (ومن الحسان) [٢٥٦٩] حديث ابن مسعود ﵁ في حديثه (فرأينا حُمَّرةً) الحُمّر: ضرب من الطير كالعصفور، الواحد حُمَّرة قال الشاعر: قد كنتُ أحسِبكم أسودَ خفيةٍ .... فإذا لصافٍ تبيضُ فيها الحُمَّر

стр. 793

وفيه (فجعلت تُفرش) وفي كتاب أبي داود (فجعلت تفرش أو تُعْرش) بضم حرف المضارع من التفريش والتعريش. وذكر الخطابي أن التفريش مأخوذ من فرش الجناح وبسطه. والتعريش: أن ترتفع فوقها وتظلل عليهما - يعني على الفرخين - وقد ذكر الحافظ أبو موسى في كتابه (المجموع المغيث) عرّش الطائر: ارتفع ورفرف ومنه الحديث (فجاءت حمرة جعلت تعرش أو تفرش) فأراه نقله من كتاب الخطابي. قلت: وقد دل التباسهما على الراوي أنه لم يكن في أحد اللفظين على ثبت. وهذان الإمامان إنما سلكا هذا المسلك في التفسير لما انتهى إلينا من الرواية وفيه تعسف؛ لأن التفريش لم يوجد في كلامهم على معنى بسط الطير جناحه، وإنما هو التفرش يقال [٨/ب]: تفرش الطائر، إذا رفرف بجناحيه وبسطهما قال أبو دؤاد يصف ربيئة: وأتانا يسعى تفرش أم الب يض .... شدا وقد تعالى النهار والتعريش المشهور فيه تعريش الكرم ويقال أيضا عرش الحمار بعانته: إذا حمل عليها ورفع رأسه وشحافاه. والذي ذكراه في معناه شيء استنبط على تكلف فيه، ولا أرى الصواب فيه إلا تَفرّشَ، على بناء المضارع، حذف تاؤه لاجتماع التائين. [٢٥٧٠] ومنه حديث أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك ﵄ عن رسول الله ﷺ (سيكون في أمتي اختلاف وفرقة: قوم يحسنون القيل ... الحديث) هذا الكلام يحتمل التقدير من وجهين أحدهما: سيكون في أمتي أهل اختلاف وفقة: وهم قوم. والآخر: سيكون في أمتي اختلاف وفرقة، يفتتن بهما قوم، أو يضلُّ فيهما قوم أو نحو ذلك. وفيه: (يقرءون القرآن لا يجوز تراقيهم) أي: لا يفضي إلى صدورهم وقلوبهم، بل تنشأ القراءة من حنارهم، فلا تجد من ذلك إلا صوتا لا حقيقة وراءه؛ لخلو القلب من التأثر بوعده ووعيده، وقلة المبالاة بحلاله وحرامه وأمره ونهيه، وعدم الاتعاظ والاعتبار بمواعظه وقصصه. وفيه (يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية) مروق السهم خروجه من الجانب الآخر، والرمية: الصيد الذي ترميه فتقصده، وكذلك كل دابة مرمية. والسهم لا يمرق من الرمية إلا إذا كان سريعَ النفوذ، لا يحجزه شيء ولا يتثبث بشيء. ضرب مثلهم في دخولهم في الدين وخروجهم منه بالسهم الذي لا يكاد يلاقيه شيء من الدم؛ لسرعة نفوذه، تنبيهًا على أنهم لا يتمسكون من الدين بشيء، ولا يلوون عليه. وقد أشار إلى هذا المعنى في غير هذه الرواية بقوله: سبق الفرث والدم".

стр. 794

وفيه (لا يرجعون حتى يرتد السهم إلى فوقه) أي: لا يرجعون إلى الدين حتى يرتد السهم إلى فوقه والفوق: موضع الوتر من السهم، وذلك مما لا يكون. أي لا يُراجعون الدين حتى يكون ما لا يكون، وذلك مثل قوله تعالى ﴿ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾. وفيه (هم شر الخلق والخليقة) الخليقة: جمع الخلائق يقال: هم خليقة الله، وهم خلق الله أيضًا. وهو في الأصل مصدر، وإنما جاء باللفظين تأكيدا للمعنى الذي أراده، وهو استيعاب أصناف الخلق [٨٨/أ] ويحتمل أنه أراد بالخليقة من خُلق، والخلق: من سيخلق. وفيه (ما سيماهم) أي ما علامتهم وشعارهم؟ فقال: (التحليق) أتى بهذا البناء إما لتعريف مبالغتهم في الحلق أو لإكثارهم منه، وقد حدث به تنبيها على أمارتهم، وتوفيقًا على شعارهم الظاهر، وليس في ذلك ما يدل على الوضع ممن يتخذ الحلق دأبا، فقد وصفهم بكثرة الصلاة والصيام، كما وصفهم بالتحليق. والشيء إذا كان محمودًا في نفسه لا يصير مذموماً باستنان من يتنّ به من أهل الزيغ في حق العموم، وإنما يذم بالنسبة إليهم لعوج قصدهم وفساد نيتهم. والحلق من جملة شعائر الله وأنساكه وسمت عباده الصالحين. [٢٥٧٣] ومنه حديث أبي الدرداء ﵁ عن رسول الله ﷺ (من أخذ أرضا بجزيتها فقد استقال هجرته) الجزية: ما يؤخذ من أهل الذمة من رءوسهم سمَّيت بذلك؛ لأنها طائفة مما عليهم أن يجزوه أي يقضوه، من جزى يجزي، أو لأنهم يجزُون بها من مّن عليهم بالإعفاء عن القتل من قولهم: جزيته بما صنع جزاء. وقيل: تسميتها بذلك للإجزاء به في حقن دمه وفيه نظر؛ لأن الجزية من باب الياء".

стр. 795

والاجتزاء من باب الهمزة. وأريد بها في هذا الحديث: الخراج الذي يوضع على الأرض التي تترك في يد الذمى، فيأخذها المسلم عن متكفلاً بما يلزمه من ذلك. وتسميته بالجزية لأنه يجري في الموضوع على الأراضي المتروكة في أيدي أهل الذمة مجراها فيما يؤخذ من رءوسهم. وإنما قال: (فقد استقال هجرت)؛ لأن المهارج له الحظ الأوفر والقدح المُعلى في مال الفئ يؤخذ من أهل الذمة ويُرد عليه، فإذا أقام نفسه مقام الذمى في أداء ما يلزمه من الخراج، فقد أحل نفسه في ذلك محل من عليه ذلك، بعد أن كان له، فصار كالمستقيل عن هجرته بتبخيس حق نفسه. وفي معنى القول الأول (ومن نزع صغار كافر من عنقه) والصغار - بالفتح - والذلّ والضيم، ومثله: الصُغر - بالضم - والمصدر: الصَغَر بالتحريك. [٢٥٧٤] ومنه قول جرير ﵁ في حديثه: (فأمر لهم بنصف العقل) إنما أمر لهم بنصف العقل) إنما أمر لهم بنصف العقل؛ لأنهم كانوا قد أعانوا على قتل أنفسهم بالإقامة بين أظهرُ المشركين. وفيه (لا تتراءى ناراهما) [٨٨/ب] تراءى الجمعان: رأى بعضهم بعضاً. قال الله تعالى: ﴿فلما تراءت الفئتان﴾ والحديث أوّله أبو عبيد بن سلام من وجهين أحدهما: أنه لا يحل لمسلم أن يسكن بلاد المشركين فيكون كل واحد منهما على مسافة من الآخر يرى نار صاحبه، فأضاف الرؤية إلى النار ولا رؤية لها، ومعناه: أن تدنو هذه من هذه. والآخر: أنه أراد نار الحرب. يقال: هما مختلفان، هذه تدعو إلى الله، وهذه تدعو إلى الشيطان، فكيف يتفقان؟ وهذه حال هؤلاء وهؤلاء فأنّى يساكنهم المسلم في بلادهم، وقد قيل: إن النار هاهنا بمعنى السَّمت، يقال: ما نار هذه الناقة أي: ما سمتها؟ وفي المثل: نجارها نارُها قال الراجز: وقد سقوا آبالهم بالنار ... والنار قد تشفى من الأوار وقوله: (أنا برئ) يحتمل أن يكون المراد منه البراءة من دمه. ويحتمل أن يكون أراد به البراءة من مُوالاته. [٢٥٧٥] ومنه حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ (الإيمان قيد الفتك. لا يفتك مؤمن) الفتك: أن يأتي الرجل صاحبه وهو غارّ غافل حتى يشد عليه فيقتله، وفيه ثلاث لغات: بالحركات الثلاث من الفاء. ومعنى قيد أي: منع عنه. أراد أن الإيمان يمنع صاحبه عن الفتك كما يمنع المقيد قيّده. وقال للفرس الجواد: قيد الأوابد؛ لأنه يمنع الوحش عن الفوات؛ لسرعته قال امرؤ القيس: بمنجرد قيد الأوابد هيْكل

стр. 796

وقوله: (لا يفتك مؤمن) خبر معناه النهي. أي: لا يفعل ذلك؛ لأنه محرَّم عليه وهو ممنوع عنه لما يتضمنه من الغدر والمكر والخديعة. ويجوز فيه الجزم على النهي. ومن الناس من يتوهم أنه على بناء المفعول فيرويه كذلك، وليس بقويم رواية ومعنى. فإن قيل: قد بعث رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة الخزرجي في نفر من الخزرج إلى كعب بن الأشراف ففتكوا به، وكذلك بعث عبدالله بن عتيك الأوسي في نفر منهم إلى أبى رافع بن أبي الحقيق، وبعث عبد الله بن أنيس الجهني ثم الأنصاري إلى سفيان بن خالد بن "بيج" فكيف التوفيق بين هذا الحديث وبين تلك القضايا التي أمر بها. قلنا: يحتمل أن النهي عن الفتك كان بعدها وهو الأظهر؛ لأن أولاها [٨٩/أ] كانت في السنة الثالثة، والثانية كان في السنة الرابعة، والثالثة كانت بعد الخندق في السنة الخامسة. وإسلام أبي هريرة كان عام خيبر في السنة السابعة فثبت بذلك تأخر الحديث عن تلك القضايا. ويحتمل أن يكون ذلك خصيصي لرسول الله ﷺ لما أُيّد به من العصمة. ويحتمل أن تلك القضايا كانت بأمر سماوي لما ظهر من المفتوكين من الغدر برسول الله ﷺ والتعرض له بما لا يجوز ذكره من القول والمبالغة في الأذية والتحريش عليه.

стр. 797

ومن كتاب الحدود (من الصحاح) [٢٥٧٩] قول أحد الخصمين في حديث أبي هريرة وزيد بن خالد ﵄ (فاقض بيننا بكتاب الله) أي: بحكم الله. قال تعالىى: ﴿كتب الله لأغلبن أنا ورسلي﴾ أي حكم وقضى وقال سبحانه ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ أي وإما قال: اقضِ بيننا بكتاب الله وقد علم أنه ﷺ لم يكن ليحكم بغيره على وجه تمهيد القول وتقريره. وفيه: (إن ابني كان عسيفًا على هذا). العسيف: الأجير. ومنه الحديث (أنه بعث سرية فنهى عن قتل العُسفاء) وإنما قال (على هذا) لما يتوجه للأجير على المستأجر من الأجرة، بخلاف ما لو قال: عسيفا لهذا، لما يتوجه للمستأجر عليه من الخدمة والعمل. وفيه (تغريب عام) أي: نفيه عن بلده عاماً تقول: أغربته وغرّبته: إذا نحيته ونفيته عن بلده ومن لم ير من العلماء التغريب حداً واجباً كوجوب الجلد والرجسم فإنه يحمل الأمر فيه على النظر والمصلحة إن رآه الإمام، كما له أن ينفي من رأى نفيه من أهل الفساد. وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (أن رآه الإمام، كما له أن ينفي من رأى نفيه من أهل الفساد. وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (أن رجلاً قتل عبده عمداً فجلده النبي الله ﷺ مائة ونفاه سنة .. الحديث). ولم يكن ذلك حدًا واجباً.

стр. 798

[٢٥٨٢] ومنه حديث عبادة بن الصامت ﵁ (أن النبي ﷺ قال: خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا .. الحديث) كان هذا القول من حين شرع الحد في الزاني والزانية. والسبيل هاهنا الحد؛ لأنه لم يكن مشروعا ذلك الوقت، وكان الحكم فيه ما ذكر في كتاب الله ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم﴾ إلى تمام الآية. [٢٥٨٤] ومنه قول جابر ﵁ في حديثه: (فلما أذلقته الحجارة وفرَّ) أي: أقلقته وبلغت منه الجهد. والذلق بالتحريك والقلق. وقد ذلق وسنان أذلق. وفي حديث عائشة ﵂ أنها كانت تصوم في السفر حتى أذلقها السموم أي: أذابها. وقيل: جهدها وقيل: أضعفها. [٢٥٨٦] ومنه قوله بريدة ﵁ في حديث الغامدية (وكفلها رجل من الأنصار) أي: ضمها إلى عياله وصار كفيلا بتوليها والقيام بمصالحها والكافل: الذي يكفل إنساناً يَعُوله.

стр. 799

وفيه (فيقبل خالد بن الوليد) وجدنا كثيرًا ممن يتعنَّى بكتاب المصابيح روى هذا اللفظ بالياء ذات النقطتين من تحت بين القاف واللام على زنة الماضي من باب [التفعيل] وليس ذلك بشي معنى ورواية، وإنما أتاهم الغلط من حيث إن الراوي أتى به على بناء المضارع من الإقبال كأنه يريد: فرأيت خالدا يقبل بحجر على وجه حكاية الحال، ورأى أنه لو كان من الإقبال لأتى به على زنة الماضي؛ لكونه أشبه بنسق الكلام. وفيه (لو تابها صاحب مكس) الأصل في المكس: الخيانة والماكس: العَشّار، والماكس: ما يأخذه قال الشاعر: أفى كل أسواق العراق إتاوة ... وفي كل ما باع امرؤ مكس درهم

стр. 800

[٢٥٨٨] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: (فليجلدها الحد ولا يثرب) التثريب كالتأنيب والتعيير والاستقصاء في اللَّوم، وهو أن يقبح على الملوم فعله. وقد ذهب في معناه جمع من أصحاب الغريب إلى أن المراد منه أن لا تبكتها وتؤنيها بعد الضرب. والأشبه أن المراد منه أن لا يكتفي في أمرها بالتعبير، بل يقام عليها الحد فإن عقوبة الزناة قبل أن شُرع الحد كانت التثريب. وإلى هذا المعنى ذهب بعض المفسرين في قوله سبحانه: ﴿واللذان يأتيانها منكم فآذوهما﴾. [...] ومن الحسان حديث نعيم بن هزال الأسلمي - رحمة الله عليه - (أن ما عزًا أتى النبي ﷺ .. الحديث) كان لهزال أبي نعيم مولاة اسمها فاطمة فوقع عليها ما عز فعلم به هزال فاستحمقه، وأشار إليه بالمجئ إلى رسول الله ﷺ والاعتراف بالزنا على نفسه، وحسن في ذلك شأنه، وهو يريد به السوء والهوان فلهذا قال رسول الله ﷺ : (لو سترته بثوبك كان خيرا لك) وفيه تعريض بالتوبيخ على صنيعه في هتك ستره.

стр. 801

[٢٥٩٢] ومنه حديث [٩٠/أ] عائشة ﵂ عن النبي ﷺ : (وأقيلوا ذوى الهيئات عثراتهم) الهيئة: الشارة وهي صورة الشئ وشكله. يقال: فلان حسن الهيئة. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن المراد من ذوى الهيئات أصحاب المروءات وذوو الوجوه بين الناس. فقال بعضهم: المراد منهم ذوو الصلاح. لعله التفت إلى قولهم: تهيأت للشيء أي أصلحته وقيل: هم الذين لم يعرفوا بالشر فيهفوا أحدهم الهفوة وتندر عنه الذلة بالندرة وقد عرف من أصل الدين أن ذلك فيما دون الحد؛ لتشدد النبي ﷺ في إقامتها وللتهديد الوارد عنه فيمن حالت شفاعته دون حدّ من حدود الله، ثم لما في بعض طرق هذا الحديث من استثناء الحدود من جملة العثرات، فإن فيه: (إلاّ الحدود) وقد ذهب جمع من العلماء إلى أن الخطاب فيه للأئمة الذين إليهم إقامة العقوبات وذهب بعضهم إلى أنه لذوى الحقوق. قلت: وليس أحد القولين أحق بالقبول من الآخر،؛ بل الوجه فيه أن يكون الخطاب لهما جميعا، فإن من العثرات ما يتوجه فيه التعزيز؛ لإضاعة حق من حقوق الله. ومنها ما يطالب به من قبل من يستحق المطالبة به، فأمر كل واحد من الفريقين بذلك أمر ندب واستحباب بالتجافي عن زلآتهم. [٢٥٩٥] ومنه قول وائل بن حجر الحضرمي ﵁ (فتجلّلها) أي: علاها. وهو عبارة عن غشيان المرأة يقال: تنجلَّل بالثواب إذا لبسه.

стр. 802

[٢٥٩٧] ومنه حديث سعيد بن سعد بن عبادة (أتى النبي ﷺ برجل كان في الحي مخدج .. الحديث) المخدج: الناقص الخلق وقد فسر قبل ذلك. ومنه قوله ﷺ (خذوا له عثكالاً فيه مائة شمراخ). العثكال: الكباسة وهي الرطب بمنزلة العنقود للعنب والشمراخ ما عليه البسر من عيدان الكباسة، على هذا فسره أصحاب الغريب. ووجدت كثيرا من علماء العربية لم يفرقوا بين العثكال والشمراخ ففروا أحدهما بالآخر، والصحيح ما قدمناه لاسيما وقد شهد به لفظ الحديث، ولعل الذي جعلها شيئًا واحدًا أخذه عن بعض الأعراب الذين لا دربة لهم بأحوال النخيل، ولا يهتدون إلى صفاتها. ولم ير كثير من العلماء العمل بهذا الحديث لما فيه من تعطيل ما ثبت بالأحاديث الصحاح، والحديث [٩٠/ب] لم يبلغهم إلا بطريق الإرسال أو بما يشبه الإسال؛ لأن سعيدًأ لم يدرك النبي ﷺ ولم يذكر أنه سمع أباه. ورواه أيضا أبو أمامة بن سهل بن حنيف عن بعض أصحاب النبي ﷺ ولم يعينه، فلما صادفوا القضية على ما ذكرنا، ردّوا الأمر في الزمن وفيمن أفناه المرض إلى ما أجمع العلماء عليه من أمر الحامل إذا زنت فإنهم لم يروا أن تُضرب بشماريخ النخل. فإن قيل فما وجه الحديث على ما تزعمون؟ قلنا: نبني الأمر فيه على التخصيص نظرًا إلى مصلحة الرجل وحذرًا عليه أن يستمرّ به القنوط ويُداخله اليأس من رحمة الله عند الموت فأفتاه بذلك تنفيساً عنه حتى إذا برأ أمر بإقامة الحد عليه، أو خشى عليه أن يعتوره الكمد على ما فرط منه فيزداد مرضه زيادة تشفي به

стр. 803

على الموت، فرأى ذلك بمنزلة إقامة الحد عليه في أسباب التلف فأفتاه بذلك تسكينا لما به إلى أن يبرأ. وقد ذكر في بعض طرق هذا الحديث من سوء حال الرجل وتحسره على ما فرط في جنب الله ما يُقوى المعنى الذي أردناه وهو أن أبا أمامة بن سهل بن حنيف روى عن بعض أصحاب النبي ﷺ من الأنصار أنه اشتكى رجل منهم حتى أضنى فعاد جلدَه على عظمه، فدخلت عليه جارية لبعضهم فهش لها فوقع عليها، فلما دخل عليه رجال قومه يعودونه أخبرهم بذلك وقال: استفتوا لي رسول الله ﷺ فإنى قد وقعت على جارية دخلت على، فذكروا ذلك رسول الله ﷺ وقالوا: ما رأينا بأحد من الناس من الضرّ مثل الذي هو به، لو حملناه إليك لتفسخت عظامه، ما هُو إلا جلد على عظم ... الحديث". [٢٦٠٢] ومنه حديث عائشة ﵂ (فلمّا نزل أمر بالرجلين والمرأة فضربوا الحد) الرجلان حسّان بن ثابت ومسطح بن أثاثة، والمرأة حمنة بنت جحش - عفا الله عنهم - وكانوا قد خاضوا في حديث الإفك. ومن باب قطع السرقة (من الصحاح) [٢٦٠٤] (حديث عبد الله بن عمر ﵄ قطع النبي ﷺ يد سارق في مجنَّ ثمنه ثلاثة دراهم) وجه هذا الحديث عند من لا يرى من العلماء قطع يد السارق في أقل من عشرة دراهم: أن التقويم لعلّه كان من ابن عمر رأيا واجتهادًا على ما تبين له، لأنا وجدنا القول في قيمة المجن مختلفا عن جمع من الصحابة فروى عن ابن عباس أن قيمته كانت عشرة دراهم. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مثله. وكذلك روى عن أم أيمن واسمها بركة [٩١/أ] مولاة رسول الله ﷺ وحاضنتُه. وقد رُوى عن ابنها أيضا أيمن بن عبيد الله الحبشي قال: قال رسول الله ﷺ : (أدنى ما يقطع فيه السارق ثمن المجن) وكان يقوم يومئذ دينارًا. فلما وجد هذا الاختلاف وكان الأخذ بحديث من روى أن قيمة المجن المقطوع فيه كانت عشرة دراهم داخلاً فيما أجمع المسلمون عليه والأخذ بما دونه خارجا عن الإجماع، رأوا الأخذ بالأمر المجمع عليه أحق وأولى لاسيما في الحدود، فإن الشارع ﷺ أمرنا أن نسلك فيها السبيل السالم عن اعتراض الشبه.

стр. 804

فإن قيل: فقد روى عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (تقطع يد السارق في رب دينار فصاعدا) فالجواب عنه: أن هذا الحديث يروى في أثبت الروايتين موقوفاً على عائشة. وقد روى عنها أيضا من غير هذا الوجه بطرق شتى لم يخل من اختلاف الرواة فيها، فحملوا الأمر فيه على أنها ذكرت ربع دينار؛ لأن قيمة المجن كان عندها ربع دينار. قلت: وأهل النقل يرون الترجيح لحديث ابن عمر وحديث عائشة؛ لأنهما أصح سندًا وأهل النظر يرون أحق الروايتين بالقبول رواية ابن عباس ومن نحا نحوه؛ لما يؤيده المعنى الذي ذكرناه، ولا يرون أن يقطعوا القول بالمراد عن قوله سبحانه ﴿والسارق والسارقة﴾ إلا على الوجه الذي لا اعتراض للشبهة فيه، على ما بيننا، والله أعلم. فإن قيل: إن الأحاديث التي [ذكرتموه] في قيمة المجنّ أنها كانت عشرة دراهم حكم تنفيذ وليس بتحديد، والسارق إذا قُطع في عشرة لم يلزم منه أن لا يقطع فيما دون ذلك، وقد روى أبو داود حديث ابن عباس في كتابه ولفظه: (قطع رسول الله ﷺ يد رجل في مسجنّ قيمته دينارًا وعشرة دراهم) قيل: هذه رواية ابن نُمير عن محمد بن إسحاق عن أيوب بن موسى عن عطاء عن ابن عباس وقد رواه الأثبات أيضا عن محمد بن إسحاق وفي روايتهم (كانت قيمة المجن الذي قطع فيه رسول الله ﷺ عشرة دراهم) فعرفنا أن المجن المذكور في حديث ابن عباس هو المجن الذي اختلف في قيمته، وجعل أصلا في معرفة نصاب السرقة، فيكون قوله هذا على وجه التحديد. وحديث أيمن أوضح منه في معنى التحديد. [٢٦٠٥] ومنه حديث [٩١/ب] أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : (لعن الله السارق يسرق البيضة ... الحديث) رأى بعضهم أن المراد من البيضة البيضة من الحديد، وليس الأمر على ما توهّمه وآخر الحديث ينقض عليه ذلك، وهو قوله: (ويسرق الحبل) وإنّما أراد أنه يتبع نفسه في أخذ الشيء اليسير مثل البيضة والحبل حتى يعتاد السرقة فيفضى به ذلك إلى أخذ ما يقطع فيه اليد. (ومن الحسان) [٢٦٠٦] قوله ﷺ في حديث رافع بن خديج ﵁ (لا قطع في ثمر ولا كثر) الكثر بالتحريك جُمّار النخل وهو شحمها. ويقال: طلعها والأول أصح.

стр. 805

[٢٦٠٨] ومنه قوله ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو ﵁ (ولا في حرية جبل فإذا أواه المراح والجرين ..) الحديث. الحرية: الشاة تسرق ليلاً. واحترسها فلان أي: سرقها ليلا. وإنما أضيفت إلى الجبل إما لأنها تؤوى إلى الجبال لكونها أمنع فيحترسها المحترس أو لأن المحترس يذهب بها إلى الجبل ليكون أحرز من الطلب (والمُراح) بالضم حيث يأوى إليه الإبل والغنم بالليل. (والجرين) موضع التمر الذي يُجفّفُ. [٢٦١٢] ومنه حديث بُسر بن أرطاة ويقال: ابن أبي أرطاة قال: سمعت رسول الله ﷺ (لا تقطع الأيدي في الغزو). قلت: قد ذكر ابن عبد البر عن يحيى بن معين أنه قال: لا تصح لبر بن أرطاة صحبة. وكان يحيى يسئ فيه القول؛ لأنه ابتُلى بأفاعيل يسمح ذكرها في الأحدوثة. والله المرجو أن يجنبنا عاقبة السوء وأن يتجاوز عمن ابتلى بها. فإن ثبت الحديث فالوجه فيه أن لا تقطع إذا كانت الجيش في دار الحرب ولم يكن فيهم الإمام وإنما يتولاهم أمير الجيش، وعلى هذا مذهب أبي حنيفة. وذهب إلى حديث بسر الأوزاعي فلم ير أن يقطع حتى يقفل الأمير من الدرّب، ولعله رأى فيه احتمال افتتنان المقطوع بأن يلحق بدار الحرب، أو

стр. 806

رأى أنه إذا قطعت يده والأمير متوجه إلى العدو لم يتمكن من الدفع عن نفسه، ولا يغنى غناء، فيترك إلى أن يقفل الجيش. [٢٦١٤] ومنه حديث جابر ﵁ (جئ بسارق إلى النبي ﷺ فقال: اقطعوه فقطعوه .. الحديث) هذا الحديث إن ثبت فالوجه فيه أن يقال: إنه منسوخ فقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال [٩٢/أ]: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة". ومن باب الشفاعة في الحدود [٢٦١٨] حديث عائشة ﵂ "أن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخومية .. الحديث) تقول: أهمني الأمر: إذا أقلقك وأحزنك. يقال: همك ما أهمك. والمرأة المخزومية هي: فاطمة بنت الأسود بن

стр. 807

عبد الأسد بنت أخي أبي سلمة. وإنما ضرب المثل بفاطمة بنت محمد ﷺ ؛ لأنها كانت أعز أهله عليه، ثم لأنها كانت سَميّة لها، وفاطمة المخزومية هي التي ذكرت عائشة ﵂ في الحديث الآخر أنها كانت تستعير المتاع فتجحد. قلت: وهذا القول منها أعنى الجحود فيما استعارت على سبيل التعريف أي: كان ذلك صنيعها فقطعت في السّرقة ولم تسرد بذلك وجوب القطع عليها بجحود ما أعيرت، على هذا فسره أهل العلم. وقد ذهب بعضهم إلى ظاهر الحديث وقد شذ به. وقوله: (فأختطب) أي: خطب ويستعمل في الخطبة والخطبة. (ومن الحسان) [٢٦٢٠] قوله ﷺ في حديث عمر ﵄ (أسكنه الله رَدَغَة الخبال) الردغةُ بالتحريك الماء والطين والوحل الشديد، وكذلك الرَدغة بالتسكين. وأهل الحديث يروونه بالتسكين لا غير. وتفسيرها في الحديث: عصارة أهل النار. وفي حديث آخر: من شرب الخمر سقاه الله من طينة الخبال) وفي حديث آخر (من قفا مؤمنا بما ليس فيه وقفه الله تعالى في ردغة الخبال حتى بجئ بالمخرج منه) والخبال: الفساد في اللغة، سمى به الصديد في الحديث؛ لأنه من المواد الفاسدة. [٢٦٢١] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي امية المخزومي ﵁ (ما إخالك سرقت) خلت

стр. 808

الشئ خيلا وخيلةً ومخيلة وخيلولة أي: ظننته ويكسرون في المستقبل الألف، وهو الأفصح، غير بنى أسد فإنهم يفتحونها، وهو القياس. وإسناد هذا الحديث ليس مما يقوم به حجة. وأبو أميّة المخزومي لا يُعرف في الصحابة إلا بهذا الحديث، ولم ينسب ولم يذكر اسمه فيما وقفنا عليه من كتب المعارف، فإن يكن له أصل فالوجه فيه ما قاله الخطابي، وهو: أنه قال: وجه هذا الحديث عندي أنه ظن بالمعترف [٩٢/ب] غفلة عن السرقة وأحكامها، أو لم يعرف معناها، فأحب أن يستيقن ذلك منه يقيناً، ثم إنه قال: وقد نقل تلقين السارق عن جماعة من الصحابة. ومن باب حد الخمر (من الصحاح) [٢٦٢٣] حديث السائب بن يزيد ﵁ قال: (كان يؤتي بالشارب على عهد رسول الله ﷺ وإمرة أبي بكر ﵁ ... الحديث) ذهب كثير من العلماء إلى أن الحد في الخمر في زمن رسول الله ﷺ لم يكن فيه عدد معلوم. وقد دل هذا الحديث على ذلك وروى أن عليا ﵁ قال بحضرة عمر ﵁ حين استشار الصحابة في حد الخمر حين انهمك الناس فيها: نرى يا أمير المؤمنين، ثمانين جلدة. وروى أنه قال: إذا سكر هدْى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون. وروى أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: نرى فيها أخف الحدود ثمانين. ولو كان فيه توقيف لم يكن عمر ﵁ ليجعله في الشورى. ولم يكن الصحابة مخبرين عن آرائهم مع العلم بالتوقيف. فإن قيل: فما ترون إذا في حديث أنس الذي قبل هذا الحديث. قلنا: الوجه فيه أن نقول: يحتمل أن أنساً عدَّ ذلك كرَةً فوجده على ما ذكر بحكم الاتفاق، فحمل الأمر فيه على التحديد. ويحتمل أنه قال ذلك على وجه التقريب، ويدلّ عليه ما روى عنه في بعض الروايات أن النبي ﷺ (أتى برجل شرب الخمر فأمر به فضرب بجريدتين نحواً من أربعين) ثم إن الصيغة التي ذكرت في حد الشارب على عهد النبي ﷺ تشهد على ذلك، فمن ذلك قول السائب في حديثه هذا: (فنقوم عليه بأيدينا ونعالنا وأرْديتنا) وحديث عبد الرحمن بن الأزهر القرشي الزهري ابن أخي عبد الرحمن بن عوف: (كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ أتى برجل قد شرب الخمر) الحديث بنمامه قد ذكر في الحسان من هذا الباب. وفي غير هذه الرواية أنه كان بحنين، وحديث النعيمان وفيه (فأمر من كان في البيت فضربوه بالنعال والجريد) وقلما يحتمل هذه الهيئات الضبط والإحصاء. ومما يدل عليه قول علي ﵁:

стр. 809

ما حددت أحدًا حدًا فمات فيه فوجدت في نفس شيئاً إلا الخمر، فإن رسول الله ﷺ لم يَسنَّ فيه شيئاً فإن قيل: فقد روى عن علي ﵁ في إقامة الحد على الوليد بن عقبة بأمر عثمان ﵁ أنه قال [٩٣/أ] لعبد الله بن جعفر ﵁ حين بلغ أربعين أمسك. ثم قال: إن النبي ﷺ جلد أربعين وجلد عمر ثمانين، وكل سنة. قلنا: قد رُوى عنه أنه ضرب الوليد أربعين بسوط له طرفان فتقع هذه الأربعون موقع الثمانين، وكيف يختار الأربعين في زمان عثمان، وهو الذي رأى الثمانين زمان عمر ﵁ وقد عرف اتفاق الصحابة على ما حده عمر ﵁ والذي ذكره عن النبي ﷺ إن ثبت فإنه يحمل على التقريب لئلا يفضي بما روى عنه في ذلك إلى التَّضادّ، ويدل عليه أيضاً حديث أنس اتلذي أورده المؤلف في أول الباب أن النبي ﷺ ضرب في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين. ويحتمل أن يكون حديث على ﵁ جلد أبو بكر أربعين وجلد عمر ثماتنين وكل سُنّة، وقد روى هذا الحديث على هذا الوجه فوهم بعض الرواة فرواه كذلك وقوله (وكل سنة)؛ لأن مبنى القضيتين على السُنّة، فسمىّ كلا منهما سنة لأنهما أخذتا من السنة ويبين هذا المعنى قوله ﷺ (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) هذا وجه التوفيق بين هذه الرواية كيلا تختلف اختلاف التناقض ولا تضرب الأحاديث الواردة فيه بعضها ببعض. [٢٦٢٥] ومن الحسان قول عبد الرحمن بن الأزهر ﵁ في حديثه: (ومنهم من ضربه بالميتخة) ذكره الهروى أنها الدرة، وجعلها من: تاخ يتوخ. ولم نجد لهذا الاشتقاق أصلا فيما اطلعنا عليه من كتب اللغة. وقد ذكر بعض علماء العربية أن ذلك لو كان على ما زعم لكان من حقه أن يَرد على وفاق المشورة والمروحه. وقد روى هذا اللفظ من وجهين سوى ما ذكرنا أحدهما: المتيخة على وزان السكينة والثاني: الميتخة بتقديم الياء المنقوطة باثنتين من تحت على الناء، وعلى الوجهين فالميم أصلية، وذلك من قولهم: متخ الله رقبته، ومتخه بالسهم، أي: ضربه. وقد وردت الرواية بالوجوه الثلاثة. ونقل في الوجه الأول أن التاء مبدلة من الطاء من: طيخه العذاب، أي: ألحَّ عليه. أو من الدال، من: ديَّخه أي: ذلّله [قال الشيخ ﵀]: وقد وجدت الحافظ أبا موسى قدم الوجهين اللذين ذكرنا أن الميم فيهما أصلية تنبيهاً على أن ذلك أوثق الروايتين عنده.

стр. 810

[٢٦٢٧] ومنه قول ابن عباس ﵁ فَلقى يميل في الفَجّ) الفجُّ [٩٣/ب]: الطريق الواسع بين الجبلين، وأرى أن ذلك كان بمكة؛ لأن دار العباس بها واقعة في أحد شعابها؛ إذ ليست الدار التي تنسب إلى العباس بالمدينة في فج من الفجاج ولا مقاربة منه. ومن باب ما لا يدعى على المحدود (من الصحاح) [٢٦٢٨] حديث عمر بن الخطاب ﵁ (أن رجلاً اسمه عبد الله يلقب حمارًا ... الحديث) هذا الرجلا لا يُعرف في الصحابة إلا بهذا الاسم وهذا اللقب، وحديثه عند زيد بن أسلم عن أبيه.
следующие страницы →