Полный текст (1 323 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
رأى أنه إذا قطعت يده والأمير متوجه إلى العدو لم يتمكن من الدفع عن نفسه، ولا يغنى غناء، فيترك إلى أن يقفل الجيش.
[٢٦١٤] ومنه حديث جابر ﵁ (جئ بسارق إلى النبي ﷺ فقال: اقطعوه فقطعوه .. الحديث) هذا الحديث إن ثبت فالوجه فيه أن يقال: إنه منسوخ فقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال [٩٢/أ]: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة".
ومن باب الشفاعة في الحدود
[٢٦١٨] حديث عائشة ﵂ "أن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخومية .. الحديث) تقول: أهمني الأمر: إذا أقلقك وأحزنك. يقال: همك ما أهمك. والمرأة المخزومية هي: فاطمة بنت الأسود بن
стр. 807
عبد الأسد بنت أخي أبي سلمة. وإنما ضرب المثل بفاطمة بنت محمد ﷺ ؛ لأنها كانت أعز أهله عليه، ثم لأنها كانت سَميّة لها، وفاطمة المخزومية هي التي ذكرت عائشة ﵂ في الحديث الآخر أنها كانت تستعير المتاع فتجحد.
قلت: وهذا القول منها أعنى الجحود فيما استعارت على سبيل التعريف أي: كان ذلك صنيعها فقطعت في السّرقة ولم تسرد بذلك وجوب القطع عليها بجحود ما أعيرت، على هذا فسره أهل العلم. وقد ذهب بعضهم إلى ظاهر الحديث وقد شذ به. وقوله: (فأختطب) أي: خطب ويستعمل في الخطبة والخطبة.
(ومن الحسان)
[٢٦٢٠] قوله ﷺ في حديث عمر ﵄ (أسكنه الله رَدَغَة الخبال) الردغةُ بالتحريك الماء والطين والوحل الشديد، وكذلك الرَدغة بالتسكين. وأهل الحديث يروونه بالتسكين لا غير. وتفسيرها في الحديث: عصارة أهل النار.
وفي حديث آخر: من شرب الخمر سقاه الله من طينة الخبال) وفي حديث آخر (من قفا مؤمنا بما ليس فيه وقفه الله تعالى في ردغة الخبال حتى بجئ بالمخرج منه) والخبال: الفساد في اللغة، سمى به الصديد في الحديث؛ لأنه من المواد الفاسدة.
[٢٦٢١] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي امية المخزومي ﵁ (ما إخالك سرقت) خلت
стр. 808
الشئ خيلا وخيلةً ومخيلة وخيلولة أي: ظننته ويكسرون في المستقبل الألف، وهو الأفصح، غير بنى أسد فإنهم يفتحونها، وهو القياس. وإسناد هذا الحديث ليس مما يقوم به حجة. وأبو أميّة المخزومي لا يُعرف في الصحابة إلا بهذا الحديث، ولم ينسب ولم يذكر اسمه فيما وقفنا عليه من كتب المعارف، فإن يكن له أصل فالوجه فيه ما قاله الخطابي، وهو: أنه قال: وجه هذا الحديث عندي أنه ظن بالمعترف [٩٢/ب] غفلة عن السرقة وأحكامها، أو لم يعرف معناها، فأحب أن يستيقن ذلك منه يقيناً، ثم إنه قال: وقد نقل تلقين السارق عن جماعة من الصحابة.
ومن باب حد الخمر
(من الصحاح)
[٢٦٢٣] حديث السائب بن يزيد ﵁ قال: (كان يؤتي بالشارب على عهد رسول الله ﷺ وإمرة أبي بكر ﵁ ... الحديث) ذهب كثير من العلماء إلى أن الحد في الخمر في زمن رسول الله ﷺ لم يكن فيه عدد معلوم. وقد دل هذا الحديث على ذلك وروى أن عليا ﵁ قال بحضرة عمر ﵁ حين استشار الصحابة في حد الخمر حين انهمك الناس فيها: نرى يا أمير المؤمنين، ثمانين جلدة. وروى أنه قال: إذا سكر هدْى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون. وروى أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: نرى فيها أخف الحدود ثمانين. ولو كان فيه توقيف لم يكن عمر ﵁ ليجعله في الشورى. ولم يكن الصحابة مخبرين عن آرائهم مع العلم بالتوقيف. فإن قيل: فما ترون إذا في حديث أنس الذي قبل هذا الحديث.
قلنا: الوجه فيه أن نقول: يحتمل أن أنساً عدَّ ذلك كرَةً فوجده على ما ذكر بحكم الاتفاق، فحمل الأمر فيه على التحديد. ويحتمل أنه قال ذلك على وجه التقريب، ويدلّ عليه ما روى عنه في بعض الروايات أن النبي ﷺ (أتى برجل شرب الخمر فأمر به فضرب بجريدتين نحواً من أربعين) ثم إن الصيغة التي ذكرت في حد الشارب على عهد النبي ﷺ تشهد على ذلك، فمن ذلك قول السائب في حديثه هذا: (فنقوم عليه بأيدينا ونعالنا وأرْديتنا) وحديث عبد الرحمن بن الأزهر القرشي الزهري ابن أخي عبد الرحمن بن عوف: (كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ أتى برجل قد شرب الخمر) الحديث بنمامه قد ذكر في الحسان من هذا الباب. وفي غير هذه الرواية أنه كان بحنين، وحديث النعيمان وفيه (فأمر من كان في البيت فضربوه بالنعال والجريد) وقلما يحتمل هذه الهيئات الضبط والإحصاء. ومما يدل عليه قول علي ﵁:
стр. 809
ما حددت أحدًا حدًا فمات فيه فوجدت في نفس شيئاً إلا الخمر، فإن رسول الله ﷺ لم يَسنَّ فيه شيئاً فإن قيل: فقد روى عن علي ﵁ في إقامة الحد على الوليد بن عقبة بأمر عثمان ﵁ أنه قال [٩٣/أ] لعبد الله بن جعفر ﵁ حين بلغ أربعين أمسك. ثم قال: إن النبي ﷺ جلد أربعين وجلد عمر ثمانين، وكل سنة.
قلنا: قد رُوى عنه أنه ضرب الوليد أربعين بسوط له طرفان فتقع هذه الأربعون موقع الثمانين، وكيف يختار الأربعين في زمان عثمان، وهو الذي رأى الثمانين زمان عمر ﵁ وقد عرف اتفاق الصحابة على ما حده عمر ﵁ والذي ذكره عن النبي ﷺ إن ثبت فإنه يحمل على التقريب لئلا يفضي بما روى عنه في ذلك إلى التَّضادّ، ويدل عليه أيضاً حديث أنس اتلذي أورده المؤلف في أول الباب أن النبي ﷺ ضرب في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين. ويحتمل أن يكون حديث على ﵁ جلد أبو بكر أربعين وجلد عمر ثماتنين وكل سُنّة، وقد روى هذا الحديث على هذا الوجه فوهم بعض الرواة فرواه كذلك وقوله (وكل سنة)؛ لأن مبنى القضيتين على السُنّة، فسمىّ كلا منهما سنة لأنهما أخذتا من السنة ويبين هذا المعنى قوله ﷺ (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) هذا وجه التوفيق بين هذه الرواية كيلا تختلف اختلاف التناقض ولا تضرب الأحاديث الواردة فيه بعضها ببعض.
[٢٦٢٥] ومن الحسان قول عبد الرحمن بن الأزهر ﵁ في حديثه: (ومنهم من ضربه بالميتخة) ذكره الهروى أنها الدرة، وجعلها من: تاخ يتوخ. ولم نجد لهذا الاشتقاق أصلا فيما اطلعنا عليه من كتب اللغة. وقد ذكر بعض علماء العربية أن ذلك لو كان على ما زعم لكان من حقه أن يَرد على وفاق المشورة والمروحه.
وقد روى هذا اللفظ من وجهين سوى ما ذكرنا أحدهما: المتيخة على وزان السكينة والثاني: الميتخة بتقديم الياء المنقوطة باثنتين من تحت على الناء، وعلى الوجهين فالميم أصلية، وذلك من قولهم: متخ الله رقبته، ومتخه بالسهم، أي: ضربه. وقد وردت الرواية بالوجوه الثلاثة. ونقل في الوجه الأول أن التاء مبدلة من الطاء من: طيخه العذاب، أي: ألحَّ عليه. أو من الدال، من: ديَّخه أي: ذلّله [قال الشيخ ﵀]: وقد وجدت الحافظ أبا موسى قدم الوجهين اللذين ذكرنا أن الميم فيهما أصلية تنبيهاً على أن ذلك أوثق الروايتين عنده.
стр. 810
[٢٦٢٧] ومنه قول ابن عباس ﵁ فَلقى يميل في الفَجّ) الفجُّ [٩٣/ب]: الطريق الواسع بين الجبلين، وأرى أن ذلك كان بمكة؛ لأن دار العباس بها واقعة في أحد شعابها؛ إذ ليست الدار التي تنسب إلى العباس بالمدينة في فج من الفجاج ولا مقاربة منه.
ومن باب ما لا يدعى على المحدود
(من الصحاح)
[٢٦٢٨] حديث عمر بن الخطاب ﵁ (أن رجلاً اسمه عبد الله يلقب حمارًا ... الحديث) هذا الرجلا لا يُعرف في الصحابة إلا بهذا الاسم وهذا اللقب، وحديثه عند زيد بن أسلم عن أبيه.
стр. 811
وفيه عن النبي ﷺ : (لا تلعنوه، فوالله ما علمت أنه يحب الله ورسوله) أي الذي علمتُ أنه يحب الله ورسوله.
ومن باب التعزير
(من الصحاح)
[٢٦٣٣] حديث أبي بردة بن نيار ﵁: (لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله) اختلفت أقاويل أهل العلم في جلدات التعزير، فمنهم من ذهب إلى ظاهر هذا الحديث ﴿وقليل ما هم﴾ والأكثرون الذين رأوا خلافه اختلفوا فيه: فمنهم من قال: لا يبلغ به إلى أربعين. ومنهم من قال: هو ما بين عشرين إلى ثلاثين. ومنهم من قال: إلى خمسة وسبعين. ومنهم من قال: يراعى فيه عظم الذنب وصغره. ثم إنهم اختلفوا بعد ذلك: فمنهم من قال: إن للإمام أن يبلغ به إلى أقل من ثمانين. ومنهم من قال: إن رأى أن يعاقبه بما فوق الثمانين فله ذلك، على حسب ما يراه من العقوبة فيما ارتكبه. وفي أقاويل هؤلاء دلالة على أنهم أوّلوا حديث أبي برة، أو حملوا الأمر فيه على النسخ. والوجه فيه أن يقال: روى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا قال الرجل للرجل يا يهودي فاضربوه عشرين) وروى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلاً قتل عبده فجلده النبي ﷺ مائةً ونفاه سنة ولم يكن شيء مما ذكر في هذين الحديثين من جملة الحدود المنصوص عليها، ولم يتحقق التقدم والتأخر من حديث
стр. 812
أبي بردة، فحملنا الأمر فيه على أنه أراد بقوله (إلا في حد من حدود الله) ما يقام على سبيل العقوبة والتنكيل. وأراد بما يعزر فاعله بعشر جلدات ما يقام على طريق التأديب والتقويم، كالذي يضرب ولده الصبي على ترك الصلاة أو عبده لتقصير كان منه ونحو ذلك. وضمّ ما سواه إلى جملة الحدود، وإن لم يكن منها، للمشابهة التي بين النوعين في ارتكاب المحظور وعظم الذنب.
أو سماه حدًا؛ لأن المتهافت فيه تجاوز الحدّ الذي شرع له، هذا هو السبيل في تأويل هذا الحديث لئلا يلزم من الأخذ بظاهره ردُّ ما عداه. [٩٤/أ].
[٢٦٣٥] ومنه قوله ﷺ في حديث ابن عباس ﵁ (ومن وقع على ذات رحم محرم فاقتلوه) حمل جمع من العلماء الأمر بالقتل في هذا الحديث وفيما يجري مجراه على أنه في حق المستحل.
وقد اتفق العلماء أن فاعل ذلك لا يجب عليه القتل، إنما يجب عليه الرجم إن كان محصناً، ثم إنهم اختلفوا إذا كان ذلك بنكاح: فمنهم من لم يفرق بين الصورتين، ومنهم من قال: يجب فيه التعزير والعقوبة البليغة. وقالوا: لّما أمر بالقتل ولم يأمر بالرجم علم أنه ليس بحد، وهو قيل أبي حنيفة وسفيان الثوري. وقد استدل مخالفوهم أيضا بحديث البراء "مرَّ على خالي ومعه لواء .. الحديث) وقد ذكرنا الحديث قبل ذلك، وبينا ما يدل على أن الرجل كان محارباً مستحلاً.
[٢٦٣٦] ومنه حديث عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا وجدتم الرجل قد غل في سبيل الله فاحرقوا متاعَه) قد ذكرنا في غير موضع أن هذا الحديث وما يجرى مجراه في العقوبة بأخذ المال أو بإحراقه كان في أول الأمر بالمدينة ثم نسخ.
стр. 813
=====
стр. 814
=====
стр. 815
ومن كتاب الإمارة والقضاء
(من الصحاح)
[٢٦٥٢] قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁: (وإن قال بغيره فإن عليه منه) قال بغيره أي: أحبه وأخذ به إيثاراً له وميلاً إليه. وذلك مثل قولك: فلان يقول بالقدر، ويقول بالرجعة، وما أشبه ذلك. فالمعنى: أنه يحبه ويؤثره. ويجوز أن يكون معناه: حكم بغيره، فإن القول يستعمل في معنى الحكم ومنه القيل. وقوله: (فإن عليه منه) أي: عليه وزر من صنيعه ذلك. [قال الشيخ ﵀]: وقد وجدناه في أكثر نسخ المصابيح (فإن عليه منه) بتشديد النون مع ضم الميم وتاء التأنيث آخره، على أنها كلمة واحدة، وهو تصحيف غير محتمل لوجه هاهنا، وإنما هو حرف الجر مع الضمير المتصل به.
[٢٦٥٧] ومنه قول عبادة بن الصامت- ﵁ في حديثه (والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا) يقول: بايعنا رسول الله ﷺ على أن نسمع ونطيع فيما تنشط فيه النفس وفيما تكرهه، وبايعناه على أثرة
стр. 816
علينا الأثرة بالتحريك الاسم من الاستئثار يقال: استأثر الرجل بالشيء أي: استبد به، وجمع الأثرة الأثر. ومنه قول الحطيئة في أمير المؤمنين عمر- ﵁:
ما آثروك بها إذ قدموك لها ... لكن لأنفسهم كانت بن الأثر
(وعلى أثرة علينا) راجع إلى من يلي الأمر من الأمراء وأصحاب البيعة من أولى الأمر فيستأثر بحق المبايع غيره عليه فإن هذا [٩٤/ب] مما لا يمكن في حق النبي ﷺ ومما لا يظن أيضاً بالخلفاء الراشدين. وأراد: أن النبي ﷺ أخذ منا البيعة على أن نصبر على أثرة علينا، فلا ننابذ من بويع من ولاة الأمر فصنع هذا الصنيع.
وهذا الذي ذكره عبادة في حديثه هو الذي أشار إلى النبي ﷺ بقوله في حديث أسيد بن حضير لرجل من الأنصار وقد خلا به- (إنكم سترون بعدي أثرة).
وفيه: (كفراً بواحاً) أي: جهاراً لا خفاء به، من قولهم: باح الشيء وأباحه: إذا جهر به.
[٢٦٦٠] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ (من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة الجاهلية .. الحديث) الميتة بكسر الميم: الحالة التي يكون عليها الإنسان من الموت كالجلة والركبة يقال: مات فلان ميتة حسنة، وإنما قال: جاهلية؛ لأن أهل الجاهلية لم يكونوا متمسكين بطاعة أمير ويعدون ذلك سفاهة ودناءة، لا جرم أن القوي منهم كان يأكل الضعيف، ثم لا يزعه وازع. وكان ذلك الرأي منهم حقيقاً بان يخطأ ويسفه ويذم عليه.
وفيه (ومن قاتل تحت راية عميقة) أي: قاتل على أمر مظلم لا يعرف فيه الحق من الباطل، وقد مر تفسير العمية.
وفيه (فقتل، فقتلة) قتلة بكسر القاف وهي: الحالة التي تكون عليها من القتل على ما مر. وذلك؛ لأن الأمر الموصوف كان من سنن أهل الجاهلية المخالف لهدى أهل الإسلام.
стр. 817
[٢٦٦٢] ومنه حديث أم سلمة- ﵂ عن النبي ﷺ (يكون عليكم أمراء تعرفون وتنكرون .. الحديث) أي ترون منهم من حسن السيرة ما تعرفون وترون من سوء السيرة وما تنكرون (فمن أنكر) يعني بلسانه فيفاوضهم فيما هو حق الدين وواجب النصيحة (فقد برئ) يعني: من النفاق والمداهنة. (ومن كره) ذلك بقلبه ومنعه الضعف عن إظهار ما يضمر من النكير (فقد سلم) من العقوبة على ترك النكير ظاهراً. وقوله: (ولكن من رضى وتابع) المعنى: ولكن الذي رضى بالمنكر وتابع عليه هو الذي لم يبرأ من النفاق ولم يسلم من العقوبة.
[٢٦٦٣] ومنه حديث ابن مسعود ﵁ قال لنا رسول الله ﷺ : (إنكم سترون بعدي أثرة وأموراً .. الحديث) قد ذكرنا المراد من الأثرة وإنما أعدناه؛ لأن في بعض نسخ المصابيح (أموراً) بغير واو والرواية المعتد بها بواو العطف. وفي كتاب مسلم (سيكون بعدي أثرة وأمور).
[٢٦٦٥] ومنه قوله ﷺ في حديث ابن عمر- ﵄ (من خلع يداً من طاعة) وفي الحديث أيضاً (من نزع يداً من طاعته) وكلا اللفظين عبارة عن نقض البيعة وذلك؛ لأن من شأن المبايع أن يضع يده في يد من يبايعه فلما كان وضع اليد كناية عن إنشاء البيعة وإمضائها؛ صار خلع اليد ونزعها عبارة عن نقضها.
стр. 818
[٢٦٦٧] ومنه حديث أبي سعيد الخدري- ﵁ قال رسول الله ﷺ (إذا بويع الخليفتين فاقتلوا الآخر منهما) الوجه في هذا الحديث أن يحمل القتل فيه على القتال. او يقال المراد من القتل بإبطال بيعة الآخر وتوهين أمره. من قولهم: قتلت الشراب أي: مزجته وكسرت سورته بالماء.
ومنه قول حسان بن ثابت- ﵁:
إن التي ناولتني فرددتها ... قتلت قتلت! فهاتها لم تقتل
стр. 819
[٢٦٧٨] ومنه حديث عبد الله بن عمرو- ﵁: (ألا وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته .. الحديث) الأصل في الرعي حفظ الحيوان، إما بغذائه الحافظ لحياته، وإما بذب العدو عنه. يقال: رعيت الإبل أرعاها رعياً. وكذلك رعي البعير الكلأ بنفسه رعياً ورعي الأمير رعيته رعاية، وهو القيام على إصلاح ما يتولاه. أي: كلكم يسأل عما استرعى أي شيء كان، فلا يكونن مقصراً في إصلاح ذلك الشيء ورعايته، فإن الله سائلة عن ذلك.
[٢٦٨١] ومنه حديث عائشة- ﵂ عن النبي ﷺ (إن شر الرعاة الحطمة) الراعي يجمع على رعاء ورعاة. أراد به الراعي الذي يظلم رعيته يقال: رجل حطم وحطمة: إذا كان قليل الرحمة للماشية يلقى بعضها على بعض قال الراجز:
قد لفها الليل بسواق حطم
[٢٦٨٣] ومنه حديثه الآخر عن النبي ﷺ : (إن المقسطين على منابر من نور .. الحديث) القسط بالكسر العدل. والأصل فيه التنصيب. تقول منه: قسط الرجل: إذا جار، وهو أن يأخذ قسك غيره. والمصدر: القسوط. وأقسط: إذا عدل. وهو أن يعطي نصيب غيره. ويحتمل أن الألف أدخل فيه لسلب المعنى كما
стр. 820
أدخل في كثير من الأفعال إزالة القوط. وقد فر المقسطين في الحديث بما وصفهم به من قوله: (الذين يعدلون .. إلى آخر الحديث) والمراد من قوله: (عن يمين الرحمن) كرامتهم على الله وقرب محلهم وعلو منزلتهم وذلك، لأن من شأن من عظم قدره في الناس أن يتبوأ عن يمين الملك ثم إنه نزه ربه سبحانه عما سبق إلى فهم من لم يقدر الله حق قدره من مقابلة اليمين باليسار، وكشف عن حقيقة المراد بقوله: (وكلتا يديه يمين).
[٢٦٨٥] ومنه حديث أنس- ﵁ (كان قيس بن سعد من النبي ﷺ بمنزلة صاحب الشرط من الأمير) قيس هذا هو قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري سيد الخزرج وابن سيدها أحد دهاة العرب وأهل الرأي ورياسة الجيوش، وكان من ذوي النجدة والبسالة والكرم والسخاء، وكان طوالاً سناطاً. أراد: أنه كان منتصباً بين يديه لتنفيذ ما يريد ويأمر به كصاحب الشرط الذي يتقدم بين يدي الأمير لتنفيذ أوامره وهو الحاكم على الشرط للأمور السياسية. والشرط جمع شرطة وشرطي، وهم قواد الأمير وحراسه ومسالحه، سموا بذلك؛ لأنهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها.
(ومن الحسان)
[٢٦٨٧] قوله ﷺ في حديث حذيفة- ﵁: (من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه) قيد شبر أي: قدره يقال: بينهما قيد رمح وقاد- رمح أي: قدر رمح. ومنه
стр. 821
الحديث (حين مالت الشمس قيد الشراك). وفي حديث آخر (حتى ترتفع الشمس قيد رمح) يعني في رأي العين في الحديثين وفي حديث آخر: (لقاب قوس أحدكم من الجنة أو قيد سوطه) قيل: أصل قيد قود من القود وهو المماثلة والقصاص يدل عليه قولهم: قيس كذا (والربق) بالكسر: حبل فيه عدة عرى يشد به إليهم. الواحدة من العروة ربقة. شبه ما لزم الأعناق من حق الدين وذمة الإسلام بالربقة التي تجعل في أعناق إليهم، فاستعملها موضع العهد؛ لأنها تلزم لزوم الربائق الأعناق.
والمعنى: أن الذي خرج عن الطاعة وفارق ما عليه الجماعة بترك السنة واتباع البدعة ونزع اليد عن الطاعة ولو كان قدراً يسيراً يقدر في الشاهد قيد شبر، فقد نبذ عهد الله [٩٦/أ] وأخفر ذمته التي لزمت أعناق العباد لزوم الربقة.
وفيه: (من دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثي جهنم) الدعوى: الدعاء. قال الله سبحانه: ﴿وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾ يقال: دعوته أي ناديته. والمعنى: من نادى بمثل نداء الجاهلية، وذلك أن الرجل منهم إذا غلب في الخصام ونيل منه نادى بأعلى صوته يا لفلان مستصرخاً ذويه وقومه فأتاه الصريخ من هنا وهنا مهرولين نحوه لا يلوون على شيء، قائمين بنصره ظالماً أو مظلوماً جهلاً منهم وعصبية، فأعلمهم النبي ﷺ أن الذي يبتغي في الإسلام سنة الجاهلية ويقتفيها فغنه من أهل جهنم. وجثى المقصورة فسرت بالجماعات وذلك أن الجثوة بالحركات الثلاث الحجارة المجموعة، وجثى الحرم- بضم الجيم وكسرها أيضاً- ما اجتمع فيه من حجارة الجمار والمفتوحة فيها يجمع على جثوات. وعلى هذا فضم الجيم وكسرها جائز فيها. والتي نحث والتي تحققها رواية الضم، ومن حقها أن تكتب بالياء. وأصحاب الحديث يرجعون في أمثال ذلك إلى ما يقتضيه التلفظ، فيكتبون بالألف كثيراً من الألفاظ التي حقها أن تكتب بالياء؛ لئلا تلتبس على الناقل، وهو سبيل لا يرتضيه أهل العربية. وقيل: (من جثى جهنم) بالياء المشددة جمع جاث. أي: الذين يجثون فيها. وأرى هذا الوجه- وإن قلت منه الرواية- أشبه بالصواب؛ لما يؤيده صيغة التنزيل قال الله تعالى: ﴿ونذر الظالمين فيها جثياً﴾ وعلى هذا فيجوز كسر الجيم فيه لما بعدها من الكسرة وقد قرئ بها في كتاب الله.
[٢٦٩٢] ومنه حديث حذيفة- ﵁ عن النبي ﷺ (إن العرافة حق ولابد للناس .. الحديث) العريف شاهد القوم وضمينهم كالنقيب يقوم بأمر القبيلة والمحلة ويلي أمورهم ويتعرف الأمير منه أحوالهم وهو دون الرئيس، والجمع عرفاء، تقول: عرف فلان- بالضم- عرافة- بالفتح- أي: صار عريفاً
стр. 822
مثل: خطب خطابة بالفتح: إذا صار خطيباً. وإذا أردت أنه عمل ذلك قلت: عرف يعرف عرافة مثل كتب يكتب كتابة والتي في هذا الحديث (العرافة) بالكسر. وقوله (حق) يقع هاهنا موقع المصلحة والأمر الذي تدعو إليه الضرورة في ترتيب البعوث والأجناد وما يلم به شعثهم من الأرزاق والأعطيات والإحاطة بعددهم [٩٦/ب]؛ لاستخراج السهمان ونحوه. وقوله: (العرفاء في النار) أي: فيما يقربهم إليها ورد هذا القول مورد التحذير عن التبعات التي يتضمنها والآفات التي لا تؤمن فيها والفتن التي يتوقع منها، والأمر بالتيقظ دونها، وغير ذلك من البليات التي قلما يسلم منها الواقع وفيها.
[٢٦٩٤] ومنه قوله ﷺ في حديث بن عباس- ﵄: (من سكن البادية جفا) جفا أي: غلظ فلا يرق قلبه لبر أو صلة. وفي غير هذه الرواية (من بدا جفا) من البداوة. وإنما يؤنس منه الفظاظة والغلظة لقلة اختلاطه الناس، وطول عهده بأهل العلم ومن يستفيد منه أدبا لحرمته عن تركه الجمعة والجماعات. ومنه قوله ﷺ (البداء من جفا) أي: من غلظ الطبع.
стр. 823
ومن باب ما على الولاة من التيسير
[٢٧٠٧] حديث أبي سعيد الخدري- ﵁ عن النبي ﷺ : (لكل غادر لواء عند استه .. الحديث) الأصل في الغدر ترك العهد. والغادر: هو الذي يختل قولاً ولا يفي فعلاً. والمعنى: أن الله تعالى يشهده على رءوس الأشهاد بما ارتكبه من الغدر بلواء يعرف به كما يعرف زعيم الجيش باللواء الذي ينصب خلفه. وإنما قال (عند استه) استخفافاً بذكره واستهانة لأمره. قوله: (ولا غادر أعظم غدراً من أمير عامة) أراد المتغلب الذي يستولي على الأمر من غير استحقاق ولا مشورة من أهل الحل والعقد فيؤمره العامة وتقدمه وقد أخره الكتاب والسنة.
стр. 824
(ومن الحسان)
[٢٧٠٨] حديث عمرو بن مرة- ﵁ عن النبي ﷺ (من ولاه الله شيئاً من أمر المسلمين .. الحديث) [أي: أبعده وأقصاه ومنعه] عما يبتغيه، فلا يجد سبيلاً إلى حاجته. والحاجة والخلة والفقر متقاربة في المعنى. وإنما ذكرها إما على وجه التأكيد، وإما لأنه أراد بالأولى ما هو أخف مؤنة من الثانية، وبالثانية ما هو أمس وأصعب، وعلى هذا الثالثة، على حسب مراتب ذوي الفاقة والحاجة. وهذا الوجه أمثل الوجهين.
ومن باب العمل في القضاء والخوف منه
(من الحسان)
[٢٧١١] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ (من جعل قاضياً بين الناس فقد ذبح بغير سكين ليعلم أنه [٩٧/أ] أراد به الذبح على وجه الاتساع؛ وذلك أنه ابتلى بالعناء الدائم والأمر المعضل الذي لا يجد عنه بدا، وشتان بين الذبحين فإن الذبح بالسكين عناء
стр. 825
ساعة، والآخر عناء عمر، بله ما يعقبه من الندامة في يوم القيامة، ثم إن الذبح بالسكين أهون على المذبوح وأروح له.
والمراد منه: التوقيف على الأخطار المتضمنة للقضاء، والتنبيه على التوقي منه، والتحذير عن الحرص عليه.
[٢٧١٤] ومنه حديثه الآخر عن النبي ﷺ : (من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدله جوره .. الحديث) ربما يسبق إلى فهم بعض من لا يتحقق القول أن المراد من الغلبة أن يزيد ما عدل فيه
стр. 826
على ما جار وهذا باطل، وإنما المراد من الغلبة في كلا الصيغتين: أن يمنعه إحداهما عن الأخرى فلا يجوز في حكمه أو لا يعدل، وأرى في قوله: (من طلب قضاء المسلمين) تنبيهاً على أن الذي لم يطلبه ولم يلتبس به اختياراً ورغبة أهون عقوبة من الذي اختاره.
ومن باب رزق الولاة وهداياهم
(من الصحاح)
[٢٧٢٠] حديث عائشة- ﵂ لما استخلف أبو بكر- ﵁ قال: (لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤنة أهلي) وأراد بالحرفة هنا الصناعة وهي: ما كان يتعنى به من الكسب. يقال: هو يحرف لعياله أي: يكسب من هاهنا وهاهنا. أي: قد علمت قريش أن الذي كنت أتعامل فيه وأتعانى به من الكسب كان يقوم مؤنة أهلي. يريد: أني شغلت اليوم بأمر المسلمين، فلا سبيل لي إلى التفرغ لما كنت بصدده (فسيأكل آل أبي بكر) يعني: أهله وعياله. وآل الرجل: من يئول إليه في دين أو مذهب أو نسب، وقد يطلق على الشخص نفسه. [وقد مر بيانه فيما تقدم. وفي نسق الكلام نوع من (الإشارة) على أنه أراد بآل أبي بكر نفسه] وهو قوله: (ويحترف للمسلمين) أي: يكتسب بالتصرف في أموال المسلمين للمسلمين بدل ما يتناول من ذلك [قلت:] ويعرب كلامه هذا عما أسره من إخلاص العمل لله، والأخذ بحقائق الأمور، والتنزه عما عسى أن يحدث شائبة شبهة، أو يورث خلجة في الصدور؛ ذلك أنه رأى أن يجعل سعيه في استزادة مال الله وتنميته، عوض ما يأكل منه. ولم ير أن يأكل بالخلافة وبما يقوم به من أمر الدين، وإن كان في فسحة من ذلك، ولم يرض بذلك أيضاً ولم يقدم عليه [٩٧/ب] إلا بعد أن ألجئ إليه، فإنه لما بويع رؤى عصر يومه ذلك وعلى منكبه أثواب مطوية يعرضها للبيع، فاستعظم ذلك المسلمون وطفقوا يقولون: أصبح خليفة رسول الله ﷺ يبيع ويشتري في السوق، فتألبوا عليه وكلموه كلاماً شديداً، ثم قالوا: خذ من مال الله أو من أموالنا أكثر ما كنت تنال من كسبك؟ فقال: أعهد عهده إليكم رسول الله ﷺ ؟ قالوا: لا، قال: أفتأمروني أن أحدث بدعة؟ فلما ألحوا عليه ورأى أنهم مصيبون في قصدهم عما يرون من تعظيم أمر الخلافة والاهتمام بها كل الاهتمام؛ قال قوله هذا، ثم
стр. 827
فرض لنفسه مدين من الطعام وإداماً زيتاً أو نحوه ورداء في الصيف شحريين أو يمانيين أو هجرتيين، وفروة أو جبة في الشتاء، وظهر بعير لحاجته في السفر والحضر، وكان هذا الذي يتناول من مال الله حتى مضى لسبيله- ﵁
(ومن الحسان)
[٢٧٢٢] حديث عمر- ﵁ في حديثه (فعملني) أي أعطاني عمالتي وأجرة عملي وكذا أعلمني. وقد يكون عملني بمعنى ولاني وأمرني.
[٢٧٢٣] ومنه قول معاذ- ﵁ في حديثه (فلما سرت أرسل في أثري) أثر الشيء: حصول ما يدل على وجوده، ومن هذا يقال للطريق المستدل به على ما تقدم: آثار. ويقال أثره بالتحريك، وإثر بكسر الهمزة وتخفيف الياء، وبالصيغتين وردت الرواية.
[٢٧٢٦] ومنه حديث عبد الله بن عمر- ﵁ عن النبي ﷺ (لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي) الراشي هو المعطي والمرتي هو الآخذ. ومن الزيادة في بعض طرق هذا الحديث (والرائش) وهو الذي يمشي بينهما. والرشوة- بكسر الراء وضمها- الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة، أخذ من الرشاء
стр. 828
وهو: الحبل يستقى به الماء، فجعلت الرشوة في التوصل إلى ما ينبغي مكان الرشاء في التوصل إلى الاستيفاء، وقيل: هي من رشى الفرخ: إذا مد عنقه إلى أمه لتزقه. والرشوة قلما تستعمل إلا فيما يتوصل به إلى إبطال حق أو تمشية باطل، فأما ما يعطيه الرجل ليتوصل به إلى حق أو يدفع به ظلماً، فلا يستوجب عليه اللعن، وقد رخص فيه جمع العلماء. وروى أن ابن مسعود- ﵁ أخذ في شيء بأرض الحبشة- فأعطى دينارين حتى خلى سبيله [٩٨/أ].
[٢٧٢٧] ومنه قوله ﷺ في حديث عمرو بن العاص- ﵁ (وأزعب لك زعبة) يقال: زعبت له زعبة من المال، بالزاي المنقوطة والعين المهملة- أي: دفعت له قطعة منه، والزعبة- بفتح الزاي وضمها الدفعة من المال.
стр. 829
ومن كتاب الأقضية والشهادات
[٢٧٢٩] حديث بن مسعود- ﵁ عن النبي ﷺ (من حلف على يمين صبر ... الحديث) يريد يمينا يصبر فيها أي: يحبس فيصير ملزماً باليمين، ولا يوجد ذلك إلا بعد التداغي. والأصل في الصبر الحبس. وقد ذكرنا فيما مر قوله: (على يمين صبر) أقام اليمين مقام المحلوف عليه، أو أراد حلف على تلك الصيغة.
[٢٧٣٠] ومنه حديث أبي أمامة بن ثعلبة الأنصاري الحارثي- ﵁ عن النبي ﷺ : (من اقتطع حق امرئ [مسلم] بيمينه .. الحديث) اقتطع أي: ذهب بطائفة من ماله ففصلها عنه. يقال: اقتطعت من الشيء قطعة. وأما وجه قوله: (أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة) قد ذكرنا فيما تقدم أن ما ورد من الوعيد على هذا المنوال فإنه لا يحكم به في حق المؤمن، إلا أن يحمل على تحريهما في وقت مؤقت دون التأبيد. وإنما يخرجه الشارع هذا المخرج تعظيماً للأمر وتهويلاً منه، ومبالغة في الزجر وذلك؛ لأن المرتكب هذه الجريمة قد بلغ في الاعتداء الغاية القصوى حيث انتهك حرمة بعد حرمة.
إحداهما: اقتطاع مال لم يكن له ذلك. والثانية: الاستخفاف بحرمة وجب عليه رعايتها وهي حرمة الإسلام وحق الإخوة. والثالثة: الإقدام على اليمين الفاجرة. وإذا عدلنا فيه عن هذا التأويل، فلا سبيل إلا أن يحمل على المستحل لذلك ديناً وملة.
[٢٧٣١] ومنه قوله ﷺ في حديث أم سلمة- ﵂: (ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته) أي: أفطن بها. من اللحن- بفتح الحاء- وهو الفطنة. وإنما ابتدأ في الحديث بقوله: (إنما أنا بشر) تنبيهاً على أن السهو والنسيان غير مستبعد من الإنسان، وأن الوضع البشرى يقتضي أن لا يدرك من
стр. 830
الأمور إلا ظواهرها فإنه خلق خلقاً لا يسلم من قضايا تحجبه عن حقائق الأشياء. ومن الجائز أن يسمع الشيء يسبق إلى وهمه أنه صدق ويكون الأمر بخلاف ذلك، وأنى إن تركت على ما جبلت عليه من القضايا البشرية ولم أؤيد بالوحي السماوي طرأ ما منها [٩٨/ب] ما يطرأ على سائر البشر. فإن قيل: أو لم يكن النبي ﷺ مصوناً في أقواله وأفعاله معصوماً على سائر أحواله؟
قلنا: غن العصمة تتحقق فيما يعد عليه ديناً ويقصده قصداً. وما نحن فيه فليس بداخل في جملته، فإن الله تعالى لم يكلفه فيما لم ينزل عليه إلا ما كلف غيره، وهو الاجتهاد في الإصابة، يدل عليه ما روى عنه في الحديث الذي ترويه أم سلمة من غير هذا الوجه، وهو في حسان هذا الباب: (إنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل على).
فإن قيل: أفيجوز أن يظن به في الحكم غير الحق وفي الاجتهاد سوى الإصابة قلنا: عوذاً بالله مما قدرت أو ما علمت أن كتمان الحق من الشهود واستمرار أحد المتداعيين على الباطل وعجز أحدهما عن تقرير الحق في نصابه لا يعود على الحاكم بخطأ أو جور، فإن ذلك لم ينشأ من قبله، ولم يكن من كسبه.
وجملة القول في هذا الباب أن نقول: إن النبي ﷺ اما كان أسوة للعالمين، أخذ به في أحكام الشريعة مسلكاً يتيسر للتابعين سلوكه، ويتضح للمتقدمين نهجه. ولو كشف له الغطاء، وأزيل له الخفاء في الأحكام الجارية بين العباد عن الحق الأبلج والصدق الصراح بالوحي السماوي، لم يدرك المؤتى به شأوه، ولم يعرف الناقل عنه مأخذه ومغزاه، ثم كان ذلك أيضاً سبباً لكشف الأسرار، وذريعة إلى هتك الأستار، وألجئ الخلق فيه إلى الحق من غير اختبار في أخبار الديانات، واختيار موجب للمتوبات والعقوبات، وبغيرهما جرت سنة الله في العباد والبلاد.
وقد كان المنافقون يأتون رسول الله ﷺ بالقول الزور، فيكتفي عنهم بالظاهر منه، إما لأن الله تعالى، زوي عنه علم ذلك، وإما لأن الله تعالى ائتمنه عليه فخصه به، وقد كان القاذف يحد، وربما كان صادقاً في حديثه فلا يبين له، وكذلك المتلاعنان، كل ذلك بعلم الله وأمره وقضائه وقدره في عباده ﴿ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة﴾ هذا، ومن تدبر هذا الفصل وتصور هذا القول، سهل له سبيل السلامة عما يكاد يحيك في النفوس، أو يختلج في الصدور من أحاديث هذا الباب، والله الملهم للصواب.
[٢٧٣٢] ومنه حديث عائشة- ﵂[٩٩/أ] عن النبي ﷺ (قضى بيمين وشاهد) وجه هذا الحديث عند من لا يرى باليمين والشاهد الواحد على المدعى عليه أنه محتمل؛ لأن يكون قضى بيمين المدعي عليه بعد أن أقام [المدعي] شاهداً واحداً، وعجز أن يتم البينة، وذلك لأن الصحابي لم يبين في حديثه صيغة القضاء. وقد روي عن ابن عباس بطرق مرضية ان النبي ﷺ قضى باليمين مع
стр. 831
الشاهد، وهذه الرواية تقوي ذلك الاحتمال، ولا يترك مع وجود ذلك الاحتمال ما ورد به التنزيل قال الله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ وقال ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ فلما ورد التوقيف بذلك لم يروا أن يحكموا بأقل من ذلك إلا بدليل مقطوع به. واستدلوا أيضاً بحديث وائل بن حجر الذي يتلو حديث ابن عباس هذا، وذلك قوله ﷺ : (ألك بينة) قال: لا قال: (فلك يمينه) فلما أعاد عليه القول قال: (ليس لك منه إلا ذلك) وقد ذكروا في اختلاف الروايات وما روى بخلافه عن بعض التابعين أن القضاء بيمين المدعي وشاهد لم يكن إلا بعد الخلفاء الراشدين ما لم نر التعرض له؛ حذراً عن الإطالة.
[٢٧٣٤] ومنه حديث وائل بن حجر الحضرمي- ﵁ (جاء رجل من حضر موت ورجل من كندة .. الحديث) الحضرمي هو ربيعة بن عيدان بفتح العين وياء منقوطة بثنين من تحت. ومن الرواة من يكسر العين، والكندي هو امرؤ القيس بن عابس، وهما اللذان عناهما الأشعث بن قيس في حديثه، وهو في الحسان من هذا الباب.
[٢٧٣٦] ومنه حديث زيد بن خالد- ﵁ عن النبي ﷺ : (ألا أخبركم بخير الشهداء .. الحديث) أراد به الشاهد الذي يكون ذاكراً لشهادته، متربصاً للأداء، متحرجاً عن الكتمان، فإذا علم بالمشهود له حاجة إلى أدائها سبق إعلامه إياها بما عنده سؤاله عنها. وعند كثير من العلماء إقامة الشهادة [٩٩/ب] قبل السؤال غير قادح في العدالة، ولا مفض إلى التهمة، ويرون قول النبي ﷺ : (ويشهدون ولا يستشهدون) محمولاً على أنه فيمن لم يستشهد في بدء الأمر فشهد بالزور ليتوافق الحديثان.
قلت: ولو حمل قوله: (ويشهدون ولا يستشهدون) على من يأتي بها قبل المطالبة [اعتناء] بالمشهود له، وعناداً مع المشهود عليه، وحرصاً على أذيته، لم يلزم منه اختلاف.
[٢٧٣٧] قوله ﷺ في حديث ابن مسعود- ﵁: (ثم يجئ قوم تسبق شهادة أحدهم
стр. 832
يمينه)، أشار بذلك إلى أنه يكون ظنيناً في شهادته، مغموضاً عليه في أمور الديانات، لا يعبأ بشهادته لاشتهاره بالزور، فتارة يحلف على شهادته قبل أن يأتي بها، وتارة يشهد فيحلف عليها تزجية للشهادة باليمين.
(ومن الحسان)
[٢٧٤١] حديث جابر- ﵁ في حديثه: (أنها دابته نتجها)، أي: ولدها، ومصدرها النتج، وقد بين معنى النتج، والنتاج مستوعباً في باب القدر.
стр. 833
[٢٧٤٥] ومنه حديث الأشعث بن قيس الكندي- ﵁: (كان بيني وبين رجل من اليهود .. الحديث) الرجل اسمه معدان أبو الخير، ويقال: جفشيش، والأثبت والأكثر أن معدان هو جفشيش وجفشيش. لقب ومعدان هو اسم. وقيل: هو جرير بن معدان. ويقال: جفشيش بالجيم والحاء وبالخاء والأكثر الجيم.
وقد اختلفت أقاويل الحفاظ في المتحاكم إلى النبي ﷺ مع الأشعث، فذكر أبو نعيم في كتابه أنه جفشيش، وذكره أيضاً الحافظ المقدسي أبو الفضل، على ما ذكره أبو نعيم فإن كان الأمر على ذلك فلا نراه إلا وقد أسلم يعد أن كان يهودياً؛ لأنه مذكور في كتب المعارف في جملة من يذكر من الصحابة، ذكره ابن عبد البر وغيره، وعلى ما ذكره ابن عبد البر فإنه غير المتحاكم مع الأشعث، فقد روي عن الشعبي عن الأشعث قال: (كان بين رجل منا وبين رجل من الحضرميين، يقال له: الجفشيش خصومة في أرض) فإن كان هذا أثبت الروايتين، فهما غير اللذين ذكرا في حديث وائل بن حجر [والله أعلم].
[٢٧٤٨] ومنه حديث جابر- ﵁ قال رسول الله ﷺ : (لا يحلف أحد عند منبري هذا- الحديث) وجه ذكر المنبر فيه، عند من يرى ذلك تغليظاً في اليمين ظاهر، وأما عند من لا يرى التغليظ يتأتى في شيء من الأزمنة والأمكنة، فالوجه فيه أن يقال: غنما جرى ذكر المنبر؛ لأنهم كانوا يتحاكمون ويتحالفون يومئذ في المسجد، فاتخذوا الجانب الأيمن منه، وهناك المنبر محلا للأقضية. وقد وجدت القاضي بالمدينة- عظم الله حرمها وعلى ساكنها الصلاة والسلام- يحكم عند المنبر، فذكر في الحديث على ما كان. وأرى
стр. 834
هذا تأويلاً حسناً، لا نرى العدول عنه، لئلا نفتقر ان نعدل بالحلف بالله شيئاً. واليمين الآثمة موجبة لسخط الله ونكاله على أية صيغة كانت.
[٢٧٥٠] ومنه حديث عائشة- ﵁ ترفعه يعني: إلى النبي ﷺ : (لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة .. الحديث). ذهب بعض أهل العلم إلى أن لا اختصاص للخيانة في هذا الحديث بأمانات الناس دون ما ائتمن الله عليه عبادة من أحكام الدين قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم﴾. وهذا القول وإن كان حسناً من طريق الاستنباط، مستقيماً من حيث التقرير المعنوي، فإن حمله في هذا الحديث على أمانات الناس أوجه؛ لقوله ﷺ في الحديث الذي يتلوه من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (ولا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا زان ولا زانية) ولو كان الأمر على ما قدره لاستغنى بذكر الخيانة عن ذكر الزنا، فعلمنا أنه أراد بالخائن: الخائن الذي يخون في أمانات الناس، وعلى هذا وجدنا استعمال هذا اللفظ في الأكثر والأغلب من اللغة العربية، والخيانة- إن كانت من جملة الخفيات التي لا يطلع على حقيقتها إلا عالم الأسرار- فإنها تعرف بالدلالات والأمارات، وأراد بالخائن: الذي لا يكاد يخفي أمره على ذوي المعرفة به، لاشتهاره بالخيانة، وظهور ذلك عنه كرة بعد أخرى.
وفيه: (ولا مجلود حدا) الأقرب أن يكون المجلود هذا الذي جلد في القذف، على ما ورد به التنزيل وإن ذهب ذاهب إلى أن المراد منه الفاسق الذي عرف بالفسق وتبين منه ذلك، بما أقيم عليه من الحد، ولم ير منه فيئة، ولم يعلم له توبة، فله محمل، والوجه هو الأول.
وفيه: (ولا ظنين في ولاء ولا قرابة) قيل: إن الظنين في الولاء هو الذي ينتمي إلى غير مواليه، وعلى هذا، فالظنين في القرابة هو الذي ينتسب إلى غير أبيه، أو إلى غير دويه، والظنين بالظاء- هو المتهم، ولعل العلة في رد شهادتهما التباسهما بما يقبح في الأحدوثة، وانتهاجهما، في ذلك منهجاً لا يرضى به ذو دين ولا مروءة، وذلك إذا كانا مؤثرين للانتماء قصداً منهما، وكل ذلك من نواقض العدالة.
стр. 835
وفيه: (ولا القانع مع أهل البيت) هو كالتابع والخادم. وأصله السائل، وذلك لوجود التهمة في جر المنفعة إليهم، وكل ما وجد أحاديث هذا الباب غير معمول به عند بعض العلماء، فلا يخلو عن وهن في الحديث، أو ترجيح فيما يخالفه من طريق الرواية، أو احتمال تأويل يستقيم معه الجمع بين المختلف فيه من الروايات.
[٢٧٥٢] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (لا تجوز شهادة بدوي على صاحب القرية) ذهب إلى ظاهره بعض العلماء، والوجه فيه- على قول من يرى خلاف ذلك- أن يقال: يحتمل أن يكون معنى قوله: (لا تجوز) أي لا يحسن ذلك، ولا يرتضى؛ لحصول التهمة ببعد ما بين الرجلين، ثم لتعذر الوقوع بالبدوي عند الحاجة إلى إقامة الشهادة.
[٢٧٥٣] ومنه حديث عوف بن مالك- ﵁: (أن النبي ﷺ قضى بين رجلين، فقال المقضي عليه لما أدبر: حسبي الله ونعم الوكيل .. الحديث) العجز: أصله التأخر عن الشيء وحصوله عند عجز الأمر، وصار في التعارف اسماً للقصور عن فعل الشيء، وأريد به هاهنا التأخر عن الأمر بترك التدبير، والتقاعس عن مظان الطلب، والكيس ضد الأحمق. وأريد به هاهنا: التيقظ في الأمر وإثباته من حيث يرجى حصوله، وقد تبين لنا من نسق الكلام أن الرجل كان متكاسلاً لم يعط خصمه في الجواب حقه، ثم عرض بقوله: حسبي الله ونعم الوكيل أن صاحبه تعدى عليه فيما ادعاه، فبين له نبي الله ﷺ أنه سلك في ذلك في سبيل العجز، فصار ملوماً من قبل الله، حيث ترك ما أقام له من الأسباب ويسر عليه من المقال، وإنما كان عليه أن يبذل مجهوده في بيان الحق، وكف المتغلب عن العدوان، ثم إن غلبه الأمر وعز عليه المطلب، فلم يجد إلى الدفع سبيلاً حسن فيه أن يقول: حسبي الله ونعم الوكيل.
стр. 836
ومن كتاب الجهاد
(من الصحاح)
[٢٧٥٧] قوله ﷺ في ومنه حديث أبي هريرة- ﵁: (انتدب الله لمن يخرج في سبيله) يقال: ندبه لأمر فانتدب له، أي: دعاه له فأجاب، ولما كان المجاهد في سبيل الله متعرضاً بعمله بسؤال المغفرة والنصر على أعداء الله استجيب بأن يرجعه من وجهه ذلك بما نال من أجر وغنيمة، أو يدخله الجنة، يعني بالشهادة، ويروي: (أو غنيمة) وهو لفظ الكتاب، ويروى بالواو، وهو أوجه الروايتين وأسدهما معنى، وفي بعض طرقه: (يضمن الله) وفي بعضها: (تكفل الله) وكلاهما أشبه بنسق الكلام من قوله: (انتدب الله) وكل ذلك صحاح.
стр. 837
[٢٧٦٠] ومنه قوله ﷺ في حديث سلمان- ﵁: (وأمن الفتان) الفتان يروى بفتح الفاء على لفظ الواحد، قيل: أريد به الشيطان يفتن الناس بخداعه وغروره وتزيينه لهم المعاصي.
قلت: والأقرب أن يكون المراد منه الذي يفتن المقبور بالسؤال فيعذبه، وقد قال ﷺ : (فيقبض له أعمى أصم) وقال: (ولقد أوحى إلى أنكم تفتنون في قبوركم) ويروى بضم التاء، على الجمع، وفي حديث قيلة: (المسلم أخو المسلم، يتعاونان على الفتان) أي: يعاون بعضهم بعضاً على الذين يفتنون الناس عن الحق، الواحد: فاتن، ويؤيد ما ذهبنا إليه في تأويل هذا ما ورد في بعض طرقه عن سلمان: (ومن مات فيه وقى فتنة القبر)، وما في حديث المقدام بن معدي كرب عن النبي ﷺ (ويجار من عذاب القبر) يعني: الشهيد.
[٢٧٦٣] ومنه: حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (من خير معاش الناس رجل ممسك بعنان فرسه .. الحديث) يقال: عاش الرجل معاشاً ومعيشاً وكل واحد منهما يصلح أن يكون مصدراً، وأن يكون اسماً مثل معاب ومعيب وممال ومميل.
وفي هذا الحديث (معاشاً) يصح أن يكون مصدراً، ويصح أن يكون اسماً وفي بعض طرق هذا الحديث: (ألا أنبئكم بخير الناس، رجل ممسك بعنان فرسه) ووجه التوفيق بين الصيغتين أن نقول: معنى قوله: (بخير الناس) أي: من خيرهم معاشاً، وذلك مثل قوله ﷺ : (خيركم ألينكم مناكب في الصلاة) وما يجري مجراه، وقد يكون فيهم من هو خير منه، على غير هذا النعت، وبيان هذا النوع من الكلام قد تقدم فيما سبق من الكتاب.
وفيه: (يطير على متنه) الطيران على متن الفرس عبارة عن المصارعة إلى سداد ما يكاد يتثلم، وصدع ما يكرب يتشعب.
وفيه: (كلما سمع هيعة) الهيعة: كل ما أفزعك من صوت أو فاحشة تشاع والأصل فيها سيلان الشيء المصبوب على وجه الأرض مثل الميعة، والهائعة: الصوت الشديد. ومعنى الفزعة هاهنا الاستغاثة، يقال: فزع إذا زعر، وفزع إذا استغاث.
وفيه: (يبتغي القتل والموت مظانة) الكلمات الثلاث المتواليات منصوبة: (القتل والموت) على المفعولية و (مظانة) على الظرفية، اي: يطلبه حيث يظن أنه يكون: ومظانة جمع مظنة، هي: مكان الشيء ومألفه.
стр. 838
يقال: موضع كذا مظنة من فلان، أي: معلم منه، من قولهم: ظن، أي: علم.
قال النابغة: ﵁:
فإن مظنة الجهل الشباب
ويقال: هو مظنة (لكذا) أي: حرى أن يكون موضعه. والمظنة أيضاً: الوقت الذي يظن كون الشيء فيه.
قالت قتيلة بنت النضر بن الحارث- ﵂:
يا راكبا إن الأثيل مظنة ... من صبح خامسة وأنت مونق
قلت: وأكثر ظني أني وجدت في بعض كتب أصحاب الحديث: (يبتغي القتل أو الموت) فإن ثبت ذلك، فالوجه في توحيد الضمير ظاهر، غير أن الصحيح منه على ما هو في كتاب المصابيح، كذلك أخرجه مسلم في كتابه، والوجه فيه أن يقال: اكتفى بإعادة الضمير إلى الأقرب كما في قوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله﴾. وقد سبق القول فيه. والمعنى: انه يخوض الغمرات التي يكون القتل والموت منه بمرصد، ويباشر الأخطار التي يتوقع فيها ذلك.
وفيه: (في رأس شعفة من هذا الشعف) الشعفة- بالتحريك- رأس الجبل، والجمع شعف وشعوف وشعاف، وشعفات.
وقوله: (من هذه الشعف) إشارة إلى الجنس الذي كانوا يعرفونها، لا إلى شعف بعينها.
وفيه: (حتى يأتيه اليقين) أي: الموت: والأصل فيه: العلم وزوال الشك، سمى به الموت لتحققه عند كل أحد، وزوال الشك فيه.
[٢٧٦٤] ومنه قوله ﷺ في حديث زيد بن خالد الجهني- ﵁: (ومن خلف غازياً في أهله) يقال: خلفه في أهله وفي قومه: إذا قام مقامه في محافظتهم، وإصلاح أودهم، وذلك بأن يتولى مصالح الغازي في أهله وماله، وينوب منابه فيما يهتم به في غيبته.
[٢٧٦٥]] ومنه قوله ﷺ في حديث بريدة الأسلمي- ﵁ (فما ظنكم) أي: فما ظنكم بمن أحله الله بهذه المنزلة، وخصه بهذه الفضيلة وبما يكون وراء ذلك من الكرامة.
стр. 839
[٢٧٦٩] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁: [١٠٢/أ]: (وجرحه يثعب) ثعبت الماء: فجرته؛ فانثعب. أضاف الفعل إلى الجرح؛ لأنه السبب في فجر الدم وتبجسه و (دماً) يكون مفعولاً، ولو أراد به التمييز لكان من حقه أن يقول: ينثعب دماً، أو يثعب على بناء المجهول، ولم أجده رواية و (دماً) لم يذكر إلا في بعض الروايات، والأكثر (يثعب) من غير ذكر الدم، وكذلك هو في نسخ المصابيح إلا ما ألحق فيها بحاشية الكتاب.
[٢٧٧١] ومنه حديث عبد الله بن مسعود- ﵁: (وسئل عن هذه الآية: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله﴾ الآية، فقال: قد سألنا عن ذلك فقال .. الحديث).
стр. 840
قلت: المسئول والقائل هو رسول الله، ولم يذكره لمعرفة السامع، ثم للاتكال على كون النبي ﷺ مختصاً بالإخبار عن الغيب، بحيث لا يعترض لمسلم فيه شك، لاسيما وقد أسند الفعل إلى شخص بعينه، وليس هذا النوع مما يطلق القول في الأخبار عنه أو يتكل الصحابي في على غير النبي ﷺ . قوله ﷺ : (أرواحهم في أجواف طير خضر) أراد بذلك- والله أعلم -أن الروح الإنسانية المخصوصة المميزة بالإدراكات بعد مفارقتها البدن، المعنية بجواب المنكر والنكير يهيأ لها طير أخضر فتنتقل إلى جوفه، ليعلق ذلك الطير من ثمر الجنة، فتجد الروح بواسطته لذة النعمة وروح البهجة والسرور، وإلى هذا يشير قوله- سبحانه-: ﴿يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله﴾. ولعل الروح تحصل لها تلك الهيئة إذا تشكلت وتمثلت بأمر الله سبحانه طيراً أخضر، كتمثل الملك بشراً، وعلى أية حال كانت، فالتسليم واجب علينا، لورود البيان الواضح على ما أخبر عنه الكتاب وروداً صحيحاً من قبل من لا سبيل إلى خلافه ﷺ .
[٢٧٧٣] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي قتادة- ﵁: (يكفر كل شيء إلا الدين) أراد بالدين هاهنا: ما يتعلق بذمته من حقوق المسلمين، إذ ليس الدائن أحق بالوعيد والمطالبة عنه من الجاني والغاصب والخائن والسارق.
[٢٧٧٤] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁: (يضحك الله إلى رجلين) قلت: الضحك في تعارف أهل اللغة انبساط الوجه وتكشر الأسنان من سرور النفس، ويستعار للسخرية، يقال: ضحكت به ومنه، وربما استعمل مكان التعجب، وقولهم: ضحكت إليه أي: انبسطت إليه وتوجهت تلقاءه بوجه طلق، وأسنان مكشورة: من البشر والفرح.
وقد علمنا من أصول الدين: أن الذهاب [١٠٢/ب] إلى حقيقة وجه من ذلك الوجوه فيما يوصف به الله سبحانه غير جائز. وإنما جاء به رسول الله ﷺ على سبيل المجاز؛ تحقيقاً للمعنى الذي أراده، وهو ان الله سبحانه وتلقاهما بالقبول والرضى، وتداركهما بحسن النظر إلى ما توخياه من عملهما.
[٢٧٧٦] ومنه قول أنس- ﵁ في حديثه: (فأصابه سهم غرب) الراء تسكن وتحرك، والأقوى عند أهل الغريب التحريك، (وسهم غرب): هو الذي لا يعرف راميته، ونقل عن بعض أهل اللغة أنه قال: تسكن الراء إذا أتاه من حيث لا يدري، وتفتح إذا رماه فأصاب غيره.
стр. 841
ونظر غرب: ليس بقاصد. والغرب بالفتح: ضرب من الشجر لا يثمر، سمى به لتباعده من الثمرات، وهو بالفارسية: اسنيذدار، وقد يتخذ من الهام، فيقال: سهم غرب، فيضاف ولا يضاف، والذي ذكرناه في الحديث ليس من هذا في شيء.
[٢٧٧٧] ومنه قول أنس- ﵁ في حديثه: (حتى سبقوا المشركين إلى بدر) بدر موضع يذكر ويؤنث وهو اسم ماء. قال الشعبي: بدر: بئر كان لرجل يدعى بدراً، ومنه يوم بدر، وفيه (قال عمير بن الحمام: بخ بخ) عمير بن الحمام بضم الحاء، وهو حمام بن الجموح الأنصاري، أحد بني سلمة، قيل: إنه أول من قتل من الأنصار في الإسلام، قتله خالد بن الأعلم، ومما ارتجز به عمير يومئذ قوله:
ركضاً إلى الله بغير زاد ... إلا التقى وعمل المعاد
والصبر في الله على الجهاد ... فكل زاد عرضة النفاذ
غير التقى والبر والرشاد
وقوله: (بخ): كلمة تقال عند المدح والرضى بالشيء، وكررت للمبالغة، فإذا أفردت وقفت عليها، وإن كررتها وصلت الأولى بالأخرى ونونتها، فأما أصحاب الحديث فإنهم يروونها بسكون الخاء في الوصل والوقف. ومن أهل اللغة من يشدد الخاء فيها، وقد جمع الشاعر بين التخفيف والتشديد فيها فقال:
روافده أكرم الرافدات ... بخ لك بخ لبحر خضم
وفيه: (لا والله يا رسول الله) سبق إلى فهم الرجل من قوله ﷺ : ما يحملك على قولك: بخ بخ)، أنه توهم أن قوله ذلك صدر عنه من غير نية وروية شبيهاً بقول من سلك مسلك الهزل والمزاح، فنفى ذلك عن نفسه بقوله: (لا والله)، أي: ليس الأمر على ما توهمت، وقوله: (إلا رجاء) أي: ما قلت ذلك إلا رجاء (فاخترج تمرات) الأشبه بالصواب (فأخرج) لأنا لو استعملنا في القياس فقلنا: خرج واخترج كقولهم: كسب واكتسب لم يستقم، لأن خرج لازم، واخترج استعمل [١٠٣/أ] هاهنا استعمال المتعدي، ثم إن لم نجد هذا اللفظ مستعملاً في كلامهم أصلاً: اللهم إلا أن يكون ورد بمعنى اللازم.
стр. 842
[٢٧٧٨] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ما تعدون الشهيد فيكم؟ ..) الحديث (ما) استفهامية، ويسأل بكلمة (ما) عن جنس هذا الشيء ونوعه، وعن صفات جنس الشيء ونوعه، وقد يسأل بها عن الأشخاص الناطقين، ولما كانت حقيقة الاستفهام هاهنا السؤال عن الحال التي ينال بها المؤمن رتبة الشهادة، استفهم عنها بكلمة (ما) ليكون أدل على وصفها وعلى المعنى المراد منها، ثم إنها مع ذلك تسد مسد (من)، ولهذا اجابوا عنها بقولهم: (من قتل في سبيل الله). والشهيد في التعارف الشرعي من قتل في سبيل الله، وأما تسميته بذلك من حيث الاشتقاق اللفظي فقد قيل: لأنه يشهد حينئذ الملائكة المبشرين بالفوز والكرامة، ويحتمل أنه سمي بذلك؛ لأنه يشاهد حينئذ ما اعد له من النعيم، أو لأنه يحضر عند ربه، قال الله تعالى: ﴿والشهداء عند ربهم﴾ وقد قيل: سمي شهيداً؛ لأنه تبين مما بذله من نفسه في سبيل ربه استقامته على الإيمان، وإخلاصه في الطاعة، والأصل الشهادة التبيين، وله ١ ايقال للشهادة الشهود: بينة. وقد قيل: لأنه يكون تلو الرسل في الشهادة على الأمم، فيشهد بمثل ما يشهدون به، وكفى بذلك شرفاً ومنزلة. ومعنى قوله ﷺ : (ومن مات في سبيل الله .. إلى آخر الحديث) أنهم يشاركون الشهداء في نوع من أنواع الثوبات، التي يستحقها الشهداء، ولم يرد به- والله أعلم- المساواة في سائر أنواع الفضيلة، وإنما اخترنا ذلك للفرق الذي عرفناه من أصل الدين بين القبيلين.
[٢٧٧٩] ومنه حديث عبد الله بن عمر- ﵄ عن النبي ﷺ : (ما من غازية أو سرية .. الحديث) أراد بالغازية: الجيش التي تخرج في الجهاد في سبيل الله، والغزو: الخروج إلى محاربة العدو، وهو في تعارف أهل الإسلام الخروج إلى محاربة أعداء الله. والسرية: القطعة من الجيش، وليس (أو) من
стр. 843
قول الراوي، وإنما هو من قول الرسول ﷺ ، أتى بها للتقسيم وغثبات الحكم المذكور في الكثير منهم والقليل. وإنما قال: (إلا تعجلوا ثلثي أجورهم)؛ لأن الناس في الغزو على أحوال ثلاثة: إما أن يغنموا ويسلموا أو يسلموا ولم يغنموا، أو يخفقوا ويصابوا بقتل أو جراحة، فإذا غنموا وسلموا فاتهم أجر الإخفاق والإصابة، وسلم لهم ثلث الأجر بمحاربتهم [١٠٣/ب] أعداء الله. والأجر الكامل إنما يستوفيه من أخفق وأصيب، يقال: أخفق الرجل: إذا غزا ولم يغنم، وأخفق أيضاً: إذا رجع ولم يصطد.
[٢٧٨٣] ومنه حديثه الآخر: _جاء رجل إلى النبي ﷺ فاستأذنه في الجهاد .. الحديث) قد علمنا من استئذان الرجل أنه كان متطوعاً في الجهاد فرأي له النبي ﷺ خدمة أبويه أهم الأمرين وأفضلهما، لاسيما إذا كان بهما حادة إليه. ويحتمل أنه نبئ أن الرجل ليس ممن يغني في الحرب غناء، فلم ير له مفارقتهما لأمر لا ضرورة به فيه.
وقد أشرنا فيما مضى إلى التفاوت الذي يقع في باب الفضيلة على حسب تفاوت الأشخاص.
[٢٧٨٤] ومنه حديث ابن عباس- ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم الفتح: (لا هجرة بعد الفتح) فإن قيل: كيف التوفيق بين هذا بين هذا الحديث وبين الحديث الذي يرويه معاوية- ﵁ عن النبي ﷺ : (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة .. الحديث)؟
قلنا: قد تكلموا في سند هذا الحديث، ولكن لم يبلغ به ذلك إلى الرد، وقد ورد في غير ذلك من الأحاديث ما يؤيد معناه، والوجه أن نقول: الهجرتان مختلفتان في الحد والحقيقة، وذلك أن الهجرة إلى النبي ﷺ قد فرضت على من بمكة من المسلمين، وعلى من كان بين ظهراني قوم كفار لئلا يكثر بهم سواد أهل الشرك المحاربة لله ولرسوله، ثم لينصروا دين الله، وليعزروا رسوله، وليتمكنوا من إقامة ما فرض عليهم من الفرائض، فلما فتح الله مكة، وانكسرت شوكة الكفر، وقلت أنصاره، وطهر الله الحرم الشريف عن رجس الجبت والطاغوت، بحيث لم يبق للكفر به معلم- سقط فرض الهجرة عنهم، وعادت الفضائل المجعولة للمهاجرين مختصة بمن هاجر قبل الفتح، هذا ولم يرتفع بذلك فذل الهجرة إلى النبي ﷺ لنيل شرف الصحبة والتفقه في الدين، والمسارعة إلى مرضاة الله ومرضاة رسوله؛ ألا ترى أنه قال لعكرمة بن
стр. 844
أبي جهل- ﵁ لما قدم عليه، وكان قد فر منه يوم الفتح إلى اليمن: (مرحباً بالراكب المهاجر)؟! وأما الهجرة التي لا تنقطع حتى تنقطع التوبة، فإنها الهجرة لله من الأرض التي يهجر عنها المعروف، ويشيع بها المنكر، ولا يستقيم بها لذي دين دينه، أو الهجرة من الأرض التي أصاب فيها الذنب، وارتكب الأمر الفظيع، وذلك مندوب إليه، وربما بلغ حد الواجب إذا استضر بتركه في دينه، والآن قد ظهرت الفتن في الإسلام فأنها أشد تأكيداً، وإليها يلتفت قوله ﷺ [١٠٤/أ] في حديث عبد الله بن عمرو: (ستكون هجرة بعد هجرة .. الحديث)
(ومن الحسان)
[٢٧٨٥] قوله ﷺ في حديث عمران بن حصين: (ظاهرين على من ناوأهم) أي: غاليين على من عاداهم، والمناواة: المعاداة، والأصل فيه الهمز؛ لأنه من النون وهو النهوض، وربما ترك همزه، وإنما استعمل ذلك في المعاداة؛ لأن كل واحد من المتعاديين ينهض إلى قتال صاحبه.
[٢٧٨٦] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي أمامة- ﵁: (أو يخلف غازياً في أهله بخير) أي ينوب مناب الغازي في أهله، وقد مر تفسيره.
وفيه: (أصابه الله بقارعة) القارعة: الشديدة من شدائد الدهر.
стр. 845
[٢٧٩١] ومنه حديث معاذ بن جبل- ﵁ عن النبي ﷺ : (من قاتل في سبيل الله فواق ناقة .. الحديث). الفواق بالفتح والضم: ما بين الحلبتين من الوقت؛ لأنها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر، ثم تحلب، يقال: ما أقام عنده إلا فواقاً، ومنه الحديث: (وفدر فواق ناقة).
وفيه: (ومن خرج به خراج) الخراج بالضم: ما يخرج في البدن من القروح. وفيه: (فإن عليه طابع الشهداء) الطابع بالفتح: الخاتم، والطابع بالكسر لغة فيه.
[٢٧٩٤] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁ (ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبداً) الشح: بخل مع حرص، والإنسان مجبول عليه، قال الله تعالى: ﴿وأحضرت الأنفس الشح﴾ والنبي ﷺ استعاذ من الشح المطاع، ولم يستعذ من الشح لعلمه بأن ذلك أمر جبلي فطر عليه الإنسان، وكل ما كان من هذا القبيل لم يخل من المصلحة. والإنسان إنما جبل عليه ليكون شحيحاً بدينه، وليتمكن به عن الإمساك حيث أمر بالإمساك، والمحمود منه ما كان في سلطان القلب، والمذموم منه المطاع، وذلك إذا غلب سلطانه على القلب، ومركز الشح النفس، فلا يتمكن من القلب ويستقر فيه إلا بعد خلوه من الإيمان؛ باستيلاء سلطان النفس على القلب، فإن النفس ظلمانية والقلب نوراني، واستيلاء كل واحد منهما على الآخر يدل على زوال صفة المضادة، والضدان لا يجتمعان في قلب واحد، والله أعلم.
следующие страницы →