Полный текст (1 323 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
ونظر غرب: ليس بقاصد. والغرب بالفتح: ضرب من الشجر لا يثمر، سمى به لتباعده من الثمرات، وهو بالفارسية: اسنيذدار، وقد يتخذ من الهام، فيقال: سهم غرب، فيضاف ولا يضاف، والذي ذكرناه في الحديث ليس من هذا في شيء.
[٢٧٧٧] ومنه قول أنس- ﵁ في حديثه: (حتى سبقوا المشركين إلى بدر) بدر موضع يذكر ويؤنث وهو اسم ماء. قال الشعبي: بدر: بئر كان لرجل يدعى بدراً، ومنه يوم بدر، وفيه (قال عمير بن الحمام: بخ بخ) عمير بن الحمام بضم الحاء، وهو حمام بن الجموح الأنصاري، أحد بني سلمة، قيل: إنه أول من قتل من الأنصار في الإسلام، قتله خالد بن الأعلم، ومما ارتجز به عمير يومئذ قوله:
ركضاً إلى الله بغير زاد ... إلا التقى وعمل المعاد
والصبر في الله على الجهاد ... فكل زاد عرضة النفاذ
غير التقى والبر والرشاد
وقوله: (بخ): كلمة تقال عند المدح والرضى بالشيء، وكررت للمبالغة، فإذا أفردت وقفت عليها، وإن كررتها وصلت الأولى بالأخرى ونونتها، فأما أصحاب الحديث فإنهم يروونها بسكون الخاء في الوصل والوقف. ومن أهل اللغة من يشدد الخاء فيها، وقد جمع الشاعر بين التخفيف والتشديد فيها فقال:
روافده أكرم الرافدات ... بخ لك بخ لبحر خضم
وفيه: (لا والله يا رسول الله) سبق إلى فهم الرجل من قوله ﷺ : ما يحملك على قولك: بخ بخ)، أنه توهم أن قوله ذلك صدر عنه من غير نية وروية شبيهاً بقول من سلك مسلك الهزل والمزاح، فنفى ذلك عن نفسه بقوله: (لا والله)، أي: ليس الأمر على ما توهمت، وقوله: (إلا رجاء) أي: ما قلت ذلك إلا رجاء (فاخترج تمرات) الأشبه بالصواب (فأخرج) لأنا لو استعملنا في القياس فقلنا: خرج واخترج كقولهم: كسب واكتسب لم يستقم، لأن خرج لازم، واخترج استعمل [١٠٣/أ] هاهنا استعمال المتعدي، ثم إن لم نجد هذا اللفظ مستعملاً في كلامهم أصلاً: اللهم إلا أن يكون ورد بمعنى اللازم.
стр. 842
[٢٧٧٨] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ما تعدون الشهيد فيكم؟ ..) الحديث (ما) استفهامية، ويسأل بكلمة (ما) عن جنس هذا الشيء ونوعه، وعن صفات جنس الشيء ونوعه، وقد يسأل بها عن الأشخاص الناطقين، ولما كانت حقيقة الاستفهام هاهنا السؤال عن الحال التي ينال بها المؤمن رتبة الشهادة، استفهم عنها بكلمة (ما) ليكون أدل على وصفها وعلى المعنى المراد منها، ثم إنها مع ذلك تسد مسد (من)، ولهذا اجابوا عنها بقولهم: (من قتل في سبيل الله). والشهيد في التعارف الشرعي من قتل في سبيل الله، وأما تسميته بذلك من حيث الاشتقاق اللفظي فقد قيل: لأنه يشهد حينئذ الملائكة المبشرين بالفوز والكرامة، ويحتمل أنه سمي بذلك؛ لأنه يشاهد حينئذ ما اعد له من النعيم، أو لأنه يحضر عند ربه، قال الله تعالى: ﴿والشهداء عند ربهم﴾ وقد قيل: سمي شهيداً؛ لأنه تبين مما بذله من نفسه في سبيل ربه استقامته على الإيمان، وإخلاصه في الطاعة، والأصل الشهادة التبيين، وله ١ ايقال للشهادة الشهود: بينة. وقد قيل: لأنه يكون تلو الرسل في الشهادة على الأمم، فيشهد بمثل ما يشهدون به، وكفى بذلك شرفاً ومنزلة. ومعنى قوله ﷺ : (ومن مات في سبيل الله .. إلى آخر الحديث) أنهم يشاركون الشهداء في نوع من أنواع الثوبات، التي يستحقها الشهداء، ولم يرد به- والله أعلم- المساواة في سائر أنواع الفضيلة، وإنما اخترنا ذلك للفرق الذي عرفناه من أصل الدين بين القبيلين.
[٢٧٧٩] ومنه حديث عبد الله بن عمر- ﵄ عن النبي ﷺ : (ما من غازية أو سرية .. الحديث) أراد بالغازية: الجيش التي تخرج في الجهاد في سبيل الله، والغزو: الخروج إلى محاربة العدو، وهو في تعارف أهل الإسلام الخروج إلى محاربة أعداء الله. والسرية: القطعة من الجيش، وليس (أو) من
стр. 843
قول الراوي، وإنما هو من قول الرسول ﷺ ، أتى بها للتقسيم وغثبات الحكم المذكور في الكثير منهم والقليل. وإنما قال: (إلا تعجلوا ثلثي أجورهم)؛ لأن الناس في الغزو على أحوال ثلاثة: إما أن يغنموا ويسلموا أو يسلموا ولم يغنموا، أو يخفقوا ويصابوا بقتل أو جراحة، فإذا غنموا وسلموا فاتهم أجر الإخفاق والإصابة، وسلم لهم ثلث الأجر بمحاربتهم [١٠٣/ب] أعداء الله. والأجر الكامل إنما يستوفيه من أخفق وأصيب، يقال: أخفق الرجل: إذا غزا ولم يغنم، وأخفق أيضاً: إذا رجع ولم يصطد.
[٢٧٨٣] ومنه حديثه الآخر: _جاء رجل إلى النبي ﷺ فاستأذنه في الجهاد .. الحديث) قد علمنا من استئذان الرجل أنه كان متطوعاً في الجهاد فرأي له النبي ﷺ خدمة أبويه أهم الأمرين وأفضلهما، لاسيما إذا كان بهما حادة إليه. ويحتمل أنه نبئ أن الرجل ليس ممن يغني في الحرب غناء، فلم ير له مفارقتهما لأمر لا ضرورة به فيه.
وقد أشرنا فيما مضى إلى التفاوت الذي يقع في باب الفضيلة على حسب تفاوت الأشخاص.
[٢٧٨٤] ومنه حديث ابن عباس- ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم الفتح: (لا هجرة بعد الفتح) فإن قيل: كيف التوفيق بين هذا بين هذا الحديث وبين الحديث الذي يرويه معاوية- ﵁ عن النبي ﷺ : (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة .. الحديث)؟
قلنا: قد تكلموا في سند هذا الحديث، ولكن لم يبلغ به ذلك إلى الرد، وقد ورد في غير ذلك من الأحاديث ما يؤيد معناه، والوجه أن نقول: الهجرتان مختلفتان في الحد والحقيقة، وذلك أن الهجرة إلى النبي ﷺ قد فرضت على من بمكة من المسلمين، وعلى من كان بين ظهراني قوم كفار لئلا يكثر بهم سواد أهل الشرك المحاربة لله ولرسوله، ثم لينصروا دين الله، وليعزروا رسوله، وليتمكنوا من إقامة ما فرض عليهم من الفرائض، فلما فتح الله مكة، وانكسرت شوكة الكفر، وقلت أنصاره، وطهر الله الحرم الشريف عن رجس الجبت والطاغوت، بحيث لم يبق للكفر به معلم- سقط فرض الهجرة عنهم، وعادت الفضائل المجعولة للمهاجرين مختصة بمن هاجر قبل الفتح، هذا ولم يرتفع بذلك فذل الهجرة إلى النبي ﷺ لنيل شرف الصحبة والتفقه في الدين، والمسارعة إلى مرضاة الله ومرضاة رسوله؛ ألا ترى أنه قال لعكرمة بن
стр. 844
أبي جهل- ﵁ لما قدم عليه، وكان قد فر منه يوم الفتح إلى اليمن: (مرحباً بالراكب المهاجر)؟! وأما الهجرة التي لا تنقطع حتى تنقطع التوبة، فإنها الهجرة لله من الأرض التي يهجر عنها المعروف، ويشيع بها المنكر، ولا يستقيم بها لذي دين دينه، أو الهجرة من الأرض التي أصاب فيها الذنب، وارتكب الأمر الفظيع، وذلك مندوب إليه، وربما بلغ حد الواجب إذا استضر بتركه في دينه، والآن قد ظهرت الفتن في الإسلام فأنها أشد تأكيداً، وإليها يلتفت قوله ﷺ [١٠٤/أ] في حديث عبد الله بن عمرو: (ستكون هجرة بعد هجرة .. الحديث)
(ومن الحسان)
[٢٧٨٥] قوله ﷺ في حديث عمران بن حصين: (ظاهرين على من ناوأهم) أي: غاليين على من عاداهم، والمناواة: المعاداة، والأصل فيه الهمز؛ لأنه من النون وهو النهوض، وربما ترك همزه، وإنما استعمل ذلك في المعاداة؛ لأن كل واحد من المتعاديين ينهض إلى قتال صاحبه.
[٢٧٨٦] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي أمامة- ﵁: (أو يخلف غازياً في أهله بخير) أي ينوب مناب الغازي في أهله، وقد مر تفسيره.
وفيه: (أصابه الله بقارعة) القارعة: الشديدة من شدائد الدهر.
стр. 845
[٢٧٩١] ومنه حديث معاذ بن جبل- ﵁ عن النبي ﷺ : (من قاتل في سبيل الله فواق ناقة .. الحديث). الفواق بالفتح والضم: ما بين الحلبتين من الوقت؛ لأنها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر، ثم تحلب، يقال: ما أقام عنده إلا فواقاً، ومنه الحديث: (وفدر فواق ناقة).
وفيه: (ومن خرج به خراج) الخراج بالضم: ما يخرج في البدن من القروح. وفيه: (فإن عليه طابع الشهداء) الطابع بالفتح: الخاتم، والطابع بالكسر لغة فيه.
[٢٧٩٤] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁ (ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبداً) الشح: بخل مع حرص، والإنسان مجبول عليه، قال الله تعالى: ﴿وأحضرت الأنفس الشح﴾ والنبي ﷺ استعاذ من الشح المطاع، ولم يستعذ من الشح لعلمه بأن ذلك أمر جبلي فطر عليه الإنسان، وكل ما كان من هذا القبيل لم يخل من المصلحة. والإنسان إنما جبل عليه ليكون شحيحاً بدينه، وليتمكن به عن الإمساك حيث أمر بالإمساك، والمحمود منه ما كان في سلطان القلب، والمذموم منه المطاع، وذلك إذا غلب سلطانه على القلب، ومركز الشح النفس، فلا يتمكن من القلب ويستقر فيه إلا بعد خلوه من الإيمان؛ باستيلاء سلطان النفس على القلب، فإن النفس ظلمانية والقلب نوراني، واستيلاء كل واحد منهما على الآخر يدل على زوال صفة المضادة، والضدان لا يجتمعان في قلب واحد، والله أعلم.
стр. 846
[٢٧٩٦] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁: مر رجل من أصحاب النبي ﷺ بشعب فيه عيينة من ماء عذب ... الحديث) وجدنا في سائر النسخ: (فيه غيضة) وليس ذلك بسديد، ولم تشهد به رواية، وإنما هو عيينة تصغير عين (وعذبة) (١٠٤/ب) مرفوعة على الصفة لها. ووجدت جمعاً من علماء النقل رووها مجرورة، فتكون مجرورة على الجوار؛ كقولهم: جحر ضب خرب.
[٢٧٩٨] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁ (وعفيف متعفف) أي: عفيف عما لا يحل، متعفف عن السؤال.
[٢٧٩٩] ومنه حديث عبد الله بن الحبشي- ﵁ أن النبي ﷺ سئل: (أي الأعمال أفضل؟ ... الحديث) سبق بيان ذلك في أول الكتاب، ووجه الجمع بينه وبين ما يخالفه في الترتيب،. وحبشي بضم الحاء على زنة جندي، سمي باسم جبل بأسفل مكة يقال له: حبشي.
стр. 847
[٢٨٠٣] ومنه حديث أبي أمامة الباهلي- ﵁ عن النبي ﷺ (ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين ..) الحديث؛ الأثر بالتحريك: ما بقى من رسم الشيء، وحقيقته: حصول ما يدل على وجود الشيء، ومنه يقال للطريق المستدل به على من تقدمه: آثار؛ قال الله تعالى: ﴿فهم على آثارهم يهرعون﴾.
قلت: يحتمل أن يكون المراد منهما خطوة الماشي في سبيل الله، وخطوة الساعي في فريضة من فرائض الله، ويحتمل أن يكون المراد من أثر المجاهد ما يبقى عليه من أثر جراح أو خراج أو غير ذلك، فقد يقال لما بقى على البدن من ضربة السيف: أثر، بالتحريك، ولما يبقى من أثر الجرح بعد البرء: أثر، وأثر بالضم مثل عشر وعشر، وأن يكون المراد من أثر في فريضة: العلامة التي تبقى عليه مما أصابه في فريضة مثل الذي يتوضأ فتتفطر قدماه، أو يصوم فينحل بدنه وتجف شفتاه، أو يحج فيشحب لونه ويذهب بشر، وكلا الوجهين حسن، والأول أوجه، وقد وجدنا في بعض نسخ المصابيح: (أو أثر فريضة)، وليس بسديد رواية ومعنى، وإنما الرواية: (في فريضة من فرائض الله).
[٢٨٠٤] ومنه حديث عبد الله بن عمرو- ﵁ عن النبي ﷺ : (لا تركب البحر إلا حاجاً أو معتمراً أو غازياً في سبيل الله ..) الحديث فيه التهويل عن ركوب البحر، عما يتضمنه من الأخطار، وأن اختيار ذلك لغرض من الأغراض الفانية سفه وجهل؛ لأن فيه تلف النفس،. وبذل النفس لا يحمد إلا فيما يقرب العبد إلى الله.
وفي قوله: (فإن تحت البحر ناراً .. الحديث) إشارة إلى أن راكبه متعرض للآفات المهلكة كالنار والفتن المغرقة كالبحر، إحداهما وراء الآخرى. هذا القول المجمل فيه، وقد فصلت القول فيه في كتاب (مطلب الناسك في علم المناسك) فمن أحب القول [١٠٥/أ] المستوعب فليراجعه.
стр. 848
[٢٨٠٧] ومنه حديثه الآخر عن النبي ﷺ : (قفلة كغزوة)، يريد به والله أعلم- أن الغازي مأجور في قفوله كما هو مأجور في خروجه إلى دار الحرب، وذلك لأنه يستجم به نفسه، ويستعد بالحرب باتخاذ أداته، ويرجع إلى أهله وعياله لدفع الضرر عنهم بما أصابهم لغيبته، وقد أشار الخطابي في معناه إلى نحو من ذلك، وذكر فيه وجهاً آخر، وهو حمله على التعقيب، وهو أن يرجح في الوجه الذي جاء منه منصرفاً إلى العدو ليأمن بأسهم، أو يوقع بهم على غرة منهم وذكر كلاماً هذا معناه، والأول أقوم؛ لأن القفول إنما يستعمل في الرجوع عن الوجه الذي ذهب إليه لحاجة إلى حيث توجه منه، والقافلة عندهم هي الرفقة الراجعة من السفر، وقال الطحاوي: يحتمل أن يكون- يعني النبي ﷺ سئل عن قوم قفلوا لخوفهم أن يكر عليهم من عدوهم من هم أكثر عدداً منهم إلى فئتهم ليزدادوا [عددا] ثم يكروا عليهم، وكان ذلك فرضهم.
[٢٨٠٨] ومنه حديثه الآخر عن النبي ﷺ : (للغازي أجره، وللجاعل أجره، وأجر الغازي) الجعل بالضم: ما يجعل للإنسان من الشيء على الشيء يفعله. وكذلك الجعالة بالكسر والجعيلة مثله.
قلت: لم يرد بالجاعل في هذا الحديث المستأجر، ولا بالمجعول له الأجير، ولهذا ذكره بلفظ الجعل لا بلفظ الإجازة، وعبر عن المجهول له بالغازي لا بالأجير، وإنما أراد بالجاعل الذي يتبرع بشيء يعطيه من ماله كمن يستعين به على الجهاد، ويستنفقه على نفسه وعياله، ثم ذكر أن للمجهول له أجرأ، وهو أجر الغزو وللجاعل أجرين: أجراً على ما بذل من المال، وأجراً على ما حرض وحث عليه من القتال، حيث شارك الغزاة في مغزاهم. وقوله ﷺ في حديث أبي أيوب- ﵁ بعد هذا الحديث: (ألا وذلك الأجير إلى آخر قطرة من دمه) لا يناقض ما ذكرناه؛ لأنه أراد بقوله هذا من حضر القتال رغبة فيما عقد عليه من المال، لا رغبة في الجهاد، ولهذا سماه أجيراً، وسمي الذي في حديث الجعالة غازياً، وكذلك الوجه في حديث يعلي بن أمية- ﵁ الذي يتلو حديث أبي أيوب، فإنه ذكر أن قد استأجره للخدمة.
وأما قول من ذهب من العلماء إلى أن الأجير يسهم له إذا حضر الوقعة، فإنه محمول على أن حديث يعلي بن أمية إما لم يثبت عندهم، أو رأوه مخصوصاً في الحكم بذلك الأجير؛ لأنه قال قوله ذلك في أجير بعينه، ولم يعم به الأجراء، فلعله اطلع فيه على أمر اقتضى ذلك، وأما حديث أبي أيوب فلا دليل فيه أن الأجير لا يهم له، وإنما فيه أنه لا ينال ثواب الغزاة [١٠٥/ب] لأنه عمل عملاً مدخولاً فيه [والله أعلم].
стр. 849
=====
стр. 850
ومن باب إعداد آلة الجهاد
(من الصحاح)
[٢٨٢٢] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁: (من احتبس فرساً في سبيل الله) حبسه واحتبسه بمعنى. واحتبس أيضاً بنفسه يتعدى ولا يتعدى، والمعنى أنه يحبسه على نفسه لسد ما عسى أن يحدث في ثغر من الثغور من ثلمة. ومثله حديثه الآخر: (من خير معاش الناس رجل ممسك بعنان فرسه .. الحديث) وقد مر تفسيره.
[٢٨٢٤] ومنه حديث عبد الله بن عمر- ﵄ أن رسول الله ﷺ (سابق بين الخيل التي أضمرت من الحفيا ..) الحديث. الضمر والضمر مثل العسر والعسر: الهزال وخفة اللحم. وأراد بالإضمار التضمير، وهو أن يعلف الفرس حتى يسمن ثم يرده إلى القوت، وذلك إلى أربعين يوماً. وقد كانوا
стр. 851
عليه السرج ويجللونه بالجل حتى يعرق تحته فيذهب رهله ويشتد لحمه، وهذه المدة تسمى المضمار، والموضع الذي يضمر فيه الخيل أيضاً مضمار، والرواية على ما ذكرنا، والمشهور من كلام العرب التضمير، فلعله من بعض الرواة، أقام الإضمار موقع التضمير، [؛ إذ] كانوا يستعملون ذلك (والحفيا) بفتح الحاء وسكون الفاء وتمد ونقصر، ومن الناس من يضم الحاء وهو خطأ.
وفيه: (وأمدها ثنية الوداع) أضيفت الثنية إلى الوداع؛ لأنها موضع التوديع، وهو اسم قديم جاهلي.
[٢٨٢٥] ومنه حديث أنس- ﵁: (كانت ناقة لرسول الله ﷺ تسمى العضباء .. الحديث) قد ذكرنا فيما تقدم، وذلك في قصة حجة الوداع أنها لم تكن عضباء، وإنما لقبت بذلك، كما لقبت بالقصواء والجدعاء، وغير ذلك، وقررنا القول فيها على نصابه وفي ذلك كفاية [والله أعلم]
(ومن الحسان)
[٢٨٢٦] قوله ﷺ في حديث عقبة بن عامر- ﵁ (ومنبله): الضمير في منبله راجع إلى الرامي به، وهو الذي يناوله النبل، يقال: استنبلني فأنبلته أي: ناولته النبل، وفي حديث سعد- ﵁ (أنه كان يرمي بين يدي النبي ﷺ ، وقد ذهب الناس، والنبي ﷺ ينبله، كاما نفدت نبله أعطاه نبلاً)، وفي معناه (نبلته) بالتشديد، وفي الحديث (أن النبي ﷺ قال: كنت أنبل على عمومتي يوم الفجار)، أي: أجمع لهم النبل.
стр. 852
[٢٨٢٨] ومنه حديث أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ : (لا سبق [١٠٦/أ] إلا في نصل أو خف أو حافر) السبق بالتحريك: ما يجعل من المال للسابق على سبقه، والسبق بسكون الباء مصدر سبقت. أي: لا يجوز مسابقة بالعوض، ولا يحل أخذ المال بالسبق إلا في هذه الأشياء، والذي لا يرى السبق في الخف من العلماء فلعل الحديث لم يبلغه، أو لم يصح عنده.
[٢٨٣٠] ومنه حديث عمران بن حصين- ﵁ ﷺ أنه قال: (لا جلب ولا جنب) قد ذكرنا معنى قوله: (لا جلب ولا جنب) في كتاب الزكاة من حديث عبد الله بن عمرو، وذكرنا وجه من يجعله في الرهان، وقول القائل: يعني في الرهان، هو من كلام بعض رواة الحديث، وليس من قول الصحابي، وقد أورد أبو داود هذا الحديث في كتابه ولم يدرج فيه هذه الزيادة، وأغلب ظني أنه من تفسير المؤلف.
[٢٨٣١] ومنه حديث أبي قتادة- ﵁ عن النبي ﷺ : (خير الخيل الأدهم الأقرح الأرثم) الأدهم: الذي اشتد سواده، والأقرح: الذي في وجهه القرحة، وهي ما دون الغدة، والأرثم: الذي جحفلته العليا بياض.
وفيه: (ثم الأقرح المجحل طلق اليمين) التحجيل: بياض في قوائم الفرس أو في ثلاث منها، أو في رجليه قل أو كثر، بعد أن تجاوز الأرساغ، ولا يجاوز الركبتين والعرقوبين (وطلق) بضم الطاء واللام: إذا لم يكن في إحدى قوائمه تحجيل.
وفيه: (فإن لم يكن فكميت على هذه الشية) الكميت: من الخيل، يستوي فيه المذكر والمؤنث. والمصدر الكمتة، وهي حمرة يدخلها قترة. قال الخليل: إنما صغر؛ لأنه بين السواد والحمرة، لم يخلص له واحد منهما، فأرادوا بالتصغير أنه قريب منهما. (على هذه الشية): أي على هذا اللون. والشية: كل لون يخالف معظم لون الفرس وغيره. والهاء عوض من الواو الذاهبة من أوله، وهمزها خطأ.
стр. 853
[٢٨٣٢] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي وهب الجشمي: (أو أشقر أغر محجل) الفرق بين الكميت والأشقر بالعرف والذنب، فإن كانا أحمرين فهو أشقر، وإن كانا أسودين فهو كميت.
[٢٨٣٥] ومنه حديثه الآخر: (وقلدوها ولا تقلدوها الأوتار) نهاهم أن يقلدوا الفرس الوتر؛ لأنهم كانوا يزعمون أن ذلك يرد عين العائن، وقيل غير ذلك، وقد مر بيانه في باب الاستنجاء.
[٢٨٣٦] ومنه حديث [١٠٦/ب] ابن عباس- ﵄: (كان رسول الله ﷺ عبداً مأموراً .. الحديث) عبداً مأموراً: أي مطواعاً فيما يؤمر به من قول أو فعل؛ فلم يكن ليتعدى عما أمر به، وإنما افتتح هذا الفصل بهذا القول تنبيها على أنه لم يكن ليخصهم لقرابتهم عنه بشيء دون الناس، وإنما خصهم بالخلال الثلاث بأمر سماوي، ولولا ذلك لم يكن ليأمرهم بها دون الناس.
وفيه: (أمرنا أن نسبغ الوضوء .. الحديث) إسباغ الوضوء: إتمامه، وذلك يوجد من وجهين: إتمامه على ما فرض الله، وإكماله على ما سنة النبي ﷺ ، وحث عليه أمته، وهذا هو الذي أراده ابن عباس؛ لأن الأمر بالمفروض منه لم يكن مختصاً بهم دون الناس، والظاهر أنه أمرهم بذلك أمر ندب واستحباب، لا أمر وجوب، ونهاهم عن إنزاء الحمير على الخيل نهى تنزيه، لا نهى تحريم، فإن قيل: أو ليس الأمر أن قد قرن بما هو الواجب عليهم وهو الامتناع عن أكل الصدقة؟!.
قلنا: قد وجدنا لهذه الصيغة في السنة نظائر، فمن ذلك الجمع بين النهى عن كسب الحجام والنهي عن مهر البغي، والأول نهى تنزيه والثاني نهى التحريم، وقع الاعتماد فيهما على ما يشهد له الأصول، ومن
стр. 854
تدبر هذا القول- أعنى قول ابن عباس: أمرنا بإسباغ الوضوء- عرف من طريق الفهم أنه من أعلام النبوة، وذلك أن الآخرين ممن ينتمي إلى بيت النبوة نسباً، أو يدعي موالاة أهل البيت عصبية- قد أحدثوا فى الإسلام بدعة شنعاء وهى القول بمسح الأرجل دون الغسل، اختلاقا وافتراء على الأولين من أهل بيت النبوة، صدقا وعدلا، ومعاذ الإله أن يظن بأولئك السادة مثل ذلك، فالنبي ﷺ إنما أمرهم بالإسباغ نفيا لهذه البدعة عنهم، وإنما نهاهم عن إنزاء الحمير على الخيل؛ لما فى ذلك من استبدال ﴿الذى هو أدنى بالذى هو خير﴾، وذللك أن البلغة ليس لها نتاج، ثم لا سهم لها فى الغنيمة، ولهذا المعنى قال ﷺ فى حديث على- رضى الله عنه - الذى يتلو هذا الحديث: (إنما يفعل ذللك الذين لا يعملون) أى: الذين لا يعلمون أحكام الشريعة، ولا يهتدون إلى ما هو الأولى بهم والأنفع لهم سبيلا. ومعنى النهي راجع إلى ما يتضمنه الإنزاء من استبدال الأدنى بالأفضل لا إلى نفس الإنزاء.
[٢٨٣٩] ومنه حيث مزيدة العبدي- رضى الله عنه - (دخل رسول الله ﷺ يوم الفتح مكة وعلى سيفه ذهب وفضة) هذا الحديث لا تقوم به حجة إذ ليس له سند يعتد به [١٠٧/أ] وقد ذكر أبو عمر النمري فى كتاب (الاستيعاب) فى ترجمة مزيدة العبدي من عبد القيس حديثه هذا، ثم قال: إسناده ليس بالقوى.
[٢٨٤١] ومنه حديث ابن عباس- رضى الله عنهما - (كانت راية نبى الله ﷺ سوداء، ولواؤه بيضاء) الراية: العلم الكبير، وكذلك البند، واللواء دون ذلك، فالراية هى التى يتولاها صاحب الحرب، ويقاتل عليها، وإليها تميل المقاتلة، واللواء علامة كبكبة الأمير تدور معه حيث دارت.
стр. 855
ومن باب آداب السفر
(من الصحاح)
[٢٨٤٣] قول كعب بن مالك - رضى الله عنه - (كان رسول الله ﷺ إذا خرج إلى سفر خرج الخميس وكان يحب ان يخرج يوم الخميس). قلت: اختياره يوم الخميس للخروج محتمل لوجوه: أحدها: أنه يوم مبارك، ترفع فيه أعمال العباد إلى الله، وقد كانت سفراته لله، وفى الله، وإلى الله، فأحب أن يرفع فيه عمل صالح، فأنشأ سفرته فى الخميس. والثانى: أنه أتم أيام الأسبوع عدداً. والثالث: أنه كان يتفاءل بالخميس فى خروجه، وكان من سنته أن يتفاءل بالاسم الحسن. والخميس: الجيش؛ لأنهم خمس فرق: المقدمة، والقلب، والميمنة، والميسرة، والساقة، فيرى فى ذلك من الفأل الحسن، حفظ الله له؛ وإحاطة جنوده به حفظاً وحماية.
[٢٨٤٥] ومنه حديث أبى بشير الأنصارى - رضى الله عنه - (أنه كان مع رسول الله ﷺ فى بعض أسفاره فأرسل رسول الله ﷺ رسولا: لا يبقين فى رقية بعير قلادة. .الحديث) قد سبق القول فى نظائره وقد قيل: إنه أمر بقطع ذلك؛ لأنهم كانوا يعلقون بها الأجراس من رقبة البعير، وهى مزامير الشيطان، ثم إنها تحول بين الرفقة وبين الملائكة الذين يصاحبونهم للتأييد والدعاء لهم، والتبرك بهم، والتبريك عليهم.
[٢٨٤٦] ومنه حديث أبى هريرة- رضى الله عنه- قال رسول الله ﷺ : (إذا سافرتم فى الخصب فأعطوا الإبل حقها من الارض ... الحديث) أى: حظها من نبات الأرض، وفى رواية أخرى: (فأعطوا السن حظها) أى: ذوات السن. وحظها الرعى، وسن الرجل إبله: إذا أحسن رعيتها والقيام عليها، كأنه صقلها،
стр. 856
وفي رواية: (إذا سافرتم في السنة فبادروا بها نقيها) وفي رواية أخرى: (فانجوا عليها بنقيها). ومن الناس من يصحف فيه فيقول: (بنقبها) بالباء المنقوطة بواحدة ويرى أن الضمير الراجع إلى الأرض، ويفسر النقب بالطريق أي: بادروا بها في نقب الأرض، وليس ذلك بشيء، وهو من التصحيفات التي ربما زل فيها العالم، فضلاً عن الجاهل، وإنما هو التقى [١٠٧/ب] بالياء، وهو المخ ثم، يقال للشحم أيضاً النقي. أي: أسرعوا عليها السير ما دامت قوية، قبل الهزال والضعف.
[٢٨٤٨] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة- ﵁: (فإذا فقضى أحدكم تهمته) أي: حاجته التي توجه لها إلى سفره، والنهمة: بلوغ الهمة في الشيء، وقد نهم بكذا فهو منهوم أي: مولع به.
[٢٨٥٣] ومنه حديث جابر- ﵁-أن النبي ﷺ قال: (إذا دخلت ليلاً فلا تدخل حتى تستحد الغيبة) الاستحداد: حلق شعر العانة، وأغابت المرأة: إذا غاب عنها زوجها، فهي مغيبة- بالهاء ومشهد، بلا هاء. وأراد بالاستحداد: أن تعالج شعر عانتها بما هو معتاد من أمر النساء، ولم يرد به استعمال الحديد، فإن ذلك غير مستحسن في أمرهن.
стр. 857
(ومن الحسان)
[٢٨٥٨] قوله ﷺ في حديث أنس-﵁: (عليكم بالدلجة) أي: سيروا أول الليل، من الإدلاج بالتخفيف، والاسم منه الدلجة بالضم، وقد ذكرناه فيما تقدم. ومنهم من جعل الإدلاج بالتخفيف لليل كله، وكأنه المعنى به في الأحاديث؛ لأنه عقبه بقوله: (فإن الأرض تطوي بالليل ما لا تطوي بالنهار) ولم يفرق بين أوله وآخره.
[٢٨٥٩] ومنه حديث عبد الله بن عمرو- رضى الله عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب) سمي الواحد شيطاناً، والاثنين شيطانين، لأن كل واحد من القبيلتين يسلك سبيل الشيطان في اختيار الوحدة، والرغبة عن صلاة الجماعة، والتعرض للفتن التي قلما يتخلص عنها، أو يعذر دونها، والتأهب بالاحتياط لما عسى أن يحدث به من حادث فيفارق الدنيا من غير وصية ولا يحضره من يوصي إليه، ويشهد عليه، ويقوم بتجهيزه والصلاة عليه، والدفن، وما يضاهيه.
стр. 858
[٢٨٦٨] ومنه حديث أبى هريرة- رضى الله عنه- عن النبي ﷺ : (تكون إبل للشياطين وبيوت للشياطين) أما إبل الشياطين فقد فسرها الصحابي. وقوله: (لا يعلو بعيراً منها) أي: لا يركبه؛ لاستغنائه عنه بكثرة ما أوتى، وبيوت الشياطين قد فسرها التابعي. وأراد بالأقفاص التي [تستر] بالديباج: المحامل التي كان المترفون يتخذونها في سبيل مكة.
стр. 859
[٢٨٧٠] ومنه حديث جابر- رضى الله عنه- قال رسول الله ﷺ : (إن أحسن ما دخل الرجل على أهله إذا قدم من سفر أول الليل)
فإن قيل: كيف التوفيق بين هذا الحديث وبين حديثه الآخر: (إذا أطال أحدكم الغيبة فلا يطرق أهله ليلاً). وقد قال كعب بن مالك ﵁: (كان رسول الله ﷺ لا يقدم من سفر إلا نهاراً في الضحى)؟!.
قلنا: وجه حديث [١٠٨/أ] جابر هذا عندنا أن يحمل على الدخول على أهله ليخلو بها، ويقضي عنها حاجة النفس؛ لأن القدوم عليها ليلاً، وطروقها، فغن ذلك قد نهي عنه في عدة أحاديث، وإذا حملنا الأمر فيه على ما ذكرنا اتفق الحديثان، وانتفى التنقاض. وإنما تعلق الظرف بالدخول على أهله لا بالقدوم، وقوله: (إن أحسن ما دخل الرجل أهله)، الحديث إرشاد له إلى الوقت الذي لا يزاحمه فيه الزوار فلا يقطعونه عما هو فيه. وإنما اختار له أول الليل؛ لأن المسافر يقدم في غالب أحواله عن غلبة شهوة، فإذا قضي نهمته من أول الليل، كان ذلك أجلب النوم، وأدعي إلى الاستراحة.
ومن باب الكتاب إلى الكفار
(من الصحاح)
[٢٨٧١] حديث ابن عباس- ﵄ (أن النبي ﷺ كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام ... الحديث) قيصر لقب ملك الروم وبه كان يلقب كل من ملك أمرهم، كما كان يلقب كل من ملك أمر الفرس كسري، وكل من ملك أمر الحبشة النجاشي.
وفيه: (إلى عظيم بصري) أي الذي كان يعظمه أهل بصرى، وبصرى موضع بالشام ينسب إليها السيوف.
وفيه: (أدعوك بداعية الإسلام) مصدر كالعافية والعاقبة، وكذلك الدعاية كالرماية، والدعاء والدعوى والدعاية كلها مصادر، والدعاء إلى الشيء: الحث على قصده، والمعنى: أدعوك بالدعوى التي أحثك بها على الدخول في الإسلام.
стр. 860
وفيه (يؤتك الله أجرك مرتين) وقد سبق في الذي يؤتى أجره مرتين في أول الكتاب. وهذا يدل على أن هرقل كان قبل الإسلام على النصرانية التي لم تبدل، ولم تغير.
وفيه (فإن توليت فإن عليك إثم الأريسين) قد اختلف الروايات في هذا اللفظ، واختلفت أقاويل أصحاب الغريب في تفسيره، ونحن نأتي على سائرها، إن شاء الله، فنقول: منهم من رواه: الأريسيين على الجمع من أريسي، وهم الأكثرون من أصحاب الحديث، وقد قال أبو عبيدة معمر بن المثني: إنهم لم يصيبوا فيه، وإنما هو: الأريسيين بالتخفيف جمع أريس، وهم الأتباع والخول، يريد: إنك إذا أبيت [الحق] أبته أولئك تأسياً بك، فيكون وزرهم عليك.
قلت: ومصداق ذلك من الحديث قوله ﷺ : (من سن سنة سيئة فله وزره ووزر من عمل بها). وقد قام أبو جعفر الطحاوي بنصرة أصحاب الحديث في تشديد الياء. فقال: إنما قيل لهم: الأريسيون؛ لأنهم تسبوا إلى رئيس لهم يقال له: أريس. وقال بعض أهل المعرفة (١٠٨/ب) بهذا الشأن: إن في رهط هرقل فرقة تعرف بالأروسية، توحد الله وتعترف بعبودية المسيح، وبما هو الحق فيه. ومنهم من رواه بتخفيف الراء تارة مع فتح الهمزة، وبتشديد الراء أخرى مع كسر الهمزة، على أنها جمع أريس، أو أريس، وكلاهما الأكار، وذلك راجع إلى معنى الأتباع.
وذكر بعضهم أنه كان في الزمن الأول رجل يسمى عبد الله بن أريس، فبعث الله نبياً فقتله ذلك الرجل وأشياعه، فذكر له ذلك الرجل وجعله في الإثم مثل من اتبع ذلك الرجل، وقيل: الأريس على فعيل، من الأضداد، يقال ذلك للأجير، ويقال أيضاً للملك أي عليك إثم الملوك إذا تعاونوا على الإثم والعدوان. وروى في كتاب البخاري وفي كتاب مسلم في إحدى الطرق بالياء بدل الهمزة وتشديد الياء الأخرى على النسبة، فإن أصاب فيه الراوي فهو من باب إبدال الهمزة المكسورة ياء.
قلت: وأقرب هذه الروايات إلى القبول الأريسين بكسر الهمزة وتشديد الراء؛ لما في كتاب معاوية إلى قيصر ملك الروم ولأجعلنك أريسا، من الأرارسة، ترعى الخنازير، ولم يكن ليخاطبهم إلا بما يعرفون، ثم إنه يحقق أن المراد منه: الأتباع والأجراء [والله أعلم]
[٢٨٧٢] ومنه كلام أدرجه سعيد بن المسيب في حديث ابن عباس- ﵁ على طريقة الإرسال: (فدعا عليهم رسول الله ﷺ أن يمزقوا كل ممزق)، أي: يفرقوا كل نوع من التفريق، وأن يبددوا
стр. 861
من كل وجه، والممزق مصدر كالتمزيق، والذي مزق كتاب رسول الله ﷺ هو أبدويذ بن أنو شروان، قتله ابنه شيرويه، ثم لم يلبث بعد قتله إلا ستة أشهر. يقال: ان أبدويذ لما أيقن بالهلاك وكان مأخوذاً عليه فتح خزانة الأدوية وكتب على حقه السم: الدواء النافع للجماع، وكان ابنه مولعاً بذلك، فاحتال في هلاكه، فلما قتل أباه فتح الخزانة فرأى الحقة فتناول منها فمات من ذلك السم، وتزعم الفرس أنه مات أسفاً على قتله إياه، ولم يقم لهم بعد الدعاء عليهم بالتمزيق أمر نافذ، بل أدبر عنهم الإقبال، ومالت عنهم الدولة، وأقبلت عليهم النحوسة، حتى انقرضوا عن آخرهم.
[٢٨٧٥] ومنه حديث أنس- ﵁ أن النبي ﷺ (كان إذا غزا بنا قوماً لم يكن يغز بنا) هكذا هو في الكتاب، وأرى الواو قد سقط عن قلم الكاتب، وصوابه (لم يكن يغزو بنا)، إذ لا وجه
стр. 862
لإسقاط حرف العلة هاهنا. [١٠٩/أ] ولو جعلناه من الإغزاء فقلنا: يغزينا على زنة يلهينا لم يستقم؛ لأن قول القائل: أغزيت فلاناً أي جهزته للغزو، ولا معنى له هاهنا.
وفيه: (فإن سمع أذانا أغار عليهم) قلت: لا يلزم من قوله هذا جواز الإغارة إذا لم يسمع أذانا، بل يحمل الأمر فيه على التثبت والاحتياط في مغزاه لاحتمال شيئين: أحدهما أن أكثر القوم كانوا أصحاب خباء يتحولون عن منزل إلى منزل فيختلف مراتع أنعامهم ومضارب خيامهم، فربما اعلم بمكان الحي ولم يأمن أن يكونوا قد تحولوا إلى غير ذلك من الأماكن أو أنذروا به فلجأوا إلى بعض المعاقل وقد حل مكانهم آخرون ممن دخل في دين اللهوإنما يتأتى ذلك من سكان البوادي دون أصحاب الحصون.
والآخر: احتمال أن يكون قد بدا لهم في الإسلام فأسلموا فكان يحب أن يستقصى في استبانة أمرهم كل الاستقصاء، وإلا فإنه لم يكن ليغير على قوم لم يتحقق منهم الكفر، أو يغير على من لم يسمع منهم الأذان.
وفيه: (بمكاتلهم ومساحيهم) المكتل: شبه الزنبيل يسع خمسة عشر صاعاً، والمسحاة كالمجرفة إلا أنه من حديد، أخذ من سحوت الشيء: إذا قشرته، وذلك لما يحي في البطن عن وجه الأرض.
وفيه (محمد والله والجيش) أي: هذا محمد والله، ومعه الجيش، أو أتانا محمد.
(ومن الحسان)
[٢٨٧٧] حديث النعمان بن مقرن- ﵁ في حديثه: (وينزل النصر) معنى ذلك ما قاله قتادة بن دعامة الراوي عن النعمان في الحديث الذي يتلو هذا الحديث: كان يقال: عند ذلك تهيج رياح النصر. قلت: ومصداق ذلك من الحديث قوله ﷺ (نصرت بالصبا).
стр. 863
ومن باب القتال في الجهاد
(من الصحاح)
[٢٨٨١] قول كعب بن مالك- ﵁ في حديثه: (لم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلا ورى بغيرها) أي سترها ووهم بغيرها، تقول: وريت الخبر تورية إذا سترته وأظهرت غيره، كأنه مأخوذ من وراء الإنسان كأنه يجعله وراءه حيث لا يظهر.
وفيه: (واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً) أراد بالمفاز واحدة المفاوز، فحذف منه التاء إرادة للجنس كما يقال في تمرة وتمر، ويحتمل أنه راعي فيه حسن الأدب، فإن المفازة إنما يراد منها المهلكة، من قولهم: فوز أي: هلك، وقد قيل: سميت بذلك تفاؤلاً بالسلامة منها، والمفاز [١٠٩/ب] المصدر كالفوز، فسماها بالمصدر ليكون أبلغ في المعنى.
[٢٨٨٢] ومنه حديث جابر- ﵁ عن النبي ﷺ (الحرب خدعة) يروي ذلك من وجوه ثلاثة بفتح الخاء وسكون الدال، أي أنها خدعة واحدة من تسيرت له حق له الظفر، وبضم الخاء وسكون الدال أي معظم ذلك المكر والخديعة، وبضم الخال وفتح الدال أي أنها خداعة للإنسان بما تخيل إليه أو تمنيه ثم إنه إذا لابسها وجد الأمر بخلاف ما خيل إليه.
стр. 864
[٢٨٨٧] ومنه حديث الصعب بن جثامة- ﵁ (سئل رسول الله ﷺ عن أهل الدار يبيتون ..) أراد بالدار يبيتون من الحلة باعتبار أنها تجمعهم وتدور حولهم وليس معنى قوله: (هم منهم) استباحة قتل الولدان، وإنما فيه نفى الحرج عمن أصابهم بسهم أو سيف أو رمح لكون الليل حاجزاً بينه وبين التمييز؛ لاختلاط الذرية بالمقاتلة.
والسؤال وقع عن حصول الإثم ولزوم الدية فأفتى لهم أن حكم الأبناء في هذه الصورة حكم آبائهم؛ لأن الولدان في حكم الكفر تبع للأبوين.
[٢٨٨٨] ومنه حديث البراء- ﵁ (بعث رسول الله رهطاً من الأنصار إلى أبي رافع .. الحديث) الرهط ما دون العشرة لا واحد له من لفظه، وأبو رافع هذا هو ابن أبي الحقيق اليهودي احد بني النضير، وقد كان يؤذي رسول الله ﷺ ويحرش عليه، وكان قد عاهده فخفر العهد، وأبدي سريرته الخبيثة، فبعث إليه رسول الله ﷺ رهطاً من الأنصار من الخزرج ليكتفوا به، فدخل عبد الله بن عتيك وكان هو المؤمر عليهم الحصن وحده، لم يشعر به أحد، ولم يزل يفتح باباً فإذا دخل أغلق على نفسه، حتى خلص إلى البيت الذي فيه الخبيث فقال: من هذا؟ فنحا نحو الصوت فضربه فلم يقض عنه وطراً، فاستغاث فخرج عنه ثم رجع إليه يريه أن الصريخ قد جاءه، فقال: مالك يا أبا رافع؟ فقال: أصابني رجل بالسيف، فأهوى السيف نحوه فضربه بالسيف حتى برد، فصاحت امرأته فقال: اسكتي وإلا أصبتك بمثله، فسكتت فخرج وطفق يفتح ما أغلق على نفسه فوقع من الدرجة [١١٠/أ] فأصيب في ساقه، فأتى أصحابه وقال: قتلت الخبيث، غير أني لا أبرح حتى أسمع الناعية؛ لأرجع إلى رسول الله ﷺ بالخبر الصحيح، فلما دخل وقت
стр. 865
السحر صاحت الناعية من أعلى الحصن: أنعي إليكم أبا رافع تاجر الحجاز، فانفتلوا راجعين إلى المدينة، فرآهم رسول الله ... ﷺ مقبلين وهو يخطب فقال: "أفلحت الوجوه" ثم أنه ﷺ مسح ساق ابن عتيك المكسورة، فبرأت بإذن الله، وذلك في السنة الرابعة من الهجرة.
[٢٨٨٩] ومنه حديث ابن عمر ﵁ (أن رسول الله ﷺ قطع نخل بني النضير وحرق ... الحديث) قلت: وكان سبب ذلك أنهم نقضوا العهد وهموا بقتل رسول الله ﷺ حين أتاهم يستعين بهم في دبة رجلين من بني عامر، فأخبره الله بما هموا به فقام من مجلسه، ولم يشعروا به حتى أتى مسجد المدينة، فبعت إليهم محمد بن مسلمة أن اخرجوا من المدينة ولا تساكنوني، فإنكم هممتم بقتلي، ونقضتم عهدي.
فبعت إليهم الخبيث ابن أبي: لا تخرجوا فإنا معكم وبنو قريظة معكم. فأتاهم رسول الله ﷺ وحاصرهم خمسة عشر يوماً، فقذف الله في قلوبهم الرعب فصالحوا علي حقن دمائهم، وعلي ما تحمل إبلهم، فخرجوا إلى قرى خيبر، وإلى غيرها مما لم يفتح من البلاد، وذلك في السنة الرابعة من الهجرة. والبوبيرة المذكورة في شعر حسان: موضع من بلد بني النضير.
[٢٨٩١] ومنه قول ابن عمر ﵁ في حديثة (غارين في نعمهم بالمريسيع) أي: شن عليهم الغارة وهو في غفلة وغرة عنه. والغار: الغافل، والذي يغر غيرة أيضاً. والمريسيع: أسم ماء لبني المصلطق بالمعصب، وهو من ناحية قديد، ورواه بعضهم بالغين المعجمة وهو تصحيف.
[٢٨٩١] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي السيد الساعدي- ﵁ (إذا أكثبوكم ...) أي: إذا قاربوكم (فارموهم والكثب: القرب، ورواه بعضهم (كثبوهم) بغير ألف أي: قربوا منكم، وقال الهروي: فلعلها لغتان. والراوي هو أبو أسيد بضم الهمزة وفتح السين، ومنهم من فتح الهمزة وكسر السين، والأول أصح وأشهر
стр. 866
(ومن الحسان)
[٢٨٩٣] حديث أبي الدرداء ﵁ (ابغوني في ضعفائكم) أي: أطلبوني في حفظ حقوقهم وجبر قلوبهم تجودني هنالك.
[٢٨٩٤] ومنه حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ (عبأنا النبي ﷺ ) يهمز ولا يهمز، يقال: عبأت الجيش وعبيتهم تعبئة وتعبية وتعبياً، أي: هيأتهم في مواضعهم وألبستهم السلاح.
وفيه: (فليكن شعاركم حم لا ينصرون) الشعار في الأصل (١١١/ب) العلامة ينصبوها ليعرف الرجل بها رفقته، ثم استعير في القول الذي يعرف به الرجل أهل دينه فلا يصيبه مكروه. قال الخطابي: بلغني عن ابن كيسان النحوي أنه سأل أبا العباس أحمد بن يحيى فقال: معناه الخبر، ولو كان بمعنى الدعاء لكان: لا ينصرون مجزوماً، كأنه قال: والله لا ينصرون. قال الخطابي: وقد روي عن ابن عباس أنه قال: حاميم اسم من اسماء الله، فكأنه حلف بأنهم لا ينصرون، وقال الخطابي: إنما تثبت أسماؤه - سبحانه- بالكتاب أو بالسنة الموجبة للعلم، وحاميم غير مشهور في أسماء الله، ثم إنا لم نجد اسما من أسمائه إلا وقد أفصح عن ثناء ومحمدة، وعن معنى من معاني صفاته، وحم حرفان من حروف المعجم لا معنى تحته فيما نعلم ونفهم، ولو كان أسم لعرب لأنه عار من علل البناء، ألا ترى أنه أعرب حيث جعل اسما للسورة، قال الشاعر:
يناشدني حاميم والرمح شاجر ... فهلا تلا حاميم قبل التشاجر
منعت الصرف للعملية والتأنيث ولا تجمع قال ابن مسعود ﵁:"إذا وقعت في آل حاميم وقعت في روضات دمثات"
стр. 867
والوجه في الحديث أن يقال: إن سورة حاميم لها شأن وذكرها مما يستظهر به عند استنزال النصر، و (لا ينصرون) كلام مستأنف كأنه حين قال: قولوا حاميم قيل: ماذا يكون إذا؟ قال: لا ينصرون، أو قاله تيمنا وتفاؤلاً
[٢٨٩٨] ومنه حديث سمرة ﵁ عن النبي ﷺ (اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم) أي صبيانهم
قوله: (أي صبيانهم) ليس هو من متن الحديث ولا من كلام الصحابي، فلعل بعض الرواة في بعض طرقة أدرجه في الحديث فوجده المؤلف فيما بلغه، فذكره. فالظاهر أنه من عند المؤلف.
قوله ﷺ (واستحيوا) أي استبقوا و (شرخ) بفتح الشين وسكون الراء جمع [شارخ] وهو الشاب كصاحب وصحب، وشارب وشرب، وقال ابن الأنباري قولا آخر فقال: الشرخ أول الشباب، فهو واحد يكفي من الواحد والاثنين والجمع، كقولك: رجل صوم، ورجلان صوم، ورجال صوم، وذكر أبو عبيد القاسم بن سلام في تأويله وجهين.
أحدهما: أنه أراد بالشيوخ الرجال المسان أهل النجدة والبأس ولم يرد الهرمى، وأراد بالشرخ الصغار الذين لم يدركوا، فصار تأويله: اقتلوا البالغين، واستبقوا الصبيان.
والآخر: أن يكون أراد بالشيوخ الهرمي الذين إذا سبوا لم ينتفع بهم للخدمة، وأراد بالشرخ الشاب اللذين يصلحون للملك وللخدمة.
قلت: وفي الشيوخ وجه آخر وهو أن نقول [أ/١١١]: لم ير استبقاء هؤلاء للملك والخدمة لما في نفوسهم من العبيه ولاستمرارهم على الكفر، ثم لما فيهم من النكر والدهاء، فلا يؤمن إذا عائلتهم ودخلتهم وما يتولد منهم من فساد في الدين، أو ثلمة في الإسلام وهؤلاء غير الفتاه الذين لا يعبأ بهم ولا يكترث لهم، وهذا أولى ما يأول عليه هذا الحديث؛ لئلا يخالف حديث أنس ﵁ الذي في هذا الباب، وذلك ما روى عنه أن رسول الله ﷺ قال: (انطلقوا باسم الله، وبالله، وعلى مله رسول الله، لا تقتلوا شيخاً فانيا ... الحديث)
وهذا الحديث ليس بأقل اعتبارا من حديث سمرة. وقد ذكرنا - فيما مضى - قول أهل الحديث في صحيفة سمرة، وراية الحسن عنها
[٢٨٩٩] ومنه قوله ﷺ لأسامة ﵁ (أغر على ابني) ابني بضم الهمزة موضع من بلاد جهينة، ومن الناس من يجعل بدل الهمزة لاما ولا عبرة به.
стр. 868
[٢٩٠٢] ومنه قوله ﷺ في حديث أنس ﵁ (بسم الله، وبالله) أي: سيروا متبركين باسمه معتصمين به
[٢٩٠٤] ومنه حديث ابن عمر ﵁ (بعثنا رسول الله ﷺ في سرية، فحاص الناس حيصة)
قال الهروي: أي جالوا جولة
قلت: وفي الحديث دلالة على أنه عبارة عن الفرار، يقال: حاص يحيص حيصة إذا مال ملتجئا. ومنه قوله : ﴿ولا يجدون عنها محيصا﴾ أي: مهرباً ومحيدا، وفي معناه: جاض الناس بالجيم والضاد المنقوطة، وقد وردت به الرواية
стр. 869
وفيه (بل انتم العكارون) قيل: أي العطافون، ويقال للرجل الذي تولى عن الحرب ثم يكر راجعا، عكر واعتكرا.
وفيه (وأنا فئتكم) الفئة: الجماعة المتظاهرة التي يرجع بعضهم إلى بعض في التعاضد، وقد أشار النبي ﷺ إلى قوله سبحانة وتعالى ﴿إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة﴾ يريد: لستم الفرارين حين رجعتم إلى التعاضد
ومن باب حكم الأسارى
(من الصحاح)
[٢٩٠٥] حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ (عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل)
قد مضى القول في العجيب إذا استعير في أفعال الله سبحانه، وتأويله في هذا الحديث أنه عظم شأن قوم هذا شأنهم، وأحله محل العجب.
وقوله (يدخلون الجنة في السلاسل) أي يؤتي بهم في السلاسل والقيود وهم الأسارى. ومراد الله منهم أن يهديهم إلى سواء السبيل، فيدخلون الجنة، فأحل الدخول (١١١/ب) الإسلام محل الدخول في الجنة؛ لكونه المفضي بهم إلى الجنة. ويحتمل أنه أراد بالسلاسل ما يرادون به من الإجبار ويمتحنون به من الكره للدخول في دين الله.
[٢٩٠٦] ومنه حديث أبي سعيد الخدري ﵁ (لما نزلت بنو قريظة على حكم سعد) الحديث.
قلت: كان بنو قريظة قبل الإسلام حلفاء أوس، وبنو النضير حلفاء خزرج، فلما كانت السنة الخامسة من الهجرة أقبلت الأحابيش من قريش ومن تابعهم وغطفان وأشجع، ومن أطاعهم لحرب رسول الله ﷺ وقامت الحرب بينهم في شوال وهي غزوة الخندق، ودونها نقضت بنو قريظة العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ فلما انكشفت الأحزاب عن المدينة، وكفى الله المؤمنين شرهم، آتى جبريل النبي ﷺ ظهر اليوم الذي تفرقت الأحزاب في ليلته فقال (وضعتم السلاح والملائكة لم تضع أسلحتها إن الله يأمرك
стр. 870
بالسير إلى بني قريظة) فأتاهم عصر يومه وحاصرهم خمسا وعشرين ليله فجهدهم الحصار وقذف والله في قلوبهم الرعب، فطلبوا النزول على حكم سعيد بن معاذ سيد الأوس، ظنا منهم أنه يحوط جانبهم، فلا يحكم فيهم بما يستأصل شأفتهم، فلما تواثقوا على ذلك ونزلوا، دعى سعد، وكان قد أصيب أكحله يوم الخنق فجئ به على حمار شاكيا مدمي، فلما دنا قال النبي ﷺ لمن حضره من أوس (قوموا إلى سيدكم) يريد: قوما إليه فأعينوه لينزل برفق، فلما أتى به وجلس مجلسه من النبي ﷺ واخبره أن القوم نزلوا على حكمه قال: فأني أحكم فيهم بأن تقتل مقاتلهم، وتسبي ذريتهم فقال: (لقد حكمت بحكم الملك) أي: أصبت حكمة فيهم، أو قضيت بقضاء ارتضاء الله ونفذه فيهم، ويروي الملك بكسر اللام وهو الأكثر والأولى لما في رواية أخري بحكم الله ويروي فتح اللام أضيف الحكم تلي الملك؛ لانه تلقاه من قلبه برسالة ربه إياه.
[٢٩٠٩] ومن حديث أبي هريرة ﵁: (بعث رسول الله ﷺ خيلا قبل نجد ... الحديث) قلت: كان ذلك في السنة السادسة بعثت سرية إلى القرطاء من أرض نجد، وعليها محمد بن مسلمة فاستأسر ثمامة بن أثال الحنفي ﵁.
وفيه: (إن تقتل، تقتل ذا دم)، يحتمل أنه أراد بذلك شرفه في قومه، وأنه ليس ممن يطل دمه، بل يطلب ثأره، ويحتمل أنه أراد بذلك: إن تقتل تقتل من توجه عليه القتل بما أصابه [١١٢/أ] من دم وأراه أوجه للمشاكلة التي بينه وبين قوله (وإن تنعم تنعم على شاكر) وقد روى أبو داود هذا الحرف أعني (ذا
стр. 871
دم) بالذال المعجمة المكسورة من الذمام. وفي كتاب أبي عبيد الهروي مما رواه عن أبي عبيدة معمر بن المثني فقال له: على ذمة وذمام ومذمة، وهي الذم، وأنشد:
كما ناشد الذم الكفيل المعاهد
وعلى هذا يكون المعنى: أن تقتل، تقتل من إذا عقد ذمة وفى بها، وبالدال المهملة، هي الرواية المشهورة المتبوعة.
[٢٩١٠] ومنه حديث جبير بن مطعم أن النبي ﷺ قال في أسارى بدر: (لو كان المطعم بن عدى حيا ثم كلمنى في هؤلاء النتني لتركتهم له) النتني جمع نتن، كالزمن والزمنى، والهرم والهرمى، ونتن بمعنى منتن، وإنما سماهم نتنى: إما لرجسهم الحاصل من الكفر، فجعلهم بمثابة الجيف المنتنة، وإما أ، هـ أراد بذلك الذين ألقيت جيفهم في بئر بدر، وإنما قال ذلك؛ لأن المطعم بن عدي كانت له يد عند رسول الله ﷺ وذلك أنه أجاره مرجعه من الطائف وذب عنه، فأحب أن لو كان حيا فكافأه عليها؛ لئلا يكون لمشرك عنده يده.
ويحتمل أنه قال ذلك تأليفا لابنه على الإسلام، وعلى كلا التقديرين فإن الحديث لم يخل من التصريح بتحقير شأن أولئك النفر، ثم من التعريض بما من الله تعالى على نبيه ﷺ من الكرامة، حيث إنه تمكن من تركهم لمشرك كانت له عنده يد، وقد رأى لنفسه من المنزلة عند الله أنه لو فعل ذلك لاتصل به الإمضاء من الله .
[٢٩١١] ومنه قول أنس ﵁ في حديث (فأخذهم سلما) بفتح اللام، أي: مستسلمين، يقال: رجل سلم ورجال سلم أي: أسراء
стр. 872
[٢٩١٢] ومنه قول أبي طلحة ﵁ في حديثة (وقذفوا في طوى من أطواء بدر خبيث مخبث) الطوى: البئر المطوبة بالحجارة أو غيرها، وإنما وصفه بالخبث لإلقاء تلك الجيف فيها، وقوله: (مخبث) أي: ذي خبث، أو أصحابه خبثاء، وفي الحديث (أعوذ بك من الخبيث والمخبث) أي: الذي أعوانه خبثاء كما يقال: قوى مقو، فالقوى في نفسه والمقوى أن تكون ذابته قوية، وفي حديث الدعاء يحتمل أن يكون المخبث الذي يعلم الناس الخبث، وقيل: الذي ينسبه الناس إلى الخبث.
وفي (على شفه الركى) أي: على حافة البئر، وكان الصواب فيه الركية، لأنها في التوحيد يقال: ركية، وفي الجمع: ركى، وركايا، والصحيح أنهم ألقوا في بئر واحدة لما في الحديث (قذفوا في طوى) وفي الحديث أيضاً: (فألقوا في قليب بدر) فإن قيل: كيف التوفيق بين الطوى والقليب، والقليب، البئر التي لم تطو.
قلنا يحتمل أن الراوي رواه بالمعنى، ولم يدر أن بينهما فرقاً، ويحتمل أن بعضهم ألقي في طوى وبعضهم في قليب.
стр. 873
[٢٩١٤] ومنه حديث عمران بن حصين ﵁ (كان ثقيف حلفاء لبني عقيل) قد ذكرنا فيما مضى الحلف الذي كان أهل الجاهلية يتعاطونه، وهو العهد، والمحالفة: المعاهدة والحليف: المحالف وعقيل- مصغر- قبيلة.
وفيه (بجريرة حلفائك) الجريرة الجناية لعلها سميت بذلك؛ لأنها تجر العقوبة إلى الجاني يقال: جر عليه جريرة، أي: جني عليه جناية، قد اختلف في تأويله فمنهم من قال: في الكلام إضمار معناه: إنما أخذت لتدفع بك جريرة حلفائك ثقيف، فنفدى بك الأسراء الذين أسرتهم ثقيف. يدل عليه قول الراوي: فقداه رسول الله ﷺ بالرجلين اللذين أسرتهما ثقيف وقيل: هذا الرجل كافر لا عهد له يجوز أسرة وقتله، فإذ جاز أن يؤخذ بجريرة نفسه، وهي الكفر، جاز أن يؤخذ بجريرة من كان على مثل حاله من حليف وغيره، وقيل: هذا يدل على أنهم كانوا عاهدوا بني عقيل أن لا يتعرضوا للمسلمين ولا لأحد من حلفائهم فنقض حلفائهم العهد، فلم ينكره عليهم بنو عقيل، فأخذوا بجريرتهم.
قلت وأشبه التأويلات أن نقول: كانت القبيلة مع حلفائهم في العهد، فلما تعرض حلفاؤها للمسلمين، أخذوا بها وقول الأخذ (فيهم أخذت) يدل على أنه كان شبهة عهد، ولولا ذلك لم يقل قوله هذا؛ لاستشهار الحكم بين العرب في استباحة أهل هذه الملة دماء الكفار وأموالهم، إذا لم يكن لهم عهد لاسيما في التاريخ الذي أحطنا به علما من قبل الراوي، فإن عمران بن حصين أسلم في سنة سبع من الهجرة، ولولا شبهة العهد لكان الجواب: أخذت بكفرك فلما اعتل بجريرة حلفائهم، فأكد ذلك المعنى، وفي بعض طرق هذا الحديث (ويم أخذت سابقة الحاج) أراد بها: الغضباء ومنه [١١٣/أ] (أخذت وتملكها رسول الله ﷺ وكانت مما أفاء الله عليه)، وأما امتناع النبي ﷺ عن قبول الإسلام منه بعد أن قال: إني مسلم، فمحمول على ما خص به الرسول من من الإطلاع على الأمور المكنونة، وليس ذلك لأحد بعده، ولهذا قال لأسامة (هلا شققت عن قلبه) حين أدعى أنه قال: لا إله ألا الله تعوذا وفرقا من القتل، فعلمنا أ، الله تعالى أطلعه على كذبه، ونبأه أن الرجل تكلم بما تكلم به تقيه لا رغبة في الإسلام.
(ومن الحسان)
[٢٩١٥] حديث عائشة ﵂ (لما بعث أهل مكة في فداء أسرائهم بعثت زينب في
стр. 874
فداء أبي العاص ... الحديث) زينب هذه بنت رسول الله ﷺ كانت تحت أبي العاص بن الربيع ابن عبد شمس القرشي العبشمي، فلما أسر ببدر بعثت في فدائه وهي بمكة، فرق لزينب حين رأى القلادة وتذكر غربتها [وحدتها] ووجدها به، وتذكر عهد خديجة فإن القلادة كانت لها.
وفيه (وكان النبي ﷺ قد أخذ عليه أن يخلي سبيل زينب) أخذ عليه يريد به العهد، ولم يرد بتخلية سبيلها الطلاق، وإنما أراد به أن يريلها، بإذن لها في الهجرة إلى المدينة، وكان حكم المناكحة بين الكفار والمسلمات بعد باقياً (وبطن يأجج): من بطون الأودية التي حول الحرم، والبطن: المنخفض من الأرض.
[٢٩١٨] ومن حديث على ﵁ عن رسول الله ﷺ (أن جبريل هبط عليه ... الحديث) هذا الحديث مشكل جدا لمخالفته ما يدل على ظاهر التنزيل ولما صح من الأحاديث في أمر أسارى بدر أن أخذ الفداء كان رأيا رأوه فعوتبوا عليه، ولو كان هناك تخيير بوحي سماوي لم تتوجه المعاتبة عليهم، وقد قال الله تعالى ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى﴾ إلى قوله: ﴿لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ وإنما أظهر لهم شأن المعاقبة فقتل سبعين منهم بعد غزوه أحد عند نزول قوله سبحانه ﴿أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها﴾ يعني: مقتل سبعين من أصحاب بدر وأسر سبعين منهم ثم قال ﴿قل هو من عند أنفسكم﴾ قيل في تأويله: لأخذكم الفداء، وممن نقل عنه هذا التأويل من الصحابة على ﵁ فلعل عليا ذكر هبوط جبريل في شأن نزول هذه الآية وبيانها، فأشتبه الأمر فيه على بعض الرواة، ومما جرأنا على هذا التقرير سوى ما ذكرناه هو أن الحديث تفرد به يحيي بن أبي زكريا بن أبي زائدة عن سفيان من بين أصحابة، فلم يروه غيره، والسمع قد يخطئ، والنسيان كثيرا قد يطرأ على الإنسان، ثم إن الحديث روي عنه [١١٣/ب] متصلاً، وروي عن غيره مرسلاً، وكل ذلك مما يمنع عن القول بظاهره.
стр. 875
[٢٩١٩] ومنه حديث عطية القرظي ﵁ (كنت في سبي بني قريظة ... الحديث) قلت: إنما اعتبر الإثبات في حقهم لمكان الضرورة، وإذا سئلوا عن الاحتلام أو عن مبلغ سنهم لم يكونوا ليحدثوا بالصدق؛ إذ رأوا فيه الهلاك، والسنن إنما تتبع على ما وجدت في مواضعها ولا تصرف عن جهتها.
[١٩٢٠] ومنه قول علي ﵁ (خرج عبدان ... الحديث) عبدان-بكسر العين وضمها وسكون الباء فيهما-جمع عبد، وكذلك عبدان-بكسر الحرفين وتشديد الثالث. زفي الحديث روى بالتخفيف وسكون الباء، وإنما غضب رسول الله ﷺ لأنهم عارضوا حكم الشرع فيهم أنهم صاروا بخروجهم من دار الحرب مستعصمين بعروة الإسلام أحراراً، فكان معاونتهم لأوليائهم تعاوناً على العدوان, والله أعلم.
стр. 876
ومن باب الأمان
(من الحسان)
[٢٩٢٢] حديث عبد الله بن عمرو ﵁ (المسلمون تتكافأ دماؤهم ... الحديث) كان أهل الجاهلية لا يرون دم الوضيع فيم بواء لدم الشريف، فإذا قتل الوضيع الشريف تعدوا منه إلى غيره، فربما قتلوا بالواحد العدد الكثير، فلما جاء الله بالإسلام نبأهم نبي الله ﷺ أن المسلمين الذين شرع الله فيهم القصاص تتساوى دمائهم، والتكافؤ: الاستواء ومنه الحديث في العقيقة: (شاتان متكافئتان) أي: متساويتان والكفئ والكفؤ والكفو: النظير.
وفيه (يسعي بذمتهم أدناهم) أي: لا يخفر ذمة الأدنى منهم منزلة، إذا أجار كافراً أو أكثر، بل يمضي جواره، وذلك مثل النساء والضعفاء، وفي العبد خلاف، إذا كان ممن لا يقاتل، فعند أبي حنيفة وأصحابه لا يمضي جواره، وعند بقية فقهاء الأمصار: يمضي جواره، وإن كان مما لا يقاتل وقد مر بيان الحديث بأكثر من هذا.
[٢٩٢٥] ومنه قوله ﷺ في حديث عمرو بن عبه ﵁ فيما رواه سليم بن عامر (أو ننبذ إليهم على سواء) أي: ننبذ العهد إلى القوم بحيث يستوي ذلك في علم النابذ والمنبوذ إليه، وكان معاوية قد أجتهد فرأى أن له يقرب من بلاد العدو في أيام العهد حتى إذا قصرت المسافة بينه وبين العدو، وانقضت مدة العهد الذي بينهم وأغار عليهم على غرة منهم، وهم واثقون بأن عسكر المسلمون لا تبرح من مكانها [١١٤/ب] حتى ينقضي العهد، فأعلمه الصحابي بأن ذلك غير جائز فلما استبان له الخطأ رجع عن مغزاه.
стр. 877
[٢٩٢٦] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي رافع ﵁ (إني لا أخيس بالعهد ولا أحبس البرد) لا أخيس بالعهد أي: لا أنكثه، يقال خاس به، يخيس به، ويخوس: إذا غدر به، والأصل في الخيس أ، تروح الجيفة، ومنه خاس البيع والطعام: إذا فسد (والبرد) جميع بريد، وهو الرسول، قال الشاعر:
رأيت للموت بريداً مبردا
أي رسولاً مفذا، ومنه الحديث (أذا أبردتم إلى بريدا فاجعلوه حسن الوجه حسن الاسم) والبريد أيضا اثنا عشر ميلا، وبه سمي كل سكه من سكك البريد بريدا، والبريد أيضا: الدابة التي أقيمن [لسير] البريد عليها ولم نجد في كتب اللغة ما نطلع به على مأخذ هذه الكلمة، ولقد وجدت في كتاب لبعض المغاليق من الكتاب أن الأصل فيه: أن ملوك العجم كانوا يقيمون لورود الكتب عليهم ووصل الأخبار عليهم من أطرف ممالكهم مضيقا معجلا في كل مرحلة رجالا، ينتهي الأول إلى الثاني، والثاني إلى الثالث، وجعلوا المسافة بين المرحلتين أربعه فراسخ، ورتبوا كل مرحلة بغالا وبرازين للمسير عليها، وجعلوا قطع أذنابها علما لذلك، وكانوا يسمونها بريده دم، فأعربها العرب [فقالت] البريد، ثم اتسع ذلك في الرسول والسكة التي يسلكها.
وإنما أبي أن يأذن له في الاحتباس عنهم؛ لأن الرسل كما حملوا تبليغ الرسالة حملوا تبليغ الجواب، فلزمهم القيام بكلا الأمرين، فيبصرون برفض ما لزمهم موسومين بسمة الغدر، وكان نبي الله ﷺ أبعد الناس عن ذلك، ثم إن تردد الرسل المحصلة الكلية، ومهما جوز حبسهم أو التعرض لهم بمكروه صار ذلك سببا لانقطاع السبل بين الفئتين المختلفتين، وفي ذلك من الفتة والفساد ما لا يخفى على ذي اللب موقعه، وكذلك حكم الوفد لا يحل سفك دم أحد منهم حتى يعود إلى مأمنه، وإنما رفع القتل عن الرسل، والوفد لقوله ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه﴾ والوافد في حكم المستجير.
[٢٩٢٧] ومنه حديث نعيم بن مسعود الأشجعي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لرجلين جاءا من عند مسيلمة ... الحديث)
стр. 878
قلت: إنما قال لهما قوله؛ لأنهما قالا بحضرته: نشهد أن مسيلمة رسول الله، وأحد الرجلين عبد الله بن النواحه والآخر [١١٤/ب] رجل يقال له: ابن أثال حجر، وابن النواحه دخل في عمار المسلمين بعد مقتل مسيلمة، وأرسل زمن عمر بن الخطاب ﵁ إلى الكوفة في أمداد اليمن، وكان إمام قومه من بني حنيفة، فشهد عليه حارث بن مضرب وعلى أصحابه أنهم كانوا يتدارسون بعد صلاه الصبح في مسجدهم الفرية التي اختلقها الملعون، وزعم أ، ها مما أوحى إليه، وروى حارثة أتى بن مسعود فقال: ما بيني وبين أحد من العرب أحنة، وما مررت بمسجد بني حنيفة فإذا هم يؤذنون بمسيلمة، واتاه أبضا عبد الله بن معيز السعدي فقال: خرجت أسفد فرسا لي في السحر فمررت على مسجد بني حنيفة فسمعتهم يشدون أن مسيلمة رسول الله وكان على الكوفه عبد الله بن مسعود معلما ووزيرا وأبو موسى الأشعري ﵁ أميرا فأحضرت الفئة الطاغية واستبان غيتهم فاستتيبوا فتابوا فقبلت عنهم التوبة إلا ابن النواحه، فأن ابن مسعود: أن كانت سرائرهم على ما كانت عليه فسيفينهم طاعون الشام، وإلا فلا سبيل لنا عليهم، وإما ابن النواحه فأبي مسعود إلا قتله؛ لأنه كان من الزنادقة الدعاة، ثم أنه يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول (لولا أنك رسول لقتلتك) ولست اليوم برسول، فأمر قرظه بن كعب فضرب عنقه في السوق.
ومن كتاب قسمة الغنائم
(من الصحاح)
[٢٩٣٠] حديث أبي قتادة الأنصاري السلمي ﵁ خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حنين فلما التقينا كانت للمسلمين جولة ... الحديث) جال في الحرب جولة: أي: جار وقد فسرت [في] هذا الحديث بالهزيمة، وأرى الصحابي كره لهم لفظ الهزيمة، فكنى عنها بالجولة. ولما كانت الجولة مما لا استقرار عليه استعملها في الهزيمة، تنبيها على أنهم لم يكونوا ليستقروا عليها، وفي مغناه الحديث (للباطل جولة ثم يضمحل) أراد: أن أهله لا يستقرون على أمر يعرفونه ويطمئنون إليه.
وفيه (علسي بن عاتقه) حبل العاتق: عصب، وحبل الوريد: حب في العنق، وحبل الذارع: في اليد، والعاتق: موضع الرداء من المنكب، يذكر ويؤنث
стр. 879
وفيه (فله سلبه) للسلب - بالتحريك المسلوب، وكذلك السليب وقد فسره أصحاب الغريب بما مع المقتول من آلات الحرب، وقيل: هو السلاح والمنطقة [١١٥/أ] والثياب والدابة، وللعلماء في بابه اختلاف كثير، أضربنا على الأتيان عليها، حيث لم نر في بيان هذا الحديث ضرورة بنا إلى إيرادها.
وفيه (قال أبو بكر: لاها الله أذا) الألف قبل الذل زيادة من بعض الرواة، والصواب (لاها الله ذا) أي: لا والله، لا يكون ذا، وها بدل عن واو القسم، وهم يجرون بحرف التنبيه في هذه الصيغة، ويفرقون بين حرف التنبيه وبين ذا، ويقدمونها كما قدم في قولك ها هوا ذا، وها أنا ذا، قال زهير:
يعملن ها لعمر الله ذا قسما
ولذلك أن تحذف الألف من ها، قال سيبويه: الأصل فيه: والله لا الأمر هذا، فحذفت واو القسم وقدمت ها فصارت عوضا من الواو, وذا خبر المبتدأ المقدم، والجملة جواب للقسم، وقد نقل بعض الحفاظ عن الأخفش أنه قال: ذا خبر نعت للفظة الله وجواب القسم لا يعمد، والأول أبلع وأشهر.
وفيه (لا يعمد) يعمد فيعطيك- بالياء فيها- يريد به النبي ﷺ
وفيه (فابتعت به مخرفا في بني سلمه) المخرف -بفتح الميم-هو: الحائط يخرف منه الثمرة، ويكسر الميم: الوعاء الذي يخرف فيه ولا معنى له ههنا، والراء منها مفتوحة، وبني سلمه بكسر اللام.
وفيه (وإنه لأول مال تأثلته في الإسلام) أي: اقتنيته وجمعته، وكل شيء له أصل قديم أو جمع حتى يصير له أصل فهو مؤثل، وأثله الشيء: أصله
[٢٩١٣] ومنه حديث ابن عمر ﵁ (فإن رسول الله ﷺ أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم ... الحديث)
قلت: هذا الحديث على شرط أصحاب الحديث لا صحيح لا يرون خلافه، وقد وجدت شرذمة منهم ذكروا في كتبهم أن أبا حنيفة قال: لا أفضل بهيمة على مسلم، معرضين بهذا القول أنه ترك العمل بهذا الحديث مع صحته بما اقتضاه رأيه، وكان غير هذا القول أولى بهم عفا الله عنهم، ومتى ترك أبو حنيفة السنة الثابتة عنده بالقياس وهو الذي أخذ بحديث القهقهة مع ضعفه عندهم والقياس يقتضي خلافه، وذهب إلى حديث الصائم إذا أكل ماسيا، والقياس يقتضي خلافه، وإنما ترك العمل بهذا الحديث لما يعارضه من
стр. 880
حديث عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، فيما رواه عن نافع عن ابن عمر ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (للفارس سهمان وللراجل سهم) والحديث الذي قدماه يرويه عبيد الله بن عمر بن حفص عن نافع. وأصحاب الحديث يرون أن عبيد الله أحفظ وأثبت من عبد الله، بل لا يرون (١١٥/ب) الاحتجاج بحديثه، وأبو حنيفة يسلك في هذا الباب سبيل حسن الظن بالرجل المسلم فلم بر الطعن فيمن لم يثبت عنده جرحه، ورأى الأخذ به أحوط لحديث مجمع بن جاريه، والحديث مذكور في الحسان من هذا الباب، وسنذكر بيان ذلك إذا انتهينا إليه، إن شاء الله.
[٢٩٣٣] ومنه حديث سلمة بن الأكوع ﵁ في حديثة: (أغار على ظهر رسول الله ﷺ ...) أراد به السرح يقال: عند فلان ظهر، أي: إبل جياد الظهور. ومنه قولهم: بعير ظهير، أي: بين الظهارة، إذا كان قويا، وناقة ظهيرة، والبعير الظهرى، بالكسر: المعد للحاجة أن احتج له.
وفيه (فناديت ثلاثا يا صباحاه) يا صباحاه: كلمة استغاثة عند الغارة، كأنه يدعو من يغيثه ويوم الصباح يوم الغارة.
قال الأعشى:
غداة الصباح إذا النقع ثارا
وفيه: (واليوم يوم الرضع) أي: هذا اليوم يوم قتل اللئام، ومن قولهم: لئن راضع، وأصله على ما زعموا: رجل كان يرضع إبله وغنمه فلا يحلبها؛ خشية أن يسمع صوت حلبه فيطالب منه، ثم قالوا رضع الرجل بالضم كأنه كالشيء طبع عليه، وفي حديث ثقيف (أسلموا الرضاع واتركوا المضاع)
وفيه (إلا جعلت عليه آرما) الأرم: حجارة تنصب علماً في المفازة، والجمع آرام، وأروم مثل: ضلع وأضلاع وضلوع. أراد: أنه نصب على ما استقبله منهم علما يعرف به الراءون أن ذلك من جمله ما أحرزه من متاع القوم فلا يستبد غيره. والأشبه بنسق الكلام أن يكون لفظ الحديث (إلا جعلت
следующие страницы →