Полный текст (1 323 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
ومن باب الأمان
(من الحسان)
[٢٩٢٢] حديث عبد الله بن عمرو ﵁ (المسلمون تتكافأ دماؤهم ... الحديث) كان أهل الجاهلية لا يرون دم الوضيع فيم بواء لدم الشريف، فإذا قتل الوضيع الشريف تعدوا منه إلى غيره، فربما قتلوا بالواحد العدد الكثير، فلما جاء الله بالإسلام نبأهم نبي الله ﷺ أن المسلمين الذين شرع الله فيهم القصاص تتساوى دمائهم، والتكافؤ: الاستواء ومنه الحديث في العقيقة: (شاتان متكافئتان) أي: متساويتان والكفئ والكفؤ والكفو: النظير.
وفيه (يسعي بذمتهم أدناهم) أي: لا يخفر ذمة الأدنى منهم منزلة، إذا أجار كافراً أو أكثر، بل يمضي جواره، وذلك مثل النساء والضعفاء، وفي العبد خلاف، إذا كان ممن لا يقاتل، فعند أبي حنيفة وأصحابه لا يمضي جواره، وعند بقية فقهاء الأمصار: يمضي جواره، وإن كان مما لا يقاتل وقد مر بيان الحديث بأكثر من هذا.
[٢٩٢٥] ومنه قوله ﷺ في حديث عمرو بن عبه ﵁ فيما رواه سليم بن عامر (أو ننبذ إليهم على سواء) أي: ننبذ العهد إلى القوم بحيث يستوي ذلك في علم النابذ والمنبوذ إليه، وكان معاوية قد أجتهد فرأى أن له يقرب من بلاد العدو في أيام العهد حتى إذا قصرت المسافة بينه وبين العدو، وانقضت مدة العهد الذي بينهم وأغار عليهم على غرة منهم، وهم واثقون بأن عسكر المسلمون لا تبرح من مكانها [١١٤/ب] حتى ينقضي العهد، فأعلمه الصحابي بأن ذلك غير جائز فلما استبان له الخطأ رجع عن مغزاه.
стр. 877
[٢٩٢٦] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي رافع ﵁ (إني لا أخيس بالعهد ولا أحبس البرد) لا أخيس بالعهد أي: لا أنكثه، يقال خاس به، يخيس به، ويخوس: إذا غدر به، والأصل في الخيس أ، تروح الجيفة، ومنه خاس البيع والطعام: إذا فسد (والبرد) جميع بريد، وهو الرسول، قال الشاعر:
رأيت للموت بريداً مبردا
أي رسولاً مفذا، ومنه الحديث (أذا أبردتم إلى بريدا فاجعلوه حسن الوجه حسن الاسم) والبريد أيضا اثنا عشر ميلا، وبه سمي كل سكه من سكك البريد بريدا، والبريد أيضا: الدابة التي أقيمن [لسير] البريد عليها ولم نجد في كتب اللغة ما نطلع به على مأخذ هذه الكلمة، ولقد وجدت في كتاب لبعض المغاليق من الكتاب أن الأصل فيه: أن ملوك العجم كانوا يقيمون لورود الكتب عليهم ووصل الأخبار عليهم من أطرف ممالكهم مضيقا معجلا في كل مرحلة رجالا، ينتهي الأول إلى الثاني، والثاني إلى الثالث، وجعلوا المسافة بين المرحلتين أربعه فراسخ، ورتبوا كل مرحلة بغالا وبرازين للمسير عليها، وجعلوا قطع أذنابها علما لذلك، وكانوا يسمونها بريده دم، فأعربها العرب [فقالت] البريد، ثم اتسع ذلك في الرسول والسكة التي يسلكها.
وإنما أبي أن يأذن له في الاحتباس عنهم؛ لأن الرسل كما حملوا تبليغ الرسالة حملوا تبليغ الجواب، فلزمهم القيام بكلا الأمرين، فيبصرون برفض ما لزمهم موسومين بسمة الغدر، وكان نبي الله ﷺ أبعد الناس عن ذلك، ثم إن تردد الرسل المحصلة الكلية، ومهما جوز حبسهم أو التعرض لهم بمكروه صار ذلك سببا لانقطاع السبل بين الفئتين المختلفتين، وفي ذلك من الفتة والفساد ما لا يخفى على ذي اللب موقعه، وكذلك حكم الوفد لا يحل سفك دم أحد منهم حتى يعود إلى مأمنه، وإنما رفع القتل عن الرسل، والوفد لقوله ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه﴾ والوافد في حكم المستجير.
[٢٩٢٧] ومنه حديث نعيم بن مسعود الأشجعي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لرجلين جاءا من عند مسيلمة ... الحديث)
стр. 878
قلت: إنما قال لهما قوله؛ لأنهما قالا بحضرته: نشهد أن مسيلمة رسول الله، وأحد الرجلين عبد الله بن النواحه والآخر [١١٤/ب] رجل يقال له: ابن أثال حجر، وابن النواحه دخل في عمار المسلمين بعد مقتل مسيلمة، وأرسل زمن عمر بن الخطاب ﵁ إلى الكوفة في أمداد اليمن، وكان إمام قومه من بني حنيفة، فشهد عليه حارث بن مضرب وعلى أصحابه أنهم كانوا يتدارسون بعد صلاه الصبح في مسجدهم الفرية التي اختلقها الملعون، وزعم أ، ها مما أوحى إليه، وروى حارثة أتى بن مسعود فقال: ما بيني وبين أحد من العرب أحنة، وما مررت بمسجد بني حنيفة فإذا هم يؤذنون بمسيلمة، واتاه أبضا عبد الله بن معيز السعدي فقال: خرجت أسفد فرسا لي في السحر فمررت على مسجد بني حنيفة فسمعتهم يشدون أن مسيلمة رسول الله وكان على الكوفه عبد الله بن مسعود معلما ووزيرا وأبو موسى الأشعري ﵁ أميرا فأحضرت الفئة الطاغية واستبان غيتهم فاستتيبوا فتابوا فقبلت عنهم التوبة إلا ابن النواحه، فأن ابن مسعود: أن كانت سرائرهم على ما كانت عليه فسيفينهم طاعون الشام، وإلا فلا سبيل لنا عليهم، وإما ابن النواحه فأبي مسعود إلا قتله؛ لأنه كان من الزنادقة الدعاة، ثم أنه يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول (لولا أنك رسول لقتلتك) ولست اليوم برسول، فأمر قرظه بن كعب فضرب عنقه في السوق.
ومن كتاب قسمة الغنائم
(من الصحاح)
[٢٩٣٠] حديث أبي قتادة الأنصاري السلمي ﵁ خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حنين فلما التقينا كانت للمسلمين جولة ... الحديث) جال في الحرب جولة: أي: جار وقد فسرت [في] هذا الحديث بالهزيمة، وأرى الصحابي كره لهم لفظ الهزيمة، فكنى عنها بالجولة. ولما كانت الجولة مما لا استقرار عليه استعملها في الهزيمة، تنبيها على أنهم لم يكونوا ليستقروا عليها، وفي مغناه الحديث (للباطل جولة ثم يضمحل) أراد: أن أهله لا يستقرون على أمر يعرفونه ويطمئنون إليه.
وفيه (علسي بن عاتقه) حبل العاتق: عصب، وحبل الوريد: حب في العنق، وحبل الذارع: في اليد، والعاتق: موضع الرداء من المنكب، يذكر ويؤنث
стр. 879
وفيه (فله سلبه) للسلب - بالتحريك المسلوب، وكذلك السليب وقد فسره أصحاب الغريب بما مع المقتول من آلات الحرب، وقيل: هو السلاح والمنطقة [١١٥/أ] والثياب والدابة، وللعلماء في بابه اختلاف كثير، أضربنا على الأتيان عليها، حيث لم نر في بيان هذا الحديث ضرورة بنا إلى إيرادها.
وفيه (قال أبو بكر: لاها الله أذا) الألف قبل الذل زيادة من بعض الرواة، والصواب (لاها الله ذا) أي: لا والله، لا يكون ذا، وها بدل عن واو القسم، وهم يجرون بحرف التنبيه في هذه الصيغة، ويفرقون بين حرف التنبيه وبين ذا، ويقدمونها كما قدم في قولك ها هوا ذا، وها أنا ذا، قال زهير:
يعملن ها لعمر الله ذا قسما
ولذلك أن تحذف الألف من ها، قال سيبويه: الأصل فيه: والله لا الأمر هذا، فحذفت واو القسم وقدمت ها فصارت عوضا من الواو, وذا خبر المبتدأ المقدم، والجملة جواب للقسم، وقد نقل بعض الحفاظ عن الأخفش أنه قال: ذا خبر نعت للفظة الله وجواب القسم لا يعمد، والأول أبلع وأشهر.
وفيه (لا يعمد) يعمد فيعطيك- بالياء فيها- يريد به النبي ﷺ
وفيه (فابتعت به مخرفا في بني سلمه) المخرف -بفتح الميم-هو: الحائط يخرف منه الثمرة، ويكسر الميم: الوعاء الذي يخرف فيه ولا معنى له ههنا، والراء منها مفتوحة، وبني سلمه بكسر اللام.
وفيه (وإنه لأول مال تأثلته في الإسلام) أي: اقتنيته وجمعته، وكل شيء له أصل قديم أو جمع حتى يصير له أصل فهو مؤثل، وأثله الشيء: أصله
[٢٩١٣] ومنه حديث ابن عمر ﵁ (فإن رسول الله ﷺ أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم ... الحديث)
قلت: هذا الحديث على شرط أصحاب الحديث لا صحيح لا يرون خلافه، وقد وجدت شرذمة منهم ذكروا في كتبهم أن أبا حنيفة قال: لا أفضل بهيمة على مسلم، معرضين بهذا القول أنه ترك العمل بهذا الحديث مع صحته بما اقتضاه رأيه، وكان غير هذا القول أولى بهم عفا الله عنهم، ومتى ترك أبو حنيفة السنة الثابتة عنده بالقياس وهو الذي أخذ بحديث القهقهة مع ضعفه عندهم والقياس يقتضي خلافه، وذهب إلى حديث الصائم إذا أكل ماسيا، والقياس يقتضي خلافه، وإنما ترك العمل بهذا الحديث لما يعارضه من
стр. 880
حديث عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، فيما رواه عن نافع عن ابن عمر ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (للفارس سهمان وللراجل سهم) والحديث الذي قدماه يرويه عبيد الله بن عمر بن حفص عن نافع. وأصحاب الحديث يرون أن عبيد الله أحفظ وأثبت من عبد الله، بل لا يرون (١١٥/ب) الاحتجاج بحديثه، وأبو حنيفة يسلك في هذا الباب سبيل حسن الظن بالرجل المسلم فلم بر الطعن فيمن لم يثبت عنده جرحه، ورأى الأخذ به أحوط لحديث مجمع بن جاريه، والحديث مذكور في الحسان من هذا الباب، وسنذكر بيان ذلك إذا انتهينا إليه، إن شاء الله.
[٢٩٣٣] ومنه حديث سلمة بن الأكوع ﵁ في حديثة: (أغار على ظهر رسول الله ﷺ ...) أراد به السرح يقال: عند فلان ظهر، أي: إبل جياد الظهور. ومنه قولهم: بعير ظهير، أي: بين الظهارة، إذا كان قويا، وناقة ظهيرة، والبعير الظهرى، بالكسر: المعد للحاجة أن احتج له.
وفيه (فناديت ثلاثا يا صباحاه) يا صباحاه: كلمة استغاثة عند الغارة، كأنه يدعو من يغيثه ويوم الصباح يوم الغارة.
قال الأعشى:
غداة الصباح إذا النقع ثارا
وفيه: (واليوم يوم الرضع) أي: هذا اليوم يوم قتل اللئام، ومن قولهم: لئن راضع، وأصله على ما زعموا: رجل كان يرضع إبله وغنمه فلا يحلبها؛ خشية أن يسمع صوت حلبه فيطالب منه، ثم قالوا رضع الرجل بالضم كأنه كالشيء طبع عليه، وفي حديث ثقيف (أسلموا الرضاع واتركوا المضاع)
وفيه (إلا جعلت عليه آرما) الأرم: حجارة تنصب علماً في المفازة، والجمع آرام، وأروم مثل: ضلع وأضلاع وضلوع. أراد: أنه نصب على ما استقبله منهم علما يعرف به الراءون أن ذلك من جمله ما أحرزه من متاع القوم فلا يستبد غيره. والأشبه بنسق الكلام أن يكون لفظ الحديث (إلا جعلت
стр. 881
عليه أرماً) ولكن الرواية وجدناها على الجمع، وتسمى هذه الغزوة غزوة ذي قرد، وكانت في السنة السادسة، وذو قرد: اسم ماء في شعب.
[٢٩٣٤] ومنه حديث ابن عمر ﵁ (نفلنا رسول الله ﷺ سوى نصيبنا من الخمس فأصابني شارف) نفلنا: أي أعطانا من الخمس زيادة على سهامنا من المغنم، والشارف: المسنة من النوق
[٢٩٣٧] ومنه قوله ﷺ في حديث جبير بن مطعم ﵁ (إنما بنو المطلب، وبنو هشام شيء واحد) رواه يحيى بن معين بالسين المهملة أي: كل واحد منهما مقرن بالآخر ملاصق به، لا يقال لهما: سيان، بل سي واحد، والسي: المثل
стр. 882
[٢٩٤١] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁ (على رقبته نفس لها صياح) يريد بالنفس المملوك الذي يكون قد غله السبي.
وفيه (رقاع تخفق) أراد بها: الثياب يغلها من الغنيمة، ونخفق أي: تضرب اضطراب الراية، يقال: خفقت الراية تخفق وتخفق خفقاً، وخفقانا
[٢٩٤٢] ومنه قول أبي هريرة ﵁ في حديثة (سهم عائر) قيل: أنه السهم الذي لا يدرى رامية. ولعله أخذ من التمره العائرة وهي الساقطة [١١٦/أ] لا يعرف لها مالك
ومنه الحديث (كان يمر بالتمرة العائرة فما يمنعه من أخذها إلا مخافة أن تكون من الصدقة) والكلب العائر: الذي يجيء ويذهب، ولا يقتنيه أحد. ومنه حديث بن عمر ﵁ (إنما هو عائر) أي: الكلب.
[٢٩٤٣] ومنه حديث عبد الله بن عمرو ﵁ (كان على ثقل رسول الله ﷺ رجل يقال له كركرة) الثقل - بالتحريك - متاع المسافر، والكركرة، بكسر الكافين، والأصل فيه الجماعة من الناس ورحى زور البعير
стр. 883
(ومن الحسان)
[٢٩٤٧] حديث خالد بن الوليد، وعوف بن مالك الأشجعي ﵄ أن رسول الله ﷺ قضى في السلب للقاتل ولم يخمس السلب.
قلت: وجه هذا الحديث عند من لا يرى لا يستحق السلف إلا أن يجعل له الإمام ذلك تحريضا على القتال أن نقول: إخبار الراوي أنه لم يخمسه لا يكون حجه على أن السلب لا يخمس، لأن ذلك كان إليه، كان له أن يخمس وكان له أ، يترك التخميس سماحة بجميع السلب على أهل النجدة والبلاء، فالراوي حدث بنا علمه من ظاهر الأمر، ويكون قد قضى له عند منازعة بعض من أدعى المشاركة إياه في ذلك، وكان النبي ﷺ قد جعل السلب في تلك الغزوة للقاتل، وأرى هذا الحديث مما يعجب منه، فإن عوف بن مالك شهد مؤتة وروى عنه أن مدديا [قتل في تلك الغزوة] رجلا من الروم، وأٌقبل بفرسه بسرجه ولجامه، وسيفه، ومنطقته، وسلاحه إلى خال بن الوليد فاستكثره خالد فأخذ منه طائفة ونفله بقيته، فأنكر عليه عوف وقال: أما والله لأعرفنكها عند رسول الله، فلما تقدم على رسول الله ﷺ أخبره خبر خالد، فأمره أن يدفع المددي بقيه السلب، فولى خالد ليفعل ذلك فقال: كيف ترى يا خالد، ألم أوف لك ما وعدتك؟ فغضب رسول الله ﷺ فقال: يا خالد، لا تعطه) وأٌقبل على عوف وقال: (هل انتم تاركو أمرائي لكم صفوه أمرهم، وعليهم كدرة) فلو كان قضاؤه في السلب على وجه الإيجاب له جعل لع ذلك، أو لم يجعل لم يكون ليقول: يا خالد لا تعطه) في حديثه الآخر.
فإن قيل: يحتمل أن يكون حديثهما هذا متأخر عم الحديث الذي ذكرته في غزوة مؤته. قلما: نعم وهو الأظهر [و] الأصح؛ لأن رسول الله ﷺ إنما قال: [١١٦/ب] (من قتل قتيلا فله سلبه) يوم حنين، وغزوة
стр. 884
مؤتة كانت في جمادى الأولى سنه ثمان، وغزوة حنين في ذي القعدة منها، وإنما بأول هذا الحديث على ما أولناه لقضاء عمر ﵁ على البراء بن مالك أخي أنس في سلب مرزبان زارة بخلاف ما يذهبون إليه هو، أن البراء بارز مرزبان الزارة فقتله وأخذ سلبه، فبلغ عمر أن سلبه بلغ ثلاثين ألفا فاستكثره فأتى أبا طلحه وكانت أم البراء وأنس تحته، وقال: إ، اكنا لا نخمس الأسلاب، وإن سلب البراء قد بلغ مالا، ولا أرانا إلا خامسيه. قال أنس: فقومناه ثلاثين ألفاً ودفعنا إلى عمر ستة آلاف.
قلت وأنس هو الذي روى عن رسول الله ﷺ أنه قال يومئذ - يعني يوم حنين - (من قتل كافرا فله سلبه) فقتل أبو طلحه يومئذ عشرين رجلا وأخذ أسلابهم. وقد ذكر هذا الحديث في كتاب المصابيح قبل حديث خال وعوف، فلو لم يكن الأمر فيه موكلا إلى رأي الإمام، أن شاء الله نفل وإن شاء خمس، لم يكن عمر- ﵁ ليخالف السنة.
فإن قيل: يحتمل أنه نسى أو لم يبلغه الأمر فيه: فالجواب: أن عمر حضر الوقعة، وفي الحديث أنه رد على الرجل الذي أخذ سلب القتيل الذي قتله أبو قتادة بمثل ما رد عليه أبو بكر ﵁ ثم إن تسلم أبي طلحة وأنس لقضائه في سلب مرزبان زارة، دفعتهما ستة آلاف من قبل البراء يدل على أنه لم يكن هناك نسيان، بل كانا يعلمان أن الحق ما توخياه، ولو علما خلاف ذلك لأخبراه، ولم يجوزا كتمان الشاهدة في موضع الحاجة.
[٢٩٤٩] ومنه قول عمير مولى آبي اللحم (من خرثي المتاع) الخرثي: أُثاث البيت وأسقاطه.
[٢٩٥٠] ومنه حديث مجمع بن جارية: (قسمت خيبر على أهل الحديبية، قسمها رسول الله ﷺ ثمانية عشر سهماً ... الحديث) قد بين الراوي عدد الجيش وعدد فرسانها، وثمانية عشر سهماً إذا قسمت على كلتا العددين كان للراجل سهم وللفارس سهمان، على ما رواه عبد الله بن عمر بم حفص عن نافع، وقول المؤلف (وهذا وهم إنما كانوا مائتي فارس) ليس [١١٧/أ] من كيسه، وإنما هو شيء وجده في كتاب المعالم، والخطابي أنما نقله عن أبي داود. وهذا النقل على الوجه ليس بمستقيم، لأن سهمان مائتي فارس على ما يذهب إليه هذا الناقل ستمائة فبقى اثنا عشر سمهما لبقية الجيش، وهم ألف وثلاثمائة، فعاد الوهم إليه، فإن قيل: إنما قال قوله على هذا أن الجيش كان ألفا وأربعمائة، إذ ثبت ذلك عنده من غير هذا الحديث
стр. 885
قلنا: فلم يأت إذا بالحديث على وجهه؛ إذ كان من حقه أن يبين الوهم في كلا العددين أعني: عدد الجيش وعدد الخيالة منها، وأما الجواب عن قول من يأخذ بحديث من روى أن الجيش كانت ألفا وأربعمائة، فهو أن تقول: قد اختلف في ذلك عن جمع من الصحابة: فروى عن المسور بن مخرمة أن رسول الله ﷺ خرج عام الحديبية في بضع عشرة مائة، وروى عن عبد الله بن أبي أوفى أنه قال: كنا يومئذ ألفا وثلاثمائة، ولا متمسك لإحدى الفئتين في هذين الحديثين، وروى عن البراء أنه قال في حديثه: (ونحن أربع عشرة مائة) وروى عن سلمة بن الأكوع مثله، وروى ذلك عن جابر. وقد اختلف عليه في الجامعتين، فروي عنه أنه قال: كنا يوم الحديبية أربع عشرة مائة، وروي عنه أنه قال: كنا خمس عشرة مائة، ثم إن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيب: كم كان الذين شهدوا بيعة الرضوان قال: خمس عشرة مائة قال: فقلت: إن جابر بن عبد الله قال: كانوا أربع عشرة مائة فقال: يرحمه الله وهم، هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة.
قلت: وإنما ذهب سعيد إلى صحة ما حدثه به دون ما حدث به قتادة، لأن سعيدا سمعه عنه قبل أن سمعه قتادة بزمان، وسمعه قتادة وقد كبر سنه وذهب بصره، وكان يومئذ حريا بأن يهم ويغلط، وحديث مجمع يؤيده ما رواه سعيد بن المسيب.
قلت: وأرى الوجه الجامع بين تلك الروايات أن نقول: كل ما ذكرناه من اختلاف الروايات، فإنه في حديث الحديبية، وحديث بيعة الرضوان، والذي يذهب إلى أن خيبر قسمت على أربعمائة، فإنما يذهب إلى ذلك لما في الحديث أن خيبر قسمت على أهل الحديبية) [١١٧/ب] ومن الجلي الواضح أن قد شاركهم فيها غيرهم؛ لما في حديث أبي موسى الأشعري في ذكر قدومه مع من هاجر إلى الحبشة جعفر وأصحابه: (وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر إلا لأصحاب سفينتنا) ومن المعلوم أنهم لم يدخلوا في غمار أهل الحديبية فيأول قول من روى أن خيبر قسمت على أهل الحديبية، على أن الغلبة كانت لهم، وإنما انضوى إليهم العدد القليل، ثم إن أحدا ممن شهد الحديبية لم يغب عن فتح خيبر، وإذ قد تبين لنا من حديث أبي موسى الزيادة على أربعمائة، حملنا الأمر في خمس عشرة مائة على أنه قد انضم إليهم من أعراب المسلمين وغيرهم من أصحاب السفينة من قد تم بهم ذلك العدد، وكان عددهم في بيعة الرضوان بالحديبية على ما ذكر في حديث من قال: إنهم كانوا أربعمائة، وعددهم عند القسمة على ما في حديث مجمع بن جارية؛ لاسيما وفي حديثه أنه شهد فتح خيبر، فالذي يذهب إلى حديث مجمع إنما يذهب إليه لخلوه عن الاختلاف، ثم لما يؤيده حديث ابن المسيب عن جابر، ثم لما يعضده النظر ويقويه. والذي ذكرناه من وجه الجمع بين الروايتين كالسناد لصحة ما ذهب إليه، ومجمع بن جارية من قراء الأنصار وفضلائهم، وأما أبوه جارية فأبعده الله؛ فإنه كان من أهل مسجد الضرار، وهو جارية بالجيم والياء.
стр. 886
[٢٩٥٢] ومنه حديث حبيب بن مسلمة القرشي الفهري ﵁ (أن رسول الله ﷺ كان ينفل الربع بعد الخمس ... الحديث) المراد منه: أنه كان يبعث السرية فيجعل لهم ربع ما يغنمونه بعد التخميس، زيادة على نصيبهم من المغنم، ترغيبا لهم في البدار إلى دار الحرب قبل سائر الجيش، وإذا قفل الجيش يجعل لهم الثلث بعد أن يخمس ما غنموه، وإنما زادهم في الرجعة لما تورثهم الرجعة من الملال والكلال والضعف في البدن، والرقة في الظهر، ثم لما فيها من الخطر؛ لأن في البدأة يتفق الوجهتان وجهة السرية ووجه الجيش، فيكون الجيش ردءا لهم في مسراهم، وفي الرجعة يختلفان؛ لأن السرية راجعة إلى دار الحرب والجيش مولية عنها، ووجه الحديث عند من لا يرى التنفيل [١١٨/أ] بعد إحراز الغنيمة هو أن يقال: معنى قوله: (لا نفل) أي: لا يعطى الغازي ما جعل له الإمام قبل أن يحرز الغنيمة إلا بعد التخميس.
[٢٩٥٣] ومنه حديث معن بن يزيد ﵁ (لولا أني سمعت رسول [الله ﷺ : لا] نفل إلا بعد الخمس لأعطيتك).
هذا كلام مبهم، والحديث لم نصادفه بطرق مستوعبة فيطلع منها على المراد منه، والذي نهتدي إليه أحد الشيئين: إما الحمل على أن الرواي كان يرى النفل بعد التخميس، ويراه من الخمس ويرى ذلك موكولا إلى رأي الإمام، ولما كان هو أميرا على الجيش لم ير لنفسه أن يتصرف في الخمس دون الإمام. وإما الذهاب إلى أن الحديث لم يرو على وجهه، ووقع فيه السهو من جهة الاستثناء، وإنما الصواب فيه (لا نفل
стр. 887
بعد الخمس) أي: لا نفل بعد إحراز الغنيمة، ووجوب الخمس فيه، وهو الأشبه والأمثل، ومعن بن يزيد بن الأخنس السلمي ﵁ هو القائل (بايعت رسول الله ﷺ أنا وأبي وجدي).
[٢٩٦٢] ومنه حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ تنفل سيفه ذا الفقار) أي: أخذه زيادة لنفسه، والمراد منه أنه اصطفاه لنفسه، ومنه الصفي، وهو العلق الذي يتخيره من المغنم. ولم أجد تنفل مستعملا في المعنى الذي ذكرناه، والرواية وجدناها كذلك، (وذا الفقار) سيف رسول الله ﷺ ؛ لأنه كانت فيه حفر صغار حسان. والمفقر من السيوف: الذي فيه حزوز مطمئنة. وقول ابن عباس: وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد) معناه: أنه رأى في منامه أنه هز ذا الفقار فانقطع من وسطه، ثم هزه هزة أخرى فعاد أحسن ما كان.
[٢٩٦٣] ومنه قوله ﷺ في حديث رويفع بن ثابت ﵁ (حتى إذا أعجفها) أعجفها أي: هزلها.
стр. 888
[٢٩٦٦] ومنه حديث القاسم مولى عبد الرحمن عن بعض أصحاب النبي ﷺ (وأخرجتنا مملوءة منه) قلت: الأخرجة جمع الخراج، وهو الإتاوة جمع على أخراج وأخاريج وأخرجة. وأريد بها هاهنا: جمع الخرج الذي [١١٨/أ] هو من الأوعية، والصواب فيه الخرجة - بكسر الخاء وتحريك الراء - على مثال جحرة وأراد بالمملأة: المبالغة من ملأته.
стр. 889
ومن باب الجزية
(من الصحاح)
[٢٩٧٢] رواية بجالة من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ (أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هجر) هجر اسم بلد باليمن، وهو قاعدة البحرين بينها وبين البحرين عشر مراحل، وهو مذكر مصروف وفي المثل: (كمبضع تمرا إلى هجر) يرويه أهل اللغة منونا، والنسبة إليه هاجري على غير قياس. ومنه قيل للبناء: هاجري، وأكثر الرواة يرويه غير مصروف، وليس بصحيح.
(ومن الحسان)
[٢٩٧٣] قول معاذ ﵁ (أو عدله معافر) عدله أي: ما يساويه وهو ما يعادل الشيء من غير جنسه، فتحوا عينه للتفريق بينه وبين العدل الذي هو المثل.
قال الجوهري في كتابه: وبعض العرب يكسرها وكأنه منهم غلط، ومعافر حي من همدان لا ينصرف من الجمع، وإليهم ينسب الثياب المعافرية، تقول: ثوب معافري فنصرفه؛ لأنك أدخلت عليه ياء النسبة، ولم يكن في الواحد، وقوله: معافر أي: ثياب معافر فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه.
وأما وجه الحديث عند من لا يرى ذلك حدا محدودا في الجزية، أن يقال: إن ذلك كان إما على سبيل المواضعة والمصالحة، وإما لأن من أمر بالأخذ منهم كانوا فقراء، ولا بد من الذهاب إلى أحد الوجهين؛ لأن عمر بن الخطاب ﵁ بعث حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف ﵄ إلى أرض فارس ليضربا الجزية على من دخل في الذمة، وفرق بين المياسير منهم والفقراء، وذلك بمحضر من الصحابة، ونقل مثله عن علي ﵁.
стр. 890
[٢٩٧٤] ومنه حديث ابن عباس ﵁ قال رسول الله ﷺ : (لا تصلح قبلتان في أرض واحدة ... الحديث).
قلت: قد ذهب بعض أهل العلم إلى أن معناه راجع إلى إجلاء اليهود والنصارى من جزيرة العرب ذهب فيه مذهب قوله: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب)، وليس لفظ الحديث بمنبئ [١١٩/أ] عما ادعاه؛ لأن قوله: (بأرض واحدة) يقتضي معنى العموم. وأرى فيه - والله أعلم - أن يقال: معنى قوله (لا تصلح قبلتان) أي: لا يستقيم دينان بأرض على سبيل المظاهرة والمعادلة، أما المسلم فليس له أن يختار الإقامة بين ظهراني قوم كفار، وأما الذي يخالف دينه دين الإسلام، فلا يمكن عن الإقامة في بلاد الإسلام إلا ببذل الجزية، ثم لا يؤذن له في الإشادة بدينه، والإشاعة بشعائره.
وفيه: (وليس على مسلم جزية) ذهب بعض العلماء في معناه إلى أن المراد منها الخراج الذي وضع على الأراضي التي تركت في أيدي أهل الذمة، والأكثرون على أن المراد منه: أن من أسلم من أهل الذمة قبل أداء ما وجب عليه من الجزية، فإن لا يطالب؛ لأنه مسلم وليس على مسلم جزية، وهذا قول سديد، لو صح لنا وجه التناسب بين الفصلين، اللهم إلا أن يكون النبي ﷺ لم يوصل بينهما على أنهما حديثان اثنان، فأدرج الصحابي أو الرواي عنه أحدهما في الآخر. ومما يدل على ذلك أن أبا داود أخرجه عن ابن عباس ولم يزد أن أقول: إن الذمي إنما أقر على ما هو عليه ببذله الجزية، فالذمي عليه الجزية، وليس على المسلم جزية، فصار ذلك رافعا لأحد القبلتين واضعا لإحدى القبلتين، وإذا حملنا قوله: (لا تصلح قبلتان في أرض واحدة) على أن المراد منه زجر المسلم عن استيطانه أرضا يتولاها الكفار، فالوجه فيه أن نقول: المسمل إذا صنع ذلك فقد أحل نفسه فيهم محل الذمي فينا، وليس له أن يجر إلى نفسه الصغار، ويتوسم بسمة من ضرب عليه الجزية وأنى له ذلك، وليس على مسلم جزية.
[٢٩٧٥] ومنه قول أنس ﵁ في حديثه إلى (أكيدر دومة) هو أكيدر بن [١١٩/ب] عبد الملك الكندي صاحب دومة الجندل أضيف إليها إضافة زيد إلى الخيل في قولك: زيد الخيل، ودومة بضم الدال وقد تفتح، وأنكر الفتح ابن دريد، وهو من بلاد الشام قرب تبوك، وأكيدر كان نصرانيا فبعث إليه رسول الله ﷺ سرية من المهاجرين وأعراب المسلمين مقفلة من تبوك وعلى المهاجرين أبو بكر الصديق ﵁ وعلى الأعراب خالد بن الوليد، وقال لخالد: (إنك ستجده يصيد البقر) فانتهت السرية من
стр. 891
الحصن منظر العين في ليلة مقمرة صافية وهو على سطح ومعه امرأته، فأتت البقرة وجعلت تحك بقرونها باب القصر، فقالت له امراته: هل رأيت مثل هذا قط، قال: لا والله، قالت: فمن يترك مثل هذا؟ قال: لا أحد، فنزل فأمر بفرسه فأسرج، وكب معه نفر من أهل بيته فيهم أخ له يقال له: حسان، فخرجوا معه بمطادرهم فتلقتهم خيل رسول الله ﷺ فأخذت أكيدرا وقتلوا أخاه حسان. وكان رسول الله ﷺ قد وصاهم: ألا تقتلوه وابعثوا به إلي، فبعثوا به إلى رسول الله ﷺ فحقن له دمه، وصالحه على الجزية، وخلى سبيله، ثم إنه أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه.
ومن باب الصلح
(من الصحاح)
[٢٩٧٧] حديث المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم قالا: (خرج نبي الله ﷺ عام الحديبية في بضع عشرة مائة) إنما قيل: عام الحديبية وغزوة الحديبية لنزول النبي ﷺ حين صد عن البيت بذلك الموضع. والحديبية من الحل، وإليها ينتهي حد الحرم، وفي الباء منها التخفيف لا غير، وقولهما: (في بضع عشرة مائة) قد قدمنا من بيانه ما وقعت به الغنية عن الإعادة.
وفيه (حل، حل) حل: زجر الناقة إذا حثثتها على السير، وهي بالتسكين، فإن وصلتها بأخرى نونت الأولى، والمحدثون يسكنونها في الوصل وليس بشيء.
وفي حديث ابن عباس ﵁ (أن حل ليوطئ ويؤذى، ويشغل عن ذكر الله) يعني أن زجرك بقولك [١٢٠/ب]: حل عند الإفاضة إلى المشعر يوطئ الناس ويؤذيهم، ويشغلك عن ذكر الله.
وفيه (خلأت القصواء) خلأت الناقة خلأ وخلاء بالكسر والمد، أي: حرنت وبركت من غير علة، كما يقال في الجمل: ألح، وفي الفرس حرن، وأما القصواء فقد بينا المراد منها في باب الحج.
стр. 892
وفيه (على ثمد) الثمد: الماء القليل الذي لا مادة له، وإنما وصفه بالقلة مع استغنائه عنها بلفظ الثمد إرادة للتأكيد في كونه أقل من القليل.
(يتبرض الناس) أي: يأخذونه شيئا فشيئا، والتبرض أيضا التبلغ بالقليل، يقال: برض الماء من العين يبرض بالضم أي: خرج، وهو قليل. وماء برض أي: قليل، وكذا البراض بالضم، وبرض لي من ماله يبرض ويبرض برضا أي: أعطاني منه شيئا قليلا.
وفيه (يجيش لهم بالري) يقال: جاش الوادي أي زخر وامتد جدا، والأصل فيه قولك: جاشت القدر أي: غلت، أي: ما زال يمتد بما يرويهم من الماء، أو بالماء الكثير، من قولهم: عين رية أي: كثيرة الماء.
وفيه (هذا ما قاضى عليه رسول الله ﷺ ) أي: فصل الأمر بالقضاء والإحكام له في أمر المصالحة من [قولك:] قضى الحاكم، أي: فصل في الحكم، ووزنه فاعل، من: قضيت الشيء؛ لأن القضية كانت بينه وبين أهل مكة.
وفيه (فضربه به حتى برد) أي: مات، وبرده: قتله، ومنه: السيوف البوارد، وذلك لما تعرض للميت من عدم الحرارة بفقدان الروح، أو لما عرض له من السكون.
وفيه: (ويل أمه، مسعر حرب لو كان له أحد) المسعر، والمسعار: الخشب الذي يسعر به النار أي: تهيج وتلهب. ومنه قيل للرجل: مسعر حرب. أي: يحمي به الحرب وتهيج، شبه بمسعر التنور، و (ويل أمه) لفظ تعجب من حسن نهضته بالحرب وجودة معالجته لها. وقوله: (لو كان له أحد) أي لو وجد ناصرا ينصره، ومعيناً يعينه.
стр. 893
وفيه: (حتى أتى سيف البحر) أي: ساحله. قلت: والسيف - بالكسر - ساحل البحر، ولعل إضافته إلى البحر إنما كانت لمكان الاشتباه بسيف النخل، وهو: ما التف بأصول السعف كالليف.
وفيه: (يناشده الله والرحم لما أرسل إليهم) الرواية في (لما) بالتشديد، وهي في موضع (إلا)، وقد ذكر الجوهري في كتابه أن قول من قال: (لما) بمعنى (إلا) فليس يعرف في اللغة، قلت: وقد ذكر أهل التفسير لاسيما المتبحرون منهم في علم العربية في قوله تعالى ﴿إن كل نفس لما عليها حافظ﴾ على قراءة من قرأها بالتشديد أنها بمعنى إلا، ويحمل قول الجوهري على أنه لم يصادفه فيما بلغه من كلامهم، والعرب تستعمل هذا الحرف في كلامهم على الوجه الذي في الحديث، إذا أرادوا المبالغة في المطالبة، كأنهم يبتغون من المسئول ألا يهتم بشيء إلا بذلك، ومعنى [الحديث]: أرسلت قريش إلى رسول الله ﷺ تقسم عليه أن لا يعاملهم بشيء، إلا بإرساله إلى تلك الطائفة، وردهم إلى مأمنهم بالمدينة، كيلا يتعرضوا لهم في سبيلهم.
[٢٩٧٨] ومنه قول البراء ﵁ (ولا يدخلها بجلبان السلاح) الجلبان بتسكين اللام قيل: هو القراب وهو شبه الجراب من الأدم يوضع فيه السيف مغمودا، ويطرح فيه السوط، والآلات، ويعلق من أخرة الرحل، وأكثر المحدثين يروونه مضمومة اللام مشددة الباء، وفسره بعض أهل اللغة فقال: إنما سمي بذلك لجفائه، قال: ويقال: امرأة جلبانة: إذا كانت جافية الخلقة. ومن عادة العرب ألا يفارقهم السلاح في السلم والحرب، فاشترطوا أن تكون السيوف في القرب كيلا يظن أنهم يدخلوتها عنوةـ، وليكون ذلك أمارة للسلم، وقال الخطابي: يحتمل أن يكون جمع جلب، ودليل ذلك رواية مؤمل عن سفيان (ألا يجلب السلاح)، وجلب السلاح نفسه كجلب الرحل، إنما هو [نفس] خشب الرحل كأنه أراد به نفس السلاح، وهو السيف من غير أن يكون [١٢١/أ] معه [أدوات] الحرب من لأمة ورمح وحجفة ونحوها ليكون علامة للأمن. قال: وقد جاء جريان السيف في هذا المعنى. قال الأصمعي: هو قراب السيف، فيحتمل أن يكون من باب تعاقب اللام والراء.
стр. 894
(ومن الحسان)
[٢٩٨١] حديث المسور ومروان وعلي: (إن بيننا عيبة مكفوفة) فسره ابن الأعرابي فقال: يريد أن بيننا صدرا نقيا من الغل والخداع والدغل، مطويا على الوفاء بالصلح. والمكفوفة: المشرجة المشدودة: والعرب تكنى عن القلوب والصدور بالعياب؛ لأنها مستودع السرائر، كما أن العياب مستودع حر الثياب. قال ابن الأنباري موادعة ومكافة: يجريان مجرى المودة التي تكون بين المتصافين الذين يفشي بعضهم إلى بعض أسرارهم.
قلت: والذي قاله ابن الأعربي في بيان ألفاظه من طريق اللهجة العربية فإنه حسن مستقيم، وهو الإمام الذي سبق كثيرا ممن يتعنى هذا الفن غير أني أرتاب في تقدير هذا المعنى، على أن بيننا صدرا نقيا من الغل فلا أدري: أيصح عنه أم لا، وذلك أن نقاوة الصدر من الغل بين المسلم والكافر أمر لا يكاد يستتب؛ كيف وقد فرض الله على المسلم بغض الكافر ومحبة هوانه، وأرى الوجه فيه أن يقال: إنهم أرادوا بذلك ترك ما كان بين الفئتين من الأضغان والدماء وانتهاب الأموال، وانتهاك الحرم مشرجا عليه في صدور القبيلين لا يكثر شيء منها إلى انقضاء الأجل. ويحتمل أنهم أرادوا بالعيبة: نفس الموادعة، أي: تكون الموادعة مطوية على تلك الخلال مشرجة عليها، وحملها في كلامهم على السرائر أكثر وأشهر، قال الشاعر:
ولقد حملت حديثهم في أضلع .... للسر مشرجة على الكتمان
وفيه: (لا إسلال ولا إغلال) الإسلال: السرقة الخفية، وكذلك السلة. ومنه قولهم: الخلة تورث السلة، والإغلال: الخيانة، ورجل مغل أي: خائن.
стр. 895
ومن الباب الذي يليه
(من الصحاح)
[٢٩٨٢] حديث أبي هريرة ﵁[١٢١/ب] في حديثه (حتى جئنا بيت المدارس) المدارس: صاحب دراسة كتبهم، ومفعل ومفعال من أبنية المبالغة في الفعل الذي يشتق منه.
وفيه: (إني أريد أن أجليكم) الخطاب لمن بقى بالمدينة من يهود بني قينقاع وغيرهم بعد إخراج بني النضير، وقتل بني قريظة، فإن حرب بني النضير ومصالحتهم على الخروج منها كانت في السنة الرابعة، وقتل بني قريظة في السنة الخامسة، وإسلام أبي هريرة في السنة السابعة.
[٢٩٨٤] ومنه قول ابن عمر في حديثه (فأجلاهم عمر وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر ... الحديث) الثمر بالثاء المنقوطة بالثلاث، والمراد ما ثبت لهم باعتمالهم في النخل بالسقي والتأبير وغير ذلك من حصة الثمر في سنتهم تلك، على ما تقدم ذكره في حديث اعتمال يهود خيبر على الشطر. فيكون قد أجلاهم في زمان قد فرغوا فيه من العمل.
стр. 896
وفي هذا الحديث دليل على أن أرضهم ونخيلهم أخذت منهم عنوة، ولم يكن لهم فيها حق غير ما شورطوا عليه بالاعتمال.
[٢٩٨٥] ومنه قوله ﷺ في حديث ابن عباس: (وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم) أي: أقيموا لهم مدة إقامتهم ما يقوم بحاجتهم، وقد مضى القول في بيان الجائزة، وإنما أخرج ذلك بالوصية عن عموم المصالح لما فيه من المصلحة العظمى، وذلك أن الوافد سفير قومه، وإذا لم يكرم رجع إليهم من سفارته بما يفتر دونه رغبة القوم في قبول الطاعة والدخول في الإسلام. ثم إن الوافد إنما يفد على الإمام فتجب رعايته من مال الله الذي أقيم لمصالح العباد والبلاد، وإضاعته تفضي إلى الدناءة التي أجار الله عنها أهل الإسلام.
ومن باب الفيء
(من الصحاح)
[٢٩٨٩] حديث عمر ﵁ (كانت أموال بني النضى مما أفاء الله على رسوله ... الحديث)
стр. 897
أي: رده إليه، وجعله فيئا له، وضع قوله: (مما لو يوجف المسلمون عليه) موضع الفيء؛ لأن ما أوجف المسلمون [عليه] فهو غنيمة، وما لم يوجفوا عليه فهو من الفيء. أي: سلطه الله عليه من غير قتال منهم ولا غلبة، ولم يكن كالغنيمة التي يقاتل عليها وتؤخذ عنوة وقهرا. والإيجاف: من الوجيف، وهو السير السريع. وقد أشرنا إلى قصة بني النضير [١٢٢/ب] في غير موضع.
ومنه: (فكانت لرسول الله ﷺ خاصة) أراد بالخاصة أنها خصت به خاصة لم تكن لأحد بعده من الأئمة أن يتصرفوا فيها تصرفه، بل عليهم أن يضعوها في فقراء المهاجرين والأنصار، وفي الذين اتبعوهم بإحسان، وفيما يجري مجرى ذلك من المصالح. وقد تبين لنا هذا المعنى من الأحاديث التي نقلت عن عمر ﵁ في حكم أمال بني النضير وفدك وخيبر مما أفاء الله على رسوله، وجعله صفايا له.
وفيه: (ويجعل ما بقى في السلاح والكرع) الكراع: اسم [لجميع] الخيل.
(ومن الحسان)
[٢٩٩٢] حديث مالك بن أوس بن الحدثان ﵁ (قال: ذكر عمر بن الخطاب يوما الفيء، فقال: ما أنا بأحق بهذا الفيء منكم) الحديث. كان من مذهب عمر أن الفيء لا يخمس كما
стр. 898
تخمس الغنيمة، لكن تكون جملته معدة لمصالح المسلمين، ومجعولة لهم على تفاوت درجاتهم، وتفاضل طبقاتهم وذلك معنى قوله (إلا أنا على منازلنا من كتاب الله، وقسم رسوله) ويريد بقوله (من كتاب الله) أي: مما بينه بقوله : ﴿للفقراء والمهاجرين﴾ إلى آخر الآيات الثلاث من سورة الحشر، ومما دل عليه الكتاب من تفاضل المسلمين في ترتيب طبقاتهم وتعريف درجتهم كقوله سبحانه ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار﴾ الآية. وقد قال بقوله الجمهور وممن يدور عليهم علم الفتيا إلا الشافعي ﵀ ويريد (بقسم الرسول) ما كان يستعمله فيهم من مراعاة التمييز بين أهل بدر وأصحاب بيعة الرضوان وذوي المشاهد وأولي المرتبة وغيرهم، ومن المعيل والمنفرد والآهل والأعزب، وذلك معنى قوله (فالرجل وقدمه، والرجل وبلاؤه) الحديث، وقدمه بكسر الكاف أي: سابقته في الإسلام، وبلاؤه أي: شجاعته وغناؤه في سبيل الله، وذلم فيما أبلى به في الحروب والمقامات المحمودة، والأصل فيه: استخراج ما كمن فيه من الجودة، وإظهار ما خفي منه من صدق النية. وتقدير الكلام: فالرجل يقسم له ويراعي قدمه في القسمة، أو الرجل ونصيبه على ما يقتضيه قدمه، أو الرجل وقدمه يعتبران، كقولهم: الرجل وضيعته، وفي كتاب المصابيح: (والرجل وقدمه) بالواو فليس بسديد رواية ومعنى، وإنما هو بالفاء (فالرجل وقدمه) على وجه التفسير لقوله: (إلا أنا على منازلنا من كتاب الله) [١٢٣/أ] وقسم رسوله).
وفيه: (فليأتين الراعي وهو بسرو حمير نصيبه) السرو: من ناحية اليمن، وإنما أضافه إلى حمير؛ لأنه محلتهم، وذكر سرو حمير لما بينه وبين الموضع من المسافة الشاقة، وذكر الراعي مبالغة في الأمر الذي أراده، وذلك لأن الراعي تشغله الرعية عن طلب حقه، ثم إنه غامض في الناس، قلما يعرف أو يؤبه به. وأراد بقوله: (لم يعرق فيه جبينه) أنه يأتيه عفوا صفوا، لم يمازجه كدر، ولم تكدره منة.
стр. 899
ومن كتاب الصيد
(من الصحاح)
[٢٩٩٤] قول عدي بن حاتم في حديثه (إنا نرمي بالمعراض) المعراض السهم الذي لا ريش عليه. وأكثر ما يصيب ذلك بعرض عوده دون حده وقوله: (كل ما خزق) خزق بالخاء والزاي المنقوطتين: أي نفذ، والخزق: الطعن بالسهم، والخازق من السهام: المقرطس. ويقال: خزقتهم بالنبل، أي: أصبتهم بها.
وفيه (فإنه وقيذ) أي: موقوذ، وهو ما يثخن ضربا بعصا أو حجر حتى يموت.
[٢٩٩٥] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁ (ما لم ينتن) بضم حرف المضارع منه، ويفتح. من نتن الشيء وأنتن: إذا صار ذا نتن.
стр. 900
[٢٩٩٨] ومنه حديث علي ﵁ (ما خصنا رسول الله ﷺ دون الناس بشيء) الحديث سبق القول فيه، وفي وجه التخصيص، وفيه (لعن الله من سرق منار الأرض) المنار العلم والحد بين الأرضين وذلك بأن يسويه أو يغيره ليستبيح بذلك ما ليس له بحق من ملك أو طريق.
وفيه (من آوى محدثا) محدثا بكسر الدال، وهو الذي جن على غيره جناية، وإيواؤه: إجارته من خصمه والحيلولة بينه وبين ما يحق استيفاؤه، ويدخل في ذلك الجاني على الإسلام بإحداث بدعة، إذا حماه من التعرض له، والأخذ على يده لدفع عاديته (وآوى) تجوز بقصر الألف أيضا فإنه يتعدى ولا يتعدى.
[٢٩٩٩] ومنه قوله ﷺ في حديث رافع بن خديج ﵁ (ما أنهر الدم فكل) أي: ما أساله، شبه خروج الدم من موضع الذبح بجري الماء في النهر، وهو أفعل من النهر قال الشاعر:
[١٢٣/أ] ملكت بها كفي فأنهرت فتقها
وفيه (إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش) الأوابد: التي قد تأبدت أي: توحشت ونفرت من الإنس، وهذه إشارة إلى جنس الإبل، واللام فيه تفيد معنى (من).
[٣٠٠١] ومنه قوله ﷺ في حديث شداد بن أوس ﵁: (فأحنوا القتلة) القتلة بكسر القاف: الحالة التي عليها القاتل في قتله كالجلسة والركبة يقال: قتله قتلة سوء.
стр. 901
[٣٠٠٤] ومنه حديث جابر ﵁ (أن النبي ﷺ مر عليه حمار قد وسم في وجهه) الحديث.
إن قيل: كيف التوفيق بين هذا الحديث وبين ما ورد من الأحاديث في النهي عن لعن المسلم، مع أن الواسم لم يرتكب في صنيعه ذلك كبيرة، وقد وجدناه ﷺ قد أظهر النكير على الذي لعن [نعيمان] حيث أتى به كرة بعد أخرى في شرب الخمر؟
فالجواب أن يقال: يحتمل أن الواسم لم يكن مسلما، أو كان من أهل النفاق، أعلمه بذلك ربه سبحانه فلم يصرح به ليكون أدعى إلى الانزجار عما زجر عنه، ويحتمل أن ذلك لم يكن على وجه الدعاء عليه، بل على سبيل الإخبار من الغيب، واستحق ذلك؛ لأنه علم بالنهى فأقدم عليه مستهينا به، ويحتمل أنه غضب على فاعل ذلك، فقابل صنيعه باللعن ليرتدع به غيره، ثم إن حاله في ذلك قد كانت مفارقة لحال غيره، فإنه سأل الله تعالى لا يجيب له في أمته فيما يدعو به عليهم مما يحمله عليه الغضب ويستحثه عليه البشرية، وذلك قوله ﷺ (اللهم إنما أنا بشر آسف كما يأسفون، وإني أعهد إليك عهدا لن تخلفينه فأيما مسلم سببته، لعنته، آذيته، فاجعلها له زكاة ورحمة) والله أعلم.
(ومن الحسان)
[٣٠٠٦] قوله ﷺ في حديث عدي بن حاتم ﵁ (أمر الدم بما شئت) يلحن كثير من المحدثين في هذا اللفظ فيشددون الراء، ويحركون الميم ظنا منهم أنه من الإمرار، وليس بقويم، وإنما هو
стр. 902
بتخفيف الراء من مرى يمري، إذا مسح الضرع ليدر، والمعنى: استخرج الدم وسيله، ورواه بعضهم بتحريك الميم وقطع الألف من أمار الذي هو أفعل من مار الدم يمور مورا: إذا أجرى.
[٣٠٠٧] ومنه حديث أبي العشراء عن أبيه ﵁ أنه قال: يا رسول الله ﷺ (أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة ... الحديث).
وجه هذا الحديث عند أكثر الفقهاء أن يحمل على ذكاة [١٢٣/ب] الضرورة، وجعلوها كالصيد، وبعضهم لم ير القول به، وأبو العشراء اسمه أسامة على الأصح من الأقوال المختلفة فيه، وأبوه مالك بن قهطم الدرامي. ومنهم من يقول: قحطم بالحاء.
[٣٠١٢] ومنه قوله ﷺ في حديث هلب بن يزيد الطائي ﵁ (لا يتخلجن في صدرك شيء ضارعت فيه النصرانية) يتخلجن يروى بالحاء المهملة وبالخاء المعجمة، وأراها أكثر الروايتين فمعناه بالمهملة لا يدخلن قلبك منه شيء فإنه مباح نظيف، وذكر الهروي في كتابه عن الليث أنه قال: دع ما
стр. 903
تخلج في صدرك، وما تخلج أي: ما شككت فيه. قال: وكذلك قال الأصمعي، ومعناه بالخاء المعجمة: لا يتحركن الشك في قلبك.
قلت: والذي نجده في كلام العرب - إذا استعملوه في معنى الشك - هو التخالج. تقول: تخالج في صدري منه شيء أي: شككت، ويستعملون التخلج في المفلوج إذا استدار في مشيته، ورواه بعضهم (لا يحيكن في صدرك شيء) والحيك: تأثير الشيء في النفس، وقوله: (ضارعت) المضارعة: المقاربة في الشبه. يقال: هذا ضرع هذا، أي: قريب منه في الشبه. ولعله أخذ من الضرع لمشابهة الأخلاف بعضها بعضا، وقد ذكر بعض أهل العلم بالحديث أن في طرق هذا الحديث (أنه سأله عن طعام النصارى) ثم قال: فعلى هذا، كأنه أراد: لا يكونن في قلبك شك. إن ما شاركت وشابهت فيه النصارى خبيث أو حرام.
قلت: ولست أدري ما وجه هذا الكلام، فإنا نشارك النصارى في ذبائحهم ونشابههم في بعض أمور الملة، وإنما المعنى: أن تشك في الطعام الذي لم يحرمه الشرع، وتحرجك عما لم ينه عنه شيء ضارعت فيه النصرانية. يريد أن مثل هذا التشكيك والتحرج من دأب النصارى وصنيعهم، والرجل الذي سأله عن ذلك هو عدي بن حاتم الطائي، وكان قبل الإسلام على النصرانية. وقال الحافظ أبو موسى: إن روى بالصاد المهملة فالمعنى خاصمت ونازعت، والظاهر أنه قال قوله هذا على الاحتمال؛ إذ لو كان وجد فيه رواية لذكرها.
[٣٠١٤] ومنه قول العرباص بن سارية ﵁ في حديثه (وعن الخليسة) قيل: هو ما يؤخذ عن السبع فيدركه الموت قبل الذكية، سميت بذلك لاختلاس السبع إياها.
[٣٠١٥] ومنه [١٢٤/ب] حديث ابن عباس ﵁ (نهى رسول الله ﷺ عن شريطة
стр. 904
الشيطان) معنى الشريطة وإن كان مبينا في الحديث، فإن لفظ الشريطة غير مفسر، وتفسيره: أنه أخذ من شرط الحجام، وكان أهل الجاهلية يقطعون شيئا يسيرا من حلق البهيمة فيرون ذلك ذكاتها. قلت: ويحتمل أنه من الشرط الذي هو العلامة أي: شارطهم الشيطان فيها على ذلك.
ومن الباب الذي يليه
(من الصحاح)
[٣٠٢٠] حديث ابن عمر ﵁ قال رسول الله ﷺ : (من اقتنى كلبا إلا كلب ماشية أو
стр. 905
ضار ... الحديث) الضاري من الكلاب: ما لهج بالصيد يقال: ضرى الكلب بالصيد ضراوة أي: تعوده وكلب ضار، وكلبة ضارية. ومن حق اللفظ في هذا الحديث (أو ضاريا) عطفا على المستثنى، وهو كذلك في بعض الروايات، فتحقق من تلك الروايات، فتحقق من تلك الرواية أو ترك التنوين فيه خطأ من بعض الرواة، وليس ذلك مما يعزى إلى كتاب المصابيح؛ لأنا وجدناه كذلك في مصنفات جمع من أئمة الحديث.
ومن باب ما يحل أكله أو يحرم
(من الصحاح)
[٣٠٣١] قول أنس ﵁ (أنفجنا أرنبا بمر الظهران) نفج الأرنب أي ثار، وأنفجته أنا، ومر الظهران بفتح الميم والظاء: موضع بين الحرمين.
[٣٠٣٣] ومنه قول خالد ﵁ في حديثه (فاجتررته) اجتررته بمعنى: جررته يقال: جره واجتره.
стр. 906
[٣٠٣٥] ومنه حديث عبد الله بن أوفى (غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات كنا نأكل [معه] الجراد).
قلت: في كتاب البخاري (سبع غزوات أو ستا) وفي كتاب مسلم (سبع غزوات) في إحدى طرقه، وفي أخرى (ست أو سبع) وفي أخرى (ست غزوات) ولم يذكر مسلم في شيء من روايته: (معه) وكذلك الترمذي. ورواية من روى: (معه) يأول على أنهم أكلوه وهم معه فلم ينكر عليهم، وهذا يدل على إباحته. ولو صرفه مأول إلى الأكل فإنه محتمل. وإنما رجحنا التأويل الأول لخلو أكثر الروايات من هذه الزيادة، ثم لما ورد في الحديث أن النبي ﷺ لم يكن يأكل الجراد، وذكر ذلك من حديث سليمان ﵁ عن النبي ﷺ وقد سئل عن الجراد، فقال: (أكثر جنود الله، لا أكله ولا أحرمه) وهو في الحسان من هذا الباب.
فإن قيل: كيف يترك الحديث الصحيح بمثل هذا الحديث؟ قلنا: لم نتركه، وإنما أولناه لما فيه من الاحتمال كي يوافق سائر [١٢٤/ب] الروايات، ولا يرد الحديث الذي أوردناه، وهو من الواضح الجلي، بما فيه خفاء والتباس، ولم يرد الرواي بقوله: (كنا نأكل الجراد) أنهم ألجئوا إليه في سبع غزوات حتى لم يكن لهم ما يتقوتون به غيره؛ لأن ذلك لم يذكر في شيء من الأحاديث، وإنما أراد أنهم كانوا إذا وقعوا به أكلوه.
[٣٠٣٦] ومنه حديث جابر ﵁ (غزوات جيس الخبط) أي: مع جيس الخبط. وإنما سموا جيش الخبط؛ لأنهم أكلوا الخيط من الجوع حتى قرحت أشداقهم. والخبط - بالتحريك - الورق المخبوط. والمصدر: الخبط، وهو: أن يضرب الشجر بعصا لينحات ورقه.
[٣٠٣٧] ومنه حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم) الحديث.
стр. 907
قلت: قد وجدنا لكون أحد جناحي الذباب داء وللآخر دواء فيما أقامه الله لنا من عجائب خلقه وبدائع فطرته، شواهد ونظائرها، فمنها: النحلة يخرج من بطنها الشراب النافع، وينبت من إبرتها السم الناقع. والعقرب: تهيج الداء بإبرتها، ويتداوى من ذلك بجرمها. أما اتقاؤه بالجناح الذي فيه الداء على ما ورد في غير هذه الرواية، وهو في الحسان من هذا الباب، فإن الله تعالى ألهم الحيوان بطبعه الذي جبله عليه ما هو أعجب من ذلك، فلينظر المتعجب من ذلك، إلى النملة التي هي أصغر وأحقر من الذباب: كيف تسعى في جمع القوت؟ وكيف تصون الحب عن الندى باتخاذ الزبية على نشز من الأرض؟ ثم لينظر إلى تجفيفها الحب في الشمس إذا أثر فيه الندى، ثم إنها تقطع الحب جزلتين؛ لئلا تنبت، وتترك الكزبرة على ما هي عليه؛ لأنها لا تنبت وهي صحيحة، فتبارك الله رب العالمين. وأية حاجة بنا إلا الاستشهاد على ما أخبر عنه الصادق المصدوق، لولا الحذر من اضطراب الطبائع، والشفق على عقائد ذوي الأوضاع الواهية، وإلى الله اللجأ، ومنه العصمة.
[٣٠٣٩] ومنه حديث ابن عمر ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول (اقتلوا الحيات، واقتلوا ذا الطفيتين، والأبتر) الحديث. الطفية: خوصة المقل. شبه الخطين اللذين على ظهره بخوصتين من خوص المقل، وأراد بالأبتر: الذي يشبه المقطوع الذنب؛ لقصر ذنبه، وهو من أخبث ما يكون من الحيات.
وقوله: (فإنهما يطمسان البصر) أي: تبغيان طمس البصر. وإسقاط الحبلى جبلة جبلا عليه أو أنهما [١٢٥/أ] بخاصيتهما يورثان ذلك بعض الأشخاص عند النظر إليهما. وقد ذكر في خاصية الأفعى أن الحبل تلقى جنينتها عند مواقعة النظرين، وقد ذكر شيء من هذا النوع عن خاصية بعض الحيات في طمس البصر.
[٣٠٤٠] ومنه قوله ﷺ في حديث أبي سعيد ﵁ (إن لهذه البيوت عوامر) عمار البيوت وعوامرها: سكانها من الجن.
стр. 908
[٣٠٤٢] ومنه حديث أم شريك ﵁ (أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الوزغ وقال كان ينفخ على إبراهيم) الوزغ: الدويبة التي يقال لها: سام أبرص، والجمع وزغان وقيل: سمي وزغا لخفته وسرعة حركته، وقوله: (كان ينفخ على إبراهيم) ليس بتعليل للقتل، وإنما ورد مورد البيان لفساد ذلك الجنس وخبثه، وأنه أبلغ في ذلك مبلغ النهاية؛ وليدل ذلك على أنه من الدواب التي سخرت للشياطين، فتستعمله فيما يكاد يتأتى منه من الخبث والفساد حتى استعملته في النفخ على إبراهيم، أي: نفخ في النار التي ألقي إليها خليل الله ﷺ وإنما قال (على) تنبيها على أنه صنع ذلك إعانة على نبي الله.
وفي حديث عائشة ﵂ لما أحرق بيت المقدس كانت الأوزاخ تنفخه. يقال: نفخته ونفخت فيه.
قلت: ومما بلغني من خبث هذه الدويبة من ذوي الخبرة وأولي التجربة أنها شغفت بإفساد الطعام وإدخال المضرة فيه؛ بحيث يتوصل إلى ذلك بإلقاء خرئها فيه، وخرؤها من جملة السموم القتالة، فإن منعها مانع عن التفوق عليه ارتقت السقف، وألقت خرءها من الموضع الذي يحاذيه فيه. ولقد نعي إلى جماعة من أصدقائي هلكوا ببلاد الهند مهلك رجل واحد، فاستعملت خبرهم فحدثت أنهم اجتمعوا على جفنة فيها [رز بلبن] فألقت تلك الدويبة خرءها من عل إلى الجفنة، فأخذه بعضهم بالملعقة ورمي به، وأعاد الملعقة إلى الطعام من غير مسحة وتنقية، فمرضوا منه وهلكوا عن آخرهم، وأكبر ظني أني حدثت أن الأكلة كانوا سبعة أنفس، ولقبها أعني: سام أبرص ينبئ عن خبثها وشؤمها، ولهذا استحق قاتله بضربة مائة حسنة على ما في الحديث الذي يتلو هذا الحديث.
стр. 909
=====
стр. 910
(ومن الحسان)
[٣٠٦٠] حديث أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : (ما سالمناهن منذ حاربناهن ... الحديث) الضمير للحيات، والمعنى [١٢٥/ب] أن العداوة بيننا متأكدة ولم تزل قائمة، لم تزل قائمة، لم نأمن غوائلهن منذ عرفناهن بالعداوة. ويذهب بعضهم في معناه إلى ما كان من الحية في أمر آدم. أي: وقعت الحرب بيننا من لدن دم ولم يرفعها سلم.
وفيه (ومن ترك شيئا منهن خيفة فليس منا) أي: من ترك التعرض لها مخافة أن يلحقه ضرر أو من صاحبتها فليس منا. أي: ليس من المقتفين لهدينا والمقتدين بسنتنا. وفي معناه قوله ﷺ في الحديث الذي قبله (خشية ثائر) والثائر: هو الذي لا يبقي على أحد حتى يدرك ثأره، والثأر: الذحل والله أعلم.
стр. 911
ومن باب العقيقة
(من الصحاح)
[٣٠٦٧] حديث سلمان بن عامر الضبي ﵁ سمعت رسول الله ? يقول: (مع الغلام عقيقة) أي: مع ولادته مسنونة أو مشروعة، والعقيقة - هاهنا - الشاة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، وهي في الأصل صوف الجذع وشعر كل مولود من الناس والبهائم الذي يولد عليه، ومنه سمي ما يذبح عن المولود عقيقة؛ لأنها تذبح يوم حلق عقيقته؛ وقيل: بل لأن حلقومها شق، والعق في الأصل: الشق والقطع، وذكر الهروي أبو عبيد: أن الشعر الذي يخرج المولود من بطن أمه وهو عليه، إنما سميت عقيقة، لأنها إن كانت على إنسي حلقت، وإن كانت على بهيمة نسلتها.
وفيه (وأميطوا عنه الأذى) قيل: أراد به حلق شعر المولود، وقيل: أراد به تطهيره عن الأوساخ والأوضار التي تلطخ بها حالة الولادة. وذهب بعضهم فيه إلى الختان، وليس ذلك بشيء؛ لأن الأذى إنما يستعمل فيما يؤذى أو يكره لقذره ورجسه، وليس الختان من أحد المعنيين في شيء، ثم إن الصحيح من طريقة العرب في الختان وسنتهم في الإسلام أنهم كانوا يختنون أولادهم من السبع إلى العشر، وربما انتهى إلى ما فوقها حتى يقرب سن الاحتلام. ويدل عليه حديث ابن عباس ﵁ (كنت مختونا وكنت قد ناهزت الاحتلام).
стр. 912
(ومن الحسان)
[٣٠٧٠] حديث أم كزر الخزاعية الكعبية ﵂ سمعت رسول الله ? يقول: (اقروا الطير عل مكناتها) مكناتها بفتح الميم [١٢٦/أ] وكسر الكاف جمع مكنة وهي بيضة الضب، ويضم الحرفان منها أيضا، والمعنى: لا تنفروها، ولا تتعرضوا لها، وقال بعض الفصحاء: إنما هي وكناتها جمع وكنة، وهي عش الطائر، فأما المكنات فإنما هي للضباب.
قال أبو عبيد: ويجوز أن يجعل للطير تشبيها بمكنات الضب، قال زهير يصف الأسد:
له لبد أظفاره لم تقلم
وإنما له المخالب. قال: ويجوز أن يراد به على أمكنتها أي: على مواضعها التي جعلها الله لها فلا يزجروها ولا يلتفتوا إليها فإنها لا تضر ولا تنفع. يقال: الناس على مكناتهم أي: على استقامتهم.
وقال شمر: الصحيح فيها أنها جمع المكنة، وهي التمكن تقول العرب: إن فلانا لذو مكنة من السلطان. أي: ذو تمكن، فيقول: أقروها على كل مكنة ترونها عليها، ودعوا التطير بها. وهذا مثل التبعة: من التتبع، والطلبة: من التطلب. قلت: وقد روى أيضا (على وكناتها) قال أبو عمرو: الوكنة والأكنة بالضم: مواقع الطير، حيثما وقعت. وقال الأصمعي: الوكن: مأوى الطير في غير عش، والوكد ما كان في عش، وقد وكن الطائر بيضه يكنه وكنا: حضنه.
وفيه (ولا يضركم ذكرانا كن أو إناثا) الضمير للشياه التي تعق بها عن المولودين.
[٣٠٧٢] ومنه حديث سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ? (الغلام مرتهن بعقيقته) الحديث.
نقل عن بعض علماء السلف أنه قال: شفاعته للأبوين مرتهن بعقيقته. يريد أنه لا يشفع إذا لم يعق عنه.
قلت: ولا أدري بأي سبب تمسك ولفظ الحديث لا يساعد المعنى [الذي] أتى به، بل بينهما من
стр. 913
المباينة ما لا يخفى على عموم الناس فضلا عن خصوصهم. والمعنى إنما يؤخذ عن اللفظ، وعند اشتراك اللفظ عن القرينة التي يستدل بها عليه، والحديث إذا استبهم معناه فأقرب السبل إلى إيضاحه استيفاء طرقه، فإنها قلما تخلو عن زيادة أو نقصان أو إشارة بالألفاظ المختلف فيها رواية فيستكشف بها ما أبهم منه.
وفي بعض طرق هذا الحديث (كل غلام رهينة بعقيقته) أي: مرهون، يقال: مرهون ورهين، والهاء - هاهنا - لم تدخل للتأنيث، وإنما هي للمبالغة كقولهم: فلان كريمة قومه، والمعنى أنه [١٢٦/ب] كالشيء المرهون لا يتم الانتفاع والاستمتاع به دون فكه، والنعمة إنما تتم على المنعم عليه بقيامه بالشكر، ووظيفة الشكر في هذه النعمة ما سنه نبي الله ? وهو أن يعق عن المولود شكرا لله تعالى، وطلبا لسلامة المولود، ويحتمل أنه أراد بذلك [أن] سلامة المولود، ونشوءه عل النعت المحبوب رهينة بالعقيقة، هذا هو المعنى، اللهم إلا أن يكون التفسير الذي سبق ذكره متلقى من قبل الصحابي، ويكون الصحابي قد اطلع على ذلك من مفهوم الخطااب أو قضية الحال، ويكون التقدير: شفاعة الغلام لأبويه مرتهن بعقيقته، وفي لفظ هذا الحديث نظر وهو أن المرتهن هو الذي يأخذ الرهن، والشيء مرهون ورهين، ولم نجد فيما يعتمد عليه من كلامهم بناء المفعول من الارتهان، فلعل الراوي أتى به مكان الرهينة من طريق القياس.
وفيه (ويدمى) مكان (ويسمى) قلت: قد ذهب بعضهم في معناه إلى تدمية المولود بدم العقيقة المذبوحة عنه، وليس بشيء، فإن السنة في المولود يوم الذبح عنه أن يماط عنه الأذى، فكيف يؤمر بازدياده؟! وذهب بعضهم في تأويله إلى الختان، وليس ذلك أيضا مما يتبع؛ لما ذكرناه من السنة في الختان، مع أنه أقرب التأويلين، لو صحت الرواية فيه.
[٣٠٧٥] ومنه حديث عبد الله بن عمر ﵁ سئل رسول الله ? عن العقيقة فقال: (لا يحب الله العقوق) كأنه كره الاسم.
стр. 914
قلت: (كأنه كره الاسم) كلام أدرج في الحديث من قول بعض الرواة، ولا يدرى من القائل منهم، وعلى الجملة، فإنه قول صدر عن ظن، والظن يخطئ ويصيب، فالظاهر أنه وقع هاهنا في القسم الأول؛ لأن النبي ? ذكر العقيقة في عدة أحاديث، ولو كان يكره الاسم لعدل عنه إلى غيره، ومن سنته تغيير الاسم إذا كرهه، وكذلك عدوله عن اللفظ المكروه إلى ما عداه، وكان يشير إلى كراهة الشيء بالنهي عنه، كقوله: (لا تقولوا للعنب الكرم).
وإنما الوجه فيه أن يقال: يحتمل أن السائل إنما سأله عنها لاشتباه تداخله من الكراهة والاستحباب والوجوب والندب، أو أحب أن يعرف الفضيلة فيها، ولما كانت العقيقة من الفضيلة بمكان لم يخف على الأمة موقعه من الله أجابه بما ذكر تنبيها على أن [١٢٧/أ] الذي يبغضه الله من هذا الباب هو العقوق لا العقيقة، ويحتمل أن يكون السائل ظن أن اشتراك العقيقة مع العقوق في الاشتقاق مما يوهن أمرها، فأعلمه أن الأمر بخلاف ذلك، ويحتمل أن يكون العقيقة في هذا الحديث مستعارا للوالد، كما هو حقيقة في حق المولود، وذلك أن المولود إذا لم يعرف حق أبويه وأبى عن أدائه صار عاقا، فجعل إباء الوالد عن أداء حق المولود عقوقا على الاتساع، فقال: (لا يحب الله العقوق) أي: ترك ذلك من الولد مع قدرته عليه يشبه إضاعة المولود حق أبويه، ولا يحب الله ذلك، والله أعلم.
стр. 915
ومن كتاب الأطعمة
(من الصحاح)
[٣٠٧٩] حديث أبي حذيفة بن عقبة القرشي البشمي- ﵁ ﷺ : (إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه). المعنى: أنه يجد سبيلا إلى تطيير بركة الطعام بترك التسمية عليه في أول ما يتناوله المتناولون، وذلك حظه من ذلك الطعام. ومعنى الاستحلال هو: أن تسمية الله تمنعه من الطعام، كما أن التحريم يمنع المؤمن عن تناول ما حرم عليه، والاستحلال: استنزال الشيء المحرم محل الحلال، وهو في الأصل مستعار من حل العقدة.
[٣٠٨٠] ومنه حديث جابر- ﵁ عن النبي ﷺ : (إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه) الحديث.
قلت: فيه تنبيه على أن الشيطان لا يستطيع أن يأوى إلى بيت ذكر صاحبه [اسم] الله عند دخوله، ولا ينتفع من طعام ذكر اسم الله عليه، وذلك أن انتهازه الفرصة من الإنسان دون الغفلة ونسيان الذكر يقع منه موقع الغذاء من الإنسان لتلذذه بذلك وتقويه، ويحتمل أن يكون إصابته من الطعام التقوى برائحته، والذكر هو المانع له عن حضور الطعام.
[٣٠٨٢] ومنه حديث ابن عمر- ﵁ عن النبي ﷺ (لا يأكلن أحدكم بشماله) الحديث.
следующие страницы →